← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وهذا ظاهر كلامه في رواية حرب (١): رفع اليدين مع التكبير, فإن الرفع لا يدخل فيه الوضع والإرسال, وعلى هذا فقد يحتاج أن يثبتهما مرفوعتين إذا طوَّل التكبير, حتى يفرغ (٢). وإن جزم التكبير لم يحتج إلى ذلك. وهذا قول القاضي والآمدي وغيرهما من أصحابنا, لأن قوله: «يرفع يديه مع التكبير» «ورفع يديه حين يكبر» يوجب ذلك. وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان يرفعهما مع التكبير (٣). وإن رفعهما، ثم كبَّر، وهما مرفوعتان، ثم أرسلهما= جاز, كما اختاره أبو إسحاق، لما تقدَّم من حديث ابن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه, ثم يكبِّر (٤). وإنما (٥) اخترنا الأول، لأن الرفع هيئة التكبير, فكان معه كسائر الهيئات. ولهذا لم يستحب أن تبقى بعده. وأما إثباتهما مرفوعتين بعد التكبير فلا يستحب, وإن فعَله جاز.

стр. 1367

وقال الآمدي: يكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير, وابتداء الوضع مع انتهائه. فعلى هذا يكون انتهاء الرفع هو وضعه. وإنَّ أقطع اليدين أو إحداهما يرفع (١) بحسب قدرته. فصل ومن عجز عن استكمال (٢) الرفع رفع ما يمكن (٣) , وإن لم يمكن الرفع إلا أن يجاوز أذنيه فعَلَه. وإن (٤) عجز عنه بإحدى اليدين فعَله بالأخرى. وإن نسيه حتى لهيئة (٥) سقط، لأنه هيئة [ص ٢٥٥] فات محلها. وإن ذكره في أثناء التكبير بادر إليه لبقاء محله. وإن كانت يداه في ثوبه رفعهما بحسب الإمكان تحت الثوب، لما روى وائل بن حُجر قال: أتيت النبيَّ ﷺ في الشتاء، فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم في الصلاة (٦).

стр. 1368

وفي رواية: رأيت النبيَّ ﷺ حين افتتح الصلاة رفع يديه حيال أذنيه. قال: ثم أتيتهم فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم, وعليهم برانس وأكسية (١). وفي رواية: قال: ثم جئتُ بعد ذلك في زمان فيه برد شديد, فرأيتُ الناس عليهم جُلُّ (٢) الثياب، يحرِّكون أيديهم تحت الثياب من البرد. رواه أحمد وأبو داود (٣). والأولى له أن يُخرج يديه وقت الرفع, فيرفعهما, ثم يلتحف بعد ذلك, وإن كان متردِّيًا (٤)؛ لأن وائل بن حجر قال: صلَّيتُ مع رسول الله ﷺ ، فكان إذا كبَّر رفع يديه, ثم التحف, ثم أخذ شماله بيمينه, وأدخل يديه في ثوبه. قال: فإذا أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما. فإذا أراد أن يرفع رأسه من السجود رفع يديه (٥). مسألة (٦): (ويجعلهما تحت سُرَّته) . يعني: إذا انقضى التكبير فإنه يرسل يديه، ويضع يده اليمنى فوق اليسرى

стр. 1369

على الكُوع, بأن يقبض الكوع باليمنى, أو يبسط اليمنى عليه، ويوجِّه أصابعهما إلى ناحية الذراع. ولو جعل اليمنى فوق الكوع، أو تحته على الكفِّ اليسرى, جاز؛ لما روى وائل بن حجر أنه رأى النبيَّ ﷺ حين دخل في الصلاة «ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى» رواه مسلم (١). وفي رواية لأحمد وأبي داود: «وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرُّصْغ (٢) والساعد» (٣). وعن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجلُ اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: ولا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى رسول الله ﷺ . رواه أحمد والبخاري (٤). وعن قبيصة بن هُلْب عن أبيه. قال: كان رسول الله ﷺ يؤمُّنا، فيأخذ شماله بيمينه. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه, والترمذي (٥) وقال: حديث حسن, وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين.

стр. 1370

ولأنَّ ذلك أزين وأقرب إلى الخشوع, [ص ٢٥٦] وهو: قيام الذليل بين يدي العزيز. ولا يستحب ذلك في قيام الاعتدال عن الركوع, لأن السنَّة لم ترِدْ به, ولأن زمنه يسير يحتاج فيه إلى التهيؤ للسجود. ويجعلهما تحت سُرَّته, أو تحت صدره, من غير كراهة لواحد منهما. والأول أفضل في إحدى الروايات عنه, اختارها الخِرقي والقاضي وغيرهما (١). رواه أحمد وأبو داود والدارقطني (٢) عن أبي جحيفة قال: قال علي ﵇ (٣): إنَّ من السنَّة وضعَ الأكُفِّ على الأكفِّ تحت السرَّة. ويذكر ذلك من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ (٤) , وقد احتجَّ به الإمام أحمد.

стр. 1371

وروى ابن بطة عن أبي هريرة ﵁ قال: من السنَّة أن يضع يده اليمنى في الصلاة تحت السرَّة (١). والصحابي إذا قال: «السنة» انصرف إلى سنة النبي ﷺ . ولأنَّ ذلك أبعد عن التكفير (٢) المكروه. وفي الأخرى: تحت الصدر أفضل. اختارها طائفة من أصحابنا, لما روى جرير الضبي قال: رأيتُ عليًّا يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرَّة. رواه أبو داود (٣). وروى قبيصة بن هُلْب عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ يضع هذه على صدره. ووضع يحيى بن سعيد اليمنى على اليسرى فوق المفصل. رواه أحمد (٤). والرواية الثالثة: هما سواء. اختارها ابن أبي موسى وغيره (٥) لتعارُض

стр. 1372

الآثار في ذلك. فأما وضعهما على الصدر, فيكره. نصَّ عليه (١). وذكر عن أيوب (٢) عن أبي معشر قال: يُكرَه التكفير في الصلاة. وقال: التكفير: يضع يمينه عند صدره في الصلاة (٣). وما روى من الآثار عن الوضع على الصدر, فلعله (٤) محمول على مقاربته. مسألة (٥): (ويجعل نظره إلى موضع سجوده) . وجملة ذلك: أنه يكره للمصلِّي رفع البصر إلى السماء أو الالتفات (٦) يمنةً ويسرةً لغير حاجة كراهة شديدة، لما روى جابر بن سمرة أن النبي ﷺ قال: «أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه وهو في الصلاة أن لا يرجع إليه بصره؟» رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه (٧). وعن أنس عن النبي ﷺ قال: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى

стр. 1373

السماء؟». فاشتدَّ قوله في ذلك حتى قال [ص ٢٥٧]: «لَينتهُنَّ أو لتُخطفَنَّ (١) أبصارُهم» رواه الجماعة إلا مسلمًا والترمذي (٢). وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «[لَينتهيَنَّ] (٣) أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لَتُخطفَنَّ أبصارهم» رواه أحمد ومسلم (٤). وعن عائشة ﵂ قالت: سألتُ رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة؟ قال: «اختلاسٌ يختلسه الشيطان من صلاة العبد» رواه أحمد والبخاري (٥). وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت, فإذا صرف وجهَه انصرف عنه» رواه أحمد وأبو داود والنسائي (٦).

стр. 1374

وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إياك والالتفاتَ في الصلاة, فإنَّ الالتفات في الصلاة هُلكٌ (١). فإن كان لا بد, ففي التطوع لا في الفريضة» رواه الترمذي وصححه (٢). وعن عطاء عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن العبد إذا قام إلى الصلاة, إنه بين عيني الرحمن , فإذا التفت قال له الربُّ: إلى من تلتفت؟ إلى من هو خير لك منِّي؟ ابن آدم, أقبِلْ عليَّ، فأنا خير لك ممن تلتفت إليه» (٣).

стр. 1375

ويُكرَه أن ينظر إلى شيء يلهيه, كائنًا من كان (١). ويُكرَه أن يغمِّض بصره، لأنه من فعل اليهود (٢). ولا يكره أن ينظر أمامه إلا أنَّ (٣) الأفضل أن ينظر إلى موضع سجوده. وقال أبو الحسن الآمدي: يستحب أن ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده, وفي حال ركوعه إلى قدميه, وفي حال سجوده إلى أنفه, وفي حال جلوسه إلى موضع يديه (٤)؛ لأنه أجمع لهمته, وأبعد لفكرته؛ لقوله سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. وخشوع البصر: ذُلُّه واختفاضه , كما قال تعالى: ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ [النازعات: ٩] وكذلك جاء في صفة النبي ﷺ : كان خافض الطرف, ونظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء (٥).

стр. 1376

قال مجاهد: الخشوع: غضُّ البصر وخفض الجناح. كان الرجل من العلماء (١) من أصحاب محمد إذا قام إلى الصلاة هاب الرحمنَ أن يشُدَّ بصره إلى شيء, أو يحدِّث نفسَه بشيء من شأن الدنيا. رواه ابن جرير وغيره (٢). وروى (٣) الإمام أحمد وسعيد وغيرهما عن محمد بن سيرين أنَّ رسول الله ﷺ [ص ٢٥٨] كان يقلِّب بصره في السماء, فنزلت: ﴿الَّذِينَ (٤) هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] فطأطأ رأسه. قال ابن سيرين: فكانوا يستحبُّون للرجل أن لا يجاوز بصره مصلَّاه (٥).

стр. 1377

و يستحَبُّ في التشهد أن ينظر إلى إشارته ، لما روى عبد الله بن الزبير ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في التشهد أشار بالسبَّابة, ولم يجاوز بصره إشارته. رواه أحمد وأبو داود والنسائي (١). وإذا أحسَّ بشيء, فقال أحمد: ما يعجبني أن يلتفت. قال الآمدي: هذا على طريق الورع. مسألة (٢): (ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك, وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك») . لا يختلف المذهب أنَّ استحباب الاستفتاح في صلاة الفريضة والنافلة بعد التكبير (٣). وقد جاء فيه عن النبي ﷺ وأصحابه أنواع عديدة, لكن

стр. 1378

عامتها إنما كان يستفتح بها (١) النبيُّ ﷺ في صلاة الليل في النوافل, فبأيها استفتح فحسن. وإنما استحببنا هذا الاستفتاح على غيره لوجوه (٢): أحدها: أنه روي عن النبي ﷺ من وجوه. فروى أبو سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة قال: «سبحانك اللهم وبحمدك, وتبارك اسمك, وتعالى جدُّك, ولا إله غيرك» رواه الخمسة (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة قال: «سبحانك اللهم وبحمدك, وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك, ولا إله غيرك»

стр. 1379

رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني (١). وعن أنس قال: كان النبيُّ ﷺ إذا افتتح الصلاة كبَّر، ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك, وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك, ولا إله غيرك» رواه الدارقطني (٢) بإسناد جيد.

стр. 1380

وروي أيضًا عن (١) عمر ﵁ عن النبي ﷺ ، والمشهور أنه عن عمر (٢). ورواه الطبراني في «الدعاء» (٣) من حديث ابن مسعود، وعبد الله بن عمر (٤) والحكم بن عمير اليماني (٥). وفي رواية له: كان رسول الله ﷺ

стр. 1381

يعلمنا يقول: «إذا قمتم إلى الصلاة فقولوا: سبحانك اللهم وبحمدك, وتبارك اسمك وتعالى جدُّك, ولا إله غيرك. وإن لم تزيدوا على التكبير [أجزأكم] (١)» (٢). وهذا أمر منه، ولم يجئ في الاستفتاح الأمر إلا في هذا. ورواه النجاد من حديث جابر (٣) وابن مسعود (٤). [ص ٢٥٩] الثاني: أنه الذي تختاره (٥) عامة أصحاب النبي ﷺ . قال الترمذي: عليه العمل عند الصحابة والتابعين (٦). وروى سعيد عن أبي بكر

стр. 1382

الصديق ﵁ أنه كان يستفتح بذلك (١). وكان أبو بكر أشبه الناس صلاة برسول الله. وهو مشهور عن عمر, رواه مسلم في «الصحيح» عن عبدة (٢) أن عمر كان يجهر بهؤلاء الكلمات: [«سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك». وفي «سنن الدارقطني» (٣) عن الأسود، قال: كان عمر ﵁ إذا افتتح الصلاة قال] (٤): «سبحانك اللهم وبحمدك, وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك, و لا إله غيرك» يُسْمِعنا (٥) ذلك ويعلِّمنا. وعلى هذا الوجه اعتمد أحمد لوجوه (٦): أحدها: أنَّ عامة الاستفتاحات المأثورة عن النبي ﷺ إنما هي في النوافل. الثاني: أن هذا جهَر عمرُ به في الفريضة، ليعلمه الناس بحضرة أصحاب النبي ﷺ , ولم ينكروه عليه. وهو إنما يعلِّم الناس سنة النبي ﷺ ، ولا شيء (٧) يختاره لنفسه. وكذلك أقرَّه الناس (٨) على ذلك، ولم ينكره عليه أحد. بل قد

стр. 1383

روى الدارقطني (١) عن عثمان مثل ذلك, وروى [ابن] (٢) المنذر (٣) عن ابن مسعود مثل ذلك. وإذا كان الخلفاء الراشدون على ذلك عُلِم أنه المسنون غالبًا. الثالث: ما روى سعيد بن منصور وغيره عن الضحاك في قوله: ﴿وَسَبِّحْ (٤) بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] قال: حين تقوم إلى الصلاة. قال: تقول: «سبحانك اللهم وبحمدك, وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك, ولا إله غيرك» (٥). وقال النبي ﷺ للأعرابي المسيء في صلاته: «لا تتِمُّ صلاةٌ لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوءَ مواضعَه. ثم يكبِّر، ويحمد الله، ويثني عليه, ويقرأ بما تيسَّر من القرآن» رواه أبو داود والنسائي (٦). فالافتتاح بهذا أشبه بامتثال الأمر في الكتاب والسنة. الرابع: أن أفضل الكلام بعد القرآن أربع, وهي: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. فاستفتح الصلاة بالتكبير، وضمَّ إليها «سبحانك

стр. 1384

اللهم وبحمدك ولا إله غيرك»، فقد أتى بمعنى هذه الكلمات. وضمَّ إليها: «تبارك اسمك وتعالى جدك». والجَدُّ هو العظمة والكبرياء, وهو المثل الأعلى في السماوات والأرض. فإذا انضمَّ إلى الباقيات الصالحات أسماؤه سبحانه وصفاته, فقد حصل الثناء من (١) جميع الجهات. الخامس: أنَّ هذه الكلمات كلها في القرآن أمرًا أو ثناءً (٢) , والذكر الموافق للقرآن أفضل من غيره. أما التكبير فقال: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]. وأما التسبيح والتحميد فقال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣]. وكان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم [ص ٢٦٠] ربنا وبحمدك» يتأول (٣) هذه الآية (٤). فعُلِم أن قول العبد: «سبحانك اللهم وبحمدك» يكون امتثالًا لها. وكذلك قوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٧٥]، ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠]. وأما التبريك فقال: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذُو (٥) الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]. وأما التعلية فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن: ٣] وأما التهليل فكثير. السادس: أن هذا ثناء محض على الله. وما سواه إما إخبار عن الحال التي هو فيها أو دعاء ومسألة, والثناء على الله أفضل منهما. وكذلك اختير

стр. 1385

التسبيح في الركوع والسجود على قول العبد: لك سجدت, وعلى الدعاء. السابع: أن ما سواه فيه طول ينافي ما يشرع في المكتوبة من التخفيف. وكذلك من يختاره من العلماء لا يختار جميعَه. فكأن الذكر المعمول بجميعه أولى (١) من الذكر المعمول ببعضه. ولهذا والله أعلم كان النبي ﷺ إنما يقول غالبًا في قيام الليل لطوله. الثامن: أنه قد ثبت أن هذا مسنون في المكتوبة, وغيرُه مما يختاره بعض العلماء إنما روي أنه كان في النافلة. والأفضل أن يقول «ولا إلهَ» بفتح الهاء. وإن قالها بالضم والتنوين جاز. قال ابن عقيل: وهو أفضل، لأن التنوين حرفان يعيد (٢) في الصلاة (٣). والمذهب أن الفتح أفضل، لأنه هو اللغة الغالبة التي يُقرَأ بها, وإن ضمَّها ففيه خلاف من النحاة العامة (٤). وكذلك جاءت ألفاظ الأذان وغيره في قولنا: لا إله إلا الله. ولأنَّ معناها أكمل وأتم، لأنها [ ... ] (٥). وأما سائر أنواع الاستفتاح, فمنها: ما روى أبو هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبَّر في الصلاة سكت هنيئةً قبل أن يقرأ, فقلت: يا رسول الله, أرأيتَ سكوتك بين التكبير والقراءة, ما تقول؟ قال: «أقول: اللهم باعِدْ بيني وبين خطايايَ كما باعدتَ بين المشرق والمغرب. اللهم نقِّني من

стр. 1386

خطاياي كما تنقِّي الثوبَ الأبيض من الدنس. اللهم اغسِلْني من خطاياي بالماء والثلج والبرَد» متفق عليه (١). وهذا صريح في المكتوبة. قال أحمد (٢): ما أحسن حديث أبي هريرة في الاستفتاح. ولعله ﷺ كان يستفتح بهذا أحيانًا, أو كان يقوله بعد: سبحانك اللهم, كما كان يقوله في الاعتدال عن الركوع بعد التحميد, كما نذكر إن شاء الله. ومنها: ما رواه علي ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال [ص ٢٦١]: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين. إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين, لا شريك له. وبذلك أُمِرتُ، وأنا من المسلمين. اللهم أنت الملِك، لا إله إلا أنت. أنت ربِّي, وأنا عبدك. ظلمتُ نفسي, واعترفتُ بذنبي, فاغفر لي ذنوبي جميعًا, إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت, [واهدِني لأحسن الأخلاق, لا يهدي لأحسنها إلا أنت, واصرِفْ عنّي سيئها, لا يصرِفُ عنّي سيئها إلا أنت] (٣) لبيك وسعديك، والخير كلُّه في يديك, والشر ليس إليك. وأنا بك وإليك, تباركت وتعاليت, أستغفرك وأتوب إليك» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي, والترمذي وصححه (٤). وفي رواية لأبي داود (٥): أنه إذا قام إلى

стр. 1387

الصلاة المكتوبة. ورُوي بعض ذلك أيضًا من حديث جابر (١) ومحمد بن مسلمة (٢) وعبد الله بن عمر (٣). وفي حديث محمد بن مسلمة (٤): كان إذا قام يصلي من الليل تطوعا قال: «وجهت وجهي» رواه النسائي (٥). ومن ذلك: ما روى جبير بن مطعم ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ حين دخل في الصلاة قال: «الله أكبر كبيرًا, الله أكبر كبيرًا, الله أكبر كبيرًا, الحمد لله كثيرًا, الحمد لله كثيرًا, الحمد لله كثيرًا. سبحان الله بكرةً وأصيلًا, سبحان الله بكرةً وأصيلًا, سبحان الله بكرةً وأصيلًا. اللهم إنّي أعوذ بك من الشيطان الرجيم, من همزه ونفخه ونفثه». وفي رواية: «يقول في التطوع» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (٦).

стр. 1388

قال أحمد: حديث جبير بن مطعم يدل على صلاة الليل, وحديث أبي هريرة يدل على صلاة النهار. وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: جاء رجل ونحن في الصفِّ خلفَ النبيِّ ﷺ , فدخل في الصلاة، ثم قال: الله أكبر كبيرًا, والحمد لله كثيرًا, وسبحان الله بكرةً وأصيلًا. فرفع القوم رؤوسهم، واستنكروا الرجل، وقالوا: من هذا الذي يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ ؟ فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: «من هذا العالي الصوت؟». فقالوا: هو هذا. فقال: «والله رأيت كلامك يصعد في السماء حتى يُفتح له باب، فيدخل فيه» رواه سعيد وأبو نعيم (١). وروي من حديث وائل بن حجر (٢) وعبد الله بن عمر (٣): فجاء رجل، فدخل في الصلاة، فقال: الله أكبر كبيرًا, والحمد لله كثيرًا, وسبحان الله بكرةً وأصيلًا. فلما صلَّى النبيُّ ﷺ قال: «من صاحب الكلمات؟» فقال رجل: أنا

стр. 1389

يا رسول الله, ما أردت بهن إلا خيرًا. [ص ٢٦٢] قال: «لقد رأيتُ أبواب السماء فُتِحت لهنَّ فما تناهَينَ (١) دون العرش» رواه أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عبد الجبار، عن أبيه. وعن عبد الله بن عمرو (٢): أنه كان إذا افتتح الصلاة قال: الله أكبر كبيرًا, والحمد لله كثيرًا, وسبحان الله بكرةً وأصيلًا, اللهم اجعلك أحبَّ شيءٍ إليَّ، وأخشى شيء عندي. رواه سعيد وأبو نعيم (٣). ومن ذلك: ما روى أبو العباس (٤) أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل: «اللهم لك الحمد. [أنت] (٥) نور السماوات والأرض ومن فيهن, ولك الحمد. أنتَ قيَّام السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد. أنت ربُّ السماوات والأرض ومن فيهن, ولك الحمد (٦). أنت الحق، وقولك الحق, ووعدك الحق. ولقاؤك حقٌّ, والجنة حقٌّ, والنار حقٌّ, والساعة حقٌّ, والنبيون حقٌّ, ومحمد حقٌّ (٧). اللهم لك (٨) أسلمتُ, وبك

стр. 1390

آمنتُ, وعليك توكلتُ, وإليك أنبتُ, وبك خاصمتُ, وإليك حاكمتُ. فاغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ, وأسررتُ وأعلنتُ (١). أنت إلهي لا إله إلَّا أنت (٢)» رواه الجماعة (٣). وفي رواية لأبي داود (٤): «كان في التهجد يقول بعد ما يقول: الله أكبر». ومن ذلك: ما روت عائشة أنّ النبيَّ ﷺ كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: «اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السموات والأرض, عالمَ الغيب والشهادة, أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنك, إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» رواه الجماعة إلا البخاري (٥). وفي رواية لأحمد وأبي داود (٦): «كان إذا قام كبَّر ويقول: «اللهم رب جبرائيل» الحديث. ومن ذلك: ما روي عن عائشة ﵂ أنها سئلت: بأيِّ شيء كان يستفتح النبي ﷺ قيامَ الليل؟ فقالت: كان إذا قام كبَّر عشرًا, وحمد الله عشرًا, وسبَّح عشرًا, وهلَّل عشرًا, واستغفر عشرًا, وقال: «اللهم اغفر لي، واهدِني،

стр. 1391

وارزقني، وعافني». ويتعوَّذ من ضيق المقام يوم القيامة. رواه أحمد وأبو داود (١). ومن ذلك: ما روى حذيفة أن رسول الله ﷺ كان يصلي من الليل، فقال (٢): «الله أكبر, ذو الملك والجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» رواه أبو نعيم (٣). وفي رواية: إذا افتتح الصلاة قال: «الله أكبر, ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة» رواه أبو نعيم (٤). فهذه الاستفتاحات مستحبة في النافلة, كما جاءت بها السنة, ولا بأس [ص ٢٦٣] بها في الفرض, بل الاستفتاح بها حسن. نصَّ عليه في غير موضع. قال في رواية [ابن] (٥) منصور: أنا أذهب إلى حديث عمر. وكلُّ ما (٦)

стр. 1392

روي عن النبي ﷺ , فليس به بأس, وعامة ما قال في صلاة الليل. وقال (١): ما أحسن حديث أبي هريرة في الافتتاح. وقال في حديث جبير بن مطعم: ما أدفع من ذهب إليه. وقال في رواية ابن الحارث: أذهب إلى ما روي عن عمر. ولو أنَّ رجلًا استفتح ببعض ما روي من الاستفتاح كان حسنًا (٢). فقد نصَّ على جواز الجميع واستحسانه, مع تفضيل استفتاح عمر. وقد قال أيضًا: أذهب في الصلاة إلى افتتاح عمر. قيل له: فهذه الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ ؟ قال: نرى (٣) أن [أحاديث] (٤) افتتاح النبي ﷺ التي جاءت عنه أنها (٥) في التطوع إلا حديث عائشة. وقال في رواية أبي القاسم: ما يروى من تلك الأحاديث إنما هي عندي في صلاة التطوع. قال القاضي: فإذا ثبت أنها كانت في نوافل الليل لم يُستحبَّ فعلُها في صلاة الفرض، لأنها لو كانت مستحبةً فيها لما خُصَّ (٦) بها النفل دون

стр. 1393

الفرض. وهذا كالدعاء في الركوع والسجود, فإنه (١) يُكرَه في الفرض دون النفل, على إحدى الروايتين, وكالقنوت فإنه مشروع في النفل دون الفرض. والصحيح الصريح: هو الرواية الأولى, وأنَّ ذلك جميعه حسن في الفرض أيضًا, لأن حديث أبي هريرة صريح أنه كان في الفريضة, وحديث [علي] (٢) قد روي فيه أنه كان في الفريضة, وحديث جبير قد روى ابن أبي أوفى نحوه في الفريضة؛ لأن الرجل الذي افتتح الفريضة بقوله: «الله أكبر كبيرا» (٣). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلِّي، إذ جاء رجل وقد حفزه النفس، وقال: «الله أكبر، الحمد لله كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه». فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: «أيكم المتكلِّم بالكلمات؟» [فأرمَّ] (٤) القوم, فقال (٥): «إنه لم يقل بأسا» , فقال الرجل: أنا يا رسول الله, جئتُ وقد حفزني النفسُ، فقلتُهن. فقال: «لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها، أيُّهم يرفعها» (٦). وفي رواية ابن إبراهيم (٧)، وقد سئل عن الرجل يقول: الله أكبر كبيرًا, فقال: ما سمعت، يقول: الله أكبر سبحانك.

стр. 1394

قال القاضي: فإن قال: الله أكبر وأجلّ وأعظم، أو قال: الله أكبر كبيرًا، أو قال: الله أكبر من كل شيء= انعقدت صلاته. ولم تستحَبَّ هذه الزيادة, بل تكره. وقال الآمدي وغيره: لا تستحب. ولم يصفها بكراهة. والصحيح أن قوله: الله أكبر كبيرًا, لا يكره, بل هو حسن، وإن كان غيره أفضل منه [ص ٢٦٤] بخلاف قوله: أكبر من كل شيء, ونحوه, فإنه غير مأمور به. قال القاضي والآمدي: وهذا يدل على أنه لا تستحب الزيادة على التكبير في صلاة الفرض. فصل إذا نسي الاستفتاح في موضعه لم يأت به في الركعة الثانية لفوات محلِّه. هذا قول عامة (١) أصحابنا. وذكر الآمدي أنه إن (٢) قلنا بوجوبه, كما اختاره ابن بطة, فإنه يأتي به في الثانية. وإن قلنا: لا يجب, فهل يأتي به في الثانية؟ على اختلاف في المذهب, وظاهر المذهب أنه لا يأتي به (٣). والصواب: طريقة أصحابنا أنه لا يأتي بالاستفتاح، لأنه ذكر مشروع في موضع, وقد فات محلُّه, فلا يأتي به, كالتسبيح في الركوع والسجود, وقراءة السورة إذا نسيها في الأوليين. وإن ترك الاستعاذة في الركعة الأولى أتى بها في الثانية. ولا يأتي بها في أثناء القراءة، لفوات محلِّها, كذا ذكر.

стр. 1395

مسألة (١): (ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) . السنَّة لكلِّ من قرأ في الصلاة أو خارج الصلاة: أن يستعيذ، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، يعني: إذا أردت القراءة كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، أي: يريدون العود. فإن قيل: هذا أمر لمن (٢) كان أكبر مقصوده القراءة فقط, وهو القارئ خارج الصلاة, والقارئ للقرآن في صلاة التراويح. قلنا: الآية تعمُّ القسمين. بل إذا استحب الاستعاذة للقارئ في غير الصلاة, فهي للقارئ في الصلاة أوكد طردًا لوسوسة الشيطان عنه, ولما تقدَّم من حديث جبير بن مطعم. وروى أبو سعيد أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة استفتح, ثم يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم». وفي رواية: «من همزه ونفخه ونفثه» رواه أحمد, والترمذي (٣) وقال: هذا أشهر حديث (٤) في هذا الباب. والذي قبله, وإن كان في النافلة, فإنه لا فرق في الاستعاذة بين (٥)

стр. 1396

الفريضة والنافلة. ولو لم يكن كان يبلغنا (١) أنه كان يستعيذ امتثالًا لأمر الله سبحانه, كما لم ينقل عنه نقلًا ظاهرًا أنه كان يستعيذ عند القراءة خارج الصلاة, إلا في حديث أو حديثين، ومعلوم أن ذلك لا محالة له. وقال الأسود بن يزيد: [ص ٢٦٥] رأيت عمر حين يفتتح الصلاة يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك, وتبارك اسمك، وتعالى جدك, ولا إله غيرك»، ثم يتعوذ. رواه النجاد والدارقطني (٢). وجاءت الاستعاذة في الصلاة عن ابن مسعود (٣) وابن عمر (٤) وأبي هريرة (٥). فصل وفي صفة الاستعاذة أربعة أنواع (٦): أحدها: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» , كما ذكره الشيخ, وذكره جماعة من أصحابنا, وذكره الآمدي روايةً عن أحمد لظاهر قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. وقال: ابن المنذر (٧): جاء

стр. 1397

عن النبي ﷺ أنه كان يقول قبل القراءة: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». وقد روى سليمان بن صُرَد قال: استبَّ رجلان عند النبي ﷺ , فجعل أحدهما يغضب ويحمرُّ وجهه, فنظر إليه النبي ﷺ فقال: «إني لأعلم كلمةً لو قالها لذهب عنه هذا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» رواه البخاري ومسلم (١). ولأنَّ في حديث جبير بن مطعم: «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم». وكذلك روى النجَّاد ثلاث روايات: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, إنَّ الله هو السميع العليم» (٢) قاله في رواية جماعة. واختاره أبو بكر والقاضي والآمدي وابن عقيل وغيرهم (٣). وقد روي ذلك عن مسلم بن يسار (٤) , وهو من أفضل التابعين؛ لأنَّ ذلك فيه جمعٌ (٥) بين ظاهر قوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ مع قوله [في] (٦) الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦]. وهو أبلغ معنى، لأنَّ ذكر الصفة بعد الحكم بحرف «إنَّ» يقتضي أن يكون علمُه وسمعُه سبحانه لدعاء الداعي وعلمُه بما في قلبه سببًا (٧) لإعاذته وإجارته من الشيطان.

стр. 1398

و ثانيها: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» ،لأنَّ فيه جمعًا بين [الاستعاذة و] (١) صفة الله تعالى مع تقديمها. وقد تقدَّم في حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ : أنه كان يقول بعد الاستفتاح: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» (٢). وروى أبو داود والنجاد في قصة الإفك أن النبي ﷺ جلس، وكشف عن وجهه، وقال: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» (٣). وروى أحمد في «المسند» (٤) عن معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: «من قال إذا أصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان [الرجيم] (٥) ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا [ص ٢٦٦] الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ ... ﴾ إلى آخر سورة

стр. 1399

الحشر, وكَّل الله به سبعين ألف ملك يحفظونه حتى يمسي. ومن قالها إذا أمسى, وكَّل الله به سبعين ألف ملك يحفظونه حتى يصبح». وروى النجَّاد عن ابن عمر أنه كان يقول: أعوذ بالله (١) من الشيطان الرجيم, وأعوذ (٢) بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم (٣). وثالثها: أن يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم, إن الله هو السميع العليم». واختاره ابن أبي موسى وأبو الخطاب (٤) , تخصيصًا للصفة بإعادتها, وعملًا بظاهر قوله: «إن الله هو السميع العليم» (٥) مع السنَّة الواردة لذلك. وكيف ما استعاذ بما رُوي فقد أحسن, مثل أن يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم, من همزه ونفخه ونفثه». وهمزه: المُوتة (٦) , وهي الصَّرَع. ونفخه: الكبر والخيلاء. ونفثه: الشعر والأغاني الكاذبة (٧).

стр. 1400

مسألة (١): (ثم يقرأ: بسم الله الرحمن الرجيم, ولا يجهر بشيء من ذلك ؛ لقول أنس: صلَّيتُ مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم). السنَّة: أن يقرأ البسملة قبل الفاتحة, وأن يخفيها. أما قراءتها، فلما روى نُعَيم (٢) المُجْمِر, قال: صلَّيتُ وراء أبي هريرة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم, [ثم] (٣) قرأ بأمِّ القرآن, وقال: والذي نفسي بيده، إنِّي لأشبهكم صلاةً برسول الله ﷺ . رواه النسائي والدارقطني بإسناد جيِّد (٤). وهو مروي عن إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان عن خالد الوالبي عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ كان يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم. رواه الترمذي (٥) وقال: ليس إسناده بذاك. رواه المعتمر

стр. 1401

عن إسماعيل محتجًّا به. وذكر إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: إسماعيل بن حماد ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي خالد الوالبي, فقال: صالح الحديث. وعن علي ﵁ قال: كان النبيُّ ﷺ يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم. رواه الدارقطني (١). وعن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم. رواه الترمذي والدارقطني (٢) , وإسناده ليس بذاك. ولأنَّ أحاديث أنس كلَّها (٣) إنما نُفِي فيها الجهر, فعُلِم أنهم كانوا يقرؤونها سرًّا, كما صرِّح به في بعض الروايات, [ص ٢٦٧] يعني ابتداء

стр. 1402

القراءة، كما سيأتي. ولأنَّ الصحابة ﵃ كانوا يقرؤونها، وينكرون على من رغب عن قراءتها, وهم أعلم بالسنَّة. ولأنه يشرع قراءتها في النافلة, فكذلك في الفريضة. ولأنه يشرع قراءتها في أول السورة خارج الصلاة, فكذلك في الصلاة، وأولى. ولأنها مكتوبة في المصحف, وإنما كُتِبت لتقرأ. وهل قراءتها واجبة أو سنة؟ يأتي إن شاء الله توجيهها. و السنَّة: الإسرار بها . هذا مذهبه الذي لم تختلف فيه نصوصه, وهو قول عامة أصحابه. والجهر بها مكروه, نصَّ عليه. وقد ذهب بعض أهل مذهبه إلى استحباب الجهر بها, وهو قول أبي القاسم عبد الرحمن بن منده. وربما حكى بعض الناس هذا روايةً عنه (١) , وهو غلط. وإنما مذهبه الإسرار، لما روى أنس بن مالك ﵁ قال: صلَّيتُ خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وفي لفظ: «يفتتحون القراءة» رواه الجماعة (٢). وفي لفظ: «كانوا لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها» رواه أحمد ومسلم (٣).

стр. 1403

وفي لفظ متفق عليه (١): «فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم» رواه أحمد (٢) بإسناد جيد (٣) شرط الصحيح, ولفظه: «كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم». وفي لفظ لابن شاهين: «كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يخفُون بسم الله الرحمن الرحيم» (٤). وفي لفظ: «كان رسول الله ﷺ يُسِرُّ بسم الله الرحمن الرحيم، وأبو بكر وعمر» (٥).

стр. 1404

فإن قيل: قوله: «بالحمد لله رب العالمين» أراد به السورة, يعني: أنه كان يقرأ الفاتحة قبل السورة؛ والروايات الصريحة لعلها من بعض الرواة رواها بما فهمه من المعنى. يدل على ذلك ما روى سعيد بن يزيد (١) عن أبي مسلمة (٢) قال: سألتُ أنسًا: أكان رسول الله ﷺ يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم, أو الحمد لله رب العالمين؟ قال: إنك تسألني [عن شيء] (٣) ما أحفظه, ولا سألني عنه أحد قطُّ قبلك. رواه أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي (٤). وإسناده شرط (٥) الصحيحين, وقال الدارقطني: إسناده صحيح. قلنا: هذا التأويل لا يصح لو تجرد عن الروايات الصريحة، لأنه لو أراد السورة لذكرها باسمها, فقال: «بالفاتحة» أو «أم الكتاب» أو «أم القرآن» كما عادتهم في سائر الخطاب, [أو سمَّاها] (٦) بالحمد بأول كلمة منها, كما تقول: سورة «والعاديات»، وسورة «اقرأ» ونحو ذلك [ص ٢٦٨] كما عرف أهل زماننا. فأما تسميتها «الحمد لله رب العالمين» بالجملة جميعها, فليس يُعرَف في اللسان قديمًا ولا حديثًا.

стр. 1405

ثم لو كان المقصود أن يبتدئ القراءة بسورة أم الكتاب, لم تكن فيه فائدة, لأن هذا من العلم العام, مثل كون قراءة الليل يجهر بها وقراءة النهار يخافت بها, وسنَّة ذلك. وفي حديث قتادة: أنهم سألوا أنسًا عن ذلك, من توهم بعض الرواة, فقال قولًا عظيمًا (١)؛ لأن في الحديث ذكر لفظ أنس في قوله: «لم يكونوا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها». وهذه زيادة على الرواية الأخرى, ثم قد رواه عن أنس جماعة, كلٌّ منهم يؤدِّي لفظًا صريحًا غير الآخر. ومن تتبَّع طرق الحديث علِم ذلك. وأما الحديث الآخر، إن كان محفوظًا، فالظاهر: أن السائل سأل أنسًا عن قراءتها سرًّا, فلم يكن إذ ذاك يعلم ذلك, وإنما كان الذي يعلمه أنهم لا يجهرون بها, وعلِم من طريق آخر أنهم كانوا يسرُّون بها, فرواه في وقت آخر, إن كانت مسألته لأنس قديمًا. وإن كان ذلك حديثًا, فلعل أنسًا قد نسي؛ لأنه كان في آخر عمره. وسعيد بن يزيد (٢) [ ... ] (٣). وبكل حال: مثل هذا لا يصلح أن يعارض الروايات المستفيضة عنه. وأيضًا مما روى أبو الجوزاء عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاةَ بالتكبير، والقراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ رواه أحمد ومسلم (٤) , وقد تقدم الكلام على تأويله بالسورة.
следующие страницы →