← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

تأوي إلى شَبَعٍ فليصُمْ رمضانَ حيثُ أدْرَكَه». وفي لفظ: «مَنْ أدركه رمضان في السفر» رواهما أبو داود (١). وعن أبي هريرة وعائشة: أن رجلًا قال: يا رسول الله، أصبتُ أهلي في رمضان. متفق عليهما (٢). وهذا كثير في الحديث عن النبي ﷺ ، وأما عن أصحابه فأكثر من أن يُحصى. قالوا: ولأنه لم يذكر أحدٌ في أسماء الله «رمضانَ»، ولا يجوز أن يُسمَّى به إجماعًا (٣). والحديثان المتقدمان (٤) لا أصل لهما؛ أما الأول فإنّ مداره على أبي مَعْشَر، والثاني مداره على إسماعيل بن أبي زياد الشامي، عن هشام بن عروة. وأما قوله سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ فكقولهم: شهر ربيع الأول وشهر

стр. 1507

ربيع الآخر، وهو من باب إضافة الاسم العام إلى الخاص، كما يقال: يوم الأحد ويوم الخميس. قال بعض أهل [اللغة] (١): ما كان في أوله [راءٌ من] (٢) الشهور، فإن الغالب أن يُذكَر بإضافة الشهر إليه دون ما لم يكن كذلك، فيقولون: المحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، شهر ربيع الآخر، [شهر] (٣) رجب، شعبان، شهر رمضان. * وأما اشتقاقه، فقال القاضي (٤): قيل: سُمي رمضان لأنه يَرْمُض الذنوب؛ أي: يُحْرِقها ويُهْلِكها. وقد تقدمت الروايةُ بذلك. وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «أتدرون لأيِّ شيء سُمّي شعبان؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «لأنه يتشعَّبُ فيه خيرٌ كثير، وإنما سُمِّي رمضان لأنه يرمض الذنوب» (يعني: يحرق الذنوب). رواه ابن شاهين وغيره (٥).

стр. 1508

وهذا المعنى لا يخالف ما يذكره أهلُ اللغة؛ فإنهم يزعمون أن أسماء الشهور لمَّا نقلوها عن اللغة القديمة، سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحَرّ، فسُمّي بذلك، كما سمَّوا شوّالًا؛ لأن الإبل تشول بأذنابها، وسمّوا شعبان لانشعاب القبائل فيه، وغير ذلك. وهذا لأن الرَّمَض شدّةُ وَقْعِ الشمس على الرمل وغيره، والأرضُ رَمْضاء، ورَمِضَ يومُنا يرمض رَمَضًا: اشتدّ حرُّه، ورَمِضتْ قدمي، ورَمِض الفصيلُ: أصابه حرُّ الرمضاء. فاجتمع في رمضان أنّ وقت التسمية كان زَمَن حَرّ، ثم إن الله فرض صومَه، والصومُ فيه العطشُ والحرارة، ثم إنه يوجب التقوى فتحرق الذنوبَ وتهلكها. وقد يُلْهِم الله خلقَه أن يسمّوا الشيءَ باسمٍ لمعنًى يعلَمُه هو ويبيّنه فيما بعد (١)، وإن لم يعلموا ذلك حين الوَضْع والتسمية؛ كما سمّوا النبيَّ ﷺ محمدًا. وغير مستنكَر أن يكون ما اشْتُق منه الاسم قد تضمَّن معاني كثيرة يفطَن بعضٌ لبعضها. وأيضًا فإن هذه التسمية لغوية شرعية، فجاز أن يكون له باعتبار كلِّ واحدٍ من التسميتين معنًى غير الآخر. وقد قيل: هو اسم موضوع لغير معنى كسائر الشهور.

стр. 1509

وقيل: شُرِع صومه دون غيره ليوافق اسمه معناه، وقد سمّي بذلك لأن الله حين فرضه كان وقت الحرّ. وهذا ضعيف؛ لأن تسميته رمضان متقدِّمة على فرضه، ولأنه لما فُرض كان في أوائل الربيع الذي تسميه العربُ الصيفَ؛ فإنَّ أولَ رمضانَ فُرِض كانت فيه وقعة بدر، وقد أنزل الله عليهم فيها ماءً من السماء، والقيظ العظيم لا ينزل فيه مطر. فصل (١) ويستحبّ لمن رأى الهلال ــ هلال رمضان أو غيره ــ أن يدعوَ بما رُوي عن طلحة بن عبيد الله: أنّ النبيّ ﷺ كان إذا رأى الهلالَ قال: «اللهم أَهِلَّه علينا باليُمْن والإيمان، والسلامة والإسلام، رَبّي وربُّك الله» رواه أحمد والترمذي (٢)، وقال: حسن غريب. وعن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال قال: «الله أكبر، اللهم أَهِلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق

стр. 1510

لما تحبّ وترضى، ربِّي ورَبُّك الله» رواه الأثرم (١). وعن ابن (٢) حرملة قال: خرجتُ مع سعيد بن المسيب، وهو آخذ بيدي، فرفعتُ رأسي؛ فإذا أنا بالهلال، فقلت: الهلال يا أبا محمد، فرفع رأسَه، فقال: «آمنتُ بالذي خَلقَك فسوَّاك فعَدَّلك». ثم قال: كان رسول الله ﷺ يقول هذا. رواه أبو داود في «المراسيل» (٣). وعن قتادة أنه بلَغَه أنّ رسول الله ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: «هلالُ خيرٍ ورُشْد، آمنتُ بالذي خَلَقَك» ثلاث مرات. ثم يقول: «الحمدُ لله الذي ذهبَ بشهرِ كذا وجاءَ بشهرِ كذا» رواه أبو داود في «السنن» و «المراسيل» (٤)، وقال: رُوي متصلًا ولا يصح.

стр. 1511

ورواه عبد الرزاق في «الجامع» (١): أنبانا مَعْمَر، عن قتادة قال: كان النبي ﷺ إذا رأى الهلال كبَّر ثلاثًا، ثم هلَّل ثلاثًا، ثم قال: «هلالُ خيرٍ ورُشْد» ثلاثًا، ثم قال: «آمنتُ بالذي خَلَقك» ثلاثًا. ثم قال: «الحمدُ لله الذي ذهبَ بشهرِ كذا وكذا وجاءَ بشهرِ كذا وكذا». وعن قتادة: [ق ٤] أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى الهلال صَرَف وجْهَه عنه. رواه أبو داود (٢). فإذا جَمَع بين هذا كلِّه: كبَّرَ ثلاثًا، ثم هلّل ثلاثًا، ثم قال: هلالُ خير ورشد ثلاثًا (٣)، ثم قال: آمنتُ بالذي خلقك فسوَّاك فعدّلك ثلاثًا، ثم قال: الحمد لله الذي جاء بشهر كذا وذهب بشهر كذا، اللهم أهِلَّه علينا باليُمْن والإيمان والسلامة والإسلام. وأما رمضان، فقد رُوي عن أبي جَناب (٤) الكلبي قال: قال رسول الله ﷺ : «هذا رمضانُ قد جاء فقولوا: اللهم سلِّمْه لنا وسلّمْنا له في يُسر وعافية

стр. 1512

وتقبَّله مِنّا» رواه عبَّاد بن يعقوب الأسدي (١). وعن يحيى بن أبي كثير قال: كان من دعائهم: «اللهم سلِّمني لرمضان، وسلِّم لي رمضان، وسلِّمه منِّي متقبّلًا» رواه محمد بن كثير، عن الأوزاعي عنه (٢). وعن أبي جعفر الباقر قال: «كان إذا أهلَّ رمضان قال: اللهم أهِلَّه علينا بالسلامة والإسلام، ودفع الأسقام، والعون على الصلاة والصيام، والرزق الواسع، والعفو والعافية، اللهم سلِّمْه لنا وسِلْمنا له» رواه عبَّاد بن يعقوب (٣).

стр. 1513

الفصل الثاني (١) أنه يجب على كلِّ مسلم عاقل بالغ قادر ، فيدخل في هذا المقيم والمسافر، والصحيح والمريض، والطاهر والحائض، والمُغمَى عليه. فإنَّ هؤلاء كلَّهم يجب عليهم الصوم في ذِمَمِهم، بحيث يخاطَبون بالصوم ليعتقدوا الوجوبَ في الذمة، والعزمَ على الفعل، إمَّا أداءً وإما قضاءً. ثمّ منهم من يُخاطَب بالفعل في نفس الشهر أداءً، وهو الصحيح المقيم إلا الحائض والنفساء. ومنهم من يُخاطَب بالقضاء فقط، وهو الحائض والنفساء والمريض الذي لا يقدر على الصوم أداءً وقد يقدر عليه قضاء. ومنهم من يخيَّر بين الأمرين، وهو المسافر والمريض الذي يمكنه الصوم بمشقّة شديدة من غير خوف التَّلَف. الفصل الثالث (٢) أنه لا يجب على الكافر، بمعنى أنه لا يُخاطَب بفعله ، ولا يجب عليه قضاؤه إذا أسلم، وسواء كان أصليًّا أو مرتدًّا في أظهر الروايتين (٣)، وقد تقدمت فروعُ ذلك في الصلاة (٤). ولا يصح من الكافر ابتداءً ولا دوامًا، فلو ارتدَّ في أثناء يوم بطَلَ صومُه؛

стр. 1514

لأن الصوم عبادة، والكفر ينافي العبادة، ولأنها عبادة فبطلت بالرِّدّة كالصلاة، وطَرْدُه الإحرام والطهارة، ويتخرَّج .... (١). فعلى هذا إذا عاد إلى الإسلام فإنه يجب عليه القضاء في المشهور، وإن عاد إلى الإسلام في أثناء النهار فهو أولى بوجوب القضاء. فأما إن قلنا: إن الإسلام في بعض النهار لا يوجب الإمساك والقضاء، وقلنا: إنه لا يقضي ما تركه قبل الردَّة ... (٢). وقال ابن أبي موسى (٣): من ارتدَّ عن الإسلام أفطر، وحَبِط عملُه، فإن عاد إلى الإسلام في بقية رمضان صام ما تبقى. وهل يلزمه قضاء ما أفطر منه بعد الردة أم لا؟ على روايتين (٤). الفصل الرابع (٥) أنه لا يجب على المجنون في المشهور من المذهب . نصّ عليها في رواية الأثرم، وفرَّق بينه وبين المُغمَى عليه، وعليها أصحابنا، حتى مَن أوجبه على الصبيّ. ورُوي عن حنبل أنه يقضيه إذا أفاق كالحائض. والقضاء هنا أوجَه من قضاء الصلاة؛ لأنّ ما أَسْقَط أداءَ الصلاة في الغالب فإنه يُسْقط قضاءَها، بخلاف الصوم فإنه يُقضى مع الحيض والسفر

стр. 1515

والمرض وغير ذلك، وإن لم يجب الأداء مع هذه الأسباب، ولأن إيجاب القضاء عليه لا مشقَّة فيه هنا بخلاف إيجاب قضاء الصلاة، ولأن الصوم قد لا يتكرَّر مثلُه في حال الإفاقة فيفضي إلى تركه بالكلّية بخلاف الصلاة، وذلك لأنه زوالُ عقلٍ فلم يمنع وجوب القضاء كالإغماء والسُّكْر. فعلى هذه الرواية يجب عليه القضاء، سواء كان الجنون طارئًا عليه بعد البلوغ أو مُسْتَدامًا من حين البلوغ، وسواء استغرق الشهرَ أو بعضَه. فأما إن توالت عليه رمضاناتٌ في حال الجنون، فعلى ما ذكره القاضي إنما يقضي الرمضانَ الذي أفاق بعده، فأما ما قبل ذلك الرمضان فلا يقضيه؛ لأن أحسن أحواله أن يكون كالحائض، والحائض لابدّ أن يتخلّل بين الرمضانين زمنٌ لقضائها (١). وكلامُ غيره: تُصام، وهو ظاهر كلامه في هذه الرواية؛ لأنه عُذْرٌ توالَى في عِدّة رمضانات، فلم يُسْقط القضاءَ كالمرض والسفر. ووجه الأول: أن قوله: «رُفِع القلمُ عن المجنون حتى يَفِيق» (٢) يقتضي

стр. 1516

الرفع عنه مطلقًا، وإيجاب القضاء يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يوجب القضاءَ على المجنون مِن نصّ ولا قياس؛ إذ لا نصّ في المسألة. والفرق بينه وبين الحائض والمُغْمَى عليه ظاهر؛ فإن الحائض من أهل التكليف حين انعقاد سبب الوجوب، وهو استهلال الشهر، فثبت الوجوب في ذمتها كما يجب غيره من الفرائض، والمجنون ليس من أهل التكليف، فلا يصح الإيجاب عليه. ولا فرق في ذلك بين الجنون المُطْبِق والذي يَعْرِض أحيانًا، فإنه لا يجب عليه الصوم إلا في حال الإفاقة. وهل يصح منه الصوم بنيَّة وليّه له كالصبي وكما في الإحرام؟ على وجه. * (١) فإن نوى الصومَ وجُنَّ في بعض اليوم، لم يبطل صومُه إذا أفاق في جزء منه، وجمهور أصحابنا ــ كابن (٢) عقيل وأبي الخطاب (٣) فيما ذكره القاضي ــ أنه (٤) كالإغماء. وقال جَدِّي (٥): يبطل صومُه. * فأما [ق ٥] الصّرَع، وهو الخَنْق الذي يَعْرض وقتًا ثم يزول، فينبغي أن يُلْحَق بالإغماء والغَشْي؛ لأنه يُزيل الإحساسَ من السمع والبصر والشمّ

стр. 1517

والذوق، فيُغطي، فيزول العقل تبعًا لذلك، بخلاف الجنون فإنه يُزيلُ العقلَ خاصة، فيُلْحِقه بالبهائم. فصل فأما مَن زال عقلُه بغير جنون من إغماء أو غيره، فإنه يجب عليه الصوم بغير خلاف في المذهب، ويصحُّ صومُه إذا نواه في وقت تصحُّ فيه النية، وأفاقَ بعضَ النهار، سواء أفاق في أحدَ الطرفين أو في الوسط. فأما إن أُغمي عليه جميعَ النهار لم يصح صومُه. ولو نام جميعَ النهار صحّ صومُه. هذا هو المنصوص المشهور في المذهب (١)، وإن كان سكرانَ أو مبنَّجًا أو زال عقلُه (٢) بشرب دواء ... (٣)، وذلك لأن الإغماء مرضٌ من الأمراض، فلم يمنع صحةَ الصوم كسائر الأمراض. وإنما اشترطنا أن يفيق في جزء من النهار لأن الصوم لابدّ فيه من الإمساك؛ لقول النبي ﷺ فيما يحكي عن ربِّه في صفة الصائم: «يدَعُ طعامَه وشهوتَه مِنْ أجلي» (٤). والإمساكُ لا يكون إلا مع حضور العقل. ولم نشترط وجود الإمساك في جميع النهار، بل اكتفينا بوجوده في بعضه لأنه دخل في عموم قوله: «يدعُ طعامَه وشهوتَه مِنْ أجلي». فعلى هذا إن نوى الصومَ من الليل، ثم أُغْمِي عليه في أثناء النهار

стр. 1518

واتصل أيامًا، صحَّ له صوم الأول دون ما بعده؛ لفوات الإفاقة فيه والنية. قال ابن أبي موسى (١): وقال بعض أصحابنا ــ ويجيءُ على قولنا: يجزئه نية لجميع الشهر ــ: إنه إذا صح له صومُ الأول صحّ له ما بعده. كأنَّ صاحبَ هذا القول شبَّه جَعْل إفاقة واحدة كافية في جميع الشهر، كما أن نية واحدة تكفي على هذه الرواية. نعم لو أُغمي عليه أيامًا، فأفاق في أثناء نهارٍ، فإنه هنا يجزئه ذلك الصوم على قولنا: إنه يصح [أن] (٢) يكفي لجميع الشهر نيّة واحدة. الفصل الخامس أنه لا يجب على الصبيّ حتى يبلغ في إحدى الروايتين (٣). قال في رواية حنبل: إذا احتلم في بعض الشهر لا يقضي، ويصوم فيما يَسْتقبِل. واليهوديُّ والنصرانيّ إذا أسلما يصومان ما بقي ولا يقضيان ما مضى، إنما وجبت الأحكامُ عليهما بعدما أسلما. وقال في رواية المرُّوذي: إذا حاضت في بعض الشهر تصوم الباقي. وقال في رواية ابن إبراهيم (٤): تصوم إذا حاضت، فإن أجهدها فلتفطر ولتقض.

стр. 1519

وقال في رواية حرب (١) ــ وقال له: غلامٌ احتلم لثلاثة عشرة، فقيل له: صم، فقال: لا أقدر ــ قال: إذا احتلم صام لا يترك. قلت: فالجارية؟ قال: إذا حاضت. وعنه: أنه يلزمه الصوم إذا أطاقه، حتى لو أطاق بعضَه في أثناء الشهر لزمه صومُ ما يَسْتقبله، ولو تبيَّن له في أثناء النهار، وأنه يطيقُ صومَ ذلك اليوم، كان بمنزلة إسلام الكافر. وهذا اختيار أبي بكر. قال في رواية أبي داود (٢): يُؤمَر الغلام بالصوم إذا أطاقه. وقال في رواية المرُّوذي في غلام ابن اثنتي عشرة (٣) سنة لم يحتلم: أرى عليه الصيام، فإن لم يَصُم يُضْرَب على الصوم والصلاة. وقد تأوَّلها القاضي فقال: وذكر ابنُ أبي موسى (٤) هذه الرواية إذا أطاقه (٥) صيام ثلاثة أيام تباعًا لا تضرُّ بصحته (٦) أُخِذ بصيام رمضان، فيكون صوم ثلاثة أيام متتابعة تفسيرًا (٧) للطاقة المذكورة في الرواية الأخرى؛ لأن أحمد ﵁ قال في رواية عبد الله (٨). قال: ورواه ابن جريج قال: أُخبِرت

стр. 1520

عن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا صام الغلامُ ثلاثةَ أيام متتابعة فقد وجب عليه صيام شهر رمضان». قال أبو عبد الله: يؤمر الصبيُّ بالصيام إذا أطاق. فهذا يبين أنه أخذ بالحديث في تفسير الطاقة. وروى عبد الرزاق في «كتابه» (١) عن ابن جُرَيج، عن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة، عن أبيه، عن جدّه: أن النبيَّ ﷺ قال: «إذا صام الغلام ثلاثةَ أيامٍ متتابعة، فقد وجب عليه صيام رمضان». وبكلّ حال فإنه يُؤمَر به إذا أطاقَه (٢)، ويُضْرَب عليه ليعتادَه. هكذا ذكر جماعةٌ من أصحابنا منهم أبو الخطاب (٣)، وعليه تأوَّل القاضي قول أحمد بالضرب. وقال ابن عقيل: هل يلزمه الصوم ويُضْرَب عليه؟ على روايتين (٤). فعلى هذا لا يُضرَب على ترك الصوم قبل الوجوب، وإن ضُرِب على الصلاة، بناء على أن رواية المرُّوذي فيمن وجب عليه. ويصح صومه إذا بلغ حدّ التمييز كما تصح منه الصلاة. فأما قبل ذلك،

стр. 1521

فهل يُصَوِّمُه وليُّه؟ ... (١) وعلى هذا فقال الخِرَقي (٢) وغيرُه: إذا كان للغلام عشر سنين وأطاق الصيام أُخِذَ به. فجعل السنَّ الذي يُضْرَب عليه عشر سنين مع الطاقة قياسًا على الصلاة، لكن تُعتبر هنا الطاقة بخلاف الصلاة فإنه لا مشقَّة فيها. وقد قال في رواية المرُّوذي: ابن اثنتي عشرة سنة. وأطلق بعضُهم الطاقة. الفصل السادس * أنه لا يجب الصوم إلا على القادر لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فإن كان عاجزًا عنه في وقته قادرًا عليه بعد خروج الوقت، كالمريض والحامل، فإنه يجب عليه القضاء كما سيأتي. وإن كان عاجزًا في الوقت وبعد الوقت ــ وهو الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة ــ فإنهما يفطران ويُطْعمان، كما سيأتي إن شاء الله. وإن كان به عُطاش أو شَبَق ... (٣)

стр. 1522

[ق ٦] وإذا أفاق من إغمائه في أثناء اليوم، فهو كما لو أفاق المجنون. ذَكَره ابنُ عقيل. وينبغي ... (١) فصل فإن صار من أهل الوجوب في أثناء النهار، مثل أن يُسلِم كافرٌ (٢) أو يَفيق مجنونٌ أو يبلغ صبيٌّ أو يطيق، ولم يكن نوى الصومَ، ففيه روايتان ذكرهما أبو بكر والقاضي (٣) وغيرهما: إحداهما: أنه يجب عليه أن يمسك بقية يومه ويقضيه، سواء كان قد أكل أو لم يكن. نصّ عليه في «الكافر» في رواية صالح (٤)، وابن منصور (٥) في «اليهودي والنصراني يسلمان»: يكُفَّان عن الطعام ويقضيان ذلك اليوم. والثانية: لا يجب عليه إمساكٌ ولا قضاء. قال في رواية حنبل (٦) في اليهوديِّ والنصرانيِّ إذا أسلما والصبيِّ

стр. 1523

يحتلم: يصومان ما بقي ولا يقضيان ما مضى، إنما وجبت الأحكام بعد الإسلام. لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله من الفِطْر، فلا يجب عليه أداء ولا قضاءً. وإيجابُ بعضِ يوم لا يصح؛ لأن أقلّ الصوم الصحيح يوم، ولأنّ مَن جاز له الأكل أول النهار ظاهرًا وباطنًا جاز له الأكل آخره (١) كما لو دام به المانع. والأُولى اختيار القاضي وأصحابه؛ لما رُوي عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ قالت: «أرسل رسولُ الله ﷺ غَدَاة عاشوراء إلى قُرى الأنصار التي حول المدينة: «مَن كان أصبحَ صائمًا فليُتمّ صومه، ومن كان أصبح مفطرًا فليتمّ بقيةَ يومِه» فكُنَّا بعد ذلك نَصومه ونُصوِّمه صبياننا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العِهْن، فإذا بكى أحدُهم من الطعام أعطيناها إياه حتى يكون (٢) عند الإفطار» أخرجاه (٣). وعن عبد الرحمن بن مَسْلمة، عن عمِّه: أن أسْلَم أتت النبيَّ ﷺ ، فقال: «صمتم يومَكم هذا (٤)؟» قالوا: لا. قال: «فأتموا بقية يومكم واقضوه (٥)» رواه أبو داود (٦).

стр. 1524

فابتداء الأمر به في أثناء النهار إيجابٌ له في أثناء النهار، وقد أمر بالإمساك والقضاء؛ لأنه طرأ عليه في بعض نهار رمضان ما لو كان موجودًا في ابتداء النهار لوجب عليه الصوم، فيجب أن يؤمر بالإمساك والقضاء، كما لو أكل في أول النهار، أو نوى الفطر يَعْتَقد أنه آخر شعبان، ثم علم في أثناء النهار أن ذلك اليوم كان أول رمضان، فإن هذا يجب عليه القضاء روايةً واحدةً. وكذلك الإمساك يجب روايةً واحدةً فيما ذكر عامةُ أصحابنا، حتى القاضي وأكثر أصحابه قالوا: بلا خلاف في المذهب (١)، وهو منصوصُ أحمدَ في غير موضع، وخرَّج أبو الخطاب (٢) فيه الروايتين (٣). ولو أفطر متعمِّدًا وجب عليه الإمساك والقضاء بغير خلاف. ولو نسي أن ذلك اليوم من رمضان فلم ينو صومه، ثم ذكر في أثناء النهار ... (٤)

стр. 1525

ولو أكَلَ يعتقد بقاء (١) الليل، ثم تبين أنه كان نهارًا أمسكَ بقيَّةَ يومه ولم يُجْزِه عن فرضه، فيقضيه بعد خروج الشهر، ولأن إدراك بعض وقتِ العبادة كإدراك جميعها في الإيجاب، ولهذا نقول: لو طهرت الحائض قبل طلوع الفجر بمقدار تكبيرة لزمها قضاءُ العشاءين، فإذا أدرك من اليوم بعضَه فقد أدرك بعض وقت العبادة، والأوجه أنه يجب عليه الإمساك دون القضاء لحديث عاشوراء. ولا فرق في هؤلاء بين أن يكونوا أكلوا قبل وقت الوجوب أو لم يأكلوا؛ لأن الحيض والجنون والكفر تمنع صحةَ الصوم كما يمنعه الأكل. فأما الصبي إذا لم يكن أكَلَ فقال القاضي (٢): يجب عليه الإمساك روايةً واحدةً؛ لأن الرخصةَ زالت، ووقتُ العبادة باقٍ يقبل الصوم الصحيح في الجملة. فأما إن أصبح الصبيُّ صائمًا، ثم بلغ في أثناء اليوم بالسنّ أو الاحتلام، فقال أبو الخطاب (٣): هو كما لو لم ينو الصيامَ؛ لأن نية الفرض لا تسقطُ بنيَّة النّفْل، كما لو بلغ في أثناء الصلاة فإنه يجب عليه قضاؤها. فعلى هذا يجب عليه القضاء والإمساك في أحد [القولين] (٤). وقال القاضي (٥): يتمّ صومَه ولا قضاء عليه هنا؛ لأن ما مضى صوم صحيح فَعَلهُ قبل وجوبه، فلم يجب عليه إعادته، وما يفعله بعد البلوغ هو

стр. 1526

الصوم الواجب عليه، وقد أمكن أن يأتي به صومًا صحيحًا؛ فإن كون بعض اليوم فرضًا وبعضه نفلًا غير ممتنع، كما لو نذر في أثناء النفل أن يتمَّه بخلاف مَنْ لم ينو الصومَ، فإنه وجب عليه هناك صوم ما أدركه، وصومُ بعضِ يومٍ غيرِ صحيحٍ ممكنٌ، فوجب أن يصوم يومًا؛ لأن أداء الواجب لا يتمّ إلا به. والفرق بين هذا وبين الصلاة: أنه قد خوطب هناك بالفعل في المستقبل، ولهذا لو بَلَغ بعد الفعل لزمه القضاء، فلم يُجْزِه ما فعله قبل الوجوب، وهنا لا يخاطَب بالإمساك لزمن (١) ماض، وما فعله قبل الوجوب لا نقول: إنه وقع واجبًا، وإنما نقول: وقع صحيحًا، وبصحته صحّ فعل الواجب بعد البلوغ، فأشبه ما لو توضَّأ قبل وجوب الصلاة أو أحرم بالحج أو العمرة قبل وجوبهما ثم بلغ قبل التعريف. قال بعض أصحابنا (٢): ولا يجوز له الفطر هنا روايةً واحدةً، كما لو قَدِم المسافر صائمًا (٣)، فأما ما قبل يوم الوجوب من الشهر فلا يقضونه على ظاهر المذهب كما تقدم. وذكر ابنُ عقيل روايةً أخرى في الصبيّ والمجنون: أنهما يقضيان من أول الشهر تنزيلًا لإدراك بعض الشهر بمنزلة إدراك كله على قولنا: يجزئ صومه بنية [ق ٧] واحدة.

стр. 1527

فصل فأما مَن يجب عليه القضاء (١) إذا زال عذرُه في أثناء اليوم، مثل الحائض تطهر، والمسافر المفطر يَقْدَم، والمريض يصحّ، فإن القضاء يجب عليهم روايةً واحدةً؛ لوجود الفطر في بعض اليوم، وينبغي لهم الإمساك أيضًا. قال في رواية الأثرم وابن منصور (٢): إذا قَدِم من سفره في بعض النهار وهو مفطر فينبغي أن يتوقى الأكلَ في الحَضَر، وكذلك الحائض لا تأكل بقية النهار، وإذا قدِم من سفره وامرأته قد طهرت فلا أحبّ له (٣) أن يغشاها. وجابر بن زيد ــ زعموا ــ أنه قَدِم من سفرٍ فوجد امرأتَه قد طهرت من حيضها، فوقع عليها (٤). وفي وجوبه روايتان، هذه طريقة القاضي وأصحابه (٥). وقال ابن أبي موسى (٦): إذا قَدِم المسافر مفطرًا أحببنا له أن يمسك عن الأكل والشرب بقيةَ يومه، فإن أكل أو جامع مَنْ قد طَهُرَت مِنْ حيضها أساء

стр. 1528

ولا كفارةَ عليه، ولا يلزمه سوى القضاء. والحائضُ إذا طهرت في بعض النهار، فلها الأكلُ بقيةَ يومها. وعنه رواية أخرى: أنها تمسك بقية يومها كالمسافر. فجعل المسافر يمسك روايةً واحدةً على سبيل الاستحباب المؤكَّد، بحيث يكون أكله مكروهًا، وحَمَل كلامَ أحمد حيث أذن على إقراره حيث منع على الكراهة، وجعَلَ في الحائض روايتين. ووجه ذلك: أن المسافر كان يمكنه الصوم ويصح منه في أول النهار، وإنما أفطر باختياره، فيصح إمساكه في الجملة بخلاف الحائض، فإنّ المنافي لصحة الصوم قد وُجِد أول النهار، فامتنع أن تمْسِك في يوم حاضت فيه، وجعل الإمساك بكل حال غير واجب لما يأتي. وعلى الطريقة الأولى: ففي الجميع روايتان: إحداهما: لا يجب الإمساك بل يستحب. قال في رواية ابن منصور (١): إذا أصبح مفطرًا في السفر، فدخل أهلَه فأكل، ليس عليه شيء، ويعجبني أن لا يأكل. لأن الله سبحانه إنما أوجب صوم يوم واحد، فإيجابُ صومِ بعضِ يومٍ آخر يحتاج إلى دليل. والثانية: يجب الإمساك. قال في رواية حنبل (٢): إذا قَدِم في بعض النهار أمسك عن الطعام، وإذا طهرت الحائضُ من آخر النهار تمسِكْ عن الطعام.

стр. 1529

وقال في رواية صالح (١) وابن منصور (٢) في المسافر يَقْدَم في شهر رمضان، واليهوديِّ والنصرانيِّ يُسلمان يكفّون عن الطعام، ويقضون ذلك اليوم، والحائض كذلك. وهي اختيار القاضي وأصحابه؛ لأن المقتضي للفِطْر قد زال فيجب الإمساك. وإن وجب القضاء كما لو قامت البينةُ بالرؤية في أثناء النهار، ولأن الإمساك ... (٣) هذا إن كان قد أكلوا، فأما إن كانوا ممسكين ولم ينووا في أثناء النهار الصومَ (٤)، فقال القاضي وابن عقيل: يجب عليهم الإتمام روايةً واحدةً، كما لو نووا الصوم. فأما إن قَدِم المسافرُ أو صحّ المريضُ وقد بيَّتَ الصومَ، لم يَجُز الفطر روايةً واحدة، بل لو جامع بعد الإقامة لزمه الكفارة، نصّ عليه في رواية صالح (٥). قال: وكذلك الصبي إذا بلغ صائمًا، والأشبه الفرق كما في التبييت. وخرَّج أصحابُنا أنه لا يلزمه، كما لو سافر وهو صائم، فإن له أن يفطر على الصحيح، فإذا جاز قطعُ الصومِ للسفر فرفعُه أولى. وإذا عَلِم المسافر أو غلب على ظنّه أنه يقيم (٦) في أثناء النهار فإنه يُبَيِّت

стр. 1530

الصومَ تلك الليلة. قال في رواية أبي طالب: إذا كان في سفر، فأراد أن يدخل المدينة إلى أهله من الغد، فليجمع الصوم من الليل، فإذا دخل المدينة كان صائمًا، هكذا كان ابن عمر. وذلك لما روى مالك (١): أنه بلغه أنّ عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا كان في سفره في رمضان، فعلم أنه داخلٌ المدينةَ من أول يومه دخل وهو صائم. وقد ذكر أحمد عن ابن عمر (٢) نحوه. قال ابن عبد البر (٣): هذا هو المستحبّ عند جماهير العلماء، إلا أن بعضهم أشدّ تشديدًا فيه من بعض. قال القاضي: ظاهر هذا أنه لا يجوز له الفطر إذا علم أنه يَقْدَم في بعض النهار؛ لأن مِن أصْلِه أنه إذا قَدِم تعيَّن عليه الإمساك إذا كان مفطرًا. فإذا عَلِم أن سفره لا يتسع لفطر يوم وجب أن يمتنع (٤) منه. لأن (٥) وجود السفر في أول النهار سبب يبيح الرخصة، فجاز العمل به، وإن علم أنه يزول آخر النهار، كما لو صلى في أول الوقت قاصرًا، وهو يعلم أنه يقيم (٦) في الوقت،

стр. 1531

أو صلى بالتيمم وهو يعلم أنه يجد الماء في آخر الوقت، وكما لو علم الصبيّ أنه يبلغ في أثناء النهار بالسنّ، فإنه لا يلزمه التبييت. ووجه الأول (١): أن الفطر في الحَضَر غير جائز أصلًا، بل يجب الصوم فيه، ولا يمكن الصومُ فيه إلا بأن (٢) يُبيِّت النيةَ من الليل، وما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب، ولأنّ الصومَ واجبٌ في ذِمّة المسافر، وإنما أجيز له تأخير الفعل إذا كان مسافرًا، فإذا علم أنه يقيم (٣) في أثناء اليوم، فقد أخَّرَ الصوم بدون سبب الرخصة، وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الصبي، فإنه لم يجب عليه شيء قبل البلوغ. فأما الحائض إذا عَلِمَت أنها تطهُر في أثناء اليوم، فهنا لا يجوز تبييت النية؛ لأن الحيض يمنع صحة الصوم. فصل فأما إذا وُجِد سببُ الفطر في أثناء النهار، مثل أن تحيض المرأةُ، فإنها تصير مُفطِرة؛ لأن الحيضَ يمنع صحةَ الصوم، وتأكل ولا تُمْسِك، فيما ذكره ابنُ [ق ٨] المنذر (٤) عن أحمد، وهو رواية (٥).

стр. 1532

قال في رواية عبد الله (١): إن كانت امرأة صامت ثم حاضت، تُمسِك عن الطعام إلى آخر النهار، وتعيد ذلك اليوم. وكذلك المسافر إذا قَدِم المِصْر وهو مفطر يمسك. قال القاضي: لأن اليوم قد اجتمع فيه ما يوجبُ الإمساكَ وهو الصوم أوَّله، وما يوجبُ الأكلَ وهو الحيض آخره، فغُلّب الإمساك، كما (٢) لو حاضت أوَّله أو قَدِم المسافر، والأول ... (٣) وكذلك إذا مرض الرجل، فإنّ (٤) له أن يفطر، فإن المريض رُخِّص له في الفِطْر لأجل المشقّة التي تلحقه بالصوم، وهذا لا فرق فيه بين أول النهار وآخره، وكذلك لو ابتدأ الصلاةَ قائمًا ثم اعتلّ أتمَّها جالسًا. لكن هل يجوز له الجماع وتجب عليه الكفارة؟ على الروايتين في المسافر. أما إذا سافر في أثناء النهار، فهل يجوز له الفطر؟ على روايتين (٥): أحدهما (٦): لا يجوز. قال في رواية صالح (٧): إذا أصبح في شهر

стр. 1533

رمضان ثم سافر آخر النهار فلا يعجبني أن يفطر. لأن العبادةَ المختلفةَ بالحَضَر والسفر إذا تلبَّس بها في الحضر، ثم سافر، غُلِّب فيها حكم الحَضَر كالصلاة والمَسْح، ولأنه قد شَرَع في صومٍ وجبَ عليه، فلم يَجُز له الخروج منه لغير ضرورة، كما لو شَرَع (١). ولعل هذه الرواية خاصة فيمن أراد السفر آخر النهار، فإنه قد صام معظم يومه، ويدلّ على ذلك: ما رواه أبو داود في «مراسيله» (٢) عن طاووس قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر أول النهار أفطر، وإذا سافر حين تزول الشمس لم يفطر. والأخرى: يجوز له الفطر كسائر الأعذار. وقال في رواية الفضل فيمن خرج في سفر هل يفطر؟ قال: اختلفوا فيه، وأرجو أن لا يكون به بأس. وقال أيضًا فيمن يصوم بعض رمضان ثم يعرض له سفر (٣): يفطر إذا جاوز (٤) البيوتَ. وقال في رواية ابن منصور وابن إبراهيم إذا خرج مسافرٌ متى يفطر؟ قال: إذا برز (٥) عن البيوت (٦). وهي أشهر عنه وأصح عند أصحابنا، لكن إتمام الصوم له أفضل. قالوا: لما روى عُبيد بن جَبْر قال: كنتُ مع أبي بَصْرة الغِفاري في سفينة

стр. 1534

من الفُسْطاط في رمضان، فدفع ثم قُرِّب غداؤه، ثم قال: اقترب، فقلت: ألستَ بين البيوت؟ فقال أبو بصرة: أرَغِبْتَ (١) عن سنة النبيِّ ﷺ ؟! رواه أحمد (٢) وابن يونس في «تاريخ مصر». وفي رواية لأحمد (٣) عن يزيد بن أبي حبيب: أن أبا بَصْرة الغفاري خرج في رمضان من الإسكندرية، فأُتيَ بطعامه، فقيل له: لم تغِبْ عنّا منازِلُنا بعدُ. فقال: أترغبون عن سنة رسول الله ﷺ ؟! قال: فما زلنا مفطرين حتى بلغوا مكان كذا وكذا». وعن محمد بن كعب قال: أتيتُ أنسَ بن مالك في رمضان، وهو يريد سفرًا، وقد رُحِّلَت له راحلتُه، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام، فأكل، فقلت له: سُنّة؟ فقال: سُنّة، ثم ركب. رواه الترمذي (٤) وقال: حديث حسن. والدارقطني (٥) وقال فيه: وقد تقارَبَ غروبُ الشمس. والصحابيُّ إذا أطلق السنةَ فإنما تنصرف إلى سنة رسول الله ﷺ . وعن أبي الخير، عن منصور الكلبي: أن دَحْيَة بن خليفة خرج من قريةٍ

стр. 1535

من دمشق: مِزَّة (١) إلى قَدْر قريةِ عُقْبة من الفسطاط، وذلك ثلاثة أميال، في رمضان، ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيتُ اليومَ أمرًا ما كنتُ أظنّ أني أراه، إن قومًا رغبوا عن هدي رسول الله ﷺ وأصحابه (يقول ذلك للذين صاموا). ثم قال عند ذلك (٢): اللهم اقبضني إليك. رواه أحمد وأبو داود (٣). وقد احتجَّ بعضُ أصحابنا على ذلك بما رواه خالد الحذَّاء، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: خرج رسول الله ﷺ في رمضان إلى حُنين، والناس مختلفون فصائِمٌ ومُفْطِر، فلما استوى على راحلته دعا بإناءٍ من لبن أو ماء، فوضعه على راحلته (أو: راحته) ثم نظر إلى الناس، فقال المفطرون للصُّوَّام: افطروا. رواه البخاري (٤). قال أبو بكر عبد الرزاق بن عبد القادر الجيلي (٥): صوابه: خيبر أو

стр. 1536

مكة؛ لأنه قصَدَهما في هذا الشهر، فأما حُنين فكانت بعد الفتح بأربعين ليلة. واعلم أنّ الروايةَ صحيحةٌ، ولا يجوز أن يُعتقد أن ذلك كان إلى خيبر، فإنه لا خلاف بين أهل العلم بمغازي رسول الله ﷺ أنه غَزَى خيبرَ مرجِعَه من الحديبية، وأنها (١) كانت في ذي القَعدة سنة ست، وخيبر في أوائل سنة سبع (٢)، فكيف يجوز أن يُعْتَقد أن خيبر كانت في رمضان، ثم هم لا يختلفون أنها لم تكن في رمضان؟! نعم ذكَرَ حُنينًا لأنها كانت في ضمن غزوة الفتح، ولم يكن في الفتح قتال، وإنما كان القتال بحنين، وأراد بغزوة حُنين غزوةَ الفتح، ولذلك لما ذكر البخاريُّ (٣) هذه الرواية قال: «وقال عبد الرزاق: أنا معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خرج النبي ﷺ عام الفتح». لم يَزِد. ورواه البَرْقاني (٤) وغيرُه بتمامه قال: «خرج النبيُّ ﷺ عام الفتح في شهر رمضان، حتى مَرَّ بغدير في الطريق، وذلك في نحر الظهيرة. قال: فعطش الناس، وجعلوا يمدّون أعناقَهم، وتتوقُ إليه أنفسُهم. قال: فدعا رسول الله ﷺ بقَدَح فيه ماء، فأمسكه على يده حتى رآه الناس، ثم شربَ، وشربَ الناس في رمضان» (٥).

стр. 1537

وهذا الخروج إما أن يكون خروجه من المدينة إلى مكة، أو خروجه من مكة إلى حُنين؛ [ق ٩] فإنه لم يزل صائمًا في خروجه إلى أن بلغ الكَديد، كما في حديث ابن عباس المشهور (١)، كما تقدم في الرواية الأخرى، وأما خروجه إلى حُنين ... (٢). ثم قد رُوي عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ غزا غزوةَ الفتح في رمضان، وقال: «صام رسول الله ﷺ حتى [إذا] بلغ الكَديد ــ الماء الذي بين قُدَيد وعُسْفان ــ أفطر حتى انسلخَ الشهرُ». رواه البخاري (٣). وهذا يقتضي أنه لم يَشْرع في صومٍ بعد يوم الكَديد، وذلك أن رسول الله ﷺ إنما غزا في رمضان غزوةَ بدرٍ وغزوةَ الفتح خاصة. وعن سيَّار بن مِخْراق: أنه سأل ابنَ عمر عن صيام المسافر؟ فقال: «خرج رسول الله ﷺ لأربعَ عشرةَ مضت من رمضان، فأناخ راحلتَه، ووضع إحدى رجليه في الغَرْز والأخرى في الأرض، فدعا بلَبَنٍ من لبنها، فشرب». رواه حرب (٤).

стр. 1538

وقد احتجَّ كثيرٌ من أصحابنا بما روى جابرُ بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح، فصام حتى بلغ كُراع الغَميم، وصام الناسُ، فقيل له: إن الناس قد شقّ عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلتَ؟ فدعا بقَدَحٍ من ماء بعد العصر، فشرب والناس ينظرون إليه، فأفطر بعضُهم وصام بعضُهم، فبلَغَه أن ناسًا صاموا، فقال: «أولئك العُصاة». رواه مسلم والنسائي والترمذي وصححه (١). وربما احتجّ بعضُهم بحديث ابن عباس قال: «سافر رسولُ الله ﷺ في رمضان، حتى بلغ عُسْفان، ثم دعا بإناء من ماء، فشرب نهارًا ليراه الناس، وأفطر حتى قَدِم مكة». وكان ابن عباس يقول: «صام رسولُ الله ﷺ في السفر وأفطر، فمن شاء صام، ومَن شاء أفطر». متفق عليه (٢). وفي رواية عن ابن عباس: «أن النبيَّ ﷺ خرج من المدينة ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مَقْدمه المدينة، فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون حتى بلغ الكَديد ــ وهو ما بين عُسْفان وقُدَيد ــ أفطر [وأفطروا]». وقال الزهري: وإنما يؤخذ مِن أَمْر رسول الله ﷺ الآخِرُ فالآخر. متفق عليه (٣).

стр. 1539

واعْتَقَد من احتجَّ بهذا أنه خرج من المدينة صائمًا، وأنه وصل ذلك اليوم إلى كُراع الغَميم وإلى الكَديد، وهذا خطأ؛ فإنّ عُسفان قرية معروفة بينها وبين مكة نحو من يومين، وهي اليوم خراب (١). ولهذا قال ابن عباس: «يا أهل مكة، لا تقصروا في أقلّ من أربعة بُرُد، من مكة إلى عُسفان» (٢). وجبل قُدَيد (٣) قريب منها، وهذا الماء بينهما. فهذا يبيِّن أن الفطر إنما كان بعد عدَّة أيام من مَخْرجه من المدينة. وأما كُراعُ الغَميم (٤)، فقد قيل: إن الأبنية و ... (٥). فتبيَّن بهذا أن هذا الفطر إنما كان في صومٍ قد أنشأه في السَّفَر، فيدلّ هذا على أن المسافر إذا نوى الصومَ في السفر، ثم بدا له أن يفطر فله ذلك، وهذا

стр. 1540

لا يختلف المذهبُ فيه، إلا أن يريد الفطرَ بالجماع، ففيه روايتان (١): إحداهما: ليس له ذلك، وعليه الكفارة إذا أفطر بجماع، نصَّ عليه في رواية مثنّى بن جامع (٢). وكذلك إذا قلنا فيمن نوى الصومَ ثم سافر إنه ليس له الفطر، فجامعَ فعليه الكفّارة؛ لأن الواجبَ الموسّعَ إذا شَرَع فيه ثم أراد الخروج منه (٣)، لم يكن له ذلك، كما لو شَرَع في قضاءِ رمضان، والصلاةِ في أول الوقت. والصومُ في السفر أدنى أحواله أن يكون بمنزلة الواجب الموسَّع، فكان القياس أن لا يجوز الخروج منه بعد الدخول فيه. نعم، جاز ذلك بالأكل والشرب لمجيء السنة به، ولأن الحاجة تدعو إليه، فرخَّص في الخروج منه للحاجة. أما هَتْك صوم رمضان الواجب بالجماع، فلم يجئ فيه رُخصة، ولا تدعو الحاجةُ إليه، وهذا كما أن السفَرَ يبيحُ الصلاة في السفينة للحاجة، ولا يبيحها على الراحلة، وإن اشتركا في عدم الاستقرار. ولم يذكر القاضي في «المجرَّد» (٤) إلا هذا، قال: وعلى هذا الأصل

стр. 1541

المريضُ الذي تدعوه الحاجةُ إلى الفطر بالأكل، لا يجوز له الفطر بالوطء، فإن وطئ كان عليه الكفارة كالسفر سواء. والرواية الثانية: له الفطر بالجماع وغيره، ولا شيء عليه. قال في رواية ابن منصور (١): وقيل له: الزهريّ يكره للمسافر أن يجامع المرأةَ في السفر نهارًا في رمضان؟ فلم يرَ به بأسًا في السَّفَر. وهي المنصورةُ عند أصحابنا؛ لأنّ النبيَّ ﷺ كان قد أصبح صائمًا في السفر ثم أفطر، كما تقدم. وعن أبي سعيد قال: أتى رسولُ الله ﷺ على نهرٍ من ماء السماء، والناسُ صيام في يوم صائف مُشاةً، ونبيّ الله ﷺ على بغلة له، فقال: «اشربوا أيها الناس» قال: فأبوا. فقال: «إني لستُ مثلكم، إني أيسرُكم، إني راكب». فأبوا. فثَنَى رسولُ الله ﷺ فخِذَه، فنزل فشربَ (٢) وشربَ الناسُ، وما كان يريد أن يشرب. رواه أحمد (٣). وهذا والذي قبله نصٌّ ظاهر في أنه كان قد أصبح والمسلمون صيامًا،

стр. 1542

ثم أفطروا بعد ذلك، وكلُّ مَن جازَ له الإفطار بالأكل جاز له الإفطار بالجماع، كالمسافر الذي لم ينو، وذلك أنه إذا نوى المريضُ أو المسافرُ الفطرَ وأكَلا، فلهما فِعْل كلّ ما ينافي الصومَ مِن جماع وغيره على إحدى الروايتين، قاله أصحابنا؛ وذلك لأنه إذا عزم على الإفطار صار مفطرًا، فيقع الجماعُ مِن مُفْطِر. والفرقُ بين هذا وبين العبادة الموسَّعة أن هنا صوم رمضان عبادة مضيَّقة، وإنما السفر والمرض جوَّز تأخيرَها عن وقتها، فإذا أثَّر في التضييق الواجب بالشرع فَلَأن يؤثّر في التضييق [ق ١٠] الواجب بفعل المكلَّف أولى وأحرى؛ لأن المقتضي لإباحة (١) الفطر هنا قائمٌ في جميع الوقت. والفرقُ بين الصوم والصلاة: أن قَصْر الصلاة إسقاطٌ لشَطْرِها، فليس له أن يتركه بعد أن يلتزمه أو ينعقد سبب لزومه، ولهذا قلنا: لو سافر وقد وجبت (٢) عليه الصلاةُ صلَّاها تامّة، والصوم مجرّد تأخيرٍ للصوم إلى وقت آخر، ليس هو إسقاطًا، ثم المشقة في السفر تلحقه باستدامة الصوم، بخلاف تكميل تلك الصلاة، فإنه لا مشقّة فيه. فعلى هذا يجوز له الفطر، سواء كان قد نوى السفر من الليل أو نواه في بعض النهار، على رواية الجماعة. ونقل عنه صالح (٣): إذا كان قد حدَّث نفسَه من الليل بالسفر فيفطر وإن

стр. 1543

أدركه الفجر في أهله، إلا أن يكون نوى السفرَ في بعض النهار، فلا يعجبني أن يفطر. ويُحتمل أن تكون هذه الرواية مثل الرواية الأولى التي نقلها صالح، فيكون فيما إذا نوى السفرَ من الليل يجوز له الفطرُ قولًا واحدًا، ويحتمل أن يُجْمَع في هذا بين الروايتين في الأصل. قال القاضي: وظاهر هذا يقتضي جوازَ نيَّة الفِطْر في أهله قبل خروجه من بلده؛ لأنه إذا كان من نيَّته السفر من يومه والفطر في سفره، لم يصح له نية الصوم. ويفارقُ هذا الفطرُ بالأكل والشرب أنه (١) يتأخر حتى يفارق البيوت، ففي الموضع الذي يجوز له القَصْر يجوز له الفِطْر ... (٢) وإذا نوى المقيمُ الصومَ، فأراد السفر ليفطر، حيلةً للفطر، لم يُبَح (٣) الفطرُ. قاله ابنُ عقيل بناءً على أصْلِنا: أن الحِيَلَ لا تُسْقِط الزكاةَ ولا تُبيح الفروجَ ولا الأموالَ (٤).

стр. 1544

مسألة (١): (ويجبُ بأحدِ ثلاثةِ أشياءَ: كمالِ شعبانَ، ورؤيةِ هلالِ رمضانَ، ووجودِ غَيمٍ أو قَتَرٍ ليلةَ الثلاثينَ يَحُولُ دونَه) . وجملةُ ذلك: أن الموجِب لصوم رمضان أحدُ ثلاثة أشياء: أحدها: إكمال عِدّة شعبان، فمتى أكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا لزمهم الصومُ، سواء رأوا الهلال أو لم يروه، وسواء حال دون منظره سحاب أو قَتَر أو لم يَحُل؛ لتواتر الأحاديث عن النبي ﷺ بذلك، ولأن الشهر لا يكون أكثر من ثلاثين يومًا، فمتى كَمُل شعبان فقد تيقّنَّا دخولَ شهر رمضان. ثم إكمال شعبان مبنيٌّ على ابتدائه، فإن كان أوَّلُه قد عُلِم (٢) بالرؤية العامة؛ فآخره قد تُيُقّن انصرامُه بكمال العدة، وإن كان بشهادة عدلين ... (٣) الثاني: رؤية الهلال، فإذا رُئي رؤيةً عامة فقد وجب الصوم، سواء رأوه بعد إكمال عدة شعبان أو لتسعٍ وعشرين خلت منه. وهذا أيضًا من العلم العام. وقد قال الله سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وتواترت الأحاديثُ عن النبيّ ﷺ بوجوب الصوم لرؤيته. الثالث: أن يحول بيننا وبين مطلعه غَيْمٌ أو قَتَرٌ ليلة الثلاثين من شعبان،

стр. 1545

وذلك أنه إذا لم يُرَ ولم تكمل العدة؛ فإما أن يكون هناك مانعٌ (١) يمنع من رؤيته لمن أرادها وقَصَدَها، أو لا يكون هناك مانع؛ فإن لم يكن هناك مانع، لم يجز صومه من رمضان، ومنه يوم الشكُّ المنهيّ عن صومه، كما سيأتي إن شاء الله. وإن كان هناك حائلٌ يمنع من رؤيته، وهو أن يكون دون مطلعه ومنظره سحابٌ أو قَتَرٌ، يجوز أن يكون الهلال تحته قد حال دون رؤيته، فالمشهور عن أبي عبد الله ﵀ أنه يُصام من رمضان، ويجزئ إذا تبيَّن أنه من رمضان، ولا يجب قضاؤه. نقله عنه الجماعة، منهم ابناه والمرُّوذي والأثرم وأبو داود ومهنّا والفضل بن زياد (٢). وهل يقال: يجوز على هذا أن يُسمّى يوم شكٍّ؟ فيه (٣) روايتان: إحداهما: يُسمّى يوم شكّ، نقلها المرُّوذي، فعلى هذا يرجَّح جانب التعبُّد. والثانية: لا يُسمّى يوم شكّ، بل هو يوم من رمضان من طريق الحُكم، وهو ظاهر ما نقله مهنّا، وهو قول الخلَّال والأكثرين من أصحابنا.
следующие страницы →