← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

السرار مع الغيم، فلما لم يَصُم ذلك الرجلُ السِّرار أمرَه بالقضاء؛ لأنه قد صحَّ عنه ﷺ أنه قال: «لا تقدّموا رمضانَ بصومِ يومٍ ولا يومين، إلا أن يكون صومًا كان يصومُه أحدُكم فليصُمْه» (١). ثم أمر بصوم السّرَر وقضائه، وهو يوم أو يومان، فيُحْمَل هذا على حال الصحو وهذا على حال الإغمام توفيقًا بينهما. ويؤيد ذلك أن معاوية هو ممن روى حديث الأمر بصوم السِّرّ، وكان يتقدم رمضان، ويعلل بأني أن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان، وهذا الاحتراز لا يُشرع إلا في الغيم. ومطرّف بن الشّخِّير هو الذي روى حديث عِمران بن حُصين، وكان يصوم هذا الصوم، ويقول: لأن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان. رواه النجاد وغيره (٢). وقد فسَّر سعيدٌ والأوزاعي سرَّه بأنه أوّله، وهذا إنما يكون مع الغيم؛ لأنه يجعل يوم الإغمام أول الشهر حكمًا واجبًا مضى؛ فهو سِرارٌ لشعبان من وجه، وأولٌ لرمضان من وجه. فإن قيل: هذا محمول على أن الرجل كانت له عادة بصوم السِّرار، أو كان (٣) قد نَذَره.

стр. 1577

قلنا: هذا لا يصح؛ لأن اعتياد صوم السِّرار دون ما قبله في الصحو هو التقدُّم المنهيّ عنه في حديث أبي هريرة، فلا يجوز أن يُحمل عليه، ولا يجوز أن يُحمل على أن عادتَه صومُ أيام منها السِّرار؛ لأنه إنما أمره بقضاء السّرار فقط، ولذلك أيضًا يُكره أن ينذر صوم السِّرار مفردًا أو يحرم؛ لأنه تقدم وجوبه يوم الشكّ، وما كان مكروهًا في الشرع كان مكروهًا وإن نذَرَه. ثم هذا ليس له في الحديث ذِكْر، وإنما المذكور حُكمٌ وهو الأمر بالقضاء، وسببٌ وهو فِطر ذلك السّرار، فيجب تعليق (١) الحكم بذلك السبب، ولم يسأله النبيُّ ﷺ عن شيء سوى ذلك. ثم معلوم أن النذرَ يجب قضاؤه، ولا اختصاص للسِّرار بذلك. ثم راوي الحديث عمران وصاحبُه مطرّف فَهِما من ذلك العمومَ في حقّ ذلك الرجل وغيره. ثم حديث معاوية عامّ صريح بالأمر بصوم السرّ، وقد فهم منه معاويةُ التقدّمَ. فإن قيل: فقد أمره بقضاء يومين، وإنما يقضي مع الإغمام يومًا واحدًا. قيل: أما حديث معاوية، فليس فيه عدد، وإنما فيه السِّرار، والسِّرارُ المتيقّن هو ليلة واحدة. قال غير واحد من أهل اللغة (٢): سَرر الشهر: آخر ليلة منه. وأما حديث عمران، فقد ذكر بعضُ الرواة أنه إنما أمره بقضاء يوم فقط (٣)،

стр. 1578

فإن كان هذا هو الصواب، فلا كلام. وإن كان الصواب رواية الأكثرين، فقد حمله القاضي على ما إذا غُمّ هلالُ شعبان وهلال رمضان، فعُدَّ كلّ واحد من رجب وشعبان ثلاثين يومًا، وحصل صوم رمضان ثمانية وعشرين يومًا. قال: فيُعلَم أن الخطأ حصل بيومين من شعبان. وهذا الذي قاله يقتضي أنه [إذا] غُمّ هلال شعبان ثم غُمّ هلال رمضان ليلتين: أن يؤخذ بالاحتياط؛ لأنه يجوز أنه كان هلال شعبان تحت الغمام، فتكون الليلة التي يظن أنها تسع وعشرون من شعبان ليلة الثلاثين منه والسماء متغيّمة، فيُقْدَر له ويُصام، وأنه لو أكمل العدّتين وصام، ثم رأى الهلالَ بعد ثمانية وعشرين من رمضان: أنه يقضي يومين. وعلى قياسه لو (١) توالت ثلاثةُ أشهر أو أكثر مغيّمة. [ق ١٧] والأشبه ... (٢)

стр. 1579

وذكر في موضع آخر أن لا يُحكم بدخول شهر من الشهور بمجرّد الإغمام إلا شهر رمضان ، كما لا يثبت بشهادة الواحد إلا رمضان خاصة. وأيضًا، فإن مَن حِيْلَ بينه وبين رؤية الهلال فإنه يعمل بالتحرّي والاجتهاد، أصلُه الأسير إذا اشتبهت عليه الأشهر فإنه يتحرّى، والتحرّي يوجب الصومَ، لأنه أحوط للشهر، ولأنه الأغلب. وأيضًا، فإن الصوم ثابت في ذمته بيقين، ولا يتيقّن براءةَ ذمته إلا بصوم [يوم] الإغمام، فصامه (١)؛ لأن ما لا يتمّ الواجبُ إلا به فهو واجب، كما يجب عليه إمساك جزء قبل الفجر؛ لأنه لا يتمُ صوم اليوم إلا به، وكما لو كان عليه فوائت لا يعلم عددها، أو نسي صلاةً من يوم لا يعلم عينَها، أو أصاب ثوبَه نجاسةٌ جَهِل محلَّها، فإنه يلزمه فِعل ما يتيقّن به براءةَ ذمّتِه، كذلك هاهنا. ولأنه إغمام في أحد طرفي الشهر فأخذ فيه بالاحتياط كالطرف الثاني. والذي يدلّ على الأخذ بالاحتياط في أول الشهر: قبول خبر الواحد فيه، مع أنه لا يُقبل في سائر الشهور إلا شهادةُ اثنين، فلولا رعاية الاحتياط فيه لقيس على سائر الشهور. فإن قيل: في هذه الأصول المقيس عليها قد تَيقّن الوجوب، ولا تُتيَقّن البراءة من الواجب إلا بفعل الجميع، وهنا يُشَكّ في وجوب صوم ذلك اليوم، والأصل عدم وجوبه، والأصل بقاء شهر شعبان، فيجب العمل باستصحاب الحال، كما لو شَكّ في مقدار الزمان الذي فوّت صلاته، مثل أن

стр. 1580

يقول: لم أصلِّ منذ بلغت، ولا أدري هل بلغتُ مِن سَنة أو سنتين. أو شك في طَرَيان النجاسة على الثوب، وكما لو شك في طلوع الفجر ليلة النحر جاز الوقوف؛ لأن الأصل بقاء الليل، وكذلك لو شكّ في طلوع الفجر (١)؛ فإنه يجوز له الأكل حتى يَتيقّن طلوعَه، وكما يَستصحِبُ الحالَ مع الصحو. قيل: وقد تيقّن وجوب صوم الشهر بكماله، وشكّ في هذا اليوم (٢) هل هو من الشهر أم لا؟ مع أن الأغلب أنه منه، وليس معه قرينه تنفي كونَه منه. وأما كون الأصل بقاء شعبان، فقد عارضه كونُ الغالب طلوع الهلال في هذه الليلة، وأن هذا الأصل متيقَّن الزوال، وإنما التردُّد في وقتِ زواله. ثم الفرق بين هذا وبين الأكل والوقوف مع الشكّ في طلوع الفجر: أنه قد وُجِد منه الإمساك هناك (٣) والوقوف، فلم تسقط العبادةُ بالبناء على الأصل، وهنا البناء على الأصل يُسقط صومَ يوم. وأيضًا، فإنّ إيجاب الاحتياط هناك فيه مشقّة عظيمة؛ فإن طلوع الفجر يخفى على كثير من الناس، وتفويت الحجّ أشقُّ وأشقّ، وليس في صوم يوم الإغمام مشقّة. وأيضًا، فإنه هناك يجوز الأكل مع قدرته على معرفة طلوع الفجر، كما جاء عن أبي بكر الصديق ﵁ (٤).

стр. 1581

ولو كانت السماء مُصْحية وأراد التغافل عن رؤية الهلال لئلا يصوم ذلك اليوم لم يجز، فعُلِم الفرق بينهما. ولأن الله سبحانه قال في الفجر: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فعلّق الحكمَ بالتبيُّن (١)، وقال هنا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ﴾ [البقرة: ١٨٩]، فعلّق الحكمَ بنفس الهلال لا بمجرّد رؤيته. وأيضًا، فإن الصوم عبادةٌ مقدَّرة بوقت وجوبها، فوجبت مع الاشتباه، كالصلاة في آخر الوقت، والشكّ في آخر الشهر، وهذا لأنه إذا شكّ في (٢) تضايُق وقت الصلاة وجب عليه (٣) فعلُها حذَرَ الفوات، مع أن الأصل بقاء الوقت، فكذلك الصوم مثله سواء. فعلى هذا صوم يوم الغيم واجب في المشهور عند أصحابنا، ويتوجّه [أنه جائز لا واجب] (٤). وأما الأحاديث المتقدّمة، فقد أجاب أصحابنا عنها أنها بين صحيح لا دلالة فيه، أو ظاهر الدلالة لكن في إسناده مقال ويقبل التأويل. قالوا: فكل موضع جاء فيه: «فأكملوا العدة» فالمراد به إكمال عدة

стр. 1582

رمضان؛ لأنه أقرب المذكورَين، ولأنه جاء مصرّحًا به في حديث أبي هريرة (١) من رواية مسلم (٢) التي إسنادها أصح الأسانيد: «فإن غُمّ عليكم فصوموا ثلاثين يومًا». وفي رواية الترمذي (٣) التي صححها هو وغيره: «فعُدُّوا ثلاثين يومًا ثم أفطروا»، وكذلك في حديث ابن عباس: «فأكملوا العِدَّة ثلاثين يومًا ثم أفطروا» رواه أبو داود (٤). ولأنّا قد قدّمنا (٥) عن أبي هريرة وعائشة وابن عمر أنهم أَمروا بصوم يوم الغيم، فلو كانت أحاديثهم تقتضي إفطار يوم الغيم، لم يخالفوا ما رووه عن النبي ﷺ ، فإن مثل هذا لا يجوز أن يُنسَب الراوي فيه إلى نسيانٍ أو تأويل. وتأوّلوا أيضًا إكمالَ العِدّة على وجهٍ آخر سيأتي. فأما الأحاديث الظاهرة في إكمال عدة شعبان فأجابوا عنها بجوابين: أحدهما: القدح: أما حديث أبي هريرة فقال أبو بكر الإسماعيلي: قد رواه البخاري، عن آدم، عن شُعبة، فقال: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». قال: وقد رُوّيناه عن غُنْدَر وعبد الرحمن بن مهدي وابن عُلَيَّة وعيسى بن يونس وشَبابة وعاصم بن عليّ والنضر بن شُميل ويزيد بن هارون وأبي (٦) داود وآدم، كلهم عن شعبة، لم يذكر أحدٌ منهم «فأكملوا عدة

стр. 1583

شعبان ثلاثين». قال: وهذا يُجوِّز أن يكون من آدم، رواه على التفسير من عِنْدِه للخبر، وإلا فليس لانفراد البخاري عنه بهذا مِن بين مَن رواه عنه و [من بين] سائر مَن ذكرنا ممن يرويه عن شعبة [وجه]، ورواه المقرئ (١)، عن وَرْقاء، عن شعبة على ما ذكرناه أيضًا (٢).

стр. 1584

فإن قيل: هذه زيادة من الثقة فيجب قبولها. قلنا: هذا لا يصح لوجوه: أحدها: أن من لم يذكر هذه الزيادة عددٌ كثير لا يجوز على مثلهم في عددهم وضبطهم أن يُغفلوها ويضبطها واحدٌ [ق ١٨] لا يقاربهم في الفضل والضبط، وقد اخْتُلف عليه فيها، فرُوي أنه ذكرها، وروي عنه أنه تركها. وعلى هذا عامّة أهل الحديث وأكثر محققي أصحابنا، لاسيما وقرينة الحال تقتضي أنه روى الحديثَ بالمعنى الذي فهمه منه. الثاني: أن الزيادة إنما تُقبَل إذا زاد الواحد على لفظ الجماعة، أما إذا (١) غيَّر لفظ الجماعة، عُلم أنه خالف لفظَهم، ولم يزد عليهم، وسائر الجماعة رووا هذا الحديث: «فأكملوا العدة»، وبعضهم قال: «فعدوا ثلاثين يومًا»، ولا شكَّ أن هذا اللفظ لا يُزاد عليه شعبان إلا بتغييره، وحذف أداة التعريف، فمن قال: «عدة شعبان»، لا يقال: إنه قد زاد على لفظ مَن قال: «فأكملوا العدّة»، لكن خالف لفظُهُ لفظَهُ، وأما المعنى فقد يكون متفقًا، وقد يكون مختلفًا. الثالث: أن الروايات الصحيحة التي لا علة فيها عن أبي هريرة تُثبتُ أن المراد: أكملوا عدة رمضان ثلاثين يومًا كما تقدم، فتُحمل الروايات المطلقة على المفسَّرَة، وتكون هذه الرواية تفسيرًا من عند الراوي، كما شهد به عليه أهلُ المعرفة بعلل الحديث.

стр. 1585

الرابع: أنه تقدم عن أبي هريرة أنه كان يقول: «لأن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليَّ مَن أن أفطر يومًا من رمضان»، وأن عائشة أفتت بذلك وأقرّها عليه، فلو (١) سَمِع مِن فَلْقِ فيْ رسول الله ﷺ أمرًا صريحًا بإكمال عدة شعبان وابتداء الصوم بعدها في مثل هذا الخَطْب الذي لا يكاد يُغفَل ويُهمَل، بهذا اللفظ الذي لا يُعدَل عنه ويُتأوّل= لَمَا استجاز خلافَه. ونحن إذا قلنا: مخالفة الراوي للحديث لا يمنع الاحتجاجَ به، فإنا ننسب مخالفته إلى نسيانٍ أو اعتقاد نَسْخٍ أو تأويل، وهذه الاحتمالات مندفعة هنا. ثم لا ريب أن مخالفتَه علةٌ في الحديث تؤثّر فيه، فإذا اعتضد بمخالفته انفرادُ واحدٍ عن الأثبات بهذا اللفظ الذي فيه المخالفة، ومخالفته للفظ الجماعة؛ كَثُرَت الشهاداتُ القادحةُ في هذا اللفظ، فوُقِف (٢). ويتوجّه فيه شيءٌ آخر، وهو أن اللفظ المشهور: «فإن غُبّيَ عليكم فأكملوا عدّة شعبانَ ثلاثين» وهذا يكون في حال الصحو، إذا تراءاه فغُبّي عليه ولم يره ولم يعرفه؛ لأنهم [يقولون] (٣): غَبِيَ عليَّ الشيءُ، إذا لم يعرفه مع إمكان معرفته. وفي لفظ: «فإن غمّي عليكم الشهر» (٤)، وهذا محتمل للصحو.

стр. 1586

وأما حديث ابن عباس، فقد رواه أبو داود: «فأتموا العدّةَ ثلاثين يومًا، ثم أفطروا»، وهي زيادة محضة لا تخالف لفظ (١) المزيد كالزيادة الأولى (٢). ورُوي أيضًا: «فأكملوا العِدّة عِدّةَ شعبان» (٣)، وفي السياق ما يدلُّ على هذا المعنى. وهذا الاختلاف وإن لم يكن موهّيًا للحديث، فإنه نوعُ علّة فيه تحطّه عن درجة القوة، وتعرّضه للتأويل الذي يأتي. وأما حديث حذيفة مسندًا ومرسلًا، فقال أحمد: سفيان وغيره يقولون: عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ، ليس (٤) قوله: «حذيفة» بمحفوظ. و (٥) قوله: «لا تصوموا حتى تكملوا العِدّةَ أو تروا الهلالَ» محمول على حال الصحو، وأكثر ما فيه تخصيص العام، وذلك جائز بالدليل. وأما الرواية المفسّرة فمدارها على الحجاج بن أرطاة، وضَعْفه مشهور، ثم هي مرسَلَة فلا تُعارِض المسند.

стр. 1587

وأما حديث عائشة (١)، ففي إسناده معاوية بن صالح، وقد تُكلِّم فيه، والذي يضعّفه: أن المشهورَ عن عائشة أنها كانت تصوم هذا اليوم وتقول: «لأن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان». فكيف تروي الحديثَ في مثل هذا وتعمل بخلافه؟! وهذا علةٌ ظاهرة فيه. الجواب الثاني (٢): تأويل أبي إسحاق بن شَاقْلا وابن حامد والقاضي وغيرهم، وهو أن تُحمَل الأحاديث في إكمال عدة شعبان على ما إذا غُمّ هلالُ رمضان وهلالُ شوال، فإنه هنا يجب إكمال عدّة شعبان ثلاثين يومًا، وإكمال عدّة رمضان ثلاثين يومًا، فيصوم، فيقدّر أنّ يوم الغيم لم يكن من رمضان حتى يصوم أحدًا وثلاثين يومًا، دلّ (٣) على ذلك: أن قوله: «فإن غُمّ عليكم» بعد (٤) الجملتين، فيعود إليهما جميعًا، ويكون فائدة الحديث التحذير من أن يُحتَسَب يوم الغيم من رمضان بكلّ حال، فيُبنى (٥) على ذلك تمام ثلاثين يومًا، فيفضي إلى فطرِ آخرِ يوم من رمضان، وهذا المعنى هو الذي قصَدَه عمرُ ﵁ بقوله: «ليتّقِ أحدُكم أن يصوم يومًا من شعبان ويفطر يومًا من رمضان». وكذلك أنس بن مالك ﵁ في قوله: «هذا اليوم يَكمُلُ لي واحد وثلاثون يومًا» (٦)، ولعلّ يوم الشكّ واستقبال الشهر

стр. 1588

ونحوه إنما نُهِي عنه حذَرًا من هذا المعنى، فإنه يفضي إلى إفطار يوم من رمضان. وأما حديث يوم الشكّ (١)، فالمشهور عند أصحابنا أن هذا ليس بيوم شكّ، كما تقدم مبيّنًا (٢) عن ابن عمر وغيره أنه كان يكره صوم يوم (٣) الشكّ، ولا يرى هذا يوم شكّ (٤)، كما لو شهد به واحد، فإنه ليس بيوم شكٍّ، وإن كان كذبه ممكنًا، وكذلك هنا الظاهر أنه من رمضان، وإن كان الآخر محتملًا. وعلى قول مَن يسميه يوم شكّ لما فيه من التردّد باللفظ العام، فيُحمَل على الشكّ في حال الصحو؛ فإنه هو الذي يقع فيه الشكّ، واحتمال الرمضانية والاختلاف فيه مرجوح. يبيّن صحةَ هذا: أن يوم الشكّ يقع على أنواع: منها الشكّ في (٥) آخر الشهر، وصومه واجب بالإجماع، ومنها الشكّ إذا رآه الرجل أو أخبر به (٦) ثقةٌ عنده، فإنه يجبُ صومُه عليه دون غيره، ومنها الشكّ في الغيم، ومنها الشكّ في الصحو. [ق ١٩] والعمومُ ليس مرادًا قطعًا، فيُحمَل على الشكّ المعهود الذي جاء مفسّرًا في عدة روايات.

стр. 1589

ثم عمار ﵁ لم يحكِ عن النبي ﷺ لفظًا، وإنما ذكر أنه مَن صام يوم الشكّ فقد عصاه، وذلك يدلّ على أنه سمع منه نهيًا عن صوم يوم الشكّ في الجملة، أو فهم من قوله: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» النهيَ عن صوم يوم الشكّ، فإنه ظاهرٌ في ذلك، أو سمع منه لفظًا غير ذلك، ففهم منه هذا المعنى. وفي الجملة، فقول الصاحب: نزَلَت هذه (١) في كذا، أو: هذا حُكْمُ الله ورسوله، أو: هذا مما حرّمه الله ورسوله، أو: مَن فعَل هذا فقد عصى أبا القاسم= محتمِلٌ؛ لأنه أخْبَر به عن فَهْم واعتقاد. ولهذا لم يروِه (٢) أحمدُ وأمثالُه في مسند الحديث عن رسول الله ﷺ ، وإن كان غيره من العلماء يُدخلون مثلَ هذا في الحديث المسند (٣). ولم يصرّح عمار بأن يوم الغيم يوم شكٍّ، ولو صرّح به لَما كان الرجوع إلى ما فَهِمَه بأولى من الرجوع إلى ما رواه ابنُ عمر وفهمَه، وما قاله أبو هريرة وعائشة وغيرهما مع روايتهم عن النبي ﷺ . قال أحمد ﵁ في رواية المرُّوذي، وقد سُئل عن نهي النبيِّ ﷺ عن صيام يوم الشكّ، فقال: هذا إذا كان صحوًا (٤) لم يَصُم، فأما إن كان في

стр. 1590

السماء غيمٌ صام (١). ونقل أبو داود (٢) عنه: الشكّ على ضربين: فالذي لا يُصام إذا لم يَحُلْ دون منظره سحابٌ ولا قَتَر، والذي يُصام إذا حال دون منظره سحابٌ أو قَتَر. ونقل الأثرم عنه: ليس ينبغي أن يصبح صائمًا إذا لم يَحُل دون منظر الهلال شيء من سحاب ولا غيره (٣). ويمكن جواب ثالث: وهو أن تُحمل الأحاديث في الصوم على الجواز والاستحباب، وتُحمل أحاديث الفطر على عدم الوجوب، ويكون التغليظ فيهما (٤) على مَن يجزم بأنه من رمضان ويعتقد وجوب صومه كوجوب صوم الذي يليه حتى يلحق برمضان ما لم يتيقّن أنه منه، وعلى من يعتاض بصومه عن صومِ آخر يومٍ مِن رمضان كما نَهَى عنه عمر. فإن أحاديث الصوم تدلُّ على أن الناسَ كلَّهم لم يكونوا يصوموا (٥) يوم الغيم، وإنما كان يصومه جماعاتٌ من الصحابة والتابعين، ولم يجئ نصّ عن أحد منهم بأنه أنكر صومَ يوم الغيم، وكان عامة الناس لا يُؤمَرون بالصوم إلا بعد الرؤية أو إكمال العدة، وفي حديث ابن عمر أنه كان يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب.

стр. 1591

وقولُه (١) وفعلُه يدلّ على أنه كان يرى هذا حسنًا لا واجبًا، وكذلك فِعْل معاوية، وقولُ غير واحد من الصحابة ﵃: «لأن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان»، إنما يدلّ على الاستحباب. والقياس يقتضي صحةَ هذا القول، فإنّ إيجاب ما لم يُتيقّن وجوبه خلاف القياس، وكراهة التحرّي والاحتياط في العبادات خلاف القياس أيضًا (٢). فصل وإذا أوجبنا صومَه ترتَّبَ عليه جميع أحكام الصوم، ولزم تبييت النية له، وتعيينها في إحدى الروايتين، نقلها الأثرم (٣)، وفي الأخرى يكفي مطلق نية الصوم، رواها المرُّوذي وصالح، وفرَّق في رواية صالح (٤) بين الغيم وغيره، فإنه هنا لا سبيل لها إلى اعتقاد الرمضانية مع عدم العلم بخلاف غيره، واعتقادُ الفرضيّة على أحد الوجهين، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 1592

ولو جامع فيه لزمَتْه الكفارة، ذكره القاضي؛ لأن مِن أصلِنا أنّ كلّ يوم واجب تجب الكفارة بالوطء فيه، سواء اتُّفِق في وجوبه وعُلم أنه من الشهر بطريق مقطوع أو لا. و هل تُصلَّى التراويح ليلتئذٍ؟ على وجهين (١): أحدهما: لا تُصلى، وهو قول أبي حفص العُكبري والتميميَّيْن وابن الجوزي، والآثار إنما جاءت في الصوم، ولا يلزم من الاحتياط للصوم الواجب أن يُعلَّق به جميع أحكام (٢) الرمضانية، ولذلك لا يُعلَّق به انقضاءُ (٣) العِدَد والآجال في الديون وغيرها، ولأن الصلاة قبل تيقُّن دخول الوقت لا تجوز بخلاف الصوم؛ فإن الإمساك قبل دخول الوقت مشروع في الجملة. والثاني: تُصلى، وهو قول كثير من أصحابنا، منهم ابن حامد والقاضي وابنه، وهو أقْيَس. قال أبو الفرج بن الجوزي (٤): وهو اختيار أكثر مشايخنا المتقدمين. قال (٥): جرت هذه المسألة في زمن شيخنا، فصلى. قال القاضي: وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الفضل بن زياد: القيام قبل الصيام؛ لأن النبيّ ﷺ قال: «إن الله كتبَ عليكم صيامَ رمضانَ وسنَنْتُ

стр. 1593

لكم قيامَه، فمَن صامَه وقامَه ... » (١). فقَرَن بين الصيام والقيام، ولا يَتيقّن أنه صام الشهرَ وقامَه حتى يقوم ليلةَ الإغمام. ولأنه لا فرق في الاحتياط بين الصيام والقيام، ولا يصح إلحاق هذا بسائر الصلوات؛ لأنها لا يتكرّر فعلُها قبل تَيقُّن دخول الوقت، يُخاف معه تفويتها في الوقت، بخلاف من يصلي تلك الليلة وسائر [ق ٢٠] الليالي، فإنه بمنزلة من يصوم ذلك اليوم وسائر الأيام. ولأنه قد تقدّم في خُطبة عمر أنه خطَبَهم ليلة الغيم وذكر الصيام والقيام. وأما إذا علَّق طلاقَ نسائه وعِتْق عَبِيده بدخول شهر رمضان، أو كان عليه دَين محلّه شهر رمضان، أو استأجر الدار شهر شعبان ونحو ذلك من الأحكام، فإنه لا يَحِلّ الدَّينُ ولا يقع الطلاقُ ولا تنقضي مدّةُ الإجارة في

стр. 1594

أصحّ الوجهين، وفي الآخر تثبت الأحكام التي بين الناس تبعًا لوجوب الصوم، كما تثبت شهادة الواحد تبعًا، وليس بجيد؛ لأن في ذلك إسقاطًا (١) لحقٍّ ثابت بمجرَّد الشكّ، وذلك لا يجوز، ولأن الصوم إنما وجب احتياطًا، وليس في حقوق الآدميين احتياط، ولأن الوقوع والحلول مما لا يتكرّر، وما لا يتكرّر لا يُشرَع فيه الاحتياط كالصلاة والوقوف، ولهذا لو شهد واحد بهلال رمضان وجب الصوم. وقد ذكر القاضي أبو الحسين (٢): هل يُصام هذا اليوم حُكمًا من رمضان أم قطعًا؟ على وجهين: أصحهما حُكمًا، اختاره الخلال وصاحبه والخرقي والقاضيان ابن أبي موسى وأبو يعلى (٣). قال الخلال: يُصام بعزيمة من رمضان في الحُكم، لا قطع عين في الحقيقة. والوجه الثاني: ذكر القاضيان أن بعض أصحابنا (٤) قال: يصوم قطعًا، وصاحب هذا الوجه إن أراد به أن يقطع النية، فهذا صحيح عند هؤلاء، كما أن الأسير إذا اشتبهت عليه الأشهر تحرَّى وصام جازمًا بالنية وإن لم يجزم بوجود المَنْويّ، وإن عَنى أنه يقطع بدخول الشهر، فلا وجه لهذا. ولو حلف أن الهلال تحت الغيم أو أنه لم يطلع، لم يحنث، كما لو حلف أن هذا الطائر غراب وطار ولم يعلم ما هو، ذكره القاضي. ويتخرّج: أن يحنث.

стр. 1595

ولو حلف ليفعلنّ كذا أول يوم من رمضان، فقال القاضي: لا يبرأ حتى يدخل يوم الإغمام والذي يليه؛ لأن كلَّ واحد من اليومين يحتمل أن يكون أول الشهر، فلا يبرأ إلا بالفعل فيهما، كما لو حلف ليفعلنَّ كذا عقب الصلاة التي في ذمته، وقد نسي صلاةً من خمس لا يعلم عينها، فإن عليه أن يفعله في عقب كلِّ صلاة ... (١) وعلى هذا: إذا غُمّ هلال سائر الشهور ... (٢) ولو نذر أن يصوم رجبًا أو شعبان، فغُمّ أوله، فقال ابن عقيل: قال أصحابنا: يلزمه أن يصوم يوم الإغمام؛ لأن النذور تُبنى على أصولها من الفروض. مسألة (٣): (وإذا رأى الهلالَ وحدَه، صام) . هذا إحدى الروايتين عن أحمد (٤)، وعليها عامة أصحابنا: أنه إذا رأى الهلال وحدَه، لزمه الصوم وإن رُدَّت شهادتُه، وإن كان فاسقًا. وكذلك لو كان عدلًا، وقلنا: لا يقبل في هلال الصوم إلا عدلان، فإنه يلزمه الصوم. قال في رواية صالح (٥) وقد سأله: إذا رأى هلالَ شوَّال وحدَه هل يفطر

стр. 1596

أو رأى هلال رمضان أيصوم؟ فقال: أما الصوم؛ فأعجب إليَّ أن يصوم، وأما الفطر فيتهم نفسَه. فقد أمره بالصوم، ومنعه من الفطر. وقال في رواية صالح: من رأى هلال رمضان وحدَه يصوم ولا يفطر، وأما شوَّال فلا. وأما رمضان فتجوز شهادة رجل واحد، وحَمَل أصحابنا هذا على الإيجاب. و الرواية الثانية: لا يصوم إذا انفرد برؤيته ورُدَّت شهادته ، أو قلنا: لا يقبل إلا اثنان. قال في رواية حنبل (١) في رجل رأى هلالَ رمضان وحدَه: هل ترى له أن يصوم إذا لم يرَ غيرُه؟ فقال: لا يصوم إلا في جماعةِ الناسِ، ولا يفطر حتى يفطر الإمام. وحمَلَها أصحابُنا على أنه لا يلزمه، وظاهر الرواية أنه يُكره له الصوم، ويكون في حقّه يومَ شكٍّ. فأما إذا رآه في موضع ليس فيه غيرُه، فيلزمه الصومُ روايةً واحدة. وإن انفرد برؤيته بين الرُّفْقة أو في قرية صغيرة ونحو ذلك [لم يُقبل إلا

стр. 1597

قول اثنين] (١)؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، ولما رُوي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «الصومُ يوم تصومون، الفطرُ يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحّون» رواه الترمذي (٢) وقال: حسن غريب. وقال (٣): «صومُكم يوم تصومون، وفطرُكم يوم تُفْطِرون» رواه الدارقطني (٤) من حديث الواقدي، عن رجال من أهل المدينة، عن المَقْبُري، ورواه الترمذي (٥). ولحديث ابن عمر وأبي سعيد (٦). ولأن «يدُ الله على الجماعة، ومَن شذّ شذّ في النار» (٧).

стр. 1598

وقد يجوز أن يكون عَرَض له غلطٌ في الرؤية، فلا ينفرد عن الجماعة بمجرَّد ذلك، ولأنه أحد طرفي الشهر، فجاز أن يَطْرَح فيه رؤيةَ نفسه المردودة كالطرف الثاني، فإنه منهيّ عن الصوم في الطرف الأول، كما أنه منهيّ عنه في الطرف الآخر، ولأنه محكوم بأنه من شعبان في حقِّ الكافة، فلا يلزمه صومه كما لو شكَّ في الذي رآه هل هو هلال أم لا؟ ووجه الأول: أن النبي ﷺ قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» (١)، والرؤية موجودة، ولأن ثقته برؤية نفسه أبلغ من ثقته بخَبَر غيره. ثم لو أخبره شاهدان لوجب الصومُ بخبرهما، فَأَنْ يجب بعلمه أولى وأحْرَى، [ق ٢١] ولأن العبدَ إنما يُعامِلُ اللهَ بعلمه، فإذا لم يكن له عِلْم قَبِل قولَ غيره، وهو يعلم أن هذا اليوم من (٢) رمضان.

стр. 1599

وأما قول النبي ﷺ : «صومكم يوم تصومون» فهو في حقّ العامّة. وتلزم (١) الحقوقُ المتعلِّقةُ به من وقوع الطلاق المعلق برمضان، وحلول الدَّيْن المؤجّل عليه، وانقضاء مدّة الإجارة إلى رمضان، فيما بينه وبين الله تعالى. ذكره القاضي وابن عقيل. كمَن علم أن عليه حقًّا لا يعلمه صاحبه. ويتوجّه ... (٢) ولو وطئ في هذا اليوم لزمَتْه الكفّارة عند أصحابنا؛ لأنا لا نعتبر في وجوبها أن يُعْلَم الشهر بطريق مقطوع به، ولا أن يُجْمَع (٣) على وجوبه. مسألة (٤): (فإن كان عدلًا صامَ الناسُ بقوله) . هذا هو المشهور عن أبي عبد الله، وعليه أكثر أصحابه، وسواء كانت السماء مُصْحِية أو مُتغيّمة، وسواء رآه بين الناس أو قَدِم عليهم من خارج. وعنه: لا يُقبل إلا عدلان كسائر الشهور. رواها الميموني (٥). لما روى حجاج بن أرطاة، عن حسين بن الحارث الجَدَلي، قال:

стр. 1600

خطب عبدُ الرحمن بن زيد بن الخطاب في اليوم الذي يُشَكّ فيه، فقال: «ألا إني جالست أصحابَ رسول الله ﷺ وساءَلتُهم، وإنهم حدّثوني أن رسول الله ﷺ قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانْسَكوا لها، فإن غُمّ عليكم فأتمّوا ثلاثين، فإن شَهِد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا». رواه أحمد والنسائي (١). فعلّق الصومَ على شهادة عدلَين. ولأن عثمان بن عفان كان لا يجيز شهادةَ الواحد في الهلال (٢). ذكره أحمد واستشهد به (٣). ولأنه هلال من الأهِلَّة، فلم يثبت إلا بشاهدين كسائر الأهلة. ولأنه إيجاب حقّ على الناس، فلم يجب إلا بشاهدين كسائر الحقوق. ولأن رؤية الواحد معرَّضة للغلط، ولاسيَّما إن كان بين الناس والسماءُ مُصْحية، وربما يُتّهم في ذلك، فلا بُدَّ من إزالة الشبهة باثنين. وجمع أبو بكر بين الروايتين فقال: إذا قدم الواحد من سفر على مصرٍ،

стр. 1601

فخبّرهم بالصيام قبلوا وصاموا، وإذا كان شاهدًا (١) لهم، وحَوَاسُ الجميع سالمة لم يُقبل منه، إلا أن يكون شيئًا مثله يمكن أن ينفرد به الواحدُ فيُقبل. ولم يختلف القولُ في [هلال شوّال أنه] (٢) لا يُقبل فيه إلا اثنين (٣)، فعلى هذا اعتمده؛ لأن في هذا جمعًا بين الآثار، ولأن انفرادَ الواحد في الصحو بين الجمّ الغفير بعيدٌ جدًّا. ووجه الأول: قوله تعالى: ﴿ ... إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، فإنه يقتضي أن لا يُتَبيّن عند مجيء العدل، وفي ردّ شهادة الواحد تَبَيُّنٌ (٤) عند مجيء العدل وفي سائر المواضع إنما تُوُقّفَ في شهادة الواحد لأجل التهمة، ولكونه قد عارضها شيء آخر، وهو منتفٍ هنا. ولِمَا (٥) روى ابنُ عمر، قال: تراءى الناسُ الهلالَ، فأخبرتُ رسولَ الله ﷺ أني رأيته، فصام وأمر الناسَ بصيامه. رواه أبو داود والدارقطني (٦)، وقال: تفرّد به مروان بن محمد، عن ابن وهب، وهو ثقة (٧).

стр. 1602

فأخبر أن النبي ﷺ أمر بصيامه عند رؤيته؛ لأنه ذكر ذلك بحرف الفاء، ولأنه لم يذكر شيئًا غير رؤيته والأصل عدمُه، ولأنه ذكر سببًا وحكمًا فيجب تعليقه به دون غيره. وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال ــ يعني: رمضان ــ، فقال: «أتشهدُ أن لا إله إلا الله؟» قال: نعم. قال: «أتشهدُ أنّ محمدًا رسول الله؟» قال: نعم. قال: «يا بلال، أذِّن في الناس فليصوموا غدًا» رواه الأربعة (١). وعن حماد بن سلمة، عن سِماك، عن عكرمة: أنهم شكُّوا في هلال رمضان مرّة، فأرادوا (٢) أن لا يقوموا ولا يصوموا، فجاء أعرابي من الحرّة، فشهد أنه رأى الهلال، فأُتيَ به النبيُّ ﷺ ، فقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟» قال: نعم. وشَهِد أنه رأى الهلالَ، فأمر بلالًا فنادى في الناس أن يقوموا وأن يصوموا. رواه أبو داود (٣)، وقال: رواه جماعة عن

стр. 1603

سِماك عن عكرمة مرسلًا، ولم يذكر [القيام] (١) أحدٌ إلا حماد بن سلمة. وهذا نصٌّ مبين أنهم إنما صاموا بمجرّد شهادة مسلم واحد. وأيضًا ما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كنت مع البراء بن عازب وعمر بن الخطاب في البقيع ننظر إلى الهلال، فأقبل راكبٌ، فتلقَّاه عمر، فقال: من أين جئت؟ أمِن المغرب؟ وفي رواية: قال: من الشام. فقال: أهللتَ؟ قال: نعم. قال عمر: الله أكبر، إنما يكفي المسلمين رجلٌ واحد. رواه أحمد في «المسند» (٢)، وسعيد وحرب. وعن فاطمة بنت حسين، عن عليّ: أنه أجاز شهادة رجل على هلال رمضان وقال: «لأن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان» رواه سعيد وحرب (٣). وذكر أحمدُ عن ابن عمر نحوَه.

стр. 1604

ومثل هذا يشتهر ولم يُنكَر، فصار إجماعًا. وما نُقل عن عثمان (١)، فهو مرسل، ولعله أراد هلال الفطر. وعن (٢) عبد الملك بن ميسرة، قال: شهدتُ المدينةَ في عيد، فلم يشهد على الهلال إلا رجل واحد، فأمرهم ابنُ عمر أن يجيزوا شهادته. رواه حرب (٣)، وذكره أحمد (٤)، وقال: ابنُ عمر أجازَه وحدَه وأمَرَه وأمرَ الناسَ بالصيام. ولأنه إخبار بعبادة لا يتعلّق بها حقُّ آدميّ، فقُبل فيها قول الواحد، [ق ٢٢] كالإخبار عن رسول الله ﷺ ، وكالإخبار عن مواقيت الصلاة، وجهة الكعبة، وعكسُه هلال الفطر والنحر؛ فإنه (٥) يتعلَّق بها حقّ آدميّ من إباحة الأكل والإحلال من الإحرام. ولأنه خبرٌ عما يلزم به عبادة يستوي فيها المُخْبِر [وغيرُه] (٦)، فقُبِل فيها قول الواحد كالأصل. ولأنه إنما اعْتُبِر العددُ في الشهادات خوف التهمة، وهي منتفية هنا؛ لأنه

стр. 1605

يلزمه من الصوم ما يلزم غيره. ولأن قبول قوله هنا فيه احتياط وتحرٍّ (١) فيجب اتّباعُه. وعكسُه هلال الفطر، وكذلك هلال النحر، فإنما يُخاف مِن ردّ خبره ما يُخاف في قبوله؛ لأن الوقوف له وقت واحد، ولأن المرئيَّ بعيد لطيف، ونفس مطلعه غير معلوم لأكثر الناس، والأَبْصار مختلفة بين حديدٍ (٢) وكَليل. وكلُّ هذه الأسباب توجب جواز اختصاص بعض الناس برؤيته. وحديث ابن عمر دليل على مَن رآه بين الناس، وهو وحديث ابن عباس دليل على حال الصحو؛ لأن عامة الرمضانات على عهد رسول الله ﷺ كانت (٣) في الصيف، وقول عمر وعلي نصّ في قبول قول الواحد مطلقًا. وتُصلّى التراويحُ ليلتئذٍ إذا صمنا، وإذا ثبت ذلك عند الإمام، فقال القاضي: يلزم الصوم لكلِّ أحد، سواء قلنا: يُقبل فيه قول الواحد أو لا. فأما سائر حقوق الآدميين من الآجال (٤) والإجارات والطلاق والعتق المعلّق ونحو ذلك، فإنه يثبت تبعًا على ما ذكره القاضي. فصل (٥) ويُقبل فيه شهادة الواحد سواء كان حرًّا أو عبدًا، وسواء كان رجلًا أو

стр. 1606

امرأة في المشهور عند أصحابنا، ذكره أبو بكر وغيره من أصحابنا، كما تُقبل أخبارهم، ولا تُقبل شهادة الفاسق ولا الكافر ولا الصبيّ. قال القاضي: وهذا يدلّ على أنه خبر؛ لأن ما يطلع عليه الرجال لا تُقبل فيه شهادة النساء. فعلى هذا لا يعتبر لفظ الشهادة؛ لأنه خبرٌ عن عبادة لا يتعلَّق بها حقّ آدمي، فكانت خبرًا كالإخبار بحديث رسول الله ﷺ . وقال ابن أبي موسى (١): يجب الصوم على مَن رأى الهلال وعلى مَن لم يره بشهادة رجلٍ عدل في إحدى الروايتين، والأخرى: لا يلزمه الصوم إلا أن يراه أو يشهد على رؤيته رجلان فصاعدًا. وفيه وجه آخر: أنه لا تُقْبَل شهادة المرأة كالشهادة على هلال شوّال، فعلى هذا يُعتبر لفظ الشهادة. مسألة (٢): (ولا يُفطِر إلا بشهادة عَدْلَين) . قال الترمذي: «ولم يختلف أهل العلم في الإفطار أنه لا يُقبل فيه إلا شهادة رجلين» (٣).

стр. 1607

وكذلك هلال ذي الحجة. لما روى حسين بن الحارث الجدَليّ ــ جديلة قيس ــ: أن أمير مكة خطب ثم قال: «عَهِد إلينا رسول الله ﷺ أن نَنْسك للرؤية، فإن لم نره وشهد شاهدا عدلٍ نَسَكْنا بشهادتهما. فقيل للحسين بن الحارث: مَن أميرُ مكة؟ فقال: الحارث بن حاطب أخو محمد بن حاطب. ثم قال الأمير: إن بكم مَن هو أعلم بالله ورسوله منِّي، وشهد هذا من رسول الله ﷺ ، وأومأ بيده إلى رجل. قال الحسين لشيخ إلى جنبي: مَن هذا الذي أومأ إليه الأمير؟ قال: هذا عبد الله بن عمر، وصدق كان أعلم بالله منه. فقال: بذلك أمَرَنا رسولُ الله ﷺ ». رواه أبو داود والدارقطني (١)، وقال: هذا إسناد متصل صحيح. فهذا الحديث يدلّ بمنطوقه على قبول شهادة الاثنين بكلِّ حال، سواء كانت السماء مُصْحِية أو مُغيّمة، ومفهومه مفهوم الشرط الذي هو أقوى المفاهيم، على أنه لا ينسك إلا بشهادة شاهِدَي عدلٍ؛ لأن الحكم المعلَّق بشرط معدومٌ عند عدمه، ولو كان الحكم يثبت بشاهد واحدٍ لما احتاج إلى ذكر الاثنين، وإذا ثبت هذا في هلال النحر فهلال الفطر أوْلى وأحْرى. وقد تقدم (٢) قوله: «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا»، فإنّ مفهومَه أن الصوم والفطر لا يجتمعان إلا بشهادة اثنين، وهو كذلك. ولا ينتقض هذا بقبول الواحد في الصوم لوجهين:

стр. 1608

أحدهما: أن المفهومَ عارضَه نصٌّ، والمنطوق مقدّم على المفهوم، فإن المفهوم أحسن أحواله أن يكون كالعامّ مع الخاصّ، وكالقياس مع النص، وهذا يُترَك من غير نسخ، والنصّ لا يُترك إلا بناسخ. الثاني: أن منطوقَه ثبوت الصوم والفطر معًا بشهادة الاثنين، وتخصيص المنطوق بالذّكْر يقتضي أن المسكوتَ عنه يخالفه ولو مِن وجه. فاقتضى ذلك أن الصومَ والفطرَ لا يثبت إلا باثنين، وهذا صحيح، فإن الواحد لا يثبت به الفطر لا ضمنًا ولا أصلًا، كما سنذكره إن شاء الله. ولم يتعرّض الحديثُ للصوم بدون الفطر بأي شيء يثبت لا بمنطوق ولا بمفهوم. وأيضًا فإن الأهلَّة غير رمضان تتضمّن حقوقًا للناس من إباحة الأكل والإحلال، وربما يخاف من دخول التهمة، وليس في [ق ٢٣] التقدم بها احتياط، فلا يُقبل فيها قول الواحد. ويثبت بشاهدين مع الصحو والغيم؛ لما تقدم من قوله: «فإن لم يره وشهد شاهدا عَدْل؛ نَسَكْنا بشهادتهما»، وقوله: «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا». وعن رِبْعي بن حراش، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: «اختلف الناس في آخر يوم من رمضان، فقدم أعرابيان، فشهدا عند النبي ﷺ بالله لأهلَّا الهلالَ أمس عشيّةً، فأمر النبيُّ ﷺ أن يفطروا وأن يغدوا إلى مصلّاهم». رواه أحمد وأبو داود والدارقطني، وقال: هذا صحيح (١).

стр. 1609

وقال أبو بكر: ولا تُقبَل شهادة رجل وامرأتين، ولا شهادة النساء المنفردات؛ لأنه مما يطَّلع عليه الرجال وليس بمال ولا يُقْصَد به المال، وتقبل شهادة العبيد. مسألة (١): (وإذا صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يومًا، أفطروا. وإن كان بغيمٍ أو قولِ واحدٍ، لم يفطروا إلا أن يروه أو يُكْمِلوا العِدّة) . أما إذا صاموا بشهادة اثنين، ثم أكملوا العدّةَ ولم يرو الهلال أفطروا؛ لأن أكثر ما فيه الفطر بمضمون شهادة اثنين، وذلك جائز. وقول النبيّ ﷺ : «فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا» (٢) يقتضي ذلك، ولا يُقال قد تبيّن غلطُهما لأن هلال التمام لا يخفى على الجميع، لأنه لو شهد اثنان أنهما رأياه وهو هلال تمام قُبِل، فكذلك إذا تضمَّنت شهادتُهما طلوعَه. وأما إذا صاموا لإغمام الهلال، لم يفطروا إذا صاموا ثلاثين يومًا حتى يروا الهلال بأن يشهد به شاهدان أو يكملوا عِدّةَ شعبان ورمضان ثلاثين ثلاثين، قولًا واحدًا؛ لما تقدم من الحديث والأثر، ولأنه لم يثبت بذلك شهرٌ إنما صيم احتياطًا. وأما إذا صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا، لم يفطروا حتى يروا الهلالَ بأن يشهد به شاهدان أو يكملوا العدة عِدّة شعبان ورمضان، سواءٌ أصْحَت

стр. 1610

السماءُ في أجزاء الشهر أو أغامت (١) في أصحّ الوجهين كما ذكره الشيخ، وهو أشبه بكلامه. وفي الآخر: يفطرون، وهو قول أبي بكر. ولم يفرِّق بين أن تكون مُصْحية أو مُغيّمة؛ لأن الصوم إذا وجب وجب الفطر لاستكمال العدة، وقد يثبت (٢) تبعًا ما لا يثبت أصلًا، كما يثبت النسب بشهادة النساء على الولادة (٣) الموجبة للنسب بشهادة النساء، وإن لم يثبت بها نفس النسب. قال أبو بكر: لا يجب الإفطار إلا بأحد ثلاثة أوجه: إما برؤية، أو بشهادة شاهدين، أو بعدل على شهادة الواحد. والأول أصحّ لأن الصوم إنما ثبت بقول الواحد احتياطًا للصوم، كما علل به عليٌّ ﵁ لما قَبِل شهادةَ الواحد في الهلال، وقال: «لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إليَّ من أن افطر يومًا من رمضان» (٤). فمن الاحتياط: أن لا نفطر بناءً على شهادته، ولأنه إن أصْحَت السماءُ لتمام الثلاثين، ولم يُر الهلال كان ذلك أمارة على خطئه أو كذبه. وإن غامت السماء فكأنه قد أخبر أن تحت الغيم هلال، وهو لو أخبر بذلك

стр. 1611

صريحًا لم يقبل منه فلا يُقبل منه تضمّنًا، وإنما يثبت الشيء تبعًا إذا كان ... (١) فإن أخبرهم عدلٌ بالهلال بعد أن أصبحوا مفطرين لزمهم القضاء بقوله، ولم يجز لهم بناءُ الفطر (٢) على شهادته وجهًا واحدًا، لأنهم لم يصوموا بقوله، فلم يثبت الفطر أصلًا ولا ضمنًا. و إن صاموا ثمانية وعشرين يومًا، وكانوا قد أكملوا (٣) عِدّة شعبان لإصحاء السماء وكونهم لم يروه، فإنهم يقضون يومًا ، قال أحمد عن الوليد بن عتبة (٤): صُمنا على عهد عليٍّ ثمانيةً وعشرين يومًا، فأمَرَنا عليٌّ أن نقضيَ يومًا (٥). قال أبو عبد الله (٦): العمل على هذا؛ لأن الشهر لا يكون ثمانية وعشرين، فمن صام هذا الصوم قضى ولا كفّارة عليه، وذلك (٧) لما روى الوليدُ بن عتبة الثقفي قال: صمنا على عهد عليّ ثمانية وعشرين يومًا، فأمرنا فقضينا يومًا.

стр. 1612

وعن أبي إدريس الأزدي: أنهم صاموا على عهد عليّ بن أبي طالب على رؤية الهلال، وأفطروا على رؤيته، فكان صومهم ثمانيًا (١) وعشرين، فقال عليّ ﵇: «إن هذين الشهرين تتابعا تسعًا وعشرين وتسعًا وعشرين، وإن الشهر لا يكون أقلَّ من تسع وعشرين، فأصْبِحوا بعد الفطر صيامًا تقضون يومًا». رواهما سعيد (٢). قال أبو بكر عبد العزيز في حديث عليّ: إنهم صاموا في عهده ثمانية وعشرين يومًا، فأمرهم بقضاء يوم، قال: يكون شعبان تسعةً وعشرين يومًا، ويكون صحوًا، ولا يُرى الهلال، يصبحون مفطرين؛ لأن هكذا عليهم مع الصحو، ثم يتبين يوم الثلاثين من شعبان الذي أفطروه كان أول رمضان، ويكون أيضًا رمضان تسعة وعشرين يومًا، فيحصل صومهم ثمان وعشرين يومًا، فيؤمرون حينئذ بقضاء يوم. فأما إن أكملوا العدَّة مع تغيُّم هلال رمضان وحده، وصاموا ثمانية وعشرين؛ فعليهم قضاء يوم أيضًا. وإن صاموا تسعة وعشرين فعليهم قضاء [ق ٢٤] يوم الغيم، إذا قلنا بوجوب صومه، ويستحب ... (٣). وإن صاموا ثلاثين ثم رأوا الهلالَ لم يكن عليهم قضاء؛ لأنا تبينَّا أنه لم يكن تحت الغمام هلال؛ فإن الشهر لا يزيد على ثلاثين يومًا.

стр. 1613

وإن تغيَّم هلالُ شعبان ورمضان فأكملوهما، وصاموا ثمانية وعشرين، فقال القاضي: يقضون هنا يومين. و إذا رأى هلالَ الفطر وحده لم يجز له أن يفطر (١). نصّ عليه. فقال في رواية صالح وابن منصور والأثرم: «من رأى هلال الفطر وحده يصوم ولا يفطر» (٢). وقال في رواية صالح (٣): «من رأى هلال رمضان وحده يصوم ولا يفطر، وأما شوال فلا، وأما رمضان فيجوز شهادة رجل واحد». وقال في روايته فيمن رأى هلال الصوم أو الفطر وحده: «أما الصوم فأعجب إليَّ أن يصوم، وأما الفطر فيتّهم نفسَه». فقد نصَّ على الفرق، وهذا قول أكثر أصحابه مثل الخِرَقي وابن حامد وأبي حفص والقاضي وأكثر أصحابه. قال ابن أبي موسى (٤): ولا يجوز الفطر لمن رآه وحدَه، ولا لمن لم يره إلا بشهادة عدلين قولًا واحدًا. وقال أبو بكر ... (٥) وكذلك ابن عقيل: إنه يفطر سرًّا. وحَمَل كلامَ

стр. 1614

أحمد على أنه قصَدَ النهيَ عن المظاهرة بالإفطار لأجل التهمة والفتنة ومخالفة الإمام والسواد الأعظم، وليس بجيد؛ لأن أحمد قال: يصوم ولا يفطر؛ فقد أمره بالصوم ونهاه عن الفطر؛ فكيف يقال: أراد أنه يفطر سرًّا ولا يتظاهر بالفطر؛ لأنه يوم من شوال، فلم يجب صومه كسائر الأيام، ولأنه أول (١) يوم من شوال فلم يجز صومه كسائر الأيام (٢). وهذا لأنه يتيقّن أنه أوَّل يوم من شوّال أعظم مما يتيقّنه لو شهد به شاهدان، وهو فيما بينه وبين الله مأمور بما يعلمه، لكن لمَّا كان أظهار الفطر فيه تعريض نفسه لسوء الظن وإثارة الفتنة؛ لأن الناس إنما يحكمون بما ظهر، ولأنه لا يجوز أن يُمَكَّن أحدٌ من الفطر بما يدَّعيه من الرؤية، وجب عليه إخفاؤه، ولأنه ليس الاحتياط بالصوم في الوقت الواجب بأكثر من الاحتياط بالفطر في الوقت الواجب؛ فإن الفطر في رمضان كالصوم يوم العيد. فعلى هذا يكفيه أن لا ينوي الصوم سواءٌ أكل أو لم يأكل. ووجه الأول: قول النبي ﷺ : «صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون» رواه الترمذي (٣). وعن أبي هريرة ذَكَر النبيَّ ﷺ فيه، قال: «وفِطْركم يوم تُفطرون،

стр. 1615

وأضحاكم يوم تُضحّون، وكلّ عرفةَ موقف، وكلّ مِنى مَنْحَر، وكلّ فِجاج مكةَ مَنْحَر، وكلّ مزدلفة موقف» رواه أبو داود (١). وعن (٢) أبي قِلابة: «أن رجلين قدما المدينةَ، وقد رأيا الهلال، وقد أصبح الناس صيامًا، فأتيا عمرَ بن الخطاب ﵁، فذكرا ذلك له، فقال لأحدهما: أصائم أنت أم مفطر؟ قال: مفطر. قال: ما حملك على ذلك؟ قال: لم أكن لأصوم وقد رأيتُ الهلال. وقال للآخر: فأنت؟ قال: إني صائم. قال: ما حملك على أن تصوم وقد رأيت الهلال؟ قال: لم أكن لأفطر والناس صيام. فقال للذي أفطر: لولا مكان هذا ــ يعني: الذي صام ــ لأوجعتُ رأسَك. ثم نودي في الناس: أنِ اخرجوا». رواه سعيد (٣). فبيَّن عمر ﵁ إنما دفعَ العقوبةَ عن الذي أفطر لأجل شهادة الآخر معه، وأنه لو أفطر برؤية نفسه فقط لضربَه. وعن عائشة ﵂ أنها قالت: «إنما الفطر يوم يفطر الإمامُ وجماعةُ
следующие страницы →