← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

صريحًا لم يقبل منه فلا يُقبل منه تضمّنًا، وإنما يثبت الشيء تبعًا إذا كان ... (١) فإن أخبرهم عدلٌ بالهلال بعد أن أصبحوا مفطرين لزمهم القضاء بقوله، ولم يجز لهم بناءُ الفطر (٢) على شهادته وجهًا واحدًا، لأنهم لم يصوموا بقوله، فلم يثبت الفطر أصلًا ولا ضمنًا. و إن صاموا ثمانية وعشرين يومًا، وكانوا قد أكملوا (٣) عِدّة شعبان لإصحاء السماء وكونهم لم يروه، فإنهم يقضون يومًا ، قال أحمد عن الوليد بن عتبة (٤): صُمنا على عهد عليٍّ ثمانيةً وعشرين يومًا، فأمَرَنا عليٌّ أن نقضيَ يومًا (٥). قال أبو عبد الله (٦): العمل على هذا؛ لأن الشهر لا يكون ثمانية وعشرين، فمن صام هذا الصوم قضى ولا كفّارة عليه، وذلك (٧) لما روى الوليدُ بن عتبة الثقفي قال: صمنا على عهد عليّ ثمانية وعشرين يومًا، فأمرنا فقضينا يومًا.

стр. 1612

وعن أبي إدريس الأزدي: أنهم صاموا على عهد عليّ بن أبي طالب على رؤية الهلال، وأفطروا على رؤيته، فكان صومهم ثمانيًا (١) وعشرين، فقال عليّ ﵇: «إن هذين الشهرين تتابعا تسعًا وعشرين وتسعًا وعشرين، وإن الشهر لا يكون أقلَّ من تسع وعشرين، فأصْبِحوا بعد الفطر صيامًا تقضون يومًا». رواهما سعيد (٢). قال أبو بكر عبد العزيز في حديث عليّ: إنهم صاموا في عهده ثمانية وعشرين يومًا، فأمرهم بقضاء يوم، قال: يكون شعبان تسعةً وعشرين يومًا، ويكون صحوًا، ولا يُرى الهلال، يصبحون مفطرين؛ لأن هكذا عليهم مع الصحو، ثم يتبين يوم الثلاثين من شعبان الذي أفطروه كان أول رمضان، ويكون أيضًا رمضان تسعة وعشرين يومًا، فيحصل صومهم ثمان وعشرين يومًا، فيؤمرون حينئذ بقضاء يوم. فأما إن أكملوا العدَّة مع تغيُّم هلال رمضان وحده، وصاموا ثمانية وعشرين؛ فعليهم قضاء يوم أيضًا. وإن صاموا تسعة وعشرين فعليهم قضاء [ق ٢٤] يوم الغيم، إذا قلنا بوجوب صومه، ويستحب ... (٣). وإن صاموا ثلاثين ثم رأوا الهلالَ لم يكن عليهم قضاء؛ لأنا تبينَّا أنه لم يكن تحت الغمام هلال؛ فإن الشهر لا يزيد على ثلاثين يومًا.

стр. 1613

وإن تغيَّم هلالُ شعبان ورمضان فأكملوهما، وصاموا ثمانية وعشرين، فقال القاضي: يقضون هنا يومين. و إذا رأى هلالَ الفطر وحده لم يجز له أن يفطر (١). نصّ عليه. فقال في رواية صالح وابن منصور والأثرم: «من رأى هلال الفطر وحده يصوم ولا يفطر» (٢). وقال في رواية صالح (٣): «من رأى هلال رمضان وحده يصوم ولا يفطر، وأما شوال فلا، وأما رمضان فيجوز شهادة رجل واحد». وقال في روايته فيمن رأى هلال الصوم أو الفطر وحده: «أما الصوم فأعجب إليَّ أن يصوم، وأما الفطر فيتّهم نفسَه». فقد نصَّ على الفرق، وهذا قول أكثر أصحابه مثل الخِرَقي وابن حامد وأبي حفص والقاضي وأكثر أصحابه. قال ابن أبي موسى (٤): ولا يجوز الفطر لمن رآه وحدَه، ولا لمن لم يره إلا بشهادة عدلين قولًا واحدًا. وقال أبو بكر ... (٥) وكذلك ابن عقيل: إنه يفطر سرًّا. وحَمَل كلامَ

стр. 1614

أحمد على أنه قصَدَ النهيَ عن المظاهرة بالإفطار لأجل التهمة والفتنة ومخالفة الإمام والسواد الأعظم، وليس بجيد؛ لأن أحمد قال: يصوم ولا يفطر؛ فقد أمره بالصوم ونهاه عن الفطر؛ فكيف يقال: أراد أنه يفطر سرًّا ولا يتظاهر بالفطر؛ لأنه يوم من شوال، فلم يجب صومه كسائر الأيام، ولأنه أول (١) يوم من شوال فلم يجز صومه كسائر الأيام (٢). وهذا لأنه يتيقّن أنه أوَّل يوم من شوّال أعظم مما يتيقّنه لو شهد به شاهدان، وهو فيما بينه وبين الله مأمور بما يعلمه، لكن لمَّا كان أظهار الفطر فيه تعريض نفسه لسوء الظن وإثارة الفتنة؛ لأن الناس إنما يحكمون بما ظهر، ولأنه لا يجوز أن يُمَكَّن أحدٌ من الفطر بما يدَّعيه من الرؤية، وجب عليه إخفاؤه، ولأنه ليس الاحتياط بالصوم في الوقت الواجب بأكثر من الاحتياط بالفطر في الوقت الواجب؛ فإن الفطر في رمضان كالصوم يوم العيد. فعلى هذا يكفيه أن لا ينوي الصوم سواءٌ أكل أو لم يأكل. ووجه الأول: قول النبي ﷺ : «صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون» رواه الترمذي (٣). وعن أبي هريرة ذَكَر النبيَّ ﷺ فيه، قال: «وفِطْركم يوم تُفطرون،

стр. 1615

وأضحاكم يوم تُضحّون، وكلّ عرفةَ موقف، وكلّ مِنى مَنْحَر، وكلّ فِجاج مكةَ مَنْحَر، وكلّ مزدلفة موقف» رواه أبو داود (١). وعن (٢) أبي قِلابة: «أن رجلين قدما المدينةَ، وقد رأيا الهلال، وقد أصبح الناس صيامًا، فأتيا عمرَ بن الخطاب ﵁، فذكرا ذلك له، فقال لأحدهما: أصائم أنت أم مفطر؟ قال: مفطر. قال: ما حملك على ذلك؟ قال: لم أكن لأصوم وقد رأيتُ الهلال. وقال للآخر: فأنت؟ قال: إني صائم. قال: ما حملك على أن تصوم وقد رأيت الهلال؟ قال: لم أكن لأفطر والناس صيام. فقال للذي أفطر: لولا مكان هذا ــ يعني: الذي صام ــ لأوجعتُ رأسَك. ثم نودي في الناس: أنِ اخرجوا». رواه سعيد (٣). فبيَّن عمر ﵁ إنما دفعَ العقوبةَ عن الذي أفطر لأجل شهادة الآخر معه، وأنه لو أفطر برؤية نفسه فقط لضربَه. وعن عائشة ﵂ أنها قالت: «إنما الفطر يوم يفطر الإمامُ وجماعةُ

стр. 1616

المسلمين». رواه أبو حفص (١). وعن مسروق ومالك (٢): أنهما دخلا على عائشة في اليوم الذي يُشَكّ فيه، فقالت للجارية: «خوضي لهما سويقًا فإني صائمة. فقالا: إن الناس يرون أنه الأضحى. فقالت: إنما الأضحى إذا ضحّى الإمامُ هو وعُظْمُ (٣) الناس». رواه الفريابي (٤). وهذا يقتضي أن مَن رأى هلالَ النحر فإن له أن يصوم اليوم العاشر في رؤيته، ولأنه يجوز أن يكون غالطًا في الرؤية، ومخالفةُ عامة الناس له يقوِّي هذا الغلط، والفطر ليس مما يُحتاط به، ولهذا لا تقبل إلا شهادة اثنين؛ بخلاف الصوم؛ فلا ينبغي له أن يُقْدِم على ذلك بمجرَّد رؤيته، ولأنّ يوم الفطر هو اليوم الذي يفطر فيه الناس، وإن كان الهلال قد رئي في غيره، فلو كان الهلال طالعًا ولم يره (٥) مَن تُقبل شهادتُه وحدَه، لم يكن في هذا الحكم

стр. 1617

يوم عيدٍ، فيجب صومه ولا يجب (١) فطره. وإن رأى هلالَ شوَّال وحدَه في موضعٍ لا يمكن (٢) أن يخبرَ به غيرُه، فقال القاضي وابن عقيل: يلزمه صيامُه، ولا يجوز له الفطر برؤيته وحدَه؛ كما لو أخبر به فلم يُحْكَم بقوله، والأشبه هنا ... (٣) ولو صام برؤية نفسه ثلاثين يومًا لم يُفطر إلا مع الإمام والناس، فيصوم واحدًا وثلاثين، كما لو رأى شوالَ وحدَه على المشهور، وهو ظاهرها. وقال أبو الخطاب (٤): يحتمل أن يفطر هنا. ولو كان عليه دَين مؤجّل أو عَلّق عتقَ عبده أو طلاق امرأتِه بهلال شوّال فقال القاضي: لا يُعرف الروايةُ فيه. فصل (٥) وإذا شهد بالرؤية واحد أو اثنان أو أكثرَ من ذلك عند بعض الناس ولم يثبت عند الإمام، إمَّا لكونهم لم يشهدوا عنده، أو لكونه لم يَعْرِف عدالَتهم، ونحو ذلك؛ فإنه يجب على مَن سمع خبرَهم وعرَفَ عدالَتهم أن يصوم بخبرهم. ذكره القاضي وابنُ عقيل وغيرهما من أصحابنا، [ق ٢٥] حتى لو كان المُخبِر امرأةً (٦) أو عبدًا كما تقدم.

стр. 1618

وقال في رواية حنبل (١) فيمن رأى هلال رمضان وحدَه: لا يصوم إلا في جماعةِ الناس، وكذلك لا يفطر حتى يفطر الإمامُ. فعلى هذا لا يصوم ولا يفطر إلا مع الإمام. وعلى الأول إذا شهد بهلال الفطر اثنان، ولم يثبت عند الحاكم، إمَّا لعدم شهادتهما عنده، أو لردّها لعدم معرفته بعدالتهما، جاز لمن سمع شهادَتَهما الفطرُ بقولهما، ولكلٍّ منهما الفطرُ بقولهما، بخلاف ما إذا لم يَعْرف أحدُهما عدلَ صاحبه؛ لأن هذا إخبار دينيّ، فلا يعتبر فيه الثبوتُ عند الحاكم، وردّه للشهادة ليس بحكم، وإنما هو توقّف عن ذلك لعدم علمه. هذا قول ... (٢) لكن ينبغي أن يستسرَّ بالفطر إذا لم يثبت عند الإمام. والأشبَهُ بنصِّه ... ، والإمام الذي يُصام بقوله هو ... (٣) مسألة (٤): (وإذا اشتبهت الأشْهُرُ على الأسيرِ تحَرّى وصام، فإن وافقَ الشهرَ أو بعدَه أجزأه، وإن وافقَ قبلَه لم يُجْزِئه) . وجملةُ ذلك أن مَن عمي عليه الشهر، مثل الأسير الذي في بلادٍ ليس

стр. 1619

يعلم مِن جهته أن الهلالَ لأيّ شهرٍ هو، وربما كان هذا لا يرى الأهلّة ونحوه، ومن هو في بادية وطرف الإسلام، والنائي عن الأمصار؛ فإنه يجتهد ويتحرّى في معرفة عين الشهر ودخوله، كما يتحرّى في معرفة وقت الصلاة، وجهة القبلة، وغير ذلك عند الاشتباه؛ لأنه لا يمكنه أداء العبادة إلا بالتحري والاجتهاد، فجاز له ذلك كما يجوز في الصلاة. فإن لم يغلب على ظنه شيء، فإنه يؤخّر الصومَ حتى يتيقَّن أن الشهرَ قد دخل، فإن صام مع الشكّ لم يُجْزِه وإن تبيَّن أنه أصاب، قاله بعض أصحابنا. وقد تقدم فيما إذا صام ليلةَ الشكّ بنية رمضان هل يجزئه، على وجهين. وإن غَلَب على ظنِّه بغير دلالة فإنه يصوم. وفي وجوب الإعادة مع الإصابة أو بقاء الجهل وجهان، أشبههما بكلام أحمد: أنه لا قضاء عليه. وإن غلب على ظنِّه بدلالة صام، ثم إن لم يتبيَّن له شيء، فصومه صحيح؛ لأنه صام باجتهاد لم يتبين له خطؤه، فأجزأه كما يُجزئ مَن اجتهد في الوقت والقِبلة. وإن تبين له أن صومَه صادف الشهر أو صادف ما بعد الشهر أجزأه. نصّ عليه؛ لأن أكثر ما فيه أنه قضاء، وقد نواه أداءً، وهذا يجوز في حال الاشتباه كالصلاة، وإن تبيَّن له أن القضاء كان في الرمضان الثاني أو بعده ... (١) وإن تبيَّن له أنه صام قبل الوقت لم يجزه. نصَّ عليه؛ لأنها عبادة يصحّ قضاؤها في غير وقتها، فلم يجُزْ فعلها قبل وقتها كالصلاة. وعكسه الحجّ إذا

стр. 1620

وقف الناسُ يوم الثامن فإنه يُجزئهم؛ لأنه يخاف مع التأخير من التفويت ما يخاف مع التقديم، ولأن تفويت الحجِّ فيه ضررٌ عامّ على الناس، ولهذا لو أخطأه نفرٌ منهم لم يُجزئهم. وإن تبيَّن أنه صام بعضَه في الشهر وبعضَه قبلَه، أجزأ ما صام فيه دون ما صام قبله. ولا فرق بين أن يخطئ في رمضان واحدٍ أو في رمضانات، إذا تبيَّن له الخطأ فإنه يعيد ولا يحسب الرمضان الثاني عن قضاء الأول؛ لأنه إنما نوى به الرمضان الثاني، وإنما لامرئ ما نوى. وقال أحمد في رواية مهنّا في أسيرٍ في بلاد الروم مكث ثلاث سنين يصوم شعبان وهو يرى أنه رمضان، ثم علم: يعيدُ شهرًا على إثْرِ شهر كما يعيد الصلاةَ إذا فاتته. فإن صام شوَّالًا وهو يرى أنه رمضان، يجزئه ... وعلى هذا، فعليه أن يبدأ بقضاء الأول ... فإن أطلق النية، ولم ينوه عن رمضان سنته ... (١) فإن صام ثلاثين يومًا، وكان شهره تامًّا أو ناقصًا، أو صام تسعة وعشرين، وكان شهره ناقصًا أجزأه. وإن صام تسعة وعشرين من شهرين، وكان شهره تامّا؛ فعليه صيام واحد. فإن صام شهرًا هلاليًّا ناقصًا أجزأه عن الكامل في أحد الوجهين، قاله القاضي. وفي الآخر: لا يجزئه، قاله أبو محمد (٢)؛ لأنه قد وجب في ذمته

стр. 1621

ثلاثون يومًا، فوجب أن يقضيها بعدَّتها كالمريض والمسافر إذا أفطرا. ولو عيّن اليومَ الذي يصومه أو الشهر أو العام، وغَلِط في وقته، مثل أن يكون عليه رمضان سنة ستٍّ، فينويه يقصد به سنة خمس، أو يكون عليه يوم الاثنين، فيقصد ما عليه يعتقده يوم الأحد ونحو ذلك أجزأه؛ لأنه قصد الواجب وإنما أخطأ في وقته. فصل (١) وإذا رأى الهلالَ بعد زوال الشمس فهو لِلِّيلة (٢) المقبلة. وعنه: وإن رُئي قبل الزوال فكذلك في إحدى الروايات. اختارها الخِرَقي (٣)، وفي الأخرى هو لليلة الماضية، فإن كانت الرّؤية أولَ الشهر أمسكوا وقضَوا، وإن كانت آخر الشهر أفطروا وعيَّدوا لأن وقت العيد باق، نقلها هارونُ بن عبد الله، وهذا اختيار أبي بكر (٤) وابن عقيل، وذكره أبو بكر عن ابن مسعود.

стр. 1622

وقد روي عن إبراهيم: أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عُتبة بن فَرْقد: «إذا رأيتم الهلالَ في آخر النهار فأتمّوا صومَكم فإنه لليلة المقبلة، وإذا رأيتموه في أول النهار فأفطروا فإنه لليلة الماضية». رواه سعيد (١). وعن ... (٢) قال: كتب عمرُ إلى سعد وإلى أهل جَلولاء: أن إذا رأيتم الهلال في الصوم من آخر النهار [ق ٢٦] فلا تفطروا، وإذا رأيتموه في أول النهار فأفطروا، فإنه كان بالأمس. ذَكَره سيفٌ في «الفتوح» (٣). ولأنه ... (٤) وفي الثالثة: إن رُئي قبل الزوال في أول الشهر فهو لليلة الماضية فيمسك ويقضي، وإن رُئي كذلك في آخر الشهر فهو للمقبلة، فيُتِمّ صوْمَه احتياطًا للصوم في الطرفين. نقلها الأثرم والميموني. ولفظ الأثرم: رؤية الهلال قبل أو بعد في الصوم يصومون هو أحوط، وأما في الفطر فلا يفطرون. وهذا يقتضي أنه إذا رئي بعد الزوال في أول الشهر يكون للماضية.

стр. 1623

ونقل عنه حربٌ أيضًا أنه: إذا رُئي قبل الزوال في آخر الشهر لا يفطرون. لما روى أبو وائل قال: «كنّا مع عُتبة بن فرقد في أناس بالجبل، فرأينا هلال شوال نهارًا، فأفطرنا، فكتب في ذلك إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر: الأهلّة بعضُها أعظم من بعض، فإذا أصبحتم صيامًا، فلا تفطروا حتى تمسوا، إلا أن يشهد رجلان مسلمان يشهدان أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله: أنهما أهلّاه بالأمس عشيًّا». رواه إسحاق ابن راهويه وسعيد وغيرهما بإسناد صحيح (١). وقال أحمد في رواية عبد الله (٢): عن أبي وائل: «أتانا كتاب عمر ونحن بخانقين: أن الأهلة بعضها أعظم من بعض، فإذا رأيتم الهلالَ من أوّل النهار فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس». وعن القاسم بن عبد الرحمن قال (٣): قال عبد الله: «إذا رأيتم الهلالَ نهارًا فلا تفطروا؛ فإنما مجراه في السماء، ولعله أن يكون قد أهلَّ ساعتئذٍ، وإنما الفطر الغَدِ من يوم يرى الهلال» (٤).

стр. 1624

وعن ابن عمر قال: «لا تُفطروا حتى تروه من حيث يُرى» (١). وقد تقدم (٢) عن أنس: أنهم رأوا الهلال عند صلاة الظهر أو قريبًا منها، فقال: «أنا مُتمّ صومي إلى الليل». رواهن سعيد. وعن ابن عباس (٣). قال إسحاق: قد صحّ عن عمر أن الأهلّة بعضُها أعظم من بعض ظهورًا، فإذا أصبحتم صيامًا، فما لم يشهد مسلمان أنهما أهلَّاه بالأمس عشيًّا فلا تفطروا (٤). فهذا الحقُّ إن شاء الله، وهو الذي نعتمد عليه، وهو أكثر في الروايات. فهذه الآثار في آخر الشهر، ولأن صوم يوم الثلاثين قد دخلوا فيه، والهلال يجوز أن يكون هلال الليلة التي قبله وهلال الليلة التي بعده؛ فلا يجوز الفطر مع الشكّ؛ بخلاف ما إذا رُئي في أول الشهر، فإنه يُصام احتياطًا، كما يُصام بقول الواحد (٥)، ويُصام مع الغيم، ولأن الهلالَ المرئيّ قبل الزوال يجوز أن يكون للماضية، ويجوز أن يكون للمستقبلَة كما يجوز أن يكون ... (٦) ووجه الأول: ما علّل به عمرُ ﵁ مِن قوله: «إن الأهلة بعضُها أعظم من بعض»، وما علّل به ابنُ مسعود مِن قوله: «لعله أن يكون قد أهلّ ساعتئذٍ».

стр. 1625

فإنَّ هذا يعمّ أولَ الشهر وآخرَه، ولأن ما لا يكون هلالًا في آخر الشهر لا يكون هلالًا في [أوله] (١)، كما لو رُئي بعد الزوال، ولأن التفريق بين رؤيته قبل الزوال وبعده لا يستند إلى كتاب ولا سنة ولا عادة مطّرِدة، ولأن رؤيته نهارًا بمنزلة رؤيته في الليل كبيرًا (٢)، فإن ما يُرى نهارًا يكون (٣) كبيرًا، وما يرى كبيرًا هو الذي يُرى نهارًا، و [كما] لا يجوز الاستدلال بكِبَره على أنه ابن ليلتين؛ فلا يجوز الاستدلال بظهوره نهارًا على أنه ابن الليلة الماضية. لِمَا روى طلحةُ بن أبي حَدْرَد، قال: قال النبيّ ﷺ : «مِن أشراط الساعةِ أن تروا الهلالَ تقولون: ابن ليلتين» رواه البخاريّ في «تاريخه» (٤). وعن أبي هريرة قال: «مِن أشراط الساعة أن يُرى الهلال لليلةٍ، فيقول القائل: إنه لابن ليلتين» (٥). رواه [أبو] (٦) سعيد الأشج.

стр. 1626

ولأن هلاله ... (١) فعلى هذا إذا رُئي قبل الزوال يكون يوم شكّ فيُكره صومُه. وإذا رأى الهلالَ ودام إلى مغيب الشَّفَق، فهل يستبين بذلك أنه ابن ليلتين فيقضي اليوم الذي قبله؟ ... (٢) وإذا رُئي (٣) آخر الليل، ثم أخبر مخبرٌ في المستقبلة أنه رآه، عُلِم كذبُه. فصل (٤) وإذا رأى الهلالَ أهلُ بلدٍ لزم سائرُ البلدان الصومَ، وإن لم يروه. قال أصحابنا: سواء كان البَلَدان متقاربَين لا يختلف مطالع الهلال فيهما أو متباعدَين يختلف. قال أحمد في رواية أبي طالب: إذا رأى أهلُ المصر الهلالَ، ولم نره نحن، ولم يكن سحابة في السماء، فصاموا أولئك وأفطرنا: نقضي يومًا، والنبي ﷺ قَبِل قولَ (٥) أولئك الذين جاؤوه وقالوا: رأيناه، ولم يكن النبي ﷺ رآه.

стр. 1627

وذلك لِمَا احتجّ به أحمدُ، وهو ما روى أبو عمير بن أنس، قال: «أخبرنا (١) عمومةٌ لي من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ ، قالوا: غُمَّ علينا هلالُ شوال، فأصبحنا صيامًا، فجاء رَكْبٌ من آخر النهار، فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا ثم يخرجوا لِعيدهم من الغد. رواه الخمسة إلا الترمذي (٢). وقد تقدم عن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي ﷺ (٣). فهؤلاء قوم قد رأوا الهلالَ في غير المدينة، وبينهم وبينها نحو من يومين؛ لأن شهادتهم كانت آخر النهار، والمطالع قد تختلف في الأمكنة المتقاربة، ولأن حكم البلدين في هذه الرؤية حكم البلد الواحد؛ بدليل انقضاء [ق ٢٧] الأجل وحلول الدين وغير ذلك؛ فلذلك يجب أن يكون في باب الصوم، ولأنه لو لم يكن حكم البلاد في ذلك واحدًا لكان يجب أن نحدّ (٤) ما تختلف به المطالع بحدٍّ مضبوط، وليس في ذلك حدّ مضبوط؛ لأن رؤية الهلال قد تكون تارة لارتفاع المكان، وتارة لصفاء الهواء، وتارة

стр. 1628

لزوال المانع، وتارة لِحدَّةِ البصر. ثم ذلك أمرٌ يحتاج إلى حساب، ونحن أمّة أميّة لا نكتب ولا نحسب، فوجب أن نجعل الرؤية واحدة. فإن قيل: طلوع الهلال يختلف باختلاف الأمكنة، فوجب أن يكون لكلِّ قوم حكم أنفسهم، كطلوع الشمس وغروبها. قيل: طلوع الشمس وغروبها يتكرَّر في كلِّ يوم، ويشقّ مراعاته، وتلحق المشقَّة في اعتبار طلوعه وغروبه بخلاف الهلال، ولهذا يختلف ذلك بارتفاع المكان وانخفاضه، حتى يفطر من يكون في الوادي، وإن لم يفطر مَن هو في أعلى الجبل، والهلال بخلافه ... ولأن مطالعه تختلف إما با ... (١) وقد قال ابن عبد البر في البلاد المتباعدة جدًّا ... (٢) فإن قيل: قد روى كُرَيب مولى ابن عباس: «أن أم الفضل بعثَتْه إلى معاوية بالشام. قال: فقدمتُ الشامَ، فقضيتُ حاجتَها (٣)، واستهلَّ عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلالَ يوم الجمعة، ثم قدمتُ المدينةَ في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنتَ رأيتَه؟ فقلت: نعم، ورآه الناس،

стр. 1629

وصاموا، وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أوَ لا تكتفي برؤية معاوية؟ فقال: لا، هكذا أمَرَنا رسولُ الله ﷺ ». رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه (١). قيل: ابن عباس أخبر أن رسول الله ﷺ أمرهم أن لا يفطروا في مثل هذه الواقعة، ولم يذكر لفظَ رسول الله ﷺ . قدر أن (٢) يكون ذلك لأن كُرَيبًا هو الذي أخبرهم بالرؤية المتقدّمة وحدَه، وقد أمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا بشهادة اثنين؛ لأنهم لو عملوا بخبره لأفطروا، وليس فيه تعرُّض لقضاء ذلك اليوم، وشهادة الواحد إنما تُقبل في الهلال إذا اقتضت الصوم أداءً أو قضاءً، فأما إذا اقتضت الفطر، فلا. ويجوز أن يكون ذلك لأن النبيَّ ﷺ أمرهم أن يصوموا لرؤيته ويفطروا لرؤيته، ولا يفطروا حتى يروه أو يكملوا العدَّة؛ كما قد رواه ابن عباس وغيرُه مفسّرًا، فاعتقد ابنُ عباس أن أهل كلِّ بلد يصومون حتى يروه هم (٣) أو يكملوا العِدَّة، وقد تقدَّم عنه ﷺ ما يبين أنه قَصَد رؤيةَ بعض الأمة في الجملة؛ لأن الخطاب لهم، وهذا عملٌ برؤية قوم في غير مِصره. يوضّح ذلك ... (٤) فإن قيل: فقد روى ابن المظفَّر، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله

стр. 1630

- ﷺ : «إذا اختلفَتْ أعيادُهم، فضحّى أهلُ كلّ بلد خلافَ أهلِ هذا البلد، وأهلُ هذا البلد خلافَ أهلِ هذا البلد» قال: «يا عائشة! عيدُ كلّ قومٍ يوم يعيّدون» (١). قيل: قوله: «عيدُ كلِّ قوم يوم يعيِّدون» كقوله: «صومُكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحُّون»، وذلك لا يمنع وقوع الخطأ في الهلال، فإنه قد يفطر الناس بعد الرؤية بيوم أو قبلها إذا شهد به شاهد، وإنما المقصود به أن الحكم مبنيّ على ما ظهر، وأن العيد هو الاجتماع للصلاة والنُّسُك؛ ففي أيّ يومٍ حصل هذا فهو يوم عيد، واليوم الذي يخلو عن هذا ليس يوم عيد، وإن كان عاشر الشهر. فيفيد هذا أن أهلَ مكة إذا أخطؤوا فوقفوا في الثامن أو العاشر، صح نُسُكهم، وأما سائر الأمصار إذا رأى الهلالَ أهلُ بلد، ولم يره الآخرون إلا بعد يوم؛ فأكثر ما فيه أنهم أخّروا التضحيةَ إلى ثاني النحر، وذلك جائز، والحديث لم يجئ إلا في عيد النحر، ثم لو عيّد قومٌ اليومَ، وآخرون غدًا، لم يكن فيه إلا صوم يوم خطأ، وذلك لا محذور فيه، بخلاف الخطأ في فِطْر يوم، فإنه يوجب القضاء. فصل (٢) ولا يصحّ الصوم إلا بنية كسائر العبادات ؛ لقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥].

стр. 1631

وقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» (١). وقال النبي ﷺ : «كلّ عمل ابن آدمَ له إلا الصوم فإنّه لي وأنا أجزي به، يدعُ طعامَه وشهوتَه مِن أجلي» (٢). فمَن لم يَذَر طعامَه وشهوتَه لله فليس بصائم. والنية ... (٣). وفيها مسألتان: تبييتُ النية وتعيينُها. أما تبييت النية (٤): فإن الصومَ الواجبَ الذي وجب الإمساك فيه من أول النهار لا يصحّ إلا بنية من الليل، سواء في ذلك ما تعيَّن زمانُه كأداء رمضان والنذر المعيَّن، وما لم يتعين كالقضاء والكفارة والنذر المطلق. قال أحمد في رواية أبي طالب: الفرض والقضاء والنذر يُجْمَع عليه من الليل، فإن لم يُجْمَع عليه من الليل فلا صوم. وقال في رواية الميموني: ويحتاج في رمضان أن يُبيّت الصيام من الليل، فلو أن رجلًا حَمِق، فقال: لا أصوم غدًا، ثم أصبح فقال: أصوم! لا يجزئه عندي. [ق ٢٨] وسواء ترك التبييتَ لغير عذرٍ كالمستحمق أو لعذر، مثل أن

стр. 1632

يُغمى عليه أو يَجْهل أن ذلك اليوم من رمضان. قال في رواية الأثرم: إذا لم يعزموا الصيام في أول الشهر، فأصبحوا على غير صوم، ثم تبيّن لهم أنه من رمضان، فصاموا بقية يومهم، فيقضون يومًا مكانه، وإن كانوا لم يأكلوا؛ لأنه لا صيام لمن لم يُجْمَع الصيام من الليل. وهذا إنما هو في الفرض، وابن عمر إنما أصبح صائمًا حين حال دون منظره، ويعتدّ به ويجزئه، وإذا لم يكن علّة قال: يصبح عازمًا على الفطر. وقال في الأسير إذا صام في أرض الحرب وهو لا يعلم أنه شهر رمضان ينوي به التطوُّع: لا يجزئه من شهر رمضان إلا بعزيمةِ أنه من رمضان. وهؤلاء يقولون: يجزئه، وكيف يجزئه وهو لا يجزئه في يوم الشكّ إذا أصبح ولم يأكل، ولا يجزئه يوم الشكّ إلا بعزيمةٍ من الليل؟! وذَكَر قولَ النبي ﷺ لمن لم (١) يُجْمع الصيامَ من الليل قبل الفجر الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، عن حفصة (٢). وذلك لما روى يحيى بن أيوب وغيرُه، عن عبد الله بن أبي بكر بن عَمرو بن حزم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن حفصة عن النبي ﷺ أنه قال: «مَن لم يُجمِع الصيامَ قبل الفجر فلا صيامَ له» رواه الخمسة (٣).

стр. 1633

وفي لفظ للنسائي (١): «مَن لم يبيّت الصيامَ». وفي لفظ لعبد الله بن أحمد وابن ماجه والدارقطني (٢): «لا صيامَ لمَن لم يَفْرِضْه مِن الليل». وفي لفظ لهم: «لمَن لم يُورِّضه» (٣). قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن نافع عن ابن عمر قوله، وهو أصح. وقال الدارقطنيّ: رفَعَه عبدُ الله بن أبي بكر عن الزهري، وهو من الرفعاء. وقال ابن عبد البر: هذا حديث مُرِّض في إسناده، ولكنه أحسن ما روي مرفوعًا في هذا الباب. اهـ. وقد رواه النسائي (٤) من حديث ابن جُريج، عن الزهري مرفوعًا كذلك. ورواه حرب من حديث إسماعيل، عن الزهري، عن حمزة بن

стр. 1634

عبد الله بن الزبير، عن حفصة ﵂ قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لا صيامَ من لم يوجِبْه بالليل» (١). ورواه أيضًا من حديث عُبيد الله بن عمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن حفصة أنها كانت تقول. موقوفًا (٢). ورواه أيضًا من حديث مَعْمَر بن راشد ويونس (٣) وابن عيينة، عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله (٤) بن عمر، عن أبيه، عن حفصة موقوفًا (٥). ورواه مالك، عن الزهري، عن عائشة وحفصة قولها (٦). ورواه مالك وعُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يقول: «لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر» (٧). والذي يقوّي رفعَه أشياء: أحدها: أنّ الذي رفعَه عن الزهريّ رجلٌ جليل القدر سمع منه قديمًا، وقد تابعه غيرُه، والذين وقفوه سمعوه (٨) منه بعد ذلك، ومعلوم أن رفعه

стр. 1635

زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، لاسيما وسماع صاحب الزيادة متقدِّم، فعُلِم أن الزهريّ ترك رفعَه في آخر عمره، إما نسيانًا أو شكًّا أو غير ذلك. ومنها: أن هذا الحديث كان عند الزهري عن عائشةَ وعن حفصةَ، وكان عنده عن سالم، عن ابن عُمر وعن (١) حمزة، عن ابن عمر. وهذا (٢) ليس بغريب من الزهري؛ فإن الحديثَ كان يكون عنده من عدّة جهات، يرويه كلّ وقتٍ عن بعض شيوخه، وإذا كان كذلك أمكن أن يكون عنده مرفوعًا وموقوفًا. ومنها: أن احتجاج أحمد به يدلّ على صحة رفعه عنده. قال أبو بكر عبد العزيز: صحّ الحديثُ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا صيام لمَنْ لم (٣) يُجْمِع الصيامَ من (٤) الليل». ومنها: أنه قول عائشة وحفصة وابن عمر، ولا يُعرف لهم مخالف من الصحابة. وعائشة تروي عن النبي ﷺ : «أنه كان يُنشئ صومَ التطوع نهارًا» كما سيأتي (٥). فلولا أن عندها عن النبيِّ ﷺ في ذلك سُنة؛ لما فرّقت بين الفرض والنفل.

стр. 1636

قال الميموني سألت أحمد عنه؟ فقال: أخبرك ما له عندي ذاك الإسناد؛ إلا أنه عن ابن عمر وحفصة إسنادان جيدان (١). وقد روى الدارقطني (٢) عن يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عَمرة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: «مَن لم يبيِّت الصيامَ قبل طلوع الفجر فلا صيام له». وقال: كلهم ثقات. وروى أيضًا (٣) عن ميمونة بنت سعد قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أجمع الصيامَ من الليل فليصُم، ومَن أصبحَ ولم يُجْمِعه فلا يَصُم» وفي إسناده الواقدي. وأيضًا: فإن الصوم الواجب هو الإمساك من أول النهار إلى آخره، فإذا خلا أوله عن النية فقد خلا بعضُ العبادة الواجبة عن النية، ذكرًا واستصحابًا، وذلك لا يجوز، ولأنه إذا لم يعقد (٤) الصومَ أول النهار لم يكن ممتثلًا للأمر بصومه؛ لأن امتثال الأمر بدون القصد لا يصح؛ فإذا لم يكن ممتثلًا للأمر بقي في عُهْدة الأمر قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ ... ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وكونه معذورًا لا يقتضي أن يُحْكَم له بما لم يفعله، لكن يقتضي سقوط الإثم عنه، ويجزئه [ق ٢٩] القضاء كما لو لم يعلم به إلا بعد الزوال.

стр. 1637

ولأنه صوم واجب، فلم يصح إلا بنية من الليل، كصوم الكفارة والقضاء والنذر المطلق، ولا يصح أن يقال: هناك لم يتعيَّن زمانُه فلا بدَّ من النية، بخلاف صوم رمضان والنذر المعيَّن؛ لأن التعيين لو كان كافيًا لكفى مجرَّد الإمساك بدون النية، ولم تفترق الحال بين ما قبل الزوال وبين ما بعده. فإن قيل: فقد أمر النبيُّ ﷺ يوم عاشوراء أن يصوموا بنية من النهار، وكان صومًا واجبًا، ولولا أن الواجب يصح بنية من النهار لم يجزئهم. قيل: لا نسلِّم أن صوم يوم عاشوراء كان واجبًا على ما يختاره كثير من أصحابنا، وعلى القول الآخر؛ فذاك إنما ابتدأ الله إيجابه من النهار، ولم يكن واجبًا عليهم من الليل، بخلاف صوم رمضان فإنه واجب من أول النهار، وإن لم يعلم بالزمان، وليس لنا صوم يوجبه الله ابتداءً في أثناء النهار. نعم، أشبه شيء بهذا أن يُسلم الكافرُ أو يَفيق المجنون أو يحتلم الصبيُّ في أثناء النهار؛ فيجب عليه الصوم من حينئذ إذ (١) في المشهور عنه. وأيضًا: فإن هذا لو ثبت؛ لكان في صوم عاشوراء، وذاك صوم منسوخ؛ فلا يلزم من ثبوت الحكم فيه ثبوتُه في الصوم المحكم؛ لجواز أن يكون ثبت وجوبه بصفةٍ تخالف صوم رمضان، لاسيما وقد كانوا في أول ما فُرِض رمضان عليهم يُخيَّر أحدهم بين أن يصوم وبين أن يفتدي بطعام مسكين عن كل يوم؛ لأنهم لم يكونوا قد اعتادوا الصومَ، فخفف عنهم في أول الأمر، ثم أُحْكِمت الفرائض. فإن كان الواجب قد يجزئ بنية من النهار، فلعله في ذلك الوقت.

стр. 1638

ثم إن قوله: «لا صيام لمَنْ لم يبيِّت الصيامَ من الليل» حديث متأخر عن صوم عاشوراء، فيكون ناسخًا له لو اجتمعا في صوم واحد، فكيف إذا كان ذلك في الصوم المنسوخ؟! لأن راويه حفصة وإنما تزوجها النبي ﷺ [سنة ثلاثٍ من الهجرة] (١) وحديث عاشوراء كان في أول السنة الثانية من الهجرة. فأما الصوم التطوع فيجزئ بنية من النهار، نصَّ عليه في غير موضع؛ لما رُوي عن عائشة قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم، فقال: «هل عندكم من شيء؟» فقلنا: لا. قال: «فإني إذًا صائم». ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس، فقال: «أدنيه، فلقد أصبحتُ صائمًا» رواه الجماعة إلا البخاري (٢)، وفي بعض الروايات (٣): فقال: «فإني صائم» ولم يقل: «إذًا». وهذا يدلّ على أنه أنشأ الصومَ من النهار؛ لأنه قال: «فإني صائم» وهذه الفاء تفيد السبب والعلة، فيصير المعنى: إني صائم لأنه لا شيء عندكم. ومعلوم أنه لو كان قد أجْمَعَ الصومَ من الليل لم يكن صومه لهذه العلة. وأيضًا فقوله: «فإني إذًا صائم» و «إذًا» أصْرَح في التعليل من الفاء. وأيضًا: فإن الظاهر من حال من أجْمَعَ الصيامَ من الليل أن لا يجيء سائلًا عن الغداء، وإنما يسأل عن الغداء المُفْطِر أو المتلوِّم.

стр. 1639

وذكر إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (١) هذا الحديثَ، فقال: دخل النبي ﷺ على عائشة، فقال: «أطعمينا شيئًا». فقالت: ما عندنا، قال: «فأشْهِدُكم إني صائم يومي هذا». قال: فنوى الصيامَ بعد مضيّ بعض اليوم. وأيضًا: قال البخاري (٢): وقالت أمُّ الدرداء: كان أبو الدرداء يقول: عندكم [طعام] (٣)؟ فإن قلنا: لا. قال: فإني صائم يومي هذا. قال: وفعَلَه أبو طلحة، وأبو هريرة، وابن عباس، وحذيفة (٤). وذكره ابنُ عبد البر (٥) عن عليّ وابن مسعود وأنس. وذكره إسحاقُ عن معاذ بن جبل ... (٦) عن سعيد بن المسيب قال: «رأيت أبا هريرة يطوف بالسوق، ثم يأتي أهله،

стр. 1640

فيقول: هل عندكم شيء؟ فإن قالوا: لا. قال: فأنا صائم» رواه أبو عاصم (١). وهذا يفسِّر حديثَ حفصة: أن المراد بذلك الحديث الصوم الواجب، لا سيما وعائشة تروي هذا الحديث وهي تقول: «لا صيام لمن لم يُجْمِع الصيامَ من الليل». ولأن صيام عاشوراء لم يكن واجبًا في المشهور لأصحابنا، وقد أمرهم النبي ﷺ بصومه من النهار، ولأن بعض الواجبات يجوز أن يكون يُتَطوَّع به كما يتطوَّع بالقراءةِ والتسبيحِ من أركان الصلاة، والطوافِ من أركان الحج؛ ولأن النافلةَ يُخَفَّف فيها ما لا يُخَفَّف في الفريضة، بدليل أن نفل الصلاة يصح قاعدًا أو على الراحلة توسعةً للنافلة، فجاز أن يوسع التنفل بالصوم بنية من النهار. فعلى هذا يجوز التطوُّع بنية من النهار قبل الزوال وبعده، نصَّ عليه في رواية الميموني، وقد سأله عن الذي ينوي الصيام بعد الفجر: أليس يتأوَّل حديثَ النبي ﷺ أنه أتاهم فقال: «هل عندكم طعام؟» بعدما تعالى النهار؟ قال: نعم. ويتأوَّلُ حديثَ حذيفة بعدما زالت الشمس؟ ورأيتُه يذهب إلى هذا ما لم يكن فرضًا. ولذلك أطلق الإجزاء بنيةٍ من النهار في رواية أبي طالب وغيره، وأطلقه الخِرَقي (٢) وغيره، وعلى هذا أصحابنا مثل ابن أبي موسى (٣) والقاضي في آخر قوليه.

стр. 1641

وذكر ابن عقيل وغيره في هذه المسألة روايتين: إحداهما (١): كذلك، والثانية: لا يجزئ نية بعد الزوال. قال: وهي أصح (٢) الروايتين. وهذا اختيار القاضي في [ق ٣٠] «المجرَّد»؛ لأن الحديث عن النبي ﷺ إنما جاء في صدر النهار، ولا يمكن إلحاق ما بعد الزوال به؛ لأنه إذا نوى أول النهار فقد حصل معظم اليوم منويًّا، فجاز أن يقوم مُقام الجميع، كما لو أدرك الإمامَ راكعًا؛ فإنه يحسب له جميع الركعة، بخلاف ما إذا نوى بعد الزوال. ولأن الإمساك أول النهار أمرٌ معتادٌ، فإذا لم يصادفه النية لم يقدح ذلك فيه، بخلاف الإمساك آخره فإنه بخلاف المعتاد؛ فإذا لم ينو ذهب الإمساك المقصود في الصوم باطلًا، لهذا يكره للصائم الاستياك بالعشي، ولم يكره له أول النهار. فعلى هذا يصح قبل الزوال قولًا واحدًا على ما ذكره القاضي وعامة أصحابنا. ومنهم من قال: إنما يصح قبل انتصاف النهار الذي أوله طلوع الفجر، وذلك قريب من آخر الساعة الخامسة؛ لأن النهار الذي يجب صومه من طلوع الفجر، فإذا لم تقع النيةُ قبل مضيِّ نصفه لم يكن أكثر زمان الصوم منويًّا. ووجه الأول: أن النبي ﷺ قد صام بنيّةٍ من النهار، ولا فرق بين أوله وآخره.

стр. 1642

وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (١): الأكثرون على أنه يجوز، وإن لم ينو إلا بعد نصف النهار، منهم عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان ومعاذ بن جبل، رأوا إن لم ينو ليلًا أن يصوم في نهاره، يعني: ينوي أيَّ وقتٍ شاء، ولو كان بعد الزوال أيضًا، وهذا أعدل الأقوال عندنا وأشبه بسنة محمد ﷺ . عن المستورد بن الأحنف: أن رجلًا صلى مع عبد الله بن مسعود الظهر، فسأله، فقال: إني جئتُ في طلب غريم لي، فأصبحت، فلا أنا صائم ولا أنا مفطر. فقال: أنت بالخيار، إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر. رواه حرب (٢). فصل قال أحمد في رواية أبي طالب: من صام فرضًا أو قضاءً أو نذرًا أجْمَع عليه من الليل، ابن عمر وحفصة يقولان: «مَن أجمع من الليل صام، ومن لم يُجْمِع من الليل فلا صوم». وحديث طلحة بن يحيى، عن مجاهد، عن عائشة: دخل عليَّ النبيُّ ﷺ ذاتَ يوم، فقال: «هل عندكم من شيء؟». قلنا: لا. قال: «فإني صائم». ثم جاءنا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله! أهدي لنا حيس، فخبأنا لك منه، فقال: «أدنيه، فقد أصبحتُ صائمًا» فأكل (٣). فهذا في التطوع ويُكْتَب له بقية يومه.

стр. 1643

وإذا أجمع من الليل كان له يومه، وسواء على هذا نوى قبل الزوال أو بعده، وهذا قول ... (١) وقال القاضي وأبو الخطاب (٢): يُحكم له بالصوم الصحيح الشرعي المُثاب عليه من أول النهار، لا من وقت النية، سواء نوى قبل الزوال أو بعده؛ لأن صوم بعض النهار لا يصح، بدليل ما لو نواه بعد الأكل، أو أراد الفطر في أثناء اليوم. فإذا صحّت (٣) نيتُه من أثناء النهار عُلِم أن صومه تام، فيُكْتَب له ثواب يوم تامّ. وقد تنعطف النيةُ على ما مضى؛ كالكافر إذا أسلم؛ فإنه يُثاب على ما تحمَّله من الحسنات حال كفره، ولأنه لو كان صومه من حين النية؛ لوجب أن يجوز الأكل قبلها؛ بدليل أن وقت الفجر لمَّا كان أول وقت الصوم الذي يُثاب عليه، جاز له الأكل قبل طلوعه، فلما ثبت أنه لا يجوز أن يأكل ضحوةً ثم ينوي (٤) الصومَ الآكلُ؛ ثبت أن ما مضى من النهار قبل الصوم صوم صحيح. والمنصوص أصح، وهو اختيار أبي محمد (٥)؛ لأن الإمساك صدر النهار كان بغير نية، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى، فكيف يُثاب على إمساكٍ لم يقصده ولم ينوه!؟ وكونه صام اليومَ كلَّه لا يوجب أن يُثاب عليه كلَّه، وإنما

стр. 1644

يثاب فيما ابتَغَى وجهَ الله منه، هذا إذا سلّمنا أنه صام أوَّله، وإلا فالحقيقة أنه لا يوقَع عليه اسمُ الصوم إلا من حين النية، ونجعله قد صام بعض يوم، وما تقدَّم من الإمساك يشرط بصوم (١) بعضه، وإن سُمّي فيه صائمًا فعلى المعنى اللغوي لا على المعنى الشرعي. أما إذا أكل، فقال أصحابنا: لا يصح صومُه بحال. وقال القاضي: قول النبي ﷺ في يوم عاشوراء: «ومن أكَلَ فليُمْسِك» على طريق الاستحباب، وقولهم: الإمساك في يوم لا يجب صومه لا يكون قُربة ليس بصحيح؛ لأن هذا يومٌ شريف فيه فضل، فالإمساك فيه قُرْبة ... (٢) فعلى هذا مَن أكل معتقدًا أنه ليس بيوم شريف، ثم تبين له بخلافه، فإنه يُمْسِك ويُثاب (٣). فإن كان أول النهار ممن لا يصحّ صومُه كالكافر والحائض، لم يصح صومه إذا أسلم أو انقطع الدم، كما لو كان قد أكل في أول النهار. فصل (٤) وتصح النية في جميع ليلة الصوم، ولا يجب استصحاب ذكرها، بل يكفي (٥) استصحابُ حكمها إلى آخر النهار، ما لم يفسخها.

стр. 1645

فإن فسخها ليلًا، صار كأنه لم ينو، وإن أكل بعدها أو جامع لم تبطل عند أكثر أصحابنا. وقال ابن حامد: تبطل؛ لأنه تخلَّلَ بين العبادة وبينها ما ينافيها، فأشبه ما لو أحْدَث بعد نية الصلاة وقبل فعلها. قال ابن عقيل: وكما لو نوى الإحرامَ فوطئ، وكما لو نوى الزكاة بطعام بعينه ثم طحنَه وخبزَه. وإن فسخَها نهارًا بأن نوى الفطرَ صار مفطرًا بمنزلة [ق ٣١] مَن لم ينو ولم يأكل. هذا منصوص أحمد. وذكر الشريف عن ابن حامد أنه لا يكون مفطرًا ... (١). و إن تردَّد في قَطْع الصوم، أو نوى أنه يقطعه فيما بعد؛ فهو على الخلاف في الصلاة . قال القاضي وابن عقيل: إن اعتقد الخروج منه، أو اعتقد أنه سيخرج، خرج. نصَّ عليه أحمد، وكذلك الصلاة بخلاف الحج. وظاهر كلامه أنه يصير مفطرًا. قال في رواية الأثرم: لا يجزئه إذا أصبح صائمًا ثم عزم على أن يفطر فلم يفطر حتى بدا له، ثم قال: لا، بل أُتِمُّ صيامي من الواجب، فلا يجزئه حتى يكون عازمًا على الصوم يومه كلّه، وإن (٢) كان تطوُّعًا كان أسهل.

стр. 1646

وإن نوى أنه إن وجَدَ طعامًا أفطر وإلا فلا، فوجهان. وجميع الليل محلٌّ للنية، حتى لو نَوَت الحائض، وقد عرفَتْ مِن حالها الطهرَ قبل الفجر ... ولابدّ أن يكون قبل الفجر، ولا يصح معه، نص عليه ... (١). و إن نوى نهارًا قبل يوم الصوم بليلة، ففيه روايتان: أحدهما (٢): لا يجزئه. قال في رواية حنبل: يحتاج الرجل في شهر رمضان أن يجمع على الصيام في كلِّ يوم من الليل. وهذا اختيار أصحابنا؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا صيام لِمَن لم يُجْمِع الصيامَ مِن الليل» (٣). والثانية: يجزئه. قال ابن منصور (٤): قلت لأحمد: إذا نوى الصوم بالنهار أن يصوم غدًا من قضاء رمضان، ثم لم ينوه من الليل. قال: قد تقدم منه نيَّةٌ، لا بأس به، إلا أن يكون فسخ النية بعد ذلك. وقد تأوَّلها القاضي في «المجرّد» على أنه استصحب النيةَ إلى جزءٍ من الليل. وتأولها ابنُ عقيل على قولنا بأنه يكفي لجميع الشهر نية واحدة. وكلاهما ضعيف، وهو الذي يقتضيه كلام أحمد؛ فإنه قد نصّ على أن

стр. 1647

الصومَ يصح مع الأكل إلى طلوع الفجر، وأن النية يجب أن تكون قبل الفجر؛ كما دل عليه نص الرواية، وأقرَّها القاضي في آخر أمره على ظاهرها، وهو الصواب؛ لأن ليلة الصوم تابعة له، فجاز تقديم النية عليها؛ كما يجوز تقديمها على النوم، ولأن النية إذا لم تفسخ فإن حكمها باقٍ؛ وإن تقدمت على العبادة بزمن طويل، ما لم تفصل بينهما عبادةٌ من جنسها. ولهذا قال كثير من أصحابنا: إن نية الصلاة تصح من أول الوقت، بخلاف ما إذا نوى في ليلة صيام اليوم الذي يلي يومها؛ فإنه قد تخلل بين وقت النية ووقت العبادة وقتٌ يصلح لأداء مثل تلك العبادة. فإن قوله: «لا صيام لمن لم يُجْمِع الصيامَ من الليل» ليس بنصّ، فإن مَن نوى من النهار واستصحب النيةَ إلى الفجر؛ فقد أجمع الصيامَ من الليل؛ لأن الإجماع أعمّ من أن يكون مبتدأ أو مستصحبًا ذكرًا أو حكمًا. ولهذا إنما ذكر ذلك لبيان الـ ... (١) الذي تقدم النيةُ عليه، لا لبيان ما يجب تأخير النية عنه. فصل (٢) وهل يشترط أن ينوي نية الفريضة؟ على وجهين: أحدهما: لا يشترط. قاله القاضي وأبو الخطاب (٣) وأكثر أصحابنا. وهو ظاهر كلام الإمام أحمد؛ لأنه اعتبر أن ينوي رمضان ولم يذكر نية

стр. 1648

الفريضة؛ لأن نية رمضان من المكلّف تتضمَّن نيةَ الفرض؛ فإن رمضان منه لا يقع إلا فرضًا، وهذا أبلغ من الصلاة. والثاني: يشترط. قاله ابن حامد. وأما نية الأداء؛ فأشبه ما لو نوى صلاة في وقت التي قبلها. وتشترط النية لكلِّ يوم على انفراده في المشهور عنه الذي عليه عامة أصحابه. قال في رواية الجماعة ــ صالح وعبد الله وإبراهيم وابن منصور (١) ــ: يحتاج في شهر رمضان أن يُجمع في كلِّ يوم على الصوم. وروى عنه حنبل في بعض المواضع قال: سألت أبا عبد الله: هل يحتاج في شهر رمضان إلى نية كلّ ليلة؟ قال: لا، إذا نوى من أول الشهر يجزئه. وهذه التي نصَرَها ابنُ عقيل؛ لأن النبي ﷺ قال (٢): «وإنما لكل امرئ ما نوى» (٣)، وهذا قد نوى جميعَ الشهر. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ لما أهلَّ رمضان: «قد دخل عليكم هذا الشهر المبارك فقدِّموا فيه النية» (٤).

стр. 1649

ولأن شهر رمضان بمنزلة العبادة الواحدة؛ لأن الفطر في لياليه عبادة أيضًا يستعان بها على صوم نهاره، ولهذا شملت البركة لياليه وأيامه، وسُمّي الفطر ليلة العيد فطرًا من رمضان، فعُلم أن الفطر الذي يتخلَّل أيامَه ليس فطرًا من رمضان، ويزكّون صومَهم ويُوَفَّون أجرَهم في آخره، فعلم أنه عبادة واحدة، فأجْزَأتْ فيه نيةٌ واحدة كسائر العبادات. وكون الفساد يختصّ ببعضه إذا صادفَه لا يمنع كونَه عبادة واحدة كالحج، فإنه يشتمل على إحرام ووقوف وطواف وسعي، ثم لو فسد الطواف لكونه على غير طهارة، أو قد اخترق (١) الحِجْرَ، ونحو ذلك؛ لم يتعدَّ الفساد إلى غيره، ومع هذا؛ فهو عبادة واحدة، بحيث تكفيه نية واحدة. ولأنّ النيةَ وقعت لهذا الصوم في زمان يصلح جنسُه لنية الصوم، من غير أن يتخلَّل النيةَ والصومَ المنويَّ زمانٌ يصلح جنسُه لصوم سواه، فجاز ذلك، كما لو نوى لكل يوم من ليلته. فأما القضاء والنذر فلا يجزئه إلا تبييت [ق ٣٢] النية في كلِّ ليلة قولًا واحدًا، ولم يفرق أصحابنا (٢) بين النذر المعيّن والكفارة المتتابعة وغيرها. ووجه الأول: قوله ﷺ : «مَنْ لم يُجْمِع الصيامَ من الليل قبل الفجر؛ فلا صيام له»، ولأن كل يوم عبادة مفردة، بدليل أنه لا يفسُد بعضُها بفساد بعض. والعبادة المفردة تفتقر إلى نية مفردة كسائر العبادات. والحج عبادة واحدة، بدليل أنه لو وطأ في آخره فسد أوله، ومع هذا

стр. 1650

فلابدّ للطواف من نية تخصّه، ولا تكفيه نية أصل الحج، وإنما يجزئ ذلك في الوقوف خاصة؛ لأنه من خصائص الحج وفي ضمنه، بخلاف الطواف فإنه عبادة مفردة بنفسه. فصل (١) ولا يجزئ الواجب من الكفارة والقضاء والنذر المطلق إلا بتعيين النية والنذر المعين. فأما رمضان، فلا يجزئ إلا بتعيين النية في إحدى الروايات. قال في رواية صالح (٢) فيمن صام شهر رمضان وهو ينوي به تطوعًا: أيجزئه؟ فقال: أو يفعل هذا مسلم؟ وكذلك الأثرم وقد تقدمت. ونقل عنه ... (٣) من يحجّ ينوي به التطوُّع، ويصوم ينوي به التطوع؛ فالحج والصوم سواء، لا يجزئه العمل فيه إلا بنية. نصّ عليه فيمن صام رمضان ينوي به تطوُّعًا لا يجزئ، سواء تعمَّد ذلك أو لم يدر؛ كيوم الشكّ والأسير وغيرهما قال: لا يجزئه، يعزمه أنه من رمضان. والثانية: يجزئه. قال في رواية المرُّوذي: إذا حال دونه حائلٌ فإنه يصوم. فقيل له: يصومه على أنه من رمضان؟ فقال: نحن أجمعنا على أن نصبح صيامًا، ولم نعتقد أنه من رمضان، فهو يجزئنا من رمضان. فقيل له: أليس تريد أن ينوي أنه من
следующие страницы →