← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

وعن عُبَيد بن عُمير قال: كنت ليلة السابع والعشرين في البحر، فأخذتُ مِن مائه، فوجدته عذبًا سلسًا (١). فصل (٢) ويستحبُّ الاجتهاد في العشر مطلقًا؛ لِما روي عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا دخلَ العشرُ، أحيا الليلَ، وأيقظَ أهلَه، وشدَّ المِئْزَر» متفق عليه (٣). وفي رواية لمسلم (٤): «وجَدَّ وشدَّ المئزر». وفي رواية له (٥): «كان النبي ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره». وعن عليٍّ ﵁، قال: «كان النبيُّ ﷺ يوقظ أهلَه في العشر الأواخر من رمضان» رواه أحمد والترمذي (٦) وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 2067

ورواه عبد الله بن أحمد (١)، ولفظه: «إذا دخل العشر الأواخر، شدَّ المِئْزرَ». وفي لفظ (٢): «رفَعَ المئزرَ، وأيقظَ نساءَه». قيل لأبي بكر بن عيَّاش؟ ما (٣) «رَفَع المئزر؟» قال: اعتَزَل النساء. وعن عائشة أنها قالت: يا رسول الله، أرأيت إن وافقتُ ليلةَ القَدْر ما أقول؟ قال: «تقولين: اللهم إنك عفوٌّ تحبّ العفوَ فاعفُ عنّي» رواه الخمسة إلا أبا داود (٤)، وصححه الترمذي، ولفظه: قلت: يا رسول الله، إن علمتُ أيّ ليلة القدر؟ ما أقول فيها (٥): قال: قولي. وذَكَره. ويحصل النصيب منها بحديث (٦) أبي ذر، [فإنه] يقتضي أن قيامها

стр. 2068

يحصل بالقيام مع الإمام. وعن مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيّب كان يقول: «من شهد العشاء ليلة القدر فقد أخذ بحظِّه منها (١)» (٢). وعن الضحَّاك: «أنه قيل له: أرأيت النفساء والحائض والنائم والمسافر، هل لهم في ليلة القدر نصيب؟ قال: نعم، كلُّ من تقبَّل الله عملَه سيعطيه نصيبه (٣) من ليلة القدر لا يخيُّبه أبدًا» (٤).

стр. 2069

باب الاعتكاف مسألة (١): (وهو لزوم المسجد (٢) لطاعةِ الله فيه) . جِماع معنى الاعتكاف: الاحتباس (٣) والوقوف والمقام. يقال: عَكَفَ على الشيء يعكُف ويعكِف عُكوفًا، وربما قيل: عَكْفًا: إذا أقبل عليه مواظبًا. ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. وقوله سبحانه ــ حكاية عن إبراهيم ﵇ ــ: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]، وقوله أيضًا: ﴿قَالُوا (٤) نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء: ٧١]. فعدَّاه باللام؛ لأن المعنى: أنتم لها عابدون ولها قانتون. ومرَّ عليٌّ ﵁ بقوم يلعبون بالشِّطْرَنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟! (٥).

стр. 2070

ويقال: فلانٌ عاكف على فرجٍ حرام. وعكفوا (١) حولَ الشيء: استداروا. وقال الطِّرِمّاح (٢): فَبَاتَ بَنَاتُ اللَّيْلِ حَوْليَ عُكَّفًا ... عُكُوفَ البَواكِي بَيْنَهُنَّ صَرِيعُ ثم صار هذا في لسان الشرع عند الإطلاق مختصًّا بالعكوف لله وعليه في بيته، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقال تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا (٣) بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقال في موضع آخر: ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج: ٢٦]. ولم يذكر العكوفَ لِمَن، وعلى مَن؛ لأن عكوف المؤمن لا يكون إلا لله. ويُسْتَعمل متعدِّيًا أيضًا، فيقال: عكَفَه يعكُفُه ويعكِفُه عَكْفًا: إذا حبسه ووقفه، كما قال تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، ويقال: ما عكفَكَ عن كذا؟ أي: ما حبسك عنه. وعَكَّفَ الجوهرَ في النظم (٤).

стр. 2071

والتاء في الاعتكاف تفيد ضَرْبًا من المعالجة والمزاولة لأن فيه كُلْفة، كما يقال: لَسَتَ والْتَسَتَ (١)، وعَمِل واعْتَمل، وقَطَع واقْتَطَع. وربما حسب بعضهم أنه مُطَاوِع عَكَفَه فاعْتَكف، كما يقال: انعكف عليه، وهو ضعيف. ولما كان المرء لا يلزم ويواظب إلا مَن يحبُّه ويعظِّمه، كما كان المشركون يَعْكُفون على أصنامهم وتماثيلهم، ويعكُف أهلُ الشهوات على شهواتهم= شَرَع الله سبحانه لأهل الإيمان أن يَعْكُفوا على ربهم . وأخصُّ البقاع بذكر اسمه سبحانه والعبادة له بيوتُه المبنيةُ لذلك، فلذلك كان الاعتكاف: لزوم المسجد لطاعة الله فيه. ولو قيل: لعبادة الله فيه لكان (٢) أحسن؛ فإن الطاعةَ موافقةُ الأمر، وهذا يكون بما هو في الأصل عبادة كالصلاة، وبما هو في الأصل غير عبادة، وإنما يصير عبادةً بالنية، كالمباحات كلّها؛ بخلاف العبادة فإنها التذلُّل للإله . وأيضًا، فإن ما لم يُؤمَر به من العبادات، بل رُغّب فيه: هو عبادة، وإن لم يكن طاعة لعدم [ق ١٠٧] الأمر. ويسمى أيضًا: الجِوار والمجاورة. قالت عائشةُ: «كان النبي ﷺ يُصغي

стр. 2072

إليَّ رأسَه وهو مجاور في المسجد (١)، فأرجّله وأنا حائض». رواه البخاري (٢). لأنه قد جاور الله سبحانه بلزومِه (٣) بيتَه ومكانًا واحدًا لعبادته، كما في الحديث: «يقول الله تعالى: أنا جليسُ مَنْ ذَكَرني» (٤). ويُسمى المُقامُ بمكة: مجاورةً؛ لأنه مجاورٌ بيتَ الله، كما يجاور الرجلُ بيتَ الرجل. مسألة (٥): (وهو سُنَّة، لا يجب إلّا بالنّذْرِ) . في هذا فصلان: أحدهما أن الاعتكاف سنة وقُربة بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا (٦) بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقوله في الآية الأخرى: ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج: ٢٦]. وقوله

стр. 2073

سبحانه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وأما السنة: فروى ابنُ عمر قال: «كانَ رسولُ الله ﷺ يعتكفُ العشرَ الأواخرَ من رمضان» (١). وعن عائشة قالت: «كان رسولُ الله ﷺ يعتكفُ العشرَ الأواخرَ من رمضان حتى توفَّاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجُه مِن بَعْده» (٢) متفق عليهما. وقد تقدّم في (٣) حديث أبي سعيد: أنه اعتكف هو وأصحابُه العشرَ الأوسط والآخر. وفي رواية (٤): «أنه (٥) اعتكفَ العشرَ الأُوَل أيضًا». وكان يعتكف أزواجُه معه (٦). وفاتَه الاعتكافُ عامًا فاعتكف في العام القابل عشرين (٧). وترَكَه مرةً في رمضان فاعتكف في (٨) العشر الأُوَل مِن شوَّال (٩).

стр. 2074

وهذا كلُّه يدلّ على محافظته ﷺ عليه (١). وأجمع المسلمون على أنه قُرْبةٌ وعملٌ صالح. وأيضًا، ففيه من القُرب والمُكْث في بيت الله، وحَبْس النفس على عبادة الله، وإخلاء (٢) القلب من الشواغل عن ذِكْر الله، والتخلِّي لأنواع العبادات المحضة من التفكُّر وذِكْر الله وقراءة القرآن والصلاة والدعاء والتوبة والاستغفار إلى غير ذلك من أنواع القُرَب. وقد رُوي عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال في المُعتَكِف: «هو يَعْكُف الذنوبَ، ويُجْرَى له من الحسنات كعامل الحسنات كلِّها» رواه ابن ماجه (٣). وهو كما قال رسول الله ﷺ ، فإن المعتكف قد حبس الذنوبَ ووَقَفَها وامتنع منها، فلا تخْلُص إليه، كما قال: «الصومُ جُنَّة» (٤). وقد تهيَّأ لجميع (٥) العبادات. فإن قيل: هذا الحديث فيه فَرْقَد السَّبَخي، وقد تُكُلِّم فيه، ولهذا قال

стр. 2075

أبو داود (١): قلت لأحمد: تعرف في فضل الاعتكاف شيئًا؟ قال: لا، إلا شيئًا ضعيفًا. وكذلك نقل أبو طالب. قيل: فَرْقد السبخي رجلٌ صالح، قد كتب الناسُ أحاديثَه، وأحاديث الترغيب والترهيب يُتسامح في أسانيدها، كما قال أحمد: إذا جاء الترغيب والترهيب سهَّلنا، وإذا جاء الحلالُ والحرامُ شدّدْنا. (٢) وقول أحمد: «إلا شيئًا ضعيفًا»: إشارة إلى أن إسناده ليس قويًّا، وهذا القَدْر قدرٌ (٣) لا يمنع الاحتجاج به في الأحكام، فكيف في الفضائل (٤)؟! وقد روى إسحاق بن راهويه، عن أبي الدرداء، قال: «من اعتكف ليلةً كان له كأجر عُمْرة، ومَن اعتكف ليلتين كان له كأجر عمرتين ... » (٥) ثم ذكر على قدر ذلك. الفصل الثاني أنه ليس بواجب في الشرع (٦)، بل يجب بالنذر ، وهذا إجماع.

стр. 2076

قال ابن المنذر (١): أجمعَ أهلُ العلم على أن الاعتكاف لا يجب على الناس فرضًا، إلا أن يوجبَ المرءُ على نفسه الاعتكافَ نذرًا، فيجب عليه. وهذا لأن الله لم يوجبه ولا رسوله، وكان أكثر الناس لا يعتكفون على عهد النبيِّ ﷺ ، فلم يأمرهم به. بل قال لهم لما اعتكف العشرَ الأوسط: «إني أُتِيتُ، فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحبَّ منكم أن يعتكف فليعتكف» (٢). وَتَرك الاعتكافَ مرّةً وهو مقيم، ثم قضاه في شوَّال (٣). وأما وجوبه بالنذر فلِما رَوَتْ عائشةُ أن رسول الله ﷺ قال: «مَن نَذَر أن يطيع الله فليُطِعْه، ومَن نَذَر أن يعصيَ الله فلا يعْصِه» (٤). وعن عمر أنه قال: «يا رسول الله، إني نذرتُ أن أعتكفَ ليلةً في المسجد الحرام. فقال: «أوفِ بنذْرِك»» (٥) متفق عليهما. قال أبو بكر: ويستحبُّ أن لا يدعَ أحدٌ الاعتكافَ في العشر (٦) الأواخر من شهر رمضان؛ لأن النبي ﷺ داوم عليه، وقضاه لمَّا فاتَه، وكلّ ما واظب عليه رسول الله ﷺ كان من السنن المؤكَّدة، كقيام الليل ونحوه.

стр. 2077

وإذا شرع في الاعتكاف ينوي مدَّةً من الزمان، لم يلزم بالشروع عند أصحابنا. ولو قطَعَه مُدّةً لم يلزمه (١) قضاؤه؛ لأنَّ مِن أصلنا المشهور: أنه لا يلزم بالشروع إلا الإحرام، لكن يستحبُّ له إتمامه (٢)، وأن يقضيه إذا قطعه. وكذلك أيضًا لو كان له وِرْدٌ من الاعتكاف، ففاته، استُحِبَّ له قضاؤه؛ لأن النبي ﷺ ترك اعتكاف العشر الأواخر من شهر رمضان لما ضَرَب أزواجُه الأخبيةَ، ثم قضاه من شوَّال، ولم يأمر أزواجَه بالقضاء؛ لأنه لم يكن من عادتهنَّ، وإنما عزَمْنَ عليه ذلك العام، ولأن قضاءَه غيرُ واجب، ولأنهنّ لم يكنّ شرعْنَ فيه، وهو ﷺ كان قد شَرَع فيه؛ لأن المسجد كله موضع للاعتكاف، وهو [ق ١٠٨] قد دخل المسجد حين صلى بالناس، فالظاهر أنه نوى الاعتكافَ مِن حينئذ؛ لأنه لم يكن في نيته الخروج منه بعد ذلك. وعن أُبيّ بن كعب ﵁: «أن النبيَّ ﷺ كان يعتكف العشر (٣) الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عامًا، فلما كان من (٤) العام المقبل، اعتكف عشرين ليلة» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (٥).

стр. 2078

وفي لفظ: «سافر عامًا فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين» (١). وعن أنس قال: «كان النبي ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان (٢)، فلم يعتكف عامًا، فلما كان في العام المقبل، اعتكف عشرين» رواه الترمذي (٣) وقال: حديث حسن صحيح غريب. ورواه أحمد (٤) ولفظه: «كان النبيّ ﷺ إذا كان مقيمًا اعتكفَ العشرَ الأواخرَ من رمضان، فإذا سافر اعتكف من العام المقبل عشرين» (٥). ويتخرَّج أن يَلْزَم بالشروع قياسًا على الرواية التي في الصوم والصلاة، لكن قد يُفَرَّق ... (٦) فإن قيل: إذا كان له الخروج منه، ثم له أن يدخل فيه متى شاء، فما معنى قولهم: يحرم على المعتكف كذا، ويجب عليه كذا؟! قيل: له فوائد: إحداها (٧): أن المحرَّمات في الاعتكاف من المباشرة والخروج من

стр. 2079

المسجد لغير حاجة، إنما (١) له أن يفعلها إذا نوى تركَ الاعتكاف، فيكون قد فعَلَه على وجه الترك للاعتكاف، فلا يكون حين فعله معتكفًا (٢). أما أن يستديم نية الاعتكاف ويفعل ذلك، فلا يحلّ له ذلك، بل يكون قد اتخذ آيات الله هُزوًا، ويكون بمنزلة الحائض إذا أمسكت تعتقد الصومَ صحيحًا (٣)، وبمنزلة من (٤) لو تكلَّم أو أحْدَث في الصلاة أو أكل في الصوم= مع بقاء اعتقاد الصلاة. وهذا لأن العبادة التي ليست واجبة، إذا أراد أن يفعلها، فإنه يجب أن يفعلها على الوجه المشروع، وليس له أن يُخلَّ بأركانها وشروطها، وإن كان له تركها بالكلّية، ولو لم يستدم (٥) النيةَ ذكرًا ولا نوى الخروج منه (٦). الثانية: أنه إذا فعل ما ينافيه من خروج ومباشرة، انقطع الاعتكافُ، فلو أراد أن يعود إليه كان اعتكافًا ثانيًا، يحتاج إلى تجديد نية، ولا يكفيه استصحاب حكم النية الأولى، حتى إنّا إذا لم نجوِّز الاعتكاف أقلّ من يوم (٧) فاعتكف بعضَ يوم، ثم قطَعَه ثم أراد أن يتمَّه باقي اليوم، لم يصح ذلك، كما لو أصبح صائمًا فأكل، ثم أراد أن يتمّ الصوم.

стр. 2080

الثالثة: أنه إذا نذر الاعتكافَ معيَّنًا أو مطلقًا، صارت هذه الأمور واجبةً عليه، وحَرُم عليه ما ينافي الاعتكاف بكلّ حال، كما لو نذر صومًا معينًا أو مطلقًا، أو صلاةً مؤقتةً أو مطلقة. وإن لم ينو مدّةً، لكن قال (١): أقْعُدُ ما بدا لي، أو إلى أن يكون كذا ... (٢) وإذا أبطلَ الاعتكافَ لم يبطل ما مضى منه. قاله بعض أصحابنا. وكذلك قال القاضي في التطوُّع، وهذا ينبني على أقلّ الاعتكاف ... (٣) فصل ولا يصحُّ الاعتكافُ إلا من مسلم عاقل؛ لأن الكافر والمجنون ليسا من أهل العبادة. فأما الصبي ... (٤) فصل قال أصحابنا: ليس للرقيق ــ قِنًّا كان أو مُدَبّرًا أو أمَّ وَلَد ــ الاعتكاف بغير إذن السيد، ولا للزوجة الاعتكاف بدون إذن الزوج؛ لأن منافع العبد والزوجة مستحقَّةٌ للسيد والزوج، وفي الاعتكاف تعطيل منافعهم عليه، فإن أذن له في الاعتكاف، اعتكف ما شاء، ولم يخرج إلى الجمعة؛ لأنها غير واجبة على أحدٍ منهم.

стр. 2081

فإن أراد السيد أو الزوج مَنْع مَن أذن له بعد الدخول فيه، فله ذلك؛ لأنه تطوُّعٌ والخروجُ منه جائز، هكذا قال أصحابنا. ويتخرَّج على قولنا: إن التطوُّع يَلْزَم بالشروع: أنه ليس له (١) أن يُخرجهما منه ... (٢) فإن كان نذرًا وقد دخل فيه بإذنه، لم يكن له أن يُخْرجَه منه، كما لو أذن له في الإحرام والصيام الواجب، سواء كان معينًا أو مطلقًا ... (٣) وإن دخل في النَّذْر بغير إذنه، وهو قد كان نَذَره بإذنه وهو معيَّن، لم يملك منعه (٤)، وإن كان نذره بإذنه (٥) وهو غير معيَّن، ففيه وجهان. وإن لم يأذن في النذر، فقيل: له منعه منه وقَطْعه عليه؛ لأنه لا يملك تفويت حقِّه. وقيل: ... (٦) وأما المُكاتَب فله أن يعتكف بدون إذن سيده؛ لأنه لا يستحقّ منافِعَه، كما له أن يحجّ في المنصوص عنه إذا لم يَحُل نجمٌ في غيبته؛ لأنه بمنزلة المَدِين. والمعْتَق بعضُه ليس له أن يعتكف إلا أن يكون بينه وبين السيد

стр. 2082

مُهَاياةً (١)، فيعتكف في أيامه خاصَّة. مسألة (٢): (ويصحُّ من المرأة في كلّ مسجد، ولا يصح من الرجل إلا في مسجد تُقام فيه الجماعة. واعتكافُه في مسجدٍ تُقام فيه الجمعة أفضل) . في هذا الكلام فصول: الأول أن الاعتكاف لا يصحّ إلا في مسجد، ويصحّ في كلِّ مسجد في الجملة، سواء في ذلك مساجد الأنبياء، وهي المساجد الثلاثة أو (٣) غيرها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فلم ينه عن المباشرة إلا من عكف في المسجد، وتخصيصه بالذِّكْر يقتضي أن ما عداه بخلافه، وتبقى مباشرة العاكف في غير المسجد على الإباحة. وإذا لم يكن [ق ١٠٩] العاكف في غير المسجد منهيًّا عن المباشرة، عُلِم أنه ليس باعتكاف شرعيّ؛ لأنا لا نعني بالاعتكاف الشرعي إلا ما تحرُم معه المباشرة، كما أنا لا نعني بالصوم الشرعيّ إلا ما حَرُم فيه الأكل والشرب،

стр. 2083

ولأن كلّ معتكفٍ تحرم عليه المباشرة، فلو كان المقيم في غير المسجد معتكفًا لحَرُمَت عليه (١) المباشرةُ كغيره. فإن قيل: فقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ دليلٌ على أنه قد يكون عاكفًا في غير المسجد؛ لأن التقييد بالصفة بما لولا هو (٢) لدخل في المطلق. قلنا: لا ريب أنَّ كلَّ مقيم في مكان ملازم له فهو عاكف كما تقدم، لكنّ الكلام في النوع الذي شَرَعه الله تعالى، كما أن كلّ مُمْسكٍ يسمّى صائمًا، وكلّ قاصد يسمّى متيمِّمًا، ثم لما أمر الله تعالى بتيمُّم الصعيد وأمر بالإمساك عن المفطِّرات، صار ذلك هو النوع المشروع. على أن الصفة قد تكون للتبيين والإيضاح، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، وقوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]، ونحو ذلك. فإن قيل: فلو لزم الإنسانُ بقعةً يعبد الله تعالى فيها خاليًا من الناس أو غير خال، مثل كهف أو غار أو بيت أو شعب، فهل يُشْرَع ذلك ويستحبّ؟ ... قيل: أما إذا قصد مكانًا خاليًا ... (٣)

стр. 2084

وإنما جاز في كلّ مسجد لأن الله سبحانه عمَّ المساجدَ بالذِّكْر، ولم يخصّ مسجدًا دون مسجد، وهو اسمُ جمع معرَّف باللام، والمباشرةُ نكرةٌ في سياق النفي، فيكون معنى الكلام: لا تفعلوا شيئًا من المباشرة وأنتم عاكفون في مسجد من المساجد. وله أن يلزم بقعةً بعينها لاعتكافه، وإن كُرِه ذلك لغيره، لأن (١) الاعتكافَ عبادةٌ واحدة، فلزوم (٢) المكان لأجلها كلزومه لصلاة واحدة، وإقراء قرآن في وقت، ونحو ذلك. وقيامه منه لحاجة لا تُسْقِط حقَّه منه؛ لأن مَن قام مِن مجلسٍ ثم عاد إليه، فهو أحقُّ به. وأصلُ ذلك: أن النبيَّ ﷺ كان يعتكف في موضع بعينه من المسجد. قال نافع: «قد أراني (٣) ابنُ عمر الموضعَ الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ من المسجد» رواه مسلم (٤). الفصل الثاني (٥) أن المسجد هو المكان المبنيّ للصلوات الخمس، وبيتُ قناديله وسطحُه منه، وحوائطُه، والمنارةُ المبنية في حيطانه أو داخله. فلو اعتكف فيها أو صعد عليها جاز عند أصحابنا.

стр. 2085

قال أصحابنا: ويستحبُّ الأذان لكلِّ أحد، ونحن للمعتكف أشدُّ استحبابًا. وإن كانت متصلة بحائط المسجد، وهي خارجة عن سمت حائط المسجد، فهي منه كالمحراب. قال القاضي: كلها منه منفصلة أو متصلة ... (١) وإن كانت المنارة خارج المسجد وخارج رَحْبَته، فخرج المعتكف للتأذين فيها، ففيه وجهان: أحدهما: لا يبطل؛ لأنها مبنية للمسجد، فأشبهت المتصلةَ به. والثاني: يبطل. قال ابن عقيل: وهو الأشبه؛ لأنها ليست من المسجد. و أما الرَّحْبة: ففيها روايتان (٢): إحداهما (٣): هي من المسجد. قال في رواية المرُّوذي: يخرج المعتكف إلى الرَّحْبة، هي من المسجد. والثانية: ليست منه. قال في رواية ابن الحكم: إذا سمع أذانَ العصر في رَحْبة المسجد الجامع، انصرف ولم يُصَلّ، ليس هو بمنزلة المسجد، حدّ المسجد هو الذي جُعِل عليه حائطٌ وباب.

стр. 2086

وهذا لأن النبيَّ ﷺ أمرَ المعتكفات إذا حِضْن أن يُقِمْن في رِحاب المسجد (١). قال القاضي: إن كانت مَحُوْطة عن الطريق، وعليها أبواب، فهي تابعة للمسجد. وإن كانت مُشرَعة على (٢) الطريق وغير مَحُوطة (٣)، مثل رحاب جامع المنصور، ورحاب جامع دمشق، فحكمها حكم الطريق، لا يجوز الخروج إليها لغير حاجة. فإن قلنا: الرَّحْبة من المسجد، فكذلك المنارة التي فيها. وإن قلنا: ليست هي منه، ففي الخروج إلى المنارة التي فيها الوجهان (٤). الفصل الثالث (٥) أنه لا يصح اعتكاف الرجل إلا في مسجد تُقام فيه الصلوات الخمس جماعة ، سواء كانت (٦) الجماعة تتم بدون المعتكف أو لا تتم إلا به، حتى لو اعتكف رجلان في مسجد، فأقاما به الجماعة جاز.

стр. 2087

فإن رجا أن يُجَمِّع فيه، وغلب على ظنه ذلك، مثل أن ينوي (١) أن يؤذِّن فيه، فيجيء من يصلي معه= صار مسجد جماعة. فإن غلب على ظنه أن لا يصلي معه أحدٌ لم يصحّ الاعتكاف، لأن الاعتكاف لا يكون إلا بالعزم على المُقام في المسجد، والعزم يتبع الاعتقاد، فإذا اعتقدَ حصولَ الصلاة فيه، عزمَ على العكوف فيه، وإلا فلا. فإن اختلَّت الجماعةُ فيه بعض الأوقات ... (٢) وذلك لما رُوِي عن أبي وائل شقيقِ بن سلمة، قال: قال حذيفة لعبد الله بن مسعود: إن قومًا عكوفًا بين دارك ودار الأشعري، فلا تُغَيِّر وقد علمتَ أن رسول الله ﷺ قال: «لا اعتكافَ إلا في المساجدِ الثلاثةِ (أو قال: في مسجد جماعة)». فقال عبد الله: فلعلهم أصابوا وأخطأتَ، وحفظوا ونسيتَ. رواه سعيد بإسناد جيد (٣). وعن جُويبر، عن الضحَّاك، عن حُذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كلُّ مسجدٍ له مؤذِّن وإمام، [ق ١١٠] فالاعتكاف فيه يصْلُح» رواه سعيد

стр. 2088

والنجاد والدارقطني (١) وقال: الضحَّاك لم يسمع من حذيفة. وقد رواه حربٌ (٢) عن الضحَّاك، عن النزّال بن سَبْرة، قال: أقبل ابن مسعود وحذيفة من النجف، وأشرفوا على مسجد الكوفة، فإذا خيام مبنية، فقالوا: ما هذا؟ قالوا: أناس اعتكفوا. فقال (٣) ابن مسعود: لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام. فقال حذيفة: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «كلُّ مسجدٍ له إمام ومؤذِّن فإنه يُعتكَف فيه». فإن قيل: جُويبر ضعيف متروك، ويدلُّ على ضعف الحديث: أن مذهب حذيفة أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، بدليل ما رُوي عن إبراهيم، قال: «دخل حذيفة مسجدَ الكوفة، فإذا هو بأبْنِيَةٍ مضروبة، فسأل عنها، فقيل: قوم يعتكفون، فانطلق إلى ابن مسعود، فقال: ألا تعجب من قوم يزعمون أنهم معتكفون بين دارك ودار الأشعري؟ فقال عبد الله: فلعلهم أصابوا وأخطأتَ، وحفظوا ونسيتَ. فقال حذيفة: لقد علمت [أنه لا اعتكاف] (٤) إلا في ثلاثة

стр. 2089

مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجد رسول الله ﷺ » (١). قلنا: قد روى هذا الحديث عن جُويبر رجالٌ من كبار أهل العلم، مثل هُشيم وإسحاق الأزرق، وقد تابعه على نحوٍ من معناه أبو وائل، عن حذيفة، وهو معضود بآثار الصحابة، والرواية الأخرى عن حذيفة مرسلة. وأيضًا، فإنه إجماع الصحابة؛ روى النجَّاد (٢) عن عليٍّ ﵁ قال: «لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة». وعن ابن عباس قال: «لا اعتكاف إلا في مسجدٍ تُقام فيه الصلاة» (٣). وعن عائشة ﵂ أنها قالت: «لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة» (٤).

стр. 2090

وروى حربٌ (١) عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ﵄ قال: «كلُّ مسجدٍ تُقام فيه الصلاة، فيه اعتكاف». وقد روى أبو داود وغيرُه حديثَ عائشة قالت: «مِن السنة لا اعتكاف إلا في مسجدٍ جامع» (٢). وعن الزهري قال: «مضت السنةُ: أن لا يكون اعتكافٌ إلا في مسجد جماعة، مسجد يُجَمَّع فيه الجمعة» رواه النجاد (٣).

стр. 2091

وفي لفظ للدارقطني (١): «من السنة: لا اعتكاف إلا في مسجدِ جماعةٍ». وقال (٢): غير عبد الرحمن بن إسحاق: لا يقول فيه: «قالت: السنة»، جعله قولَ عائشة. وهذا قولُ عامَّة التابعين، ولم يُنْقَل عن صحابيٍّ خلافُه، إلا قول من خصّ الاعتكافَ بالمساجد الثلاثة أو (٣) بمسجد نبيّ. فقد أجمعوا كلُّهم على أنه لا يكون في مسجدٍ لا جماعةَ فيه. وأيضًا، فإن (٤) المسجدَ موضعُ السجود ومحلُّه، وهذا الاسم إنما يتمّ له ويكمل إذا كان معمورًا بالسجود وبالصلاة فيه، أما إذا كان خرابًا معطَّلًا عن إقام الصلاة فيه، فلم يتمّ حقيقة المسجد له، وإنما يسمّى مسجدًا بمعنى أنه مهيّأٌ للسجود معدٌّ له، كما قد تسمَّى الدار الخالية مسكنًا ومنزلًا، ويُصان مما تُصان منه المساجد؛ لأنه مسجد وإن لم يتم المقصود فيه. وبهذا يُعْلَم أن قولَه: ﴿عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ إنما يُفْهَم منه المواضع التي فيها الصلاة والسجود.

стр. 2092

وأيضًا، فإن الصلوات الخمس في الجماعة واجبةٌ كما تقدم بيانُه (١)، فلو جاز الاعتكاف في مسجد مهجور معطَّل، للزم إما ترك صلاة (٢) الجماعة، وذلك غير جائز، وإما تَكْرار الخروج في اليوم والليلة لِمَا عنه مندوحة، وذلك غير جائز؛ لأن الاعتكاف هو لزوم المسجد، وأن لا يخرج منه إلا لِمَا لابدّ منه ... (٣) وأيضًا فلو لم تكن الجماعةُ واجبةً، فإنها من أعظم العبادات، وهي أوكد من مجرَّد الاعتكاف الخالي عنها بلا ريب، والمداومة على تركها مكروهة كراهةً شديدة، فلو كان العكوفُ الخالي عنها مشروعًا لكان قد شُرِع التقرُّب إلى الله تعالى بما يُنْهَى فيه عن الجماعة، بل يَحْرُم فعلها معه، إذ الخروج من المعتكف لا يجوز، وهذا غير جائز ... (٤) فأما اعتكافٌ لا يتضمّن وجوب جماعة، مثل أن يكون زمنه يسيرًا، لا يحضر فيه صلاة مكتوبة؛ فقال ابن عقيل وغيره: يصح في كلّ مسجد، إذ لا محذور فيه، فإنما اشترطنا مسجدًا تقام فيه الجماعة لأجل وجوبها، وهذا إذا صححنا اعتكافَ بعضِ يوم على المشهور في المذهب، وكذلك من لا يمكنه شهود الجماعة؛ لكونه في موضع لا تُقام فيه الجماعة. وأما من يمكنه حضور الجماعة ولا يجب عليه كالمريض وغيره من المعذورين والعبد، ففيه وجهان:

стр. 2093

أحدهما: يصح اعتكافه في كلِّ مسجد؛ لأن الجماعة لا تجب عليه. والثاني: لا يصح إلا في مسجد الجماعة؛ لأنه من أهل الوجوب، فإذا تكلَّف الاعتكافَ في مسجد، وجب أن يكون في (١) مسجد الجماعة. وإذا تكلَّف حضورَ محلِّها وجبت عليه كما تجب عليه الجمعة إذا حضر المسجد، لأن المُسْقِط للحضور قد التزمه، كما يجب عليه إذا حضرها. ولأن مَن التزم التطوُّعات لا يصح أن يفعلها إلا بشروطها، كالصوم والصلاة. فعلى هذا: إن أقيمت فيه بعض الصلوات، فاعتكف في وقت تلك الصلاة ... (٢) الفصل الرابع (٣) أن المرأة لا يصحّ اعتكافها إلا في المسجد المتخذ للصلوات الخمس (٤) الذي يحرُم مُقام الجنب فيه وتناله أحكامُ المساجد. فأما مسجد بيتها ــ وهو مكانٌ من البيت [ق ١١١] يتخذه الرجل أو المرأة للصلاة فيه مع بقاء حكم المِلْك عليه ــ فلا يصح الاعتكاف فيه عند أصحابنا.

стр. 2094

قال أحمد في رواية أبي داود (١) وقد سُئل عن المرأة تعتكف في بيتها: فذكر النساءَ يعتكفن في المساجد، ويُضرب لهنّ فيه الخِيَم، وقد ذهبَ هذا من الناس. لأن هذا ليس مسجدًا، ولا يسمَّى في الشرع مسجدًا، بدليل جواز مُكث الحائض فيه، والاعتكافُ إنما يكون في المساجد، ولأن أزواج النبي ﷺ اعتكفن في المسجد بعده كما تقدم. وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجرَ ثم دخل معتكَفَه، وأنه أمر بخبائه فضُرِب، ثم أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فأمرَتْ زينبُ بخبائها فضُرب (٢)، وأمَرَت غيرُها من أزواج النبيِّ ﷺ بخباءٍ فضُرب، فلما صلى رسول الله ﷺ الفجرَ، نظر فإذا الأخبية، فقال: «آلبِرَّ تُرِدْن؟» فأمر بخبائه فقُوِّض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في (٣) العشر الأُوَل من شوّال. رواه الجماعة (٤). وفي رواية للبخاري وغيره (٥) عن عائشة: أن رسول الله ﷺ ذَكَر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذَنَتْه عائشةُ فأذن لها، وسألت حفصةُ عائشةَ أن تستأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينبُ، أمرت ببناءٍ فبُنِي

стр. 2095

لها، قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا صلى انصرف إلى بنائه، فبصر بالأبنية فقال: «ما هذا؟» قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب. فقال رسول الله ﷺ : «آلبِرَّ أرَدْنَ بهذا؟! ما أنا بمعتكف» فرجع، فلما أفطر اعتكف عشرًا من شوَّال. فهذا نصٌّ مفسَّر في أنه أذن لعائشة وحفصة أن يعتكفا في المسجد، وذلك دليلٌ على أنه مشروع حَسَن، ولو كان اعتكافهنّ في غير المسجد العام ممكنًا لاستغنينَ بذلك عن ضرب الأخبية في المسجد كما استغنين بالصلاة في بيوتهن عن الجماعة في المساجد، ولأمرهنَّ النبيُّ ﷺ بذلك، كما قال في الصلاة: «وبيوتهنّ خيرٌ لهنّ» (١). لاسيما وقد خاف أن يكون قد دخلهُنَّ في ذلك شيء من المنافسة والغيرة حين تَشَبَّه بعضُهنّ ببعض، واعتكفن معه، حتى ترك الاعتكاف من أجل ذلك، وقد كان يمكنه أن يقول: الاعتكافُ في البيت يغنيكنّ عن الاعتكاف في المسجد، كما قال لعائشة: «صلي في الحِجْر فإنه مِن [ق ١١٢] البيت» (٢). وكان مما يحصل به مقصوده ومقصود من أرادت الاعتكاف منهن، وتقوم به الحجّةُ على مَنْ لم يرده.

стр. 2096

وأيضًا فما روت عائشة قالت: «اعتكفَ مع النبيّ ﷺ بعضُ أزواجه، وكانت ترى الدمَ والصُّفْرةَ، والطستُ تحتها وهي تصلي» رواه البخاري وغيره (١). وعن كثير مولى [ابن] سَمُرة: أن امرأة أرسلت إلى رسول الله ﷺ : إني أريد أن أعتكف العشر الأواخر وأنا أُسْتحاض، فما ترى؟ قال: «ادْخُلي المسجدَ، واقْعُدي في طَسْت، فإذا امتلأ فلْيُهْراق عنك» رواه النجَّاد (٢). فقد مكَّن النبيُّ ﷺ امرأتَه أن تعتكف في المسجد وهي مُستحاضة، وهي لا تفعل ذلك إلا بأمره، وأمَر التي سألته أن تدخل المسجد، والأمرُ يقتضي الوجوبَ، ولو كان الاعتكاف في البيت جائزًا لما أمرها بالمسجد، ولأمرها بالبيت، فإنه أسهل وأيسر وأبعد عن تلويث المسجد بالنجاسة، وعن مشقَّة حَمْل الطست ونقله. وهو ﷺ لم يُخَيَّر بين أمرين إلا اختارَ (٣) أيسرَهما ما لم يكن إثمًا (٤)، فعُلم أن الجلوس في غير المسجد ليس باعتكاف. وأيضًا ما روى قتادةُ، عن أبي حسَّان وجابر بن زيد: «أن ابن عباس سُئل عن امرأة جَعَلَت عليها أن تعتكف في مسجد نفسها في بيتها؟ فقال: بدعة،

стр. 2097

وأبغضُ الأعمال إلى الله تعالى البِدَع، لا اعتكاف إلا في مسجدٍ تُقام فيه (١) الصلاة» رواه حرب (٢). مع ما تقدم عن غيره من الصحابة، فإنهم لم يفرقوا بين الرجال والنساء، وعائشةُ منهم، ومعلوم أنها لا تهمل شأن اعتكافها، ولم يُعْرَف عن صحابي خلافُه، لاسيما والصحابي إذا قال: بدعة، عُلِم أنه غير مشروع. كما أنه إذا قال: سُنة، عُلِم أنه مشروع. فعلى هذا يجوز اعتكافها في كلِّ مسجد، سواء أقيمت فيه الجماعةُ أو لم تُقَم. هكذا ذكر كثير من أصحابنا، منهم القاضي في «المجرَّد» وأبو الخطاب (٣) وابن عقيل وعامةُ المتأخرين؛ لأن الجماعة ليست واجبة عليها، فسيَّان في حقها مسجد الجماعة (٤) وغيره. وقد روى ابنُ أبي مُلَيكة قال: «اعتكفَتْ عائشةُ بين حراء وثبير، فكنَّا نأتيها هنالك (٥)، وعبدًا (٦) لها يؤمُّها» رواه حرب (٧).

стр. 2098

وليس هناك مسجد تُقام فيه الجماعة (١). وقال القاضي في «خلافه» (٢): كلُّ موضع لا يصحّ اعتكاف الرجل فيه لا يصح اعتكاف المرأة فيه. وكذلك الخرقيُّ وابنُ أبي موسى (٣) وغيرُهما اشترطوا للاعتكاف مسجدًا يُجْمِع فيه، ولم يفرِّقوا بين الرجل والمرأة. وقال أحمد في رواية ابن منصور (٤): الاعتكافُ في كلّ مسجد تُقام فيه الصلاة. ولم يفرِّق. وهذا ظاهرُ ما تقدم ذِكْرُه عن الصحابة، فإنهم لم يفرقوا، لاسيما حديث ابن عباس (٥)؛ فإنه سُئل عن اعتكاف المرأة؟ فقال: «لا اعتكاف إلا في مسجد تُقام فيه الصلاة»، وحديث عائشة (٦) أيضًا، فإن اعتكاف النساء لابدَّ أن يدخل في عموم كلامها (٧). وأما اعتكافها في مسجد حراء؛ فقد كان يؤمُّها فيه عبدُها، وهذا يؤيد أنه لابدّ في (٨) الاعتكاف مِن مسجد جماعة.

стр. 2099

وأيضًا فإن المقصود من المسجد إقامة الصلاة فيه، فاعتكافها في مسجد لا جماعةَ فيه كاعتكافها في بيتها، والجماعةُ وإن لم تكن واجبةً عليها في الأصل، لكن إذا أرادت (١) الاعتكاف، جاز (٢) أن يجب عليها ما لم يكن واجبًا قبل ذلك؛ كما لو أرادت الجمعةَ والجماعةَ، وجب عليها ما يجب على المأموم، وإن لم يجب بدون ذلك. وإذا كان الاعتكاف يوجب الاحتباسَ في المسجد، مع أنه غير مقصود لنفسه بل لغيره، فلَأَن يوجِبَ الجماعةَ التي هي أفضل العبادات أولى، ولأن ذلك لو لم يكن واجبًا ... (٣) ولا يُكره الاعتكاف للعجوز التي لا يُكره لها شهود الجمعة والجماعة (٤). وهل يكره للشابة؟ المنصوص عنه الرخصةُ مطلقًا. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سُئل عن النساء: يعتكفن؟ قال: نعم، قد اعتكف النساء. فعمَّ، ولم يخصّ الشابةَ من غيرها، وقد تقدم نحو ذلك في رواية أبي داود (٥). وقال القاضي: قياس قوله أنه يُكره للشابة؛ لأنه قد نصَّ على ذلك في

стр. 2100

خروجها لصلاة العيدين، وأنه مكروه. وهذا اختيار القاضي؛ لأن النبي ﷺ أمر بنقض قباب أزواجه لمَّا أرَدْن الاعتكافَ معه. وقالت عائشة ﵂: لو رأى رسولُ الله ﷺ ما أحْدَث النساءُ لمنعهنَّ المسجد (١) كما مُنِعَت نساء بني إسرائيل (٢). ولأنه خروجٌ من البيت لغير حاجة، فَكُرِه للشابة، كالخروج للجمعة والجماعة. قال القاضي (٣): وكذلك يُكره لها الطواف (٤) نهارًا. والصحيح: المنصوصُ لأن النبي ﷺ أذِنَ لعائشة وحفصة أن يعتكفا معه، وكانتا شابتين. وقد اعتكف معه امرأةٌ من أزواجه كانت ترى الدّمَ، وقد جاء مفسّرًا أنها أم سلمة ﵂ (٥)، ولم تكن عجوزًا. وإنما أمرهنَّ بتقويض الأبنية لِما خافه عليهنّ من المنافسة والغِيرة، [ق ١١٣] ولهذا قال: «آلبِرَّ يرِدْنَ؟». ولأن مريم ﵍ قد أخبر الله سبحانه أنها جُعِلَت محرَّرَة له، وكانت مقيمة في المسجد الأقصى في المحراب، وأنها انتبذت من أهلها مكانًا شرقيًّا، فاتخذت من دونهم حجابًا، وهذا اعتكافٌ في المسجد

стр. 2101

واحتجابٌ فيه، وشَرْعُ مَن (١) قَبْلنا شرعٌ لنا ما لم يَرِد شرعُنا بنسخه، ولأن هذه العبادة لا تُفْعَل إلا في المسجد، فلو كُرهت لها للزم تفويتها بالكلية، ونحن لا ننهى عن العبادة بالكلية لجواز أن يفتتن بها إنسان، مع أن الظاهر خلافه. ولهذا لا يُكره لها الخروج لمصلحة متعيِّنة من عِيادةِ أهلها ونحو ذلك، بخلاف خروجها في الجنائز، فإنه لا فائدة فيه، وفيه مفاسد ظاهرة. ولهذا لا يكره لها حجُّ النافلة، بل هو جهادها، مع أن خوف الفتنة به أشدّ، لمّا لم يكن (٢) فعله إلا كذلك. وأما خروجها للجمعة والجماعة إن سُلِّم، فلها مندوحة عن ذلك بأن تصلي في بيتها، وكذلك الطواف إن سُلِّم، فإن لها في الطواف بالليل مندوحة عن النهار. فعلى هذا يُستحبّ الاعتكاف للنساء، ولا يكون الأولى تركه، بل الأولى فعله إذا لم يكن فيه مفسدة. كما قال في رواية أبي داود (٣) , وذَكَر النساءَ يعتكفنَ في المسجد ويُضرب لهنّ فيه الخِيَم: وقد ذهب هذا من الناس. ويُستحبّ لها أن تستتر من الرجال بخباء ونحوه. نصَّ عليه، اقتداء بأزواج النبي ﷺ ونساء السلف كما ذكره أحمد، ولأن المسجد يحضره الرجال.

стр. 2102

والأفضل للنساء أن لا يرينَ الرجالَ ولا يراهم الرجالُ. ويُضْرَب الخباء في موضع لا يصلي فيه الرجال؛ لئلا تقطعَ صفوفَهم وتضيّق عليهم. ولا بأس أن يستتر الرجلُ أيضًا، بل هو أفضل. فإن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الصبحَ، ثم دخل معتكَفَه، وإنه أمر بخباء فضُرِب» (١). وفي لفظ للبخاري (٢): «كان رسول الله ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنتُ أضربُ له خباءً، فيصلي الصبحَ ثم يدخله». وعن أبي سعيد: «أن رسول الله ﷺ اعتكف العشر الأُوَل من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قُبّة تركيّة على سُدَّتها حصير». قال: «فأخذ الحصير بيده، فنحاها في ناحية القبة، ثم أطْلَع رأسَه فكلّم الناسَ، فدنوا منه» رواه مسلم (٣) بهذا اللفظ، وهو في «الصحيحين» (٤). وقد تقدم في الصلاة (٥): أنه اتخذ حُجْرة من حصير في رمضان، فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناسٌ. وينبغي أن يكون استتار المعتكف مستحبًّا، اقتداء بالنبي ﷺ وليجتمع (٦) له فضلُ الصلاة في المسجد، وفضلُ إخفاء العمل، وليجتمع

стр. 2103

عليه قلبُه بذلك، فلا يشتغل برؤية الناس وسماع كلامهم، ولينقطع الناسُ عنه فلا يجالسونه ويخاطبونه. الفصل الخامس (١) أن الاعتكاف في المسجد الجامع الذي تُقام فيه الجمعة والجماعة أفضل؛ لأنه إذا اعتكف في غيره لم يَجُز له ترك الجمعة، فيجب عليه الخروج من معتكفه، وقد كان يمكنه الاحتراز عن هذا الخروج بالاعتكاف في المسجد الأعظم، وهذا إنما يكون في اعتكاف تتخلّله جمعة. فأما إن لم تتخلله جمعة ... (٢) فإن (٣) اعتكفَ في غير مسجد الجمعة، وخرج للجمعة، جاز؛ لما تقدم من الحديث المرفوع وأقاويل الصحابة: أن الاعتكاف في كلِّ مسجد تُقام فيه الجماعة، لاسيما والاعتكاف الغالب إنما يكون في العشر الأواخر من رمضان، ولابدَّ أن يكون فيها جمعة. وقد رُوي ذلك صريحًا عن عليٍّ ﵁ قال: «إذا اعتكفَ الرجلُ فليشهد الجمعةَ، وليحضر الجنازةَ، ولْيَعُدِ المريض، وليأتي أهلَه يأمرهم بحاجته وهو قائم» رواه سعيد (٤).

стр. 2104

ولم يستثنوا ذلك. فأما قول الزهري المتقدِّم، فليس هو متصلًا، وهو من صغار التابعين، ويشبه أن يكون محمولًا على الاستحباب. وأيضًا فإن الخروج للجمعة خروجٌ لحاجة لا تتكرَّر، فلم يقطع الاعتكافَ كالخروج للحيض. وأيضًا فإن مِن أصْلِنا: أن قَطْع التتابع في الصيام والاعتكاف لعذر لا يمنع البناء، وإن أمكن الاحتراز منه، كما يُذكر (١) إن شاء الله تعالى. وأيضًا فإن اعتكاف العشر الأواخر سُنة، وتكليف الناس أن يعتكفوا في المسجد الأعظم فيه مشقَّة عظيمة، وربما لم يتهيّأ ذلك لكثير من الناس، فعُفِي عن الخروج للجمعة كما عُفي عن الخروج لحاجة الإنسان. وأيضًا فإنّ مِنْ أصْلِنا: أنه يجوز له اشتراط الخروج لما له منه بُدّ، فالخروجُ الذي يقع مستثنًى بالشرع أولى وأحرى، سواء كان الاعتكاف واجبًا أو (٢) تطوُّعًا، وسواء كان نذرًا متتابعًا أو نذرًا مطلقًا، وسواء كان الاعتكاف قليلًا يمكن فعله في غير يوم (٣) الجمعة أو لابد مِن تخلّل الجمعة له.

стр. 2105

وركن الاعتكاف شيئان: أحدهما: لزوم المسجد، فلو خرج منه لغير حاجة، بطل اعتكافُه، كما نبين إن شاء الله تعالى. الثاني: النية، فلا يصحّ الاعتكاف حتى يقصد [ق ١١٤] لزومَ المسجد لعبادة الله، فلو لزم المسجدَ من غير قصدٍ، لم يكن معتكفًا، ولو قصدَ القعودَ فيه لعبادة يعملها (١)، كصلاة مكتوبة أو تعلُّم عِلْم أو تعليمه. وإذا (٢) قطع النية بأن نوى ترك الاعتكاف، بطل في قياس قول أصحابنا، كما قلنا في الصوم والصلاة والطواف ونحوها (٣). ويتخرَّج على قول ابن حامد ... (٤) فأما الصوم (٥)، فإن السنة للمعتكف أن يكون صائمًا؛ لأن الله سبحانه ذكر آية الاعتكاف في ضمن آية الصوم، ولأن النبيَّ ﷺ فسَّرَ الاعتكافَ بفعله، وإنما كان (٦) يعتكفُ في شهر رمضان وهو صائم. وقد أجمعَ الناسُ على استحباب الصوم للمعتكف، ولأن الصومَ أعْوَنُ
следующие страницы →