← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وفي رواية لمسلم (١): «لا تختصُّوا ليلةَ الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصّوا يومَ الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صومٍ يصومه أحدُكم». وفي رواية لأحمد (٢): «يومُ الجمعة يومُ عيدٍ، ولا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده». وقد تقدَّم عنه ﷺ أنه دخل على جُويرية يوم جمعة (٣) وهي صائمة، فقال لها: «أصُمْتِ أمس؟» قالت: لا. قال: «تصومين (٤) غدًا» قالت: لا. قال: «فأفْطِري». وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تصوموا يومَ الجمعة وحدَه» رواه أحمد (٥). واحتجَّ به في رواية حنبل، فقال: عن (٦) عكرمة، عن ابن عباس قال (٧): قال

стр. 2032

رسول الله ﷺ : «لا تصوموا يومَ الجمعةِ وحدَه». قال أبو عبد الله: ولا أحبُّ لرجل أن (١) يتعمّد صيامه، فإن وافق نذرًا صامه؛ لأن هذا أسهل من العيدين، ولا يخصّه رجل بصيام. فأما يوم الفطر ويوم النحر فهما مخصوصان بالنهي من رسول الله ﷺ ، ولا نعلم أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ رخَّص في صومهما، وقد استثنى في يوم الجمعة، فقال: «إلا رجل كان يصوم صومًا فليصُمْه». فأما إن لم يقصده بعينه، بل صام قبله يومًا أو بعده يومًا، أو كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، فإنه يصوم يومَ الجمعة دون ما قبله وما بعده، لكن في جُمْلةِ أيام. أو أراد أن يصومَ يومَ عرفة أو يوم (٢) عاشوراء، فكان يوم جمعة، ونحو ذلك= لم يكره، فإن النهي إنما هو عن تعمّده بعينه، كما قال في رواية حنبل. وقال في رواية الأثرم، وقد سُئل عن صيام يوم الجمعة، فذكر حديثَ النهي أن يُفْرَد، ثم قال: إلا أن يكون في صيامٍ كان يصومه، فأما أن يُفْرَد فلا. فقيل له: فإن كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، فوقع فطره يوم الخميس وصومه يوم الجمعة وفطره يوم (٣) السبت، فصام الجمعةَ مُفْردًا؟ فقال: هذا الآن لم يتعمّد صومَه خاصة، وإنما كُرِه أن يتعمّد، وهذا لم يتعمّد.

стр. 2033

وقال أيضًا في رواية [ابن] إبراهيم (١)، وقد سأله عن صوم يوم (٢) الجمعة، وهو يوم عرفة، ولا يتقدَّمه بيوم ولا يومين؟ فقال: لا يبالي، إنما أراد يوم عرفة، وإنما نُهِي عن صوم عرفة بعرفات. وهذا لما تقدَّم عن النبي ﷺ أنه أَذِنَ في صومه إذا صام قبله أو بعده. ولأنه جعل أفضل الصيام صيام داود، ومعلومٌ أن من صام يومًا وأفطر يومًا، صام يوم الجمعة، وكذلك مَن صام يومين وأفطر يومًا، أو من صام يومًا وأفطر يومين. وقد تقدَّم عن ابن مسعود ﵁: «أن النبيّ ﷺ قلّما كان يُفطِر يوم الجمعة (٣)». لأنه كان يصوم الخميس فَيَصِلُه بالجمعة. [ق ١٠٠] ولا يُكْرَه صومه وحدَه عن فرضٍ من قضاءٍ أو نذرٍ ونحو ذلك. قاله القاضي. فأما صومه (٤) بعينه، فينبغي أن يكون مكروهًا ... (٥) فإن صام معه (٦) يومًا من أيام الأسبوع، لا يليه، مثل الاثنين والأحد ونحو ذلك ... (٧)

стр. 2034

فصل (١) ويُكره إفراد يوم السبت بالصيام عند أكثر (٢) أصحابنا. قال الأثرم: قال أبو عبد الله: أما صيام يوم السبت ينفرد به، فقد جاء فيه حديث الصمَّاء، وكان يحيى بن سعيد يتقيه، وأبى أن يحدِّثني به، وسمعتُه من أبي عاصم. وقال في رواية الأثرم، وقد سأله عن صيام يوم السبت بغير فرض؟ فقال: قد جاء فيه الحديث: «لا تصوموا يومَ السبت إلا فيما افْتُرِض عليكم». وعنه ما يدلّ على أنه لا يكره؛ قال في رواية الأثرم: قد جاء في صيام يوم السبت ذاك الحديثُ مفرد، حديث الصمَّاء عن النبي ﷺ ، وكان يحيى يتَّقيه. وهذا يدلّ على توقفه عن الأخذ به؛ لأن ظاهر الحديث خلاف الإجماع. ولذلك قال الأثرم في «مختلف الحديث» (٣): جاء هذا الحديث ثم خالفَتْه الأحاديثُ كلُّها، وذكر الأحاديثَ في صوم المحرَّمِ وشعبان، وفيهما السبت، والأحاديث في إتباع رمضان بستٍّ من شوال، وقد يكون فيها السبت، وأشياء كثيرة توافق هذه الأحاديث.

стр. 2035

وقد رُوي عن السلف أنهم أنكروه؛ فروى أبو داود عن ابن شهاب: أنه كان إذا ذُكر له أنه نُهِي عن صيام يوم السبت، يقول ابن شهاب: هذا حديث حمصيّ. وعن الأوزاعي، قال: ما زلتُ له كاتمًا حتى رأيته انتشر ــ يعني: حديث ابن بسر (١) في صوم يوم السبت ــ. قال أبو داود: قال مالك: هذا كذب (٢). وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ. ووجه الأول: ما روى ثورُ بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان، عن عبد الله بن بُسْر السُّلَمي، عن أخته الصمّاء: أن النبي ﷺ قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افتُرِض عليكم، وإن لم يجد أحدُكم إلا لحاء عنب أو عود شجرة (وفي لفظ: إلا عودَ عنب أو لحاء شجرة) فَلْيَمُصّه (٣)» رواه الخمسة (٤)، وقال الترمذي: حديث حسن.

стр. 2036

وقد رواه أحمد والنسائي من وجوه أخرى عن خالد، عن (١) عبد الله بن بُسْر (٢). ورواه أيضًا عن الصمَّاء، عن عائشة (٣). وإسناده إسناد جيد. وقول أبي داود: «هو منسوخ»، يدلّ على جودة إسناده. ورواه أحمد من حديث ابن لهيعة (٤)، قال: ثنا (٥) موسى بن وردان، عن عبيد الأعرج قال: حدثتني جَدّتي (٦) أنها دخلَتْ على رسول الله ﷺ يوم السبت وهو يتغدَّى، فقال: «تعالَي فكُلِي». فقالت: إني صائمة، فقال لها: «أصُمْتِ أمس؟» قالت: لا. قال: «كلي؛ فإن صيام يوم السبت لا لَكِ ولا عليكِ». وإنما حُمِل على الإفراد؛ لأن في حديث جُويرية وغيره: «أصُمْتِ أمس؟». قالت: لا. قال: «أفتصومين غدًا؟» قالت: لا. فعُلِمَ أن صومه مع الجمعة لا بأس به. وكذلك إذنه في صوم يوم وفِطره يوم (٧) مطلقًا، وصوم يومين وفطر

стр. 2037

يوم، وصوم يوم وفطر يومين (١)، وصوم أيام البِيض، مع العلم بأن هذا لابدَّ فيه من صوم يوم السبت كغيره (٢) من الأيام ... (٣) ولأنه يومُ عيدٍ لأهل الكتاب يعظّمونه (٤)، فقصده بالصوم دون غيره يكون تعظيمًا له، فكُرِه ذلك؛ كما كُره إفراد عاشوراء بالتعظيم لمَّا عظَّمه أهلُ الكتاب، وإفراد رجب أيضًا لمّا عظمه المشركون، مع أن يوم عاشوراء ... فإن قيل: إنما يعظمونه بالفطر، ثم هذا منتَقِضٌ بيوم الأحد ... وعلَّله ابنُ عقيل بأنه يوم يمسك فيه اليهودَ، ويخصّونه بالإمساك، وهو ترك العمل فيه، والصائم في مظنة ترك العمل، فصار صومه تشبُّهًا (٥) بهم. وعن كُريب: أنه سمع أمَّ سَلَمة قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم يوم السبت والأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: «إنهما يوما عيدٍ للمشركين، فأنا أحبُّ أن أخالفهم» رواه أحمد والنسائي (٦).

стр. 2038

وروى النسائي (١) عن عائشة وأم سلمة ﵄ ... فصل (٢) قال أصحابنا: ويُكره إفراد يوم النيروز ويوم (٣) المهرجان . وقد أومأ أحمدُ إلى ذلك فقال في رواية عبد الله (٤): وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن أنس والحسن: كَرِها صومَ يوم النيروز والمهرجان (٥). قال أبي: أبان بن أبي عياش، يعني: الرجل (٦). قال بعضهم (٧): وعلى قياس هذا كلُّ عيدٍ للكفار أو يوم يفردونه بالتعظيم.

стр. 2039

مسألة (١): (وليلةُ القَدْرِ في الوِتْر من (٢) العشر الأواخر من رمضان) . الأصل في هذه الليلة قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ... ﴾ السورة إلى آخرها، وقوله سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٣) [البقرة: ١٨٥]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣]. قال ابن أبي (٤) نَجِيح، عن مجاهد: «بلغني أنه كان في بني إسرائيل رجلٌ لبس السلاحَ في سبيل الله ألْفَ شهر فلم يضعه عنه. فذكر ذلك رسولُ (٥) الله ﷺ لأصحابه، فعجبوا من قوّته (٦)، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]، يقول الله تعالى: ليلة القدر [ق ١٠١] خيرٌ لكم من تلك الألف شهر التي لبس ذلك الرجل فيها السلاحَ في سبيل الله فلم يضعه عنه (٧)» رواه آدمُ بن أبي إياس، عن الزنجي، عنه (٨).

стр. 2040

وذكر مالك في «الموطأ» (١): أنه سمع مَن يثق به يقول: «إن رسول الله ﷺ أُرِي (٢) أعمارَ الناس قبله أو ما شاء الله ذلك، فكأنه تقاصرَ أعمارَ أمَّته، لا يبلغون من العمل الذي بلغ غيرُهم في طول العمر، فأعطاهم الله ليلةَ القدر خيرٌ من ألف شهر». وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «مَن قامَ ليلةَ القَدْر إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه» رواه الجماعة إلا ابن ماجه (٣). وهي باقية في رمضان إلى يوم القيامة في العشر الأواخر منه. قال أبو عبد الله في رواية حنبل: ليلة القَدْر في العشر الأواخر من رمضان، وحديث ابن عمر هو أصحها، والرواية في ليلة القدر صحيحة: أنها في كل سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر. واخْتُلف في ذلك، قالوا: عن النبي ﷺ في سبعٍ بقين، وقالوا: في ثلاثٍ بقين (٤)، فهي

стр. 2041

في العشر، في وتر من الليالي، لا يخطئ ذلك إن شاء الله تعالى، كذا رُوي عن النبي ﷺ : «اطلبوها في العشر الأواخر لثلاثٍ بقين أو سبعٍ بقين أو تسعٍ تبقى» (١) فهي في العشر الأواخر. وقال في رواية أبي داود (٢): الثَّبْت عن رسول الله ﷺ في العشر الأواخر، يعني: ليلة القدر. وقال القاضي في «المجرَّد»: وفيها ــ يعني (٣): العشر الأواخر من رمضان ــ يجوز أن تُطْلَب في كلِّ وترٍ منه، ولكن لثلاثٍ بقين وسبعٍ بقين وتسعٍ بقين أشدّ استحبابًا. والظاهر أنها إحدى هذه الثلاث ليالي (٤)، وذلك لِما رُوي عن ابن عباس ﵄ أنّ النبي ﷺ قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان: ليلة القَدْر في تاسعةٍ تَبْقى، في سابعةٍ تَبْقى (٥)، في خامسةٍ تَبْقى» رواه أحمد والبخاري وأبو داود (٦). وفي رواية للبخاري (٧)، قال رسول الله ﷺ : «هي في العشر: هي في تسعٍ يمضين، أو في سبعٍ يبقَيْن» يعني: ليلة القدر. قال البخاري (٨): قال عبد الوهاب، عن أيوب. وعن خالد، عن عكرمة،

стр. 2042

عن ابن عباس: «التمسوا (١) في أربع وعشرين» ... (٢) وعن ابن عمر: أن رجالًا من أصحاب النبيّ ﷺ أُرُوا ليلةَ القَدْر في المنام في السبع الأواخر (٣)، فقال رسول الله ﷺ : «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحرِّيَها فليتحَرَّها في السبع الأواخر» متفق عليه (٤). وفي رواية في «الصحيح» (٥) عن ابن عمر قال: كانوا لا يزالون يقصُّون على النبيِّ ﷺ الرؤيا أنها في الليلة السابعة من العشر الأواخر ــ يعني: ليلة القدر ــ، فقال النبي ﷺ : «أرى رؤياكم قد تواطأَتْ في العشر الأواخر، فمن كان متحرِّيَها فليتحَرَّها في العشر الأواخر» (٦). وفي روايةٍ لأحمد ومسلم (٧) قال: أُري رجلٌ أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين، فقال رسول الله ﷺ : «أرى رؤياكم في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها».

стр. 2043

وفي رواية شعبة، عن حَكيم بن سُحَيم، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ كان ملتمسًا فليلتمسها في العشر الأواخر» (١). وفي رواية مَعْمر، عن الزّهري، عن سالم، عن ابن عمر: أن النبيَّ ﷺ قال: «التمسوا ليلةَ القَدْر في العشر الغوابر، في التسع الغوابر» (٢). وفي رواية شعبة، عن عُقْبة بن حُرَيث (٣)، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كان ملتمسًا (٤)، فليَلْتَمِسها في العشر الأواخر، فإن عَجَز أو ضعف، فلا يُغلبْ على السبع البواقي» (٥). وفي رواية شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر (٦) قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن كان متحرِّيَها فليتحَرَّها ليلةَ سبعٍ وعشرين». وقال عروة: «ليلة سبع وعشرين». رواهن أحمد (٧). ورواه (٨) حنبل، عن عارم، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كانوا لا يزالون يقصّون على النبي ﷺ الرؤيا أنها في (٩) ليلة

стр. 2044

السابعة من العشر الأواخر، فقال النبي ﷺ : «أرى رؤياكم قد تواطأت أنها ليلة السابعة في العشر الأواخر، فمَنْ كان متحرِّيَها فليتحَرَّها ليلة السابعة في (١) العشر الأواخر» (٢). ورواه (٣) معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت في المنام (٤) ليلة القدر، كأنها ليلة سابعة. فقال النبي ﷺ : «إني أرى رؤياكم قد تواطأت ــ يعني: ليلة سابعة ــ، فمن كان منكم (٥) متحرِّيَها فليتحَرَّها ليلة سابعة». قال معمر: فكان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمسّ طيبًا (٦). وفي رواية من هذا الوجه (٧): «إني رأيتُ (٨) رؤياكم قد تواطأت على ثلاث وعشرين، فمن كان منكم يريد أن يقوم من الشهر، فليقم ليلةَ ثلاثٍ وعشرين». وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يجاور في العشر

стр. 2045

الأواخر من رمضان، ويقول: «تحرَّوا (١) ليلةَ القَدْر في العشر الأواخر من رمضان» متفق عليه (٢). وفي روايةٍ للبخاري (٣): أن رسول الله ﷺ قال: «تحرَّوا ليلةَ القَدْر [ق ١٠٢] في الوتر من العشر الأواخر من رمضان». وعن أبي سلمة، عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ اعتكف العشرَ الأُوَل (٤) من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط، في قُبّة تركيّة على سُدّتها حصير، فأخذ الحصيرَ بيده، فنحّاها في ناحية القبلة، ثم أطلع رأسه، فكلّم الناسَ، فدنَوا منه، فقال: «إني اعتكفتُ العشر الأُوَل ألتمس هذه الليلة، ثم إني اعتكفتُ العشرَ الأوسط، ثم أتيت فقيل: إنها في العشر الأواخر، فمن أحبَّ منكم أن يعتكف فليعتكف» فاعتكف الناس معه. قال: «وإني رأيتها (٥) ليلة وِتْر، وأني أسجد في صبيحتها في طينٍ وماء». فأصبح من ليلة إحدى وعشرين، وقد قام إلى الصبح، فمُطِرَت السماءُ، فوكف المسجدُ، فأبصرتُ الطينَ والماءَ، فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينُه وروثةُ أنفه فيها الطين والماء، وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر» رواه الجماعة إلا الترمذي (٦)، وهذا لفظ مسلم وغيره (٧).

стр. 2046

وفي رواية متفق عليها (١): «فابتغوها في العشر الأواخر، وابتغوها في كلِّ وِتْر». وعن أبي نضرة (٢)، عن أبي سعيد، قال: اعتكفَ رسولُ الله ﷺ العشرَ الأوسطَ من رمضان يلتمسُ ليلةَ القدر قبل أن تُبان له، فلما انقضينَ، أمر بالبناء فقُوِّض، ثم أُبينت له أنها في العشر الأواخر، فأمر بالبناء فأُعيد، ثم خرج على الناس فقال: «يا أيها الناس، إنها كانت أُبينت لي ليلةَ القدر، وإني خرجتُ لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتقَّان، معهما الشيطان، فنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة». قال: قلت: يا أبا سعيد، إنكم بالعدد أعلم منا. قال: أجل، نحن أحقّ بذلك منكم. قال: قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟ قال: إذا مضت واحدةٌ وعشرون، فالتي تليها اثنتان وعشرون، فهي التاسعة، وإذا مضى (٣) ثلاث وعشرون، فالتي تليها السابعة، وإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة. رواه مسلم وأبو داود (٤) والنسائي (٥).

стр. 2047

وعن أنس، عن عُبادة بن الصامت ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال النبي ﷺ : «إني خرجت لأخبركم بليلة القَدْر فتلاحَى (١) فلانٌ وفلانٌ، فرُفِعَتْ، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» رواه أحمد والبخاري والنسائي (٢). وفي رواية أحمد (٣) عن عُبادة قال: أخبرنا رسول الله ﷺ عن ليلة (٤) القدر، فقال: «هي في شهر رمضان، فالتمسوها في العشر الأواخر، فإنها وتر، ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، أو آخر ليلة من رمضان، مَن قامها احتسابًا غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه». وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «أُرِيْتُ ليلةَ القَدْر، ثم أيقظني بعضُ أهلي فنسيتُها، فالتمسوها في العشر الغوابر» رواه النسائي (٥) من حديث يونس وشُعَيب، عن الزهري، عن أبي سلمة عنه. وعن الصُّنابحي في ليلة القدر، قال: «أخبرني مؤذِّن النبيِّ ﷺ أنها في

стр. 2048

السَّبْعِ في العَشْر الأواخر» رواه البخاري (١). وفي روايةٍ عن الصُّنابحيّ، عن بلال قال: قال رسول الله ﷺ : «ليلةُ القدر ليلةُ السابع وعشرين» رواه علي بن حرب (٢). وعن جابر بن سَمُرة: أن النبي ﷺ قال: «التمسوا ليلةَ القَدْر في العشر الأواخر» رواه أحمد (٣). وعن ابن عباس قال: قال عمر: قال رسول الله ﷺ : «من كان منكم ملتمسًا ليلة القدر فليلتمسها في العشر الأواخر وترًا» رواه أحمد (٤). وعن أبي بكرة قال: ما أنا بملتمسها لشيء سمعتُه من رسول الله ﷺ إلا في العشر الأواخر، فإني سمعته يقول: «التمسوها في تسعٍ بقين، أو سبعٍ بقين، أو خمسٍ بقين، أو ثلاثٍ بقين (٥)، أو آخر ليلة» قال: فكان أبو بكرة يصلي من العشرين من رمضان كصلاته في سائر السنة، فإذا دخل العشر، اجتهد. رواه أحمد والنسائي والترمذي (٦)، وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 2049

وأيضًا، فإنه ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر ويجتهد في العبادة فيه ما لا يجتهد في سائر الشهر، ويشدّ المِئْزر، ويعتزل أهلَه (١)، ويوقظهم فيه، وهذا كله يقتضي اختصاصه بما لا يَشْرَكه فيه سائر ليالي الشهر، وأنه أفضل الأعشار، فلا يجوز أن تكون ليلة القدر في غيره (٢)، لأن عَشْرها أفضلُ الأعشار. فهذه النصوص من النبي ﷺ تُبيِّن أنها في العشر الأواخر، وأن السبع الأواخر أرْجَى هذه (٣) العشر، وأن أرجاها ليالي الوتر. ثم الوتر باعتبار ما بقي لا باعتبار ما مضى. وكذلك ذكره أحمد. وفي بعضها: أنه باعتبار (٤) ما مضى. فإذا كان باعتبار ما مضى، فليالي الوتر إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين [ق ١٠٣] وتسع وعشرين. وإن كان باعتبار ما بقي، وكان الشهر ثلاثين، فتاسعة تبقى ليلة اثنتين وعشرين، وسابعة تبقى ليلة أربع وعشرين، وخامسة تبقى ليلة ست وعشرين، وثالثة تبقى ليلة ثمان وعشرين، وواحدة تبقى آخر ليلة. وهكذا في حديث أبي بكرة المرفوع، وتفسير أبي سعيد.

стр. 2050

وإن كان الشهر تسعًا وعشرين، فـ «تاسعة تبقى» ليلة إحدى وعشرين. ويستوي على هذا التقدير الوتر باعتبار ما مضى وما بقي. وقد يكون قوله: «لثلاثٍ بَقين أو خمسٍ بَقين أو سبعٍ بَقين» يعني: من الليالي التوامّ (١) الكوامل. فإذا كان الشهر تامًّا أيضًا، كان الأوتار مما مضى هي الأوتار مما بقي، فليلةُ إحدى وعشرين قد بقي تسعٌ كوامل. فإن قيل: قد رُوي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ : «اطلبوها ليلةَ سبعَ عَشْرةَ (٢) من رمضان، وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين» ثم سكت. رواه أبو داود (٣). وروى عبد الرزاق عن عليّ نحوَه (٤). وروى سعيدٌ عن [أنس] (٥) نحوَه.

стр. 2051

وعن موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، عن عبد الله بن عمر قال: سُئل رسول الله ﷺ وأنا أسمع عن ليلة القدر؟ فقال: «هي في كلِّ رمضان» رواه أبو داود (١) وقال: رواه (٢) سفيان وشعبة، عن أبي إسحاق موقوفًا على ابن عمر لم يرفعاه إلى النبي ﷺ . وعن أبي العالية: أن أعرابيًّا أتى النبيَّ ﷺ وهو يصلي، فقال له: متى ليلة القدر؟ فقال: «اطلبوها في أول ليلة (٣)، وآخر ليلة، والوتر من الليالي». رواه أبو داود في «مراسيله» (٤). قيل: أما حديث عبد الله وأبي العالية إن صح، فإنه ــ والله أعلم ــ كان قبل أن يَعْلم النبيُّ ﷺ أنها في العشر الأواخر، كما فسره أبو سعيد، فإنه أخبر أن النبيَّ ﷺ كان يتحرَّاها في العشر الأوسط، ثم أُعْلِمَ أنها في الأواخر، وأمر أصحابه بتحرِّيها في العشر البواقي. وكذلك [حديث] ابن عمر وغيره يدلُّ على أن العلم بتعيينها (٥) في العشر الأواخر كان متجدِّدًا، فإذا وقع التردُّدُ بين الأوسط والآخر، علم أن الشكّ قبل العلم.

стр. 2052

وأما حديث ابن عمر فمعناه ــ والله أعلم ــ أنها في جميع الرمضانات (١) لا تختص ببعض الرمضانات الموجودة على عهد الأنبياء ﵈، فإن ابن عمر قد صحَّ عنه أنه أخْبَر عن النبي ﷺ بالتماسها في العشر الأواخر. وذلك أن بعض الناس توهَّم أنها رُفِعَت لقول النبيِّ ﷺ : «فتلاحَى فلانٌ وفُلان فرُفِعَتْ» وإنما رُفع عِلْمُها ومعرفتُها في ذلك العام؛ لأنه خرج ليخبرهم بها، فأُنْسِيَها. ومن هذا الباب رفع القرآن ونحوه. ويدلُّ على ذلك قوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقوله: «وعسى أن يكون خيرًا» (٢). وارتفاعُ بركة ليلة القدر لا خيرَ فيه للأمة، بخلاف نسيانها، فإنه قد يكون فيه خير للاجتهاد في العشر كلِّه. وقوله بعد ذلك: «فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» ولولا أنها موجودة بعد هذا الرفع لم تُلْتَمَس. فقد روى عبد الرزاق (٣)، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد: أن رسول الله ﷺ سئل عن ليلة القدر، فقيل له: قد كانت [مع النبيين] (٤) ثم رُفِعت حين

стр. 2053

قُبِضوا أو في كلّ سنة؟ قال: «بل هي (١) في كلّ سَنة». وعن ابن عباس قال: «ليلة القدر في كلِّ رمضان يأتي» (٢). وإجماعُ الصحابة على طلبها والتماسها بعد موت النبي ﷺ دليلٌ قاطع على ذلك. قال كثير من أصحابنا: تُلْتَمس في جميع العشر، وآكده ليالي الوتر، وآكده ليلة سبع وعشرين، لأن أحمد ﵁ قال: أصحُّها حديث ابن عمر، وفي حديث ابن عمر أنها ليلة سبعٍ وعشرين. وهو قول القاضي في «الخلاف» وعامةِ أصحابه. وقال القاضي في «المجرَّد»: أوكد ليالي الوتر لثلاث بقين وسبع بقين وتسع بقين. والظاهر أنها إحدى هذه الليالي الثلاث. وعن قَتادة: أنه سمع مطرِّفًا، عن معاوية بن أبي سفيان، عن النبي ﷺ في ليلة القدر، قال: «ليلة سبع وعشرين» رواه أبو داود (٣).

стр. 2054

وعن ابن عباس أن رجلًا أتى نبيَّ الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني شيخ كبير عليل، يشقُّ عليَّ القيام، فأمُرْني بليلةٍ، لعل الله يوفقني بها لليلة (١) القدر. قال: «عليك بالسابعة» رواه أحمد (٢). وعن أبي عقرب الأسدي، قال: «أتيتُ عبدَ الله بن مسعود، فوجدته على إنجار (٣) له ــ يعني: سطحًا ــ فسمعته يقول: صدق الله ورسوله، صدق الله ورسوله (٤)، فصعدتُ إليه، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، ما لَكَ قلتَ: صدق الله ورسوله، صدق الله ورسوله؟ قال: إن رسول الله ﷺ نبأنا أن ليلة القدر في النصف من السبع الأواخر، وأن الشمس تطلع صبيحتَها ليس لها شعاع. قال: فصعدتُ، فنظرتُ إليها، فقلت: صدق الله ورسوله، صدق الله ورسوله» رواه أحمد وسعيد (٥). وعن ابن مسعود ﵁ أن رجلًا أتى النبيَّ ﷺ فقال: متى ليلة القدر؟

стр. 2055

قال: «مَنْ يذكر منكم ليلة الصهباوات؟» [ق ١٠٤] قال عبد الله: أنا (١)، بأبي أنت وأمي. وإن في يدي لتَمَرات أتسحّرُ بهنّ مستترًا بمؤخِّرة رحلي من الفجر، وذلك حين طلع القمر (٢). رواه أحمد (٣). وعن زِرِّ بن حُبَيش قال: «سمعت أُبيَّ بن كعب يقول: وقيل له: إن عبد الله بن مسعود يقول: مَن قام السَّنَة أصابَ ليلةَ القدر. فقال أُبيُّ بن كعب: والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان (يحلف ما يستثني)، ووالله إني لأعلم أيّ ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا (٤) رسولُ الله ﷺ بقيامها ليلة سبع وعشرين، وأمارتها أن (٥) تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها». وفي رواية: «سألت أُبيَّ بن كعب، فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: مَن يَقُمِ الحولَ، يُصِبْ ليلةَ القدر. فقال: ﵀، أراد ألا يتَّكِل (٦) الناسُ، أما إنه قد عَلِم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر. ثم حلف لا يستثني: إنها ليلة سبع وعشرين. فقلت: بأيّ شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة (أو:

стр. 2056

بالآية) التي أخْبَرَنا رسولُ الله ﷺ : أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها» رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه (١)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي رواية (٢): قلتُ: وما تلك الآية؟ قال: أن تصبحَ الشمسُ يومئذٍ بيضاء لا شعاع لها حتى ترتفع كأنها الطّسْت. وعن النعمان بن بشير ﵁، قال: «قمنا مع رسول الله ﷺ ليلةَ ثلاثٍ وعشرين إلى ثلث الليل الأوَّل، ثم قمنا معه ليلةَ خمسٍ وعشرين إلى نصف الليل، ثم قام بنا ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندركَ الفلاحَ، وكنا ندعو السَّحَرَ (٣): الفلاحَ، فأما نحن، فنقول: ليلةُ السابعة ليلةُ سبع وعشرين، وأنتم تقولون: ليلة ثلاث وعشرين السابعة، فمن أصوب؟ نحن أو أنتم» رواه أحمد والنسائي (٤). ويلي هذه الليلة سابعةٌ تبقى، كما ذكره الإمام أحمد. قالوا عن النبي ﷺ : «في سبعٍ بَقِين»، وقالوا: «في ثلاثٍ بَقِين»، وهي على هذا التقدير إما ليلة ثلاث وعشرين أو (٥) أربع وعشرين، وهي أول السبع البواقي التي خُصّت في حديث ابن عمر ومؤذّن النبي ﷺ ، وقد جاء

стр. 2057

ذلك منصوصًا في حديث بلال وغيره. وعن الحسن أنه كان يقول: «ليلة سابعة تبقى ليلة أربع وعشرين» (١). وهو كذلك في الحديث المرفوع عن أبي بكرة. وقد تقدم تفسير أبي سعيد: أن ليلةَ «سابعة تبقى» ليلة أربع وعشرين، ثم قد اختصَّها دون سائر الليالي. فرُوِي عن أبي نَضْرة (٢)، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليلةُ القَدْرِ ليلة أربع وعشرين» رواه الطيالسي في «مسنده» (٣) بإسناد جيد. ورواه هُدْبة بن خالد، عن أبي سعيد موقوفًا، قال: «ليلة القدر هي ليلة أربع وعشرين، نحن أعلم بالحساب منكم، هي ليلة أربع وعشرين السابعة، وليلة ثلاث وعشرين لثامنة تبقى» (٤). ويؤيد ذلك أنه قد رُوي أن القرآن نزل فيها. (٥) ومنهم من يفسرها بليلة ثلاث وعشرين، كما تقدم عن أيوب وغيره. عن أبي المَليح، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «أنزل الله صحف إبراهيم ﵇ في أول ليلة من شهر رمضان، وأنزل التوراة على موسى

стр. 2058

لستّ خلون من شهر رمضان (١)، وأنزل الإنجيل على عيسى ﵇ في ثمان عشرة ليلة من شهر رمضان، وأنزل القرآن على محمد ﷺ لأربع وعشرين خَلَت من شهر رمضان». رواه هشام بن عمَّار وأبو حفص بن شاهين (٢)، عن عليّ بن عاصم، عن عبد الله بن سعيد بن يحيى، عن عبيد الله (٣) بن أبي حميد، عنه. ورواه أبو حفص بن شاهين عن واثلة بن الأسقع مرفوعًا (٤). وعن إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن دينار، قوله (٥). وقد تفسر بـ «ليلة ثلاث وعشرين»، كما تقدم عن أيوب. وذلك لِما روى بشر بن سعيد، عن عبد الله بن أُنَيس الجهني: أن

стр. 2059

رسول الله ﷺ قال: «أُرِيتُ ليلةَ القَدْر ثم أُنْسِيتها، وأراني صبيحتها أسجد في ماءٍ وطين» قال: فمُطِرْنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله ﷺ ، فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه. وكان عبد الله بن أُنَيس يقول: ثلاث وعشرين. رواه أحمد ومسلم (١). وعن محمد بن إبراهيم، عن [ابن] (٢) عبد الله بن أُنَيس، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، إن لي باديةً أكون فيها، وأنا أصلي فيها بحمد الله، فمُرْني بليلة أنزلها (٣) إلى هذا المسجد. فقال: «انزل ليلةَ ثلاثٍ وعشرين». فقيل لابنه: كيف كان أبوك يصنع؟ قال: كان يدخل المسجد إذا صلى العصر، فلا يخرج منه لحاجة حتى يصلي الصبح، فإذا صلى الصبحَ وجَدَ دابته على باب المسجد، فجلس عليها فلحق بباديته، رواه ... أبو داود (٤). وعن الزهريّ (٥)، عن ضَمْرة بن عبد الله بن أُنَيس، عن أبيه، [قال: كنت في مجلس بني سلمة، وأنا أصغرهم] (٦)، فقالوا: من يسألْ لنا رسولَ الله ﷺ

стр. 2060

عن ليلة القدر؟ وذلك صبيحة إحدى وعشرين من رمضان، فخرجتُ، فوافيتُ مع رسول الله [ق ١٠٥] ﷺ صلاة المغرب، ثم قمت بباب بيته، فمرَّ بي، فقال: «ادخل». فدخلتُ، فأُتِيَ بعشائه، فرأَيتُني أكفُّ عنه من قِلَّته، فلما فرغ، قال: «نَاوِلْنيِ نَعْلي» فقام وقمتُ معه، فقال: «كأنَّ لكَ حاجة». قلت: أجل. أرسلَنِي إليكَ رهطُ بني (١) سَلِمة يسألونك عن ليلةِ القدر؟ فقال: «كم الليلة؟» فقلت (٢): اثنان وعشرون. قال: «هي الليلة». ثم رجع فقال: «أو القابلة» يريد: ليلة ثلاثٍ وعشرين. رواه أبو داود والنسائي (٣). وعن معاذ بن عبد الله بن خبيب (٤)، قال: قالوا لعبد الله بن أُنَيس الجهني: يا أبا يحيى، حدِّثنا كيف سمعت رسول الله ﷺ ذكر في (٥) ليلة القدر المباركة؟ فقال: جاء رسول الله ﷺ ونحن في مسجد جهينة، فقلنا: يا رسول الله، متى نلتمس هذه الليلة (٦) المباركة؟ فقال ﷺ : «(٧) التمسوها هذه (٨) الليلة» فقال رجل: يا رسول الله، لثامنة تبقى؟ فقال: «ولكن لسابعةٍ

стр. 2061

تَبْقى، إن الشهر لا يتمّ» (١). رواه هُدْبة بن خالد وحسن والليث. وعن ابن عباس قال: «أُتِيتُ وأنا نائم في رمضان، فقيل لي: إن الليلة ليلة القدر. فقمت وأنا ناعس، فتعلَّقْتُ ببعض أطناب رسول الله ﷺ فأتيتُ رسولَ الله ﷺ (٢) وهو يصلي». فقال ابن عباس: «فنظرتُ في الليلة، فإذا هي ليلة ثلاث وعشرين». قال: فقال ابن عباس: «إن الشيطان يطلع مع الشمس كلّ يوم إلا ليلة القدر، فإنها تطلع يومئذ لا شعاع لها» رواه سعيد (٣). والذي يُبيِّن أن السابعة أرجى الليالي، وأنها سابعة تمضي أو تبقى: ما رواه أحمد (٤)، ثنا (٥) عبد الرزاق، ثنا معمر، عن قتادة وعاصم، أنهما سمعا عكرمة يقول: قال ابن عباس: «دعا عمرُ أصحابَ رسول الله ﷺ ، فسألهم عن ليلة القَدْر (٦)؟ فأجمعوا أنها في العشر الأواخر، فقلت لعمر ﵁:

стр. 2062

إني لأعلمُ (أو: إني (١) لأظن) أيّ ليلةٍ هي (٢). قال: وأيُّ ليلة هي؟ قال: قلت: سابعةٌ تمضي أو سابعةٌ تبقى من العشر الأواخر. قال: ومن أين تعلم؟ قال: قلت (٣): خلق الله سبع سماوات وسبع أَرَضين وسبعة أيام، وإن الدهرَ يدور في سبع، وخُلِق الإنسانُ ويأكل ويسجد على سبع، والطواف سبع، والجِمار سبع، فقال عمر: لقد فطنت لأمرٍ ما فَطِنّا له». وعن عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن خاله قال: سأل عمرُ بن الخطاب أصحابَ رسول الله ﷺ ، وكان يسألني (٤) معهم، مع الأكابر منهم، ويقول لي: لا تتكلم حتى يتكلموا، فقال: علمتم أن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر: «اطلبوها في العشر الأواخر وترًا» ففي أي الوتر ترون؟ قال: فأكثر القوم في الوتر. فقال: ما لَكَ لا تتكلّم يا ابنَ عباس؟ قال: قلت: إن شئتَ تكلمتُ برأيي. قال: عن رأيك أسألك. قال: قلت (٥): رأيتُ الله تعالى أكثرَ ذِكْرَ السبع في القرآن، فذكر السماوات سبعًا، والأرضين سبعًا، والطواف سبعًا، والجِمار سبعًا، وما شاء الله من (٦) ذلك، [و] خلق الإنسان من سبعة، وجَعَل رزقَه في سبعة. فقال: كلُّ ما ذكرتَ عرفتُ، فما قولك: خَلَق الإنسانَ من سبعة، وجعل رزقه في (٧) سبعة؟ قال قلت (٨): خَلَق الإنسان

стр. 2063

من سلالة من طين، ثم جعله نطفةً في قرار مكين ... إلى قوله: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، ثم قرأ (١): ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَبًّا﴾ [عبس: ٢٥ - ٣١]. والأبُّ: ما أنبتت الأرضُ مما لا يأكله (٢) الناس، فما أراها إلا ليلة ثلاث وعشرين لسبع بقين. قال عمر: غلبتموني، لا (٣) تأتوا بإجابة [كإجابة] هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه» رواه المحاملي (٤). ورواه أحمد في «مسنده» المرفوع عنه (٥)، عن الدَّوْرَقي، عن ابن إدريس، عنه (٦).

стр. 2064

وقد تقدم حديث أبي سعيد في ليلة الحادي والعشرين، ونبه عليه أحمد بقوله: «تسع تبقى». وهذه الأحاديث كلها تقتضي أنها تكون في هذه الليالي كلِّها، وقد كانت في كلِّ (١) عام من الأعوام في إحدى هذه الليالي، فتكون متنقّلة في ليالي (٢) العشر. وحُكي هذا عن أحمدَ نفسِه، وهو مقتضى ما ذكره القاضي وغيره من أصحابنا. ومن أصحابنا من قال: إنها ليلة واحدة في كلِّ سنةٍ لا تتغيَّر، وزعم أنه مقتضى كلام أحمد، وليس بصحيح. وبكلِّ حال، ف لا نجزم لليلةٍ بعينها أنها ليلة القدر على الإطلاق، بل هي مبهمة في العشر ، كما دلت عليه النصوص. وينبني على ذلك: أنه لو نَذَر قيام ليلة القدر لزمه، ولم يجزئه في غيرها، فيلزمه قيام ليالي العشر كلِّها، كمن نَذَر ونسي صلاةً مِن يوم لا يعلم عينها، ولو علَّق عتاقًا أو طلاقًا بليلةِ القدر قبل دخول العشر، حُكِم به إذا انقضى العشر. وإن كان في أثناء العشر، حُكِم به في مثل تلك الليلة من العام المقبل إن قيل: لا تنتقل، وإن قيل: تنتقل، لم يُحْكَم به حتى ينصرم العشر من العام القابل، وهو الصواب. والله أعلم.

стр. 2065

فصل (١) وعلامتها ما تقدم: أن الشمس تطلع يومئذ لا شعاع لها، كأنها الطَّسْت حتى ترتفع، ذُكِر معنى ذلك مرفوعًا في حديث أُبيّ وابن مسعود، وجاء عن ابن عباس أيضًا (٢). وعن [ق ١٠٦] عُبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أمارة ليلة القدر أنها صافية بَلِجة، كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنةً ساجية (٣)، لا برد فيها ولا حرّ، ولا يَحِلّ لكوكب أن يُرمَى به فيها حتى تصبح، وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستويةً ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، لا يَحِلّ للشيطان أن يخرج معها يومئذ» رواه أحمد (٤). وعن حماد بن سلمة، عن حُمَيد، عن الحسن: أن رسول الله ﷺ قال: «اطلبوا ليلةَ القَدْر في العشر الأواخر: التاسعة، والسابعة، والخامسة، وآخر ليلة، هي ليلة بَلِجَة، لا حارّة ولا باردة، ولا يُرْمَى فيها بنجم، ولا ينبح فيها كلب» رواه هُدْبة بن خالد عنه (٥).

стр. 2066

وعن عُبَيد بن عُمير قال: كنت ليلة السابع والعشرين في البحر، فأخذتُ مِن مائه، فوجدته عذبًا سلسًا (١). فصل (٢) ويستحبُّ الاجتهاد في العشر مطلقًا؛ لِما روي عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا دخلَ العشرُ، أحيا الليلَ، وأيقظَ أهلَه، وشدَّ المِئْزَر» متفق عليه (٣). وفي رواية لمسلم (٤): «وجَدَّ وشدَّ المئزر». وفي رواية له (٥): «كان النبي ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره». وعن عليٍّ ﵁، قال: «كان النبيُّ ﷺ يوقظ أهلَه في العشر الأواخر من رمضان» رواه أحمد والترمذي (٦) وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 2067

ورواه عبد الله بن أحمد (١)، ولفظه: «إذا دخل العشر الأواخر، شدَّ المِئْزرَ». وفي لفظ (٢): «رفَعَ المئزرَ، وأيقظَ نساءَه». قيل لأبي بكر بن عيَّاش؟ ما (٣) «رَفَع المئزر؟» قال: اعتَزَل النساء. وعن عائشة أنها قالت: يا رسول الله، أرأيت إن وافقتُ ليلةَ القَدْر ما أقول؟ قال: «تقولين: اللهم إنك عفوٌّ تحبّ العفوَ فاعفُ عنّي» رواه الخمسة إلا أبا داود (٤)، وصححه الترمذي، ولفظه: قلت: يا رسول الله، إن علمتُ أيّ ليلة القدر؟ ما أقول فيها (٥): قال: قولي. وذَكَره. ويحصل النصيب منها بحديث (٦) أبي ذر، [فإنه] يقتضي أن قيامها

стр. 2068

يحصل بالقيام مع الإمام. وعن مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيّب كان يقول: «من شهد العشاء ليلة القدر فقد أخذ بحظِّه منها (١)» (٢). وعن الضحَّاك: «أنه قيل له: أرأيت النفساء والحائض والنائم والمسافر، هل لهم في ليلة القدر نصيب؟ قال: نعم، كلُّ من تقبَّل الله عملَه سيعطيه نصيبه (٣) من ليلة القدر لا يخيُّبه أبدًا» (٤).

стр. 2069

باب الاعتكاف مسألة (١): (وهو لزوم المسجد (٢) لطاعةِ الله فيه) . جِماع معنى الاعتكاف: الاحتباس (٣) والوقوف والمقام. يقال: عَكَفَ على الشيء يعكُف ويعكِف عُكوفًا، وربما قيل: عَكْفًا: إذا أقبل عليه مواظبًا. ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. وقوله سبحانه ــ حكاية عن إبراهيم ﵇ ــ: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]، وقوله أيضًا: ﴿قَالُوا (٤) نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء: ٧١]. فعدَّاه باللام؛ لأن المعنى: أنتم لها عابدون ولها قانتون. ومرَّ عليٌّ ﵁ بقوم يلعبون بالشِّطْرَنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟! (٥).

стр. 2070

ويقال: فلانٌ عاكف على فرجٍ حرام. وعكفوا (١) حولَ الشيء: استداروا. وقال الطِّرِمّاح (٢): فَبَاتَ بَنَاتُ اللَّيْلِ حَوْليَ عُكَّفًا ... عُكُوفَ البَواكِي بَيْنَهُنَّ صَرِيعُ ثم صار هذا في لسان الشرع عند الإطلاق مختصًّا بالعكوف لله وعليه في بيته، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقال تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا (٣) بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقال في موضع آخر: ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج: ٢٦]. ولم يذكر العكوفَ لِمَن، وعلى مَن؛ لأن عكوف المؤمن لا يكون إلا لله. ويُسْتَعمل متعدِّيًا أيضًا، فيقال: عكَفَه يعكُفُه ويعكِفُه عَكْفًا: إذا حبسه ووقفه، كما قال تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، ويقال: ما عكفَكَ عن كذا؟ أي: ما حبسك عنه. وعَكَّفَ الجوهرَ في النظم (٤).
следующие страницы →