← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

ومثل هذا إذا مرض مرضًا لا يمكنه المُقام معه في المسجد، كالقيام المُتَدَارَك (١) وسَلَسل البول والإغماء، أو يمكنه القيام بمشقَّة شديدة، بأن يحتاج إلى خدمة وفراش؛ فله ترك الاعتكاف، ويكون كما لو تركه للخوف. [ق ١٣٥] وإن كان مرضًا خفيفًا، كالحمَّى الخفيفة، ووجع الضّرْس والرأس، فهذا لا يخرج لأجله، فإن خرج استأنف. وإن احتاج إلى ما يأكل وليس له شيء، فاحتاج إلى اكتساب أو اتِّجار ... (٢) قال القاضي وابن عقيل: متى خرج خروجًا جائزًا لحقٍّ وجَبَ عليه، كإقامة الشهادة والعِدّة والنفير والحيض والجمعة والمرض الذي لا يمكن معه المقام، فلا كفَّارة عليه. وإن كان لغير واجب، كالخروج من فتنة أو لمرض يمكن معه المُقام بغير مشقَّة (٣)، فعليه الكفارة، لأنه خرج لِحَظِّ نفسهِ (٤). وتأوَّل كلام الخِرَقي (٥). فصل (٦) وإذا تعيَّن عليه الخروجُ للجهاد، بأن يحضر عدوٌّ يخافون كَلَبَه، أو

стр. 2207

يستنفر الإمامُ استنفارًا عامًّا، فإنه يخرجُ ويدعُ اعتكافَه (١)، كما قلنا في الخروج لقضاء العدَّة وأشدّ؛ لأن الجهاد من أعظم الواجبات، والتخلُّف عنه من أعظم المفاسد. ثم إذا قضى غزوَه، وكان تطوّعًا، فله الخيار بين أن يقضيه أو لا يقضيه، والأفضل أن يقضيه. وإن كان نذرًا، فعلى ما ذكرنا في الخروج لقضاء العِدَّة: يبني إن كان معيَّنًا. وفي الكفارة وجهان حكاهما ابنُ أبي موسى (٢) في العِدّة. أحدهما: يجب. قاله الخِرَقي (٣) وغيره. والثاني: لا يجب. قاله القاضي. وفرَّق بين الخروج لواجب (٤) كالنفير والعدة، وبين الخروج [لمباح] (٥). وإن كان مطلقًا، فهو بالخيار بين أن يستأنف وبين أن يبني. وإن لم يكن الجهاد متعيِّنًا، فهل يجوز الخروج إليه، كصلاة الجنازة وعيادة المريض وأولى؟ (٦) لم يَجُز له الخروج عند أصحابنا، مع أن الجهاد والرباط أفضل من الاعتكاف.

стр. 2208

وقال في رواية الأثرم: الخروج إلى عَبَّادان أحبّ إليَّ من الاعتكاف، وليس يعْدِل الجهادَ والرباطَ شيءٌ ... (١) فإذا كان الاعتكاف تطوُّعًا، فعَرَض له (٢) جنازة أو مريض يُعاد ونحو ذلك، فقال بعض أصحابنا: إتمام اعتكافه أفضل؛ لأن النبيَّ ﷺ لم يكن يُعَرِّج على مريض (٣). ولم يكن واجبًا عليه، ولأن إتمام العبادة التي شَرَع فيها أفضل من إنشاء عبادةٍ أخرى؛ لإن إتمامها واجب عند بعض العلماء، ومؤكَّد الاستحباب عند بعضهم. وقد أمر النبيُّ ﷺ الصائمَ إذا دُعِي وكان صائمًا أن يصلِّي، ولم يأمره بالأكل (٤) ... (٥) فصل (٦) ويُستحبّ لمن اعتكف العشرَ الأواخرَ من شهر (٧) رمضان أن يبيت ليلةَ العيد في معتكَفِه ويخرج منه إلى المصلَّى في ثياب اعتكافه. قال في رواية الأثرم: يخرج من معتكفه إلى المصلَّى.

стр. 2209

وقال في رواية المرُّوذي: لا يلبس ثيابَه يوم العيد، ويشهد العيدَ في ثيابه التي اعتكف فيها. وذكر ذلك عن أبي قِلابة. وذلك لِما رُوي عن إبراهيم قال: «كانوا يحبون لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان أن ينام ليلة الفطر في المسجد، ثم يغدو إلى المصلَّى من المسجد» (١). وعن أيوب: «أن أبا قلابة اعتكف في مسجد قومه، فغدوتُ عليه غداةَ الفطر وهو في المسجد، فأُتي بجُوَيريّة مُزَيّنة، فأقْعَدها في حِجْره (٢)، ثم أعتقها، ثم خرج كما هو من المسجد إلى المصلَّى» (٣). رواهما سعيد. وذكر القاضي (٤) عن ابن عمر والمطَّلب بن عبد الله بن حَنْطَب وأبي قِلابة مثل ذلك. وذلك لأن يوم العيد يوفَّى الناسُ أجرَ أعمالهم، وفي ليلة الفطر ينزل جوائز للصُّوَّام، والصُّوَّام ... (٥)، فاستُحِبّ له أن يصل اعتكافَه بعيْدِه، كما اسْتُحِبّ للمحرم أن يصل إحرامه بِعِيْدِه.

стр. 2210

كتاب الحج جماعُ معنى الحج في أصل اللغة (١): قصدُ الشيء وإتيانه، ومنه سُمِّي الطريق «محجَّةً» لأنه موضع الذهاب والمجيء، وسُمِّي (٢) ما يقصد الخصم «حجة» لأنه يأتمُّه وينتحيه، ومنه في الاشتقاق الأكبر «الحاجةُ»، وهو ما يُقصد ويُطلب للمنفعة به، سواء قصده القاصد لمصلحته أو لمصلحة غيره. ومنه قول النبي ﷺ : «من لم يَدَعْ قولَ الزور والعملَ به فليس لله (٣) حاجةٌ في أن يدعَ طعامه وشرابه» (٤). وقوله (٥): «في حاجة الله وحاجة رسوله» (٦).

стр. 2211

ومعلومٌ أنه إنما يُقصَد ويُؤتى ما (١) يُعَظَّم ويُعتقد الانتفاع به، وإذا (٢) كان كذلك فلا بدَّ أن يكثر اختلافُ الناس إليه، فلذلك (٣) يقول بعض أهل اللغة (٤): الحج القصد، ويقول بعضهم: هو القصد إلى من يعظم، ويقول بعضهم: كثرة القصد إلى من يُعظِّمه. ورجل محجوج، ومكان محجوج، أي مقصودٌ ومَأْتِيٌّ (٥). ومنه قوله (٦): [ق ١٣٦] وأشهدُ من (٧) عوفٍ حلولًا كثيرةً ... يَحُجُّون سِبَّ الزِّبرِقانِ المُزعْفَرا قال ابن السكِّيت (٨): يقول: يُكثِرون (٩) الاختلافَ إليه. وقوله (١٠): قالت تغيَّرتمُ بعدي فقلتُ لها ... لا والذي بيتُه يا سَلْمُ محجوجُ

стр. 2212

ثم غلب في الاستعمال الشرعي والعرفي على حج بيت الله وإتيانه، فلا يُفهم عند الإطلاق إلا هذا النوع الخاص من القصد، لأنه هو المشروع الموجود كثيرًا. وذلك كقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (١)﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقد بيَّن المحجوج في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، فإن اللام في قوله ﴿الْبَيْتَ﴾ لتعريف المعهود (٢) الذي تقدم ذكره في أحد الموضعين، وعلمه المخاطبون في الموضع الآخر. وفيه لغتان قد قرئ بهما: الحَجّ والحِجّ (٣)، والحجّة بفتح الحاء وكسرها. ثم حجُّ البيت له صفة معلومة في الشرع، من الوقوف بعرفة والطواف بالبيت وما يتبع ذلك، فإن ذلك كلَّه من تمام قصْدِ البيت، فإذا أُطلِق الاسم في الشرع انصرف إلى الأفعال المشروعة، إما في الحج الأكبر أو الأصغر.

стр. 2213

مسألة (١): (يجب الحج والعمرة مرةً في العمر على المسلم العاقل البالغ الحرِّ) . في هذا الكلام فصول: أحدها أن الحج واجب في الجملة، وهو أحد مباني الإسلام الخمس، وهذا (٢) من العلم المستفيض الذي توارثته الأمة وتناقلته (٣) خلفًا عن سلف. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. وحرف «على» للإيجاب، لا سيما إذا ذُكِر المستحق فقيل: لفلان على فلان. وقد أتبعه بقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] ليبين (٤) أن من لم يعتقد وجوبه فهو كافر، وأنه إنما وَضَع البيت وأَوجَب حجَّه ليشهدوا منافع لهم، لا لحاجةٍ به (٥) إلى الحجّاج كما يحتاج المخلوق إلى من يقصده ويُعظِّمه، لأن الله غني عن العالمين. وكذلك قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ على أحد التأويلين، وقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾، فأذَّن فيهم: «إنّ لربكم بيتًا فحُجُّوه» (٦).

стр. 2214

وأما السنة: فما روى ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بُنِي الإسلام على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، وصومِ رمضان، وحجِّ البيت». متفق عليه (١). وفي حديث جبريل من (٢) رواية عمر ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : ما الإسلام؟ قال: «أن تشهدَ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتُقيمَ الصلاة، وتُؤتيَ الزكاة، وتصومَ رمضان، وتحجَّ البيت إن استطعتَ إليه سبيلا». رواه مسلم (٣). وليس ذِكْر الحج في حديث أبي هريرة المتفق عليه (٤). وسيأتي إن شاء الله تعالى قوله: «إنّ الله فرضَ عليكم الحجَّ فحُجُّوا». رواه مسلم (٥) وغيره. وأحاديث كثيرة في هذا المعنى. و (٦) عن شَرِيك بن أبي نَمِر، عن أنس بن مالك قال: «بينما (٧) نحن

стр. 2215

جلوسٌ مع النبي ﷺ في المسجد إذ دخل رجل على جملٍ، ثم أناخَه في المسجد، ثم عقَلَه، ثم قال: أيكم محمد؟ والنبي ﷺ متكئٌ بين ظَهْرانَيْهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال له الرجل: ابنَ عبد المطلب؟ فقال له النبي ﷺ : «قد أجبتُك»، فقال الرجل: إني سائلُك فمشدِّدٌ عليك في المسألة، فلا تَجِدْ عليّ في نفسك. فقال: «سَلْ عمّا بدا لك». فقال: أسألك بربك وربِّ من قبلك آللهُ أرسلك إلى الناس كلهم؟ قال: «اللَّهم نعم». قال: أَنشُدك بالله آللهُ أمرك (١) أن تصلِّي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: «اللّهم نعم». قال: أَنشُدك بالله آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: «اللّهم نعم». قال: أَنشُدك بالله آللهُ أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتَقْسِمها على فقرائنا؟ فقال النبي ﷺ : «اللَّهم نعم». فقال الرجل: آمنتُ بما جئتَ به، وأنا رسولُ مَن ورائي من قومي، وأنا ضِمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر». رواه الجماعة (٢) إلا مسلمًا والترمذيّ (٣)، عن إسماعيل وعلي بن عبد الحميد (٤)، وقال: رواه سليمان عن (٥) ثابت عن أنس عن النبي ﷺ مثله.

стр. 2216

ورواه (١) أحمد ومسلم (٢) والترمذي والنسائي (٣) من حديث ثابت عن أنس قال: نُهِينا (٤) في القرآن أن نسأل رسولَ الله ﷺ عن شيء، فكان يُعجِبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، فيسألَه ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك! قال: «صدق». قال: فمن خلق السماء؟ قال: «الله». قال: فمن خلق الأرض؟ قال: «الله». قال: فمن نصبَ هذه الجبال وجعل فيها (٥) ما جعل؟ قال: «الله». قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصبَ هذه الجبال آللهُ أرسلك؟ قال: «نعم» قال: وزعم رسولك أن علينا خمسَ صلواتٍ في يومنا وليلتنا! قال: «صدق». قال: [ق ١٣٧] فبالذي أرسلك آللهُ أمرك بهذا؟ قال: «نعم». قال: وزعم رسولك أن علينا صومَ شهر رمضان في سنتنا! قال: «صدق». قال: فبالذي أرسلك، آللهُ أمرك بهذا؟ قال: «نعم». قال: وزعم رسولك أن علينا حجَّ البيت من استطاع إليه سبيلا! قال: «صدق». قال: ثم ولَّى وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيدُ عليهن، ولا أنقُصُ منهن. فقال النبي ﷺ : «إن صدقَ ليدخلنَّ الجنة». وعن ابن عباس ﵄ قال: بعثَتْ (٦) بنو سعد بن بكر ضِمامَ بن

стр. 2217

ثعلبة وافدًا إلى رسول الله ﷺ ، فقدِمَ عليه، فأناخ بعيره (١) على باب المسجد، ثم عقَلَه، ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه في المسجد. وكان ضِمام بن ثعلبة رجلًا جَلْدًا أشعرَ ذا غَديرتينِ، قال: فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ وهو في أصحابه، فقال: أيكم ابنُ عبد المطلب؟ فقال رسول الله ﷺ : «أنا ابن عبد المطلب». قال: أمحمدٌ؟ قال: «نعم». قال: يا ابنَ عبد المطلب، إني سائلُك ومغلِّظٌ عليك في المسألة، فلا تَجِدَنَّ في نفسك، فقال: «لا أجد في نفسي، سَلْ عما بدا لك». قال: أَنشُدك الله (٢) إلهك وإله من كان (٣) قبلك وإله من هو كائن بعدك، آللهُ أمرك أن نعبدَه وحده لا نُشرِك به شيئا، وأن نخلعَ هذه الأوثان التي كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال: «اللّهم نعم». قال: فأَنشُدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، آللهُ أمرك أن نُصلِّي هذه الصلوات الخمس؟ قال: «اللّهم نعم». قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضةً فريضةً: الزكاة، والصيام، والحج، وشرائع الإسلام كلها، يناشده عند كل فريضةٍ كما يناشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وسأؤدِّي هذه الفرائض، وأَجتنب ما نهيتَني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص. قال: ثم انصرف إلى بعيره، فقال رسول الله ﷺ : «إن صدَقَ ذو العَقِيصتينِ يدخل الجنة». قال: فأتى بعيرَه فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه،

стр. 2218

فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به (١) أن قال: ما بئست (٢) اللات والعزى؟ قالوا: مَه يا ضِمام! اتَّقِ البرص، اتَّقِ الجُذام، اتّقِ الجنون، قال: ويلكم! إنهما والله ما يَضُرَّان وما ينفعان، وإن الله تعالى قد بعث رسولًا، وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه. قال (٣): فوالله ما أمسَى ذلك اليومَ من حاضرته من رجلٍ ولا امرأةٍ إلا مسلمًا. قال ابن عباس: فما سمعنا بوافدٍ قطُّ كان أفضلَ من ضِمام بن ثعلبة. رواه أحمد وأبو داود من طريق ابن إسحاق (٤)، وهذا لفظ «المغازي» (٥). واختُلف في سنة قدومه (٦). فقيل: كان ذلك في سنة خمس، قاله محمد بن حبيب وغيره (٧).

стр. 2219

وروى (١) شَريك عن كُريب عن ابن عباس ﵄ حديث ابن عباس (٢)، وفيه (٣): «بعث بنو سعدٍ ضِمامًا في رجب سنة خمس». وقيل: في سنة سبع. وقيل: في سنة تسع. ذكره ابن هشام عن أبي عبيدة (٤)، وذكره أبو إسحاق إبراهيم بن حبيب البصري (٥) المعروف بالحاكم في تاريخه «لوامع الأمور وحوادث الدهور» (٦). وزعم ابن عبد البر (٧) أن هذا هو الأعرابي الثائر الرأس الذي من أهل نجد، الذي يروي حديثَه طلحة (٨)، ويروي نحوًا من هذا (٩) أبو هريرة (١٠). وهذا فيه نظر، لأن ذاك أولًا أعرابي (١١)، وهذا من بني سعد بن بكر. ثم

стр. 2220

ذاك رجل ثائر الرأس، وهذا رجل له عَقِيصتانِ. ثم ذاك رجل يُسمع (١) دَوِيُّ صوتِه ولا يُفقَه ما يقول، وهذا رجل عاقل جَلْد. ثم ذاك ليس في حديثه إلا التوحيد والصلاة والزكاة والصوم. فإن كان هذا هو ذاك فليس ذكر الحج إلا في بعض رواياته. والذي في «الصحيحين» ليس فيه شيء من هذا، ولا يَسَعُهم أن يتركوه وهو يقول: لا أزيد ولا أنقص. فإن كانت سعد هذه سعد بن بكر بن هوازن أظآر رسول الله ﷺ فهؤلاء كانوا مع المشركين (٢) يوم حنين، وكانت حنين في أواخر سنة ثمان من الهجرة، وقدم وفد هوازن على النبي (٣) ﷺ مُنصَرَفَه ــ وهو بالجِعِرَّانة ــ عن حِصار الطائف، فأسلموا، ومَنَّ النبي ﷺ على سَبْيِهم، والقصة مشهورة. فتكون بنو سعد بن بكر (٤) قد أوفدتْ ضِمامًا في سنة تسع، وفيها أسلمت ثقيف أيضًا، وهذه السنة هي سنة الوفود. وقد أجمع المسلمون في الجملة على أن الحج فرض لازم. الفصل الثاني أن العمرة أيضًا واجبة . نصَّ عليه أحمد في مواضع، فقال في رواية الأثرم، وبكر بن محمد، والمرُّوذي (٥)، وإسحاق بن إبراهيم، وأبي طالب،

стр. 2221

وحرب، والفضل: العمرة واجبة، والعمرة فريضة (١). وذكر بعض أصحابنا (٢) [ق ١٣٨] عنه رواية أخرى: أنها سنة ، لأن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٣) [آل عمران: ٩٧]، ولم يذكر العمرة. ولو كانت واجبة لذكرها، كما ذكرها لما أمر بإتمامهما وبالسعي فيهما في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. وكذلك أمر خليله ﵇ بدعاء الناس إلى الحج بقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨]، والاختصاص بأيام معلومات هو للحج فقط دون العمرة، فعُلِم أنه لم يأمرهم بالعمرة، وإن كانت حسنة مستحبة (٤). ولأنه ﷺ لما ذكر مباني (٥) الإسلام قال: «وحج البيت من استطاع إليه سبيلا». وقال في حديث جبريل (٦): «الإسلام أن تشهدَ أن لا إله إلا الله وأن

стр. 2222

محمدًا رسول الله، وتقيمَ الصلاة، وتؤتيَ الزكاة، وتصومَ رمضان، وتحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلا»، ولم يذكر العمرة. وسأله ضِمام بن ثعلبة عن فرائض الإسلام إلى أن قال: «وزعم رسولك أن علينا حجَّ البيت من استطاع إليه سبيلا»! قال: «صدق»، ثم ولَّى، ثم قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقُصُ منهن، فقال النبي ﷺ : «إن صدَقَ ليدخلنَّ الجنة». ولو كانت العمرة واجبة لأنكر قوله «لا أزيد عليهن» ولم يضمَنْ له الجنةَ مع تركِ أحدِ فرائض الإسلام. ولأن النبي ﷺ لما حج حجة الوداع كان معه من المسلمين ما لا يُحصِيهم إلا الله تعالى، وكلٌّ قد جاء يؤدّي فرض الله تعالى عليه، فلما قضى أيام منًى بات بالمحصَّب بعد النفْر، وخرج من الغد قافلًا إلى المدينة، ولم يعتمر بعد ذلك، ولم يأمر من معه بالعمرة، ولا بأن يسافروا لها سفرةً أخرى. وقد كان فيهم المفرد والقارن، وهم لا يرون أن قد بقي عليهم فريضة أخرى، بل قد سمعوا منه أن الحج لا يجب إلا في عام واحد، وقد فعلوه، فلو (١) كانت العمرة واجبة كالحج لبيّن لهم ذلك، أو لأقام ريثَما أن (٢) يعتمر من لم يكن اعتمر. وعن الحجاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أتى النبيَّ ﷺ أعرابي، فقال: أخبِرْني عن العمرة أواجبة هي؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا، وأن تعتمرَ خير لك». رواه أحمد والترمذي (٣)،

стр. 2223

وقال: حديث حسن صحيح. ورواه الدارقطني (١) من غير طريق الحجاج. وعن أبي هريرة موقوفًا ومرفوعًا (٢)، أنه قال: «العمرة تطوُّعٌ». قال الدارقطني (٣): والصحيح أنه موقوف على أبي هريرة. وعن طلحة بن عبيد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «الحج جهاد، والعمرة تطوُّعٌ». رواه ابن ماجه (٤)، وفي طريقه الحسن بن يحيى الخُشَني عن عمر بن قيس، أخبرني طلحة بن يحيى عن عمه إسحاق بن طلحة، عن طلحة (٥) بن عبيد الله.

стр. 2224

وعن أبي صالح الحنفي أن رسول الله ﷺ قال: «الحج جهاد، والعمرة تطوُّع». رواه الشافعي وسعيد (١). وربما احتجَّ بعضهم (٢) بقوله: «دخلتِ العمرةُ في الحج» (٣)، وليس بشيء. ولأن (٤) العمرة بعض الحج، فلم تجِبْ على الانفراد كالطواف، وهذا لأن الحج لم يجب على وجه التكرار، وإنما وجب مرة واحدة، فلو وجبت العمرة لكان قد وجب على الإنسان حجتان: صغرى وكبرى، فلم تجز، كما لم يجب عليه حج وطواف. وكلُّ ما يفعله المعتمر فقد دخل في الحج، فليس في العمرة شيء يقتضي إفرادَه بالإيجاب، لكن جعل الله المناسك على ثلاث درجاتٍ: أتمُّها هو الحج، المشتمل على الإحرام والوقوف والطواف والسعي والرمي والإحلال. وبعده العمرة، المشتملة على الإحرام والطواف والسعي والإحلال. وبعده (٥) الطواف المجرد. ولأنها (٦) نسكٌ غير موقَّت الابتداء ولا الانتهاء، فلم تجب كالطواف.

стр. 2225

ولأنها عبادة غير موقّتة من جنسها فرض موقت، فلم تجب كصلاة النافلة، وهذا لأن العبادات المحضة إذا وجبت وُقِّتتْ كما وقِّتت الصلاة والصيام والحج، فإذا شُرِعت في جميع الأوقات عُلِم أنها شُرِعت رحمةً وتوسعةً للتقرب إلى الله تعالى بأنواع شتى من العبادة، وسُبلٍ متعددة، لئلا يمتنع الناس من التقرب إلى الله تعالى في غالب الأوقات. ووجه الأول: ما احتج به بعضهم (١) من قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. وعن أبي رَزِين العُقَيلي أنه أتى النبيَّ ﷺ فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة، ولا الظعْنَ، فقال: «حُجَّ عن أبيك واعتمِرْ». رواه الخمسة (٢)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي رواية لأحمد (٣): «إن أبي أدركه الإسلام وهو شيخ كبير». فأمره بفعلهما عن أبيه، ولولا وجوبهما على الأب لما أمره بفعلهما عنه. لكن يمكن أن يقال: إنما سأله عن جواز الحج والعمرة عن أبيه؛ لأن الابن لا يجب ذلك عليه وفاقًا. وعن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله: هل على النساء جهاد؟ قال: «نعم عليهن جهادٌ لا قتالَ فيه: الحج والعمرة». رواه أحمد والنسائي

стр. 2226

وابن ماجه والدارقطني (١) بإسناد شرط الصحيح، لكن في لفظ أحمد والنسائي (٢): «ألا نخرج فنجاهد معك؟». وكلمة «على» تقتضي [ق ١٣٩] الإيجاب، لا سيما وقد سألتْه عما يجب على النساء من الجهاد، فجعله جهادهن. كما روي عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الحج جهاد كل ضعيف». رواه أحمد وابن ماجه (٣). واحتج أحمد (٤) بحديث أبي رَزِين، وبحديثٍ ذكره عن سعيد بن عبد الرحمن الجُمَحي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أَوصِني، فقال (٥): «تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم، وتحجّ وتعتمر» (٦).

стр. 2227

قال (١): وعن ابن عباس وابن عمر: أنها واجبة (٢). وهذا أمر، والأمر للإيجاب، لاسيما وهو إنما أمره بمباني الإسلام ودعائمه. قال جابر بن عبد الله: ليس أحد من خَلْق الله تعالى إلا وعليه عمرة واجبة (٣). ذكره ابن أبي موسى (٤). وفي حديث عمر عن النبي ﷺ : فقال ــ يعني جبريل ﵇ لما جاء في صورة الأعرابي ــ: يا محمد، ما الإسلام؟ فقال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن تقيمَ الصلاة، وتؤتيَ الزكاة، وتحجَّ البيت (٥) وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتُتِمّ الوضوء، وتصوم رمضان». رواه الجوزقي في كتابه المخرَّج على الصحيحين، والدارقطني (٦)، وقال: «هذا إسناد

стр. 2228

صحيح، أخرجه مسلم (١) بهذا الإسناد». وهذه الزيادة وإن لم تكن في أكثر الروايات فإنها ليست مخالفة لها، لكن هي مفسِّرة لما أُجمِل (٢) في بقية الروايات، فإن الحج يدخل فيه الحج الأكبر والأصغر، كما أن الصلاة (٣) يدخل فيها الوضوء والغسل. وإنما ذكر ذلك بالاسم الخاص تبيينًا، خشيةَ أن يظن أنه ليس داخلًا في الأول. وقد روى الدارقطني (٤) بإسناد ضعيف عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرُّك بأيهما بدأتَ». وروى القاضي (٥) بإسناده عن قتيبة، عن ابن لهيعة (٦)، عن عطاء، عن

стр. 2229

جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «الحج والعمرة فريضتان واجبتان». وروى سعيد بن أبي عَروبة في «المناسك» (١) عن قتادة أن نبي الله ﷺ قال: «إنما هي حجة وعمرة، فمن قضاهما فقد قضى الفريضة، ومن أصاب بعد ذلك فهو تطوُّع». وعن قتادة أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «يا أيها الناس، كُتِب عليكم الحج، يا أيها الناس كُتِب عليكم العمرة، يا أيها الناس كُتِب عليكم أن يأخذ أحدكم من ماله فيبتغي به من (٢) فضل الله فإن فيه الغنى والتصديق، وأَيمُ الله! لأن أموتَ وأنا أبتغي بمالي في الأرض من فضل الله أحبُّ إليَّ من أن أموت على فراشي» (٣). وأيضًا ف إن العمرة هي الحج الأصغر بدليل قوله سبحانه: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]، فإن الصفة إذا لم تكن مبيِّنةً لحال الموصوف فإنها تكون مقيِّدة له ومميِّزة له عما يشاركه في الاسم. فلما قال: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ عُلم أن هنالك حجًّا (٤) أصغر لا يختصُّ بذلك اليوم، لأن الحج الأكبر له وقت واحد لا يصح في غيره، والحج الأصغر لا يختصُّ بوقت. وقد روى الدارقطني (٥) عن ابن عباس قال: «الحج الأكبر يوم النحر،

стр. 2230

والحج الأصغر العمرة». وأيضًا ففي كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه النبي ﷺ له (١) لما بعثه إلى اليمن (٢): «وأن العمرة الحج الأصغر». رواه الدارقطني (٣) من حديث الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده. وهذا الكتاب ــ وذِكْرُ (٤) هذا فيه ــ مشهور مستفيض عند أهل العلم، وهو عند كثير منهم أبلغُ من خبر الواحد العدل المتصل، وهو صحيح بإجماعهم (٥). وإذا كان النبي ﷺ قد بيَّن أنها الحج الأصغر كما دلّ عليه كتاب الله = عُلِم أنها (٦) واجبة؛ لأن قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ وسائر

стр. 2231

الأحاديث التي فيها ذِكْر فرض الحج: إما أن يعمَّ الحجَّين الأكبر والأصغر، كما أن قول النبي ﷺ : «لا يقبل الله صلاةً بغير طهور» (١) يعمُّ نوعي الطهور الأكبر والأصغر. وإما أن تكون مطلقة، ولا يجوز أن يكون المفروض مطلق الحج، لأن ذلك يحصل بوجود الأكبر أو الأصغر، فيلزم أن تكفيه العمرة فقط، وذلك غير صحيح، فيجب أن يكون عامًّا. ولا يجوز أن يعني الحج الأكبر فقط؛ لأنه يكون تخصيصًا للعام وتقييدًا (٢) للمطلق، وذلك لا يجوز إلا بدليل. ولو أريد ذلك لقُيِّد كما قيِّد في قوله: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾، بل الناس إلى التقييد هنا أحوج، لأن هذا ذِكرٌ للمفروض الواجب، والاسم يشملهما (٣)، وذاك أمر بالنداء يوم الحج الأكبر، والنداء لا يمكن إلا في المجتمع، والاجتماع العام إنما يقع في الحج الأكبر، لاسيما وقوله ﴿يَوْمَ﴾، والحج الأصغر لا يومَ له (٤) يختصّ به. وبهذا يجاب عن كل موضعٍ أُطلق فيه ذِكر الحج. وأما المواضع التي عُطِف فيها فللبيان والتفسير وقطع الشبهة، لئلا يتوهَّم متوهِّم أن حكم العمرة مخالف لحكم الحج، وأنها خارجة عنه في هذا الموضع، لأنها كثيرًا ما تُذكر بالاسم الخاص، وكثيرًا ما يكون لفظ الحج لا يتناولها. وأما الأحاديث فضعيفة ... (٥).

стр. 2232

وأما كونها لا [ق ١٤٠] تختصُّ بوقتٍ وكونُها بعضَ الحج، فلا يمنع الوجوب. وأيضًا فإنها عبادة تلزم بالشروع، ويجب المضيُّ في فاسدها، فوجبت بالشرع كالحج، وعكس ذلك الطواف. فصل وقد (١) أطلق أحمد القول بأن العمرة واجبة وأن العمرة فريضة في رواية جماعة، منهم أبو طالب والفضل وحرب (٢)، وكذلك أطلقه كثير من أصحابه، منهم ابن أبي موسى (٣)، وقال في رواية الأثرم (٤) وقد سئل عن عمرة (٥) أهل مكة فقال: أهل مكة ليس عليهم عمرة، إنما قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فقيل له: إنما ذاك في الهدي في المتعة، فقال: كان ابن عباس يرى المتعة واجبة، ويقول: «يا أهل مكة، ليس عليكم عمرة، إنما عمرتكم طوافكم بالبيت» (٦). قيل له: كأنّ إقامتهم بمكة يُجزئهم من العمرة؟ فقال: نعم. وكذلك قال في رواية ابن الحكم: ليس على أهل مكة عمرة، لأنهم

стр. 2233

يعتمرون في كل يوم يطوفون بالبيت، فمن أراد منهم أن يعتمر (١) خرج إلى التنعيم أو تَجاوز الحرم. وقال في رواية الميموني (٢): ليس على أهل مكة عمرة، وإنما العمرة لغيرهم، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، إلا أن ابن عباس قال: «يا أهل مكة، من أراد منكم العمرة فليجعل بينه وبينها بطن محسِّر» (٣). وإذا أراد المكي وغيره العمرة أهلَّ من الحلّ، وأدناه التنعيم. ولأصحابنا في هذا ثلاث (٤) طرق: أحدها (٥): أن المسألة رواية واحدة بوجوبها على المكي وغيره، وأن قوله «ليس عليهم متعة» يعني في زمن الحج، لأن أهل الأمصار غالبًا إنما يعتمرون (٦) أيام الموسم، وأهل مكة يعتمرون في غير ذلك الوقت. قاله القاضي قديمًا، قال: لأنه قد (٧) قال: «لأنهم يعتمرون في كل يوم يطوفون بالبيت». وهذه طريقة ضعيفة. الثانية: أن في وجوبها على أهل مكة روايتين، لأنه أوجبها مطلقًا في

стр. 2234

رواية، واستثنى أهل مكة في أخرى. وهذه طريقة القاضي أخيرًا (١)، وابن عقيل، وجدّي وغيرهم. والثالثة (٢): أن المسألة رواية واحدة أنها لا تجب على أهل مكة، وأن مطلق كلامه محمول على مقيّده، ومجمله على مفسّره. وهذه طريقة أبي بكر وأبي محمد (٣) صاحب الكتاب، وهؤلاء [لا] (٤) يختارون وجوبها على أهل مكة. ووجه عدم وجوبها ما روى عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: يا أهل مكة، ليس عليكم عمرة (٥). وعن عمرو بن كيسان قال: سمعت ابن عباس يقول: لا يضرُّكم يا أهل مكة أن لا تعتمروا، فإن أبيتم فاجعلوا بينكم وبين الحرم بطنَ وادٍ (٦). وعن عطاء أنه كان يقول: يا أهل مكة، إنما عمرتكم الطواف بالبيت، فإن كنتم لا بدَّ فاعلين فاجعلوا بينكم وبين الحرم بطنَ وادٍ (٧). رواهن سعيد (٨). هذا مع قوله: إن العمرة واجبة. ولا يُعرف له مخالف من الصحابة.

стр. 2235

ولأن الله سبحانه قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، فجعل التمتع بالعمرة إلى الحج الموجب لهديٍ أو صيامٍ لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، فإذا كان حاضر (١) المسجد الحرام يفارق غيرَه في حكم المتعة وواجباتها فارقَه (٢) في وجوب العمرة. وأيضًا فإن العمرة هي (٣) زيارة البيت وقصده، وأهل مكة مجاوروه وعامروه بالمقام عنده، فأغناهم ذلك عن زيارته من مكان بعيد، فإن الزيارة للشيء إنما تكون للأجنبي منه البعيد عنه. أما المقيم عنده فهو زائر دائمًا. وأيضًا فإن مقصود العمرة إنما هو الطواف، وأهل مكة يطوفون في (٤) كل وقت. وهؤلاء الذين لا تجب عليهم العمرة هم الذين ليس عليهم هديُ متعةٍ على ظاهر كلامه في رواية الأثرم والميموني، في استدلاله بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وظاهرُ قوله في رواية ابن الحكم والأثرم أيضًا (٥) أنها إنما تسقط عن أهل مكة وهم أهل الحرم؛ لأنهم هم المقيمون بمكة والطوَّافون بالبيت. فأما المجاور بالبيت فقال عطاء: هو بمنزلة أهل مكة (٦).

стр. 2236

الفصل الثالث أنهما إنما يجبان مرةً في العمر بإيجاب الشرع، فأما إيجاب المرء على نفسه فيجب في الذمة بالنذر ، ويجب القضاء لما لم يُتِمَّه، كما يُذكر إن شاء الله تعالى، ويجب إتمامهما (١) بعد الشروع. وقد أجمعت (٢) الأمة على أن الواجب بأصل الشرع مرة واحدة، والأصل في ذلك ما روى أبو هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «يا أيها الناس، قد فُرِض عليكم الحج فحُجُّوا»، فقال رجل: أكلَّ عامٍ يا رسول الله (٣)؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال النبي ﷺ : «لو قلتُ نعم لوجبتْ، ولما استطعتم». رواه أحمد ومسلم والنسائي (٤). وعن ابن عباس ﵄ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «يا أيها الناس، كُتِب عليكم الحج». فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: «لو قلتُها لوجبتْ، ولو وجبتْ لم تعملوا (٥) بها، ولم تستطيعوا أن تعملوا بها. الحج مرة، فمن زاد فهو تطوّع». رواه أحمد والنسائي وأبو داود وابن ماجه (٦)، ولفظهما: أن الأقرع بن حابس سأل النبي

стр. 2237

- ﷺ فقال: يا رسول الله، الحج في كل سنة أو مرةً واحدة؟ قال: «بل مرةً واحدة، فمن زاد فهو تطوّع». وعن [ق ١٤١] علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما نزلت ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قال المؤمنون: يا رسول الله، أفي كل عام؟ مرتين (١)، فقال: «لا، ولو قلتُ نعم لوجبتْ». فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. رواه أحمد وابن ماجه والترمذي (٢)، وقال: غريب من هذا الوجه، سمعتُ محمدًا يقول: «أبو البختري لم يدرك عليًّا». وقد احتج به أحمد. و (٣) عن قتادة قال: ذُكِر لنا أن نبي الله ﷺ قال في خطبته: «يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج»، فقال رجل من أهل البادية: يا نبي الله، أكلَّ عام؟ فسكت عنه نبي الله ﷺ ، ثم قال: يا نبي الله، أكلَّ عام؟ فقال نبي الله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لو قلتُ نعم لوجبتْ، ولو وجبت لكفرتم ولما

стр. 2238

استطعتم، فإذا أمرتكم بأمر فاتبعوه، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه، فإنما أَهلك من كان قبلكم (١) اختلافُهم على أنبيائهم وكثرةُ سؤالهم. ألا وإنما هي حجة وعمرة، فمن قضاهما فقد قضى الفريضة، فما أصاب بعد ذلك فهو تطوُّع». رواه سعيد بن أبي عروبة في «مناسكه» (٢) عنه. الفصل الرابع أنه لا يجب الوجوب المقتضي للفعل وصحتِه إلا على مسلم ، لأن الله سبحانه قال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، فنهاهم (٣) أن يقربوه، ومنعهم منه فاستحال أن يؤمروا بحجه. ولأنه لا يصح الحج منهم، ومحال أن يجب ما لا يصح، لِما روى أبو هريرة أن أبا بكر الصديق ﵁ بعثه في الحجة التي أمَّره [عليها] (٤) رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع يوم النحر في رهطٍ (٥) يؤذّن في الناس: «ألا لا (٦) يحجُّ بعد العام مشرك، ولا يطوفُ بالبيت عُريان». متفق عليه (٧).

стр. 2239

وكان هذا النداء بأمر رسول الله ﷺ لما بعث أبا بكر يقيم للناس الحج، ويقطع العهود التي بينه وبين المشركين وينهاهم عن الحج، وبعث عليًّا ﵁ يقرأ سورة براءة ويَنبِذ إلى المشركين. وعن زيد بن أُثَيع ــ ويقال: يُثَيع ــ قال: سألت عليًّا بأي شيء بُعِثْتَ؟ قال: بأربعٍ: «لا يدخل الجنةَ إلا نفسٌ مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهدٌ فعهده إلى مدته، ومن لا مدةَ له فأربعة أشهر». رواه أحمد والترمذي (١)، وقال: حديث حسن صحيح. وقد منع الله سبحانه المشركين من اليهود والنصارى وغيرهم من سُكنى جزيرة العرب، مبالغةً في نفيهم عن مجاورة البيت. ومن عُرِف بالكفر ثم حجَّ، حُكِم بإسلامه في أصح الوجهين. فأما وجوبه عليهم بمعنى أنهم يؤمرون به بشرطه، وأن الله يعاقبهم على تركه، فهو ظاهر المذهب عندنا (٢)، لأن الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فعمَّ ولم يخُصَّ. وروى أحمد (٣) عن عكرمة قال: لما نزلت: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ

стр. 2240

دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] قالت اليهود: فنحن مسلمون (١)، فقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فحُجُّوا، فأبوا فأنزل الله (٢): ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ من أهل الملل. وفي رواية (٣): لما نزلت ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ قالت الملل: فنحن المسلمون (٤)، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ فحج المسلمون، وقعد الكفار. ولا يجب على الكافر سواء كان أصليًّا أو مرتدًّا، في أقوى الروايتين، فلو ملكَ في حال كفره زادًا وراحلة، ثم أسلم وهو مُعدِم (٥)، فلا شيء عليه، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وأما إذا وجب على المسلم فلم يفعله حتى ارتد ثم أسلم، فهو باقٍ في ذمته، سواء كان قادرًا أو عاجزًا، في المشهور من المذهب (٦).

стр. 2241

وإن حج ثم ارتد ثم أسلم، فهل عليه أن يحج؟ على روايتين (١): إحداهما: عليه أن يحج، نص عليه في رواية ابن منصور. وهذا اختيار القاضي (٢). والثانية: لا حج عليه. ولا يصح الحج من كافر، فلو أحرم وهو كافر لم ينعقد إحرامه، ولو ارتدَّ بعد الإحرام بطل إحرامه. الفصل الخامس أنه لا حج على مجنون (٣) كسائر العبادات . قال أبو عبد الله (٤): لا حج على مجنون إلا أن يُفِيق، لقول النبي ﷺ من حديث علي وعائشة ﵄ وغيرهما: «رُفِع القلمُ عن المجنون حتى يُفِيق» (٥). وهو حديث حسن مشهور. ولأن المجنون ليس من أهل الخطاب والتكليف، لعدم العقل والتمييز.

стр. 2242

فلو كان موسرًا في حال جنونه، فلم يُفِقْ إلا وقد أعسر، لم يكن في ذمته شيء. وأما الذي يُفيق (١) أحيانا ... (٢). وهل يصح أن يُحَج بالمجنون كما يُحج بالصبي غير المميِّز، فيَعقِد له الإحرام وليُّه؟ على وجهين (٣): أحدهما: يصح. قال أبو بكر: فإن حُجَّ بالصبي أو العبد أو [ق ١٤٢] الأعرابي [أو المعتوه أو المجنون لم تُجِزئهم عن حجة الإسلام، وأجزأت الصبيَّ والعبد والأعرابي] (٤) والمعتوه إن ماتوا قبل البلوغ، وإن بلغوا (٥) فعليهم الحج، كما قال رسول الله ﷺ (٦). والثاني: لا يصح، وهو المشهور. الفصل السادس أنه لا حجَّ على الصبي قبل البلوغ ، لقول النبي ﷺ : «رُفِع القلم عن الصبي حتى يحتلم» (٧). وفي لفظٍ: «حتى يَشِبَّ» (٨).

стр. 2243

ولأن الحج عبادة تحتاج إلى قطع مسافة، فلم تجبْ على الصبي كالجهاد، وقد جعل النبي ﷺ الحج جهادَ كل ضعيف، وجهادَ النساء (١). فإذا كان له مال، فلم يُدرِك إلا وقد نفِد، فلا حجَّ عليه. وإذا أدرك بالسن ــ وهو استكمال خمس عشرة (٢) سنة ــ أو بإنبات شعر العانة الخشن، ولم يحتلم، فهل يجب عليه الحج ... (٣). الفصل السابع أنه لا يجب إلا على حرٍّ كاملِ الحرية ، فأما العبد القِنُّ (٤) والمعتَقُ بعضُه والمكاتَب والمدبَّر وأم الولد فلا يجب عليهم الحج، لأنها عبادة يتعلق وجوبها بملك المال، والعبد لا مال له، فلم يجب عليه شيء كالزكاة. ولأنها (٥) عبادة تفتقر إلى قطع مسافةٍ بعيدة (٦)، فلم تجب على العبد كالجهاد. وهذا لأن الحج (٧) عبادة تطول مدتها، وتتعلق بقطع مسافة، وتحتاج إلى مال، والعبد مشغول بحقوق سيده، ففي الإيجاب عليه إبطالٌ لحق سيده.

стр. 2244

وهذه الطريقة مستقيمة إذا لم يأذن له السيد، وفيها نظر [إن أذن له]. ولأن العبد ناقص بالرقّ، وقد اجتمع عليه حقٌّ لله (١) تعالى وحقٌ لسيده، فلو وجب عليه ما يجب على الحرِّ لشقَّ عليه، أو عجَز عنه. والحج كمال الدين وآخر الفرائض، ولهذا قال الله تعالى لما وقف النبي ﷺ بعرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فلا يجب إلا على كامل مطلق، والعبد ناقص الأحكام أسيرٌ لغيره. فصل فقد انقسمت شروط الوجوب هذه إلى ما يُشترط (٢) لصحة الحج، وإلى ما لا يُشترط لصحته، وكلها شرط للإجزاء عن حجة الإسلام. وأما الاستطاعة فهي شرط في الوجوب، وليست شرطًا في الإجزاء. فصارت الشروط ثلاثة أقسام كما قلنا في شروط وجوب الجمعة (٣): منها ما هو شرط في وجوبها بنفسه وبغيره، ومنها ما هو شرط في وجوبه (٤) بنفسه. ثم منها ما هو شرط في صحة الجمعة مطلقًا، ومنها ما هو شرط في صحتها أصلًا لا تبعًا، ومنها ما ليس شرطًا في صحتها، لا أصلًا ولا تبعًا.

стр. 2245

مسألة (١): (إذا استطاع إليه سبيلًا، وهو (٢) أن يجد زادًا وراحلةً بآلتها (٣) مما يَصلُح لمثله، فاضلًا عما يحتاج إليه لقضاء ديونه (٤) ومُؤْنةِ نفسه وعياله على الدوام) . في هذا الكلام فصول: أحدها أن الحج إنما يجب على من استطاع إليه سبيلًا بنص القرآن والسنة المستفيضة وإجماع المسلمين. ومعنى قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ... (٥). واستطاعة السبيل عند أبي عبد الله وأصحابه: مِلْك الزاد والراحلة، فمناط الوجوب: وجود المال؛ فمن وجد المال وجب عليه الحج بنفسه أو بنائبه، ومن لم يجد المال لم يجب عليه الحج، وإن كان قادرًا ببدنه. قال في رواية صالح (٦): إذا وجد الرجل الزاد والراحلة وجب الحج. وسئل أيضا في رواية أبي داود (٧): على من يجب الحج؟ فقال: إذا
следующие страницы →