← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

أن الحج قد وجب على هذا المعضوب لما صح (١) ذلك. فإن قيل: المراد أنه من أهل وجوب الحج ... (٢). وأيضًا فإن النبي ﷺ سُئل: ما يوجب الحج؟ فقال: «الزاد والراحلة». ولم يفرق بين القادر بنفسه والعاجز. وأيضًا فإن فرائض الله إذا قدر أن يفعلها بأصل أو بدل وجب عليه ذلك، كما يجب بدل الصوم وهو الإطعام، وبدل الكفارات، وبدل الوضوء والغسل. وأيضًا فإنه من أهل وجوب الحج، وهذه الحَجة تُجزِئ عنه، وتُسقِط عنه فرضَ الإسلام بنص النبي ﷺ ، وقد أمكنتْه الاستنابة (٣) من غير ضرر في دينه ولا دنياه؛ لأن النائب إن كان أجيرًا فلا ضرر مِنَّةٍ (٤) عليه فيه؛ لأن عمله يقع مستحقًّا للمستأجر، كالاستئجار على البناء والخياطة والكتابة. وإن كان نائبًا محضًا فإن النفقة إنما تجب في مال المستنيب، فلا منةَ عليه في ذلك. يبقى عمل النائب فقط، وذلك لا منة فيه؛ لأن له غرضًا (٥) صحيحًا في شهود المشاعر، وعمل المناسك، وحضور الموسم، وله بذلك عمل صالح غير إبراء ذمة النائب (٦) من حجِّ الفرض، وإنما بلغ ذلك بمال المستنيب، فيصيران متعاونين على إقامة

стр. 2277

الحج، هذا بماله، وهذا ببدنه، فليس لأحدهما منة (١) على الآخر. بخلاف ما لو حج عنه بمال نفسه، لا سيما إن كان الحاج عنه (٢) وليه، فإنه مأمور من جهة الشرع بأن يحج عنه صلةً لرحمه، وقضاءً لحقه، كما هو مأمور بالعَقْل عنه، وولايته في النكاح وغيره، ولا منةَ عليه بذلك. و إذا أَحجَّ (٣) عن نفسه أجزأ عنه وإن عوفي . قال في رواية إسحاق بن منصور وأبي طالب (٤): إذا لم يقدر على الحج فحجُّوا عنه، ثم صح بعد ذلك وقدر، فقد قضي عنه الحج، ولا قضاء عليه. وعلى هذا عامة أصحابنا. فإن وجد الزاد والراحلة، ولم يجد من يحجُّ عنه، فهو كما لو عاقه عائق أو ضاق الوقت، هل يثبت الوجوب في ذمته؟ على روايتين. فصل وإن كان العاجز عن الحج يرجو القدرة عليه، كالمريض، والمحبوس، ومن قُطع عليه الطريق، أو منعه سلطان ونحو ذلك= لم تجُزْ له الاستنابة في فرض الحج عند أصحابنا، كما ذكره أحمد (٥)؛ لأن النبي ﷺ إنما أذن في النيابة للشيخ الكبير (٦) الذي لا يستمسك على الراحلة، فأُلحِقَ به من في

стр. 2278

معناه. والذي يُرجى أن يقدر على الحج ليس في معناه لوجوه: أحدها: أن ذاك عاجز في الحال والمآل، وهذا إنما هو عاجز في الحال فقط، والبدل إنما يجب عند تعذُّر الأصل بكل حال. الثاني: أنه لو عجز عن صوم رمضان بكل حال انتقل إلى البدل وهو الفدية، وإن عجز في الحال فقط لم يجز له الانتقال إلى البدل، ولزمه الصوم إذا قدر، فالحج مثله. الثالث: أنه لو جاز ذلك لجاز أن يحج عن الفقير، فتسقط حجة الإسلام من ذمته؛ لأنه عاجز في الحال، وهو من أهل الخطاب بالوجوب. الرابع: أن وجوب الحج لا يختص ببعض الأزمنة دون بعض، فإذا لم يغلب على الظن دوامُ العائق جاز أن يُخاطَب فيما بعد، وجاز أن لا يُخاطَب، فلا يجوز الإقدام على فعل ... (١). فصل إمكان المسير والأداء بسعة الوقت، وخلوِّ الطريق، والصحة (٢): هل هو شرط للوجوب أو للزوم الأداء (٣) فقط؟ على روايتين . فأما العائق الخاص ــ مثل الحبس، والمرض الذي يُرجى برؤه، ومنع السلطان ــ فينبغي أن يكون مثل ضيق الوقت وعاقة الطريق، ولهذا قلنا: إذا عرض مثل ذلك في رمضان لم يجب عليه بعد الموت فدية.

стр. 2279

فإذا قلنا: هو شرط للوجوب، فمات قبل التمكُّن، أو أنفق ماله، أو هلك= لم يكن في ذمته شيء. وإن قلنا: إنما هو شرط في لزوم السعي فإن الحج يثبت في ذمته، فإذا أنفق المال فيما بعد بقي الحج في ذمته. وإذا مات قبل التمكن أُخرِج عنه من تَرِكتِه، لكن لا إثم عليه بالموت (١)، وعليه الإثم بإنفاق المال مع إمكان إبقائه للحج. وإذا استقرَّ الحج في ذمته فعليه فعلُه بكل طريق يمكنه، من اكتساب مالٍ أو مشيٍ. فإن قلنا: هما شرط في الوجوب، وهو قول أبي بكر وابن أبي موسى (٢)؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، بل هو أعجزُ عن (٣) أن يقدر على المشي أو اكتساب المال، وأعجزُ من المعضوب؛ لأنه لا يقدر أن يحج لا بنفسه ولا بنائبه بوجه من الوجوه، فكيف يبقى الحج في ذمته؟ ونحن وإن قلنا: إن العبادة تجب في الذمة قبل التمكُّن فإنما ذاك فيما أطلق وجوبه، كالصلاة والصيام والزكاة. فأما الحج فقد خُصَّ وجوبه بمن استطاع إليه سبيلا، فامتنع إيجابه على غير المستطيع بوجهٍ من الوجوه. يبيِّن ذلك أن السبيل في الأصل هو الطريق والسبب، وكل ما يوصل إلى الشيء فهو طريق إليه وسبب فيه، فالتقدير: على (٤) من استطاع [ق ١٥٠]

стр. 2280

التسبُّبُ والتوصل إليه، أو من استطاع فعلَ سبيل أو سلوكَ سبيل، ويختصُّ الوجوب بمن كان (١) السبيل مستطاعًا له أو مقدورًا. وأيضًا فإن فريضة الحج قد قيل: إنها نزلت سنة (٢) ست، ولم يحج النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه (٣)؛ لأن المشركين كانوا يصدُّونهم عن البيت، ويقيمون الموسمَ في غير وقته، فلم يتمكَّنوا من فعله قبل الفتح وطَرْدِ المشركين، مع قدرة أكثرهم على الزاد والراحلة. فلو كان الوجوب ثابتًا في الذمة لوجب أن يحج عمن مات في تلك السنين منهم، ولبيَّن النبي ﷺ وجوب ذلك في تركاتهم، أو سأله أحد منهم، كما سألوه عمن أدركته فريضة الحج وهو معضوب. وإن كانت فريضة الحج قد تأخرت إلى سنة تسع أو عشر، فإنما سبب تأخيرها صدُّ المشركين عن البيت، واستيلاؤهم عليه، وعدم تمكُّنِ المسلمين من إقامته. فامتنع أصل إيجاب الحج في حق الكافة، فهو بالمنع في حق الخاصة أولى. وأيضًا فإنه لو صُدّ عن البيت بعد الإحرام لم يلزمه إتمام الحج، ولا يجب القضاء في ذمته في ظاهر المذهب، مع أن إتمامه بعد الشروع أوكد من ابتداء الشروع فيه بعد وجوبه. فإذا لم يجب القضاء في ذمة المصدود عنه بعد الإحرام فأن لا يجب الأداء في ذمة المصدود قبل الإحرام أولى.

стр. 2281

وإن قلنا: ليسا بشرطٍ في الوجوب، وهو قول ... (١)، فلأن النبي ﷺ سُئل: ما يوجب الحج؟ فقال: «الزاد والراحلة» (٢). وفسَّر الاستطاعة بذلك كما ذُكر في غير هذا الموضع، فلا تجوز الزيادة على ذلك، بل يعلم أن وجود ذلك موجب للحج. وذلك لأن الوجوب في الذمة إنما يعتمد القدرة على الفعل في الحال أو في المآل، بنفسه أو بنائبه، كوجوب الدين في الذمة. وهذا يجب في ذمته الحج ليفعله فيما بعدُ بنفسه إن أمكن، وإلا فبنائبه كالمعضوب. حتى لو فُرِض من لا يمكن الحج عنه في المستقبل مثل من يقدر عليه بعد آخر سنة يحج الناس فيها، لم يجب في ذمته، وهذا لأنه لا فرق بين هذا وبين المعضوب، إلا أن المعضوب يمكنه الإحجاج عنه في الحال بخلاف المصدود. والتمكن من فعل العبادة إذًا ليس بشرط؛ لوجوبها في الذمة، بدليل أن صوم رمضان يجب على الحائض والمريض، لا سيما على أصلنا المشهور في الصلاة والزكاة والصوم. فإن كل من أمكنه قضاء العبادة وجبت (٣) في ذمته إذا انعقد سبب وجوبها. والزاد والراحلة بمنزلة شهود الشهر في رمضان، وبمنزلة حَوْل (٤) الحَولِ في الزكاة، فمن ملك ذلك و (٥) أمكن فعل الحج أداءً أو قضاءً وجب عليه.

стр. 2282

مسألة (١): (ويُعتبر للمرأة وجودُ مَحْرمها، وهو زوجها، ومن تَحْرم عليه على التأبيد بنسبٍ أو سببٍ مباح) . في هذا الكلام فصلان: أحدهما أن المرأة لا يجب عليها أن تسافر للحج، ولا يجوز لها ذلك إلا مع زوج أو ذي محرم؛ لما روى ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا معها ذو مَحْرم» متفق عليه (٢)، وفي لفظٍ لمسلم (٣): «لا يحِلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُسافر مسيرةَ ثلاثٍ ليال إلا ومعها ذو مَحْرم». وعن أبي سعيد الخدري (٤) ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن تسافر المرأة مسيرة يومين أو ليلتين إلا ومعها زوجها (٥) أو ذو مَحْرمٍ منها. متفق عليه (٦). وفي روايةٍ للجماعة (٧) إلا البخاري والنسائي: «لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن

стр. 2283

بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو مَحْرم منها». وعن أبي هريرة (١) ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «لا يحلُّ لامرأةٍ تسافر مسيرةَ يوم وليلة ليس معها حُرْمةٌ (٢) إلا مع ذي محرم عليها». متفق عليه (٣)، وفي روايةٍ لمسلم وغيره (٤): «مسيرةَ يومٍ إلا مع ذي محرم». وفي روايةٍ له ولغيره (٥): «لا يحلُّ لامرأةٍ مسلمةٍ تُسافر مسيرةَ ليلةٍ إلا ومعها رجل ذو حُرمةٍ (٦) منها». وفي روايةٍ لأبي داود (٧): «بَرِيدًا» (٨). وعن ابن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لا يخلُونَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو مَحْرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي مَحْرم». فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجَّةً، وإني اكتُتِبْتُ في غزوة كذا

стр. 2284

وكذا، قال: «فانطلِقْ فحُجَّ مع امرأتك». متفق عليه (١)، ولفظ البخاري (٢): «لا تُسافر امرأةٌ إلا مع مَحْرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها مَحْرم». فقال رجل: إني أريد جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحج، قال: «اخرجْ معها». فهذه نصوص من النبي ﷺ في تحريم سفر المرأة بغير محرم، ولم يخصِّص سفرًا من سفر، مع أن سفر الحج من أشهرها وأكثرها. فلا يجوز أن يُغفِله ويُهمِله ويستثنيه بالنية من غير لفظ، بل قد فهم الصحابة منه دخول سفر الحج في ذلك (٣) لما سأله ذلك الرجل عن سفر الحج، وأقرَّهم على ذلك، وأمره أن يسافر مع امرأته، ويترك الجهاد [ق ١٥١] الذي قد تعيَّن عليه (٤) بالاستنفار فيه. ولولا وجوب ذلك لم يجزْ، وهو لم يَستفصِلْه هل خرجتْ امرأته مع رجالٍ مأمونين أو نساءٍ ثقات. وكيف يجوز (٥) أن يخرج سفر الحج من هذا الكلام، وهو أغلب أسفار النساء؟ فإن المرأة لا تسافر في الجهاد ولا في التجارة غالبًا، وإنما تسافر في الحج، ولهذا جعله النبي ﷺ جهادهن. وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز لها السفر إلا على وجهٍ تأمنُ (٦) فيه البلاء، ثم بعض الفقهاء ذكر (٧) كلٌّ منهم ما اعتقده حافظًا لها وصائنًا،

стр. 2285

كنسوة ثقاتٍ ورجال مأمونين، ومنعها (١) أن تسافر بدون ذلك. فاشتراط ما اشترطه الله ورسوله أحقُّ وأوثقُ، وحكمته ظاهرة، فإن النساء لحمٌ على وَضَمٍ (٢) إلا ما ذُبَّ عنه، والمرأة مُعرَّضة في السفر للصعود والنزول والبروز، محتاجة إلى من يعالجها، ويمسُّ بدنها (٣)، تحتاج هي ومن معها من النساء إلى قَيِّم يقوم عليهن، وغير المحرم لا يُؤمَن ولو كان أتقى الخلق (٤)؛ فإن القلوب سريعة التقلُّب، والشيطان بالمرصاد، وقد قال النبي ﷺ : «ما خلا رجلٌ بامرأةٍ إلا كان الشيطان ثالثَهما» (٥). قال أحمد في رواية الأثرم (٦): لا تحجُّ المرأة إلا مع ذي محرم؛ لأن رسول الله ﷺ نهى أن تحج المرأة إلا مع ذي محرم. وليس يُشبِه أمر الحج الحقوقَ التي تجب عليها؛ لأن الحقوق لازمة

стр. 2286

واجبة، مثل الحدود وما أشبهها، وأمر النساء صعب جدًّا؛ لأن النساء بمنزلة الشيء الذي يُذَبُّ عنه (١)، وكيف تستطيع المرأة أن تحج بغير محرم؟ فكيف بالضَّيعة وما يخاف عليها من الحوادث؟ و لا يجوز لها (٢) أن تسافر بغير محرم إلا في الهجرة ؛ لأن الذي تهرب منه شرٌّ من الذي تخافه على نفسها، وقد خرجت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط وغيرها من المهاجرات بغير محرم (٣). وفي حضور مجلس الحاكم؛ لأنه ضرورة يُخاف منه أن يضيع حق المدعي. وفي التغريب (٤)، لأنه حدٌّ قد وجب عليها. فإن كان بينها وبين مكة دون مسافة القصر ... (٥). والعجوز التي لا تُشتهى ... (٦). وهل المَحْرم شرط للوجوب أو للزوم والأداء (٧)؟ على روايتين:

стр. 2287

إحداهما هو شرط للوجوب، وهو قول أبي بكر وابن أبي موسى (١). قال في رواية ابن منصور (٢): المَحْرم للمرأة من السبيل. الفصل الثاني في المَحْرم وقد قال الشيخ (٣): هو زوجها ومن تَحْرُم عليه على التأبيد بنسب أو سببٍ مباح. وتسمية الزوج مَحْرمًا تمسك بقوله: «لا تسافر المرأة إلا ومعها (٤) محرم». وفي أكثر الروايات: «ذو محرم» (٥). ومعلوم أنها تسافر مع الزوج، فيتناوله اسم «مَحرم». وربما لم يُسَمَّ مَحْرمًا على ما جاء في أكثر الروايات: «إلا ومعها زوجها، أو ذو مَحْرمٍ منها». وسبب هذا أن المَحْرم إما صفة أو مصدر، وهو مشتق إما من التحريم أو الحرمة، فأما الزوج فإنها مباحة له، فإن كانت محرَّمةً عليه لكونها معتدةً من وطء شبهة، أو مُحرِمةً وهو مُحِلٌّ، أو هما مُحرِمان قد وجب التفريق بينهما لكونهما في قضاء حج فاسد، وفي معناه سيد الأمة، فإن كانت حرامًا عليه ... (٦).

стр. 2288

وأما من تحرم عليه بالنسب من ولدها، وآبائها، وإخوتها، وبني إخوتها، وأعمامها، وأخوالها= فكلهم محارم لها، سواء كان سبب النسب نكاحًا صحيحًا، أو فاسدًا، أو وطء شبهة؛ فإن أحكام الأنساب الثابتة على هذه الوجوه سواءٌ في الأحكام. فأما بنته من الزنا وأخته (١) ونحو ذلك فلا نسبَ بينهما وإن حرمت عليه، فليس بمَحْرم لها في المنصوص بخلاف أمه الزانية (٢). وكذلك ابنته التي لاعنَ عليها ليس هو بمَحْرمٍ (٣) لها، ولا ابنه، ولا أبوه. وأما السبب فقسمان: صِهْر، ورضاع. أما الصهر فأربع: زوج (٤) أمها وابنتِها، وأبو (٥) زوجها، وابنُه. وأما الرضاع فإنه يحرم منه ما يحرم من النسب. وهؤلاء كلهم محارم. وأما من (٦) يحرم نكاحها تحريمًا عارضًا، كالمطلقة ثلاثًا، وأخت امرأتِه وسرّيتِه، ونحو ذلك= فليس هو مَحْرمًا لهن؛ لأنه (٧) لو كان محرمًا لهن لكان من تزوج أربعًا قد صار محرمًا لجميع بنات آدم.

стр. 2289

وذلك لأنها إذا حرمت على التأبيد يئست النفس منها، ولم يبقَ لها طمعٌ في أن تنظر إليها نظرَ شهوةٍ في الحال ولا في المآل، بخلاف من تحرم في الحال فقط، فإن اعتقاد حلِّها بطريق من الطرق يُطمِع النفسَ في النظر (١) إليها، ويصير الشيطان ثالثهما في ذلك، ولو كان مجرد التحريم كافيًا في ذلك لكان مَحْرمًا لسائر المحصنات، بل لكلّ (٢) النساء. قال ابن أبي موسى (٣): ولو حجت المرأة بغير مَحْرم أجزأتها الحجة عن (٤) حجة الفرض، مع معصيتها و [ق ١٥٢] عِظَم (٥) الإثم عليها. مسألة (٦): (فمن فرَّط حتى مات أُخرِج عنه من ماله حجة وعمرة) . وجملة ذلك: أن من وجب عليه أن يحجَّ بنفسه أو نائبه في حياته، ففرَّط في ذلك حتى مات، وله تركة= وجب أن تُخْرَج من ماله حجة، وعمرة إذا قلنا بوجوبها وهو المشهور في المذهب. وكذلك من وجب عليه ولم يفرِّط، وهو من كان به مرض يُرجَى بُرؤه، أو كان محبوسًا، أو ممنوعًا، أو كان بطريقِه عاقةٌ، أو ضاق الوقت عن حجه وعمرته، أو لم يكن للمرأة مَحْرم، إذا قلنا بوجوب الحج في ذمتهم، ويكون

стр. 2290

هذا الحج دينًا عليه= يُخرَج من رأس ماله مقدَّمًا على الوصايا والمواريث. هذا مذهب أحمد، نصَّ عليه في غير موضع (١) وأصحابه، كما قلنا مثل ذلك في الزكاة والصيام؛ لأن الحج دين من الديون، بدليل ما روى عبد الله بن الزبير ﵄ قال: جاء رجل من خثعم إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير لا يستطيع ركوبَ الرَّحْل، والحج مكتوب عليه (٢)، أفأحجُّ عنه؟ قال: «أنت أكبرُ ولدِه؟» قال: نعم، قال: «أرأيت لو كان على أبيك دَينٌ فقضيتَه عنه أكان ذلك يُجزِئ عنه؟» قال: نعم، قال: «فحُجَّ (٣) عنه». رواه أحمد والنسائي (٤). وعن سليمان بن يسار عن الفضل بن عباس: أنه كان رديفَ رسول الله ﷺ ، فجاءه رجل، فقال: يا رسول الله، إن أمي عجوز كبيرة، وإن حملتُها لم تستمسكْ، وإن ربطتُها خشيتُ أن أقتلها، فقال رسول الله ﷺ : «أرأيتَ لو كان على أمك دينٌ أكنتَ قاضيَه؟» قال: نعم، قال: «فحجَّ (٥) عن أمك». رواه النسائي (٦)، وقال: لم يسمع سليمان (٧) من الفضل.

стр. 2291

ورواه أحمد (١) عن سليمان، عن عبيد الله، [أو] (٢) عن الفضل بن عباس: «أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير لا يثبت على راحلته، أفأحج عنه؟ قال: «أرأيتَ لو كان عليه (٣) دَينٌ فقضيتَه عنه أكان يُجزِئه؟» قال: نعم، قال: «فاحْججْ (٤) عن أبيك». وهذا أشبه بالصواب؛ لأن الذي في حديث الفضل (٥) إنما سألت عن أمها، وبدليل ما سيأتي من الأحاديث. وإذا كان بمنزلة الدين دخل في عموم قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، فإن الله سبحانه عمَّ بقوله: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ فإنها نكرة في سياق معنى النفي؛ لأن قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ في معنى قوله: إنما الميراث بعد وصية أو دين، ولم يخصّص دين الآدمي من دين الله سبحانه. ولهذا لو كان قد نذر الصدقة بمال، ومات قبل أن يتصدق= أُخرِج عنه من صلب المال.

стр. 2292

وأيضًا عن بُريدة بن الحُصَيب ﵁ قال: بينا (١) أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأة، فقالت: إني تصدَّقتُ على أمي بجارية، وإنها ماتت، فقال: «وجب أجرُكِ، وردّها عليك الميراث»، قالت: يا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها»، قالت: إنها لم تحجَّ قطُّ، أفأحجُّ عنها؟ قال: «حُجِّي عنها». رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي (٢)، وقال: حديث حسن صحيح. وعن ابن عباس ﵄ أن امرأة من جُهَينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرتْ أن تحجّ، فلم تحجّ حتى ماتت، أفأحجُّ عنها؟ قال: «نعم حُجِّي عنها، أرأيتِ لو كان على أمكِ دينٌ أكنتِ قاضيتَه؟ اقْضُوا الله فالله أحقُّ بالوفاء». رواه البخاري (٣). وعن ابن عباس ﵄ قال: أمرتْ امرأةُ سِنان بن سلمة الجهني أن يسأل رسول الله ﷺ أن أمها ماتت ولم تحجَّ، أفيُجزِئ أمَّها أن تحجَّ عنها؟ قال: «نعم، لو كان على أمها دينٌ فقضَتْه عنها ألم يكن يُجزِئ عنها؟ فلتحجَّ عن أمها» (٤). وعنه أيضًا: أن امرأة سألت النبي ﷺ عن أبيها مات ولم يحج، قال: «حُجّي عن أبيك» (٥).

стр. 2293

وعنه قال: قال رجل: يا نبي الله، إن أبي مات ولم يحجَّ، أفأحجُّ عنه؟ قال: «أرأيتَ لو كان على أبيك دينٌ أكنتَ قاضيَه؟» قال: نعم، قال: «فدينُ الله أحقُّ» (١). رواهن النسائي. فوجه الدلالة من هذه الأحاديث من وجوه: أحدها: أن النبي ﷺ أمر بفعل حجة الإسلام والحجةِ المنذورة عن الميت، وبيَّن أنها تُجزئ عنه، وهذا يدل على بقائها في ذمته، وأنها لم تسقط بالموت، وأنها تؤدَّى عنه بعد الموت. وكل ما يبقى من الحقوق بعد الموت ويؤدَّى بعد الموت، فإنه يجب فعله عنه (٢) إذا كان له ما يُفعَل منه، وذلك لأن (٣) من يقول: لا يجب فعله بعد الموت يزعم أن حجة الإسلام قد سقطت بالموت، وأن الذي يُفعل عنه حجُّ تطوعٍ له أجره وثوابه؛ لأن الواجب ــ زعم ــ لا يُفعَل إلا بإذنه، حتى لو أوصى (٤) بذلك، فإن الذي يوصي به ليس هو حجة الإسلام عنده. والنبي ﷺ بيَّن أن نفس الواجب هو الذي يُقضَى عنه. الثاني: أن النبي ﷺ [ق ١٥٣] بيَّن أن الحج دَينٌ في ذمته، وكل من عليه

стр. 2294

دين فإنه يجب أن يُقضى عنه من تَرِكته بنصّ القرآن. الثالث: قوله: «اقْضُوا الله، فالله أحقُّ بالوفاء» (١)، وقوله في حديث آخر عن الصوم: «فحقُّ الله أحقُّ» (٢)، إما أن يكون معناه: أن قضاء دين الله أوجب من قضاء دين الآدمي، كما فسَّره بذلك القاضي (٣) وغيره من أصحابنا؛ لأن وجوبه أوكد وأثبت. ويرجِّح هذا المعنى أن وجوب الحج والزكاة آكدُ من وجوب قضاء [دين] (٤) الآدمي؛ لأنهما من مباني الإسلام، مع ظاهر قوله: «فالله أحقُّ بالوفاء». فعلى هذا إذا وجب قضاء دين الآدمي من تركته فلأَن (٥) يجب قضاء دين الله أولى وأحرى. وإما أن يكون معناه: إذا كان قضاء دين الآدمي يُجزِئ عنه بعد الموت فدين الله أحقُّ أن يُجزِئ؛ لأن الله تعالى كريم جواد، ومن يكون أحرى بقبول القضاء فحقه أولى أن يقضى؛ لأنه أجدرُ أن يَحصُل بقضائه براءة الذمة. ويُرجِّح هذا المعنى أن القوم إنما سألوه عن جواز القضاء عن الميت لا عن وجوبه عليهم، فعلى هذا إذا وجب فعلُ الدين عنه لبقائه وكونه يُجزئ عنه بعد الموت، وجب قضاء الحج ونحوه عنه لبقائه وكونه يُجزئ بعد الموت (٦)، لأن معناهما واحد.

стр. 2295

الرابع: أن هذه الأحاديث تقتضي جواز فعل الحج المفروض عن الميت، سواء وصَّى بذلك أو لم يُوصِّ (١)، وسواء كان له تركة أو لم يكن؛ لأن النبي ﷺ لم يسألهم عن تركةٍ خلَّفوها. وتقتضي أن ذلك يُجزِئ عنه، ويؤدِّي عنه ما وجب عليه، وهذه الأحكام بعينها أحكام ديون الآدميين. الخامس: أن النبي ﷺ أمر الولي أن (٢) يحج عنه، والأمر يقتضي الوجوب، لاسيما وقد شبَّهه بالدين الذي يجب قضاؤه من تركته، ولما كان الدين يجب قضاؤه إن كانت له تركة، ويستحب قضاؤه إذا لم تكن له تركة، فكذلك الحج. وأيضًا فقد تقدم (٣) إجماع الصحابة أنه (٤) إذا مات وعليه صيام من رمضان أُطعِم عنه، كما يُطعِم عن نفسه إذا كان شيخًا كبيرًا، فإذا وجب الإطعام في تركته فكذلك يجب الحج من تركته، ولا فرق. وأيضًا فإن الحج حقٌّ مستقرٌّ في حياته تدخله النيابة، فلم يسقط بالموت كديون الآدمي؛ ولأنه (٥) حق واجب تصح الوصية به (٦)، فلم يسقط بالموت (٧) كديون الآدميين.

стр. 2296

فإن قيل: إذا مات قبل الحج فقد لحقه الوعيد، بدليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ٩ - ١٠]، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠]. ولأنه إذا مات قبل أن يحج مات عاصيًا على كبيرة من الكبائر، بل يُتخوف (١) عليه أن يموت على غير الإسلام، كما نذكر إن شاء الله في مسألة الفور، فلو كان الحج يجب أن يُفعَل عنه بعد موته، ويُجزِئه كما يُجزِئه لو فعله في حياته، لكان يجوز للرجل أن يؤخِّر الحج إلى ما بعد الموت، كما له أن يؤخِّره إلى آخر حياته عند من يجوِّز تأخيره. والذي يبيِّن ذلك أن الحج وغيره من العبادات (٢) ابتلاء للعبد وامتحان له، وأمرٌ له بأن يعبد الله، وهذا القدر لا يحصل إلا بأن يقصد العبادة ويفعلها بنفسه، أو يأمر من (٣) يفعلها. وبالموت قد تعذَّر ذلك، ولهذا لو حج عنه غيره في حياته (٤) بغير إذنه لم يُجزِئ عنه، وهذا بخلاف دين العبد، فإنه لا يفتقر إلى النية، ويصح بدون إذنه، حتى (٥) لو أداه عنه غيره بغير إذنه جاز،

стр. 2297

ولو اقتضاه الغريم من ماله بغير (١) إذنه برئتْ ذمته. وإذا كان كذلك فيجب أن تُحمل الأحاديث إما (٢) على قوم لم يحجُّوا، ولم يجب عليهم الحج لكونهم لم يملكوا زادًا وراحلة، أو على أنه وإن وجب عليهم لكن لهم ثواب وأجر ما يُفعَل عنهم، لا أن الواجب نفسه يسقط، وإذا لم يسقط الواجب لم يجب على الورثة شيء. قلنا: لا ريب أنه يموت عاصيًا معرَّضًا للوعيد، لكن هذا لا يوجب سقوطه عنه، وعدمَ صحتِه ووجوبِه بعد موته؛ كمن أخّر الصلاة عمدًا (٣) حتى خرج وقتها، أو أفطر في رمضان عمدًا، فإن ذلك من الكبائر، وإن (٤) وجب عليه القضاء وأجزأ عنه. وكذلك من مَطَلَ الغرماء بديونهم مع اليسار حتى مات، فإنه يأثم بهذا المطل والتأخير، ويُؤدَّى عنه بعد موته ويُجزِئه، بل عندنا لو أخَّره لغير عذرٍ، ثم فعله في آخر عمره أجزأ عنه، وأثِمَ بالتأخير إلا أن يتوب ويستغفر الله (٥). وهذا لأن الله أوجب عليه أن يحج، وأن يكون الحج بنفسه، كما أوجب عليه أن يصلّي ويصوم، وأن يفعل الصلاة والصوم في [ق ١٥٤] وقتهما (٦)، فمتى تعذَّر عليه (٧) فعلُه بنفسه ــ وهو أحد الواجبين ــ لم

стр. 2298

يسقط الواجب الآخر، وهو مطلق الحج (١) الذي يمكن أن يفعل عنه، وإذا (٢) تعذَّر فعل العبادة في وقتها لم يسقط نفس الفعل، بل يفعل بعد الوقت. فهذا الذي أخّر الحج حتى مات، إن لم يُفعَل عنه لحِقَه وعيدُ تركِ الحج بالكلية، وإن فُعِل عنه أجزأ عنه نفس الحج، وبقي إثم تأخيره وتفريطه فيه وتركِ فعله، كما يبقى على من يقضي الدين إثمُ المطْل وأشدُّ. وسؤاله الرجعةَ وكونُه يخاف عليه الموت على غير الإسلام حق؛ لأن ذلك لأجل تركِه (٣) الحجَّ بنفسه وتفريطه فيه، كما أن من (٤) ترك صلاة العصر متعمدًا حبِطَ عملُه وإن قضاها، وكما يلحق الوعيد للذين (٥) هم عن صلاتهم ساهون، وإن صلَّوها بعد الوقت. وهنا (٦) قد قَضَوها هم (٧) بأنفسهم، فكيف بمن يقضي عنه غيره بغير إذنه؟ و (٨) لأن هذا النكال (٩) وهذا الخطر والعذاب الشديد يكون حين الموت قبل أن يحج عنه (١٠)، فإذا حج عنه خفّف عنه ذلك بدليل ... (١١).

стр. 2299

و (١) لأنه ليس كل من مات يُحَجُّ عنه، إما لأنه قد لا يُخلف مالًا، أو لأنه (٢) قد يتهاون الورثة في الإخراج عنه، فمن كان في علم الله أنه (٣) يحج عنه يكون أمره أخفَّ. وأما كون الفرائض لا يصح فعلها إلا بنية المكلَّف وأمرِه؛ لأن امتثال الأمر بدون ذلك محال، فذلك فيما وجب أن يفعله (٤) بنفسه، ولهذا لو (٥) حج عنه غيره حجة الإسلام في حياته بدون أمره لم يصح، فإذا مات صار المخاطب بالوجوب غيره، وهم الورثة. ثم إن الله تعالى بكرمه وجوده أقام فعلَهم عنه مقام فعله بنفسه إن (٦) كان لم يُفرِّط في التأخير لكونه معذورًا، وإن كان فرَّط قام مقامه في نفس الفعل، وبقي إثم الترك عليه هو إلى الله تعالى، إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له؛ وهذا لأن ما وجب أن يفعله بنفسه يستحيل أن ينويه غيره، فأما إذا كان الوجوب على غيره مثل أداء الزكاة من مال اليتيم فإن المخاطب بها هو (٧) الولي. يبقى الحج عن المعضوب هل يُجزِئ عنه بدون إذنه؟ قال أصحابنا (٨):

стр. 2300

لا يجزئ عنه (١) بدون إذنه، ويتوجه ... (٢). وأيضًا فإن ذلك ما دام إذنه ممكنًا، فعند تعذُّرِ إذنه يجوز أن يجعل الله فعل غيره قائمًا مقام فعلِ نفسِه في الواجبات وامتثال الأوامر، كما قد يقوم فعلُ غيره مقامَ فعله في المندوبات وحصول الثواب، كما تقدَّم في مسألة إهداء الثواب للموتى (٣)، وتقدَّم تقرير هذه القاعدة، وأن من زعم أن العمل لا ينفع غير عامله في جميع المواضع فقد خرج عن دين الإسلام (٤). فصل يجب الحج عن الميت والعاجز من حيث وجب عليه ، قال القاضي (٥): يلزمهم أن يحجوا عنه من دُويرة أهله. وهو الموضع الذي ملك فيه الزاد والراحلة، سواء كان هو وطنه أو لم يكن، وسواء مات فيه أو في غيره. ثم إن مات في بلد الوجوب حُجَّ عنه من ذلك البلد. وإن مات في بلد أبعد عن مكة منه، أو هو في جهة غير جهة بلد الوجوب، حُجَّ عنه من بلد الوجوب، ولم يجب أن يحج عنه من بلد الموت. وإن مات ببلد أقرب إلى مكة من بلد الوجوب، وجب أن يُحَجَّ عنه من بلد الوجوب أيضًا، إلا أن يكون قد مات

стр. 2301

قاصدًا للحج. قال في رواية الأثرم (١): يُحَجُّ عنه من حيث وجب عليه من حيث أيسر، قيل له: فرجل من أهل بغداد خرج إلى خراسان فأيسر ثَمَّ؟ يُحَجُّ (٢) عنه من حيث أيسر، فذُكِر له أن رجلًا قال: يُحَجُّ عنه من الميقات، فأنكره. قيل له (٣): فرجل من أهل خراسان أو من أهل بغداد خرج إلى البصرة، ومات بها، قال: يُحَجُّ عنه من حيث وجب عليه. وقال في رواية أبي داود (٤) في (٥) رجلٍ من أهل الريّ وجب عليه الحج ببغداد، ومات بنيسابور: يُحَجُّ (٦) عنه من بغداد ... (٧). وذلك لأن النبي ﷺ جعل الحج الذي عليه دَينًا، وأمر الوارث أن يفعله (٨) عنه كما يفعل الدين، وقد كان عليه أن يحج من دُويرة أهله، فكذلك من يحج عنه. ولأن الحجة التي يُنشِئها من دُويرة أهله أفضل وأتمُّ من التي يُنشِئها من دون ذلك، بدليل قوله سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال

стр. 2302

علي ﵁: إتمامهما (١) أن تُحرِم بهما من دُويرة أهلك (٢). يعني أن تُنشئ لهما سفرًا من دُويرة أهلك. فإذا مات فقد استقرت في ذمته على صفة تامة، فلا يجزئ أن يفعل بدون تلك الصفة. ولأنها مسافة وجب قطعها في حال الحياة، فوجب قطعها بعد الموت، كالمسافة من الميقات، وهذا لأنه لو كان مجرد الحج كافيًا لأجزأ الحج عنه من مكة، لأنها حجة تامة. و (٣) لأن قطع المسافة في الحج أمر مقصود؛ لأن النبي ﷺ جعل ذلك جهادًا (٤)، فقال: «الحج جهاد كل ضعيف» (٥). وقال للنساء: «عليكن جهاد لا قتالَ فيه: الحج والعمرة» (٦). ولهذا كان ركن الوجوب الزاد والراحلة هو المال، فيجب الحج بوجوده، وينتفي الوجوب [ق ١٥٥] بعدمه. ومعلوم أن المال لا يحتاج إليه في أفعال الحج، فإن أكثر المواقيت بينها وبين مكة دون مسافة القصر، وذلك القدر لا يعتبر له راحلة ولا مِلْك زادٍ أيضًا، ولهذا ذكر النبي ﷺ : «الرجل يُطيل السفر أشعثَ أغبرَ، يمدُّ

стр. 2303

يديه (١) إلى السماء، يا ربِّ، يا ربِّ، ومطعمُه حرام ومشربُه حرام وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟» (٢)، ولم يذكر مثل هذا في المصلّي ونحوه؛ لأنه ليس المال من خصائصه. فلو جاز أن يحج عنه من دون الميقات لسقط ما يعتبر له المال من قطع المسافة. وأيضًا فإن النائب يجب أن يحج من حيث وجب على المنوب عنه كالمعضوب، فإنه لا بد أن يُحَجّ عنه من دُويرة أهله، والميت مثله، لأنهما في المعنى سواء. فإن قيل: فهذا الميت والمعضوب لو قطع هذه المسافة لغير الحج، ثم أراد إنشاء الحج، لم يجب عليه أن يرجع إلى دُويرة أهله. قلنا: وكذلك لو جاوز الميقات غير مريدٍ لمكة (٣)، ثم عرض له قصدُها، جاز أن يُحرِم من موضعه، وإن لم يجز له ابتداءً أن يجاوزه إلا محرمًا. ولأن من حج بنفسه يسقط (٤) الفرض عنه بنفس أداء المناسك على أي صفة كان، بخلاف من حج عن غيره.

стр. 2304

فصل ومتى ملك الزاد والراحلة وجب عليه أن يحج على الفور، فإن أخّره بعد ذلك عصى بذلك. هذا هو المشهور في المذهب الذي عليه جمهور أصحابنا (١)، مثل أبي بكر وابن حامد (٢)، وغيرهم. وقد نصّ أحمد في رواية عبد الله وابن إبراهيم (٣) فيمن استطاع الحج وكان موسرًا، ولم تحبسه علة ولا سبب: لم تجز شهادته. وقال (٤): إنه لا تُقبل شهادة من كان موسرًا قد وجب عليه الحج ولم يحج، إلا أن يكون به زمانةٌ أو أمرٌ يَحبِسه. ولم يفرِّق بين أن يكون عازمًا على فعله أو غير عازم، ولم يأمر الحاكم بالاستفصال. وقال ابن أبي موسى (٥): اختلف أصحابنا في الحج هل هو (٦) على الفور أو على التراخي، على وجهين: أصحهما أنه على الفور على من وجد السبيل إليه، وهو بيِّن في كلام أحمد ﵁.

стр. 2305

ولأن أحمد أوجب أن يُخْرَج (١) عن الميت من حيث يجب عليه، وإن مات أبعد منه أو أقرب، ولو كان الوجوب في غير وطنه. وذكر القاضي أبو الحسين (٢) في المسألة روايتين: إحداهما: أنه على التراخي، ذكرها ابن حامد. وكذلك ذكر ابن أخيه (٣)؛ لأنه (٤) قال: وإذا وجد الزاد والراحلة وجب الحج عليه. وقال: ولا تُقبل شهادة من كان موسرًا قد وجب الحج عليه ولم يحج، إلا أن يكون به زمانةٌ أو أمرٌ يحبِسه، وهو قياس على سائر العبادات الموقتة. وذكر القاضي أبو يعلى الصغير في المسألة روايتين: إحداهما أن وجوبه على التراخي، واختار ذلك لأن فريضة الحج نزلت على رسول الله ﷺ في سنة خمس أو ست؛ لأن ذِكْرَ الحج في حديث ضِمام بن ثعلبة، وقد وفد على النبي ﷺ سنة خمس؛ ولأن الله تعالى قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فأمر بإتمامهما (٥)، وذلك يقتضي وجوب فعلهما تامَّينِ، ووجوبَ إتمامهما بعد الشروع فيهما، كما أن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] يقتضي ذلك؛ لأن حقيقة الإتمام فعل الشيء تامًّا، وذلك أعمُّ من أن يُبتدأ ثم يتمّ، أو أن يُعمل بعد الابتداء، ولو لم يكن الأمر بإتمامهما (٦) إلا

стр. 2306

للداخل فيهما، فإنما يجب الإتمام لما كان واجبًا بأصل الشرع. أما أن يكون إتمام العبادة واجبًا أو (١) جنسها ليس واجبًا بالشرع، بل العبادات اللواتي يجب جنسهن في الشرع لا يجب إتمامهن= فهذا بعيد. وهذه الآية نزلت عام الحديبية سنة ست من الهجرة بإجماع أهل التفسير (٢). وأيضًا فإن الله تعالى فرض الحج على لسان إبراهيم ﵇ بقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧]، وشرعُ من قبلنا شرعٌ لنا، لا سيما شرع إبراهيم؛ فإنا مأمورون باتباع ملته بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وبقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وقوله: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، وقد فسر جماعة من السلف الحنيف: بالحاج (٣)، وقوله: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٥ - ٩٦]، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (٤) [الأنعام: ١٦١]، وبقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ

стр. 2307

إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠]، وبقوله تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ في آخر سورة الحج والمناسك، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨]، خصوصًا حرمة الكعبة وحجها (١)، فإن محمدًا ﷺ لم يُبعث بتغيير ذلك، وإنما بُعث بتقريره وتثبيته وإحياء مشاعر إبراهيم ﵇. وقد اقتص [ق ١٥٦] الله تعالى علينا أمر الكعبة، وذكر بناءها وحجَّها واستقبالها وملةَ إبراهيم في أثناء سورة البقرة (٢)، وذكر أيضًا ملة إبراهيم والبيت وأمره (٣)، وثلَّث ذلك في أثناء سورة آل عمران (٤)، وذكر الحج وأمره وسنته وملة إبراهيم والمناسك والحضّ عليها وتثبيت أمرها في سورة الحج (٥)، وسورة الحج بعضها مكي بلا شك أو (٦) أكثرها، وباقيها مدني متقدم، فعُلِم بذلك أن إيجاب الحج وفرضه (٧) من الأمور المحكمة من ملة إبراهيم (٨)، فيكون وجوبه من أول الإسلام.

стр. 2308

وإذا كان وجوبه متقدمًا، وهو ﷺ فتح مكة في رمضان سنة ثمان، وأقام الحج للناس تلك السنة عتّاب بن أَسِيد أمير رسول الله ﷺ ، ثم بعث أبا بكر الصديق ﵁ في سنة تسع، فأقام للناس الموسم، ومعه علي بن أبي طالب بسورة براءة ورجالٌ من المسلمين، فلو كان الحج واجبًا على الفور لبادر رسول الله ﷺ إلى فعله. ولو فُرِض له عذرٌ فإن عامة أصحابه لم يحجوا إلّا معه حجة الوداع، ومحالٌ أن يكون ألوفٌ مؤلَّفة ليس فيهم مستطيع (١). وأيضًا فإن الله تعالى أوجبه إيجابًا مطلقًا، وأمر به ولم يخصَّ به زمانًا دون زمان، فيجب أن يجوز (٢) فعله في جميع العمر. ومن قال [به] (٣) من أصحابنا قال: إن الأمر المطلق لا يقتضي فعل المأمور به على الفور، لا سيما والحج هو عبادة العمر، فيجب أن يكون جميع العمر وقتًا له، كما أن الصلاة لما كانت عبادة وقت مخصوص، وقضاء رمضان لما كان عبادة سَنَةٍ مخصوصة (٤) = كان جميع ذلك الزمن وقتًا لها (٥). وأيضًا فإنه لو وجب على الفور لكان فعله بعد ذلك الوقت قضاء، كما لو فعل الصلاة بعد خروج الوقت، وليس كذلك.

стр. 2309

وأيضًا فإنه إذا أخَّره وفعله فقد برئت ذمته، والأصل براءة الذمة من إثم التأخير، فمن ادعاه فعليه الدليل. فعلى هذا هل يجب العزم على الفعل لجواز تأخيره؟ ... (١)، وإنما يجوز تأخيره إلى أن تظهر أمارات العجز ودلائل الموت، بحيث يغلب على ظنه أنه إن لم (٢) يحج ذلك العام فاته، فإن أخَّره (٣) بعد ذلك أَثِمَ ومات عاصيًا، وإن مات قبل ذلك فهل يكون آثمًا؟ ذكر أبو يعلى فيه (٤) وجهين، واختار أنه لا يكون آثمًا، كما لو مات من عليه الصلاة وقضاء رمضان في أثناء وقتهما. والأول (٥): هو المذهب المعروف لمسلكين عام وخاص: أما العام فهو أن الأمر المطلق يقتضي فعل المأمور به على الفور، بل عند أكثر أصحابنا ليس في الشريعة إلا واجبٌ موقَّت أو واجبٌ على الفور. أما واجب يجوز تأخيره مطلقًا فلا يجوز؛ لأنه إن جاز له (٦) التأخير إلى غير غاية موصوفة بحيث لو مات مات غير عاصٍ بطل معنى الوجوب، وإن جاز (٧) إلى أن يغلب على ظنه الفوتُ إن لم يفعل، لم يجُزْ لوجهين:

стр. 2310

أحدهما: أن هذا القدر غير معلوم ولا مظنون، فإن الموت إنما يُعلم بأسبابه، وإذا نزلت أسباب الموت من المرض الشديد ونحوه تعذَّر فعل المأمور به (١)، وقبل حصول أسبابه فإنه لا يغلب على ظن أحد أنه يموت في هذا العام ولو بلغ تسعين سنة. الثاني: أنه إن مات قبل هذا الظن غيرَ عاصٍ لزم أن لا يجب الفعل على أكثر الخلق؛ لأن أكثرهم يموتون قبل هذا الظن، وإن عصى بذلك (٢) فبأي ذنب يعاقب؟ وإنما فعل ما جاز له. وما الفرق بينه وبين من مات في أثناء وقت الصلاة؟ وكيف يجوز أن يقال: إنما جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]. وأما المسلك الخاص فمن وجوه: أحدها: ما روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «تعجَّلوا إلى الحج ــ يعني الفريضة ــ فإن أحدكم لا يدري ما يَعرِض له». رواه أحمد (٣). فأمر بالتعجيل، والأمر يقتضي الإيجاب، لا سيما واستحباب التعجيل معلوم بالضرورة من نفس الأمر بالحج، فلم يبق لهذا الأمر الثاني فائدة إلا الإيجاب، وتوكيد مضمون الأمر الأول.

стр. 2311

وعن مهران أبي (١) صفوان (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : «من أراد الحج فليتعجَّل (٣)». رواه أبو داود (٤). وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن الفضل، أو أحدهما عن الآخر، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أراد الحج فليتعجَّل، فإنه قد يمرض المريض، وتَضِلُّ الراحلة، وتَعرِض الحاجة». رواه أحمد، وابن ماجه (٥)، وفيه أبو إسرائيل المُلائي. فأمر بالتعجيل كما أمر به في الحديث الأول، وأمْرُه بالتعجيل من أراده لا يمنع الوجوب، فإن إرادة الواجب واجبة، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]، ويجب عليه أن يريده ويعزِم عليه حين وجوبه عليه، وإنما ذكره ــ والله أعلم ــ بالإرادة ليبين (٦) أنه في الحين [ق ١٥٧] الذي يعزم

стр. 2312

عليه ينبغي أن يفعله، لا يؤخره ولا (١) يتأخر فعله عن حين إرادته، فإن هذه الإرادة هي التي يخرج بها من حيِّز الساهي والغافل، لا إرادة التخيير بين الفعل والترك؛ لقوله: «من أراد الجمعة فليغتسل» (٢). وأيضًا (٣) فإن فعْلَ القضاء من الحج يجب على الفور، فإنه لو أفسد الحج أو فاته لزمه الحج من قابلٍ، بدليل قوله ﵇: «من كُسِر أو عَرِج فقد حلَّ، وعليه الحج من قابلٍ» (٤). وهذا لا خلاف فيه، فإذا كان القضاء يجب على الفور، فأن تجب حجة الإسلام الأداء بطريق الأولى والأحرى. وأيضًا فإن تأخيره إلى العام الثاني تفويت له؛ لأن الحج ليس كغيره من العبادات يُفعل في كل وقت، وإنما يختص بيوم من السنة، فإذا أخَّره عن ذلك اليوم جاز أن يدرك العام الثاني، وجاز أن لا يدركه، وأن يموت، أو يفتقر، أو يمرض، أو يعجِز، أو يُحبَس، أو يُقطَع عليه الطريق، إلى غير ذلك

стр. 2313

من العوائق والموانع، فلا يجوز التأخير إليه. وإلى هذا أشار بقوله ﷺ : «فإنه قد يمرض المريض، وتَضِلُّ الضالّة، وتعرِضُ الحاجة» وقوله في حديث آخر: «[ما] (١) ينتظر أحدكم إلا غِنًى مُطغِيًا، أو فقرًا مُنسِيًا» (٢). وأيضًا: فإن من مات قبل الحج فقد لحقه الوعيد، وهو ما روى هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن عمرو، قال: ثنا (٣) أبو إسحاق الهمداني، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن مَلَك زادًا وراحلةً تُبلِّغه إلى بيت الله ولم يحجَّ، فلا عليه أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا» (٤). رواه الترمذي (٥)، ورواه ابن بطة (٦)، وزاد فيه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ

стр. 2314

فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]ــ وقال (١): هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال مجهول، والحارث مضعَّف. عضَدَه ما روى شَرِيك عن ليث عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «من لم يَحْبِسْه مرض، أو حاجة ظاهرة، أو سلطان جائر، ولم يحج (٢)، فليمُتْ إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا». رواه ابن المقرئ [قال: ثنا] أبو عروبة (٣). ورواه أحمد (٤) قال: ثنا وكيع عن سفيان عن ليث عن (٥) ابن سابط

стр. 2315

قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات ولم يحج، ولم يمنعه من (١) ذلك مرضٌ حابس، أو سلطان ظالم، أو حاجة ظاهرة، فليمُتْ على أي حالٍ شاء، إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا». ورواه سعيد (٢) هكذا مرسلًا عن أبي الأحوص عن ليث. وعن عمر ﵁ قال: «من كان ذا مَيْسرةٍ ولم يحج، فليمتْ إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا» (٣). وعن الضحاك بن عَرْزَم قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: «من مات وهو موسر (٤) لم يحج، فليمت إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا» (٥).
следующие страницы →