← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

وعن مهران أبي (١) صفوان (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : «من أراد الحج فليتعجَّل (٣)». رواه أبو داود (٤). وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن الفضل، أو أحدهما عن الآخر، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أراد الحج فليتعجَّل، فإنه قد يمرض المريض، وتَضِلُّ الراحلة، وتَعرِض الحاجة». رواه أحمد، وابن ماجه (٥)، وفيه أبو إسرائيل المُلائي. فأمر بالتعجيل كما أمر به في الحديث الأول، وأمْرُه بالتعجيل من أراده لا يمنع الوجوب، فإن إرادة الواجب واجبة، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]، ويجب عليه أن يريده ويعزِم عليه حين وجوبه عليه، وإنما ذكره ــ والله أعلم ــ بالإرادة ليبين (٦) أنه في الحين [ق ١٥٧] الذي يعزم

стр. 2312

عليه ينبغي أن يفعله، لا يؤخره ولا (١) يتأخر فعله عن حين إرادته، فإن هذه الإرادة هي التي يخرج بها من حيِّز الساهي والغافل، لا إرادة التخيير بين الفعل والترك؛ لقوله: «من أراد الجمعة فليغتسل» (٢). وأيضًا (٣) فإن فعْلَ القضاء من الحج يجب على الفور، فإنه لو أفسد الحج أو فاته لزمه الحج من قابلٍ، بدليل قوله ﵇: «من كُسِر أو عَرِج فقد حلَّ، وعليه الحج من قابلٍ» (٤). وهذا لا خلاف فيه، فإذا كان القضاء يجب على الفور، فأن تجب حجة الإسلام الأداء بطريق الأولى والأحرى. وأيضًا فإن تأخيره إلى العام الثاني تفويت له؛ لأن الحج ليس كغيره من العبادات يُفعل في كل وقت، وإنما يختص بيوم من السنة، فإذا أخَّره عن ذلك اليوم جاز أن يدرك العام الثاني، وجاز أن لا يدركه، وأن يموت، أو يفتقر، أو يمرض، أو يعجِز، أو يُحبَس، أو يُقطَع عليه الطريق، إلى غير ذلك

стр. 2313

من العوائق والموانع، فلا يجوز التأخير إليه. وإلى هذا أشار بقوله ﷺ : «فإنه قد يمرض المريض، وتَضِلُّ الضالّة، وتعرِضُ الحاجة» وقوله في حديث آخر: «[ما] (١) ينتظر أحدكم إلا غِنًى مُطغِيًا، أو فقرًا مُنسِيًا» (٢). وأيضًا: فإن من مات قبل الحج فقد لحقه الوعيد، وهو ما روى هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن عمرو، قال: ثنا (٣) أبو إسحاق الهمداني، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن مَلَك زادًا وراحلةً تُبلِّغه إلى بيت الله ولم يحجَّ، فلا عليه أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا» (٤). رواه الترمذي (٥)، ورواه ابن بطة (٦)، وزاد فيه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ

стр. 2314

فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]ــ وقال (١): هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال مجهول، والحارث مضعَّف. عضَدَه ما روى شَرِيك عن ليث عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «من لم يَحْبِسْه مرض، أو حاجة ظاهرة، أو سلطان جائر، ولم يحج (٢)، فليمُتْ إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا». رواه ابن المقرئ [قال: ثنا] أبو عروبة (٣). ورواه أحمد (٤) قال: ثنا وكيع عن سفيان عن ليث عن (٥) ابن سابط

стр. 2315

قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات ولم يحج، ولم يمنعه من (١) ذلك مرضٌ حابس، أو سلطان ظالم، أو حاجة ظاهرة، فليمُتْ على أي حالٍ شاء، إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا». ورواه سعيد (٢) هكذا مرسلًا عن أبي الأحوص عن ليث. وعن عمر ﵁ قال: «من كان ذا مَيْسرةٍ ولم يحج، فليمتْ إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا» (٣). وعن الضحاك بن عَرْزَم قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: «من مات وهو موسر (٤) لم يحج، فليمت إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا» (٥).

стр. 2316

وعن عدي بن عدي قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: «من مات ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديًّا، وإن شاء نصرانيًّا. ولولا ما أرى من سرعة الناس في الحج لجبرتُهم عليه، ولكن إذا وضعتم الرحال فشُدُّوا السُّروجَ، وإذا وضعتم السُّروج فشُدُّوا الرحال» (١). وعن ابن عمر ﵄ قال: «من وجد إلى الحج سبيلًا سنةً ثم سنةً ثم سنةً، ثم مات ولم يحج، لم يُصلَّ عليه، لا يُدرى مات يهوديًّا أو نصرانيًّا» (٢). وعن إبراهيم قال: كان للأسود بن يزيد جار موسر لم يحج، فقال له: لو

стр. 2317

متَّ لم أصلِّ عليك (١). رواهن (٢) سعيد. والمرسل إذا اعتضد بقول الصحابة صار حجة بالاتفاق. وهذا التغليظ يعمُّ من مات قبل أن يغلب على ظنه الفوات وهم أكثر الناس، ومن غلب على ظنه، ففي تأخيره تعرُّضٌ لمثل هذا الوعيد، وهذا لا يجوز. وإنما لَحِقَه هذا لأن سائر أهل الملل من اليهود والنصارى لا يحجون، وإن كانوا قد يصلّون ويصومون (٣)، وإنما يحج المسلمون خاصة. وأيضًا فإنه إجماع السلف. روى (٤) أحمد وسعيد (٥) عن هُشَيم، قال: ثنا منصور عن الحسن، قال: قال عمر بن الخطاب: «لقد هممتُ أن أبعث رجالًا (٦) إلى هذه الأمصار، فينظروا كل رجل ذا جِدَةٍ لم يحج، فيضربوا عليه (٧) الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين».

стр. 2318

وهذا قاله عمر ولم يخالفه مخالف من الصحابة. وإنما عزم على ذلك وإن كان تارك الحج إذا كان مسلمًا لا يُضرَب عليه الجزية؛ لأنه في (١) أول الإسلام كان الغالب على أهل الأمصار الكفرُ إلا من أسلم، فمن لم يحج أبقاه على الكفر الأصلي، فضرب عليه الجزية. ولولا أن وجوبه على الفور لم يجعل تركه شعارًا للكفر (٢). وقد روي عن الحسن بن محمد قال: أبصر عمر بن الخطاب ﵁ قومًا بعرفة من أهل البحرين عليهم القُمُص والعمائم، فأمر أن تُعاد عليهم الجزية. رواه سعيد (٣). وعن أبي هارون العبدي قال: قال عمر: حُجّوا العامَ فإن لم (٤) تستطيعوا فقابل، مرتين أو ثلاثًا، فمن لم يستطع فقابل، فمن لم يفعل فآذِنوني أضرِبْ عليهم الجزية. رواه سفيان (٥) بن عيينة عنه. وهذا صريح بأنه على الفور، وقد خاطب به عمر الناس، ولم يخالفه مخالف. وأيضًا فإن الحج تمام الإسلام؛ لأن [ق ١٥٨] الإسلام بُني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاء الزكاة،

стр. 2319

وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا. ولهذا لما حج النبي ﷺ أنزل الله تعالى قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) [المائدة: ٣]، وكانت (٢) شرائع الإسلام تنزل شيئًا فشيئًا، فصار الحج كمال الدين وتمام النعمة. فإذا لم يحج الرجل لم يكن إسلامه ودينه كاملًا، بل يكون ناقصًا، ولا يجوز للمسلم أن يترك دينه ناقصًا، كما لا يجوز أن يُخِلَّ بالصلاة والصوم والزكاة بعد وجوبها. وأما ما ذكروه من أن الحج فُرِض متقدمًا، وأخّره النبي ﷺ وأصحابه، فعنه ثلاثة (٣) أجوبة: أحدها: أنه لا يجوز لمسلم أن (٤) يعتقد أن الله أوجب الحج وكتبه، ومكث النبي ﷺ وعامة أصحابه مؤخِّرين له من غير عائقٍ أصلًا خمسَ سنين، ولا سنة واحدة، فإن القوم رضوان الله عليهم كانوا مسارعين في الخيرات، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، يبادرون إلى فعل الصلاة في أول الوقت طلبَ الفضلِ (٥) والثواب، لعلمهم بما في المسابقة من الأجر، فكيف يؤخِّرون الحج بعد وجوبه من غير عذر أصلًا؟ وتأخيرُه إن لم يكن محرمًا فإنه مكروه، أو هو خلافُ الأحسن والأفضل، وتأخُّرٌ عن مقامات السبق ودرجات المقرَّبين، فكيف تُطبِق الأمة مع نبيها على ترك الأحسن الأفضل لغير عذر أصلًا؟

стр. 2320

وأيضًا فقد مات منهم في تلك السنوات خلق كثير لم يحجوا، أفترى أولئك لقُوا الله (١) عاصين بترك أحد (٢) مباني الإسلام ولم ينبِّههم النبي ﷺ على ذلك، ولا قال لهم: احذروا تفوِيْتَه؟ مع أنه من لم يحج خُيِّر بين أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا. وقد عُلِم بغير ريب أن قبل الفتح لم يحج مسلم، وبعد الفتح إنما حج عتّاب بن أَسِيد على عادة الكفار وهَدْيهم، وإنما حج بعض أهل مكة، ثم في (٣) السنة الثانية أمر النبي ﷺ بنفي المشركين عن البيت، وبأن لا يطوف بالبيت عارٍ (٤)، وإنما حج من المسلمين نفر قليل. ثم إن حج البيت من فروض الكفايات، وقد قال ابن عباس: لو أن الناس تركوا الحج عامًا واحدًا لا يحج أحد ما نُوظِروا (٥) بعده. رواه سعيد (٦). فكيف يتركون المسلمون (٧) الحج (٨) بعد وجوبه سنة في سنة، فإن حج الكفار غير مُسقطٍ لهذا الإيجاب. وأما قولهم: إنه فُرِض سنة خمس أو ست، فقد اختلف الناس في ذلك

стр. 2321

اختلافًا مشهورًا (١)، فقيل: سنة خمس، وقيل: سنة ست، وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة تسع، وقيل: سنة عشر، فالله أعلم متى فُرِض. غير أنه يجب أن يُعلم أنه إما (٢) فُرِض متأخرًا (٣)، أو فُرِض متقدمًا وكان هناك مانع عام يمنع من فعله، وإلا لما أطبق المسلمون على تركه وتأخيره. الجواب الثاني: أن الأشبه ــ والله أعلم ــ أنه إنما فُرِض متأخرًا (٤)، يدل على ذلك وجوه: أحدها: أن آية وجوب الحج التي (٥) أجمع المسلمون على دلالتها على وجوبه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقد قيل: إن هذه الآية إنما نزلت متأخرًا سنة تسع أو عشر، ويدل على ذلك أنها في سياق مخاطبة أهل الكتاب، وتقرير ملة إبراهيم، وتنزيهه من اليهودية والنصرانية، وصدرُ سورة آل عمران إنما أُنزِل (٦) لما جاء وفد نجران إلى النبي ﷺ ، وناظروه في أمر عيسى ابن مريم ﵇، ووفد نجران إنما قدموا على النبي ﷺ بأخَرةٍ (٧). وأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فإنه نزل عام

стр. 2322

الحديبية سنة ست من الهجرة، لما صدَّ المشركون رسولَ الله ﷺ عن إتمام عمرته التي قد كان أهلَّ بها، وفيها بايع المسلمين بيعةَ الرضوان، وفيها قاضى المشركين على الصلح على أن يعتمر من قابلٍ، فإنما يتضمن الأمر بالإتمام، وليس ذلك يقتضي الأمر (١) بالابتداء، فإن كل شارعٍ في الحج والعمرة مأمورٌ بإتمامهما، وليس مأمورًا بابتدائهما، ولا يلزم من وجوب إتمام العبادة وجوب ابتدائها، كما لا يلزم من تأكُّدِ (٢) استحباب الإتمام تأكُّد استحباب الشروع. وأما كون الحج والعمرة من دين إبراهيم ﵇ فهذا لا شك فيه، ولم يزل ذلك قربةً وطاعة من أول الإسلام، وجميع آيات القرآن تدل على حسن ذلك واستحبابه، وأما وجوبه فلا يعلم أنه كان واجبًا في شريعة إبراهيم البتةَ، ولم يكن لإبراهيم ﵇ شريعة يجب فيها على الناس ... (٣). ويوضح ذلك أنه لم يقل أحد إن الحج كان واجبًا من أول الإسلام. الوجه الثاني: أن أكثر الأحاديث الصحيحة في دعائم الإسلام ليس فيها ذكر الحج، مثل حديث وفد عبد [ق ١٥٩] القيس (٤) لما أمرهم بأمرٍ فصْلٍ يعملون به، ويدعون إليه مَن وراءهم، ويدخلون به الجنة، أمرهم بالإيمان بالله وحده، وفسَّره لهم أنه الصلاة والزكاة وصوم رمضان وأن يُعطوا من المغنم الخمسَ. ومعلوم أنه لو كان الحج واجبًا لم يضمن لهم الجنة إلا به.

стр. 2323

وكذلك الأعرابي الذي جاء من أهل نجدٍ ثائرَ الرأس (١)، الذي قال: لا أزيد على هذا ولا أنقصُ منه، إنما ذكر له النبي ﷺ الصلاة والزكاة والصوم. وكذلك الذي أوصاه النبي ﷺ بعملٍ يُدخِله الجنة، أمره بالتوحيد والصلاة والزكاة وصوم رمضان (٢). وقد تقدمت هذه الأحاديث في أول الصيام، مع أنه قد ذكر ابن عبد البر (٣) أن (٤) قدوم وفد عبد القيس كان سنة تسع. وأظنه وهمًا، ولعله سنة سبع؛ لأنهم قالوا: إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر. وهذا إنما يكون قبل فتح مكة. وأما ذكر الحج في حديث ضِمام بن ثعلبة في بعض طرقه (٥)، فقد (٦) تقدم اختلاف الناس في وفود ضِمام (٧)، وبينا أن الصواب أنه إنما وفد سنة تسع، فيكون الحج إنما فُرض سنة تسع، وهذا يطابق نزول الآية في تلك السنة. وهذا شبيه بالحق فإن سنة ثمان وما قبلها كانت (٨) مكة في أيدي الكفار، وقد غيَّروا شرائع الحج، وبدَّلوا دين إبراهيم ﵇، ولا يُمكِن مسلمًا أن يفعل الحج إلا على الوجه الذي يفعلونه، فكيف يَفرِض الله على

стр. 2324

عباده المسلمين ما لا يمكن فعله؟ وإنما كانت الشرائع تنزل شيئًا فشيئًا، فكلَّما (١) قَدَروا على أمرٍ (٢) وتيسَّر عليهم أُمِروا به. الوجه الثالث: أن الناس قد اختلفوا في وجوبه، والأصل عدم وجوبه في الزمان الذي اختلفوا فيه حتى يجتمعوا عليه، لا سيما والذين ذكروا وجوبه إنما تأولوا عليه آية من القرآن أكثر الناس يخالفونهم في تأويلها، وليس هنا نقل صحيح عن من يُوثَق به أنه وجب (٣) سنة خمس أو سنة ست. الجواب الثالث: أنه وإن كان فُرِض متقدمًا لكن كانت هناك عوائق تمنع من فعله، بل من صحته بالكلية، سواء كان واجبًا أو غير واجب، أظهرُها منعًا: أن الحج قبل حجة الوداع كان يقع في غير حينِه؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يُنْسِئون النسيء الذي ذكره الله تعالى في القرآن حيث يقول: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧]. فكان حجهم قبل حجة الوداع في تلك السنين يقع في غير ذي الحجة. روى أحمد (٤) بإسناده عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ

стр. 2325

فِي الْكُفْرِ﴾ قال: حجّوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، فكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر (١) عامين، حتى وافقت حجة أبي بكر الآخِرَ من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي ﷺ بسنة، ثم حج النبي ﷺ من قابلٍ في ذي الحجة، ولذلك (٢) حين يقول النبي ﷺ : «إن الزمان قد استدار كهيئته يومَ خلقَ السماواتِ والأرضَ» (٣). وروى (٤) عبد الرزاق (٥) عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ قال: فرض الله الحج في ذي الحجة، وكان المشركون يسمُّون (٦) الأشهر ذا الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع، وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة. ثم يحجون فيه مرة أخرى، ثم يسكتون عن المحرم فلا يذكرونه، فيسمون ــ أحسبه قال: ــ المحرم صفر، ثم يسمون رجب جمادى الآخرة، ثم يسمون شعبان رجب، ويسمون رمضان شعبان، وشوالًا رمضان، ثم يسمون ذا القعدة شوالًا (٧)، ثم يسمون ذا الحجة ذا

стр. 2326

القعدة، ثم يسمون المحرم ذا الحجة، ثم عادوا لمثل هذه القصة، قال: فكانوا يحجون (١) في كل شهرٍ عامين حتى وافق حجةُ أبي بكر الآخِرَ من العامين في ذي القعدة، ثم حج النبي ﷺ حجته التي حج، فوافق ذلك ذا الحجة، فلذلك يقول النبي (٢) ﷺ في خطبته: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض». وكذلك في رواية أخرى عن مجاهد (٣) قال: هذا في شأن (٤) النسيء؛ لأنه كان ينقص من السنة شهرًا. وروى سفيان عن عمرو عن طاوس (٥) قال: الشهر الذي نزع الله من الشيطان المحرم. وروى أبو يعلى الموصلي (٦) عن إبراهيم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ قال: النسيء المحرم. وروى أحمد (٧) عن أبي وائل في قوله : ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ الآية، قال: كان

стр. 2327

رجل ينسأ النسيء من كنانة، وكان يجعل المحرم صفر (١) يستحلّ فيه الغنائم، فنزلت: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. وهذا مما أجمع عليه أهل العلم بالأخبار [ق ١٦٠] والتفسير والحديث، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ الآية [التوبة: ٣٦] و (٢) التي بعدها. وعن أبي بكرة أن النبي ﷺ خطب في حجته فقال: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعةٌ حُرُم، ثلاثة (٣) متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجبُ مضر الذي بين جمادى وشعبان» وذكر الحديث. متفق عليه (٤). وإذا كان الحج قبل حجة الوداع في تلك السنين باطلًا واقعًا في غير ميقاته، امتنع أن يؤدَّى فرضُ الله سبحانه قبل تلك السنة، وعُلِم أن حجة عتّاب بن أسِيد وحجة أبي بكر إنما كانتا إقامةً للموسم الذي يجتمع فيه وفود العرب والناس (٥)؛ لتُنبذ العهود، ويُنفى المشركون، ويُمنعون من الطواف عراةً؛ تأسيسًا وتوطئةً للحجة التي أكمل الله بها الدين، وأتمَّ بها النعمة، وأُدِّي بها فرضُ الله، وأقيمت فيها مناسك إبراهيم ﵇.

стр. 2328

ولا يجوز أن يقال: فقد كان يُمكِن المسلمَ أن يحج في غير وقت حج المشركين، أما قبل الفتح فلو فعل ذلك أحد لأُرِيق دمه، ولمُنِع من ذلك وصُدَّ، وكذلك بعد الفتح؛ لأن القوم حديثو عهدٍ بجاهلية، وفي استعطافهم تأليفُ قلوبهم، وتبليغ الرسالة في الموسم ما فيه. والذي يبيِّن ذلك أن النبي ﷺ قد اعتمر عمرة الحديبية، ثم عمرة القضية من العام المقبل، ثم عمرة الجعرانة من العام الذي يليه، ومعه خلق (١) من المسلمين، فقد كان يمكنه أن يحج بدل العمرة، فإنه أكمل وأفضل أن (٢) يجعل بدل هذه (٣) العمرة حجة، أو يأمر أحدًا من أصحابه بذلك، ولو أنها حجة مستحبة كما أن العمرة مستحبة، فلمّا لم يفعل عُلِم تعذُّر الحج الذي أذن الله لاختصاصه بوقت دون العمرة. وقد ذكروا (٤) أيضًا من جملة أعذاره اختلاط المسلمين بالمشركين، وطوافهم بالبيت عُراةً (٥)، واستلامهم الأوثان في حجهم، وإهلالهم بالشرك حيث يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك (٦)، وإفاضتهم من عرفات قبل غروب الشمس، ومن جَمْعٍ بعد طلوعها، ووقوف الحُمْس عشية عرفة بمزدلفة، إلى غير ذلك من المنكرات التي لا يمكن الحج

стр. 2329

معها، ولم يمكن تغييرها بعد الفتح إلا في سنة أبي بكر، [ثُمَّ] (١) حج من العام المقبل لما زالت. ومن الأعذار أيضًا اشتغاله بأمر الجهاد، وغلبة الكفَّار على أكثر الأرض، والحاجة، والخوف على نفسه وعلى المدينة من الكفّار والمنافقين، وأن الله أعلمه أنه لا بدَّ أن يحج قبل الموت. وفي بعض هذه الأمور نظر، وإن صحت فهي عذر في خصوصه، ليست عذرًا لجميع المسلمين. وأما قولهم: وجوب الحج مطلق (٢)، قلنا: الأمر المطلق عندنا يوجب فعل المأمور به على الفور، وإن (٣) لم يكن الأمر المطلق يقتضي ذلك، فقد بيّنا من جهة السنة وغيرها ما يقتضي وجوب المبادرة إلى فعل الحج، فيكون الأمر به مقيَّدًا. وأيضًا فإن تأخير الحج تفويت؛ لأنه لا يتمكن من فعله إلا في وقت واحد، فيصير كالعبادة الموقتة من بعض الوجوه، وإنما لم يكن فعله (٤) بعد ذلك قضاء؛ لأن القضاء هو فعل العبادة بعد خروج وقتها المحدود شرعًا حدًّا يعمّ المكلَّفين، والحج ليس كذلك. وكونه قضاءً أو أداءً لا يفيد (٥) وجوب التقديم ولا جواز التأخير؛ بدليل أن النائم والناسي والحائض والمسافر يأتون بالعبادة بعد خروج الوقت العام المحدود، فيكون قضاء مع

стр. 2330

جواز التأخير أو وجوبه. والمزكِّي يجب عليه أداء الزكاة عقيب الحول، ولو أخّرها لم تكن قضاءً. وكذلك القاضي شهرَ رمضان لو أخّره إلى عامٍ ثانٍ أو أخّر قضاء الحج إلى عام ثانٍ لم يُقَل له: قضاء القضاء. وكذلك من غلب على ظنه تضايقُ الصلاة أو الحج في وقته فأخّره وأخلف ظنُّه أثِمَ بذلك، ولا يكون ما يفعله قضاء. وكذلك لو صرّح بوجوب الفعل على الفور أو أقام عليه دليلًا (١) وأخّره إلى الوقت الثاني لم يكن قضاء، فالحج من هذا الباب. فصل الميت يحج عنه وليُّه، وكذلك المعضوب كما في الحديث، فإن حج غير الولي ... (٢). فإن حج عن الميت أجنبي بدون إذن الوارث ففيه وجهان: أحدهما: يصح، اختاره ابن عقيل. والثاني: لا يصح، قاله أبو الخطاب في «خلافه» (٣). فأما الحي فلا يجوز أن يُحَجّ عنه (٤) الفرضُ إلا بإذنه، وكذلك لا يُحَجّ عنه النفلُ بدون إذنه، لكن إن حج وأهدى له ثوابه ... (٥). فأما الميت فيُفْعل عنه الفرض بدون إذنه (٦). وأما النفل إذا فعله عنه وارث أو أجنبي [ق ١٦١] فهل يقع الحج عن المحجوج عنه، بحيث يكون

стр. 2331

الإحرام عنه، أو يكون الحج عن الحاج ويكون الثواب للميت؟ ففيه (١) وجهان: أحدهما: لا ينعقد عن الميت حج غير واجب إلا بإذنه، قاله القاضي وابن عقيل في موضع. والثاني: يقع عن المحجوج عنه، قاله القاضي في موضع آخر وابن عقيل. فعلى هذا إذا خالف النائب ما أُمِر به، وكان عن حي، لم يقع عنه بل يقع عن نفسه، وإن كان عن ميت ... (٢). فصل وإذا مات وعليه دَينٌ لآدمي، ودينٌ لله تعالى مثل الزكاة والحج، تحاصَّا في إحدى الروايتين. وقال في رواية ابن القاسم (٣): إذا مات وعليه دين وزكاة تحاصَّ الغرماء من الزكاة نصفين. وهذا اختيار أكثر أصحابنا. والثانية: يقدَّم دين الآدمي، قال عبد الله في المناسك (٤) ــ نقلتُه من خط ابن بطة (٥) ــ: سألت أبي عن رجل مات، وترك ألفي درهم، وعليه دَيْن ألف

стр. 2332

درهم، ولم يحج (١)، وعليه زكاة فرَّط فيها، قال: يُبدأ بالدين فيُقْضى، والحج والزكاة فيهما اختلاف، من الناس من يقول: إن لم يُوصِ فهو ميراث، وإن أوصى فهو من ثلثه، ونحن نقول: يُحَجّ عنه ويُزكَّى من جميع المال، وما بقي فهو ميراث. والحج والزكاة سواء فيما ذكره. ونقل عنه أبو جعفر الجرجرائي (٢) فقال: سألته عن الرجل يحج عنه، قال: إذا لم يكن حج فمن جميع المال، وكذلك جميع ما يلزمه من الزكاة وغيره، والزكاة (٣) أشدُّ. قال القاضي (٤): لم يُرِد أنها تُقدَّم على الحج أو تُقضى دونه (٥)، وإنما أراد أنها أوكد؛ لتعلُّق حق الله تعالى بها وحق الفقراء، والحج يتعلق به حق الله تعالى فقط. فصل ولا يخلو إما أن يحج عن غيره متبرعًا أو يحج بمال، فإن كان متبرعًا يحج بمال نفسه جاز أن يحج عن كل أحد، وفي مثل ذلك جاء حديث

стр. 2333

الخثعمية أو (١) الخثعمي، وأبي رَزِين، وحديث الجُهنية (٢)، والمرأة الأخرى، وغيرهم، لكن الأفضل أن يبدأ بالحج عن أقاربه، ويبدأ منهم بأبويه، ويبدأ بالأم إلا أن يكون الحج قد وجب على الأب فيبدأ به. قال في رواية أحمد بن الحسن ويوسف بن موسى (٣): إذا أراد الرجل الحج عن أبويه يبدأ بالأم، إلا أن يكون الأب قد وجب (٤) عليه. وأما إن حجَّ (٥) عن غيره بمال ذلك الرجل، فقال في رواية حنبل (٦): لا يُعجِبني أن يأخذ دراهم فيحج بها، إلا أن يكون متبرعًا يحجُّ عن أبيه أو ابنه أو أخيه. وسئل في رواية الجرجرائي (٧) عن الرجل يُعطَى للحج عن ميت، قال: لا، لا (٨) يأخذ. وقال عبد الله (٩): سألت أبي: رجل حج ويأخذ كل سنة حجة، قال: لا

стр. 2334

يعجبني هذا. وقال (١): سألت أبي عن رجل يحب الحج ترى له أن يحج عن الناس؟ فقال: لا يعجبني أن يحج عن الناس إلا إن ابتدأَ (٢) فقيل له: حُجَّ، فلا بأس به. فقد رخّص فيه لمن ابتدأ (٣) إذا كان مقصوده الحج. وإن حج عن ميت وارث، فقال في رواية أبي الحارث (٤)، وقد سئل: يحج الرجل عن أبيه وعن أمه؟ فقال: إن حج من مال نفسه متبرعًا، وإن كان من مال الميت فلا يحج وارث عن وارث. كأنه يرى أنها وصية لوارث. فصل ويجوز الاستنابة في حج التطوع في الحياة وبعد الموت من المعضوب والقادر في إحدى الروايتين، نصَّ عليها في رواية الأثرم (٥)، وقد سئل عن الصحيح: هل له (٦) أن يعطي من يحج عنه بعد الفريضة يتطوَّع بذلك؟ فقال: إنما جاء الحديث في (٧) الذي لا يستطيع، ولكن إن أحجَّ (٨) الصحيح عنه أرجو أن لا يضرَّه.

стр. 2335

وقال في رواية ابن منصور (١): يُتصدَّق عن الميت، ويُحجُّ عنه، ويُسقى عنه، ويُعتق عنه، ويُصام النذر، إلا الصلاة. والأخرى: لا تجوز الاستنابة إلا في الفرض، قال في رواية الجرجرائي (٢)، وقال: سألته عن من قد حج الفريضة يعطي دراهم يُحج عنه؟ فقال: أيشٍ (٣) يكون له؟! ليس (٤) عليه شيء. رأى (٥) أنه ليس له أن يُحِجَّ عنه بعد الفريضة. قال القاضي (٦): وظاهر هذا أنه لا تصح النيابة في نفل (٧) الحج؛ لأنه قال: ليس له أن يُحِج بعد الفريضة، وجعل العلة أنه ليس عليه شيء (٨)، سواء كان قادرًا (٩) أو عاجزًا، وسواء فيه الاستنابة في الحياة وبعد الموت. وجعل أبو الخطاب (١٠) وكثير من أصحابنا هذا فيمن يقدر أن يحج بنفسه، فأما العاجز فتجوز استنابته بلا تردد. ولو كان عجزه مرجوَّ الزوال

стр. 2336

كالمريض والمحبوس فهو كالمعضوب في النفل؛ لأن النفل مشروع في كل عام، وهو عاجز عنه في هذا العام، فهو كالمعضوب الذي عجز عن الفرض في جميع العمر، وهذا فيمن أحرم عن ذلك ولبَّى عنه. فأما إن حج عن نفسه ثم أهدى ثوابها للميت، فهذا يجوز عندنا قولًا واحدًا لما تقدم. فصل وإذا استناب رجلًا في الحج أو ناب عنه في فرضه، فإن الحج يقع عن المحجوج عنه كأنه هو الذي فعله بنفسه، سواء [ق ١٦٢] كان من جهة المنوب عنه (١) مال أو لم يكن؛ لأن النبي ﷺ شبَّه الحج بالدَّين، وجعل فعله عن العاجز والميت كقضاء الدين عنه، وقال لأبي رزين: «حُجَّ عن أبيك واعتمِرْ»، وقال للخثعمية: «حجّي عنه»، وكذلك قال لغير واحد: «حُجَّ عنه» (٢). والشيء إذا فُعل عن الغير كان الفاعل بمنزلة الوكيل والنائب، ويكون العمل مستحقًّا للمعمول عنه، ولهذا لو وجب على الإنسان عمل في عقد إجارة فعمله عنه عامل كان العمل للأجير لا للعامل. ولأنه ينوي الإحرام عنه ويلبِّي عنه، ولو لم يكن للمحجوج عنه إلا ثواب النفقة كان بمنزلة من أعطى غيره مالًا يحج عن نفسه أو يجاهد الكفار، فلم (٣) يجز أن يلبي عنه.

стр. 2337

فصل ويجوز حج الرجل عن المرأة، وكذلك يجوز حج المرأة عن الرجل، قال في رواية ابن منصور (١): يحج الرجل عن الرجل، والمرأة عن المرأة، والرجل عن المرأة، والمرأة عن الرجل. وعليه أصحابنا لحديث الخثعمية. وقال في رواية أبي داود (٢)، وقد سئل: يحج عن أمه؟ قال: نعم، يقضي عنها دينًا عليها، قيل (٣) له: فينفق من ماله وينوي عنها؟ قال: جائز، قيل له: فالمرأة تحج عن الرجل؟ قال: نعم إذا كانت محتاجة. فصل ولا يجوز الاستئجار على الحج وغيره من الأعمال التي لا يجوز أن تُفعَل إلا على وجه القربة (٤)، مثل: الأذان، والإمامة، وتعليم القرآن والحديث والفقه في إحدى الروايتين. فأما أن يأخذ نفقة يحج بها فيجوز. هذه طريقة القاضي (٥) وأصحابه ومن بعدهم. وقال ابن أبي موسى (٦): في الإجارة على الحج روايتان، كره أحمد ﵁ في إحداهما أن يأخذ دراهم فيحج بها عن غيره، قال: إلا أن يكون متبرعًا بالحج عن أبيه أو عن أخيه أو عن أمه. وأجاز ذلك في موضع آخر.

стр. 2338

وعلى هذا يُكره الأخذ نفقةً وأجرةً مع الجواز (١)، وتجب على الكفاية، وإنما تكون الروايتان في الكراهة فقط. وأجاز أبو إسحاق ابن شاقلا الاستئجار على الحج، وما يختصُّ نفعه مما ليس بواجب على الكفاية، دون ما يعمُّ (٢) [نفعُه] ويجب على الكفاية (٣)، فقال (٤): لا يجوز أن يؤخذ على الخير أجر، ويجوز أن يؤخذ على الحج عن الغير أجر؛ لأن أفعال الخير على ضربين: ما كان فرضًا على العامة وغيرهم، مثل الأذان والصلاة وما أشبه ذلك، لا يجوز أن يؤخذ عليه أجر (٥). وما انفرد به من يحج (٦) عنه فهو جائز، مثل فعل البنّاء لبناء مسجد يجوز أن يأخذ عليه الأجرة؛ لأنه ليس بواجب على الذي يبني بناءُ المسجد. وأما (٧) المنصوص عن أحمد فقال في رواية أبي طالب (٨): والذي يحج عن الناس بالأجر ليس عندنا فيه شيء (٩)، وما سمعنا أن أحدا استأجر مَنْ حَجَّ عن ميت.

стр. 2339

وقال في رواية ابن منصور (١)، وذُكِر له قول سفيان: أكره أن يستأجر الرجل عن والديه يحج عنهما، فقال أحمد: نحن نكره هذا إلا أن يُعينه. فقد نص على كراهة الأجرة، ولم يكره النفقة، وقد نصّ في مواضع كثيرة على من يأخذ مالًا يحج به عن ميت، وهل يكون له الفاضل أو لا يكون ... (٢). وأما الرواية التي أخذ القاضي منها جواز الاستئجار، فقال في رواية عبد الله (٣) ــ وقد سأله عمن يُكري نفسَه للحج ويحج ــ: لا بأس. وقال في رواية الكوسج (٤): يُكرِي نفسه ويحج. إلا أن هذا إنما أراد به أن يكري نفسه للخدمة والعمل، ولهذا قال: يُكرِي نفسه ويحج (٥)، وفي مثل هذا جاءت السنة (٦). وقال في رواية حنبل (٧): لا يعجبني أن يأخذ دراهم فيحج بها، إلا أن يكون الرجل متبرعًا بحج عن أبيه، عن أمه، عن أخته (٨). قال النبي ﷺ للذي

стр. 2340

سأله: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، [أفأحجُّ عنه] (١) قال: «نعم». والذي يأخذ دراهم الحج لا يمشي ولا يقتر ولا يسرف، إنما الحج عمن كان له زاد وراحلة، وينفق ولا يسرف ولا يقتر، إذا كان ورثته صغارًا. وقال في رواية الجرجرائي ... (٢). وقال في المعضوب (٣): يحج عنه وليُّه. ووجه ذلك: أن النبي ﷺ إنما أذن في أن يحج (٤) عن المعضوب والميت مَن تبرَّع (٥) بالحج عنهم، وأحبَّ (٦) قضاء دينهم، وبراءة ذمتهم. وأيضًا فإن أخذه الدراهم يحج بها ... (٧). وإنما كرهت الإجارة لِما ذكره أحمد من أن ذلك بدعة، لم تكن على عهد النبي ﷺ ، ولا (٨) على عهد السلف، وقد كان فيهم من يحتاج إلى الحج عنه، ولم يستأجر أحد أحدًا يحج عن الميت، ولو كان ذلك جائزًا حسنًا لما أغفلوه. ولأن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي

стр. 2341

حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]، والأجير إنما يريد بهذه العبادة حرث الدنيا. وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥]، وقال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]. ولأن ذلك أكلٌ للدنيا بالدين؛ لأنه يبيع عمله الصالح الذي [ق ١٦٣] قد قيل فيه: «من حج هذا البيت (١) فلم يرفُثْ ولم يفسُقْ، رجع من ذنوبه كيومِ ولدتْه أمه» (٢). ويشتري به ثمنًا قليلًا، وقد قال النبي ﷺ لمن استؤجر بدراهم يغزو بها: «ليس لك من دنياك وآخرتك إلا هذا» (٣). وهذا لأن الإجارة معاوضة على المنفعة، يملك بها المستأجر المنفعة كما يملك المشتري الأعيان المبيعة، فالأجير للحج يبيع إحرامه وطوافه وسعيه ووقوفه ورميه لمن استأجره (٤) بالأجر الذي أخذه. ولأن أخذ العوض يُبطل القربة المقصودة، كمن أعتق عبده على مال يأخذه منه، لا يُجزِئه عن الكفارة. ولأن الحج عملٌ من شرطه أن يكون قُربةً لفاعله، فلا يجوز الاستئجار

стр. 2342

عليه كغيره (١) من القُرَب، وهذا لأن دخوله في عقد الإجارة يُخرِجه عن أن يكون قربة؛ لأنه قد وقع مستحقًّا للمستأجر. وإنما كان من شرطه أن يقع قربةً؛ لأن الله تعالى أوجب على العبد أن يعمل مناسكه كلها لله (٢)، ويعبده بذلك، فلو أنه عملها بعوض من الناس لم تُجزِئه إجماعًا، كمن صام أو صلَّى بالكراء. فإذا عجز عن ذلك بنفسه جعل الله تعالى عمل غيره قائمًا مقام عمله بنفسه، وسادًّا مسدَّه رحمة ولطفًا، فلا بدّ أن يكون مثلَه ليحصل به مقصوده؛ لأن النبي ﷺ شبَّهه بالدين في الذمة، وإنما تبرأ ذمة المدين إذا قُضِي عنه الدين من جنس ما عليه، فإذا كان هذا العامل عنه إنما يعمل للدنيا ولأجل العوض الذي أخذه، لم يكن حجّه عبادةً (٣) لله وحده، فلا يكون من جنس ما كان على (٤) الأول، وإنما تقع النيابة المحضة ممن غرضُه نفعُ أخيه المسلم لرحمٍ بينهما أو صداقةٍ أو غير ذلك، وله قصد في أن يحج بيت الله، فيكون حجه لله، فيقام مقام حج المستنيب. والجعالة بمنزلة الإجارة إلا أنها ليست لازمة، ولا يستحق الجُعْلَ حتى يعمل. وأما الحج بالنفقة فإنما كرهه أحمد مرة؛ لأنه قد يكون قصده الإنفاق على نفسه مدة الحج، فلا يكون حجُّه لله، كما أن الأجير (٥) قصده ملك الأجرة، وإن كانت شيئا مقدَّرًا مثل وصية ونحوها فقد يكون قصده استفضال

стр. 2343

شيء لنفسه، فيبقى عاملًا لأجل الدنيا. ووجه جواز ذلك أن الحج واجب على المستطيع بماله، فلا بد أن يخرج هذا المال في الحج. فصل فإن قلنا: يجوز الاستئجار على الحج، فاستؤجر رجل، فإنه يعتبر له شروط الإجارة: من معرفة الأجرة، وعقد الإجارة، وتملُّك الأجرة بالعقد، فيتصرف فيها (١) بما شاء، ويجب العمل في ذمته. فلو أُحصِر أو ضلَّ الطريق أو ضاعت النفقة كان من ضمانه، وإن مات انفسخت الإجارة، واستحق من الأجرة بقدر ما قطع من الطريق، ويُتمَّم الحج من حيث بلغ، ذكره القاضي (٢). وما لزمه من الدماء فهو عليه؛ لأن الحج مستحَقٌّ عليه. وإن أخذها جعالة بأن يقال له: إن حججتَ فلك هذا الجُعْل، فهذا عقد جائز، لا يملك به العوض إلا بعد الفراغ من العمل، ولا يجب في ذمته شيء، وإن عاقه عائق عن تمام الحج لم يكن له شيء، ولا عليه شيء (٣). قال أحمد في رواية محمد بن موسى: إذا أخذ حجة عشرين دينارًا، فلما بلغ الكوفة مرض فرجع، فإنه يردُّ عليهم جميع ما أخذ، ولا يحتسب منه ما (٤) أنفق. فإن تَلِفَتْ (٥) منه أو ضلّ الطريق فهذا يضمن ذلك.

стр. 2344

وهذا إنما يكون إذا كانت جعالة؛ لأنه لم يوجب عليه إتمام الحج، ولا احتسب له بما أنفق، وجعل التالف من ضمانه، وهذه أحكام الأجعال. وإن أخذها نفقة ــ سواء قلنا: تصح الإجارة أو لا تصح ــ فإنه يكون بمنزلة الوكيل والنائب المحض، كالنائب في القضاء والأعمال العامة، ويكون ما يأخذه بمنزلة الرزق الذي (١) يُرزَقه الأئمة والقضاة والمؤذنون. فلو تلف أو ضلّ الطريق أو أُحصِر (٢) أو مات أو مرض لم يكن عليه ضمان ما أنفق، ولو تلِفَ المال (٣) بغير تفريطٍ منه لم يضمن، ولم يكن عليه إتمام بقية العمل، ويحتسب (٤) للمستنيب بما عمله، وعلى هذا أكثر نصوصه. قال في رواية ابن منصور (٥): في رجل أُعطي دراهمَ يحج بها عن إنسان، فمات في بعض الطريق، فليس عليه شيء مما أنفق، ويحجوا (٦) بالباقي من حيث بلغ هذا الميت. وقال في رواية أحمد بن الحسين (٧): إذا دفع إلى رجل مالًا يحج به عن رجل، فضاع منه في بعض الطريق، فلا غُرم عليه (٨)، قيل له: فيُجزِئ عن الموصي

стр. 2345

حجته؟ قال: ما أدري، أخبرك، أرجو إن شاء الله. وكذلك نقل الميموني (١). و إذا لم يقدر له النفقة، فإنه ينفق بالمعروف، ويردُّ ما فضلَ ، قال أحمد (٢): الذي يأخذ دراهم يحج لا يمشي، ولا يقتر ولا يُسرِف، إنما الحج عمن كان له زاد وراحلة، وينفق ولا يسرف ولا يقتر (٣)، ولا يمشي إذا كان ورثته صغارًا. وقال (٤) في رجل أخذ حجة عن ميت ففضلَتْ (٥) معه فضلةٌ: يردُّها، ولا يُناهِد (٦) أحدًا إلا بقدر ما لا يكون مسرفًا، ولا يدعو إلى طعامه ولا يتفضل، ثم قال: أما إذا أُعطي ألفَ درهم أو كذا وكذا، فقيل له: حُجَّ بهذه، فله أن يتوسَّع فيها، [ق ١٦٤] وإن فَضلَ شيء فهو له. وإذا قال الميت: حُجّوا عني حَجةً بألفٍ، فدفعوها إلى رجل، فله أن يتوسع فيها، وما فضلَ فهو له. وهذه النفقة أمانة بيده، له أن ينفق منها بالمعروف، وإنما يقدَّر بأمر الميت أو المستنيب الحي، أو بتقدير الورثة إذا كانوا كبارًا، فإن كان فيهم يتيم فليس لهم أن يقولوا: ما فضلَ فهو لك، وليس له أن يتوسع بإذنهم وغير إذنهم إذا كان في الورثة صغار (٧)؛ إلا أن يتبرَّع الكبار بشيء من حصّتهم.

стр. 2346

ولا يملك الفاضلَ إلا بعد الحج، فليس له أن يتصرف (١) فيه قبل ذلك. قال في رواية أبي طالب (٢): إذا قال حُجُّوا عني بألفٍ، فما فضلَ من الألف ردّه على الحج. ولو قال: حُجّوا عني حجة بألف، فما فضلَ فهو للذي يحج. وإذا قال: حجوا عني حجة، فما فضلَ مما دُفِع إليه ردّ إلى الورثة. وإذا دفع إلى الرجل حجة، فقال: ما فضل لك، فأخذها الرجل فاشترى بها متاعًا يتَّجِر به، قال: لا يجوز له، قد خالف، إنما قال له: امْضِ فما فضلَ فهو لك، لم يقل: اتَّجِرْ به (٣). وهل لهذا الذي قدّر له النفقة أن يقتر على نفسه أو أن (٤) يمشي؟ ... (٥). فصل فأما الأجير الذي يُكري نفسَه لخدمة الجِمال والركّاب ونحو ذلك، ويحج عن نفسه، فهو جائز، بل لو أنفق عليه غيره متبرعًا، وحج عن نفسه أجزأه. قال في رواية عبد الله والكوسج (٦) فيمن يكري نفسه ويحج: لا بأس. وقال حرب: سألت أحمد، قلت: رجل استأجر رجلًا ليخرج معه فيخدمه، فحج عن نفسه، قال: أرجو أن يجزئه، قلت: إذا كان أجيرًا، قال: نعم. وسألته قلت: الرجل يحج مع الرجل فيكفيه نفقتَه وما يحتاج إليه،

стр. 2347

أترجو أن يُجزئ عنه؟ قال: نعم يجزئ عنه. وهو بمنزلة من يُكري دوابَّه في هذا الوجه أو يتّجر فيه، فإنه حج واعتاض عن منفعة أخرى غير الحج، بل إن كان إنما يكري نفسه ليحج بذلك العوض فهو من المحسنين. عن أبي أمامة التَّيمي (١) قال: كنت رجلًا أُكري في هذا الوجه، وكان ناس يقولون: ليس لك حج، فلقيت ابن عمر فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إني رجل أُكري في هذا الوجه، وإن ناسًا يقولون إنه ليس لك حج، فقال ابن عمر: أليس تُحرِم وتُلبّي وتطوف بالبيت وتُفيض من عرفات وترمي الجمار؟ قال: قلت: بلى، قال: فإن لك حجًّا، جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن مثل ما سألتني عنه، فسكت عنه رسول الله ﷺ (٢) فلم يجبه، حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، فأرسل إليه رسول الله ﷺ ، وقرأ عليه هذه الآية، وقال: «لك حج». رواه أحمد وأبو داود (٣). وعن أبي السَّليل قال: قلت لابن عباس: إني رجل أُكري، وإن ناسًا يزعمون يقولون: إنما أنت خادم، إنما أنت أجير، قال: بلى (٤) لك حج حسن

стр. 2348

جميل إذا اتقيتَ الله، وأدَّيتَ الأمانة، وأحسنتَ الصحابة. رواه حرب (١). فصل ما لزم النائبَ من الدماء بفعل محظور، مثل الوطء وقتل الصيد ونحو ذلك، فهو في ماله، نصَّ عليه؛ لأنه لم يؤذن له في ذلك، وإنما هو من جنايته، فهو كما لو أتلف نفسًا أو مالًا، وكذلك ما وجب لترك واجب. وأما دم التمتع والقران إذا أذن له فيهما على المستنيب، وإلا فعليه. ودم الإحصار على المستنيب؛ لأنه للتخلُّص من السفر، فهو كنفقة الرجوع، هذا هو الذي ذكره ... (٢). وقال ابن أبي موسى (٣): اختلف أصحابنا في دم الإحصار هل هو من مال الأجير أو من مال المستأجر؟ على وجهين. وإن أفسد الحج أو فوَّته بتفريطه كان عليه ردُّ ما أخذ؛ لأنه لم يُجزِئ عن المستنيب بتفريطه، والقضاء عليه في ماله. فصل وما أنفق زيادة على القدر المعتاد أو على ما لا بدَّ منه فهو في ماله، فإذا سلك طريقًا يمكنه سلوكُ أقربَ منها فنفقةُ تفاوتِ ما بين الطريقين في ماله، وكذلك إن تعجَّل إلى مكة عجلة يمكنه تركُها.

стр. 2349

وإن أقام بعد الحج وبعد إمكان الرجوع أكثر من مدة القصر، أنفق من مال نفسه. وأما (١) إذا لم يمكنه الرجوع فإنه ينفق من مال المستنيب، وله نفقة الرجوع وإن أقام بمكة سنين ما لم يستوطنها، فإن استوطنها لم يكن له نفقة الرجوع ... (٢). وإن مرض في الطريق فله نفقة رجوعه؛ لأنه لا بدَّ منه، وقد حصل بغير تفريطه، وإن قال: خفتُ أن أمرض فرجعت، فقال (٣): عليه الضمان؛ لأنه متوهم. ولو أذن له في النفقة في جميع ذلك جاز إذا كان المال للمستنيب، وإن شرط أحدهما أن الدماء الواجبة عليه على غيره لم يجز. فصل إذا أمر بالحج فتمتع أو قرنَ جاز ذلك، ووقع عن الآمر، والدم على النائب. قال أحمد في رواية أبي طالب: إذا حج الرجل عن الرجل فتمتَّع لنفسه، فما سمعت أحدًا يقول: يتمتع عن نفسه. وإذا قالوا له: حُجَّ، ودخل بعمرة، فإن العمرة للذي يحج عنه، والدم عليه في ماله، وكذلك [ق ١٦٥] إن دخل قارنًا، فإن أحرم من مكة جاز له؛ لأن العمرة لمن حج عنه، ولو دخل بعمرة لنفسه، وأراد أن يحج عن غيره خرج إلى الميقات فأحرم عنه.

стр. 2350

وقال في رواية (١) حنبل (٢): إذا قرن أو تمتَّع فالدم في ماله، والحج والعمرة عن صاحب المال. وذلك لأن المتمتع والقارن أتيا بحجة وعمرة، وذلك أفضل من حجة مفردة ليس بعدها عمرة بلا تردد. وإن دخل بعمرة عن نفسه، ثم أراد أن يحج عن غيره، فعليه أن يخرج إلى (٣) ميقاته فيحرم منه (٤)، على ما نص عليه (٥)؛ لأن المستنيب قد وجب عليه الإحرام من الميقات فلا بدَّ أن يقضي عنه (٦) ذلك، ولا يجوز له أن يحرم عنه من دون الميقات. وقد نقل عنه علي بن سعيد، وسأله عن الرجل يحج عن غيره هل يعتمر قبل الحج؟ فقال: ينبغي له أن ينتهي إلى ما أُمِر به (٧)، فإن لم يكن أُمِر أن يعتمر اعتمر عن نفسه، فإذا حلَّ (٨) من عمرته حج عن الميت. وظاهر هذا أنه يحج من مكة، وفيه نظر. وليس له أن يحرم عنه من مكة، فإن خالف وفعل ففيه وجهان: أحدهما: عليه دم لترك ميقاته، وعليه من النفقة بقدر ما تركه بين
следующие страницы →