← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

وقال القاضي في «خلافه» (١): لا تكره الزيادة على ذلك إذا أوردها على وجه الذكر لله والتعظيم له، لا على أنها متصلة بالتلبية، كالزيادة على التشهد بما يذكره (٢) من الدعاء بعده ليس بزيادة فيه. لأن ما ورد عن الشرع منصوصًا موقَّتًا تُكره الزيادة فيه كالأذان والتشهد. فأما إن نقص من التلبية المشروعة ... (٣). وإذا فرغ من التلبية، فقال أصحابنا (٤): يُستحب أن يصلّي على النبي ﷺ ويدعو بما أحبَّ من خير الدنيا والآخرة. قال القاضي: [ق ٢٢٤] إذا فرغ من الصلاة على النبي ﷺ أحببنا له أن يسأل الله رضوانه والجنة ويستعيذ برحمته من النار. وذلك لما روي عن القاسم بن محمد قال: كان يُستحب للرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلّي على النبي ﷺ . رواه الدارقطني (٥). وعن خزيمة بن ثابت عن النبي ﷺ أنه كان إذا فرغ من تلبيته (٦) سأل الله رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من النار. رواه الشافعي والدارقطني (٧).

стр. 2627

ولأن الملبّي قد أجاب الله (١) في دعائه إلى حج (٢) بيته، فيستجيب الله له (٣) دعاءه جزاءً له. والصلاة على النبي ﷺ مشروعة عند كل دعاء. وقد قال القاضي وأصحابه: إن ذكر النبي ﷺ لا يُشرع عند الأفعال، كالذبح والعطاس والإحرام. وظاهر كلام أحمد في رواية حرب (٤) أن زيادة الدعاء من جنس زيادة الكلام لا بأس به، ولا يرفع صوته بذلك. مسألة (٥): (ويُستحبُّ الإكثارُ منها ورفعُ الصوت بها لغير النساء) . وذلك لما روى السائب بن خلّاد أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: «كُنْ عجّاجًا ثجّاجًا». والعجُّ التلبية، والثجُّ نحر البدن. رواه أحمد (٦). وعن أبي بكر الصديق أن رسول الله ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: «العجُّ والثجُّ». رواه ابن ماجه والترمذي (٧)، ولفظه: «أي الحج أفضل؟».

стр. 2628

وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي فُدَيك، وابن المنكدر لم يسمع من عبد الرحمن بن يربوع. وقد رواه الطبراني (١) من حديث محمد بن المنكدر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، عن أبيه، عن أبي بكر. والعجّ: رفع الصوت. يقال: قد (٢) عجّ يعِجُّ عجيجًا، ولا يكاد يقال إلا إذا تابع التصويت وأكثرَ منه، وقد أمره أن يكون عجّاجًا، وهو اسم لمن يُكثِر العجيج. وعن خلّاد بن السائب بن خلاد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي ــ وفي لفظٍ: ومن معي ــ أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية». وفي لفظ: «بالإهلال أو التلبية» يريد أحدهما. رواه الخمسة وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (٣). وعن زيد بن خالد الجُهَني قال: قال رسول الله ﷺ : «جاءني جبريل فقال: يا محمد، مُرْ أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من شعائر

стр. 2629

الحج». رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان في صحيحه (١)، وقال الترمذي (٢): روى بعضهم هذا الحديث عن خلّاد بن السائب، عن زيد بن خالد، عن النبي ﷺ . ولا يصح، والصحيح عن خلّاد بن السائب عن أبيه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرني جبريل برفع الصوت في الإهلال، فإنه من شعائر الحج». رواه أحمد (٣). وعن أبي حازم قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا أحرموا لم يبلغوا الرَّوحاء حتى تَبَحَّ أصواتُهم (٤). وعن بكر (٥) بن عبد الله قال: سمعت ابن عمر يرفع صوته بالتلبية، حتى إني لأسمع دويَّ صوته من الجبال (٦). وعن أيوب قال: رأيت سعيد بن جبير في المسجد يُوقِظ (٧) الحاجَّ

стр. 2630

ويقول: قوموا فلبُّوا، فإني سمعت ابن عباس يقول: هي زينة الحج (١). وعن إبراهيم أنه كان يقول: أكثروا من التلبية، فإنها زينة الحج. رواهنّ (٢) سعيد (٣). ولأن رفع الصوت ... (٤). قال أصحابنا: ويُستحبُّ رفع الصوت بها على حسب طاقته، ولا يتحامل في ذلك بأشدِّ ما يقدر عليه فينقطع كالأذان. و أما المرأة فيستحبُّ لها أن تُسمِع رفيقتها (٥). قال أحمد في رواية حرب: تجهر المرأة بالتلبية ما تسمع زميلتها؛ لما روى سليمان بن يسار أن السنة عندهم أن المرأة لا ترفع الصوت بالإهلال. رواه سعيد (٦). وعن عطاء أنه كان يقول: يرفع الرجال أصواتهم بالتلبية، فأما المرأة فإنها تُسمِع نفسَها ولا ترفع صوتها. رواه سعيد (٧).

стр. 2631

وقد جاء في فضلها ما روى سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلمٍ يلبِّي إلا لبَّى مَن عن يمينه وشماله من حجرٍ أو شجرٍ أو مدَرٍ حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا» (١) رواه الترمذي وابن ماجه (٢). وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من محرمٍ يُضْحِي لله يومَه يلبِّي حتى تغيبَ الشمس إلا غابتْ بذنوبه، فعاد كما ولدته أمه». رواه ابن ماجه (٣). وتُستحبُّ التلبية على كل حال: قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، وسائرًا ونازلًا، وطاهرًا وجنبًا وحائضًا، إلى غير ذلك من الأحوال. مسألة (٤): (وهي آكدُ فيما إذا علا نَشَزًا، أو هبطَ واديًا، أو سمعَ ملبّيًا، أو فعلَ محظورًا ناسيًا، أو التقتِ الرِّفاقُ (٥)، وفي أدبار الصلاة (٦)، وبالأسحار، و [ق ٢٢٥] إقبال الليل والنهار). وذلك لأن ذلك مأثور عن السلف:

стр. 2632

قال خيثمة بن عبد الرحمن: كان أصحاب عبد الله يلبُّون إذا هبطوا واديًا، أو أشرفوا على أَكَمَةٍ، أو لَقُوا ركبانًا، وبالأسحار ودُبُرَ الصلوات. رواه سعيد (١). وفي لفظ: كنت أحج مع أصحاب عبد الله، فكانوا يستحبون أن يلبُّوا في دبر كل صلاة، وحين يلقى الركبُ الركبَ (٢)، وبالأسحار، وإذا أشرفَ (٣) على أَكَمةٍ، أو هبط واديًا، أو انبعثت به راحلته. رواه عمر بن حفص بن غياث (٤). ولأن النبي ﷺ أهلَّ حين انبعثتْ به ناقتُه واستوتُ به قائمةً، ثم أهلَّ حين علا على شرف البيداء. وروي عن جابر قال: كان النبي ﷺ يلبِّي في حجته إذا لقي راكبًا أو علا أكمةً، أو هبط واديًا، وفي أدبار الصلوات المكتوبة، ومن آخر الليل (٥).

стр. 2633

ولأن المسافر يُستحبُّ له إذا علا على شَرَفٍ أن يكبِّر الله تعالى، وإذا هبط واديًا أن يسبِّحه، فالتلبية للمحرم أفضل من غيرها من الذكر. ولأن البقاع إذا اختلفت .... (١). ومن جملة الإشراف: إذا علا على ظهر دابته، كما تقدم عن النبي ﷺ وعن السلف. ويُستحبُّ (٢) أن يُبدأ قبلها بذكر الركوب، سئل عطاء: أيبدأ الرجل بالتلبية أو يقول: سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كنا له مُقرِنين؟ قال: يبدأ بسبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين (٣). وقد تقدم من حديث أنس أن النبي ﷺ ركب، حتى إذا استوت به على البيداء حمد الله تعالى وسبَّح وكبَر، ثم أهلّ بحج أو عمرة. رواه البخاري (٤). ولأن هذا الذكر مختصٌّ بالركوب، فيفوت بفوات سببه، بخلاف التلبية؛ ولهذا لو سمع مؤذّنًا كان [الأولى أن] (٥) يشتغل بإجابته عن التلبية والقراءة ونحوهما. ولأن هذا الذكر في هذا الموطن (٦) أوكدُ من التلبية فيه؛ لأنه مأمور به

стр. 2634

بقوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (١) [الزخرف: ١٣]. وأما إذا سمع ملبيًا ... (٢). وأما إذا فعل محظورًا (٣) ناسيًا؛ مثل أن يغطّي رأسه، أو يلبس قميصًا، ونحو ذلك فإن ذلك سيئة تنقُصُ (٤) الإحرامَ، فينبغي أن يُتبِعها بحسنة تَجْبُر الإحرام، ولا أحسنَ فيه من التلبية، ولأنه بذلك كالمعرض عن الإحرام الغافل عنه، فينبغي أن يجدّد الإحرام (٥) ويتذكره بالتلبية، وقد تقدم عن ابن عباس أنه قال لمن (٦) طاف (٧) في إحرامه لما رأى أنه يحلّ: أكثِرْ من التلبية؛ فإن التلبية تشدُّ الإحرام. وأما إذا التقتِ الرِّفاقُ ..... فأما القافلة الواحدة إذا جاء بعضهم إلى عند بعض .... ، وهل يبدأون قبل ذلك بالسلام ..... وأما أدبار الصلوات، فلما تقدم من الحديث والأثر.

стр. 2635

وأما السَّحَر فلِمَا تقدم من الحديث والأثر، ولأنها ساعة يُستحبُّ فيها ذكر الله تعالى. وأما في إقبال الليل والنهار فقد ذكره أصحابنا، ومعنى إقبال النهار ... (١). ولم يذكر الخرقي وابن أبي موسى السَّحر وطرفي النهار. فصل ويكفيه أن يلبّي لهذه الأسباب مرةً واحدة؛ بحيث يكون دعاؤه عقيبَ تلك المرة. قال في رواية الأثرم: كان ابن عمر يزيد في التلبية: لبيك ذا المعارج، ولا أدري من أين جاءت به العامة؛ يلبُّون في دُبُر الصلوات ثلاث مرات. قال الأثرم (٢): قلت لأبي عبد الله: ما شيء تفعله العامة يلبُّون في دبر الصلاة (٣) ثلاث مرات؟ فتبسَّم وقال: ما أدري من أين جاءوا به، قلت: أليس تُجزئه مرة واحدة؟ قال: بلى. وكذلك أيضًا إذا لبّى لغير سبب فإن المرة الواحدة تحصل بها سنة التلبية؛ بحيث يدعو بعدها إن أحبَّ؛ وذلك لأن الصحابة ذكروا أن النبي ﷺ لما ركب راحلته أهلَّ بهؤلاء الكلمات، ثم لما علا على (٤) البيداء أهلَّ بهن، ولم يذكروا أنه كرَّرهن في حاله (٥) تلك، ولو كان ذلك لبيَّنوه؛ فإن مثل هذا

стр. 2636

لم يكونوا ليُغْفِلوه (١) ويُهمِلوه، بل ظاهرُ حديث ابن عمر حين قال: «أهلَّ بهؤلاء الكلمات» وقوله: «فلما استوتْ به ناقتُه (٢) قائمةً قال: لبيك اللهم لبيك (٣)، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، وكان ابن عمر يزيد فيها ما يزيد= كالنص في أنه إنما لبَّى بهذا واحدةً (٤). وقد قال: «أربعًا تلقَّفْتُهن (٥) من رسول الله ﷺ » (٦). أفتراه يعدُّ كلمات التلبية ولا يعدُّ مرَّاتِها؟ وذكرُ عددِها أهمُّ؛ لأنه لا يُعلم إلا بذكره، بخلاف كلمات التلبية (٧) فإن ذكرها يُغني عن عدّها، وكذلك المأثور عن السلف ليس فيه أمرٌ بتكرير؛ ولذلك أنكر أحمد هذا، وبيَّن أنه لا أصل له عن السلف، وقال: لا أدري من أين جاءوا به. وأيضًا فإن كلمات التلبية مبنيَّة على تكرارها، فإنها متضمِّنة الثلاث مرات. فإن كرَّرها ثلاثًا أو أكثر من ذلك على نسق واحد، فقال أبو الخطَّاب (٨) وطائفة معه: لا يُستحبُّ تكرارها [ق ٢٢٦] في حال واحدة.

стр. 2637

وقال ابن عقيل: لا يستحبُّ تكرارها ثلاثًا. وقال القاضي: لا يستحبُّ تكرارها ثلاثًا عقيب الصلاة، بل يأتي بها عقيب الصلوات كما يأتي بها مفردةً عن الصلاة. وقالوا: يستحبُّ استدامتها على كل حال. وقال أبو محمد (١): لا بأس بالزيادة على مرة، وتكرارُه ثلاثًا حسن، فإن الله تعالى وِترٌ يحب الوتر. وقال القاضي في «الخلاف» (٢): يُسَنُّ تكرارها بعد تمامها؛ لأجل تلبُّسِه بالعبادة، وإن لم تُستحبَّ الزيادة عليها. وفَرَّق بين الزيادة والتكرار بأن هذا الذكر شعار هذه العبادة، كالأذان وتكبيرة الإحرام، فلم تُستحبّ الزيادة عليه مثلهما، بخلاف التكرار فإنما ذلك لأجل تلبُّسه بالعبادة، وهذا المعنى موجود ما لم يحلَّ، وهذا يقتضي استحباب تكرارها في الموضع الذي اختلف في استحباب الزيادة، وهو عقيب التلبية سواء. وحقيقة المذهب أن استدامتها وتكرارها على كل حال حسنٌ (٣) مستحبٌّ من غير تقييد بعدد، كما في التكبير في العشر وأيام التشريق، لكن التقييد بعدد مخصوص لا أصل له، وكذلك الأمر به وإلزام المأمورين (٤).

стр. 2638

فصل قال أصحابنا: لا يُستحبُّ أن يتخلَّلها غيرها من الكلام ليأتي بها نسقًا، فإن سُلِّم عليه ردَّ؛ لأن ذلك فرض، والتلبية سنة. فإن لم يُحسِن التلبية بالعربية، فإنه يتعلَّمها وإن لم يفقهها (١). قال في رواية حنبل: والأعجمي والأعجمية إذا لم يفقها يُعلَّمان على قدر طاقتهما (٢)، ويؤدِّيان (٣) المناسك، ويشهدان مع الناس المناسك، والله أعلم بالنية، وأرجو أن يجزئ ذلك عنهما. ولا يجوز أن يلبِّي بغير العربية وهو يقدر على التلبية بالعربية أو على تعلُّمها؛ لأنه ذكر مشروع، فلم يجز إلا بالعربية، كالأذان والتكبير وغير ذلك من الأذكار المشروعة، لا سيما والتلبية ذِكرٌ موقَّت، فهي بالأذان أشبهُ منها بالخطبة ونحوها، ثم الخطبة لا تكون إلا بالعربية، فالتلبية أولى. فإن عجز عن التلبية بالعربية فقال أبو محمد (٤): يجوز أن يلبِّي بلسانه. ويتوجه أن (٥) لا يجوز؛ لأنه قد مُنِع عن الدعاء في الصلاة بغير العربية. فإن عجز عن التلبية بأن لا يُحسِنها بالكلية، أو يكون أخرسَ، أو مريضًا

стр. 2639

لا يطيق الكلام، أو صغيرًا، فقال أحمد في رواية أبي طالب (١): الأخرس والمريض والصبي يُلبَّى عنهم. وظاهره: أنه إذا عجز عن الجهر يلبَّى عنه، وذلك لأن جابرًا ذكر أنهم كانوا يلبُّون عن الصبيان، وما ذاك إلا لعجزهم عن التلبية. ففي معنى الصبيان كلُّ عاجز؛ ولأن أمور الحج كلها تدخلها النيابة إذا عجز عنها، كالرمي ونحوه. فإذا عجز عن التلبية بنفسه لبَّى عنه غيره، ويكون كما لو لبَّى عن ميِّت أو معضوب، إن ذكره في التلبية فحسن، وإن اقتصر على النية جاز. قال أصحابنا القاضي (٢) ومن بعده: والتلبية سنة لا شيء في تركها؛ لأنها ذِكرٌ مشروع في الحج، فكان سنةً كسائر أذكاره من الدعاء بعرفة ومزدلفة ومنى وغير ذلك. فصل وتُشرع التلبية من حين الإحرام إلى الشروع (٣) في الإحلال، ففي الحج يلبِّي إلى أن يأخذ في رمي جمرة العقبة، وفي العمرة إلى أن يشرع (٤) في الطواف. قال أحمد (٥): الحاج يلبِّي حتى يرمي جمرة العقبة، وفي رواية (٦):

стр. 2640

يقطع عند أول حصاة، وقال في رواية الجماعة (١): في المعتمر يقطع التلبية إذا استلم الركن، وهذا هو المذهب. وقال (٢) الخرقي (٣): من كان متمتعًا قطع التلبية إذا وصل إلى البيت. فمن أصحابنا من قال: ظاهر هذا أنه يقطع التلبية برؤية البيت قبل الطواف، فجعل هذا خلافًا، ومنهم من فسَّر وصوله إليه باستلامه الحجر. وهذا أشبه؛ لأن حقيقة الوصول أن يتَّصل به، وإنما يتَّصل به إذا لَمَسَه لا إذا رآه؛ وذلك لما روى الفضل بن عباس أن النبي ﷺ لم يزل يلبِّي حتى رمى الجمرة (٤). وفي لفظٍ للبخاري (٥): «حتى بلغ الجمرة». وعن ابن عباس أن أسامة كان رِدْفَ النبي ﷺ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضلَ من المزدلفة إلى منى، قال فكلاهما قال: لم يزل النبي ﷺ يلبِّي حتى رمى جمرة العقبة. متفق عليهما (٦). وعن عكرمة قال: أفضتُ مع الحسين بن علي من المزدلفة، فلم أزل أسمعه يلبِّي حتى رمى جمرة (٧) العقبة، فسألته، فقال: أفضتُ مع أبي من المزدلفة، فلم أزل أسمعه يلبِّي حتى رمى جمرة العقبة، فسألته فقال: أفضتُ

стр. 2641

مع النبي ﷺ من المزدلفة (١)، فلم أزل أسمعه يلبِّي حتى رمى جمرة العقبة. رواه أحمد (٢) من حديث ابن إسحاق عن أبان بن صالح عنه. وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «يلبِّي المعتمر حتى يستلم الحجر» رواه أبو داود (٣). وعنه يرفع الحديث أنه ــ يعني النبي ﷺ ــ كان يُمسِك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر. رواه الترمذي (٤) وقال: حديث صحيح (٥). وعن حجاج، عن (٦) عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عُمَرٍ، كل ذلك في ذي القعدة، يلبِّي حتى يستلم الحجر. رواه [ق ٢٢٧] أحمد (٧). فأما التلبية في الطواف والسعي، وفي حال الوقوف بعرفة

стр. 2642

ومزدلفة ... (١). و يُكره إظهار التلبية في الأمصار والحِلَل (٢). قال أحمد في رواية المرُّوذي (٣): التلبية (٤) إذا برزوا (٥) عن البيوت. وقال في رواية أبي داود (٦): لا يُعجبني أن يلبّي في مثل بغداد حتى يبرُزَ. وقال في رواية حمدان (٧) بن علي (٨): إذا أحرم (٩) في مِصْره لا يُعجبني أن يلبِّي. وفي لفظٍ: يلبِّي الرجل إذا وارى الجدران، قول ابن عباس، ولا يُعجِبني يلبِّي (١٠) من المصر. وحمل أصحابنا قوله على إظهار التلبية وإعلانها. وعبارة كثير منهم: لا يُستحبُّ إظهارها، وربما قالوا: لا يُشرع ذلك، كما قالوا: لا يُستحبُّ تكرارها في حال واحدة، وذلك يقتضي التسوية بين المسألتين؛ إما في الكراهة، أو في

стр. 2643

أن الأولى تركه، وذلك لِما احتجَّ به أحمد ورواه (١) بإسناده عن عطاء عن ابن عباس أنه سمع رجلًا يلبِّي بالمدينة، فقال: إن هذا لمجنون، ليست التلبية في البيوت، وإنما التلبية إذا برزتَ. وعلّله القاضي (٢) بأن التلبية مستحبة (٣)، وإخفاء التطوُّع أولى من إظهاره لمن لا يشركه فيه؛ ولهذا لم يكره ذلك في الصحراء وفي أمصار الحرم؛ لوجود الشركاء. وهذا ليس بشيء، ويحتمل أن يكون ذلك لأن المقيم في مصرِه ليس بمسافر ولا متوجه إلى الله تعالى، والتلبية إجابة الداعي، وإنما يجيبه إذا شرع في السفر. فإذا فارق البيوت شرع في السفر فيجيبه، وكلام ابن عباس وأحمد يحتمل هذا. فعلى هذا لو مرَّ بمصرٍ آخر في طريقه لبَّى منه. وعلى هذا فلا يُستحبُّ إخفاؤها ولا إظهارها، وهو ظاهر كلام أحمد وابن عباس. فأما المساجد فقال القاضي (٤) وأبو الخطاب (٥): لا يُستحبُّ إظهارها في الأمصار ومساجد الأمصار. ومساجد الأمصار (٦): هي المبنيَّة في المصر؛

стр. 2644

وذلك لأن حكمها كحكم المصر (١) وأولى من حيث كُرِهَ رفع الصوت فيها، لا من [حيث] إظهارها في مساجد الحلّ وأمصاره. فعلى هذا: المساجد (٢) المبنية في البرية مثل مسجد ذي الحليفة ونحوه لا يُظْهَر فيه؛ لأن النبي ﷺ نهى عن رفع الصوت في المسجد (٣). وإنما خُصّ من ذلك الإمامُ خاصةً والمأمومُ إذا احتيج إلى تبليغ تكبير الإمام. فيبقى رفع الصوت بالتلبية على عمومه. وهذا قويٌّ على قول من لا يرى ... (٤). وحديث ابن عباس في إهلال النبي ﷺ بمسجد ذي الحليفة عقيبَ الركعتين، وقول أحمد وغيره بذلك يخالف هذا القول. قال أصحابنا: ويستحبُّ إظهارها في المسجد الحرام وغيره من مساجد الحرم؛ مثل مسجد منى، وفي مسجد عرفات، وإظهارها في مكة، لأنها مواضع المناسك (٥).

стр. 2645

فصل وأما تسمية ما أحرم به في تلبيته (١)، فقال أبو الخطاب (٢): لا يُستحبُّ أن ينطق بما أحرم به، ولا يُستحبُّ أن يذكره في تلبية؛ لما رُوي عن ابن عمر يقول: لا يضرُّ الرجلَ أن لا يسمِّي بحج ولا بعمرة، يكفيه من ذلك نيتُه، إن نوى حجًّا فهو حج، وإن نوى عمرة فهو عمرة (٣). وعنه أنه كان إذا سمع بعض أهله يسمِّي بحج يقول: «لبيك (٤) بحجة» صَكَّ في صدره وقال: أتُعلِّم الله بما في نفسك؟ (٥). وعنه أنه سئل: أيتكلم بالحج والعمرة؟ فقال: أتُنبِّئون الله بما في قلوبكم؟ (٦). وذلك لأن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ نلبِّي (٧) لا نذكر حجًّا ولا عمرة. متفق عليه (٨). والذين وصفوا تلبية رسول الله ﷺ لما استوى على

стр. 2646

دابته مثل ابن عمر وغيره، ذكروا أنه لبَّى (١)، ولم يذكروا (٢) في تلبيته ذكر حج ولا عمرة. والمنصوص عن أحمد في رواية المرُّوذي (٣) قال: إن أردتَ المتعة فقل: «اللهم إني أريد العمرة، فيسِّرها لي وتقبَّلْها مني، وأعنِّي عليها» تُسِرُّ ذلك في نفسك مستقبلَ القبلة، وتشترط عند إحرامك، فتقول: إن حبسني حابس فمحلّي حيث حبستَني، وإن شئتَ أهللتَ على راحلتك. وذكر في الإفراد والقران (٤) نحو ذلك، إلا أنه قال: «اللهم إني أريد العمرة والحج فيسِّرهما لي وتقبّلهما مني، لبيك اللهم عمرة وحجًّا، فقل كذلك». ولم يذكر في المتعة والإفراد لفظه في التلبية. فقد استحبَّ أن يسمِّي في تلبيته العمرة [ق ٢٢٨] والحج أولَ مرّةٍ؛ لما روى بكر بن عبد الله المزني عن أنس قال: سمعت النبي ﷺ يلبِّي بالحج والعمرة جميعًا، قال بكر: فحدثتُ بذلك ابن عمر، فقال: لبَّى بالحج وحده. فلقيتُ (٥) أنسًا فحدثته، فقال أنس: ما تعدُّونا إلا صبيانًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لبيك عمرةً وحجًّا». متفق عليه (٦). وقال: «قل: عمرة وحجة»،

стр. 2647

وفي لفظٍ: «عمرة في حجة» (١). ولكن هذا يحتمل النطق قبلَ التلبية ووقتَها (٢). وعن علي أنه أهلَّ بهما: لبيك بعمرة وحجة، وقال: ما كنت لأدعَ سنة رسول الله ﷺ لقول أحد. رواه البخاري (٣). وفي حديث الصُّبي بن مَعبد أنه (٤) سمعه (٥) سلمان وزيد وهو يلبِّي بهما، فقال له عمر: «هُدِيتَ لسنة نبيك» (٦). وقال ابن أبي موسى (٧): إن أراد الإفراد بالحج قال: اللهم إني أريد الحج فيسِّره لي وتمِّمْه (٨)، ويلبّي فيقول: «لبيك اللهم لبيك، بحجةٍ تمامها عليك، لبيك لا شريك لك، إن الحمد والنعمة لك» إلى آخرها، ويُستحبُّ له الاشتراط، وهو أن يقول بعد التلبية: «إن حبسني حابسٌ فمحلّي حيث حبستَني». وقال في القارن: هو كالمفرد غير أنه يقول في تلبيته: «لبيك بعمرة وحجة تمامها عليك» بعد أن ينوي القران.

стр. 2648

وقد جاء في حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: «من أراد أن يُهِلَّ بحجة فليفعل، ومن أراد أن يُهِلَّ بعمرة فليفعل، ومن أراد أن يُهِلَّ بحجة وعمرة فليفعل». وفي حديث ابن عباس: «أهلَّ بالعمرة، وأهلَّ أصحابه بالحج». وفي حديث ابن عمر: «لبَّى بالحج وحده». إلا أن هذا يقال لمن نوى ذلك ولمن يُعلِم به (١) في تلبيته كما يقال .... (٢)، بدليل أن ابن عمر يروي ذلك، وكان ينكر اللفظ به في التلبية. فصل ولا بأس بتلبية الحلال، ولا يصير محرمًا بذلك إلا أن ينوي الإحرام. قال أحمد في رواية الأثرم (٣): قد يلبِّي الرجل ولا يُحرِم، ولا يكون عليه شيء. لما روي عن إبراهيم قال: أقبل عبد الله من ضَيْعته التي دون القادسية، فلقي قومًا يلبُّون عند النجف فكأنهم هيَّجوا شوقَه (٤)، فقال: لبيك عددَ التراب لبيك. رواه سعيد (٥). وعن عطاء والحسن وإبراهيم أنهم لم يروا بأسًا للحلال أن يتكلَّم بالتلبية يُعلِّمها الرجلَ (٦).

стр. 2649

وذلك لأن النبي ﷺ كان يقول في دعاء الاستفتاح: «لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، أنا منك وإليك». رواه مسلم (١). * * * *

стр. 2650

باب (١) محظورات الإحرام مسألة (٢): (وهي تسع (٣): حَلْق الشعر، وقَلْم الظُّفر) . وجملة ذلك أن المحرم يَحرُم عليه أشياء، ويُكره له أشياء: فمما يحرم عليه: أن يزيلَ (٤) شيئًا من شعره بحلْق، أو نَتْفٍ، أو قطع، أو تنوُّرٍ (٥)، أو إحراق، أو غير ذلك؛ سواء في ذلك شعر الرأس والبدن والفخذ، الذي يُسَنّ إزالته لغير الحرام كشعر العانة والإبْط، والذي لا يُسَنّ كشعر اللحية والحاجب والصدر وغير ذلك. وكذلك يحرم عليه أن يزيل شيئًا من ظفره ... (٦). لأن الله سبحانه قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأيضًا قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، فروى عطاء عن ابن عباس قال: التفث: الرمي (٧)، والذبح، والحلق والتقصير، والأخذ من الشارب والأظفار واللحية (٨).

стр. 2651

وعن عطاء قال: الحلْق وتقليم الأظفار ومناسك الحج (١). وعن محمد بن كعب قال: الشَّعر والأظفار (٢). رواهن أبو سعيد الأشجّ. وعن [علي بن] (٣) أبي طلحة عن ابن عباس: يعني بالتفث وضْعَ إحرامهم، من حلْق الرأس ولُبس الثياب وقصّ الأظفار ونحو ذلك (٤). وعن مجاهد قال: التفث حلق الرأس وتقليم الأظفار (٥). وفي رواية (٦): «حلق الرأس، وقصُّ الشارب، وقَلم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقصُّ اللحية والشارب والأظفار، ورمي الجمار». فعُلِم أنه كان ممنوعًا من ذلك في الإحرام (٧). ولأن ذلك إجماع سابق. قال أحمد في رواية حُبَيش بن سندي (٨):

стр. 2652

شعر الرأس واللحية والإبط سواء، لا أعلم أحدًا فرَّق بينهما. ولأن إزالة ذلك ترفُّهٌ وتنعُّمٌ. مسألة (١): (ففي ثلاثٍ منها دمٌ، وفي كل واحد مما دونها مُدُّ طعامٍ، وهو ربعُ الصاعِ) . وجملة ذلك: أنه متى أزال شعره أو ظُفره فعليه الفدية، سواء كان لعذر أو لغير عذر. وإنما يفترقان في إباحة ذلك وغيره من الأحكام. وأما الفدية فتجب فيهما (٢)، لأن الله سبحانه قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فجوّز لمن مرِضَ فاحتاج إلى حلْق الشعر، أو آذاه قَمْلٌ برأسه، أن يحلق ويفتدي بصيام أو صدقة أو نُسُك، فلَأنْ يجب ذلك على من فعله لغير عذرٍ أولى. وعن عبد الله بن مَعْقِل قال: جلستُ إلى كعب بن عُجْرة فسألته عن الفدية فقال: نزلت فيَّ خاصّةً وهي لكم عامّة، حُمِلْتُ إلى رسول الله ﷺ والقَمْلُ يتناثر على وجهي، فقال: «ما كنتُ أرى الوجعَ بلغ بك ما أرى» أو «ما كنتُ أرى الجهدَ بلغ بك ما أرى! تجد شاة؟» فقلت: لا، قال: «فصُمْ ثلاثة أيام، أو أطعِمْ ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع». متفق عليه (٣).

стр. 2653

وعن [ق ٢٢٩] عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عُجْرة قال: أتى عليَّ رسول الله زمنَ الحديبية وأنا أُوقِدُ تحت قِدْري والقَمْل يتناثر على وجهي، فقال: «أيؤذيك هَوامُّ رأسك؟» قال: قلت: نعم، قال: «فاحلِقْ، وصُمْ ثلاثة أيام، أو أطعِمْ ستة مساكين، أو انسُكْ نَسِيكةً». لا أدري بأيّ ذلك بدأ. متفق عليه، وهذا لفظ مسلم (١). وللبخاري (٢): أن رسول الله ﷺ رآه وإنه يسقط قَمْلُه على وجهه، فقال: «أيؤذيك هوامُّك؟» قلت: نعم، فأمره أن يحلق وهو بالحديبية، ولم يتبين لهم أنهم يحلُّون بها، وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فأنزل الله الفدية، فأمره رسول الله ﷺ أن يُطعِم فَرَقًا (٣) بين ستة، أو يُهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام. ولمسلم (٤): أتى عليَّ رسول الله ﷺ زمنَ الحديبية، فقال: «كأن هوامَّ رأسك تؤذيك؟» فقلت: أجلْ، قال: «فاحلِقْه واذبحْ شاة، أو صمْ ثلاثة أيام، أو تصدَّقْ بثلاثة آصُعٍ من تمرٍ بين ستة مساكين». وفي رواية له (٥): «فاحلقْ رأسك وأطعِمْ فَرَقًا بين ستة مساكين ــ والفَرَقُ: ثلاثة آصُعٍ ــ، أو صُمْ ثلاثة أيام، أو انسُكْ نَسِيكةً». وفي رواية له (٦): فقال له النبي ﷺ : «احلِقْ ثم اذبحْ شاةً نسكًا، أو صُمْ

стр. 2654

ثلاثة أيام، أو أطعِمْ ثلاثة آصُعٍ [من] (١) تمرٍ على ستة مساكين». وفي رواية لأبي داود (٢): فدعاني رسول الله ﷺ فقال لي: «احلِقْ رأسك وصُمْ ثلاثة أيام أو (٣) أطعِمْ ستة مساكين فَرَقًا من زبيب، أو انسُكْ شاةً». فحلقتُ رأسي ثم نسكتُ. ثم الكلام فيما يوجب الدم وما دونه: أما ما يوجب الدم ففيه ثلاث روايات: إحداها (٤): أنه لا يجب إلا في خمس شعرات وخمسة أظفار. حكاها ابن أبي موسى (٥)، وهذا اختيار أبي بكر (٦)؛ لأن الأظفار الخمسة أظفار يدٍ (٧) كاملة، فوجب أن يتعلَّق بها كمال الجزاء، كما يتعلَّق كمال اليد بخمس (٨) أصابع، وما دون ذلك ناقص عن الكمال. وإذا لم يجب كمال الفدية إلا في خمس أصابع فأن لا يجب إلا في خمس شعراتٍ أولى. والثانية: أنه لا يجب إلا في أربعة فصاعدًا، وهي اختيار الخرقي (٩)،

стр. 2655

فقال في رواية المرُّوذي (١) قال: كان عطاء يقول: إذا نتفَ ثلاث شعرات فعليه دم (٢)، وكان ابن عيينة يستكثر الدم في ثلاث، ولستُ أُوقِّت، فإذا نتفَ متعمِّدًا أكثر من ثلاث شعرات (٣) فعليه دم. والناسي والمتعمد سواء. والثالثة: يجب في ثلاثٍ فصاعدًا، وهي اختيار القاضي (٤) وأصحابه، قال في رواية حنبل (٥): إذا نتف المحرم ثلاث شعراتٍ أَهَراقَ لهنَّ دمًا، فإذا كانت شعرة أو اثنتين كان فيهما قبضةٌ من طعام. والأظفار كالشعر في ذلك وأولى، فيها الروايات الثلاث. قال في رواية مهنا (٦) في محرم قصَّ أربع (٧) أصابع من يده فعليه دم. قال عطاء: في شعرةٍ مدٌّ، وفي شعرتين (٨) مُدَّان، وفي ثلاث شعراتٍ فصاعدًا دم (٩)، والأظفار أكثر من ثلاث شعرات. ولو قطعها في أوقات متفرقة وكفَّر عن الأول فلا كلام، وإن لم يكفِّر ضُمَّ بعضها إلى بعض، ووجب فيها ما يجب فيها لو قطعها في وقت واحد،

стр. 2656

فيجب الدم في الثلاث أو الأربع أو الخمس. وأما ما لا يوجب الدم ففيه روايتان منصوصتان ورواية مخرَّجة: إحداهن: في كل شعرة وظُفرٍ مدٌّ، قال في رواية أبي داود (١): إذا نتفَ شعرةً أطعم مدًّا. وهذا اختيار عامة أصحابنا: الخرقي، وأبي بكر، وابن أبي موسى، والقاضي وأصحابه وغيرهم (٢). والثانية: قبضة من طعام؛ قال في رواية حنبل (٣): إذا كانت شعرة أو اثنتين كان فيهما قبضة من طعام. ثم من أصحابنا من يقول: في كل شعرةٍ قبضةٌ من طعام، وظاهر كلامه أن في الشعرتين قبضة من طعام. والثالثة: خرّجها القاضي ومن بعده من قوله (٤) فيمن ترك ليلةً من ليالي منى: إنه يتصدَّق بدرهم أو نصفِ درهم. وكذلك خرّجوا في ترك ليلة من ليالي منى وحصاةٍ من حصى الجمار ما في حلق شعرة وظفر، فجعلوا الجميع بابًا واحدًا، قالوا: لأن كل واحد من هذه الأشياء الثلاثة يتعلَّق وجوب الدم بجميعه، ويتعلَّق ببعضه وجوب الصدقة. ووجه الأول: أن أقلَّ ما يتقدَّر (٥) بالشرع من الصدقات طعام مسكين،

стр. 2657

وطعام المسكين مُدٌّ، فعلى هذا يخيَّر بين مدِّ برٍّ أو نصف [صاعٍ من] (١) تمْرٍ أو شعيرٍ. وظاهر كلامه هنا: أنه يجزئه من الأصناف كلها مدٌّ، فإن أحبَّ أن يصوم يومًا أو يُخرِج ثُلُثَ شاةٍ (٢). وإن قطع بعض شعرةٍ أو ظفرٍ ففيه ما في جميعها في المشهور. وفيه وجه: أنه يجب بالحساب. مسألة (٣): (وإن خرج في عينه شَعرٌ [ق ٢٣٠] فقلَعَه، أو نزلَ شَعرُه فغطَّى عينيه، أو انكسر ظُفره فقصَّه= فلا شيء فيه). وذلك لما روي عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسًا للمحرم أن ينزِعَ ضِرْسَه إذا اشتكى، ولا يرى بأسًا أن يقطع المحرم ظُفره إذا انكسر (٤). وعن عكرمة أنه سئل عن المحرم، إذا انكسر ظُفره يَقْلِمُه، فإن ابن عباس كان يقول: إن الله لا يَعْبأ بأذاكم شيئًا. رواهما سعيد (٥). ولأن الظفر إذا انكسر ... (٦).

стр. 2658

فعلى هذا قال أبو الخطاب (١): يقصُّ منه ما انكسر. وقال ابن أبي موسى (٢): إن انكسر ظفره فقصَّه فلا فدية عليه، وبه قال ابن عباس. ولا بدَّ أن يكون الانكسار بغير فعلٍ منه. وأما الشعر إذا خرج في عينه وآلمه فإنه هو الذي اعتدى عليه. وأما إذا نزل على عينيه شعرُ حاجبه ورأسه ... (٣) فإنه يقصّ منه ما نزل على عينيه. فصل ولا بأس أن يحلق المحرم رأس الحلال ويَقْلِم أظفاره، ولا فدية عليه. وليس لحلالٍ ولا حرامٍ أن يحلق رأس محرم أو يقلم أظفاره، فإن فعل ذلك بإذنِ (٤) المحلوق فالفدية عليه دون الحالق، وإن فعل ذلك الحلالُ بالمحرم وهو نائم أو أكرهه عليه، فقرار الفدية على الحالق. وهل تجب على المحرم ثم يرجع بها عليه؟ على وجهين سيأتي ذكرهما. مسألة (٥): (الثالث: لُبس المَخيط إلا أن لا يجد إزارًا فيلبس سراويلَ، أو لا يجد نعلين فيلبسْ خفينِ، ولا فدية عليه) . في هذا الكلام فصلان:

стр. 2659

أحدهما أن المحرم يحرم عليه أن يلبس على بدنه المَخِيط المصنوع على قدر العضو؛ مثل القميص والفَرُّوج (١) والقَبَاء (٢) والجُبّة والسراويل والتُبَّان (٣) والخفّ والبُرنس (٤) ونحو ذلك. وكذلك لو صُنِع (٥) على مقدار العضو بغير خياطة مثل أن يُنسَج نسجًا، أو يُلْصَق بلصوقٍ، أو يُرْبط بخيوط، أو يُخلّل بخلال أو يُزرّ، ونحو ذلك مما يُوصَل به الثوب المقطَّع حتى يصير كالمخيط، فإن حكمه حكم المخيط، وإنما يقول الفقهاء «المَخِيط» بناء على الغالب. فأما إن خِيط أو وُصِل لا ليُحِيط (٦) بالعضو ويكون على قدره، مثل الإزار والرداء الموصل والمرقّع ونحو ذلك= فلا بأس به، فإن مناط الحكم هو اللباس المصنوع على قدر الأعضاء، وهو اللباس المُحِيط (٧) بالأعضاء واللباس المعتاد (٨). والأصل في ذلك ما روى الزهري عن سالم عن أبيه قال: سئل النبي ﷺ

стр. 2660

ما يلبس المحرم؟ قال: «لا يلبس المحرم القميص، ولا العمامة، ولا البُرنُس، ولا السراويل، ولا ثوبًا مسَّه ورسٌ ولا زعفران، ولا الخفّين إلا أن لا يجد نعلين، فليقطَعْهما حتى يكونا أسفلَ من الكعبين». متفق عليه (١). ورواه أحمد (٢): قثنا عبد الرزاق أبنا معمر عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أن رجلًا نادى يا رسول الله! ما يجتنب المحرم من الثياب؟ فقال: «لا يلبس السراويل، ولا القميص، ولا البرنس، ولا العمامة، ولا ثوبًا مسَّه زعفران ولا وَرْس، وليُحرِم أحدكم في إزار ورداء ونعلين، فإن لم يجد نعلين فليلبس خفّين، وليقطعْهما حتى يكونا أسفلَ من الكعبين». وفي رواية صحيحة لأحمد والنسائي (٣) عن نافع عن ابن عمر أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا؟ قال: «لا تلبسوا القُمُص (٤) ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس (٥) ولا الخِفاف (٦)، إلا أن يكون رجل ليست له نعلانِ، فليلبس الخفَّين ويجعلهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسَّه الزعفران ولا الورس». وفي رواية لأحمد (٧) عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال:

стр. 2661

سمعت رسول الله ﷺ يقول على هذا المنبر وهو ينهى الناس ــ إذا أحرموا ــ عما يُكْرَه لهم: «لا تلبسوا العمائم، ولا القُمُص، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفَّين إلا أن يُضطَرَّ مضطرٌّ فيقطعهما أسفلَ من الكعبين، ولا ثوبًا مسَّه الورس ولا الزعفران». قال: وسمعته ينهى النساء عن القُفَّاز (١) والنِّقاب وما مسَّ (٢) الورس والزعفران من الثياب. ورواه أبو داود (٣) أيضًا بهذا الإسناد عن ابن عمر قال: سمعت النبي ﷺ ينهى النساء في الإحرام عن القُفَّازينِ والنِّقاب، وما مسَّ الورس والزعفران من الثياب، ولتلبَسْ بعد ذلك ما أحبّتْ من ألوان الثياب: معصفرًا، أو خزًّا، أو حليًّا، أو سراويلَ (٤)، أو قميصًا. قال أبو داود ــ وقد رواه من حديث أحمد عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن إسحاق ــ: روى هذا الحديثَ عن ابن إسحاق عبدةُ ومحمد بن سلمة (٥) إلى قوله: «وما مسَّ الورس والزعفران من الثياب»، [ق ٢٣١] لم يذكرا ما بعده.

стр. 2662

قلت: وكذلك رواه أحمد (١) عن يعلى بن عبيد ويزيد بن هارون عن ابن إسحاق. وقد قيل: إنه ليس فيه ذكر سماع ابن إسحاق عن نافع، وإنما هو معنعن أو قال نافع (٢). وفي روايةٍ لأحمد والبخاري وأبي داود والنسائي والترمذي (٣) من حديث نافع عن ابن عمر قال: قام رجل فقال: يا رسول الله، ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ فقال النبي ﷺ : «لا تلبس القميص، ولا السراويلات، ولا العمائم، ولا البرانس (٤)، ولا الخفّ إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين، وليقطَعْها أسفلَ من الكعبين، ولا تلبسوا شيئا مسَّه الزعفران ولا (٥) الورس، ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القُفَّازين». قال الترمذي: هذا حديث صحيح (٦). قال أبو داود (٧): «وقد روى هذا الحديثَ حاتمُ بن إسماعيل ويحيى بن أيوب عن موسى بن عقبة عن نافع على ما قال الليث، يعني مرفوعًا. ورواه

стр. 2663

موسى بن طارق [عن موسى بن عقبة] (١) موقوفًا على ابن عمر، وكذلك رواه عبيد الله بن عمر ومالك وأيوب موقوفًا، وإبراهيم بن سعيد المديني عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ : «المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القُفَّازينِ». وإبراهيم بن سعيد شيخ من أهل المدينة ليس له كثير حديث. وعن ابن إسحاق قال: ذكرتُ لابن شهاب قال: حدثني سالم أن عبد الله بن عمر كان يصنع [ذلك] (٢)، يعني يقطع الخفَّين للمرأة المحرمة، ثم حدَّثتْه صفية بنت أبي عبيد أن عائشة حدثتها أن رسول الله ﷺ رخَّص للنساء في الخفين، فترك ذلك. رواه أحمد وأبو داود (٣). وفي رواية لأحمد (٤): «ولا يلبس ثوبًا مسَّه الورس والزعفران إلا أن يكون غسيلًا». رواه عن أبي معاوية قثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر. وفي رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يلبس المحرم ثوبًا مصبوغًا بزعفران أو ورس (٥).

стр. 2664

فنهى رسول الله ﷺ عن خمسة أنواع من اللباس تشمل جميع ما يحرم، فإنه قد أوتي جوامعَ الكلم، وذلك أن اللباس إما أن يُصنع [للبدن] (١) فقط فهو القميص وما في معناه من الجبة والفَرُّوج ونحوهما، أو للرأس فقط وهو العمامة وما في معناها، أو لهما وهو البُرنس وما في معناه، أو للفخذين والساق وهو السراويل وما في معناه من تُبَّانٍ ونحوه، أو للرجلين وهو الخفّ ونحوه. وهذا مما أجمع المسلمون عليه. الفصل الثاني إذا لم يجد إزارًا فإنه يلبس السراويل، ولا يَفْتِقه بل يلبسه على حاله، وإذا لم يجد نعلين فإنه يلبس الخفين وليس عليه أن يقطعهما، ولا فدية عليه. هذا هو المذهب المنصوص عنه في عامة المواضع، في رواية أبي طالب ومهنا وإسحاق وبكر بن محمد (٢)، وعليه أصحابه. ورُوي عنه أنه عليه أن يقطعهما (٣)؛ قال في رواية حنبل: الزهري عن سالم عن ابن عمر، وذكر الحديث إلى قوله: «وليقطعْهما حتى يكونا أسفلَ من الكعبين». وظاهره أنه أخذ به. وقد حكى ابن أبي موسى (٤) وغيره الروايتين، إحداهما: عليه أن يقطعهما أسفل من الكعبين، فإن لم يقطعهما فعليه دم؛ لأن ذلك في حديث

стр. 2665

ابن عمر، وهو مقيَّد، فيُقْضَى به على غيره من الأحاديث المطلقة، فإن الحكم واحد والسبب واحد، وفي مثل هذا يجب حملُ المطلق على المقيَّد وفاقًا. ثم هذه زيادة حفظها ابن عمر ولم يحفظها غيره، وإذا كان في أحد الحديثين زيادةٌ وجب العمل به. ووجه الأول ما روى ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب بعرفات: «من لم يجد إزارًا فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفَّين» (١). وفي لفظ (٢): «السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفاف لمن لم يجد النعلين». متفق عليه. قال مسلم (٣): لم يذكر أحد منهم «يخطب بعرفات» غير شعبة وحده. وفي رواية صحيحة لأحمد (٤) قال: «من لم يجد إزارًا ووجد سراويلَ فليلبسه، ومن لم يجد نعلين ووجد خفَّين، فليلبسهما». قلت: ولم يقل: ليقطعهما؟ قال: لا. وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يجد نعلين فليلبس خفَّين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل». رواه أحمد ومسلم (٥). وعن بكر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ صلَّى صلاة، فلما انصرف لبَّى
следующие страницы →