← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

قال: أمر النبي ﷺ عليًّا أن يقيم على إحرامه». متفق عليه، وهذا للبخاري (١)، ولمسلم (٢): «ماذا (٣) قلتَ حين فرضتَ الحج؟» قال: قلت: اللهم إني أهلُّ بما أهلَّ به رسول الله ﷺ قال: «فإن معي الهدي فلا تحلَّ». وكذلك في حديث البراء (٤). وعن أبي موسى ﵁ قال: قدمتُ على النبي ﷺ وهو مُنيخٌ بالبطحاء فقال: «بم أهللتَ؟» قال: قلت (٥): أهللتُ بإهلال النبي ﷺ قال: «سُقتَ من هديٍ؟» قال: لا، قال: «فطفْ بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حِلَّ» (٦). وفي لفظ (٧): فقال: «كيف قلتَ حين أحرمتَ؟» قال: قلت لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ ، وذكره. متفق عليه. ثم إن علم ما أحرم فلان تعيَّن عليه (٨)، وكان حكمه حكم فلان. فإن علم في أثناء الحج ... (٩).

стр. 2592

وإن لم يعلم بأن مات زيد أو ... (١)، فقال ابن عقيل: هو كالمطلق في جواز صَرْفه إلى أحد الأنساك الثلاثة، وقال القاضي: هو كالمنْسيِّ (٢)، يصرفه إلى ما شاء. وهذا أصح. وإن أحرم مطلقًا، فقال أصحابنا: يُخيَّر في صرفه إلى تمتع أو إفراد أو قران، [ق ٢١٧] والمستحب له صرفه إلى المتعة، وقد قال أحمد في رواية مهنا (٣) فيمن أحرم ولم ينوِ حجًّا ولا عمرة حتى مضت أيام، فقال: يَقدَمُ مكة بعمرة، ويطوف بالبيت وبالصفا (٤) والمروة، ثم يحلق أو يقصّر (٥)، ثم يحرم بالحج. وحمل القاضي (٦) وغيره من أصحابنا هذا على الاختيار والاستحباب؛ لأنا نستحب التمتع لمن عيَّن الحج والقران، فأن نستحبه لمن أبهم الإحرام أولى، ولأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا قد أحرم بعضهم شبيهًا (٧) بهذا الإحرام، فأمره النبي ﷺ أن يفعل كذلك. فإن كان الإحرام قبل أشهر الحج انعقد إحرامه بعمرة فيما ذكره

стр. 2593

أصحابنا؛ لأن الإحرام بالحج قبل أشهرٍ مكروه، وإن أراد أن يصرفه إلى عمرة مفردة جاز أيضًا فيما ذكره أصحابنا. فإن طاف وسعى قبل أن يفرضه في شيء فقال القاضي في «المجرد» .... (١) وغيرهما: لا يعتدّ بذلك الطواف؛ لأنه طاف لا في حج ولا في عمرة. وقال: يتعين طوافه للعمرة. المسألة الثانية (٢): أنه يجوز أن يحرم بالعمرة، ثم يُدخل عليها الحج، ويصير قارنًا ؛ لأن في حديث ابن عمر وعائشة ﵃ المتقدم: «وبدأ رسول الله ﷺ فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج». متفق عليه. إلا أن هذا يحتمل أن يكون بعد انقضاء عمل العمرة. وفي حديث علي أنه لما رأى ذلك من عثمان أهلَّ بهما جميعًا (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فأهللنا بعمرة (٤)، ثم قال رسول الله ﷺ (٥): «من كان معه هديٌ فليهلَّ بالحج مع العمرة، ثم لا يحلُّ حتى يحلَّ منهما جميعًا» وذكرت الحديث، متفق عليه (٦). وعن نافع قال: أراد ابن عمر ﵄ الحج عام حجَّت الحرورية في

стр. 2594

عهد ابن الزبير، فقيل له: إن الناس كائنٌ (١) بينهم قتال، ونخاف أن يصدُّوك، فقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، إذًا أصنع كما صنع رسول الله ﷺ ، أُشهِدكم أني قد أوجبتُ عمرة. ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحد (٢)، أُشهِدكم أني قد جمعتُ حجة مع عمرتي. وأهدى هديًا مقلَّدًا (٣) اشتراه بقُدَيْد، وانطلق حتى قدم مكة، فطاف بالبيت وبالصفا والمروة (٤)، ولم يزد على ذلك، ولم يتحلَّل من شيء حرم منه حتى يوم النحر، فحلق ونحر، ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، ثم قال: كذلك صنع النبي ﷺ . متفق عليه (٥). ومعنى قوله: كذلك (٦) صنع رسول الله ﷺ أنه لم يطفْ بالبيت وبين الصفا والمروة إلا مرة واحدة (٧) قبل التعريف، مع أنه كان قد جمع الحج إلى العمرة، ولم يُرِد به أنه لم يطف بالبيت بعد النحر، فإن النبي ﷺ قد طاف بعد التعريف، وقد روى ذلك ابن عمر في غير موضع هو وسائر الصحابة (٨). وإنما قصد نافع أنه اكتفى للقران بطواف واحد بالبيت وبين (٩)

стр. 2595

الصفا والمروة، لم يطف طوافين ويسْعَ سعيين. وعن عبد الرحمن بن أبي نصر، عن أبيه قال: خرجتُ وأنا أريد الحج، فقلت: أمرُّ بالمدينة فألقَى عليًّا، فأقتدي به، فقدِمتُ المدينة، فإذا علي ﵁ قد خرج حاجًّا، فأهللتُ بالحج، ثم خرجت، فأدركت عليًّا في الطريق وهو يهلُّ بعمرة وحجة، فقلت له (١): يا أبا الحسن، إنما خرجتُ من الكوفة لأقتدي بك، وقد سبقتَني فأهللتُ بالحج، أفأستطيع أن أدخل معك فيما أنت فيه؟ فقال: لا؛ إنما ذاك لو كنتَ أهللتَ بعمرة. فخرجتُ معه حتى قدم، فطاف بالبيت وبين الصفا (٢) والمروة لعمرته، ثم عاد فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة (٣) لحجته، ثم أقام حرامًا إلى يوم النحر. رواه سعيد والأثرم (٤). ويجوز إضافة الحج إلى العمرة لكل محرم بالعمرة، ثم إن أضافه إليها قبل الطواف وقع الطواف عن القران، وكان قارنًا، وإن فعل ذلك بعد الشروع

стр. 2596

في الطواف لم يجز ذلك. وهذه الإضافة (١) تتعين على من أحرم بعمرة وضاق الوقت عن أن يعتمر قبل الحج فخشي فوته، إما بأن تكون امرأة وقد حاضت، فلم يمكنها أن تطوف بالبيت، فتُحرِم بالحج، وتصير (٢) قارنة، وتترك طواف القدوم كما لو كانت مفردة. أو بأن يوافي مكة يوم عرفة، ويضيق الوقت عن إتمام العمرة والإحرام بالحج، ونحو ذلك، فلو أراد أن يبقى على العمرة ويفوت الحج ... (٣). وكذلك من لم يخشَ فوات (٤) الحج وهو قارِنٌ، إذا وقف بعرفة (٥) قبل أن يطوف بالبيت فهو باقٍ على قرانه، والوقوف بعرفة لا ينقض العمرة. هذا هو المذهب المنصوص. قال (٦) في رواية أبي طالب (٧) فيمن قدم بعمرة، فخشي الفوت: لم يطفْ، وأهلّ بالحج، وأمسك عن العمرة، كما فعلت عائشة. قيل له: إن أبا حنيفة يقول: قد رفض العمرة وصار حجًّا، فقال: ما قال هذا أحد غير أبي حنيفة، إنما قال النبي ﷺ لعائشة (٨): «أمسكي عن عمرتك، وامتشطي، وأهِلّي بالحج»، وما رفضت العمرة، فلما قالت: أيرجع أزواجك بعمرة وحج؟ قال لعبد الرحمن: أعمِرْها من التنعيم، أراد أن يُطيِّب

стр. 2597

نفسها، ولم يأمرها [ق ٢١٨] بالقضاء. وقال أبو طالب (١): سألته (٢) عن حديث عائشة لما حاضت كيف يصنع مثلها (٣)؟ قال: لما دخلت بعمرة حاضت بعدما أهلَّت، فقال لها رسول الله ﷺ : «أمسكي عن العمرة، وأهلِّي بالحج»، فهذه شُبِّهت بالقارن، فتذهب فتقضي المناسك كلها، فإذا كان يوم النحر جاءت إلى مكة، فطافت بالبيت، وسعَتْ بين الصفا والمروة. قيل له: طواف؟ قال: نعم، طواف (٤) واحد يجزئ القارنَ، وهذه يُجزِئها طواف واحد. وقال في رواية الميموني (٥) وقد ذُكر له عن أبي معاوية يرويه «انقُضي عمرتك» (٦) فقال: غيرُ واحد يرويه «أمسكي عن عمرتك»، أيشٍ معنى انقُضي؟ هو (٧) شيء تنقُضه؟ هو ثوب تُلقِيه؟ وعجِبَ من أبي معاوية. وهذا يستقيم على قولنا: إنه ليس في عمل القارن زيادةٌ على عمل المفرد.

стр. 2598

فأما إذا قلنا: يلزم القارنَ أن يطوف ويسعى أولًا (١) للعمرة، ثم يطوف بعد ذلك ويسعى للحج، فإن عمرته تنقضي قبل التعريف، ولا يبقى إلا في إحرام الحج. فعلى هذا: إذا لم يطفْ للعمرة، ولم يسعَ قبل الوقوف، فإن عمرته تنتقض وعليه قضاؤها، ويكون مفرِدًا وعليه دمُ جنايةٍ، ذكر ذلك القاضي (٢) وابن عقيل وغيرهما. فعلى هذا إذا رفض العمرة لم يحلّ، وإنما يكون قد فسخ العمرة إلى الحج. وأصل ذلك حديث عائشة، فإنها قدمت مكة وهي متمتعة، فأمرها رسول الله ﷺ أن تهلّ بالحج وتترك العمرة. فمن قال بالوجه الثاني (٣) قال: أمرها برفض العمرة (٤) وأن تصير مفرِدةً للحج، ولم يوجب عليها دم قران، بل ذبح عنها يوم النحر دمَ جُبْرانٍ؛ لتأخير العمرة، وأوجب عليها قضاء تلك العمرة التي رفضتها. قالوا: لأن في حديثها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ : «من كان معه هدي فليهلَّ بالحج مع العمرة، ثم لا يحلّ حتى يحلّ منهما جميعًا»، فقدمتُ مكة وأنا حائض، فلم أطُفْ بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ فقال:

стр. 2599

«انقُضي رأسك وامتشطي، وأهلّي بالحج، ودعي العمرة». قالت: ففعلتُ، فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت، فقال: «هذه مكان عمرتك»، فطاف الذين كانوا أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلُّوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم. وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدا (١). وفي لفظ (٢): «قالت: فحضتُ، فلم أزل حائضًا حتى كان (٣) يوم عرفة، ولم أُهْلِلْ (٤) إلا بعمرة، فأمرني النبي ﷺ أن أنقُض رأسي وأمتشط، وأُهِلَّ بالحج وأترك العمرة، ففعلت ذلك حتى قضيت حجي، فبعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر، فأمرني أن أعتمر مكان عمرتي من التنعيم». وفي لفظ (٥): «أهللت مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فكنت ممن تمتَّع ولم يسق الهدي. فزعمت أنها حاضت ولم تطهر حتى دخلت ليلة عرفة، قالت: يا رسول الله: هذه ليلة عرفة، وإنما كنت تمتعت بعمرة، فقال لها رسول الله ﷺ : «انقُضي رأسك وامتشطي وأمسكي عن عمرتك». وفي رواية (٦): «فلما كانت ليلة الحصبة، قلت: يا رسول الله، يرجع

стр. 2600

الناس بعمرة وحجة، وأرجع أنا بحجة، قال: «أوَ ما كنتِ طفتِ لياليَ قدِمْنا مكة؟» قالت: قلت: لا، قال: «فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم فأهلّي بعمرة». وفي لفظ (١): «حتى جئنا (٢) إلى التنعيم، فأهللتُ (٣) منها بعمرة جزاءً بعمرة الناس التي اعتمروها». وفي لفظ (٤): قلت: يا رسول الله، يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك واحد؟ قال: «انتظري، فإذا طهرتِ فاخرجي إلى التنعيم فأهلّي منه، ثم ائْتِينا بمكان كذا وكذا، ولكنها على قدر نفقتك أو نَصَبك». وفي لفظ (٥): «فدخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يُبكيكِ يا هَنْتاه؟ قلت: سمعت قولك لأصحابك فمُنِعْتُ العمرةَ، قال: وما شأنكِ؟ قلت: لا أصلّي، قال: فلا يضرُّك، إنما أنتِ امرأة من بنات آدم، كتب الله عليكِ ما كتب عليهن، فكوني في حجك، فعسى الله أن يرزقكيها، قالت: فخرجنا في حجته». وفي لفظ (٦): «فخرجت في حجتي حتى قدمنا منًى، فطهرتُ»، وساق الحديث، متفق عليه.

стр. 2601

وللبخاري (١): أنها قالت: يا رسول الله، اعتمرتم (٢) ولم أعتمر؟ قال: «يا عبد الرحمن، اذهب بأختك فأعمِرْها من التنعيم». وفي رواية له (٣): أنها قالت: يا رسول الله، يرجع أصحابك بأجر حج وعمرة، ولم أزد على الحج؟ فقال لها: «اذهبي وليُرْدِفْكِ عبد الرحمن»، فأمر عبد الرحمن أن يُعمِرها من التنعيم. وفي رواية لمسلم (٤): أنها قالت: يا رسول الله، أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجرٍ؟ قالوا: فهذا دليل على أنها صارت مفردة، وأنها رفضت العمرة لقول النبي ﷺ : «انقُضي رأسك وامتشطي، وأهلّي بالحج». ولو كان الإحرام بحاله لم يأمرها بالامتشاط، ولقوله: «أهلِّي بالحج ودعي العمرة»، وفي لفظ (٥): «واتركي العمرة»، وفي لفظ: «وأمسكي عن عمرتك»، وهذا ظاهر في أنها ترفض العمرة. وقد روى .... (٦) لاسيما وكان هذا ليلة عرفة أو يومها، والناس قد [ق ٢١٩] خرجوا من مكة يوم التروية، وقد تعذَّر فعلُ (٧) العمرة، فعُلِم أنه أراد

стр. 2602

ترك إحرامها. ولقوله: «هذه مكان عمرتك»، ولو كانت (١) عمرتها بحالها لم يقل: «هذه مكان عمرتك»، كما لم يحتج إلى ذلك سائر من قرنَ من أصحابه؛ لأنه كانت لهم عمرة صحيحة. وأيضًا فقولها: أيرجع (٢) الناس بعمرة وحجة، وأرجع أنا بحجة؟ فقال: «أوَ ما كنتِ طفتِ لياليَ قدِمنا مكة؟» قالت: لا، قال: «فاذهبي مع أخيك فأهلّي بعمرة»، فأقرَّها على قولها إنها ترجع بحجة، وسائر الناس يرجعون بحجة وعمرة، ثم بيَّن أن من لم يطف في (٣) تلك الليالي يكون حاله كذلك، يرجع بحجة بدون عمرة، ثم أمرها بالقضاء بحرف الفاء (٤). وأيضًا فقوله لها لما ذكرت له (٥) الحيض: «فعسى الله أن يرزقكيها»، قالت: «فخرجنا في حجته» دليل على أنها لم تبق في عمرة، وأنها (٦) ترتجي ذلك فيما بعدُ. وأيضًا فلو كان الواقف بعرفة في إحرام بعمرة لكان لا يحلُّ حتى يطوف بالبيت، ومعلوم أنه إذا رمى جمرة العقبة تحلَّل التحلُّلَ الأول.

стр. 2603

وأيضًا فإن الوقوف من خصائص الحج، فامتنع أن يكون في عمرة وهو واقف بعرفة، وكذلك ما بعد الوقوف من الوقوف بمزدلفة ومنى؛ ولهذا إذا فاته الوقوف تحلَّل بطواف وسعي، ولم يقف بالمواقف الثلاثة؛ لأن ذلك لا يكون في عمرة. ووجه الأول: ما روى طاوس عن عائشة ﵂ أنها أهلَّت بعمرة، فقدمتْ ولم تطُفْ بالبيت حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها وقد أهلّت بالحج، فقال لها النبي ﷺ يوم النحر: «يسَعُكِ طوافكِ لحجكِ وعمرتك»، فأَبَتْ فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج. رواه أحمد ومسلم (١). وعن مجاهد عن عائشة ﵂ أنها حاضت بسَرِفَ، فتطهرت بعرفة، فقال لها النبي ﷺ : «يُجزِئ عنك طوافكِ بالصفا والمروة عن حجِّك وعمرتك» رواه مسلم (٢). وعن عطاء عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: «طوافكِ بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيكِ لحجك وعمرتك». رواه أبو داود (٣). وعن جابر قال: ثم (٤) دخل رسول الله ﷺ على عائشة، ثم وجدها تبكي، وقالت: قد حضتُ، وقد حلَّ الناس ولم أحلِلْ، ولم أطف بالبيت،

стр. 2604

فقال: «اغتسلي، ثم أهلّي بالحج». ففعلت، ووقفت المواقف كلها، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة (١) وبالصفا والمروة، ثم قال: «قد حللتِ من حجك وعمرتك جميعًا»، قالت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت، قال: «فاذهب بها يا عبد الرحمن، فأعمِرْها من التنعيم»، وذلك ليلة الحصبة. متفق عليه (٢). فهذا نصٌّ في أنه لا يجب عليها قضاء العمرة، وأن الطواف الذي طافته (٣) يوم النحر بالبيت وبين الصفا والمروة يسعُها لحجها وعمرتها، وأنها باقية على عمرتها مقيمة عليها، وأن النبي ﷺ لم يأمرها بقضاء العمرة حتى ألحَّت عليه. ويؤيِّد ذلك أن عامة الروايات تدلُّ على أن النبي ﷺ لم يأمرها ابتداءً بالعمرة، ولو كان القضاء واجبًا عليها لما أهمل النبي ﷺ الأمر به حتى تطلب هي ذلك، بل كان أمرها بذلك، بل أعلَمها (٤) به حين قال لها: «اقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» بأن يقول: فإذا حللتِ فاقضي عمرتك. ويؤيِّد ذلك أن النبي ﷺ أهدى عنها، وبعث إليها من هدْيِها (٥). فعُلِم أنه كان دم نسك؛ لأنه لو كان دم جناية لم يجز الأكل منه.

стр. 2605

وقوله لها: «دعي عمرتك»، «وأمسكي عن عمرتك» يعني عن إتمامها مفردةً كما كنتِ (١) أوجبتِه، وأهلِّي بالحج، فتصير العمرة في ضمن الحج ولا يبقى لها صورة (٢)؛ فإنه صرح ببقاء العمرة كما ذكرناه؛ ولهذا قال: أمسكي عنها، والإمساك عنها لا يقتضي الخروج منها، وإنما يقتضي ترك عملها الذي به تتمّ وتُخرج منها. وأما نقض الرأس .... وأما القضاء فإنما يدلُّ على ضعف عمرة القران، وأنها ليست بتامة. وسنتكلم إن شاء الله على ذلك، وكذلك قولها: «يرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع أنا بحجة». المسألة الثالثة (٣): أنه إذا أحرم بالحج لم يجز أن يُدخِل عليه العمرة، فإن أدخلها عليه لم تنعقد هذه، ولم يلزمه بها شيء، وهو باقٍ على حجه. هذا هو المذهب المنصوص في غير موضع. قال في رواية المرُّوذي (٤) فيمن قدم يوم عرفة معتمرًا، فخاف أن يفوته الحج إن طاف: أدخلَ الحج على العمرة ويكون قارنًا، قيل له: فيُدخِل العمرة على الحج؟ فقال: لا. ونقل عنه حنبل (٥): إذا أهلّ بعمرة أضاف إليها الحج، وإذا أهلّ بالحج

стр. 2606

لم يُضِفْ إليه عمرة. ونقل عنه أبو الحارث (١): إذا أحرم بعمرة فلا بأس أن يضيف إليها حجة، فإذا أهلَّ بالحج لم يضف إليه (٢) عمرة. وقد روى عنه حرب (٣) وقد سأله عمن أهلّ بالحج، فأراد أن يضمّ إليها عمرة، فكرهه. ونقل عنه الأثرم (٤): إذا أهلّ بعمرة أضاف إليها الحج ولا بأس، إنما الشأن [ق ٢٢٠] في الذي يهلّ بالحج أيضيف إليه عمرة، ثم قال: عليٌّ يقول: لو كنت بدأت بالعمرة (٥). وقال في رواية عبد الله (٦): قوله «دخلت العمرة في الحج» يعني العمرة في أشهر الحج، وقال (٧): لم أسمع في ضمِّ العمرة إلى الحج إلا شيئًا ضعيفًا. ولعل هذا يُحمل على كراهة ذلك لا على بطلانه، فإنهم كلهم يكرهون ذلك.

стр. 2607

ووجه ذلك: ما احتج به أحمد من حديث علي المتقدم لما سأله المحرم بالحج وكان علي ﵁ قد أحرم بالعمرة والحج، فقال: هل أستطيع أن أدخل معك فيما أنت فيه؟ قال: لا، إنما ذلك لو كنت أهللتَ بعمرة. فأخبره علي ﵁ أنه لا يستطيع القران إذا أحرم بالحج أولًا، ويستطيعه إذا أحرم بالعمرة أولًا. وقوله: لا تستطيع (١) دليل أن ذلك لا يمكن البتة، وهو أبلغ من النهي. فصل فأما إذا (٢) أحرم بحجتين أو عمرتين فإنه ينعقد بإحداهما، ولا يلزمه قضاء الآخر؛ نصَّ عليه فيمن أهلَّ بحجتين لا يلزمه إلا حجة؛ وذلك لأن الجمع بينهما غير ممكن، فأشبه ما لو أحرم بصلاتين. قال في رواية أبي طالب (٣): إذا قال: لبيك العامَ وعامَ قابلٍ، فإن عطاء يقول: يحج العام ويعتمر قابل (٤). فإن قال: لبيك بحجتين، فليس عليه إلا حجة واحدة التي لبَّى بها، ولا يكون إهلالًا بشيئين. ولو قال: لبيك بمائة حجة، أكان يجب عليه مائة حجة؟ ليس عليه شيء. وأصل قول عطاء التسهيل، يقول: المشي إلى بيت الله وعليه حجة

стр. 2608

وكفارة، وذكر معه أبو بكر (١) إذا نذر أن يطوف على أربع .... (٢). فصل وإذا نسي المحرم ما أحرم به، أو أحرم بمثل فلان (٣)، وتعذَّر معرفته، قال (٤) أحمد في رواية أبي داود (٥) في رجل لبَّى فنسي لا يدري بحج أو عمرة: يجعلها عمرة، ثم يلبّي من مكة. وقال في رواية ابن منصور (٦) وذكر له قول سفيان في رجل أهلَّ لا يدري بحج أو عمرة: فأحبُّ إليَّ أن يجمعهما، قال أحمد: أنا أقول: إن كان أهلَّ بحج فشاء أن يجعله (٧) عمرة فعل، وإن كان أهلَّ بحج وعمرة ولم يَسُقِ الهدي، وشاء أن يجعلها عمرة فعل. فقد نصَّ على أنه يجعله عمرة (٨) فيتمتَّع بها إلى الحج، وهذا حسن مستقيم على الأصل الذي تقدم، فإنه إذا شُرِع لمن يذكر ما أحرم به أن يجعله متعة، فلِمَن لا يذكر أولى. ثم اختلف أصحابنا فأقرَّه بعضهم على ظاهره، وهذه طريقة أبي

стр. 2609

الخطاب (١) وغيره، ثم بعض هؤلاء قال: إنما يلزمه عمرة على ظاهر رواية أبي طالب (٢). والصواب أنه يلزمه عمرة يتمتع بها إلى الحج، فيلزمه (٣) عمرة وحج، كما بيَّنه في رواية أبي داود. إلا أن (٤) يكون قد ساق الهدي، فإن قياس هذا أن يلزمه القران، وهذا لأنه قد تيقَّن وجوب أحد الثلاثة في ذمته، فلزمه الخروج منه بيقين، كما لو نسي صلاةً من يوم لا يعلم عينها. وإذا تمتع فإنه قد خرج بيقين، أما إذا أفرد جاز أن يكون الذي في ذمته عمرة أو قرانًا، وإذا قرن جاز أن يكون (٥) قد أحرم بالحج أولًا، فلا يصح إدخال العمرة عليه. وأما القاضي (٦) وأكثر أصحابه كالشريف (٧) وأبي الخطاب في «خلافه» وابن عقيل وغيرهم فإنهم يخيِّرونه بين العمرة والحج (٨)، وحملوا كلام أحمد على الاستحباب؛ لأن الأصل براءة ذمته من الأنساك الثلاثة، فلم يجب إلزامه بالشك. وزعم القاضي (٩) أنه لو نذر إحرامًا ونسيه لم يلزمه إلا عمرة؛ لأنها

стр. 2610

الأولى، فكذلك (١) هنا، ولأن الشكّ في التعيين يجعل التعيين كعدمه، فيكون بمنزلة من أحرم مطلقًا، فله صرْفُه إلى ما شاء. وهذا بخلاف الصلاة، فإن التعيين شرط في صحة (٢) إحرامها، فإذا صلّى صلاة مطلقة لم تصحّ. والحج بخلاف ذلك، فإنه يصح مع الإبهام، فإذا شكّ في عين ما أحرم به فالأصل عدم ذلك (٣) التعيين، وإنما يتيقَّن (٤) أنه محرم، والإحرام بأحد الثلاثة يُبرِئ الذمة من هذا الإحرام. فعلى هذا إن عيَّنه بقران، فإن كان قارنًا فقد أجزأ عنه، وإن كان معتمرًا فقد أدخل الحج على العمرة، وذلك صحيح إلا أن يقال: إن المتمتع يجب عليه الحج، وإن كان مفردًا فقد أدخل الحج على العمرة (٥). فإن قيل: يصح إدخال العمرة على الحج، أجزأته عنهما، وإن قيل: لا يصح على المشهور من المذهب، فيصح له الحج بكل حال. وأما العمرة فهل تجزئه؟ على وجهين: أحدهما: تجزئه، لأنه قد صار قارنًا. والثاني: لا تجزئه، وهو أصح لأنه غير متيقن لصحة قرانه. فعلى هذا إن كان قد طاف للعمرة وسعى لها، ثم طاف للحج وسعى (٦)، وإن لم يزد على

стр. 2611

أعمال المفرد، وقلنا بأن أعمال العمرة لا تدخل في الحج= لم يخرج من إحرامه إلا بطوافٍ للعمرة. وهل يحتاج إلى إعادة طواف الحج لكونه قد شرَّك في طوافه الأول بين الحج والعمرة على ما سيأتي؟ وإن قلنا: تدخل أعمال العمرة في الحج وهو ظاهر المذهب، فإنه قد شرَّك في الطواف بين حج صحيح وعمرة لم تصح، وذلك يجزئه في أشهر الوجهين، قاله القاضي. ثم إن قلنا: [ق ٢٢١] يسقط النسكان عنه، لزمه الدم. وإن قلنا: إنما يسقط الحج، ففي وجوب الدم وجهان: أحدهما: لا يجب، وهو الصحيح للشك في سببه. والثاني: يجب؛ لأنه التزمه ظاهرًا، ولأنه أحوط. وإن اختار الإفراد سقط عنه الحج يقينًا، سواء كان قد أحرم أولًا به، أو بالعمرة، أو بهما، ولا دم عليه؛ لأنه لم يلتزمه، ولا تحقق وجوبه، وهل يحتاج في خروجه من الإحرام إلى طوافٍ بنية العمرة؟ على وجهين. وإن عيَّنه بتمتع ولم يسق الهدي فهو متمتع ظاهرًا وباطنًا، ويجزئه عن العمرة والحج. قال بعض أصحابنا: ولو بدا له بعد قضاء العمرة أنه لا يحج لم يكن عليه شيء، وهذا ليس بجيد. وإن كان قد ساق الهدي وتمّم أعمال الحج فقد حصل له الحج يقينًا. وأما العمرة فهو فيها كالقارن؛ لجواز أن يكون قد أحرم أولًا بالحج، فلا يصح فسخه إلى العمرة، ثم هو قد طاف أولًا وسعى للعمرة، ثم طاف بعد التعريف وسعى للحج.

стр. 2612

فإن قلنا: إن أفعال العمرة لا تدخل في أعمال الحج إذا كان قارنًا، فقد خرج من الإحرام بيقين، وكذلك إن (١) قلنا: إنه يجوز للقارن أن يطوف لها قبل التعريف. وأما إن قلنا: إن أفعال العمرة تدخل في الحج ولا يجزئ الطواف لها قبل التعريف، فإن طوافه قبل التعريف لم يقع عن عمرة القران، وهو بعد الوقوف إنما طاف عن الحج خاصة، فلا يخرج من إحرامه حتى يطوف لها ثانيًا بعد الوقوف، وهذا على قول من يوجب على القارن أن ينوي عنهما. وأما من قال: الطواف للحج يجزئ عن النسكين (٢) إذا كان في الباطن كذلك، فكذلك هنا. وفي وجوب الدم وجهان ذكرهما القاضي وغيره كما قلنا في القارن: أحدهما: عليه الدم؛ لأنه التزم موجبه، وهو أحوط. والثاني: لا دم عليه؛ لجواز أن يكون إحرامه في الأصل بحجة وقد فسخها بعمرة، فلا دم عليه. وهذا غير مستقيم على أصلنا، بل الصواب أنه إن حج من عامه فهو متمتع ظاهرًا وباطنًا، فعليه دم المتعة بلا تردد، إلا أن يكون إحرامه أولًا بعمرة بلا نية تمتع، ونقول: إن نية التمتع شرط في وجوب الدم، وإن لم يحج من عامه فلا دمَ عليه قولًا واحدًا، ولا وجه لإيجابه.

стр. 2613

مسألة (١): (وإذا استوى على راحلته لبَّى، فيقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) . وقد تقدم (٢) الكلام في أول أوقات التلبية. وأما صفتها فكما ذكره الشيخ ﵀، نصَّ عليه أحمد في رواية أبي داود (٣) وحنبل. قال (٤) في رواية حنبل (٥): إذا لبَّى يقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». والأصل في ذلك: ما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا استوتْ به راحلتُه قائمةً عند مسجد ذي الحليفة أهلَّ، فقال: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك (٦)، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». وفي لفظٍ: «أن (٧) تلبية رسول الله ﷺ : لبيك اللهم لبيك .... » إلى آخره. وكان عبد الله بن عمر يزيد مع هذا «لبيك، لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل». متفق عليه (٨).

стр. 2614

وفي رواية في «الصحيح» (١): سمعت رسول الله ﷺ يُهِلُّ ملبيًا (٢): لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك (٣)، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» لا يزيد على هذه الكلمات. وفي رواية في «الصحيحين» (٤): وكان عبد الله بن عمر يقول: كان عمر بن الخطاب يهلُّ بإهلال رسول الله ﷺ من هؤلاء الكلمات ويقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، الخير في يديك، والرغباء إليك والعمل». وفي رواية صحيحة لأحمد (٥) قال: أربعًا تلقَّفْتُهن (٦) من رسول الله ﷺ : «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». وفي رواية صحيحة: كان ابن عمر يزيد فيها: «لبيك لبيك لبيك ــ ثلاثًا ــ إلى آخره». رواه ... (٧) وعن عائشة قالت: إني لأعلم كيف كان النبي ﷺ يلبِّي: «لبيك اللهم

стр. 2615

لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك». رواه البخاري (١). ورواه سعيد (٢) من حديث الأعمش عن عُمارة بن عمير، عن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: كانت (٣) تلبية رسول الله ﷺ ثلاثًا: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك (٤)، إن الحمد والنعمة لك». وعن ابن مسعود قال: كان من تلبية رسول الله ﷺ «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك». رواه النسائي وأحمد (٥)، ولفظه: عن عبد الله، ذكر النبي ﷺ أنه كان يقول: «لبيك اللهم .. » مثله سواء. وعن عبد الله أنه كان يلبِّي كذلك. رواه سعيد (٦). وعن جابر في ذكر حجة النبي ﷺ قال: فأهلَّ بالتوحيد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك (٧)، [ق ٢٢٢] إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك

стр. 2616

لك». وأهلّ الناس بهذا الذي يهلُّون به، فلم يردَّ عليهم رسول الله ﷺ شيئًا منه. رواه مسلم وأحمد وأبو داود بإسناد صحيح (١). ولفظهما: والناس يزيدون «ذا المعارج» ونحوه من الكلام، والنبي ﷺ يسمع فلا يقول لهم شيئًا. وعن الضحاك (٢) عن ابن عباس أن تلبية (٣) رسول الله ﷺ ... ، مثل حديث ابن عمر وجابر. رواه سعيد وداود بن عمرو (٤). و سبب التلبية ومعناها على (٥) ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] قال: لما أمر الله إبراهيم ﵇ أن يؤذِّن في الناس بالحج قال: يا أيها الناس، إن ربكم اتخذ بيتًا وأمركم أن تحجوه، فاستجاب له ما سمعه من حجرٍ، أو شجرٍ، أو أَكَمَةٍ، أو ترابٍ، أو شيء، فقالوا: لبيك اللهم لبيك. رواه آدم، عن ورقاء، عن عطاء بن السائب، عنه (٦).

стр. 2617

وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ قال: نادى إبراهيم: يا أيها الناس أجيبوا ربكم. وفي رواية عنه: أن إبراهيم حين أُمِر أن يؤذِّن بالحج قام على المقام، فقال: يا أيها الناس أجيبوا ربكم، قالوا: لبيك لبيك، فمن حجّ اليوم فقد أجاب إبراهيم يومئذٍ في أصلاب آبائهم. رواهما أبو يعلى الموصلي بإسناد صحيح (١). وعنه أيضًا قال: أُمِر إبراهيم أن يؤذِّن في الناس بالحج، فقام (٢) على المقام، فتطاول حتى صار كطول الجبل، فنادى: يا أيها الناس أجيبوا ربكم، مرتين، فأجابوه من تحت التُّخوم السبع: لبيك أجبنا، لبيك أطعنا، فمن يحج إلى يوم القيامة فهو ممن استجاب له، فوقرتْ في قلب كل مسلم. رواه سفيان الثوري (٣) عن منصور وسلمة بن كُهيل عنه. وعنه أيضًا قال: لما أُمر إبراهيم أن يؤذّن في الناس بالحج قام فقال: يا أيها الناس أجيبوا ربكم، فأجابوه: لبيك اللهم لبيك. وفي رواية (٤): «لما أذَّن إبراهيم بالحج قال: يا أيها الناس أجيبوا ربكم، قال: فلبَّى كل رطْبٍ ويابس». وقيل لعطاء: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ إبراهيم أو محمد؟

стр. 2618

قال: إبراهيم (١). وفي رواية عنه (٢) قال: لما فرغ إبراهيم وإسماعيل من بناء البيت، أُمِر إبراهيم أن يؤذِّن في الناس على المقام، فنادى بصوت أسمعَ مَنْ بين المشرق والمغرب، فقال: يا أيها الناس أجيبوا ربكم، قال: فأجابوه من أصلاب الرجال: لبيك اللهم لبيك، فإنما يحج اليوم من أجاب يومئذٍ. رواهن أبو سعيد (٣) الأشج. وأما اشتقاقها فقد قال قوم: إنه من قولهم: «ألَبَّ بالمكان» إذا أقام به ولزِمَه، ولبَّ أيضًا لغة فيه حكاها الخليل (٤)، والمعنى: أنا مقيم على طاعتك ولازِمُها، لا (٥) أبرحُ عنها ولا أُفارقها، أو أنا (٦) لازمٌ لك ومتعلقٌ بك لزومَ المُلِبِّ بالمكان. وهو منصوب على المصدر بالفعل اللازمِ إضمارُه، كما قالوا: حنانَيك، وسعدَيك، ودوالَيك، والياء فيه للتثنية. وأصل المعنى: لَبَبْتُ (٧) مرةً بعد مرةٍ لَبًّا بعد لبٍّ، ثم صِيْغ بلفظ التثنية الذي يُقصَد به التكرار والمداومة لا مجرد المرتين، كقوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ

стр. 2619

كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤]، وكقول حذيفة: وجعل يقول بين السجدتين: «ربِّ اغفرْ لي، ربِّ اغفرْ لي»، ويقول في الاعتدال: «لربي الحمد، لربي الحمد» (١)، يريد بذلك أنه يكرّر هذا اللفظ. هذا قول الخليل وأكثر النحاة. وزعم يونس (٢) أنها كلمة واحدة ليست مثنَّاة، وأن الياء فيها أصلية بدليل قولهم: لبَّى يُلبِّي. والأجود في اشتقاقها: أن جِماع هذه المادة هو العطف على الشيء والإقبال إليه والتوجُّه نحوه، ومنه اللَّبْلاب، وهو نبت يلتوي على الشجر (٣)، واللبلبة: الرقَّة على الولد، ولبلَبَتِ (٤) الشاةُ على ولدها إذا لحَسَتْه وأشبلَتْ (٥) عليه حين تضعه، ومنه لبَّ بالمكان وألبَّ به إذا لزمه لإقباله عليه، ورجلٌ لَبٌّ ولبيبٌ أي لازمٌ للأمر، ويقال: رجل لَبٌّ طَبٌّ. قال (٦): لبًّا بأعجازِ المطيِّ لاحقَا

стр. 2620

وقال (١): فقلتُ لها (٢) فِيئي إليكِ فإنني ... حرامٌ وإني بعدَ ذاك لبيبُ وامرأةٌ لبَّة، قال أبو عبيد (٣): أي قريبة من الناس لطيفة، ومنه اللبَّة وهي المنحر، واللّبَب (٤) وهو موضع القلادة من الصدر من كل شيء، وهو ما يُشَدُّ أيضًا على صدر الناقة أو الدابة يمنع الرحل من الاستئخار. سمِّي مقدَّمُ الحيوان لببًا ولبةً لأنه أول ما يُقبِل به ويتوجه. ثم قيل: لبَّبتُ الرجل تلبيبًا إذا جمعتَ ثيابه عند صدره ونحره في الخصومة ثم جررتَه؛ لأن انقياده واستجابته يكون بهذا الفعل. وقد تلبَّب إذا انقاد. وسمي العقل لُبًّا لأنه الذي يعلم الحق فيتبعه، فلا يكون للرجل لبٌّ حتى يستجيب للحق ويتبعه، وإلا فلو عرفه وعصاه لم يكن ذا لُبٍّ، وصاحبه لبيب. ويقال: بنات أَلْبُب: عروق في القلب تكون منها الرقّة. وقيل [ق ٢٢٣] لأعرابية تُعاقِب ابنًا لها: ما لكِ لا تَدْعِين عليه؟ قالت (٥): تَأْبَى له ذاك (٦) بناتُ ألْبُبي

стр. 2621

وقد قيل في قول الكميت (١): إليكم ذوي آل النبيِّ تطلَّعتْ ... نوازعُ من قلبي ظِماءٌ وألببُ إنه من هذا، وقيل: إنه جمع لُبّ، وإنما فكّ الإدغام للضرورة. فالداعي إلى الشيء يطلب استجابة المدعو وانقياده، وإقباله إليه، وتوجهه نحوه، فيقول: لبَّيك أي (٢) قد أقبلتُ إليك، وتوجهتُ نحوك، وانقدتُ لك، فأما مجرد الإقامة فليست ملحوظة. والمستحب في تقطيعها ... (٣). فظاهر حديث عائشة أنه يقطِّعها ثلاثًا، يقول في الثانية: لبيك لا شريك لك، ثم يبتدئ: لبيك إن الحمد والنعمة لك؛ لأنها ذكرت أنه كان يلبِّي ثلاثًا: لبيك اللهم لبيك، وكذلك ابن عمر ذكر أنهن أربع. وعن محمد بن قيس قال: كان رسول الله ﷺ يلبِّي بأربع كلمات: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك». رواه داود بن عمرو (٤) عن (٥) أبي معشر عنه.

стр. 2622

والمستحب كسر «إنَّ» نصَّ عليه (١)، ويجوز فتحها، فإذا فُتح كان المعنى: لبيك لأن الحمد لك، أو بأن الحمد لك، وعلى هذا فينبغي أن توصل «أنَّ» بالتلبية التي قبلها؛ لأنها متعلقة بها تعلُّقَ المفعولِ بفاعله، وتكون التلبية فيها خصوص، أي لبَّيناك بالحمد لك، أو بسبب (٢) أن الحمد لك، أو لأن الحمد لك. وأما الحمد فلا خصوص فيه كما توهَّمه بعض أصحابنا (٣). وأما إذا كُسِر فإنها تكون جملة مبتدأة، وإن كانت قد (٤) تتضمن معنى التعليل، فتكون التلبية مطلقة عامة والحمد مطلقًا كما في قوله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وفي قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ [التغابن: ١]. فصل والأفضل أن يلبِّي تلبيةَ رسول الله ﷺ كما تقدم ذكره؛ لأن أصحابه رووها على وجه واحد، وبيَّنوا أنه كان يلزمها. وإن نُقِل عنه أنه زاد عليها شيئًا فيدلّ على الجواز؛ لأن ما داوم عليه هو الأفضل. فإن زاد شيئًا مثل قوله: «لبيك إن العيش عيش الآخرة»، أو «لبيك ذا

стр. 2623

المعارج»، أو غير ذلك، فهو جائز غير مكروه ولا مستحبّ عند أصحابنا. قال في رواية أبي داود (١) وقد سئل عن التلبية، فذكرها، فقيل له: تَكْره أن يزيد على هذا؟ قال: وما بأس أن يزيد؟ وقال الأثرم (٢): قلت له: هذه الزيادة التي يزيدها الناس في التلبية؟ فقال شيئًا معناه الرخصة. وقال في رواية حرب (٣) في الرجل يزيد في التلبية كلامًا أو دعاء (٤): أرجو أن لا يكون به بأس. وقال في رواية المرُّوذي (٥): كان في حديث ابن عمر: «والملك لا شريك لك»، فتركه لأن الناس تركوه، وليس في حديث [عائشة] (٦). وعن ليث عن طاوس أن تلبية رسول الله ﷺ : «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إن الحمد والنعمة لك». زاد فيها عمر بن الخطاب: «والملك لا شريك لك». رواه سعيد (٧)، وهذا يقوّي (٨) رواية المرُّوذي فينظر.

стр. 2624

وإنما جاز ذلك لأن النبي ﷺ أقرَّه (١) عليه، ولم يغيِّره، كما ذكره (٢) جابر. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال في تلبيته: «لبيك إله الحق، لبيك» رواه أحمد وابن ماجه والنسائي (٣). فعُلِم أنه كان يزيد أحيانًا على التلبية المشهورة. وقد زاد ابن عمر الزيادة المتقدمة، وهو من أتبع الناس للسنة. وعن عمر أنه زاد: «لبيك ذا النَّعماء والفضل الحسن لبيك، لبيك مرهوبًا ومرغوبًا إليك». رواه الأثرم (٤). وعن أنس (٥) أنه كان يزيد: «لبيك حقًّا حقًّا» (٦).

стр. 2625

وعن عبد الله أنه كان يقول: «لبيك عدد التراب» (١). وعن الأسود أنه كان يقول: «لبيك غفَّارَ الذنوب لبيك». رواهما سعيد (٢). وأما ما رُوي عن سعد (٣) أنه سمع رجلًا يقول: لبيك ذا المعارج، فقال: إنه لذو المعارج، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ لا نقول ذلك. رواه أحمد (٤) =فقد حمله القاضي (٥) على ظاهره في أنه أنكر الزيادة، ولعله فهم من حال الملبِّي أنه يعتقد أن هذه هي (٦) التلبية المشروعة. وقد قيل: لعله اقتصر على ذلك، وترك تمام التلبية المشروعة. ولا تُكره الزيادة على التلبية، سواء جعل الزيادة متصلة بالتلبية منها أم لا، بل تكون الزيادة من جملة التلبية.

стр. 2626

وقال القاضي في «خلافه» (١): لا تكره الزيادة على ذلك إذا أوردها على وجه الذكر لله والتعظيم له، لا على أنها متصلة بالتلبية، كالزيادة على التشهد بما يذكره (٢) من الدعاء بعده ليس بزيادة فيه. لأن ما ورد عن الشرع منصوصًا موقَّتًا تُكره الزيادة فيه كالأذان والتشهد. فأما إن نقص من التلبية المشروعة ... (٣). وإذا فرغ من التلبية، فقال أصحابنا (٤): يُستحب أن يصلّي على النبي ﷺ ويدعو بما أحبَّ من خير الدنيا والآخرة. قال القاضي: [ق ٢٢٤] إذا فرغ من الصلاة على النبي ﷺ أحببنا له أن يسأل الله رضوانه والجنة ويستعيذ برحمته من النار. وذلك لما روي عن القاسم بن محمد قال: كان يُستحب للرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلّي على النبي ﷺ . رواه الدارقطني (٥). وعن خزيمة بن ثابت عن النبي ﷺ أنه كان إذا فرغ من تلبيته (٦) سأل الله رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من النار. رواه الشافعي والدارقطني (٧).

стр. 2627

ولأن الملبّي قد أجاب الله (١) في دعائه إلى حج (٢) بيته، فيستجيب الله له (٣) دعاءه جزاءً له. والصلاة على النبي ﷺ مشروعة عند كل دعاء. وقد قال القاضي وأصحابه: إن ذكر النبي ﷺ لا يُشرع عند الأفعال، كالذبح والعطاس والإحرام. وظاهر كلام أحمد في رواية حرب (٤) أن زيادة الدعاء من جنس زيادة الكلام لا بأس به، ولا يرفع صوته بذلك. مسألة (٥): (ويُستحبُّ الإكثارُ منها ورفعُ الصوت بها لغير النساء) . وذلك لما روى السائب بن خلّاد أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: «كُنْ عجّاجًا ثجّاجًا». والعجُّ التلبية، والثجُّ نحر البدن. رواه أحمد (٦). وعن أبي بكر الصديق أن رسول الله ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: «العجُّ والثجُّ». رواه ابن ماجه والترمذي (٧)، ولفظه: «أي الحج أفضل؟».

стр. 2628

وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي فُدَيك، وابن المنكدر لم يسمع من عبد الرحمن بن يربوع. وقد رواه الطبراني (١) من حديث محمد بن المنكدر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، عن أبيه، عن أبي بكر. والعجّ: رفع الصوت. يقال: قد (٢) عجّ يعِجُّ عجيجًا، ولا يكاد يقال إلا إذا تابع التصويت وأكثرَ منه، وقد أمره أن يكون عجّاجًا، وهو اسم لمن يُكثِر العجيج. وعن خلّاد بن السائب بن خلاد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي ــ وفي لفظٍ: ومن معي ــ أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية». وفي لفظ: «بالإهلال أو التلبية» يريد أحدهما. رواه الخمسة وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (٣). وعن زيد بن خالد الجُهَني قال: قال رسول الله ﷺ : «جاءني جبريل فقال: يا محمد، مُرْ أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من شعائر

стр. 2629

الحج». رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان في صحيحه (١)، وقال الترمذي (٢): روى بعضهم هذا الحديث عن خلّاد بن السائب، عن زيد بن خالد، عن النبي ﷺ . ولا يصح، والصحيح عن خلّاد بن السائب عن أبيه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرني جبريل برفع الصوت في الإهلال، فإنه من شعائر الحج». رواه أحمد (٣). وعن أبي حازم قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا أحرموا لم يبلغوا الرَّوحاء حتى تَبَحَّ أصواتُهم (٤). وعن بكر (٥) بن عبد الله قال: سمعت ابن عمر يرفع صوته بالتلبية، حتى إني لأسمع دويَّ صوته من الجبال (٦). وعن أيوب قال: رأيت سعيد بن جبير في المسجد يُوقِظ (٧) الحاجَّ

стр. 2630

ويقول: قوموا فلبُّوا، فإني سمعت ابن عباس يقول: هي زينة الحج (١). وعن إبراهيم أنه كان يقول: أكثروا من التلبية، فإنها زينة الحج. رواهنّ (٢) سعيد (٣). ولأن رفع الصوت ... (٤). قال أصحابنا: ويُستحبُّ رفع الصوت بها على حسب طاقته، ولا يتحامل في ذلك بأشدِّ ما يقدر عليه فينقطع كالأذان. و أما المرأة فيستحبُّ لها أن تُسمِع رفيقتها (٥). قال أحمد في رواية حرب: تجهر المرأة بالتلبية ما تسمع زميلتها؛ لما روى سليمان بن يسار أن السنة عندهم أن المرأة لا ترفع الصوت بالإهلال. رواه سعيد (٦). وعن عطاء أنه كان يقول: يرفع الرجال أصواتهم بالتلبية، فأما المرأة فإنها تُسمِع نفسَها ولا ترفع صوتها. رواه سعيد (٧).
следующие страницы →