← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

فصل فأما القَباء (١) والدُّواج (٢) والفَرَجِيّة (٣) ونحو ذلك فإنه لا يُدخِل منكبيه فيه، بل يُنكِّسه إن شاء أو يرتدي به، هذا هو المنصوص عنه في رواية حرب (٤): لا يلبس الدُّواج ولا شيئًا يُدخِل منكبيه فيه. وفي رواية ابن إبراهيم (٥): إذا لبس القَباء لا يُدخِل عاتقَه فيه. وقال الخرقي (٦): وإن طرح على كتفيه القَباء أو الدُّواج، فلا يُدخِل يديه في كُمَّيه. وقال ابن أبي موسى (٧): لا يلبس القَباء والدُّواج، فإن اضطُرَّ إلى طَرْح الدواج على كتفيه لم يُدخِل يديه في الكُمَّين. [ق ٢٤٠] وقد رُوِي عنه رواية أخرى أنه قال: لا يلبس المحرم الدُّواج ولا شيئًا يُدخل منكبيه فيه. فحكى في المضطرِّ إلى لبسه روايتين؛ وذلك لأنه لم يشتمل على بدنه (٨) على الوجه المعتاد، وهو محتاج في حفظه إلى تكلُّف، فأشبه الارتداء بالقميص.

стр. 2697

ومن فرَّق بين الضرورة وغيرها قال: إن المنكبين يحتاج إلى سترهما في الجملة، فإذا اضطُرَّ إلى ذلك كان بمنزلة المضطَرَّ إلى السراويل والنعل. والأول هو المعروف من نصّه، [و] هو الذي عليه أكثر أصحابنا ... (١) القاضي (٢) وأصحابه؛ لما رُوي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي ﵁ وكرَّم وجهه قال: من اضطُرَّ إلى لُبس قَباءٍ (٣) وهو محرم، ولم يكن له غيره، فليُنكِّس القَباء ولْيلبَسْه». رواه النجّاد (٤). ولأنه ليس مَخِيطًا (٥) على وجهٍ قد يُلبس مثله في العادة، فأشبه إذا أدخل كفَّيه في الكُمَّين ولم يَزِرَّه. مسألة (٦): (الرابع: تغطية الرأس، والأذنان منه) . وجملة ذلك: أن تغطية الرأس حرام على المحرم بإجماع المسلمين. والأصل في ذلك قول النبي ﷺ : «ولا يلبس العمامةَ ولا البُرنسَ» (٧)، وقوله ﷺ في المحرم الذي وَقَصَتْه راحلته: «اغسِلوه بماء وسِدْرٍ، وكفِّنوه في ثوبيه،

стр. 2698

ولا تُخمِّروا رأسه، ولا تُقرِّبوه طيبًا، فإنه يُبعَث يوم القيامة ملبيًا». متفق عليه (١). فمنع من تخمير رأسه بعد الموت لبقاء الإحرام عليه، فعُلِم أن من حكم المحرم أن لا يخمّر رأسه. وهذا من العلم العام الذي تناقلته الأمة خلفًا عن سلف. وقد روي عن الحسن بن محمد قال: أبصر عمر بن الخطاب ﵁ قومًا بعرفة عليهم القُمُص والعمائم، فأمر أن يعاد عليهم الجزية (٢). وعن عون قال: أبصر عمر بن الخطاب قومًا بعرفة عليهم القمص والعمائم، فقال: إن عَلِموا فعاقبوهم، وإن كانوا جهّالًا فعلِّموهم (٣). والأذنان من الرأس لما تقدَّم في الطهارة (٤)، وعليه أن يكشف من حدود الوجه والسالفة (٥) ما لا ينكشف الرأس إلا به. فأما الوجه ففيه ثلاث روايات: إحداهن: له أن يغطِّي وجهه، قال في رواية أبي داود (٦): يغطّي وجهه وحاجبيه. وسئل في رواية حنبل (٧) عن المحرم يغطِّي وجهه، قال: لا بأس بذلك.

стр. 2699

وقال أيضًا في رواية ابن مُشَيش (١) في محرم مات: يغطَّى وجهه ولا يغطَّى رأسه. وقال مهنّا: سألت أحمد عن المحرم يموت؛ هل يغطَّى وجهه؟ قال: قد اختلفوا فيه عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، فقال بعضهم: لا يغطَّى رأسه، قلت: أيهما أعجبُ إليك: يغطَّى وجهُ المحرم إذا مات أو لا يغطَّى؟ قال: أما الرأس فلا أرى أن يغطُّوه، وأما الوجه فأرجو أن لا يكون به بأس. وقال أبو الحارث: قلت له: تذهب إلى أن يخمَّر وجهه ويُكشَف رأسه؟ قال: نعم على ما جاء عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، وهو أصح من غيره. وهو اختيار القاضي (٢) وأصحابه. قال الخلال: لعل أبا عبد الله صوَّب القول قديمًا، فذهب إلى ما حكاه إسماعيل بن سعيد، ثم ذهب بعد ذلك (٣) إلى ما روى مهنّا والجميع عنه: أنه لا يخمّر رأسه ويخمّر وجهه. والثانية: لا يغطّي وجهه؛ قال في رواية ابن منصور (٤) وإسماعيل بن سعيد الشالنجي (٥) في المحرم يموت: لا يغطَّى رأسه ولا وجهه. وذلك لما روى ابن عباس أن رجلًا أوقَصَتْه راحلتُه وهو محرم فمات، فقال رسول الله ﷺ : «اغسلوه بماء وسِدْر، وكفِّنوه في ثوبَيْه، ولا تخمِّروا

стр. 2700

وجهه ولا رأسه، فإنه يُبعث يوم القيامة ملبِّيًا». رواه الجماعة إلا البخاري وأبا داود والترمذي (١). وفي «الصحيحين» (٢) عن ابن عباس أنه قال: إذا مات المحرم لم يغطَّ وجهه حتى يلقى الله محرمًا. رواه أحمد في رواية ابنه عبد الله (٣). والثالثة: قال في رواية أبي طالب (٤): يخمِّر أسفلَ من الأنف، [و] وضع يديه على فمه دون أنفه يغطِّيه من الغبار. وفي لفظٍ قال: إحرام الرجل في رأسه ووجهه، ولا يغطِّي رأسه، ومن نام فوجد رأسه مغطًّى فلا بأس. والأذنان من الرأس، يخمِّر أسفلَ من الأذنين، وأسفل من الأنف، والنبي ﷺ قال: «لا تخمِّروا رأسه»، فأذهبُ إلى قول النبي ﷺ . قال: وإحرام المرأة في وجهها، لا تنتقب ولا تتبرقع، وتُسدِل الثوب على رأسها من فوق، وتلبس من خزِّها وقزِّها ومعصفرِها وحليِّها في إحرامها مثل قول عائشة (٥).

стр. 2701

وذلك لأن حد الرأس الأذنان والسالفة، فيكشف ما يحاذيه من الأنف وما علاه، وما دون ذلك فيغطِّيه إن شاء؛ لأنه خارج عن حد الرأس. وسواء غطَّى الرأس بما صُنع على قدره من عمامة وقلنسوة وكُلتَه (١) ونحو ذلك، وبغير ذلك مثل خرقة، أو عصابة، أو ورقة، [ق ٢٤١] أو خرقة فيها دواء أو ليس فيها دواء، وكذلك إن خضب رأسه بحنَّاءٍ أو طيَّنه، إلا أن يحتاج إلى شيء من ذلك فيفعله، ويفتدي. وسواء كان الغطاء غليظًا أو رقيقًا، فأما ... (٢). وأيضًا ما روي عن الفَرافِصة قال: رأيت عثمان وزيدًا وابن الزبير يغطُّون وجوههم وهم مُحرِمون إلى قُصاص الشعر (٣). وعن عائشة بنت سعد قالت: كان أبي يأمر الرجال أن يخمِّروا وجوههم وهم حُرُم، وينهى النساء عن ذلك (٤).

стр. 2702

وعن أبي الزبير عن جابر قال: ليغشى وجهه بثوبه. وأهوى إلى شعر رأسه، وأشار أبو الزبير بثوبه إلى رأسه (١). وعن عطاء عن ابن عباس قال: المحرم يغطِّي وجهه ما دون الحاجب (٢). فصل قال أصحابنا: وله أن يحمل فوق رأسه شيئًا مثل المِكْتَل (٣) والطَّبق (٤) ونحوه. وحرّره ابن عقيل فقال: إذا احتاج لحمل متاع من موضعه إلى غيره، فحمله، فغطَّى رأسه، لم تجب الفدية؛ لأن الحمل لا يقصد به التغطية بل النقل. وإن تعمَّد لحمل شيء على رأسه تحيُّلًا للتغطية لم تسقط الفدية، وكان مأثومًا. وهذا مقتضى تعليل بقيتهم أن يفرّق بين أن يقصد الحمل فقط، أو يقصد مع الحمل التغطية. وعلّله القاضي في موضع (٥) بأنه لا يُستدام في العادة، فهو كما لو وضع

стр. 2703

يده على رأسه (١). قالوا: وله أن يضع يده على رأسه، وأن يقلب ذُؤابته (٢) على رأسه. فصل وأما إذا غطَّى رأسه بشيء منفصل عنه فهو أقسام: أحدها: أن يستظلَّ بسقْفٍ في بيت أو سوق أو مسجد أو غير ذلك، أو يستظل بخيمة أو فُسطاط (٣) أو نحوهما، أو يستظل بشجرة ونحوها، ونحو ذلك فهذا جائز. قال أحمد في رواية حنبل (٤): لا يستظل على المحمل، ويستظل بالفازة (٥) والخيمة، [و] (٦) هي بمنزلة البيت. ونصّ (٧) على أنه لو جلس تحت خيمة أو سقف جاز. وليس اجتناب ذلك من البر، كما كان أهل الجاهلية يفعلونه، لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ١٨٩]. فروى

стр. 2704

أحمد (١)، قثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري قال: كان ناس من الأنصار إذا أهلُّوا بالعمرة لم يَحُلْ بينهم وبين السماء شيء، يتحرَّجون من ذلك، فكان الرجل يخرج مُهِلًّا بالعمرة، فتبدو له الحاجة بعدما يخرج من بيته، فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين السماء، فيقتحم الجدارَ من ورائه، ثم يقوم في حجرته، فيأمر بحاجته، فتُخرَج إليه من بيته، حتى بلغنا أن النبي ﷺ أهلَّ زمنَ الحديبية بالعمرة، فدخل حجرته، فدخل على أثره رجل من الأنصار من بني سلمة، فقال له النبي ﷺ : «إني أحْمَسُ» (٢). قال الزهري: وكانت الحُمْس لا يبالون ذلك، فقال الأنصاري: وأنا أحمسُ، يقول: وأنا على دينك، فأنزل الله : ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾. وعن البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية فينا؛ كانت الأنصار إذا حجُّوا فجاءوا لم يدخلوا من قِبَلِ أبواب البيوت، فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه، وكأنه عيّر بذلك، فنزلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ متفق عليه (٣). وفي رواية صحيحة لأحمد (٤) عن البراء قال: كانوا في الجاهلية إذا

стр. 2705

أحرموا أتوا البيوت من ظهورها، ولم يأتوها من أبوابها، فنزلت هذه الآية. وروي عن قيس بن جرير (١) قال: كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا بيتًا من بابه ولكن من (٢) ظهره، فبينا النبي ﷺ في بعض حيطان بني النجّار، وكانت الحُمْس يدخلون البيوت من أبوابها، فلما دخل النبي ﷺ ذلك الحائط من بابه تبعه رجل من الأنصار يقال له رِفاعة بن تابوت، قالوا: يا رسول الله إن رفاعة منافق حيث دخل هذا الحائط من بابه، فقال: «يا رفاعة ما حملك على ما صنعتَ؟»، قال: يا رسول الله رأيتك دخلتَ، فدخلتُ، فقال: «إنك لست مثلي، أنا من الحُمْس، وأنت ليس منهم»، قال: يا رسول الله إن كنتَ من الحُمْس فإن ديننا واحد، فنزلت: ﴿بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ إلى آخر الآية (٣). وقد روى جابر في صفة حج النبي ﷺ أن النبي ﷺ أمر بقُبَّةٍ من شَعرٍ تُضرَب له (٤) بنَمِرةَ، فسار رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضُرِبت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقَصْواء (٥)

стр. 2706

فرُحِلَتْ (١) له. رواه مسلم (٢). وكان هو وأصحابه ... (٣). وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: حججتُ مع عمر بن الخطاب، فما رأيته ضرب فُسطاطًا حتى رجع، قال: فقلت له: كيف كان يصنع؟ قال: كان يستظلُّ بالنِّطْع (٤) والكساء. رواه أحمد (٥). وسواء طال زمان ذلك أو قصُر؛ لأن هذا يُقصَد به جمع الرحل والمتاع دون مجرَّد الاستظلال. وحقيقة [ق ٢٤٢] الفرق أن هذا شيء ثابت بنفسه، لا يُستدام في حال السير والمُكْث. الثاني: المَحْمِل (٦) والعَمَّارِيَّة (٧) والقُبَّة (٨) والهَوْدج (٩) ونحو ذلك

стр. 2707

مما يُصنع على الإبل وغيرها من المراكب لأجل الاستظلال، شَفْعًا كانت أو وَتْرًا، فهذا إذا كان متجافيًا عن رأسه فالمشهور عن أحمد الكراهة. وعنه لا بأس به. ذكرها ابن أبي موسى (١)؛ لأن المنع من الاستظلال والبروز للسماء إنما كان يعتقده بِرًّا أهلُ الجاهلية كما تقدَّم عنهم، وقد ردّ الله ذلك كما تقدّم. ولأن النبي ﷺ لما رأى أبا إسرائيل قائمًا في الشمس سأل عنه، فقيل: نذر أن يقوم ولا يتكلم، ولا يستظلَّ، ويصوم، قال: «مُروه فليقعُدْ وليستظِلَّ وليتكلَّمْ، وليُتِمَّ صومَه». رواه البخاري (٢). فبيَّن النبي ﷺ أن الضَّحَى (٣) للشمس مثل الصمت والقيام ليس مشروعًا ولا مسنونًا، ولا بِرَّ فيه. وأيضًا فليس في المنع منه كتاب ولا سنة ولا إجماع، فوجب أن يبقى على أصل الإباحة. وأيضًا فإنه يجوز له الاستظلال بالخيمة والسقف والشجر وغير ذلك، وهذا في معناه، ولا يقال: هذه الأشياء المقصودُ بها جمع المتاع، فإنه لو دخل البيت لقصد الاستظلال، أو نصب له خيمة لمجرَّد الاستظلال، جاز بلا تردد. وقد احتجُّوا على ذلك بما روت أم الحُصَين قالت: حججنا مع رسول

стр. 2708

الله ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالًا، وأحدهما آخذٌ بخِطام ناقة النبي ﷺ ، والآخر رافعٌ ثوبَه يستره من الحرِّ، حتى رمى جمرة العقبة. رواه مسلم وأبو داود والنسائي (١)، وعنده أن الآخذ بالخطام بلال، والمظلِّل بالثوب أسامة. وفي رواية لأحمد (٢): حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته، ومعه بلال وأسامة، أحدهما يقود به، والآخر رافعٌ ثوبه على رأس رسول الله ﷺ يُظِلُّه من الشمس، قالت: فقال رسول الله ﷺ قولًا كثيرًا، ثم سمعته يقول: «إن أُمِّر عليكم عبدٌ مجدَّعٌ ــ حسبتُها قالت ــ أسودُ يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا». فإن قيل: هذا التظليل إن كان يوم النحر ففيه مستدَلٌّ، وإن كان في أحد أيام منًى فلا حجة فيه، لأن النبي ﷺ حلَّ من إحرامه (٣) يوم النحر، وليس فيه بيان أن ذلك كان يوم النحر، بل فيه ما يُشعِر أنه كان في أيام منى، لأن الجمرة تُرمى أيام منى بعد الزوال حين اشتداد الحرّ، فأما يوم النحر فإن النبي ﷺ رماها ضُحًى، وليس ذلك الوقت للشمس حَرٌّ يحتاج إلى تظليل. قيل: قد روى ابن عمر عن النبي ﷺ : كان إذا رمى الجمار مشى إليها (٤)

стр. 2709

ذاهبًا وراجعًا (١). رواه الترمذي (٢) وصححه. ورواه أبو داود (٣) عن ابن عمر أنه كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشيًا ذاهبًا وراجعًا، ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك. ورواه أحمد (٤) فقال: «كان يرمي الجمرة يوم النحر راكبًا وسائر ذلك ماشيًا، ويخبرهم أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك». ففي هذا ما يدلُّ على (٥) أن ذلك الرمي كان يوم النحر، لأنه كان راكبًا، وهو ﷺ لم يُفِضْ من جَمْعٍ حتى كادت الشمس تطلع، وما بين أن يُفيض إلى أن يجيء إلى جمرة العقبة يصير للشمس مسٌّ وحرٌّ، فإن حجته ﷺ كانت في ... (٦) ويبيِّن ذلك ... وقد أخبرت أم الحُصين (٧) أنه خطب عند الجمرة (٨)، وإنما خطب عند جمرة العقبة يوم النحر، وتخصيصها جمرة العقبة دون غيرها دليل على أنه إنما رماها وحدها (٩)، إذ لو كان ... لكن التظليل ــ والله أعلم ــ إنما كان حين الانصراف من رميها، وحينئذٍ فقد حلَّ

стр. 2710

وجاز له الحِلاق. ووجه المشهور أن النبي ﷺ وأصحابه معه وخلفاءه من بعده والتابعين لهم بإحسان إنما حجُّوا ضَاحِين بارزين، لم يتخذوا مَحْمِلًا ولا قبةً ولا ظُلَّة على ظهور الدواب، وقد قال النبي ﷺ : «لتأخذوا عنّي مناسككم» (١). ولهذا عدَّ السلف هذا بدعة. والضَّحَى للمحرم أمر مسنون بلا ... (٢). وقد روي عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من مُحرمٍ يَضْحَى لله يومَه يلبِّي حتى تغيبَ الشمس إلا غابت بذنوبه». رواه ابن ماجه (٣). وقد كانوا في أول الإسلام يُسرِفون في البروز والضَّحى، حتى يمتنع أحدهم من الدخول من الباب مبالغةً في الامتناع من تخمير الرأس، ثم إن الله سبحانه نهاهم عن الدخول من ظهور البيوت، وأمرهم بالدخول من أبوابها، ولم يعِبْ عليهم أصلَ الضَّحى والبروز، [ق ٢٤٣] فعُلِم أنه سبحانه أقرَّهم على ذلك ورضيه منهم، وأنه لا بأس بدخولٍ ومُكثٍ لا يقصد الاستظلال (٤) ونحو ذلك من الظل. ولو عاب عليهم نفس التحرُّج من الاستظلال لقال: وليس البرُّ في البروز أو في الضَّحى ونحو ذلك، كما أنكر النبي ﷺ على أبي إسرائيل لأنه لم يكن محرمًا، والضَّحى لمجرد الصوم لا يُشْرع، ولهذا نهاه عن الصمت والقيام في غير عبادة، وإن كان ذلك مشروعًا للمصلِّي؛ ولأنه قصد ذلك وأراده، وصار دخولهم البيوت مثل نزْعِ المحرم

стр. 2711

القميصَ وإن خمَّر رأسه، لكن لما لم يقصد به التخمير ــ ولا بدَّ منه ــ وقَّت فيه الرخصة. وأيضًا فإنَّ المحرمَ الأشعثُ الأغبرُ، بدليل ما روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان عشية عرفة باهَى الله بالحاجِّ؛ فيقول لملائكته: انظروا إلى عبادي شُعْثًا غُبْرًا قد أتوني من كلّ فجٍّ عميق، يرجون رحمتي ومغفرتي، أُشهِدكم أني قد غفرتُ لهم إلا ما كان من تَبِعَات بعضهم بعضًا. فإذا كان غداة المزدلفة قال الله للملائكة: أُشهِدكم أني قد (١) غفرتُ لهم تبعاتِ بعضهم بعضًا، وضَمِنتُ لأهلها النوافلَ». رواه ابن أبي داود (٢): قثنا محمد بن أيوب ثنا عبد الرحيم (٣) بن هارون الغسَّاني عن عبد العزيز بن

стр. 2712

أبي روّاد (١)، عن نافع عنه. فقد وصف كلّ حاجّ بأنه أغبر، فعُلِم أنها صفة (٢) لازمة للمحرم، فمن لم يكن أشعث أغبر لم يكن محرمًا، والاستظلال بالمحمل ينفي الغبار والشَّعَث. وأيضًا فإن السلف كرهوا ذلك؛ فعن نافع عن ابن عمر أنه كان يكره أن يستظلَّ بعود وهو محرم. وعن ابن عمر أنه رأى رجلًا محرمًا على رحْلٍ قد رفع ثوبًا بعودٍ يستتر به من الشمس، فقال: «اضْحَ لمن أحرمتَ له». رواهما أحمد (٣). و «اضْحَ» بكسر الهمزة من ضَحِيَ بالفتح والكسر يَضْحَى ضَحًى إذا برز للشمس، كما قال: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩]. وبعض المحدثين يرويه بفتح الهمزة (٤) من أضحى يُضحِي إضحاءً (٥)، ومعناها هنا ضعيف. وعن نافع قال: مرَّ ابنُ عمر بعبد الله بن خالد بن أَسِيْد وقد ظلّل (٦) عليه

стр. 2713

كهيئة التُّرس وهو على راحلته، فقال له عبد الله: «اتقِ الله اتقِ الله» (١). وعن عطاء أن عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة استظلَّ بعودٍ على راحلته وهو محرم، فنهاه عنه ابن عمر (٢). رواهما سعيد. وعن نافع أن ابن عمر رأى رجلًا قد نصب على مقدّمة رَحْلِه (٣) عودًا عليه ثوب وهو مُحرِم، فقال ابن عمر: إن الله لا يحبُّ الخُيلاء، إن الله لا يحبُّ الخيلاء. وعنه أن ابن عمر رأى رجلًا قد وضع عودين على راحلته وهو محرم يستتر بهما، فانتزعهما. رواهما النجّاد (٤). وابن عمر من أعلم الناس بالسنة وأتبعهم لها، ولم يُنْكِر عليه هذه الفتاوى في الأوقات المتفرقة منكِرٌ، مع ما (٥) يجمعه الموسم من علماء المسلمين. وأما ما رواه أحمد والنجّاد (٦) عن الحسن أن عثمان ظُلِّل عليه وهو محرم، وروى النجّاد عن عكرمة عن ابن عباس قال: لا بأس بالظلِّ للمحرم= فهو محمول على صورٍ نذكرها إن شاء الله.

стр. 2714

وأيضًا فإن الرأس يفارق غيره من البدن فإنه يُمنع من (١) تخميره بكل شيء، حتى بالخرقة والورقة، وحتى قد كره له الدهنَ من (٢) لم يكرهه للبدن، لما فيه من ترجيله، والبدن إنما يُمنع من أن يُلبِسه اللباسَ المعتاد، فلو خمَّره بما شاء من غير ذلك جاز. فعُلِم أن المقصود بقاء الرأس أشعثَ أغبرَ، ومنْعُه من الترفُّه والتنعُّم بكل شيء، ومعلوم أن المحمل يُكِنُّ الرأس ويُواريه ويرفِّهه بنحو مما قد يحصل له بالعمامة ونحوها (٣). لكن الترفّه بالعمامة أشدّ، فإن من كشف رأسه في داخل مَحْملٍ وظُلَّة لم يكشف رأسه، فيجب أن يُمنَع من ذلك؛ ولهذا يفعل ذلك من سَجَّى (٤) على رأسه، [لا] (٥) يكشفه لله، ولا يريد أن يتواضع، ولذاك سمّاه ابن عمر خُيَلاء. وأما حديث أم الحُصَين وما في معناه فلا يختلف المذهب في القول بموجبه، وسنذكر إن شاء الله وجهه وموضعه على المذهب. فعلى هذا إذا كان في محمل عليه كساء أو لِبْدٌ (٦) ونحو ذلك، فكشفه بحيث تنزل الشمس من عيونه ... (٧). وما يَنْصِبه على المَحْمِل مثل أن يقيم عودًا ويرفع عليه ثوبًا ونحو ذلك،

стр. 2715

حكمه حكم المحمل مطلقًا، صرَّح بذلك ابن عقيل وغيره؛ لأنه يحصل به التظليل (١) المستدام من غير كلفةٍ فهو كالمحمل. وحديث ابن عمر إنما كان في مثل هذا. وقد نصّ أحمد على ذلك، فقال في رواية الأثرم (٢) لما ذكر حديث أم الحصين وحديث ابن عمر: إذا كان يستر بعودٍ يرفعه بيده من حرّ الشمس كان جائزًا (٣)، وابن عمر إنما كرهه على الرحل. فأما إن تظلَّل زمنًا يسيرًا من حرٍّ أو مطرٍ ونحو ذلك من غير أن ينصبه على المحمل، بل يرفع له ثوبًا بعود في يده، أو يرفع ثوبه بيده، أو يغطِّي رأسه بيده ونحو ذلك= فالمنصوص عنه [ق ٢٤٤] جواز ذلك، وهو قول القاضي وابن عقيل وغيرهما. قال أحمد في رواية الأثرم (٤): عن نافع عن ابن عمر أنه رأى محرمًا على رحْلٍ قد رفع ثوبًا بعودٍ يستره من حرِّ الشمس، قال: اضْحَ لمن أحرمتَ له. وزيد بن أبي أُنيسة عن يحيى بن الحصين عن أم الحصين جدته قالت: حججت مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالًا، وأحدهما آخذٌ بخِطام ناقة النبي ﷺ ، والآخر رافعٌ ثوبَه يستره من حرِّ الشمس، حتى رمى الجمرة.

стр. 2716

قال أبو عبد الله: فأكره للمحرم أن يستظلَّ. وكان ابن عيينة يقول: لا يستظلُّ البتةَ، وابن عمر: «اضْحَ لمن أحرمتَ له». وحديث بلال من حديث زيد بن أبي أنيسة عن يحيى بن الحصين عن جدته. فإذا كان يستر بعودٍ يرفعه بيده من حرّ الشمس كان جائزًا، وابن عمر إنما كرهه على الرحْل، وكذا حديث ابن عمر: «اضْحَ لمن أحرمتَ له»، وأهل المدينة يُغلِّظون (١) فيه. وفي رواية الأثرم (٢) وذكر له هذا الحديث فقال: هذا في الساعة رُفِع له ثوب بالعود، يرفعه بيده من حرّ الشمس. وقال في رواية أبي داود (٣): إذا كان بطرف كسائه أرجو أن لا يكون به بأس. وقال في رواية ابن منصور (٤) وقد سئل عن القبَّة للمحرم فقال: لا (٥)، إلا أن يكون شيئًا يسيرًا باليد، أو ثوبًا يلقيه على عود. وقال في رواية حرب (٦) وقد سئل: هل يتخذ على رأسه الظلَّ فوق المحمل؟ فقال: لا إلا الشيء الخفيف، وكرهه جدًّا.

стр. 2717

وحكى أبو الخطاب (١) وغيره في التظليل اليسير روايتين (٢): إحداهما: المنع منه؛ لأنه أطلق المنع وأوجب الفدية في رواية جماعة، قال في رواية (٣) جعفر بن محمد (٤): لا يستظلُّ المحرم، فإن استظلَّ يفتدي. لأنه قد مُنع المحرم، فاستوى قليله وكثيره، كالتغطية واللبس. ومن قال هذا حملَ حديث أم الحُصين على أن الثوب لم يكن فوق رأس النبي ﷺ ، وإنما كان عن جانبه، وفرَّق أيضًا بين ظلٍّ يكون تابعًا للمستظلِّ ينتقل بانتقاله ويقف بوقوفه، كالقبَّة والثوب الذي بيده أو على عودٍ معه، وبين ما لا يكون تابعًا مثل ظل الشجرة والثوب المنصوب حيالَه، وحديث أم الحصين كان من هذا القسم. والثانية: الرخصة في اليسير لحديث أم الحُصين، فإن (٥) في بعض ألفاظه (٦): «والآخر رافعٌ ثوبَه على رأس رسول الله ﷺ يستره من الشمس». وأيضًا فإنه لو أحرم وعليه قميصه خلعَه ولم يشقَّه، مع أن هذا تظليلٌ لرأسه وتخميرٌ له. قال في رواية ابن القاسم: إذا أحرم الرجل وعليه قميص أو جبَّة

стр. 2718

يخلعهما خلعًا ولا يشقُّهما، وهؤلاء يقولون: إن خلعهما فقد غطَّى رأسه فعليه فدية، وعجِبَ من قولهم وقال: النبي ﷺ أمر الأعرابي أن ينزع الجبّة، حديث يعلى بن أمية، ولم يأمره بشقِّها. وذلك لما روى يعلى بن أمية أن النبي ﷺ جاءه رجل متضمِّخٌ بطِيْب، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم في جبَّة بعد ما تضمَّخ (١) بطيبٍ، فنظر إليه النبي ﷺ ساعة، فجاءه الوحي ثم سُرِّي عنه، فقال: أين (٢) الذي سألني عن العمرة آنفًا، فالتُمِس الرجل فجيء به، فقال: «أما الطيبُ الذي بك فاغسِلْه ثلاث مرات، وأما الجبَّة فانزِعْها، ثم اصنَعْ في العمرة كما تصنع في حجتك». متفق عليه (٣). وفي رواية: «أن رجلا أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة» رواه مسلم (٤). وفي لفظ لأبي داود (٥): فقال له النبي ﷺ : «اخلَعْ جُبَّتك»، فخلعها من رأسه. قال عطاء: كنا قبل أن نسمع هذا الحديث [نقول] (٦) فيمن أحرم وعليه قميص أو جبة فليخرِقْها عنه، فلما بلَغَنا هذا الحديث أخذنا به، وتركنا ما كنّا

стр. 2719

نفتي به قبل ذلك. رواه سعيد (١). فقد جوّز النبي ﷺ أن يخلعه من رأسه وإن كان فيه تظليلٌ لرأسه، لأنه تدعو الحاجة إليه، فعُلِم أن يسير التظليل لا بأس به. فإن قيل: فقد روي عن عبد الرحمن بن عطاء عن نفرٍ من بني سلمة قالوا: كان رسول الله ﷺ جالسًا فشقَّ ثوبه، فقال: «إني واعدتُ هديًا يُشْعَر اليوم». وعن جابر قال: بينما النبي ﷺ جالس مع أصحابه شقَّ قميصه حتى خرج منه، فقيل له، فقال: «واعدتُهم [يقلِّدون] (٢) هَدْيي اليومَ، فنسيتُ». رواهما أحمد (٣). قيل: إن صحَّ هذا الحديث فلعله كان في الوقت الذي كان أحدهم إذا أحرم لم يدخل البيت من بابه، كانوا يجتنبون قليلها وكثيرها، ثم زال ذلك، ويدلّ على ذلك توقُّفُ النبي ﷺ في جواب السائل حتى أتاه الوحي، فعُلِم أنه سُنَّ ذلك الوقتَ ما أزال الحكم الماضي. و [ق ٢٤٥] أيضًا فإنه يجوز التظليل بالسقوف والخيام ونحوها، فعُلِم أنه

стр. 2720

لم يُكرَه جنس التظليل، وإنما كُرِه منه ما يفضي إلى الترفُّه والتنعُّم، وهذا إنما يكون فيما يدوم ويتصل. وقد روي عن إبراهيم قال: كان الأسود إذا اشتدَّ المطر استظلَّ بكساء وهو محرم (١). وعن عطاء أنه كان يقول: يستظلُّ المحرم من الشمس ويستكنُّ من الريح ومن المطر (٢). فعلى هذا يجوز الساعةَ ونحوها كما ذكر في رواية الأثرم، فإن في حديث أم الحصين أنه ظُلِّل عليه في حال مسيره ورميه وخطبته. والذي يدلُّ على أن النبي ﷺ إنما استباح يسيرَ التظليل: أنه في سائر الأيام كان يسيرُ، ولم يَنْصِب له على رَحْله (٣) شيئًا يستظلُّ به، ولو كان جائزًا لفعله لحاجته إليه. ثم إن استظلَّ بثوب يمسكه بيده أو بيد غيره، أو وضع الثوب على عودٍ يمسك العود بيده أو بيد غيره= جاز. وإن استظلَّ يسيرًا في محمل، أو بثوب موضوع على عودٍ (٤) على المحمل ونحو ذلك مما لا مؤونةَ فيه، ففيه روايتان: إحداهما: يُكره ذلك، وهذا هو الذي ذكره في رواية الأثرم، قال: إذا

стр. 2721

كان يسيرًا بعودٍ يرفعه بيده من حرِّ الشمس كان جائزًا، وابن عمر إنما كرهه على الرحل. وذلك لأن ما على الرحل رفاهة محضة، وهو مظنة الطول، فلو شُرِع ذلك لشُرِع اتخاذ الظل. والثانية: لا بأس به، وهو قول القاضي (١)، وهو ظاهر كلامه في رواية ابن منصور (٢): إلا أن يكون شيئًا يسيرًا باليد، أو ثوبًا يُلقيه على عودٍ. فأما أن يظلّل بالمحمل ونحوه حال نزوله، فقال القاضي (٣) وابن عقيل: لا فرق بين الراكب والنازل، وإنه إن طال ذلك وكثر افتدى، راكبًا كان أو نازلًا. وإن قلَّ ذلك ولم يكثر فلا فدية عليه، سواء كان راكبًا أم نازلًا. وفرَّقوا بين ذلك وبين الخيمة والسقف بأن ذلك لا يُقصَد به الترفُّه في البدن في العادة، وإنما يقصد به جمعُ الرحال، وفرّق بين ما يقصد به الظل وغيره، كما فرّق بين من يحمل على رأسه شيئًا أو يخمِّره. وكلام أحمد يدلّ على الفرق؛ قال في رواية حنبل (٤): لا يستظلُّ على المحمل، ويستظلُّ بالفازة في الأرض والخيمة، وهي (٥) بمنزلة البيت. وهذا أصح؛ لأن ابن عمر وغيره من الصحابة كانوا يَنْصِبون له الظلَّ المحض في حال النزول، ولأنه لو دخل إلى بيت أو خيمة لمجرّد الاستظلال لجاز.

стр. 2722

والفرق بينهما أن هذا الظلّ ليس بتابع للمحرم، ولا ينتقل بانتقاله. وأيضًا فإنه غير متخَذٍ للدوام، فلا بدَّ معه من الضَّحَى. ويسيرُ الظلِّ في المكان ــ مثل أن يجعل فوقه ما يستر يسيرًا من رأسه ــ مثلُ الزمان. فأما إذا احتاج للاستظلال من حرٍّ أو بردٍ، فذكر القاضي (١) وابن عقيل أنه يجوز؛ إذا كان هناك عذر من حر أو برد فإنه يجوز، وحملا حديث عثمان وابن عباس على ذلك، وحديث ابن عمر على عدم العذر. ومعنى ذلك عذر يخاف معه من مرض أو أذى، فإنه يبيح التظليل من غير فدية؛ لأن ما كُرِه في الإحرام جاز مع الحاجة، وما أبيح يسيرُه جاز كثيرُه مع الحاجة. قال أصحابنا القاضي وابن عقيل وغيرهما: فله أن يستظلَّ بثوب ينصِبُه حِيالَه يَقِيه الحرَّ والبردَ، عن يمينه أو عن شماله، أو أمامه أو وراءه، ما لم يكن مظلَّلًا (٢) فوق رأسه كالهَوْدج والعَمَّارية والكنيسة (٣). وظاهر كلام أحمد أن كل ما منع (٤) وصولَ الشمس إلى رأسه فهو تظليل، سواء كان فوق رأسه (٥)، أو كان من بعض جهاته. وحديث ابن عمر يدُّل عليه.

стр. 2723

وحيث كُرِه له التظليل فهل تجب الفدية؟ على روايتين منصوصتين . فإن أوجب الفدية كان محرَّمًا، وإن لم يوجبها كان مكروهًا كراهة تنزيه. وقد قال القاضي في «المجرد» وأبو الخطاب وغيرهما: لا يجوز تظليل المحمل رواية واحدة، وفي الفدية روايتان. ومعنى ذلك أنه ليس من الجائزات التي يستوي طرفاها، بل هو ضمن الممنوعات (١)، فأما أن يكون حرامًا لا يوجب الفدية فهذا لا يكون. إحداهما (٢): يوجب الفدية. قال في رواية جعفر بن محمد، وبكر بن محمد عن أبيه (٣): لا يستظلُّ المحرم، فإن استظلَّ يفتدي بصيام أو صدقة أو نسكٍ بما أمر النبي ﷺ كعب بن عُجْرة. وهذا اختيار القاضي وأصحابه. والثانية: لا فدية فيه، وإنما هو مكروه فقط. قال في رواية الأثرم (٤): أكره ذلك، فقيل له: فإن فعل يُهَرِيق دمًا؟ فقال: لا، وأهل المدينة يغلِّظون فيه. وقال في رواية الفضل (٥): الدم عندي كثير. وقال عبد الله (٦): سألت أبي عن المحرم يستظلّ؟ قال: لا يستظلُّ، فإن استظلَّ أرجو أن لا يكون عليه شيء.

стр. 2724

وقال أيضًا (١): سألته عن المحرم يظلّل، قال: لا يُعجبني أن يظلّل. قال أبي: يستر قدر ما يرمي الجمرة على حديث أم الحصين. وقال (٢): سألته عن المحرم يستظلّ أحبُّ إليك [ق ٢٤٦] أم تأخذ بقول ابن عمر: «اضْحَ لمن أحرمتَ له»؟ قال: لا يستظلّ لقول ابن عمر: «اضْحَ لمن أحرمتَ له». فقد بيَّن أن الاستظلال مكروه مطلقًا إلا اليسير لحاجة، وأنه لا فدية فيه. ويُشبِه أن تكون هذه الرواية هي المتأخرة؛ لأن روايات ابن الحكم قديمة. قال أبو بكر: وبهذا أقول، وهو أصحّ إن شاء الله؛ لأن ابن عمر الذي رُوِي عنه كراهة ذلك لم يأمر الذي فعله بفدية، وقد رفع الظلّ بيده. ولأنه قد أُبيح نوعه في الجملة، فجاز ما لا يدوم، وجاز منه ما لا يُقصَد به التظلُّل ونحو ذلك. ومحظورات الإحرام يجب اجتنابها بكل حال كالطيب واللباس، فصار في الواجبات كالدفع من مزدلفة قبل الفجر، لمَّا رُخِّص فيه لبعض الناس من غير ضرورة عُلِم أنه جائز في الجملة، وأن السنة تركُه، بخلاف الدفع من عرفة، فإنه لا يجوز لأحدٍ حتى تغرب الشمس. مسألة (٣): (الخامس: الطِّيب في بدنه وثيابه) . وجملة ذلك: أن المحرم يحرم عليه ابتداء الطيب بإجماع المسلمين. وهذا من العلم العام، وقد قال النبي ﷺ في المحرم الذي أوقصَتْه ناقته: «لا

стр. 2725

تُخمِّروا رأسه، ولا تقرِّبوه طِيبًا، فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا» (١). وفي رواية (٢): «لا تُحنِّطوه». متفق عليه. وقال فيما يلبس المحرم من الثياب: «ولا يلبس ثوبًا مسَّه وَرْسٌ ولا زعفران». رواه الجماعة (٣). فإذا نهى عن المُورَّس والمزعْفَر مع أن ريحهما ليس بذاك، فما له رائحة ذكية أولى. فأما إن تطيَّب قبل الإحرام بما له جِرْم يبقى كالمِسْك والذَّرِيرة (٤) والعنبر ونحوه، أو بما (٥) لا يبقى كالورد ونحوه (٦) والبخور، ثم استدامَه= لم يَحْرُم ذلك عليه، ولم يُكره له، لحديث عائشة أنها قالت: «كأني أنظر إلى وَبِيص الطيب في مَفْرِق رسول الله ﷺ بعد أيام وهو محرم». متفق عليه (٧)، وفي رواية: «كأني أنظر إلى وَبيصِ المسك في مَفْرِق رسول الله وهو محرم». رواه مسلم وأبو داود والنسائي (٨).

стр. 2726

وقد تقدم أنها كانت تُطيِّب رسول الله ﷺ قبل الإحرام. وعن عائشة قالت: كنا نخرج مع النبي ﷺ إلى مكة، فنَضْمِد جباهنا بالسُّكِّ (١) المطيَّب عند الإحرام، فإذا عرِقتْ إحدانا سال على وجهها، فيراه النبي ﷺ فلا ينهانا. رواه أبو داود وأحمد (٢)، ولفظه (٣) عنها: «أنهن كنّ يخرجن مع رسول الله ﷺ عليهن الضِّمادُ، قد أَضْمَدْن (٤) قبل أن يُحرِمن، ثم يغتسلن وهو عليهن، يَعْرَقْن ويغسلن (٥) لا ينهاهن عنه». ولأن الطِّيب بمنزلة النكاح لأنه من دواعيه، فإذا كان إنما يُمنَع من ابتداء النكاح دون استدامته فكذلك الطيب. وأيضًا فإن الطيب إنما يُراد به الاستدامة كالنكاح، فإذا مُنع من ابتدائه لم يُمنَع من استدامته، وعكسه اللباس، فإنه لا يراد للاستدامة. ولأن الطيب من جنس النظافة من حيث يُقصَد به قطع الرائحة الكريهة، كما يُقصَد بالنظافة إزالة ما يجمعه (٦) الشَّعر والظُّفر من الوسخ. ثم استُحبّ قبل الإحرام أن يأخذ من شعره وأظفاره لكونه ممنوعًا منه بعد الإحرام، وإن بقي أثره. فكذلك استُحبّ له التطيُّبُ قبله وإن بقي أثره بعده.

стр. 2727

فإن قيل: فقد روى صفوان بن يعلى (١) بن أمية ــ يعني عن يعلى ــ أن يعلى كان يقول لعمر بن الخطاب: ليتني أرى نبي الله ﷺ حين يُنْزَل عليه، فلما كان النبي ﷺ بالجِعرانة، وعلى النبي ﷺ ثوب قد أُظِلَّ به، ومعه ناس من أصحابه فيهم عمر، إذ جاءه رجل عليه جبَّة متضمِّخ بطيب، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبَّة بعدما تضمَّخ بطيب؟ فنظر إليه النبي ﷺ ساعة ثم سكت، فجاءه الوحي، فأشار عمر بيده إلى يعلى بن أمية تعالَ، فجاءه يعلى فأدخل رأسه، فإذا النبي ﷺ محمرُّ الوجه يغِطُّ ساعة، ثم سُرِّي عنه، فقال: «أين الذي سألني عن العمرة آنفًا؟» فالتُمِس الرجلُ، فجيء به (٢)، فقال له النبي ﷺ : «أما الطيب الذي بك فاغسِلْه ثلاث مراتٍ، وأما الجبّة فانزِعْها، ثم اصنَعْ في عمرتك ما تصنع في حجتك». متفق عليه (٣)، لفظ مسلم. وفي رواية (٤): «أن رجلًا أتى النبي ﷺ وهو بالجِعرانة قد أهلَّ بعمرة، وهو مصفِّرٌ (٥) رأسَه ولحيتَه، وعليه جبَّة، فقال: يا رسول الله، إني أحرمتُ بعمرة، وأنا كما ترى، فقال: «انزِعْ عنك الجبة، واغسِلْ عنك الصفرة». وفي رواية (٦): «وهو متضمِّخٌ بالخَلوق». رواهما مسلم.

стр. 2728

فهذا يبيِّن أن استدامة الطيب كاستدامة اللباس، وقد روي عن عمر وابنه نحو ذلك. قيل: قد أجاب أصحابنا عن هذا بجوابين: أحدهما: أنه أمره بغسله لأنه كان زعفرانًا، وقد نهى النبي (١) ﷺ أن يتزعفر [ق ٢٤٧] الرجل سواء كان حرامًا أو حلالًا، لأن طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه. الثاني: أن هذا كان بالجِعرانة، وكانت في ذي القعدة سنة ثمانٍ عقيب (٢) قَسْمِ غنائم حنين (٣)، وقد حجَّ النبي ﷺ سنة عشر واستدام الطيب، وإنما يؤخذ بالآخِر فالآخِر من أمر رسول الله ﷺ ، لأنه يكون ناسخًا للأول. فصل يحرم عليه أن يتطيَّب في بدنه وثيابه، سواء مسَّ الطيبُ بدنه أو لم يمسَّه ، لأن النبي ﷺ قال في المحرم الموقوص (٤): «لا تُقرِّبوه طيبًا». وفي لفظ: «لا تُحنِّطوه». وجعلُه في ظاهره تقريبٌ له، لا سيما والحنوط هو مشروع بين الأكفان. فلما نهى النبي ﷺ عن تحنيطه عُلِم أن قصْدَه (٥) تحنيط بدنه وثيابه، ولو كان تحنيطُ ظاهرِ الثوب جائزًا لم ينهَ عنه النبي ﷺ ، بل أمر به

стр. 2729

تحصيلًا لسنة الحنوط. وأيضًا فقد قال ﷺ : «لا يلبس المحرم ثوبًا مسَّه ورسٌ أو زعفران»، ولم يفرّق بين أن يمسّ ظاهره أو باطنه. فعُلِم عموم الحكم وشموله. فلا يجوز أن يُطيِّبهما بشيء يعدُّه الناس طيبًا، سواء كان له لون أو لا لون له؛ مثل المسك والعنبر والكافور والورس والزعفران والنَّدّ (١) وماء الورد والغالية (٢) ونحو ذلك، ولا يتبخَّر بشيء من البخور الذي له رائحة كالعود؛ لأن المقصود من الطيب رائحته لا عينه، فإذا عَبِقَ بالثوب رائحة البخور فهو طيبه، ولأن ماء (٣) الورد ودخان العود ونحوه أجزاء تتعلق بالبدن والثوب، ولهذا يتجنّب ... (٤)، وسواء كان الثوب فوقانيًّا أو تحتانيًّا. قال أحمد في رواية ابن إبراهيم (٥): لا يلبس شيئًا فيه طِيب. وكذلك أيضًا لا يجوز ثوب مطيَّب؛ قال في رواية ابن القاسم (٦) وقد سئل عن المحرم يفترش الفراش والثوب المطيَّب، قال: هو بمنزلة ما يلبس. وذلك لأن النبي ﷺ نهى أن يلبس المحرم ثوبًا مسَّه ورْس أو زعفران، والافتراش لُبْسٌ بدليل قول أنس (٧): «وعندنا حَصِيرٌ قد اسودَّ من طول ما

стр. 2730

لُبِس»، لأن اللبس هو الاختلاط والمماسَّة، فسواء كان الثوب فوقه أو كان هو فوق الثوب. ولأنه ﷺ قال في المحرم (١): «ولا تقرِّبوه طيبًا»، ومعلوم أن جعْل الطيب في فراشه تقريبٌ له إليه. وكل ما حرم لبسه على البدن (٢) حرم الجلوس عليه (٣) من الحرير والنجاسة في الصلاة وغير ذلك، إلا أن يكون مما يُقصَد إهانته. ولأن جعْلَ الطيب في الفُرُشِ (٤) أبلغُ في استعمال الطيب من وضعه على البدن. ثم إن كان الطيب في الوجه الأعلى من الفراش فهو طيب؛ لأن مباشرته بثيابه كمباشرته بنفسه. وإن كان في الوجه التحتاني ... (٥). وإن كان بينه وبين الطيب حائل فقال القاضي في «المجرد»: إن كان صَفيقًا يمنع المباشرة والرائحة جميعًا لم يكره ذلك، وإن كان رقيقًا يمنع المباشرة دون الرائحة لم يحرم عليه، لأنه لا يباشره. فأما الثوب الذي عليه فليس بحائل.

стр. 2731

وقال ابن عقيل: إن كان الحائل يمنع وصول ريح الطيب إليه زال المنع وإيجاب الفدية عليه، بخلاف ما لو كان في الثوب الفوقاني، كما قلنا في النجاسة في الصلاة. وهذا أشبه بظاهر المذهب؛ لأن اشتمام الطيب عندنا كاستعماله، فإذا كان رائحة الطيب تصل إليه وجبت الفدية. وإن كان الطيب في حواشي الفراش وليس تحته، فإن كان يشمُّ الرائحة ... (١). ولا فرق بين الثوب المصبوغ بالطيب والمضمَّخ به والمبخَّر به، فإن النبي ﷺ قال: «ولا ثوبًا مسَّه ورسٌ أو زعفران». وفي لفظ: «ولا ثوبًا مصبوغًا بورسٍ أو زعفران». ولأن المصبوغ والمبخَّر يكون لهما ريح كالمضمَّخ. فإن ذهبت رائحة المصبوغ بالزعفران ونحوه وبقي لون الصبغ، فقال أصحابنا: إذا انقطعت رائحته ولم يبق إلا لونه فلا بأسَ به إذا علم أن الرائحة قد ذهبت، ولا بالتضمُّخ (٢) بطيب ذهبت رائحته وبقي لونه، كماء الورد المنقطع، والمسك الذي استحال. وسواء كان انقطاع الريح لتقادم عهده، أو لكونه قد صُبغ بشراب أو سِدْر أو إذْخِرٍ ونحو ذلك مما يقطع الرائحة، فأما إن انقطعت الرائحة ليُبْسِه فإذا رُشَّ الماءُ (٣) أو ترطَّب فاح منه ريح (٤)

стр. 2732

الطيب، فإنه طيب تلزم الفدية به، يابسًا كان أو رطْبًا، وكذلك الثوب الذي قد انقطعت رائحته. فأما المصبوغ بماء الفواكه التي يُشَمُّ ريحها فلا بأس به، لأنه لا يُمنع من شمِّ أصله، هذا الذي ذكره القاضي. وذكر ابن عقيل أن المصبوغ بماء الفواكه والرياحين كماء الريحان واللُّفَّاح (١) والنَّرجِس والبنفْسَج لا يُمنع منه، قال: ويحتمل عندي أن يفرق بين ورده ومائه، كما قلنا في ماء الورد. ولو نزع ثوبه الذي فيه طيب قد لبسه قبل الإحرام [ق ٢٤٨] ثم أعاده فقد ابتدأ لبس المطيَّب. فأما إن استصحب لبس الثوب المطيَّب فقال أصحابنا: يجوز، وظاهر الحديث المنع، فإن ... (٢). فصل وإذا مسَّ بيده (٣) من الطيب ما يَعْلَق لرطوبته كالغالية، والمسك المبلول، وماء الورد، أو لنعومته كسحيق المسك والكافور، أو لرطوبة يده ونحو ذلك، فهو حرام وعليه الفدية. وإن أمسك (٤) ما لا يعلَق باليد كأقطاع الكافور والعنبر والمسك غير السَّحيق (٥) والورد ونحو ذلك، فقال أصحابنا: لا فدية عليه بمجرد ذلك إلا

стр. 2733

أن يشُمَّه، ولو وضع يده عليه يعتقده يابسًا لا يعلَق بيده، فعلِقَ بيده منه شيء، فقالوا: لا فدية عليه؛ لأنه لم يقصد إلى استعمال الطيب. وينبغي أن يُخرَّج هذا على ما إذا تطيَّب جاهلًا أو ناسيًا، فأما ما تعلَّق به من غير اختياره ... (١). فصل ولا يجوز أن يأكل ما فيه طيب ... (٢). فصل فأما اشتمام الطيب من غير أن يتصل ببدنه ولا بثوبه؛ إما بأن يُقرَّب إليه حتى يجد ريحه، أو يتقرَّب هو إلى موضعه حتى يجد ريحه، فلا يجوز في ظاهر المذهب المنصوص، وفيه الفدية. قال في رواية أحمد بن نصر [وابن] القاسم (٣) في المحرم يشمُّ الطيب: عليه الكفارة. وقال أيضًا في رواية ابن القاسم (٤) في الرجل يحمل معه الطيب وهو محرم: كيف يجوز هذا؟! وعطاء يقول: إن تعمَّد شمَّه فعليه الفدية (٥)، قيل له: يحمله للتجارة؟ فقال: لا يصلح إلا أن يكون مما لا ريحَ له.

стр. 2734

وقال في رواية حرب (١): أما الطيب فلا يقربه، والريحان ليس هو مثل الطيب. وهذا لأن المقصود من التطيُّب وجود رائحة الطيب، فإذا تعمّد الشمّ فقد أتى بمقصود المحظور، بل اشتمامه للطيب أبلغ في الاستمتاع والترفُّه من حمل طيبٍ لا يجد ريحه، بأن يكون ميتًا أو نائمًا أو أخشمَ (٢). ولأن الصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا في شمّ المُحرِم الريحان، فمن جعله طيبًا منعه، ومن لم يجعله طيبًا لم يمنعه (٣). ولولا أن الشمّ المجرَّد يحرم امتنعت هذه المسألة؛ لأن الرياحين لا يُتطيَّب بها، فعلى هذا إن تعمّد شمَّ المسك والعنبر ونحوهما (٤) من غير مسّ فعليه الكفارة، وإن جلس عند العطّارين قصدًا لشمِّ طيبهم، أو دخل الكعبة وقت تخليقها وتجميرها (٥) ليشمَّ طيبها، لزمته الكفارة، وإن ذهب لغير اشتمام فوجد الريح من غير قصدٍ لم يُمنع من ذلك، كما لو سمع الباطل من غير أن يقصد سماعه، أو رأى المحرَّم من غير أن يقصد الرؤية، أو مسَّ حكيمٌ (٦) امرأةً من غير أن يقصد مسَّها، وغير ذلك من إدراكات الحواسّ بدون العمد والقصد، فإنه لا

стр. 2735

يحرم (١). فإن علم أنه يجد ريح الطيب ولم يقصد الشمّ فهل له أن يقعد أو يذهب؟ ... (٢). وقال ابن حامد (٣): لا فدية في تعمُّد (٤) الشمّ، ولا في القعود عند العطّارين، أو عند الكعبة وهي تُطيَّب؛ لأنه لا يسمّى بذلك متطيبًا. وقال ابن عقيل: الرائحة ... (٥). وليس له أن يستصحب ما يجد ريحه لتجارة ولا غيرها وإن لم يقصد شمَّه على المنصوص، سواء كان في أَعْداله (٦) أو محمله ونحو ذلك، بل إن كان معه شيء من ذلك فعليه أن يستره بحيث لا يجد ريحه، فإن استصحبه ووجد ريحه من غير قصد فهل عليه كفارة؟ ... (٧). فأما ما لا يُقصد شمُّه كالعود إذا شمَّه أو قلبَه ونحو ذلك، فلا شيء عليه عند أصحابنا. وينبغي إذا وجد الرائحة ... (٨).
следующие страницы →