← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

وقال ابن عقيل: إن كان الحائل يمنع وصول ريح الطيب إليه زال المنع وإيجاب الفدية عليه، بخلاف ما لو كان في الثوب الفوقاني، كما قلنا في النجاسة في الصلاة. وهذا أشبه بظاهر المذهب؛ لأن اشتمام الطيب عندنا كاستعماله، فإذا كان رائحة الطيب تصل إليه وجبت الفدية. وإن كان الطيب في حواشي الفراش وليس تحته، فإن كان يشمُّ الرائحة ... (١). ولا فرق بين الثوب المصبوغ بالطيب والمضمَّخ به والمبخَّر به، فإن النبي ﷺ قال: «ولا ثوبًا مسَّه ورسٌ أو زعفران». وفي لفظ: «ولا ثوبًا مصبوغًا بورسٍ أو زعفران». ولأن المصبوغ والمبخَّر يكون لهما ريح كالمضمَّخ. فإن ذهبت رائحة المصبوغ بالزعفران ونحوه وبقي لون الصبغ، فقال أصحابنا: إذا انقطعت رائحته ولم يبق إلا لونه فلا بأسَ به إذا علم أن الرائحة قد ذهبت، ولا بالتضمُّخ (٢) بطيب ذهبت رائحته وبقي لونه، كماء الورد المنقطع، والمسك الذي استحال. وسواء كان انقطاع الريح لتقادم عهده، أو لكونه قد صُبغ بشراب أو سِدْر أو إذْخِرٍ ونحو ذلك مما يقطع الرائحة، فأما إن انقطعت الرائحة ليُبْسِه فإذا رُشَّ الماءُ (٣) أو ترطَّب فاح منه ريح (٤)

стр. 2732

الطيب، فإنه طيب تلزم الفدية به، يابسًا كان أو رطْبًا، وكذلك الثوب الذي قد انقطعت رائحته. فأما المصبوغ بماء الفواكه التي يُشَمُّ ريحها فلا بأس به، لأنه لا يُمنع من شمِّ أصله، هذا الذي ذكره القاضي. وذكر ابن عقيل أن المصبوغ بماء الفواكه والرياحين كماء الريحان واللُّفَّاح (١) والنَّرجِس والبنفْسَج لا يُمنع منه، قال: ويحتمل عندي أن يفرق بين ورده ومائه، كما قلنا في ماء الورد. ولو نزع ثوبه الذي فيه طيب قد لبسه قبل الإحرام [ق ٢٤٨] ثم أعاده فقد ابتدأ لبس المطيَّب. فأما إن استصحب لبس الثوب المطيَّب فقال أصحابنا: يجوز، وظاهر الحديث المنع، فإن ... (٢). فصل وإذا مسَّ بيده (٣) من الطيب ما يَعْلَق لرطوبته كالغالية، والمسك المبلول، وماء الورد، أو لنعومته كسحيق المسك والكافور، أو لرطوبة يده ونحو ذلك، فهو حرام وعليه الفدية. وإن أمسك (٤) ما لا يعلَق باليد كأقطاع الكافور والعنبر والمسك غير السَّحيق (٥) والورد ونحو ذلك، فقال أصحابنا: لا فدية عليه بمجرد ذلك إلا

стр. 2733

أن يشُمَّه، ولو وضع يده عليه يعتقده يابسًا لا يعلَق بيده، فعلِقَ بيده منه شيء، فقالوا: لا فدية عليه؛ لأنه لم يقصد إلى استعمال الطيب. وينبغي أن يُخرَّج هذا على ما إذا تطيَّب جاهلًا أو ناسيًا، فأما ما تعلَّق به من غير اختياره ... (١). فصل ولا يجوز أن يأكل ما فيه طيب ... (٢). فصل فأما اشتمام الطيب من غير أن يتصل ببدنه ولا بثوبه؛ إما بأن يُقرَّب إليه حتى يجد ريحه، أو يتقرَّب هو إلى موضعه حتى يجد ريحه، فلا يجوز في ظاهر المذهب المنصوص، وفيه الفدية. قال في رواية أحمد بن نصر [وابن] القاسم (٣) في المحرم يشمُّ الطيب: عليه الكفارة. وقال أيضًا في رواية ابن القاسم (٤) في الرجل يحمل معه الطيب وهو محرم: كيف يجوز هذا؟! وعطاء يقول: إن تعمَّد شمَّه فعليه الفدية (٥)، قيل له: يحمله للتجارة؟ فقال: لا يصلح إلا أن يكون مما لا ريحَ له.

стр. 2734

وقال في رواية حرب (١): أما الطيب فلا يقربه، والريحان ليس هو مثل الطيب. وهذا لأن المقصود من التطيُّب وجود رائحة الطيب، فإذا تعمّد الشمّ فقد أتى بمقصود المحظور، بل اشتمامه للطيب أبلغ في الاستمتاع والترفُّه من حمل طيبٍ لا يجد ريحه، بأن يكون ميتًا أو نائمًا أو أخشمَ (٢). ولأن الصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا في شمّ المُحرِم الريحان، فمن جعله طيبًا منعه، ومن لم يجعله طيبًا لم يمنعه (٣). ولولا أن الشمّ المجرَّد يحرم امتنعت هذه المسألة؛ لأن الرياحين لا يُتطيَّب بها، فعلى هذا إن تعمّد شمَّ المسك والعنبر ونحوهما (٤) من غير مسّ فعليه الكفارة، وإن جلس عند العطّارين قصدًا لشمِّ طيبهم، أو دخل الكعبة وقت تخليقها وتجميرها (٥) ليشمَّ طيبها، لزمته الكفارة، وإن ذهب لغير اشتمام فوجد الريح من غير قصدٍ لم يُمنع من ذلك، كما لو سمع الباطل من غير أن يقصد سماعه، أو رأى المحرَّم من غير أن يقصد الرؤية، أو مسَّ حكيمٌ (٦) امرأةً من غير أن يقصد مسَّها، وغير ذلك من إدراكات الحواسّ بدون العمد والقصد، فإنه لا

стр. 2735

يحرم (١). فإن علم أنه يجد ريح الطيب ولم يقصد الشمّ فهل له أن يقعد أو يذهب؟ ... (٢). وقال ابن حامد (٣): لا فدية في تعمُّد (٤) الشمّ، ولا في القعود عند العطّارين، أو عند الكعبة وهي تُطيَّب؛ لأنه لا يسمّى بذلك متطيبًا. وقال ابن عقيل: الرائحة ... (٥). وليس له أن يستصحب ما يجد ريحه لتجارة ولا غيرها وإن لم يقصد شمَّه على المنصوص، سواء كان في أَعْداله (٦) أو محمله ونحو ذلك، بل إن كان معه شيء من ذلك فعليه أن يستره بحيث لا يجد ريحه، فإن استصحبه ووجد ريحه من غير قصد فهل عليه كفارة؟ ... (٧). فأما ما لا يُقصد شمُّه كالعود إذا شمَّه أو قلبَه ونحو ذلك، فلا شيء عليه عند أصحابنا. وينبغي إذا وجد الرائحة ... (٨).

стр. 2736

فصل وأما النباتات التي لها رائحة طيبة ولا يُتطيب بها فقسمها أصحابنا قسمين: أحدهما: ما يُقصد طعمه دون ريحه بحيث يزدرِعُه (١) الناس لغير الريح، كالفواكه التي لها رائحة طيبة مثل: الأُترجّ، والتفّاح، والسَّفَرجل، والخُوخ، والبطّيخ ونحو ذلك، فهذا لا بأس بشمّه ولا فدية فيه. وفيه نظر، فإن كلاهما مقصود. وكذلك ما نبت بنفسه مما له رائحة طيبة، وهي أنبتة البرِّية مثل: الشِّيح (٢) والقَيصوم (٣) والإذْخِر والعَبَوثران (٤) ونحو ذلك، فهذا لا بأس بشمّه فيما ذكره أصحابنا. والثاني: ما استُنْبِت (٥) لذلك وهو الريحان، ففيه عن أحمد روايتان: إحداهما: أنه لا بأس به؛ قال في رواية جعفر بن محمد (٦): المحرم يشمُّ الريحان ليس هو من الطيب، ورخّص فيه. وكذلك نقل ابن منصور (٧)

стр. 2737

عنه في المحرم: يشمّ الريحان وينظر في المرآة. وهذا اختيار القاضي (١) وأصحابه. قال ابن أبي موسى (٢): وله أن يأكل الأُترُجَّ والتفّاح والموز والبطّيخ وما في معنى ذلك. ولم يتعرض لشمّه، قال: ولا بأس بنبات الأرض مما لا يُتخَذ طيبًا. والثانية: المنع منه. قال في رواية أبي طالب والأثرم (٣): لا يشُمُّ المحرم الريحان، كرهه ابن عمر (٤)، ليس [ق ٢٤٩] هو من آلة المحرم. وعلى هذه الرواية هو حرام، فيه الفدية عند كثير من أصحابنا. قال ابن أبي موسى (٥): لا يشمُّ الريحان في إحدى الروايتين؛ لأنه من الطيب، وإن فعل افتدى. قال القاضي (٦): ويحتمل أن يكون المذهب رواية واحدة لا كفارة عليه، ويكون قوله: «ليس من آلة المحرم» على طريق الكراهة. وقد نصّ أحمد على أنه مكروه في رواية حرب (٧) قال: قلت لأحمد:

стр. 2738

فالمحرم يشمُّ الريحان؟ قال: يتوقَّاه أحبُّ إليّ، قلت: فالطيب؟ قال: أما الطيب فلا يقربه، والريحان ليس مثل الطيب، قلت: فيشرب دواء؟ قال: لا بأس إذا لم يكن فيه طيب. وذلك لأنه ذو رائحة طيبة يتخذ لها، فحرم شمُّه كالمسك وغيره، بل أولى، لأن المسك ونحوه يُتطيَّب به بجعله في البدن والثوب، وأما هذا فإنما منفعته شمُّه مع انفصاله، إذ لا يعلَقُ بالبدن والثوب، وفيه من الاستمتاع والترفُّه ما قد يزيد على شمِّ الزعفران والورس. ولأن الورس والزعفران من جملة النبات (١) وإن تُطيِّب بها، وقد جعلها النبي ﷺ طيبًا، فألحقت سائر النباتات به. وقد روى الشافعي (٢) عن جابر أنه سئل: أيشمُّ المحرم الريحان والدهن والطيب؟ فقال: لا. وروى الأثرم عن عمر (٣): أنه كان يكره شمَّ الريحان للمحرم. ووجه الأول: أنه لا يُتطيَّب به، فلم يُكرَه شمُّه كالفاكهة والنبات البرّي، وذلك لأنه لو كان نفس اشتمام الريح مكروهًا لم يفرق بين ما يُنبِته الله أو يُنبِته الآدميون، ولا بين ما يُقصد به الريح والطعم أو يُقصد به الريح فقط.

стр. 2739

فعلى هذا لا فرق بين ما يُتخذ منه الطيب: كالورد والبنفسج (١) والنيلوفر (٢) والياسمين (٣) والخِيْري (٤) وهو المنثور، وما لا يُتخذ منه الطيب: كالريحان الفارسي وهو الأخضر والنمّام (٥) والبَرَم (٦) والنَّرجِس (٧) والمَرْزَنْجُوش (٨). هذه طريقة ابن حامد والقاضي في «خلافه» (٩) وأصحابه مثل الشريف وأبي الخطاب وابن عقيل وغيرهم؛ لعموم كلام أحمد. وقال القاضي في «المجرد» وغيره: ما يتخذه منه مما يُستنبت للطيب

стр. 2740

كالورد والبنفسج والياسمين فإنه يتخذ منه الزَّنْبقَ (١)، والخِيْري وهو المنثور، والنيلوفر، فهو طيب كالورس والزعفران والكافور والعنبر، فإنه يقال: هو ثمر شجري، فإذا شمَّ الورد أو دهنَه أو ما خالطه وكان ظاهرًا فيه ففيه الفدية. وأما ما يُستنبت للطيب ولا يُتَّخذ منه الطيب كالريحان الفارسي والنرجس والمرزنجوش، ففيه الروايتان المتقدم ذكرهما؛ وذلك لأنه إذا اتخذ منه الطيب فهو ذو رائحة طيبة يتطيب، فيكون طيبًا كغيره؛ لأن كونه نباتًا لا يُخرجه عن أن يكون طيبًا بدليل الورس والزعفران. ومن قال بالطريقة الأولى قال: هذا لا يُتطيَّب بنفسه، وإنما يُتطيَّب بما يؤخذ منه، بخلاف الزعفران ونحوه. ولا يلزم من كون فرعه طِيبًا أن يكون هو طِيبًا. فصل فأما الثياب المصبوغة بغير طيب؛ فلا يُكره منها في الإحرام إلا ما يُكره في الحلّ ، لكن المستحبّ في الإحرام لبس البياض. قال في رواية حنبل (٢): لا بأس أن يلبس المحرم الثوب المصبوغ ما لم يمسَّه ورسٌ ولا زعفران؛ وإن كان غير ذلك فلا بأس، ولا بأس أن تلبس المحرمة الحُليَّ والمعصفر. وقال في رواية الفضل بن زياد (٣): لا بأس أن تلبس المرأة الحُليَّ والمعصفر من الثياب، ولا تلبس ما مسَّه ورسٌ ولا زعفران.

стр. 2741

وقال في رواية صالح (١): وتلبس المرأة المعصفر، ولا تلبس ما فيه الورس والزعفران. وقال حرب: قلت لأحمد: المحرم يلبس الثوب المصبوغ؟ قال: إذا كان شهرة فلا يعجبني. وقد أطلق كثير من أصحابنا أن للمحرم أن يلبس المعصفر، يريدون به المرأة كما ذكره أحمد، خصُّوه بالذكر لأجل الخلاف، ليبيِّنوا (٢) أن الإحرام لا يمنع منه، وقيَّده آخرون بالمرأة على المنصوص، وهو أجود عبارة. قال ابن أبي موسى (٣): وللمرأة أن تلبس الحُليَّ والمعصفر والمخيط من الثياب، ولا تلبس القُفَّازين، ولا ثوبًا مسَّه ورسٌ ولا زعفران ولا طِيْب. فأما الرجل فإنه يُكره له المعصفر في الإحرام والإحلال، كما نصَّ عليه أحمد في غير موضع، وقد تقدَّم هذا. وقد زعم بعض أصحابنا أنه لا يُكرَه للرجال ولا للنساء، وحمل حديث علي (٤) على الخصوص به، وهذا هو الذي ذكره القاضي في «خلافه» (٥) في هذا الموضع وطائفة معه.

стр. 2742

وهو خلاف المنصوص، وخلاف ما ذكره في غير هذا الموضع، وهو غلط على المذهب؛ وذلك لأن في حديث ابن عمر أنه سمع النبي ﷺ ينهى النساء في إحرامهن عن القُفَّازينِ والنقاب وما مسَّ الورس والزعفران من الثياب، ولْتلبَسْ بعد ذلك ما شاءت من ألوان الثياب من معصفر، أو خزٍّ، أو حُليٍّ، أو سراويل، أو قميص، أو خفّ. رواه أبو داود وتَكلَّم على هذه الزيادة (١). فإن كانت مرفوعة فقد ثبتَ (٢) بها الحجة، وإن كانت موقوفةً على ابن عمر فقد فهم من كلام النبي ﷺ [ق ٢٥٠] إباحة ما سوى المورَّس والمزعْفَر؛ وذلك لأن النبي ﷺ لما سئل عما يلبس المحرم من الثياب، فذكر الأصناف الخمسة، وذكر من المصبوغ ما مسَّه ورسٌ أو زعفران= حصر المحرَّم، لأن المباح لا ينحصر، فعُلِم أن ما سوى ذلك مباح. وعن كثير بن جُمْهان (٣) قال: كان على ابن عمر ثوبين مصبوغين (٤)، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن تنهى الناس عن الثياب المصبَّغة وتلبسها؟ قال: ويحك إنما هو بمَدَرٍ. رواه سعيد (٥).

стр. 2743

وروى أحمد في مسائل حنبل (١) بإسناد صحيح عن عائشة بنت سعد قالت: كنَّ أزواج النبي ﷺ يُحرِمن في المعصفرات. وعن القاسم بن محمد أنه رأى عائشة تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة. رواه الليث عن يحيى بن سعيد عن القاسم (٢). وعن عطاء قال: رأيت على عائشة أم المؤمنين دِرْعًا مُوَرَّدًا وهي محرمة (٣). وعن القاسم قال: كانت عائشة تلبس المعصفر وهي محرمة (٤). وعن عَبْدة بن أبي لُبابة عن عائشة أنها سئلت: ما تلبس المحرمة؟ فقالت: من خزِّها وقزِّها وحريرها (٥) وعُصْفرها (٦). رواهن سعيد.

стр. 2744

وعن عروة أن أسماء ابنة أبي بكر كانت تلبس الثياب المصبَّغة المُشْبَعاتِ بالعُصْفر ليس فيها زعفران وهي محرمة (١). وعن نافع قال: كنّ نساء ابن عمر وبناته يلبسن الحُليَّ والمعصفرات وهنّ محرمات، لا ينكر ذلك عبد الله. رواه أبو بكر (٢). ولأن المعصفر ليس بطيب؛ لأنه إنما يقصد به لونه لا ريحه؛ لأن رائحته غير مستلَذَّة. ولأنه ليس طِيبًا إذا انفرد، فلا يكون طِيبًا إذا صُبِغ به، وعكسه الزعفران والورس. ولأنه صِبْغ من الأصباغ لا يُقصد ريحه فلم يُكره، كالكُحلي (٣) وغيره من الأصباغ. وقد احتج من لم يكرهه للرجال: ما (٤) روى الشعبي قال: أحرم عَقيل بن أبي طالب في مُورَّدَينِ، فقال له عمر: خالفت الناس، فقال علي لعمر: دَعْنا عنك (٥)، فإنه ليس لأحدٍ يُعلِمنا (٦) بالسنة، فقال له عمر:

стр. 2745

صدقتَ (١). وعن أبي جعفر محمد بن علي قال: أبصر عمر بن الخطاب على عبد الله بن جعفر ثوبين مُضرَّجينِ ــ يعني مُورَّدينِ ــ وهو محرم، فقال: ما هذا؟ فقال علي: ما إخالُ أحدًا يُعلِمنا بالسنة (٢). وعن أبي هريرة أن عثمان بن عفان ﵁ خرج حاجًّا ومعه عليٌّ، وجاء محمد بن جعفر وقد كان دخل بأهله في تلك الليلة فلحقهم بِمَلَلٍ (٣)، فجاء وعليه معصفرة، فلما رآه عثمان انتهره وأفَّف به، وقال: أما علمتَ أن رسول الله ﷺ نهى عن المعصفر؟ فقال له علي: إنه لم ينهه ولا إيَّاك، إنما نهاني». رواه (٤) النجَّاد (٥).

стр. 2746

وعن أبي الزبير قال: كنت مع ابن عمر، فأتاه رجل عليه ثوبان معصفران وهو محرم، فقال: في هذينِ عليَّ بأس؟ قال: فيهما طيب؟ قال: لا، قال: لا بأس. وعن أبي الزبير عن جابر قال: إذا لم يكن في الثوب المعصفر طيبٌ فلا بأس به للمحرم أن يلبسه. رواهما النجّاد (١). وهذا يُحمل على غير المُشْبَع بحيث يكون رقيق الحمرة، فإن المكروه منه المُشْبَع، وإلّا فقد تقدّمت سنة رسول الله ﷺ في نهي الرجال عن المعصفر، وهي تقضي على كل أحد. فإن قيل: فقد روى أسلم أن عمر بن الخطاب رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبًا مصبوغًا وهو محرم، فقال عمر: ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟ قال طلحة: يا أمير المؤمنين، إنما هو مَدَرٌ، فقال عمر ﵁: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس، ولو أن رجلًا جاهلًا رأى هذا الثوب لقال: إن طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب المصبَّغة في الإحرام، فلا تلبسوا أيها الرهط شيئًا من الثياب المصبَّغة. رواه مالك وغيره (٢). وفي رواية لسعيد (٣): أنه أبصر على طلحة ثوبين مصبوغين بمِشْقٍ (٤) وهو محرم.

стр. 2747

وفي رواية للنجّاد (١): إنكم أئمة يُنظر إليكم، فعليكم بهذا البياض، ويراكم الرجل فيقول رأيت على رجل من أصحاب النبي ﷺ ثوبين مصبوغين. فقد (٢) حمله بعض أصحابنا على أنه خاف اقتداء الجاهل به في لبس المصبوغات مطلقًا من غير فرقٍ بين المطيَّب وغيره، فعلى هذا يُكره ... (٣). وقد أطلق أحمد لُبس المصبوغ في رواية، وكرهه في رواية إذا كان شهرة، وهذا يحتمل أن يشتهر فيقتدي به الجاهل أو تمتدَّ إليه الأبصار خصوصًا في الإحرام؛ فإن عامة الناس عليهم البياض، فعلى هذا يكره ما كان زينة إذا ظهر ... (٤). وعلى ذلك يُحمل ما روى الأسود عن عائشة قالت: تلبس المحرمة ما شاءت إلا [ق ٢٥١] البرقع والمثْرود (٥) بالعُصْفر. رواه سعيد بإسناد صحيح (٦). وعن إبراهيم عنها أنها قالت: يُكره الثوب المصبوغ بالزعفران، والمُشْبعة بالعصفر للرجال والنساء، إلا أن يكون ثوبًا غسيلًا. رواه النجّاد (٧).

стр. 2748

فهذا محمول على ما إذا ظهرت ... (١). فأما الحليُّ والحرير ونحو ذلك فلا بأس به للمحرمة، نصَّ عليه كما تقدّم. وعنه ما يدلُّ على الكراهة، قال في رواية محمد بن [أبي] حرب الجَرْجَرائي (٢) وقد سئل عن الخضاب للمحرم، قال: ليس بمنزلة طِيْب، ولكنه زينة، وقد كره الزينةَ عطاء للمحرم. فقد أخذ بقول عطاء، والمنقول عن عطاء أنه كان يكره للمحرمة الزينة كلها الحُليَّ وغيره. رواه سعيد عن أبي معاوية (٣) عن ابن جريج عنه (٤). ورُوِي عنه أيضًا: أنه كان يُكْرَه للمحرمة الثوبُ المصبوغ بالعُصْفر (٥)، أو ثوبٌ (٦) مسَّه زعفران أو شيء من الطيب، رواه سعيد أيضًا. فصل وأما الزينة في البدن مثل الكحل والخضاب ونحوهما، فقال أحمد في رواية العباس بن محمد (٧): ويكتحل بالإثمد المُحرِم ما لم يُرِد به الزينة،

стр. 2749

قلت: الرجال والنساء؟ قال: نعم. وقال في رواية إسحاق بن منصور (١): ولا تكتحل (٢) المرأة بالسواد إلا بالذَّرور (٣). وقال في رواية محمد بن أبي حرب (٤) وقد سئل عن الخضاب للمحرم فقال: ليس بمنزلة الطيب، ولكنه زينة وقد كره الزينة عطاء للمحرم. وقال في رواية الميموني (٥): الحِنَّاء مثل الزينة، ومن يرخِّص في الريحان يرخِّص فيه. وقال في رواية حنبل وسئل عن المحرم يخضب رِجْله بالحنّاء إذا تشقَّقت، فقال: الحنّاء من الزينة، ومن يرخِّص في الريحان يرخِّص في الحنّاء. قال أصحابنا: تُكره الزينة للمحرم، وتُمنَع المحرمة من الزينة، ولا فدية في الزينة. ويحتمل كلام أحمد أنه لا يكره الزينة؛ لأنه رخَّص في الحليِّ، ولم يجزم بالكراهة وإنما نقله عن عطاء؛ لأن الزينة من دواعي النكاح فكره للمحرم كالطيب، ولأن المعتدَّة لما مُنِعت من النكاح مُنِعت من الطيب

стр. 2750

والزينة، والمحرمة تُشبِهها في المنع من عقد النكاح، فكذلك في توابعه من الزينة والطيب. بخلاف الصائمة والمعتكفة، فإنها لا تُمنَع من عقد النكاح وإنما تُمنع من الوطء. ولأن زمان الإحرام يطول كزمان العدة، فالداعي إلى النكاح في المدة الطويلة وسيلة إليه في وقت النهي، بخلاف ما قصر زمانه، فإنه (١) قد يستغنى بوقت الحلّ عن وقت الحظْر. وقال ابن أبي موسى (٢): على المحرم أن يجتنب النساء والطيب والكحل المطيَّب، والدواء الذي فيه طيب رَطْبًا كان أو يابسًا. ثم قال (٣) فيما للمرأة وما تُمنَع منه: وليس لها أن تكتحل بما فيه طيب، وما لا طيب فيه. ففرق في الكحل الساذَج بين الرجل والمرأة، لكن المعتدّة أشدّ من حيث تُمنع من الخروج من منزلها، فكانت أشدَّ من المحرمة. ولا فدية في الزينة؛ لأن المتزين لا يستمتع بذلك وإنما يستمتع به غيره منه، فأشبه ما لو طيَّب (٤) الميتَ، فإنه لا فدية عليه بذلك. ف أما الكحل إذا كان فيه طيب فإنه لا يجوز إلا لضرورة ، فيكتحل به ويفتدي. وإن لم يكن فيه طيب ولم يكن فيه زينة فلا بأس به، وإن كان فيه زينة مثل الكحل الأسود ونحوه، كُرِه له ذلك إذا قصد به الاكتحال للزينة لا

стр. 2751

للمنفعة والتداوي، ولا فدية فيه عند أصحابنا. وإن قصد به المنفعة وكانت به ضرورة إليه، مثل أن يخاف الرمَدَ أو يكون أرمدَ أو نحو ذلك، ولم يقم غيره مقامه= جاز. قال عبد الله (١): سمعت أبي يقول: ويغسل المحرم ثيابه، ويدخل الحمَّام، ويتداوى بالأكحال كلها ما لم يكن كحل فيه طيب. وأما إن قام غيره مقامه، أو لم يكن ضرورة ولكن فيه منفعة، جاز على ما ذكره في رواية العباس بن محمد، لأنه قال (٢): يكتحل المحرم بالإثمد ما لم يُرِد به الزينة، الرجال والنساء. وكذلك على رواية عبد الله جوّز له التداوي بكل كحل لا طيب فيه، ولم يفصل بين أن يقوم غيره مقامه أو لا يقوم. وأما على رواية ابن منصور (٣): لا تكتحل المرأة بالسواد إلا بالذَّرور. فيكره إذا كان فيه زينة، وإن لم يقصد به الزينة إذا لم تدعُ إليه ضرورة (٤). وقد خصّ المرأة بالذكر؛ وذلك لما روى نُبيه بن وهب أن عمر بن عبيد الله بن معمر اشتكى عينَه وهو محرم، فأراد أن يكحَلَها، فنهاه أبان بن عثمان، وأمره أن يُضَمِّدها بالصَّبِر، وحدّثه عن عثمان عن النبي ﷺ أنه كان يفعله. وفي رواية: فأرسل إليه أن اضْمِدْهما بالصَّبِر، فإن عثمان حدّث عن رسول الله في الرجل إذا اشتكى عينيه وهو محرم ضَمَّدَهما بالصَّبِر. رواه مسلم (٥).

стр. 2752

فقد رخّص له بالتضميد بالصَّبِر مع الشَّكاة، [ق ٢٥٢] فعُلِم أنه لا يكتحل بما فيه زينة أو طيب إذا وجد عنه مندوحة، وإن لم يقصد التزين، وإن كان (١). وعن عطاء قال: تكتحل المحرمة بكلّ كحلٍ إلا كُحلًا فيه طيب أو سواد، فإنه زينة (٢). وعن مجاهد قال: لا تكتحل المحرمة بالإثمد، قيل له: ليس فيه طيب. قال: لا فإنه زينة (٣). وعن إبراهيم قال: لا بأس أن تكتحل المحرمة بالكحل الأحمر والذَّرور (٤). وعن سعيد بن المسيب قال: يكتحل المحرم بالصَّبِر (٥). رواهنّ أحمد. ووجه الأول: ما روى نافع عن ابن عمر أنه اشتكى فأَقْطَر الصَّبِرَ في عينه وهو محرم (٦). وعنه قال: يكتحل المحرم بأي كحلٍ شاء ما لم يكن كحل فيه طيب (٧).

стр. 2753

رواهما أحمد. وفي رواية: أنه كان إذا رمد وهو محرم أقطر في عينيه الصبر إقطارًا، وأنه قال: يكتحل المحرم بأيّ كحلٍ إذا رمد ما لم يكتحل بطيب ومن غير رمدٍ. رواه الشافعي (١). فأما الطيب فلا يجوز إلا لضرورة، وعليه يُحمل ما روى أحمد (٢) عن ابن عباس أنه اكتحل بكحلٍ فيه طيب وهو محرم. وعليه الفدية. وأما الخضاب بغير الحنّاء، مثل الوَسْمَة (٣) والسواد والنِّيل (٤) ونحو ذلك مما ليس بطيب فهو زينة محضة. وإن كان من الطيب مثل الزعفران والوَرْس ونحو ذلك لم يجز. وأما بالحنّاء فقد نصّ أحمد (٥) على أنه ليس بطيب ولكنه زينة، وقال أيضًا (٦): هو مثل الزينة. وعلى هذا أصحابنا، قالوا: لأنه إنما يُقصد لونه دون رائحته، فأشبه الوسمةَ ونحوها، وشبَّهوه بالعُصْفر وبالفواكه في أن المقصود به غير الرائحة من طعم أو لون.

стр. 2754

وقول أحمد (١): «من يرخّص في الريحان يرخّص في الحنّاء» دليل على أنه عنده بمنزلة الريحان في كونه نباتًا له رائحة طيبة، ولا يتخذ للتطيُّب. فعلى هذا إذا منعنا من الريحان منعنا من الحنّاء. ويتوجه أن لا يُكْره بحالٍ؛ لأن أحمد قال: «من رخّص في الريحان رخّص فيه»، ولم يقل: من منع من الريحان منع منه (٢)؛ لأنه أولى بالرخصة من الريحان، إذ الريحان يُقصد شمُّه، والحنّاء لا يُقصد شمُّه، فلا يلزم من كراهة الريحان كراهته، كما لم يكره المعصفر، فإذا كان زينةً كُرِه لغير حاجة، كما ذكره في رواية ابن أبي حرب، وعلى ذلك أصحابنا. ويحتمل قوله الرخصةَ مطلقًا؛ لأنه قال: «ومن يرخِّص في الريحان يرخّص فيه»، والريحان على إحدى الروايتين لا كراهة فيه؛ ولأنه إنما نقل الكراهة عن عطاء (٣). فأما لحاجة فلا يكره، كما قال في رواية حنبل، وعلى ذلك يحمل ما روي عن عكرمة أن عائشة وأزواج النبي ﷺ كن يختضبن وهنّ حُرُم. رواه ابن المنذر (٤).

стр. 2755

قال أصحابنا (١): وإذا اختضبتْ ولفَّتْ على يديها لفائفَ وشدَّتْها افتدت، كما لو لبست القُفَّازين، وكذلك كل خرقة تلفُّها على يديها وتشدُّها؛ لأن شدَّها يجعلها بمنزلة القفّازين في كونه شيئًا مصنوعًا لليد، وكذلك الرَّجُل. وإن لفَّتها من غير شدٍّ لم تفتدِ؛ لأنه بمنزلة ما لو وضعت يدها في كمِّها، وكالعمامة التي يلفُّها الرجل على بطنه. فإن غرزت طرف اللفافة في لفّة تحتها ... (٢). وأما النظر في المرآة، فقال أحمد (٣): ينظر المحرم في المرآة ولا يُصلِح شيئا. قال أصحابنا: ينظر في المرآة ولا يُصلِح شعثًا ولا يزيل غبارًا، ولفظ بعضهم: «ينظر إلا للزينة»؛ لما روى أحمد (٤) عن عكرمة عن ابن عباس قال: لا بأس أن ينظر المحرم في المرآة. وعن نافع قال: رأيت ابن عمر ينظر في المرآة وهو محرم (٥). وعن كثير بن عباس وتمَّام بن عباس وكُريب مولى ابن عباس: أنهم كانوا ينظرون في المرآة وهم محرمون (٦).

стр. 2756

وعن الحسن وابن سيرين وعطاء وطاوس وعكرمة أنه لا بأس بذلك (١)، إلا أن عطاء قال: لا بأس أن ينظر المحرم في المرآة لِيُمِيطَ بها الأذى، فأما الزينة فلا (٢). وروى مالك (٣) عن ابن عمر أنه نظر في المرآة من شكوى كان بعينيه (٤) وهو محرم. وإنما قلنا: «لا يُزِيل شَعثًا ولا ينفُض غبارًا»؛ لأن المحرم الأشعثُ الأغبر. فصل وأما النظافة فللمحرم أن يغسل رأسه وبدنه وثيابه، وأن يبدّل ثياب الإحرام ويبيعها، وإن كان في ذلك إزالة وسخه وإزالة القَمْل الذي كان بثيابه، وإن أفضى اغتساله إلى قتل القَمْل الذي برأسه، حتى له أن يدخل الحمَّام ما لم يُفْضِ ذلك إلى قطع شعر. قال أحمد في رواية عبد الله (٥): ويغسل المحرم ثيابه ويدخل الحمّام،

стр. 2757

ويتداوى بالأكحال كلِّها ما لم يكن كحلٌ فيه طيب. وقال في رواية حنبل (١): المحرم يدخل الحمّام وليس عليه كفارة، ولا بأس أن يغسل المحرم رأسه وثوبه. وقال حرب: قلت لأحمد يبيع المحرم الثوب الذي أحرم فيه ويشتري غيره؟ قال: نعم لا بأس به. وقال عبد الله (٢) أيضًا: سألت أبي عن المحرم يدخل الحمّام؟ فقال: نعم ولا يمرُّ بيده الشعر مرًّا (٣) شديدًا، [ق ٢٥٣] قليل قليل. ولا بأس بالحجامة للمحرم ما لم يقطع شعرًا، ولا بأس بالكساء إذا أصابه البرد، ولا يتفلَّى المحرم ولا يقتل القَمْل، ويحكُّ رأسه وجسده حكًّا رفيقًا، ولا يقتل قَمْله، ولا يقطع شعره ولا يدهنه. وقال في رواية محمد بن أبي حرب (٤): وسئل عن المحرم يغسل بدنه بالمَحْلَب (٥)، فكرهه وكره الأُشْنان. وذلك لما روى عبد الله بن حُنين عن عبد الله بن عباس والمِسْور بن

стр. 2758

مَخْرمة أنهما اختلفا بالأبواء، فقال عبد الله بن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور بن مخرمة: لا يغسل المحرم رأسه، فأرسلني عبد الله إلى أبي أيوب الأنصاري أسأله عن ذلك فوجدته، يغتسل بين القَرْنين (١) وهو يستتر بثوب، قال: فسلَّمتُ عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين، أرسلني إليك عبد الله بن عباس أسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسان يصبُّ، فصبَّ على رأسه، ثم حرَّك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، ثم قال: هكذا رأيته ﷺ يفعل. متفق عليه (٢)، لفظ مسلم. وفي لفظ له: «فأمرَّ أبو أيوب بيديه على رأسه جميعًا على جميع رأسه، فأقبل بهما وأدبر، فقال المِسْور لابن عباس: لا أُمارِيك أبدًا. وعن يعلى بن عطاء (٣) قال: قال عمر بن الخطاب: أصبُّ الماء على رأسي وأنا محرم؟ فقلت: أنت أعلم يا أمير المؤمنين. قال: صُبَّ فإنه لا يزيده إلا شَعَثًا، صُبَّ بسم الله (٤). وعن محمد بن علي بن أبي طالب كان يقول للمحرم: اغسلْ رأسك

стр. 2759

فهو أشعثُ لك (١). وعن ابن عمر أنه سئل عن المحرم يغتسل؟ فقال: لقد ابتردتُ ــ يعني اغتسلتُ ــ منذ أحرمتُ سبع مرات (١). وفي رواية أخرى: «لقد ابتردتُ منذ أحرمت أربع عشرة مرة» (١). وعن مجاهد أن ابن عمر كان لا يرى بأسًا أن يغتسل المحرم أو يغسل ثيابه (٢). وعن ابن عباس قال: ربما قال لي عمر بن الخطاب ونحن محرمون (٣) بالجُحْفة: تعالَ أُباقيك (٤) أيُّنا أطول نَفَسًا (٥). وفي رواية: ربما رامَسْتُ (٦) عمر بن الخطاب بالجحفة ونحن محرمون (٧). وعن عكرمة قال: دخل ابن عباس حمَّام الجحفة وهو محرم، وقال: ما

стр. 2760

يصنع الله بأوساخنا؟ (١). وعن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسًا أن يَشُمَّ المحرم الريحان وينظر في المرآة ويدخل الحمّام (٢). وعن عطاء بن السائب عن إبراهيم: كانوا يستحبُّون إذا أرادوا أن يحرموا أن يأخذوا من أظفارهم وشواربهم وأن يستحدُّوا، ثم يلبسوا أحسن ثيابهم، وكانوا يستحبون أن يدخلوا مكة نهارًا وأن يخرجوا منها ليلًا. فلقيتُ سعيد بن جبير فذكرت له قول إبراهيم، قال: قلت له: أطرحُ ثيابي التي فيها تَفَثي وقَمْلي؟ قال: نعم أبعدَ الله القَمْل (٣). رواهن سعيد في «سننه». فإن قيل: هذا فيه إزالة الوسخ والغبار وقتل القمل وقطع الشعر وتخمير الرأس في الماء. قيل: أما تخمير الرأس فإنه ليس المقصود التغطية، وإنما المقصود الاغتسال، فصار كما لو حمل على رأسه شيئًا. وأما قطع الشعر فإنما يجوز له من ذلك ما لا يقطع شعرًا. وأما إزالة الوسخ وقتل القَمْل فسنتكلم عليه. وهذا يقتضي أنه يُكره تعمُّدُ إزالة الوسخ وكذلك قتل القَمْل، فعلى هذا

стр. 2761

يحرِّك رأسه تحريكًا رفيقًا، كما فعل أبو أيوب ورواه عن النبي ﷺ ، سواء كان عليه جنابة أو لم يكن. وهو معنى قول أبي عبد الله: «ولا يمرُّ بيده على الشعر مرًّا شديدًا» يعني أن الخفيف ــ مثل أن يكون ببطون أصابعه ونحو ذلك ــ لا بأس به؛ وذلك خشية أن يقتل قَمْله، أو يزيل وسخًا، أو يقطع شعرًا. وقال في رواية المرُّوذي (١): «لا يغسل رأسه بالخِطْمي، ولكن يصبُّ على رأسه الماء صبًّا ولا يدلكه». فمنعه من الدلك مطلقًا. وكذلك ... (٢). وقال القاضي وابن عقيل وغيرهما من أصحابنا: إن لم يكن عليه جنابة صبَّ الماء على رأسه صبًّا ولم يحكَّه بيده، وإن كان عليه جنابة استحبَّ أن يغسله ببطون أنامله ويديه، ويزايل شعره مزايلةً رفيقةً، ويُسرِّب (٣) الماء إلى أصول شعره، ولا يحرِّكه بأظافيره، ويتوقّى أن يَفْتِل (٤) منه شيئًا، فإن حرَّكه تحريكًا خفيفًا أو شديدًا فخرج في يده منه شَعرٌ فالاحتياط أن يَفْدِيه، ولا يجب ذلك عليه حتى يتيقَّن أنه قطعه، وكذلك شَعر اللحية فالاحتياط أن يفديه، ولا يجب ذلك (٥) عليه حتى يتيقَّن أنه قطعه. قالوا: فأما بدنه فيدلكه دلكًا شديدًا إن شاء. فقد جوَّزوا له دَلْك البدن

стр. 2762

شديدًا وإن كان فيه إزالة الوسخ، بخلاف شعر الرأس، فإنه يخاف أن يقطع [ق ٢٥٤] الشعر. وإذا كان الغسل واجبًا فإنه لا بدَّ أن يوصل الماء إلى أصول الشعر، بخلاف المباح، فإنه لا حاجة به إلى ذلك. والصواب أن الغسل المستحبَّ للمحرم مثل دخول مكة، والوقوف بعرفة، ونحو ذلك= يستحبُّ فيه ذلك. فأما (١) المباح فإن ذلك جائز فيه، كما نصَّ عليه. وكلام ... (٢) يقتضي كراهته، أو أن تركه أفضل. والصواب: المنصوص. وأما دَلْك البدن بالماء، فإن كراهته للأُشنان والمَحْلَب في البدن دليل على أنه كره تعمُّدَ إزالة الوسخ. وقال في رواية عبد الله (٣): «يحكُّ رأسه وجسده حكًّا رفيقًا»؛ لأن الحكّ الشديد إن صادف شعرًا قطعه، وإن صادف قَمْلًا قتله، وإن صادف بَثْرةً (٤) جرحها، وإن كان مع الماء أو الغَرف أزال الوسخ. وعلى قول القاضي وابن عقيل: يحكُّ بدنه حكًّا شديدًا إن شاء؛ لأن الإدماء وإزالة الوسخ ليس بمكروه عندهم، وصرَّح القاضي (٥) بأن ما يزيل الوسخ من الماء والأُشنان ونحو ذلك لا فدية فيه، وجعله أصلًا لمسألة

стр. 2763

السِّدر والخِطْمي. وأما غسل الرأس بالخِطمي والسِّدْر، فالمنصوص عنه في رواية صالح (١): إذا غسل رأسه بالخطمي افتدى. وقال في رواية المرُّوذي (٢): ولا يغسل رأسه بالخطمي، ولكن يصبُّ على رأسه الماء صبًّا، ولا يدلكه. وقال في رواية ابن أبي حرب (٣) وسئل عن المحرم يغسل بدنه بالمَحْلَب، فكرهه وكره الأُشنان. وذكر القاضي (٤) وغيره رواية أخرى أنه لا فدية عليه بذلك، وأخذها من قوله في رواية حنبل (٥): «لا بأس أن يغسل المحرم رأسه وثوبه» فأطلق الغسل، ومن كونه قد قال في رواية أبي داود (٦): حديث ابن عباس «أن رجلا وقصَتْ به ناقته وهو محرم»، فيه خمس سُنن: كفِّنوه في ثوبيه، ولا تُخمِّروا رأسه، ولا تُمِسُّوه طيبًا، واغسِلُوه بماء وسدر، أي في الغسلات كلها. وكذلك ذكر في غير موضع تغسيل الميتِ المحرمِ بماء وسدر، مع أن حكم الإحرام باقٍ عليه بعد الموت، فعُلِم أنه ليس ممنوعًا منه في الحياة.

стр. 2764

والدليل على ذلك قول النبي ﷺ في المحرم الذي وقصَتْه دابتُه: «اغسلوه بماء وسدر» مع أنه قال: «لا تُخمِّروا رأسه ولا تقرِّبوه طيبًا، وإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا». فعُلِم الفرق بين الطيب والسدر. وعلى هذه الرواية فاغتساله بالسدر والخِطمي مكروه لما فيه من قطع الشعر وإزالة الشعث. ونصَّ أيضًا على أن المحرم الميت (١) لا يُغسَّل كما يغسَّل الحلال، بل يُصبُّ عليه الماء صبًّا، فعلم أن الدَّعْك والمَعْك (٢) لا يجوز للمحرم، وفرق بين غسل المحرم وغسل الحلال. والرواية الأولى أصرح عنه؛ لأن المحرم هو الأشعث الأغبر، والسدر والخِطْمي يزيل الشعث والغبار؛ ولأنه غالبًا يقطع الشعر، ويقتل الدود. وأما المحرم الميت فقد روي عن أحمد أنه بمنزلة الحي، فقال في رواية حنبل (٣) وقيل له كيف (٤) يغسَّل؟ قال: يُصبُّ عليه الماء، قال: لا يغسَّل كما يغسَّل الحلال. وقال أبو الحارث (٥): سألت أبا عبد الله عن المحرم إذا مات يغسَّل كما يغسل الحلال أو يغسَّل بالسدر والماء؟ قال: يغسل بالماء والسدر. حُدِّثنا

стр. 2765

[عن] ابن عباس عن النبي ﷺ : «اغسِلُوه بماء وسِدْر، ولا تُخمِّروا رأسه، ولا تُمِسُّوه طيبًا». قلت: فإذا غسل يدلك رأسه بالسدر؟ قال: ما أدري، كذا جاء الخبر يغسل بماء وسدر، قيل له: فتذهب إلى أن يُخمَّر وجهه ويُكشف رأسه؟ قال: نعم على ما جاء عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، وهو أصح من غيره. قال أبو عبد الله: وكان عطاء يقول: يُخمّر رأسه ويُغسَل رأسه بالسدر، وقد روى عطاء عن النبي ﷺ أنه يخمَّر رأسه وهو محرم (١). مرسل، وحديث ابن عباس أصح. وقال ابن جريج: أنا أقول: يُغسَل بالسدر ولا يخمَّر رأسه. قلت: فما ترى؟ قال: أهاب أن أقول يغسل بالسدر وأحبُّ العافية منها، قلت: فيجزئه أن يُصَبّ على رأسه الماء فقط؟ قال: يجزئه إن شاء الله. قال أبو عبد الله: الذي أذهب إليه حديث ابن عباس عن النبي ﷺ : «يُغسل بماء وسدر، ولا يخمَّر رأسه، ولا يُمسّ طيبًا». فقد توقَّف في دلك رأسه بالسدر. وقد ذكر أصحابنا (٢) رواية أنه لا يغسل رأسه بالسدر كالحي، وحملوا حديث ابن عباس على أن المقصود غسل بدنه بالسدر، وأن السدر يُذَرُّ في الماء. والصواب: الفرق بينهما. قال الخلَّال: ما رواه أبو الحارث في غسله فيه توقُّف وجُبْنٌ، غير أنه قد روى ما روى حنبل: أنه لا يدلك رأسه ويصبُّ عليه الماء صبًّا، ويكون فيه السدر، وبيَّن عنه حنبل أنه يصبُّ الماء ولا يغسل كما يغسل الحلال، وعلى هذا استقرَّ قوله.

стр. 2766

ووجه الفرق بين الحي والميت: أن الميت محتاج إلى الطهارة والنظافة، فإن هذا آخر عهده بالدنيا، [ق ٢٥٥] وليس له في الدنيا (١) حال ينتظر فيها إزالة تَفَثِه، فجاز أن يرخَّص له في ذلك كما رُخِّص لمن لم يجد الإزار والنعلين في لبس السراويل والخفين؛ إذْ (٢) كان ذلك مما تدعو إليه الحاجة، فكذلك موتى المحرمين بهم حاجةٌ عامة إلى إزالة الوسخ والشعث، فرخِّص لهم في ذلك، وإنما منع أحمد من قوة الدلك خشية تقطُّع الشعر. قال أبو الحارث: قلت لأحمد: المحرم يغسل الميت؟ قال: نعم، فإذا فرغ من غسله طيَّبه غيره؛ لأن المحرم لا يمسُّ طيبًا، فيجعله رجل حلال. فصل قال أحمد في رواية عبد الله (٣): ولا يتفلَّى المحرم ولا يقتل القَمْل، ويحكُّ رأسه وجسده حكًّا رفيقًا، ولا يقتل قَمْلَه ولا يقطع شعرًا، ويغتسل إن شاء ويصبُّ على رأسه، ولا يرجِّل شعره ولا يدهنه، ويتداوى (٤) بما يأكل. وكذلك قال في رواية المرُّوذي (٥): لا يتفلّى المحرم ولا يقتل القَمْل، ويحكُّ رأسه وجسده حكًّا رفيقًا، ولا يقتل قَمْله ولا يقطع شعرًا، ويغتسل إن شاء ويصبُّ على رأسه، ولا يرجِّل شعره ولا يدهن، وينظر (٦) في المرآة ولا

стр. 2767

يصلح شيئا. فأما التفلِّي فهو استخراج القَمْل من بين الشعر والثياب، فأما إن كان ظاهرًا على البدن والثوب فألقاه ... (١). ويحكُّه؛ لأن حكَّه يُذهِب أذى القمل من غير قتلٍ له. فأما الادّهان: فإن كان بدُهنٍ فيه طيب، مثل دُهن البنفسج والورد ونحو ذلك فحكمه حكم الطيب، لا يجوز إلا لضرورة وعليه الفدية، وإن كان غير مطيَّب، مثل الشّيرج (٢) والزيت، فقال أبو بكر: قال أحمد: إن دهن رأسه بغير طيب كرهته ولا فدية، وعامة كلام أحمد يقتضي ذلك وأنه مكروه، إلا إذا احتاج إليه (٣)، فإن مكروهات الإحرام عند الحاجة تصير غير مكروهة (٤)، ولا فدية فيها، بخلاف محظوراته، فإنها إذا أبيحت لا بدَّ فيها من فدية. قال في رواية عبد الله (٥): لا يرجِّل شعره ولا يدهنه. وكذلك قال في رواية المرُّوذي (٦): لا يرجِّل شعره ولا يدهن (٧). وكذلك قال الخرقي (٨): لا يدَّهن بما فيه طِيب وما لا طيب فيه.

стр. 2768

وقال: ويتداوى بما يأكل، وهو يأكل الزيت والشّيرج ونحوهما، فعُلِم أنه يجوز أن يتداوى به من غير فدية ولا كراهة. وقال في رواية أبي داود (١): الزيت الذي يؤكل لا يدَّهن به المحرم رأسه، فذكرتُ له حديث ابن عمر أن النبي ﷺ ادَّهن بزيتٍ غير مقتَّت (٢)، فسمعته يقول: المحرم الأشعث الأغبر. فقد نصَّ على كراهته لأنه يُزيل الشعث والغبار (٣). وقال في رواية الأثرم (٤) وقد سئل عن المحرم يدَّهن بالزيت والشّيرج، قال: نعم يدّهن به إذا احتاج إليه، ويتداوى المحرم بما يأكل. فرخص فيه بشرط الحاجة، فعُلِم أنه مكروه بدونها، وأنه ليس بمحرَّم، إذ لو كان محرّمًا بدون الحاجة لوجبت فيه الفدية مع الحاجة كالطيب. فعلى هذا إن احتاج إلى الادّهان، مثل أن يكون برجله شقوقٌ أو بيديه ونحو ذلك، جاز بغير كراهة ولا فدية؛ لأنه يجوز أن يأكله. ولو كان بمنزلة الطيب لما جاز أكله.

стр. 2769

وإن كانت الحاجة في رأسه مثل أن يَنْشَف (١) رأسُه ونحو ذلك، جاز أيضًا على عموم كلامه ومقتضاه. وعمومُ كلامه في رواية أبي داود يقتضي المنع من دهن رأسه به بكل حال. وإن لم تكن به حاجة فقد نصَّ على منع دهن رأسه في رواية الجماعة [وما] في معنى الرأس. وأما دهن بَشْرته فعلى روايتين (٢). إحداهما: يُكره أيضًا؛ لأنه قال في رواية المرُّوذي: لا يدهن، وقال في رواية الأثرم: يدهن به إذا احتاج إليه ولم يفصل، وهذا قول ... (٣). والثانية: أن المنع مختص بالرأس؛ لأنه قال في رواية عبد الله: لا يرجِّل شعره ولا يدهنه. وقال في رواية أبي داود: الزيت الذي يؤكل لا يدهن به المحرم رأسه. وكذلك نقل أبو بكر عنه: إن دهن رأسه بغير طيب كرهتُه ولا فدية، وهذا قول ... (٤). وذلك لأن دهن الشعر يزيل شعثه ويرجّله ويرفّهه، بخلاف دهن البشرة فإنه يوجب لصوق الغبار بها. وأما طريقة القاضي (٥) وأصحابه فذكروا في الادّهان مطلقًا روايتين،

стр. 2770

سواء كان في الرأس أو في البدن: إحداهما: الجواز في استعماله (١) من غير فدية، وهو اختياره واختيار أصحابه. والثانية: المنع منه وعليه الفدية، قالوا: وهو اختيار الخرقي. قال القاضي (٢): وقد يحتمل أن يكون منع منه على طريق الكراهة من غير فدية. فأما الدهن بالسمن والشحم وزيت البِزْر ونحو ذلك من الأدهان فهو بمنزلة الزيت والشّيرج، هذا هو المعروف في المذهب، وكلام أحمد يعمُّه، وذكر القاضي في بعض المواضع (٣) أن المنع إنما هو من الزيت والشّيرج لأجل أنهما أصل الأدهان. فأما دهن البان فذكره أبو الخطاب (٤) من الأدهان غير المطيبة. والذي يدلُّ على أنه مكروه دون كراهة الطيب ما روى نافع قال: كان ابن عمر إذا أراد الخروج إلى مكة ادَّهن بدُهنٍ [ق ٢٥٦] ليس له رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد ذي الحليفة، فيصلّي ثم يركب، فإذا استوت به راحلته قائمةً أحرم، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل. رواه البخاري (٥).
следующие страницы →