← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 3291–3320 · переход к 3296.

стр. 3291

قال الأزرقي (١): حدثني جدي، قال: كان (٢) الصفا والمروة يُسْنِدُ (٣) فيهما من سعى (٤) بينهما، ولم يكن بينهما بناء ولا دَرَجٌ، حتى كان عبد الصمد بن علي في خلافة أبي جعفر (٥) فبنى درجَها (٦)، فكان أول من أحدث بناءها. الثالث: الترتيب، وهو (٧) أن يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة، فإن بدأ بالمروة لم يعتدَّ بذلك الشوط، لأن النبي ﷺ قال لما خرج إلى الصفا: «ابدأوا (٨) بما بدأ الله به». الرابع: الموالاة، قال في رواية حنبل (٩) وذُكِر له أن الحسن طاف بين الصفا والمروة أسبوعًا فغُشِيَ عليه، فحُمِلَ إلى أهله، فجاء من العَشِيِّ فأتمَّه (١٠)، فقال أحمد: إن أتمَّه فلا بأس، وإن استأنفَ فلا بأس.

стр. 3292

الخامس: أن يتقدَّمه طواف سواء كان واجبًا أو مسنونًا، فإذا طاف عقبَ طواف القدوم أو طوافِ الزيارة أجزأ ذلك، وإن طاف عقبَ طواف الوداع لم ... (١). وإن سعى عقب طوافٍ آخر ... وإن قدَّم السعيَ على الطواف .... فأما الموالاة بينه وبين الطواف .... السادس: أن لا يتقدَّم على أشهر الحج، فلو أحرم بالحج قبل أشهره، وقدِمَ مكة فطاف للقدوم، لم يجُزْ أن يسعى قبل دخول أشهر الحج. و أما الطهارة فتُسَنُّ له، ولا تُشترط . هذا هو المنصوص عنه صريحًا، قال في رواية أبي طالب (٢): إذا حاضت المرأة وهي تطوف بالبيت قبل أن تقضي خرجتْ، ولا تسعى بين الصفا والمروة، لأنها لم تُتِمَّ الطواف، فإن طافت بالبيت ثم خرجت تسعى فحاضت، فلتمضِ في سعيها فإنه لا يضرُّها، وليس عليها شيء. وقال في رواية حرب (٣): الحائض لا تطوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، إلا أن تكون قد طافت قبل ذلك، فإنها تسعى. وحكى بعض أصحابنا القاضي (٤) وغيره رواية أخرى: أن الطهارة

стр. 3293

شرط، لقوله في رواية إسحاق بن إبراهيم (١): الحائض تقضي المناسك كلَّها إلا الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة. فصل ومن طاف راكبًا على دابة، أو محمولًا لإنسان، فإن كان لعذرٍ من مرضٍ أو [كِبَرٍ] (٢) جاز (٣). مسألة (٤): (والمبيت بمنًى) . السنة للحاجّ أن لا يبيتَ لياليَ منًى إلّا بمنًى (٥)؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ (٦)﴾ [البقرة: ٢٠٣] ومعنى التعجُّل: هو الإفاضة من منًى، فعُلِم أنه قبل التعجُّل يكون مقيمًا بها، فلو لم يبِتْ بها ليلًا ــ وليس [ق ٣٧٨] عليه أن يقيم بها نهارًا ــ لم يكن مقيمًا بها، ولم يكن فرقٌ بين إتيانه منى لرمي الجمار، وإتيانه مكة لطواف الإفاضة والوداع. والآية دليل على أن عليه أن يقيم في الموضع الذي شُرِع فيه ذكر الله، وجُعل ذلك المكان والزمان عيدًا؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه فعلوا ذلك؛ ولأن

стр. 3294

العباس استأذن النبي ﷺ أن يبيتَ بمكة لياليَ منًى من أجل سقايته، فأذن له متفق عليه (١). فاستئذان العباس دليل على أنهم كانوا ممنوعين من [ترك] المبيت بها، وإذنُه له من أجل السقاية دليل على أنه لا يؤذن في ترك المبيت بغير عذر. ولأن النبي ﷺ قال: «يومُ عرفة ويومُ النحر وأيامُ منًى عيدُنا أهلَ الإسلام» (٢). والعيد هو المجتمَعُ للعبادة؛ فيوم عرفة ويوم النحر يجتمعون بعرفة ومزدلفة ومنًى، وأيام منى لا بدَّ أن يجتمعوا، وهم لا يجتمعون نهارًا لأجل مصالحهم، فإنهم يرمون الجمار متفرقين، فلا بدَّ من الاجتماع ليلًا. وعن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال: «لا يبيتنَّ أحدٌ من الحاجِّ من وراء جمرة العقبة»، وكان يبعث إلى من وراء العقبة، فيدخلون منًى. رواه مالك وأحمد، وهذا لفظه (٣). وعن نافع عن أسلم ــ إن شاء الله ــ (٤) أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لا يبيتنَّ أحدٌ من الحاج وراء جمرة العقبة». وكان يُرسِل رجالًا فلا

стр. 3295

يجدون أحدًا شَذَّ من منًى إلا أدخل (١). وعن ابن عمر قال: لا يبيتنَّ أحدٌ من وراء جمرة العقبة لياليَ منًى (٢). رواهما أحمد ... (٣). فإن ترك المبيت بمنًى، فقال أبو بكر في «الشافي» (٤): روي عنه: عليه الدم، وروي: يتصدّق بشيء، وروي عنه: لا شيء عليه، وبهذا أقول. فهذه ثلاث روايات: إحداهن: لا شيء عليه، قال في رواية المرُّوذي (٥): من بات بمكة لياليَ منًى يتصدّق بشيء، وإن بات من غير عذرٍ أرجو أن لا يكون عليه شيء. وذلك لأن النبي ﷺ أرخصَ لأهل السقاية في ترك المبيت بها، وللرِّعاء (٦). كما أرخصَ للضَّعفة في الإفاضة من جَمْعٍ بليل، ولو كان واجبًا لم يسقط إلا لضرورة، كطواف الوداع. ولأن ابن عباس قال: إذا رميتَ الجمرة فبِتْ حيثُ شئتَ (٧). رواه أحمد

стр. 3296

في رواية حرب. ولأنه أحد المبيتينِ بمنًى، فلم يجب كالمبيت بها ليلةَ عرفة عشيةَ التروية. والثانية: قال حنبل (١): سمعت أبا عبد الله قال: ولا يَبِتْ (٢) أحدٌ لياليَ منًى من وراء العقبة، ومن زار البيت رجع من ساعته، ولا يبيت آخرَ الليالي [إلّا] (٣) بمنًى؛ لأن عمر ﵁ منعَ من ذلك، فمن بات فعليه دم. وهذا قول ..... (٤) القاضي (٥) وأصحابه، لأنه واجب كما تقدَّم، ومن ترك شيئًا من نُسكه فعليه دم، كما لو ترك المبيت بمزدلفة. قال القاضي في «خلافه» (٦): فإنها تجب رواية واحدة. والثالثة (٧): يتصدَّق بشيء، وهو أكثرُ عنه. قال في رواية ابن منصور (٨): من بات دون منًى ليلةً يُطعِم شيئًا. وقال في رواية حرب (٩) في الرجل يبيت وراء العقبة لياليَ منًى:

стр. 3297

يتصدَّق بشيء. وقال ابن جريج عن عطاء: يتصدّق بدرهم (١). ومغيرة عن إبراهيم (٢): [إذا باتَ دون العقبة أهراقَ لذلك دمًا]. قال أبو عبد الله: الدم شديد. ويحيى عن سفيان: ليس عليه شيء، وكان سفيان يرخّص. وقال ابن عباس: إذا رميتَ جمرة العقبة فبِتْ بحيث (٣) شئتَ (٤). وقال في رواية الأثرم (٥) فيمن جاء للزيارة فبات بمكة: يُعجبني أن يُطعم شيئا، وخفّفه بعضهم يقول: ليس عليه شيء، وإبراهيم قال: عليه دم، وضحك وقال: الدم شديد. وكذلك نقل ابن أبي عبدة (٦). وقال في رواية أبي طالب وابن إبراهيم (٧): لا يبيت أحدٌ بمكة لياليَ منى، فمن غلبته عينه فليتصدَّقْ بدرهم أو بنصف درهم، كذا قال عطاء (٨). ولا يبيت عامدًا.

стр. 3298

فقد أمره أن يتصدَّق بشيء ولم يقدِّره، وقال مرة: درهم أو نصف درهم؛ لأنه أقلّ ما يُتصدّق به من النقود، وإن تصدَّق بطعام ... (١). وذلك لأن الإذن في ترك هذا المبيت لحاجة غير ضرورية تدلُّ على أنه ليس من المناسك المؤكَّدة، فإن المناسك المؤكَّدة لا يُرخَّص في تركها لأحد، ولو قيل: تتقدر (٢) به. ولو ترك المبيت ليلة واحدة أو ليلتين، فقال القاضي في «خلافه» (٣) وابن عقيل: ليس عليه دم رواية واحدة، بخلاف ترك المبيت بمزدلفة، فإنها نسك واحد، فإذا تركه لزمه الدم، وليالي منًى جميعها نسك واحد، فلا يجب في بعضها ما يجب في جميعها، كما لو ترك حصاةً أو حصاتين. واستشهدا (٤) على ذلك بما تقدَّم عنه: أنه استكثر الدم في ترك ليلة واحدة، وأمره أن يتصدق بشيء، وخرَّجاها على ثلاث روايات (٥): إحداهن: يتصدَّق بدرهم أو نصف درهم، وهو المنصوص عنه هنا. والثانية: في ليلةٍ مدٌّ، وفي ليلتين مدّانِ. والثالثة: في ليلةٍ قبضةٌ من طعام، وفي ليلتين قبضتانِ. وهاتان مخرَّجتان من حلق شعرةٍ أو [ق ٣٧٩] شعرتين.

стр. 3299

وأما أبو الخطاب (١) فإنه جعل في ترك المبيت لياليَ منًى الدمَ قولًا واحدًا، وذكر في ترك ليلةٍ أو ليلتين أربعَ روايات: إحداهن: عليه دم. والثانية: يتصدَّق بدرهم أو نصف درهم. والثالثة: مدٌّ من طعام. والرابعة: لا شيء عليه. ومن سلك هذه الطريقة حمل كلام أحمد في الأمر بالصدقة وفي كونه لا شيء عليه= على الليلة والليلتين. وأصحاب هاتين الطريقتين يُسوُّون بين ثلاث حَصَياتٍ، وترْكِ ثلاث ليال، وحلْقِ ثلاث شَعَرات، ويجعلون عدد الليالي كعدد الحصى والشَّعر. قالوا: لأن كل واحد من هذه الأشياء الثلاثة يجب في جميعه دم، وفي بعضه صدقة، فلذلك سوَّينا بينها (٢). لكن منصوص أحمد في أن من بات ليالي منًى من وراء العقبة: يتصدق بشيء، أو لا شيء عليه= يُبطِل هذه الطريقة. والطريقة المنصوصة عن أحمد: أن في الليلة والليالي الثلاث ثلاثَ روايات كما تقدَّم لفظه فيهن، إحداهن: عليه دم، والثانية: عليه صدقة، والثالثة: لا شيء عليه. وغيرُ مستنكرٍ إيجابُ الدم في جملةٍ وإيجابُها (٣) في بعضها، فإن رمي الجمار كلها فيها دم، وفي الجمرة الواحدة أيضًا دم، بل

стр. 3300

المنصوص عنه: أنه إذا ترك مزدلفة ومنى ورمي الجمار وطواف الوداع كفاه دم. وكذلك لا فرق بين أن يحرم دون الميقات بمسافة قليلة أو كثيرة، ولا فرق بين أن يخرج من عرفات قبل المغيب بزمن طويل أو طويل (١) ... ، وإلحاقُ هذه بالحصى وبحلق الشعر لا يصح؛ لأن ذاك قد ثبت بالنص والإجماع أن في جميعه دمًا، وهنا الخلاف في أصل وجوبه. فصل: وقدر المبيت الواجب بمنى ... (٢). مسألة (٣): (والرمي) . لا يختلف المذهب أن الرمي واجب؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ١٩٧ - ٢٠٣]. فأمر سبحانه بعد قضاء المناسك بذكر الله سبحانه، وأمر بذكره في أيام معدودات أمرًا يختصُّ الحاجَّ؛ لأنه قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ

стр. 3301

وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، وإنما يمكن ذلك للحاجّ. فعُلم أنهم مأمورون بهذا الذكر بمنى، وليس بمنى ذِكرٌ ينفرد به الحاجُّ (١) إلا ذكر الجمار، كما قال النبي (٢) ﷺ : «إنما جُعِل الطواف [بالبيت و] (٣) بين الصفا والمروة ورميُ الجمار لإقامة ذكر الله» (٤)، فعُلِم أن رمي الجمار شرع لإقامة ذكر الله المأمور به في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. وأيضًا فإنه قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، فعُلِم أنه من تعجَّل قبل اليومين لا يزول عنه الإثم، وإنما ذاك لأن بمنى فعلًا واجبًا، ولا فِعلَ بها إلا رمي الجمار، لأن المبيت أخفُّ منه، وإنما وجب تبعًا له. وأيضًا فإنه أمر بالذكر في الأيام، وجعل التعجُّل (٥) فيها، فلا بدَّ من فعل واجبٍ في الأيام. وأيضًا: فما روى .... (٦).

стр. 3302

ومن رمى بحجرٍ قد رُمي به لم يُجزِئه، ومن رمى بذهب أو فضةٍ لم يُجزئه، قولًا واحدًا. وفي غير الحصى روايتان (١): إحداهما: لا يُجزئه إلا الحجر، فلْيُعِدِ الرميَ. والثانية: يُجزئه مع الكراهة .... (٢). فصل وأما الأدعية المشروعة في الحج، مثل التلبية والذكر عند رؤية البيت، وفي الطواف، وعلى الصفا والمروة، وفي السعي، وفي عرفة ومزدلفة ومنى، وعند رمي الجمار= فهي سنة عند أصحابنا. فصل وأما ركعتا الطواف .... (٣). مسألة (٤): (والحلق) . اختلفت الرواية عن أحمد في وجوبه على روايتين (٥):

стр. 3303

إحداهما: أنه واجب، قال في رواية مهنا (١): إذا أخَّرت المرأة التقصيرَ حتى خرجت أيام منى، عليها دم ..... (٢) مسألة (٣): (وطواف الوداع) . وجملة ذلك: أن هذا الطواف يُسمَّى طواف الوداع، وطواف الصَّدَر، وطواف الخروج، [و] أن طواف الوداع واجب، نصَّ عليه [ق ٣٨٠] في رواية ابن منصور، وابن إبراهيم، وأبي طالب، والأثرم، والمرُّوذي، وحرب، وأبي داود (٤). فإذا خرج قبل أن يُودِّع وجب عليه أن يرجع قبل أن يبلغ مسافة القصر فيودّع، فإن رجع فودَّع (٥) فلا شيء عليه، وإن بلغ مسافةَ القصر استقرَّ الدم عليه، ولا ينفعه الرجوع بعد ذلك، وسواء تركه عامدًا أو ناسيًا أو جاهلًا. وإن لم يمكنه الرجوع قبل مسافة القصر لعدم الرفيق، أو خشية الانقطاع عن الرفقة .... (٦) قال في رواية ابن منصور (٧) فيمن نفر ولم يودِّع البيت:

стр. 3304

فإذا تباعد فعليه دم، وإذا كان قريبًا رجع. وقال في رواية ابن إبراهيم (١): إذا نسي الرجل طوافَ الصَّدَر، وتباعد بقدر ما تُقصَر فيه الصلاة، فعليه دم. وقال في رواية الأثرم (٢): من ترك طواف الصَّدَر عليه دم. وذلك لأن النبي ﷺ قال: «لا يَنْفِرنَّ أحدٌ حتى يكونَ [آخرُ] عهده بالبيت». رواه مسلم (٣). وأيضًا فترخيصه للحائض أن تَنْفِر قبل الوداع دليلٌ على أن غيرها لا رخصة له في ذلك. وعن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب ردَّ رجلًا من مَرِّ الظهران لم يكن ودَّع البيتَ. رواه مالك عنه (٤). فصل فأما طواف القدوم، فالمشهور في المذهب: أنه ليس بواجب بل سنة، ونقل عنه محمد بن أبي حرب الجرجرائي (٥): الطواف ثلاثة واجبة: طواف القدوم، وطواف الزيارة، وطواف الصَّدَر. أما طواف الزيارة فلا بدَّ منه، فإن

стр. 3305

تركه رجع معتمرًا، وطواف الصدر إذا تباعد بعث بدم. وهذه رواية قوية؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه مِن بعده لم يزالوا إذا قَدِموا مكة طافوا قبل التعريف، ولم يُنقل أن أحدًا منهم ترك ذلك لغير عذر. وهذا خرجَ منه امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وبيانًا لما أمر الله به من حجّ بيته، كما بيَّن الطواف الواجب بسبعة أشواط، فيجب أن تكون أفعاله في حجِّه كلها واجبة، إلا أن يقوم دليل على بعضها أنه ليس بواجب، وقد قال ﷺ : «لتأخذوا عني مناسككم»، ولم يُرِد أن نأخذها عنه علمًا، بل علمًا وعملًا، كما قال: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، فتكون المناسك التي أمر الله بها هي التي فعلها رسول الله ﷺ .... (١) وأيضًا .... (٢). مسألة (٣): (وأركان العمرة: الطواف، وواجباتها: الإحرام والسعي والحلق) . القول في حكم هذه المناسك في العمرة كالقول في حكمها في الحج، وما زاد على ذلك من الوقوف بعرفة ومزدلفة ومنى ورمي الجمار، فإنما يُشرع في الحج الأكبر، ويتوقَّت بوقت مخصوص، إذ الحج لا يكون إلا في وقت مخصوص، إذ العمرة تجوز في جميع السنة. فأما الطواف: فلا بدَّ منه.

стр. 3306

وأما الإحرام: فقد عدَّه المصنف ﵀ من الواجبات على ما تقدم من التفسير، أنه يعني به اجتناب المحظورات مع قصد الحج من الميقات المشروع. وأما النية نية الاعتمار فلا بدّ منها، وقد تقدَّم وجهُ أن الإحرام من الحلّ ركن في العمرة، لأنه لولا ذلك لكان كل طائف معتمرًا. وقد تقدم معنى قول من يعدُّ الإحرام مطلقًا من الأركان، ومن يعدُّه شرطًا. أما السعي والحلق: فعلى ما تقدم، إلا أن الحلق في العمرة ... (١). وقال ابن عقيل: السعي في العمرة ركن، لا نعرف فيه رواية أخرى بخلاف الحج؛ لأنها أحد النسكين، فلا يُجتَزأ (٢) فيها بركنين كالحج، فإن هناك دخل الوقوف. يعني أن فيها الإحرام والطواف، فلا بدَّ من ثالثٍ وهو السعي. وعامة أصحابه على أن حكمها في العمرة كحكمها في الحج. وأما الحلق: فإن عامة النصوص عن أحمد (٣) أنه لا يجوز له الوطء قبل الحلاق، وأنه إذا وطئ قبله فأكثر الروايات عنه أن عليه دمًا، وفي بعضها قال: الدم لهذا كثير.

стр. 3307

مسألة: (فمن ترك ركنًا لم يتمَّ نسكُه إلا به، ومن ترك واجبًا جَبَرَه بدم، ومن ترك سنةً فلا شيء عليه) (١). وهو كما قال. الركن لا بدَّ منه، وأما الواجب فإذا تركه فعليه أن يأتي به ما لم يفُتْ وقته إن كان موقَّتًا، كالمبيت بمزدلفة ومنى، ورمي الجمار، والإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الليل، وطواف الوداع إذا خرج إلى مسافة القصر، فإنه قد تعذَّر فعلُ هذه الواجبات فاستقرَّ الدم. وأما السعي، فمن قال إنه واجب فقوله مشكل؛ لأنه لا يفوت بالتأخير، فكيف يُجزئه إخراج الدم، وهو بدل عن الواجب مع قدرته على أداء الواجب؟ وبعدُه عن البلد ليس عذرًا إذا كان متمكنًا من العَود. وأما [ق ٣٨١] الحلق أو التقصير، فإن قلنا: هو موقَّت بأيام منى، فقد التحق برمي الجمار. وإن (٢) قلنا: ليس بموقَّت، فهو كالحلق في العمرة، فإذا لم يكن موقَّتًا بمكان أيضًا، بل يجوز في الحلّ والحرم، فكيف يُتصوَّر فواتُه (٣) حتى يُجزئ إخراج الدم عنه؟ وأما السنن فهي على مراتبها، منها ما هو نُسُك إذا تركه يكون مسيئًا.

стр. 3308

مسألة (١): (ومن لم يقفْ بعرفة حتى طلع الفجرُ يومَ النحر فقد فاته الحج، فيتحلَّلُ بطواف وسعي، وينحر هديًا إن كان معه، وعليه القضاء) . في هذا الكلام فصول: أحدها أنه يجب على الرجل إذا أحرم بالحج أن يقصد الوقوف بعرفة في وقته، ولا يجوز له التباطؤ حتى يفوته الحج، فإن احتاج إلى سير شديد .... (٢)، وإن لم يُصلِّ العشاء إلى آخر ليلة النحر، وخاف إن نزل لها فاته الحج، فقياس المذهب أنه يصلِّي صلاة خائفٍ (٣)؛ لأن تفويت كل واحدة من العبادتين غير جائز، وفوات الحج أعظم ضررًا في دينه ونفسه من فوت قتل كافر. فإذا طلع الفجر ولم يُوافِ عرفةَ، فقد فاته الحج، سواء فاته لعذرٍ من مرضٍ أو عدوٍّ، أو ضلَّ الطريق، أو أخطأ العدد، أو أخطأ مسيرَه، أو فاته بغير عذرٍ كالتواني والتشاغل بما لا يعنيه، لا يفترقان إلا في الإثم. وعلى من فاته أن يأتي بعمرة، فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصِّر. وأما الأفعال التي تختصُّ (٤) الحجَّ من الوقوف بمزدلفة ومنى ورمي الجمار فقد سقطت، هذا هو المعروف في المذهب الذي عليه أصحابنا، وهو المنصوص عن أحمد.

стр. 3309

قال في رواية أبي طالب (١): إذا فاته الحج تحلَّل بعمرة. وقال في رواية الأثرم (٢) فيمن قدِمَ حاجًّا فطاف وسعى، ثم مرض فحِيلَ بينه وبين الحج حتى مضت أيامه: يحلُّ بعمرة، فقيل له: يُجدِّد إهلالًا مَنْ (٣) فاته الحج للعمرة أم يُجزِئه الإهلال الأول؟ فقال: يُجزِئه الإهلال الأول. وقد حكى ابن أبي موسى (٤) عنه رواية ثانية: أنه يمضي في حج فاسد، قال: ومن فاته الحجُّ بغير إحصارٍ تحلَّل بعمرة في إحدى الروايتين، وعليه الحج من قابلٍ ودمُ الفوات، فإن كان قد ساق هدْيًا نحرَه ولم يُجزِئْه عن دم الفوات. والرواية الأخرى: يمضي في حج فاسد، ويحجُّ من قابلٍ، وعليه دم الفوات. وقال أحمد في رواية ابن القاسم (٥) في الذي يفوته الحج: يفرغ من عمله يعني عمل الحج. وفسَّر القاضي (٦) هذا الكلام بأنه الطواف والسعي والحلق الذي يفعله الذي كان واجبًا بالحج، كأحد الوجهين كما سيأتي. ومن فسَّره بإتمام الحج مطلقًا على ظاهره، قال: لأنه قد وجب عليه

стр. 3310

فعلُ جميع المناسك، ففوات الوقوف بعرفة لا يُسقِط ما أدرك وقته من المناسك، كمن عجز عن بعض أركان الصلاة وقدر على بعض. أكثر ما فيه أن الحج قد انتقض وفسد، فأشبه من أفسده بالوطء، فإنه يمضي في حج فاسد. والصواب هو الأول، لأن الله سبحانه قال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٨]، فأمرهم بالذكر عقب الإفاضة من عرفات، فمن لم يُفِضْ من عرفات لم يكن مأمورًا بالوقوف بالمشعر الحرام، وما لا يؤمر به من أفعال الحج فهو منهيٌّ عنه، كالوقوف بعرفة في غير وقته. ولأن الحكم المعلَّق بالشرط معدوم بعدمه، فإذا علِّق الوقوف بالمشعر الحرام بالإفاضة من عرفة اقتضَى عدمَه عند عدم الإفاضة من عرفات. ولأن الآية تقتضي أنه مأمور بالذكر عند المشعر حينَ الإفاضة وعقِبَها، فإذا بطل الوقت الذي أمر بالذكر عند المشعر (١) فيه، وبطل التعقيب، كان قد فات وقت الوقف (٢) بالمشعر وشرطه، وذلك يمنع الوقوف فيه. ونظير هذا قوله: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، فإنها دليل على امتناع الطواف بهما من غير الحاج والمعتمر؛ ولذلك لا يُشرَع الطواف بالصفا والمروة إلا في حج أو عمرة، بخلاف الطواف بالبيت، فإنه عبادة منفردة أفردها بالذكر في قوله: ﴿وَطَهِّرْ

стр. 3311

بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٣]، فالأمر بالذكر كذكر الآباء والذكر في أيام معدودات هو بعد قضاء المناسك، ومن لم يقفْ بعرفة لم يقضِ مناسكه، فبطل في حقه الذكر المأمور به الذي يتضمَّن التعجُّلَ والتأخُّر، ولا يقال: «واذكروا الله في أيام معدودات» كلام مبتدأ. وأيضًا فإن النبي ﷺ قال: «الحج عرفة، من جاء من ليلة جَمْعٍ قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج» (١). فإذا لم يدرك عرفة فلا حجَّ له، بل قد فاته [ق ٣٨٢] الحج، ومن لا حجَّ له لا يجوز أن يفعل شيئا من أعمال الحج؛ لأنه يكون في حجٍّ من لا حجَّ له، وهذا لا يجوز، بخلاف المفسد، فإنه في حجٍّ تامّ، لأنه أدرك الوقوف لكن هو فاسد. وغيرُ ممتنعٍ انقسامُ العمل إلى صحيح وفاسد. أما أن يكون في حجٍّ من ليس في حجٍّ، فهذا ممتنع. ولهذا قلنا: إذا فاته الحج لم يفعل ما يختصُّ بالحج من المواقف والرمي، وإنما يفعل ما اشترك فيه الحج والعمرة من المطاوف (٢) والحلق. وأيضًا قوله: «من أدركَ معنا هذه الصلاةَ، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا» (٣).

стр. 3312

وأيضًا فما روى ابن أبي ليلى عن عطاء أن نبي الله ﷺ قال: «من لم يُدرِك (١) فعليه دم، ويجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل». رواه النجّاد (٢). وهذا وإن كان مرسلًا من مراسيل عطاء، فهو أعلم التابعين بالمناسك، وهذا المرسل معه أقوال الصحابة وقول جماهير أهل العلم وظاهرُ القرآن، وذلك يوجب كونه حجةً وفاقًا بين الفقهاء. والعمدة الظاهرة إجماع الصحابة والتا [بعين] (٣)، فعن [يحيى بن سعيد قال: أخبرني سليمان بن يسار] (٤) أن أبا أيوب بن زيد خرج حاجًّا، حتى إذا كان بالنَّازِية (٥) أضلَّ رواحلَه فطلبهنّ، فقدِمَ وقد فاته الحج، فسأل عمر، فأمره أن يجعلها عمرة ويحجَّ من عام المقبل، وعليه ما استيسر من الهدي (٦).

стр. 3313

وعن سليمان بن يسار عن هبّار (١) بن الأسود: أنه أهلَّ بالحج، فقدِمَ على عمر ﵁ يوم النحر، وقد أخطأ العدد، فقال: أَهِلَّ بعمرةٍ وطُفْ بالبيت وبين الصفا والمروة، وقَصِّرْ أو احلِقْ (٢)، وحُجَّ مِن قابلٍ، وأهرِقْ دمًا (٣). وعن الأسود عن عمر وزيدٍ قالا في رجل يفوته الحج: يُهِلُّ بعمرة، [و] عليه الحج من قابلٍ (٤). وعن ابن عمر كان يقول: من لم يقف بعرفة إلا بعد طلوع الفجر فقد فاته الحج، ولْيجعلْها عمرة، ولْيحجَّ قابلًا، ولْيُهدِ إن وجد هدْيًا، وإلا فلْيصُمْ ثلاثة أيام في الحج وسبعةً إذا رجع (٥). وعن عطاء عن ابن عباس: من فاته الحج فإنه يُهِلُّ بعمرة، وليس عليه الحج (٦). رواهنّ النجّاد (٧). فصل وقد اتفق أصحابنا على أنه يطوف ويسعى ثم يحلُّ، واختلفت عباراتهم

стр. 3314

في هذا العمل: فقال أكثرهم: يتحلَّل بعمرة، ويخرج من إحرام الحج إلى إحرام العمرة بمنزلة الذي يفسخ الحج إلى العمرة. صرَّح بذلك أبو بكر (١) والقاضي (٢) وأصحابه وغيرهم، وهو المفهوم من كلام أحمد والخرقي (٣)، قالا: إذا فاته الحج تحلَّل بعمرة. بل هو المنصوص صريحًا عن أحمد (٤)، لأنه نصَّ على أن من فاته الحج بعد أن طاف وسعى أنه يتحلَّل بعمرة، ولو كان إنما يفعل طواف الحج وسعيه لم يحتجْ إلى سعي ثان. ثم اختلفت عبارة هؤلاء، فقال القاضي (٥) وأصحابه: يتحوَّل إحرامه بالحج إحرامًا بعمرة. فعلى هذا لا يحتاج إلى قصد وإرادة؛ لأن أحمد قال: يكفيه الإهلال الأول. وقال أبو بكر: إذا فاته الحج جعله عمرة وعليه دم، قال أحمد: إذا فاته الحج جعلها عمرة. وقال ابن حامد (٦): إحرام الحج باقٍ، ويتحلَّل منه بعمل عمرة، وهو ظاهر كلام المصنف.

стр. 3315

وذكر القاضي (١) أن قول أحمد في رواية ابن القاسم في الذي يفوته الحج: «يفرغ من عمله» إيماءٌ إلى هذا القول؛ وذلك لأن الإحرام بالحج أوجب عليه أفعالها (٢) كلها، فتعذُّرُ الوقوف وما يتبعه لا يوجب تعذُّرَ الطواف وما يتبعه، فوجب أن يكون هذا الطواف هو الطواف الذي أوجبه إحرام الحج. ونحن وإن قلنا: إنه يجوز له فسخ الحج إلى العمرة، فإنما ذاك أن يفسخ باختياره، ويأتي بعد ذلك بالحج، وهنا الانتقالُ إلى العمرة يصير واجبًا، ولا حجَّ معه، فكيف يُقاس هذا على فسخ الحج إلى العمرة؟ والأول أصحُّ، لأن النبي ﷺ قال: «الحج عرفة» وبيَّن أنه (٣) من لم يُدركها لم يُدرك الحجَّ، فلو كان قد بقي بعض أعمال الحج لكان إنما فاته بعض الحج، ولكان قد أدرك بعضَ الحج، ولم يكن فرقٌ بين قوله: «الحج عرفة» و «الحج الطواف بالبيت»، لو كان كل منهما يمكن فعله مع فوت الآخر، فلما قال: «الحج عرفة» عُلِم أن سائر أفعال الحج معلَّقة (٤) به، فإذا وُجِد أمكن أن يُوجد غيره، وإذا انتفى امتنع أن يُوجد غيره. وأيضًا فإن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم صرَّحوا بأنه يجعلها عمرة، ومنهم من قال: يُهِلُّ بعمرة. وهذا كله دليل بيِّن في أنه يجعل إحرامه بالحج

стр. 3316

عمرة ويُهِلُّ بها، كما قد يجعل الرجل صلاة الفرض نفلًا. نعم قد روي في بعض الطرق أن عمر قال لأبي أيوب: اصنعْ كما يصنع المعتمر، وقد حللتَ، فإذا أدركتَ قابل (١) فاحججْ، وأهْدِ ما تيسَّر من الهدي. رواه النجّاد (٢). وهذا كقول النبي ﷺ لعائشة لما حاضت: «اصْنعي ما يصنعُ الحاجُّ، غيرَ أن لا تطوفي بالبيت». وأيضًا فإن طواف الحج الواجب [لا يصح إلّا] (٣) بعد التعريف، كما أن الوقوف بمزدلفة لا يصح إلا بعده؛ لأن الله قال: [ق ٣٨٣] ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. فمن لم يُعرِّفْ كيف يطوف للحج ولم يقْضِ تَفثَه ولم يُوفِ نذرَه؟ وأيضًا فإن العبادة الموقَّتة التي يُشترط الوقت لصحتها إذا فاتت زالت جميعها كالجمعة، ولا يجوز أن يُتمَّم شيء منها على أنه منها بعد خروج وقتها، فكيف يجوز أن يقال: قد فاته الحجُّ ويمضي فيما بقي من أفعال الحج؟ نعم، لما كان الإحرام يوجب عليه إتمامه، وإتمامه إنما يكون في حج أو عمرة، وقد تعذَّر إتمامه لحجة، أتمَّه عمرةً (٤)؛ لأنه لا يجوز أن يخرج من

стр. 3317

الإحرام إلا بالتحلُّل، ولا يتحلَّل من قدر على البيت إلا بعمرة أو حج، فكان انتقاله إلى ما هو [من] جنس (١) العبادة التي تضمَّنتْه العبادة أشبه. وهذا كمن أحرم بالفرض قبل وقته، فإنه يصير نفلًا؛ لأن الصلاة اشتملت على شيئين، فإذا امتنع أحدهما [بقي] (٢) الآخر، كذلك الحج الأصغر هو بعض الأكبر، فإذا تعذَّر الأكبر بقي الأصغر. وأيضًا فإن كونه يجوز فسخ الحج إلى العمرة، فإنما ذاك إذا أمكن إتمامه كما أمر الله، فأما إذا لم يمكن إتمامه صار انتقاله إلى العمرة ضرورة، و .... (٣) غيره. فائدة هذا أنه إذا قلنا: يجعل إحرامه عمرة .... ، وأن يحج كان بمنزلة من أدخل عمرة على إحرامه بالحج قبل أشهر الحج، وأما [إذا] أحرم بعمرة لم يصحَّ على القولين. ولو أراد أن يبقى محرمًا إلى عامٍ قابلٍ يحجّ (٤) به لم يكن له ذلك. ولو بقي إلى عامٍ قابلٍ، وطاف وسعى في أشهر [الحج، صار] متمتعًا، ولو كان قارنًا فإنه يفعل عمرةَ الفوات وعمرة القران [التي] للحج، وليس عليه إلا دم واحد. [قال] ابن أبي موسى (٥): ومن أهلَّ [بحجةٍ وعمرة وفاتَه] الحجُّ أجزأه دمٌ واحد.

стр. 3318

فصل وعليه القضاء من العام المقبل في [أصحّ الروايتين] عند أصحابنا، مع اختيارهم أن المُحْصَر لا قضاء عليه. والرواية [الثانية:] يلزمه الهدي، ولا يلزمه القضاء؛ لأنه امتنع إتمام حجه [بتفريطٍ] من جهته، فلم يلزمه القضاء كالمُحصَر، وذلك لأن المفوِّت قد .... العمرة ما بقي عليه من أعمال الحج كا .... مقام أفعال. [فعلى] هذه الرواية يجب عليه الهدي، [ولا يجب عليه القضاء]. [والراجح هو القول الأول، لأمور:] الأول: أن الله سبحانه قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فأوجب الإتمام على كل أحد غيرِ المُحْصَر، وحَجة المفوِّت (١) لا تتمُّ إلا بالقضاء، فوجب أن يلزمه ذلك. وأيضًا ما تقدَّم من الحديث المرسل وأقوال الصحابة مثل عمر وزيد وابن عمر، وإفتائهم بذلك مثلَ أبي أيوب (٢) وهبَّار بن الأسود وغيرهم من الصحابة، ولم يُنكره منكر في ذلك الوقت، فصار إجماعًا. وإنما خالف فيه ابن عباس، ولم يكن ذلك الوقتَ من أهل الفتيا.

стр. 3319

ولأنه أخَّر العبادة الواجبة عليه عن وقتها، فلزمه قضاؤها، كما لو فوَّت الصلاةَ والعباداتِ المنذورة عن أوقات معيَّنة؛ وذلك لأنه لما أحرم بالحج فقد وجب عليه شرعًا أن يفعله في عامه، كما تجب الصلوات والصيام في مواقيتها المحدودة، بخلاف المُحصَر فإنه لم يجب عليه إتمام الحج والعمرة، بل جاز له الخروج من الإحرام قبل الوقت، فهو نظير من جاز له ترك الجمعة والجماعة، أو ترك بعض [هيئات] الصلاة لعذر. وقد علَّله بعض أصحابنا (١) بأنه لم يكمل أفعال الحج [بتفريطٍ منه]، فوجب عليه القضاء كالمفسد للحج. وهذا ضعيف، لأن المريض ونحوه لا تفريط من جهته. ولكن أحسنُ من هذا [أن يقال: حصل منه] تركٌ [في ا] لعام للحج مع وصوله إلى المشاعر، فلزمه القضاء ... سد بالحج؛ وهذا لأن الحج في الأصل هو قصد المشاعر وإتيانها، [وقد وُقِّت] بوقتٍ مثل الشرط لهذا المقصود والتكملة له، كأوقات [الصلوات]، فإذا تمكّن من إتيان المشاعر ولم يتمّ الحج وجب عليه القضاء، [كمن دخـ]ـل رمضانَ فلم يصُمْ، أو دخل وقتَ الصلاة فلم يُصلِّ. وإذا [لم يتمكنّ من الوصول] إلى المشاعر فقد تعذَّر أصل الحج في حقه، فصار بمنزلة [من لم يستطع] إليه سبيلا، أو بمنزلة من لم يُدرك شهرَ رمضان ولا وقتَ [الصلاة]. [هذا، ولأن الاستطاعة شرطٌ في وجوب الحج، والوقت شرط لصحته،

стр. 3320

و] إذا لم يستطع الوصول إليه فقد فات شرطُ الوجوب، وإذا [فات] وقتٌ فقد [فاتت الصحة، و] الصحة مع الانعقاد سبب الوجوب (١). مسألة (٢):