← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

فصل ولو وقف قبل الزوال ثم خرج، ثم رجع بعد الزوال، فقد أحسن. وإن خرج بعد الزوال إلى عرفة ليصلّي بها ويخطب ... (١). وإن وقف بعد [ق ٣٦٨] الزوال ثم أفاض من عرفة، ثم رجع، فقال القاضي وابن عقيل وكثير من أصحابنا: إن عاد قبل الغروب [و] وقف إلى غروب الشمس فلا دم عليه، وإن عاد بعده فعليه دم. وخرَّج ابن عقيل احتمالًا بأن عليه دمًا (٢) مطلقًا، ويحتمله كلام أحمد؛ لأنه قال: «إذا دفع قبل الإمام فعليه دم»، ولم يُفرِّق بين أن يعود، أو لا يعود مع ذكر التفرقة عن الحسن. وذكر القاضي في «خلافه» (٣) أنه لا دم عليه إذا عاد مطلقًا، وقد ذكره أحمد عن الحسن؛ لأنه قد جمع بين الليل والنهار. مسألة (٤): (والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل) . وجملة ذلك: أن الوقوف بمزدلفة في الجملة واجب. تارةً يُعبِّر عنه أحمد بالوقوف بمزدلفة، وتارةً يعبِّر عنه (٥) بالمبيت بمزدلفة، لقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. والمشعر الحرام: مزدلفة كلها

стр. 3257

كما تقدم، وإن أُريد به نفسُ قُزَح فقد أمر بالذكر عنده، وذلك يحصل بالوقوف فيما حوله، بدليل قول النبي ﷺ : «هذا الموقف، ومزدلفة كلُّها موقف، وارفعوا عن بطنِ مُحسِّر» (١). وأيضًا فإن النبي ﷺ وقف بها، وقال: «خُذوا عنّي مناسِكَكم» (٢)، وقال: «هذا الموقف، ومزدلفة كلها موقف»، كما قال: «هذا الموقف، وعرفة كلها موقف» (٣). فإن طلعت الشمس ولم يقف بالمزدلفة فعليه دم، وحجُّه صحيح. قال أحمد في رواية ابن القاسم: ليس أمرُ جَمْعٍ عندي كعرفة، ولا أرى الناس جعلوها كذلك. وقال صالح (٤): سألت أبي عن رجل فاته الوقوف بجمْعٍ، وقد وقف بعرفة، ومرَّ بجمعٍ بعد طلوع الشمس، قال: عليه دم. وقال أبو طالب: سألت أحمد عن حديث عروة الطائي: «من صلَّى معنا

стр. 3258

صلاةَ الصبح، وقد أتى عرفاتٍ قبلَ ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تمَّ حجُّه». قال: هذا شديد، قلت: فكيف يصنع من أتى عرفات، ولم يشهد جَمْعًا (١) مع الإمام؟ قال: هذا أحسن حالًا ممن لم يَجِئْها. وقد رخّص رسول الله ﷺ للضَّعَفة أن يتعجَّلوا بليلٍ، وصلَّى عمر رضوان الله عليه وجعل ينتظر الأعرابي، وقد (٢) جاء الأعرابي. قلت: فيُجزِئه إذا أتى عرفة، ثم لم يدرك جمعًا؟ (٣) قال: هذا مضطرٌّ، أرجو أن يُجزئه؛ لأن النبي ﷺ قدَّم الضعفة ولم يشهدوا معه. قلت: أليس من لم يقف بجمْعٍ عليه دم؟ قال: نعم عليه دم، إذا لم يقف بجمْعٍ عليه دم، ولكن يأتي جمْعًا (٤) فيمرُّ قبل الإمام. قلت: قبل الإمام يُجزِئه؟ قال: نعم، قد قدَّم النبي ﷺ الضعفة. وقال حنبل: قال عمي: من لم (٥) يقف غداةَ المزدلفة ليس عليه شيء؛ لأن النبي ﷺ قدَّم الضعفة، ولا ينبغي له أن يفعل إلا أن يكون معه ضَعَفة أو غِلْمة، وعليه أن يبيت ليلةَ المزدلفة، وإن لم يَبِتْ فعليه دم. وسئل عمن لم يأت جَمْعًا (٦)؟ قال: ليس عليه شيء إذا أخطأ الطريق، أو كان جاهلًا، فليس عليه شيء إذا لم ينزل، وهو قول الحسن ﵁. وقال حرب: قلت لأحمد: رجل أتى عرفة قبل طلوع الفجر؟ قال: حجه

стр. 3259

جائز إذا وقف بعرفة قبل طلوع الفجر، قيل: فإن لم يقفْ بجَمْعٍ؟ [قال:] (١) جائز. وأحكام جَمْعٍ مضطربةٌ تتلخَّص في مسائل: الأولى: أن الوقوف بها واجب في الجملة؛ لما تقدم. الثانية (٢): أنه ليس بركن، فمن فاته الوقوف بها حتى طلعت الشمس لعذر صحّ حجُّه، وإن تعمَّد تركَ إتيانها، أو سلك إلى منى غيرَ طريقها، فكلامه يقتضي روا ..... (٣)، ينظر ألفاظ الأحاديث. وذلك لأن النبي ﷺ لما سألوه وهو واقف بعرفة كيف [الحجُّ؟] (٤) فقال: «الحج عرفة، من جاء ليلةَ جمْعٍ قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج» (٥). ومعلوم أنه لو كان الحج يفوت بفوات المزدلفة لما قال: «الحج عرفة»، بل قال: الحج عرفة ومزدلفة. وقوله: «من جاء ليلةَ جَمْعٍ قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج» يدلُّ على أمن الفوات؛ لأن من أدرك العبادة لا تفوته البتَّةَ، ولو كان ترك الوقوف بمزدلفة يُفوِّت الحجّ لم يكن الواقف بعرفة مدركًا. وهذا كقوله: «من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر» (٦). نعم، يمكن أن يوجد بعد

стр. 3260

الإدراك ما يُبطِل العبادة، ولا يُبطِل الحجَّ إلا الوطءُ. فأما ترك واجبٍ موقَّتٍ يكون تركه فواتًا للحج فلا. ألا ترى أنه لما أراد أن يبيِّن ما به يتمُّ الحج قال: «من شهد معنا هذه الصلاةَ، ووقف معنا حتى نَدفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تمَّ حجُّه وقضى تَفَثَه» (١). فجعل الوقوف بمزدلفة بعد التعريف، به يَتمُّ الحجّ ويُقضى التَّفَث، إذ لم يبقَ بعده إلا التحلُّل برمي جمرة العقبة وما بعده، فعُلِم بهذين الحديثين أنه بالوقوف بعرفة يُدرَك الحج ويُؤمَن فواتُه، فلو كان بعده ركن موقَّتٌ لم يُدرَك ولم يُؤمَن الفوات، وبالوقوف [ق ٣٦٩] بمزدلفة يتمُّ الحج ويُقضى التَّفَث. وأيضًا ما احتج به أحمد من إجماع الناس حيث قال: «ليس أمرُه عندي كعرفة، ولا أرى الناس جعلوها كذلك»، فذكر أنه لم ير أحدًا من الناس سوَّى بينهما، مع معرفته لمذاهب الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الفتوى. وعن ابن عمر قال: من وقف بعرفة بليل فقد أدرك الحج، وإن لم يُدرك الموقفَ بجَمْعٍ (٢). وعن ابن عباس قال: الحج عرفات، والعمرة لا يجاوز بها البيت، ومن لم يحلَّ عند البيت فلا عمرة له (٣).

стр. 3261

الثالثة: أن من فاته الوقوف بها والمبيتُ فعليه دم ، هذا هو المذهب المنصوص في رواية صالح وغيره. ويحتمل كلامه في رواية حنبل وأبي طالب إذا تركها لعذرٍ لا شيء عليه. وخرَّج القاضي (١) وابن عقيل فيمن لم يمرَّ بها حتى طلعت الشمس، أو أفاض منها أول الليل: لا شيء عليه؛ تخريجًا من إحدى الروايتين في المبيت بمنى؛ لأن المبيت ليس بمقصود لنفسه، وإنما يُقصد للوقوف في غداتها، وذلك ليس بواجب، فما يُقصد له أولى. وهذا التخريج (٢) فاسد على المذهب، باطل في الشريعة؛ فإنّ بين الوقوف بمزدلفة والمبيت بمنى من المباينة في الكتاب والسنة، ما لا يجوز معه إلحاقُ أحدهما بالآخر، إلا كإلحاق الوقوف بين الجمرتين بالوقوف بعرفة. وقولهم: «ليس بمقصودٍ»، قد منعه من يقول: إن الوقت يمتدُّ إلى طلوع الفجر. والتحقيق: أن المقصود هو الوقوف بالمشعر الحرام، ووقته من أواخر الليل إلى طلوع الشمس كما سيأتي. الرابعة: أنه يفوت وقتها بطلوع الفجر، فمن لم يدركها قبل ذلك فعليه دم. هذا هو الذي ذكره القاضي (٣) وعامة أصحابنا بعده؛ لقول أحمد: وعليه

стр. 3262

أن يبيت بالمزدلفة، فإن لم يبت فعليه دم. لأن الواجب هو المبيت بالمزدلفة، والمبيت إنما يكون بالليل كالمبيت بمنى، فإذا طلع الفجر ذهب وقت المبيت. وأصحاب هذا القول لا يرون الوقوف بالمزدلفة واجبًا، وإنما الواجب عندهم المبيتُ بها، ولا يرون الوقوف غداةَ جَمْعٍ من جنس الواجب، بل من جنس الوقوف بين الجمرتين. وهذا القول في غاية السقوط لمن تدبَّر الكتاب والسنة ونصوصَ الإمام أحمد والعلماء قبله. ونقل عنه صالح (١) في رجل فاته الوقوفُ بجمعٍ، وقد وقف بعرفة، ومرَّ بجَمْعٍ بعد طلوع الشمس، قال: عليه دم. ونقل عنه المرُّوذي (٢): إذا وقف بعرفة، فغلبه النومُ حتى طلعت الشمس، عليه دم. فأوجب الدم بفوات الوقوف بها إذا طلعت الشمس. وكذلك قال في رواية أبي طالب (٣): إذا لم يقف بجَمْعٍ عليه دم، ولكن يأتي جمْعًا (٤) فيقف قبل الإمام ويُجزِئه. فجعل الموجب للدم عدم الوقوف، فإذا وقف مع الإمام أو قبله فلا دم

стр. 3263

عليه، وكذلك احتج بحديث عمر لما انتظر الأعرابي، وإنما جاء بعد طلوع الفجر. وعلى هذا إذا لم يقف قبل طلوع الفجر فعليه أن يقف بعد طلوعه، وهذا هو الصواب أن وقت الوقوف لا يفوت إلى طلوع الشمس، فمن وافاها قبل ذلك فقد وقف بها؛ لأن النبي ﷺ وقف بها وأفاض قبيلَ طلوع الشمس، وهذا هو (١) الوقوف المشروع في غداتها، [و] هو المقصود الأعظم من الوقوف بمزدلفة، وبه يتمُّ امتثالُ قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ الآية. وإليه الإشارة بقوله: «هذا هو الموقف، وجَمْعٌ كلها موقف، وارفعوا عن بطن مُحسِّر» (٢). وهذا نظير الوقوف عشية عرفة، وأحد الموقفين الشريفين، فكيف لا يكون له تأثير في الوجوب وجودًا وعدمًا؟ أم كيف لا يكون هذا الزمان وقتًا للنُّسك المشروع بمزدلفة؟ وأيضًا فإن عروة بن مُضرِّس أتى النبي ﷺ وهو بمزدلفة حين خرج لصلاة الفجر، وقال له النبي ﷺ : «من أدرك معنا هذه الصلاةَ، ووقف معنا حتى نَدفعَ، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا، فقد تمَّ حجُّه وقضى تَفَثَه» (٣). وهذا نصٌّ في [أن] مزدلفة تُدرَك بعد طلوع الفجر كما تُدرَك قبل الفجر؛ لأن هذا السائل إنما وافاها بعد طلوع الفجر، وأخبره النبي ﷺ بقضاء حجّه،

стр. 3264

ولم يُخبره أن عليه دمًا، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولا يصح أن يقال: فلعله دخل فيها قبل الفجر ... (١). ولأن النبي ﷺ أخبر أن من أدرك الصلاة والموقفَ بجَمْعٍ، ووقف قبل ذلك بعرفات، فقد تمَّ حجه، ولم يذكر دمًا ولا غيره، ولم يشترط إدراك مزدلفة قبل الفجر، بل نصَّ على الاكتفاء بإدراك الوقوف مع الناس. وفي لفظ: «من أدرك إفاضتَنا هذه» (٢). والإفاضة قبيلَ طلوع الشمس، فأين يُذهَب عن هذا (٣) البيان الواضح من النبي ﷺ . ولأن من أدرك عرفة [ق ٣٧٠] قبيلَ الفجر فمحال أن يُدرِك المزدلفة تلك الليلة، فلو كان هذا المدرك لعرفة قد فاتته المزدلفة وعليه دم لم يصحَّ أن يقال: من أدرك عرفة أدرك الحج مطلقًا، فإنه قد فاته بعض الواجبات، بل أعظم الواجبات؛ ولذلك أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون بعده صرَّحوا بأن من طلع عليه الفجر بعرفة فقد أدرك الحج، من غير ذكرٍ لدمٍ ولا تفويتِ الوقوفِ بالمزدلفة. وأيضًا فإيجاب النُّسك باسم المبيت بمزدلفة لم ينطِقْ [به] كتاب ولا سنة ولا ذكره الصحابة والتابعون، بل الذي في كتاب الله قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾، وهذا يقتضي التعقيب؛ لقوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾.

стр. 3265

فمن أفاض من عرفات عند طلوع الفجر، يذكر الله إذا أفاض بعد طلوع الفجر بنصّ الآية. وأيضًا فإن الله أمر كلَّ مُفيضٍ من عرفات بذكره عند المشعر الحرام، فلو كان وقت هذا الواجب يفوت بطلوع الفجر، لم يُمكِن كلَّ مفيضٍ امتثالُ هذا الأمر. وأيضًا فإن وقت التعريف يمتدُّ إلى طلوع الفجر، فلا بدَّ أن يكون عقيبَه وقتٌ للمشعر الحرام؛ لئلا يتداخل وقت هذين النسكين. وأما السنة: فإن النبي ﷺ [ذكر] (١) الوقوف بالمزدلفة، وشهود صلاة الصبح، والوقوف معه، وإنما جاء المبيت بمزدلفة تبعًا، لأن الوقوف بعد الفجر، وإنما يكون ذلك بعد المبيت، فكيف يكون المقصود تبعًا والتبع مقصودًا؟! وأيضًا فما روى إبراهيم عن الأسود: أن رجلًا قدِمَ على عمر بن الخطاب وهو بجَمْعٍ بعدما أفاض من عرفات (٢)، فقال: يا أمير المؤمنين، قدمتُ الآنَ، فقال: أما كنتَ وقفتَ بعرفات؟ قال: لا، قال: فائْتِ عرفَة، وقِفْ بها هُنَيَّةً (٣)، ثم أَفِضْ. فانطلق الرجل، وأصبح عمر بجَمْعٍ، وجعل يقول: أجاء الرجل؟ فلما قيل: قد جاء، أفاض. رواه سعيد بإسناد صحيح (٤)، واحتج به أحمد.

стр. 3266

فهذا رجل إنما أدرك الناس قبيل (١) الإفاضة من جَمْع؛ لأن مجيئه إلى مزدلفة قبل التعريف لا أثر له، فإن مزدلفة إنما يصحُّ المبيت والوقوف بها بعد عرفة، ومع هذا لم يأمره عمر بدم، بل انتظره ليقف مع الناس، ولو كان وقت الواجب (٢) قد ذهب لما كان لانتظاره معنًى. وأيضًا فإن الوقوف بالمزدلفة بعد الوقوف بعرفة بنصّ الكتاب (٣) والسنة. والعبادات المتعاقبة لا يجوز دخول وقت إحداهما في وقت الأخرى، كأوقات الصلوات. ووقت عرفة يمتدُّ إلى طلوع الفجر، فلو كان وقت مزدلفة ينتهي إلى ذلك الوقت لكان وقت مزدلفة بعضَ وقت عرفة، وذلك لا يجوز. وأما قولهم: المبيت بمزدلفة واجب. قلنا: هذا غير مسلَّم، فإن من أدركها في النصف الثاني أو قبيلَ طلوع الفجر لا يُسمَّى بائتًا بها، ألا ترى أن المبيت بمنى لما كان واجبًا لم يجزْ أن يبيتَ بها لحظةً من آخر الليل حتى يبيتَ بها معظمَ الليل. نعم من أدركها أولَ الليل فعليه أن يبيت بها إلى آخر الليل؛ لأجل أن الوقوف المطلوب هو في النصف الآخر، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب، وصار هذا مثل الوقوف الواجب بعرفة هو آخر النهار، فإذا نزلوا بنَمِرَة أقاموا إلى نصف النهار لانتظار الوقوف، لا لأن النزول بنَمِرةَ هو المقصود، ولو تأخَّر الإنسان إلى وقت الوقوف أجزأ، كذلك هنا.

стр. 3267

الخامسة: من وافاها أولَ الليل فعليه أن يبيتَ بها، بمعنى أن يُقِيم بها، لا يجوز له الخروج منها إلى آخر الليل . قال أحمد في رواية حنبل (١): وعليه أن يبيت بمزدلفة، وإن لم يبِتْ فعليه دم. ثم إن كان من أهل الأعذار ــ مثل النساء، والصبيان، والمرضى، ومن يقوم بهم ــ فله الدفعُ منها في آخر الليل من غير كراهةٍ، كما تقدم. وأما غيرهم فالسنة له أن يقيم إلى أن يقف بعد طلوع الفجر. وفي الوقت الذي يجوز الدفع فيه روايتان: إحداهما: يجوز الدفع بعد نصف الليل، قال حرب (٢): قلت لأحمد: رجل خرج من المزدلفة نصف الليل، فأتى منًى وعليه ليل، يرمي الجمار؟ قال: نعم، أرجو أن لا يكون به بأس. قلت لأحمد: فإنه مضى من [منًى] (٣) حتى أتى مكة، فطاف طواف الزيارة قبل أن يطلع الفجر؟ قال: لا يمكنه أن يأتي مكة بليل. ولعل حربًا سأل أحمد عن هاتين المسألتين في وقتين؛ لأن في أول المسألة أنه أباح الإفاضة نصفَ الليل، وفي آخرها قال (٤): «لا يجوز الخروج من جَمْعٍ حتى يغيب القمر»، وبينهما زمن جيد. وقال عنه في موضع آخر (٥) وقد سئل عن الإفاضة من جَمْعٍ من غير عذر، فقال: أرجو،

стр. 3268

إلا أنه قال: في وجه السَّحَر. وهذا قول القاضي (١) ومن بعده من أصحابنا، لما روي عن عائشة قالت: أرسل النبي ﷺ بأم سلمة ليلةَ النحر، فرمَتِ الجمرة قبل الفجر، ثم مضتْ، فأفاضت، وكان ذلك اليومُ [اليومَ] (٢) الذي يكون رسول الله ﷺ ــ تعني ــ عندها. [ق ٣٧١] رواه أبو داود (٣). وفي رواية لابن أبي حاتم (٤): عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم سلمة قالت: قدَّمني النبي ﷺ فيمن قدَّم من أهله ليلةَ المزدلفة، قالت: فرميتُ الجمرة بليلٍ، ثم مضيتُ إلى مكة، فصلَّيتُ بها الصبحَ، ثم رجعتُ إلى منًى». قالوا: ومن المنزل إلى مكة نحو من سبعة أميال وأكثر (٥)، ومن موقف الإمام بعرفة إلى باب المسجد الحرام بَريدٌ، اثنا عشر ميلًا. ومن يسير إلى منًى، ويرمي الجمرة، ويطوف للإفاضة، ثم يصلّي الصبح= لا يقطع سبعةَ أميال إلا أن يكون أفاضَ بليلٍ.

стр. 3269

ولأن أكثر الشيء يقوم مقامَ جميعه، فإذا بات أكثرَ الليل بالمزدلفة صار في حكم من بات جميعَها، لما رخَّص النبي ﷺ في الإفاضة منها قبل طلوع الفجر. فعلى هذا: العبرةُ بنصف الليل المنقضي بطلوع الفجر أو بطلوع ... (١). و الرواية الثانية: لا تجوز الإفاضة قبل مَغيبِ القمر ، وإنما يغيب قبل الفجر بمنزلتين من منازل القمر، وهما أقلُّ من ساعتين. قال في رواية حرب أيضًا: لا يجوز أن يخرج من جَمْعٍ حتى [يغيب] (٢) القمر. وأكثر نصوصه على هذا؛ لأن الذي في الأحاديث الصحيحة: أن النبي ﷺ أرخصَ للضَّعفة أن يُفيضوا من جَمْعٍ بليل، ولم يُوقِّته، بل إنما قدَّمهم في وجه السَّحَر. وكان ابن عمر يُقدِّم ضَعَفة أهلِه، فيقفون (٣) عند المشعر الحرام بالمزدلفة، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفع بهم، فمنهم من يَقْدَم منًى لصلاة الفجر، ومنهم من يَقْدَم بعد ذلك، فإذا قَدِمُوا رَمَوا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أَرْخَصَ في أولئك رسول الله ﷺ . متفق عليه (٤).

стр. 3270

ولم يجئ توقيتٌ في (١) حديثٍ إلا حديث أسماء، رواه عبد الله التَّيْمي (٢) مولاها أنها نزلتْ ليلةَ جَمْعٍ عند المزدلفة، فقامت تُصلِّي، فصلَّتْ ساعةً، ثم قالت: يا بُنيَّ هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلَّتْ ساعةً، قالت: يا بُنيَّ هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحِلوا، فارتحلنا، ومضينا حتى رَمَت الجمرة، ثم رجعتْ فصلَّت الصبحَ في منزلها، فقلت لها: يا هَنْتَاه (٣)، ما أُرانا إلا قد غلَّسْنا، قالت: يا بُنيَّ، إن رسول الله ﷺ أذِنَ للظُّعُن. متفق عليه (٤). فهذه أسماء قد روت الرخصةَ عن النبي ﷺ ، وجعلَتْها موقَّتةً بمغيب القمر، إذ كانت هي التي قد (٥) روت الرخصة (٦)، وليس في الباب (٧) شيء موقَّت أبلغُ من هذا. وسائر الأحاديث لا تكاد تبلُغ هذا الوقت. وحديث أم سلمة لا يخالفه، فإن ستة أميال وسبعة أميال (٨) تُقطَع في أقلَّ من ثلاث ساعات بكثير، بل في قريب من ساعتين، فإذا قامتْ بعد مغيب القمر أدركَتِ الفجرَ بمكة إدراكًا حسنًا. وأما طوافها ... (٩).

стр. 3271

وعلى هذا، فيكون المبيت واجبًا إلى أن يبقى سُبُعا الليلِ إذا جُعِل آخرُه طلوعَ الشمس، وذلك أقلُّ من الثُّلُث، ولا يَصِلُون إلى جَمْعٍ إلا بعد أن يمضي شيء من الليل، فتكون الإفاضة من جَمْعٍ جائزةً إذا بقي من وقت الوقوف الثلثُ. وتقدير الرُّخَص (١) بالثُّلُث له نظائرُ في الشرع، والتقدير بالأَسباع له نظائر، خصوصًا في المناسك، فإن أَمْر الأسباعِ فيه غالب، فيجوز أن يكون الوقوف بمزدلفة مقدَّرًا بالأَسباع. فصل وهل يجب هذا المبيت على أهل السقاية والرِّعاء؟ قال .... (٢). المسألة السادسة: أن من وافاها بعد جواز الإفاضة منها، إما بعد منتصف الليل، أو بعد مغيب القمر، أو بعد طلوع الفجر على ما مضى= أجزأه ذلك ولا دم عليه، وسواء نزل بها أو لم ينزل. قال في رواية أبي الحارث (٣) فيمن أفاض من جَمْعٍ بليلٍ قبل طلوع الفجر، فقال: إذا نزل بها، أو مرَّ بها، فأرجو أن لا يكون عليه شيء إن شاء الله تعالى. وقال أبو طالب: قلت: أليس من لم يقف بجَمْعٍ عليه دم؟ قال: نعم، إذا لم يقفْ بجَمْعٍ عليه دم، لكن يأتي جَمْعًا (٤) فيمرُّ قبل الإمام، قلت: قبل

стр. 3272

الإمام يُجزئه؟ قال: نعم، قد قدَّم النبي ﷺ الضَّعفةَ. المسألة السابعة: من لا عذر له فإنه يجوز أن يخرج منها قبل طلوع الفجر، ويكون وقوفه الواجب مُكْثَه بها قبل ذلك، والمستحبُّ وقوفه عند قُزَح قبل ذلك. هذا هو المذهب، وقد نصَّ عليه في رواية الجماعة. قال في رواية حنبل (١): من لم يقف غداة المزدلفة ليس عليه شيء. وقال في رواية أبي طالب: يأتي جَمْعًا (٢) فيقف قبل الإمام يُجزِئه. وقد تقدم نصُّه في رواية حنبل وأبي الحارث. وقال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: يدفع من مزدلفة قبل الإمام؟ قال: المزدلفة عندي غير عرفة، وذكر حديث ابن عمر أنه دفعَ قبل ابن الزبير (٣). قيل لأبي عبد الله: كأن سنة المزدلفة عندك غيرُ سنة [ق ٣٧٢] عرفة؟ قال: نعم، واحتجَّ على ذلك بأن النبي ﷺ قدَّم الضَّعفةَ، ولم يشهدوا معه الموقفَ بجَمْعٍ. ولو كان الوقوف بالغداة واجبًا لما سقط عن الظُّعُن ولا غيرِهم، كالوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، وكرمي الجمار، وغير ذلك من الواجبات. ولأنهم من حين يدخلون إلى المزدلفة فهم في الوقوف (٤) بالمشعر الحرام إلى أن يخرجوا منها، فجاز التعجيلُ منها لطول المُقام بها رخصةً

стр. 3273

وتخفيفًا، بخلاف عرفات فإن الوقوف بها ليس بطويل. ولأن الوقوف بالمزدلفة ليس بمحدود المبتدأ، فإن الناس يجيئون إليها على قدر سَيْرهم، فجاز أن لا يكون محدود المنتهى، فيخرجون منها كذلك، بخلاف عرفات، فإنما (١) يدخلونها وقتَ الزوال، ويخرجون منها بعد الغروب. وهذا لأنه لما لم (٢) يتقيَّدوا بالإمام في مبتدأ الوقوف بمزدلفة، لم يتقيَّدوا به في منتهاه، وعرفة بخلاف ذلك. وأيضًا فإن عرفات كان المشركون يتعجَّلُون منها، فسُنَّ لنا مخالفتُهم بإيجاب التأخير إلى غروب الشمس، وكانوا يتأخّرون بالمزدلفة إلى طلوع الشمس، فسُنَّ لنا التعجيلُ منها قبل ذلك مخالفةً لهم، فجاز أن يُوسَّع وقتُ التعجيل وأن يُفِيض قبل الإمام، لأن ذلك أبعدُ عن التشبُّه بهدْيِ المشركين. وهذا معنى قول أحمد: «سنة عرفة غير سنة المزدلفة». وقد أجاب أحمد عن قول النبي ﷺ : «من صلَّى معنا هذه الصلاةَ، ووقف معنا حتى تطلعَ الشمسُ، فقد تمَّ حجُّه، وقضى تَفَثَه» بأن منطوق الحديث لا إشكالَ فيه. وأما مفهومه فليس على عمومه، إذ لا يجوز أن يكون معناه: من لم يُصلِّ معنا ويقف إلى طلوع الشمس لم يتمَّ حجُّه؛ لأن النبي ﷺ قدَّم الضَّعفةَ، ولم يصلُّوا معه ولم يقفوا. وعمر ﵁ انتظر الأعرابي بين ظهرانَي المسلمين، حتى جاء ولم يصلِّ، والناس يرون ذلك، ولم ينكر أحد عليه فوتَ الصلاة.

стр. 3274

وذلك لأن هذا مفهومُ منطوقٍ خرج جوابًا عن سؤال سائل، فإن عروة بن مُضرِّس كان قد أدرك مع النبي ﷺ الصلاةَ والوقوفَ، فذكر النبي ﷺ حكْمَ من هو في حاله أن حجَّه تامٌّ. ومثلُ هذا قد لا يكون له مفهوم؛ لأن التخصيص بالذكر كان (١) لأجل حال السائل. وفيه (٢) فائدة أخرى، وهو أن من أدرك الصلاة فإنه يكون قد أدرك الوقوفَ بعرفة قبل ذلك، بخلاف من لم يُدرِك الصلاة، فإنه قد لا يكون دخل عرفة إلا بعد الفجر. وفيه أيضًا وجوب الوقوف مع الإمام على من لم يقفْ قبل طلوع الفجر، على ما ذكرناه فيما تقدَّم. و يتوجَّه وجوب الوقوف بعد الفجر لغير أهل الأعذار ، لما روتْ عائشة قالت: كانت سودةُ امرأةً ضخمةً ثَبِطَةً، فاستأذنتْ رسولَ الله ﷺ أن تُفِيضَ من جَمْعٍ بليلٍ، فأذِنَ لها. فقالت عائشة: فليتني كنت استأذنتُ رسول الله ﷺ كما استأذنتْه سودةُ، وكانت عائشةُ [لا تُفيضُ] (٣) إلا مع الإمام (٤). وفي رواية (٥): ودِدتُ أني كنت استأذنتُ رسول الله ﷺ كما استأذنتْه سودةُ، فأصلِّي الصبحَ بمنًى، فأرمي الجمرةَ قبل أن يأتي الناسُ. فقيل لعائشة: فكانت سودةُ استأذنتْه؟ قالت: نعم، إنها كانت ثقيلةً ثَبِطَةً، فاستأذنتُ لها رسولَ الله ﷺ ، فأذِنَ لها.

стр. 3275

وفي رواية (١): استأذنتْ سودةُ رسولَ الله ﷺ ليلةَ المزدلفة تدفع قبله، وقبل حَطْمَةِ الناس، وكانت امرأة ثَبِطَةً، يقول القاسم: والثَّبِطة الثقيلة، قالت: فأذِنَ لها، فخرجتْ قبلَ دفعِه، وحبسنا حتى أصبحنا، فدفعنا بدفعِه. ولأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنتْه سودةُ، فأكون أدفعُ بإذنه أحبُّ إليَّ من مَفروحٍ به. متفق عليه. فلو كان الإذن في الدفع قبل الإمام عامًّا للناس لم تستأذنه عائشة لسودة، ولو فهمتْ وهي السائلة له أن إذنَه لسودة إذنٌ لكل الناس لم تتأسَّفْ على أنها لم تستأذِنْه لنفسها، وهي أعلم بمعنى ما سألتْه وما أجابها، وإنما كانت الرخصة مقصورةً على ذي العذر، فخشيتْ عائشة أن لا تكون هي من جملة أولي (٢) الأعذار، فبنَتْ على الأصل. وأيضًا قول ابن عمر: «أَرْخَصَ في أولئك رسول الله ﷺ » وفي لفظ: «لضعفة الناس» وقول أسماء: «إن رسول الله ﷺ أذِنَ للظُّعُن»، كلٌّ دليلٌ (٣) على أن الإذن خاصٌّ بالظُّعُن، وأن العُرف (٤) المستقرَّ بينهم أن لا تجوز (٥) إفاضة أحدٍ حتى يُفِيضَ الإمام، حتى رُوِيت الرخصةُ في الضعفاء، ولا [ق ٣٧٣] يلزم من الإذن للضَّعفة الإذنُ لغيرهم؛ لأن تخصيصَ النبي ﷺ وأصحابه لهم بالذكرِ والإذنِ من بين سائر الناس دلَّ على أن حكم غيرهم بخلاف ذلك.

стр. 3276

ولأن الأصل وجوب اتباعه في جميع المناسك بقوله ﷺ : «خُذوا عنّي مناسِكَكم»، لا سيما وفعلُه ﷺ خرج امتثالًا لقوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾. والفعل إذا خرج امتثالًا لأمرٍ كان بمنزلته، والأمر للوجوب. ولا يجوز أن يقال: فالذكر ليس بواجب؛ لأن أمر الله في كتابه للوجوب، لا سيَّما في العبادات المحضة، وهناك ذكرٌ واجبٌ بالإجماع، وهو صلاة الفجر بمزدلفة، على أنه يحتاج من قال: «إن الذكر لا يجب» إلى دليل. مسألة (١): (والسعي) . يعني به بين الصفا والمروة. وقد اختلفت الرواية عن أحمد فيه؛ فروي عنه أنه ركن لا يتمُّ الحج والعمرة إلا به؛ قال في رواية الأثرم (٢) فيمن انصرف ولم يسْعَ: يرجع فيسعى، وإلا فلا حج له. وقال في رواية ابن منصور (٣): إذا بدأ بالصفا والمروة قبل البيت (٤) لا يُجزِئه.

стр. 3277

وقال في رواية أبي طالب (١) في معتمر طاف فواقعَ أهلَه قبل أن يسعى: فسدت عمرته، وعليه مكانها، ولو طاف وسعى ثم وطئ قبل أن يحلق أو يُقصِّر فعليه دم، إنما العمرة: الطواف والسعي والحلاق. وروي عنه أنه سنة، قال في رواية أبي طالب (٢): فيمن نسي السعي بين الصفا والمروة، أو تركه عامدًا، فلا ينبغي له أن يتركه، وأرجو أن لا يكون عليه شيء. وقال في رواية الميموني (٣): السعي بين الصفا والمروة تطوُّعٌ، والحاجُّ والقارن والمتمتع عند عطاء واحد، إذا طافوا ولم يسعَوا. وقال في رواية حرب (٤) فيمن نسي السعي بين الصفا والمروة حتى أتى منزله: لا شيء عليه. وقال القاضي في «المجرد» ... (٥) وغيره: هو (٦) واجب يَجْبُره دم. وهذا هو الذي ذكره الشيخ في كتابه (٧). فمن قال: إنه تطوُّع، احتجَّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ

стр. 3278

شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]، فأخبر أنهما من شعائر الله، وهذا يقتضي أن الطواف بهما مشروع مسنون، دون زيادة على ذلك، إذ لو أراد زيادةً لأمرَ بالطواف بهما كما قال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. ثم قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، ورفعُ الجُناحِ وإن كان لإزالة الشبهة التي عرضتْ لهم في الطواف بهما كما سيأتي إن شاء الله، فإن هذه الصيغة تقتضي إباحة الطواف بهما، وكونُهما من شعائر الله يقتضي استحباب ذلك. فعُلِم أن الكلام خرج مخرجَ الندب إلى الطواف بهما، وإماطةِ الشبهة العارضة. فأما زيادةً على ذلك فلا. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، وإذا ندبَ الله إلى أمر وحسَّنه ثم ختم ذلك بالترغيب في التطوع، كان دليلًا على أنه تطوع، وإلا لم يكن بين فاتحة الآية وخاتمتها نسبة. وعن عطاء عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: (أن لا يَطَّوَّف بهما) (١). وعن عطاء في قراءة ابن مسعود، أو في مصحف ابن مسعود: (أن لا يطَّوَّف بهما) (٢). رواهما أحمد في «الناسخ والمنسوخ». وعن أنس قال: كانت الأنصار يكرهون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، حتى نزلت: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا

стр. 3279

جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. متفق عليه، لفظ مسلم (١). ولفظ البخاري (٢): عن عاصم بن سليمان قال: سألت أنس بن مالك عن الصفا والمروة، قال: كنّا نرى [أنهما] من أمر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكْنا عنهما، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فذكر إلى ﴿بِهِمَا﴾. فهذا أنس بن مالك قد علم سبب نزول الآية، وقد كان يقول: «إنه تطوُّع» (٣)، فعُلِم أنه فَهم من الآية أنها خرجت مخرجَ الندب والترغيب في التطوع. وأما من قال: إنها واجبة في الجملة، وهو الذي عليه جمهور أصحابنا، فإن الله قال: هما ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، وكل ما كان من شعائر الله فلا بدَّ من نُسكٍ واجبٍ بهما، كسائر الشعائر من عرفة ومزدلفة ومنى والبيت، فإن هذه الأمكنة جعلها الله شعائر له (٤)، يُذكَر فيها اسمه، ويُتعبد فيها له ويُنسَك، حتى صارت أعلامًا، وفَرض على الخلق قصدَها وإتيانها. فلا يجوز أن يُجعَل المكان شعيرةً لله وعَلَمًا له، ويكون الخلق مخيَّرين بين قصدِه والإعراضِ عنه؛ لأن الإعراض عنه مخالف لتعظيمه، وتعظيم [ق ٣٧٤]

стр. 3280

الشعائر واجب، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، والتقوى واجبة على الخلق، وقد أمر الله بها ووصَّى بها في غير موضع، وذمَّ من لا يتقي الله ومن استغنى عن تقواه، وتوعَّده (١). فإذا (٢) كان الطواف بهما تعظيمًا لهما، وتعظيمُهما من تقوى القلوب، والتقوى واجبة= كان الطواف بهما واجبًا، وفي ترك الوقوف بهما تركٌ لتعظيمهما، كما أنَّ (٣) تركَ الحج بالكلية تركٌ لتعظيم الأماكن التي شرَّفها الله، وترك تعظيمها من فجور القلوب بمفهوم الآية. وأما قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فنفس [الآية] (٤) تدلُّ على أنه لم يَقصِد بذلك مجردَ إباحة الوقوف، بحيث يستوي وجوده وعدمه، لأنه جعلهما (٥) من شعائر الله، ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾، والحكم إذا تعقّب الوصف بحرف الفاء عُلِم أنه علة، فيكون كونهما من شعائر الله موجبًا لرفع الحرج. ثم أتبع ذلك بما يدلُّ على الترغيب، وهو قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ الآية. نعم هذه الصيغة (٦) لا تُستعمل إلا فيما يُتوهَّم حَظْرُه، لانعقاد سبب قد يقتضي حَظْره (٧)، كقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ

стр. 3281

الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ الآية [المائدة: ٩٣]، فإن المحرِّم للميتة موجود حالَ الاضطرار، والموجِب للصلاة موجود حالَ السفر، كذلك هنا كانت هاتان الشعيرتان قد انعقد لهما سبب من أمور الجاهلية، خِيفَ أن يحرُم التطوُّفُ بهما لذلك. وقد تقدَّم عن أنس أنهم كانوا يكرهون الطواف بهما حتى أنزل الله هذه الآية. وعن الزهري عن عروة قال: سألتُ عائشة، فقلت: أرأيتِ قول الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فواللهِ ما على أحدٍ جُناحٌ أن لا يطَّوَّف بالصفا والمروة، قالت: بئس ما قلتَ يا ابن أختي (١)، إنّ هذه لو كانت كما أولَّتَها عليه كانت: (لا جناحَ [عليه] أن لا يطَّوَّف بهما)، ولكنها أُنزِلتْ في الأنصار، كانوا قبل أن يُسلموا يُهِلُّون لمناةَ الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلَّل، فكان من أهلَّ يتحرَّج أن يطوف بين الصفا والمروة، فلما [أسلموا] سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنّا نتحرَّج أن نطوف بالصفا والمروة، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قالت عائشة ﵂: وقد سَنَّ رسول الله ﷺ الطوافَ بينهما، فليس لأحدٍ أن يترك الطواف بينهما. ثم أخبرتُ (٢) أبا بكر بن عبد الرحمن، فقال: إن هذا لعِلْمٌ ما كنتُ سمعتُه، ولقد سمعتُ رجالًا من أهل العلم يذكرون أن الناس ــ إلا من ذكرتْ

стр. 3282

عائشة ــ ممن كان يُهِلُّ لمناةَ كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الطواف (١) بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول الله، كنّا نطوف بالصفا، وإن الله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرجٍ أن نطوف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قال أبو بكر: فأسمعُ هذه الآية نزلتْ في الفريقين كلاهما (٢)؛ في الذين كانوا يتحرَّجون أن يطوفوا في الجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرَّجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام، من أجْلِ أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا، حتى ذكر ذلك بعدما ذكر الطواف بالبيت. متفق عليه (٣). وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: قلت لعائشة وأنا حديث السِّنّ: أرأيتِ قول الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فما أرى على أحدٍ شيئًا أن لا يطوفَ بهما، فقالت عائشة: كلّا، لو كانت كما تقول كانت (فلا جناحَ عليه أن لا يطوف بهما)، إنما نزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يُهِلّون لمناةَ، وكانت مناةُ حذوَ قُدَيدٍ، وكانوا يتحرَّجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا

стр. 3283

رسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾» متفق عليه (١). وفي لفظ لمسلم (٢): «إنما أُنزِل هذا في أناسٍ من الأنصار كانوا إذا أهلُّوا أهلُّوا لمناةَ في الجاهلية، فلا يحلُّ لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة». وفي لفظ له (٣): «إن الأنصار كانوا قبل أن يُسلموا هم وغسَّانُ [ق ٣٧٥] يُهِلُّون لمناةَ، فتحرَّجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سنةً في آبائهم، من أحرمَ لمناةَ لم يطُفْ بين الصفا والمروة». وقد روى الأزرقي (٤) عن ابن إسحاق أن عمرو بن لُحَيٍّ نصب بين الصفا والمروة (٥) صنمًا يقال له: نَهِيك مُجاوِدُ الريح، ونصب على المروة صنمًا يقال له: مُطعِم الطير، ونصب مناةَ على ساحل البحر مما يلي قُدَيدًا (٦)، وهي التي كانت الأزد وغَسَّانُ يحجُّونها ويعظِّمونها (٧)، فإذا طافوا بالبيت وأفاضوا من عرفات وفرغوا من منى، لم يَحلِقوا إلا عند مناةَ، وكانوا يُهِلّون لها، ومن أهلَّ لها لم يطُفْ [بين] الصفا والمروة، لمكان الصنمين اللذين عليهما: نَهيك مُجاودِ الريح، ومُطعِم الطير، فكان هذا الحي من

стр. 3284

الأنصار يُهِلُّون لمناةَ. قال: وكانت مناةُ للأوس والخزرجِ، وغسانَ من الأزد، ومن كان يَدينها من أهل يثرِب وأهل الشام، وكانت على ساحل البحر من ناحية المُشلَّل بقُدَيدٍ. وذكره بإسناده عن ابن السائب، قال: كانت صخرةً لهذيل، وكانت بقُدَيدٍ. فقد تبيَّن أن الآية قُصِد بها رفْعُ ما توهَّمه (١) الناس أن الصفا والمروة من جملة الأحجار التي كان أهل الجاهلية يعظِّمونها. أما الأنصار في الجاهلية فكانوا يتركون الطواف بهما لأجل الصنم الذي كانوا يُهِلُّون له، ويَحِلُّون عنده، مضاهاةً بالصنمين اللذين كانا على الصفا والمروة. وأما غيرهم فلكون أهل الجاهلية غيرِ الأنصار كانوا يعظِّمونهما، ولم يجرِ لهما ذكرٌ في القرآن. وهذا السبب يقتضي تعظيمهما وتشريفهما مخالفةً للمشركين، وتعظيمًا لشعائر الله، فإن اليهود والنصارى لما أعرضوا عن تعظيم الكعبة قال الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وأوجب حجَّها على الناس (٢). فإذا كانت الصفا والمروة مما أعرض عنه بعض المشركين وهو من شعائر الله، كان الأظهر إيجابَ العبادة عنده كما وجبت العبادة عند البيت، ولذلك سنَّ النبي ﷺ مخالفةَ المشركين، حيث كانوا يُفِيضون من المزدلفة، فأفاض من عرفات، وصارت الإفاضة من عرفات واجبة، ووقف إلى غروب الشمس، فصار الوقوف بها واجبًا. فقد رأينا كل مكانٍ من

стр. 3285

الشعائر أعرض المشركون عن النُّسك فيه، أوجب الله النسك فيه. وأما قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فإن التطوع في الأصل مأخوذ من الطاعة، وهو الاستجابة والانقياد، يقال: طوَّعتُ الشيء فتطوَّعَ أي سهَّلتُه فتَسهَّل، كما قال: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣٠]، وتطوَّعتُ الخيرَ: إذا فعلتَه بغير تكلُّف وكراهية. ولما كانت مناسك الحج عبادة محضة، وانقيادًا صِرفًا، وذلًّا للنفوس، وخروجًا عن العزّ والأمور المعتادة، وليس فيها حظٌّ للنفوس، فربما قبَّحها الشيطان في عين الإنسان، ونهاه عنها، ولهذا قال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦]. قال رجال (١) من أهل العلم: هو طريق الحج (٢). وقال بعد أن فرض: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، لعلمه أن من الناس من قد يكفُر بهذه العبادة وإن لم يكفُر بالصلاة والزكاة والصيام، فلا يرى حجَّه بِرًّا ولا تركَه إثمًا. ثم الطواف بالصفا والمروة خصوصًا، فإنه مطاف بعيد، وفيه عَدْوٌ شديد، وهو غير مألوف في غير الحج والعمرة، فربما كان الشيطان أشدَّ تنفيرًا عنهما، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾، فاستجابَ لله وانقادَ له، وفعلَ هذه العبادة طوعًا لا كرهًا، عبادةً لله وطاعةً له ولرسوله. وهذا مبالغة في الترغيب فيهما، ألا ترى أن الطاعة موافقة الأمر، وتطوُّعُ الخير خلافُ تكرُّهِه. فكل فاعلِ خيرٍ طاعةً لله طوعًا لا كرهًا، فهو متطوِّعٌ خيرًا، سواء كان

стр. 3286

واجبًا أو مستحبًّا، نعم مُيِّز الواجب بأخصِّ اسميه، فقيل: فرض وواجب (١)، وبقي الاسم العام في العرف غالبًا على أدنى القسمين، كلفظة (٢) الدابة والحيوان وغيرهما. وأيضًا فإن النبي ﷺ طاف في عُمَرِه كلها (٣) وفي حجَّته ــ والمسلمون معه ــ بين الصفا والمروة، وقال: «لتأخذوا عنّي مناسِكَكم»، والطواف بينهما من أكبر المناسك، وأكثرِها عملًا، وخرج ذلك منه مخرجَ الامتثال لأمر الله بالحج في قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وفي قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ومخرجَ التفسير والبيان لمعنى هذا الأمر، فكان فعلُه هذا على الوجوب، ولا يخرج عن ذلك إلا هيئاتٌ في المناسك وتتمّات، وأما جنس تامٌّ من المناسك ومشعرٌ من المشاعر [ق ٣٧٦] يقتطع عن هذه القاعدة، فلا يجوز أصلًا، وبهذا احتجَّ أصحاب رسول الله ﷺ . قال عمرو بن دينار: سألنا ابن عمر عن رجل قدِمَ بعمرة، فطاف بالبيت ولم يطفْ بين الصفا والمروة، أيأتي امرأته؟ فقال: قدِمَ رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعًا، وصلَّى خلف المقام ركعتين، وبين الصفا والمروة سبعًا، وقد كان لكم في رسول الله ﷺ أسوة حسنة. متفق عليه (٤)، زاد البخاري (٥): «وسألنا جابر بن عبد الله، فقال: لا يَقربنَّها حتى يطوف بالصفا والمروة».

стр. 3287

وأيضًا فما روى ابن عمر وعائشة أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «من كان منكم أهدى فإنه لا يَحِلُّ من شيء حَرُم منه حتى يقضي حجَّه، ومن لم يكن أهدى فليطُفْ بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصِّر ولْيحلِلْ، ثم لِيُهِلَّ بالحج ولْيُهْدِ»، وذكر الحديث. متفق عليه (١). وهذا أمر من النبي ﷺ ، وهو للإيجاب، لاسيّما في العبادات المحضة، وفي ضمنِ (٢) أشياءَ كلُّها واجب. وعن عائشة قالت: أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هديٌ إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يَحِلَّ. متفق عليه (٣). فأمره بالحِلّ بعد الطوافين، فعُلِم أنه لا يجوز التحلُّل قبل ذلك. وعن أبي موسى قال: أهللتُ بإهلال النبي ﷺ ، قال: «هلْ معك من هَدْيٍ؟» قلت: لا، فأمرني فطفتُ بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أمرني فأحللتُ (٤)، وفي لفظ (٥): «فطُفْ بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حِلَّ» متفق عليه. ثم من قال: هو واجب يجب بتركهما هَدْيٌ، قال: قد دلَّت الأدلة على وجوبهما، لكن لا يبلغ مبلغَ الركن، لأن المناسك إما وقوف أو طواف، والركن من جنس الوقوف نوع واحد، فكذلك الركن من جنس الطواف

стр. 3288

يجب أن يكون طوافًا واحدًا؛ لأن أركان الحج لا يجوز أن تتكرَّر من جنس واحدٍ، كما لا يتكرر وجوبه بالشرع. ولأن الركن يجوز أن يكون مقصودًا بإحرام، فإنه إذا وقفَ بعرفة ثم مات فُعِلَ عنه سائرُ الحج، وتمَّ حجُّه، وإذا خرج من مكة قبل طواف الزيارة رجع إليها محرمًا للطواف فقط. والسعي لا يُقصَد بإحرام، فهو كالوقوف بمزدلفة ورمي الجمار. ولأن نسبة الطواف بهما إلى الطواف بالبيت كنسبة الوقوف بمزدلفة إلى وقوف عرفة، لأنه وقوفٌ بعد وقوف، وطوافٌ بعد طواف، ولأن الثاني لا يصحُّ إلا تبعًا للأول؛ فإنه لا يجوز الطواف بهما إلا بعد الطواف بالبيت، ولا يصحُّ الوقوف بمزدلفة إلا إذا أفاض من عرفات. وقد دلَّ على ذلك قوله: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، وقوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآية، فإذا كان الوقوف المشروع بعد عرفة ليس بركن، فالطواف المشروع بعد طواف البيت أولى أن لا يكون ركنًا؛ لأن الأمر بذاك في القرآن أظهر. وذلك لأن ما لا يُفعل إلا تبعًا لغيره يكون ناقصًا عن درجة ذلك المتبوع، والناقص عن الركن هو الواجب؛ ولهذا كل ما يُفعَل بعد الوقوف بعرفة تبعًا له فهو واجب. وطَرْدُ ذلك أركانُ الصلاة، فإنّ بعضها يجوز أن ينفرد عن بعض؛ فإن القيام يُشرَع وحدَه في صلاة الجنازة، والركوع ابتداءً في صلاة المسبوق، والسجود عند التلاوة والسهو، ولو عجز عن بعض أركان الصلاة أتى بما بعده، فعُلِم أنه ليس بعضها تبعًا لبعض، وهنا إذا فاته الوقوف بعرفة لم يجُزْ فعلُ ما بعده.

стр. 3289

ولأنه لو كان ركنًا لشُرِع من جنسه ما ليس بركنٍ، كالوقوف من جنسه الوقوف بمزدلفة. ولأنه لو كان لتوقَّتَ أولُه وآخره كالإحرام والطواف والوقوف، والسعي لا يتوقَّتُ. ومن قال: إنه ركن احتجَّ على ذلك بما روتْ صفية بنت شيبة أخبرتْني حَبيبة بنت أبي تِجْراةَ إحدى نساء بني عبد الدار قالت: نظرتُ إلى رسول الله ﷺ يسعى بين الصفا والمروة، فرأيتُه يسعى وإن مِئزره ليدور من شدَّة السعي، حتى أقول إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول: «اسعَوْا، فإنّ الله كتبَ عليكم السعي». وفي رواية: رأيتُ رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم، وهو يسعى حتى أرى ركبته من شدّة السعي يدور به إزاره، وهو يقول: «اسْعَوا، فإن الله كتبَ عليكم السعي». رواه أحمد (١)، ورواه أيضًا (٢) عن صفية [أنَّ] امرأةً أخبرتْها أنها سمعت النبي ﷺ بين الصفا [ق ٣٧٧] والمروة يقول: «كُتِب عليكم السعيُ فاسْعَوا». وأيضًا فإن النبي ﷺ أمر به كما أمر بالطواف بالبيت في قَرَنٍ واحد،

стр. 3290

وأمرُه على الوجوب كما تقدَّم، وما ثبت وجوبه تعيَّن فعلُه، ولم يجُزْ أن يُقام غيرُه مقامَه إلا بدليل. وأيضًا فإنه نسكٌ يختصُّ بمكان، يُفعل في الحج والعمرة، فكان ركنًا كالطواف بالبيت، وذلك لأن تكرُّره في النسكين دليل على قوته، واختصاصُه بمكانٍ دليلٌ على وجوب قصد ذلك الموضع، وقد قيل: نُسكٌ يتكرر في النسكين، فلم يَنُبْ عنه الدم، كالطواف والإحرام. وأيضًا فإن الأصل في جميع الأفعال أن يكون ركنًا، لكن ما يُفعل بعد الوقوف لم يكن ركنًا؛ لأنه لو كان ركنًا لفات الحجُّ بفواته، والحاجُّ إذا أدرك عرفة فقد أدرك الحج، والسعي لا يختصُّ بوقتٍ. وأيضًا فإن أفعال الحج على قسمين: موقَّت وغير موقَّت، فالموقَّت إما أن يفوت بفوات وقته، أو يُجْبَر بدم، لكون وقته إذا مضى لم يمكن فعله. وأما غير الموقت إذا كان واجبًا فلا معنى لنيابة الدم عنه، لأنه يمكن فعلُه في جميع الأوقات، والطواف والسعي ليسا بموقَّتينِ في الانتهاء، فإلحاقُ أحدهما بالآخر أولى من إلحاقه بالمزدلفة ورمي الجمار؛ لأن ذلك يفوت بخروج وقته، وبهذا يظهر الفرق بينه وبين توابع الوقوف. فصل وبكل حالٍ فيُشترط له ستة أشياء: أحدها: نية السعي بينهما، كما اشترطناها في الطواف. الثاني: استكمال سبعة أشواط تامة، فلو ترك خُطوةً من شوطٍ لم يُجزِئه، ولا بدَّ أن يستوعب ما بين الجبلين بالسعي، سواء كان راكبًا أو ماشيًا.

стр. 3291

قال الأزرقي (١): حدثني جدي، قال: كان (٢) الصفا والمروة يُسْنِدُ (٣) فيهما من سعى (٤) بينهما، ولم يكن بينهما بناء ولا دَرَجٌ، حتى كان عبد الصمد بن علي في خلافة أبي جعفر (٥) فبنى درجَها (٦)، فكان أول من أحدث بناءها. الثالث: الترتيب، وهو (٧) أن يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة، فإن بدأ بالمروة لم يعتدَّ بذلك الشوط، لأن النبي ﷺ قال لما خرج إلى الصفا: «ابدأوا (٨) بما بدأ الله به». الرابع: الموالاة، قال في رواية حنبل (٩) وذُكِر له أن الحسن طاف بين الصفا والمروة أسبوعًا فغُشِيَ عليه، فحُمِلَ إلى أهله، فجاء من العَشِيِّ فأتمَّه (١٠)، فقال أحمد: إن أتمَّه فلا بأس، وإن استأنفَ فلا بأس.

стр. 3292

الخامس: أن يتقدَّمه طواف سواء كان واجبًا أو مسنونًا، فإذا طاف عقبَ طواف القدوم أو طوافِ الزيارة أجزأ ذلك، وإن طاف عقبَ طواف الوداع لم ... (١). وإن سعى عقب طوافٍ آخر ... وإن قدَّم السعيَ على الطواف .... فأما الموالاة بينه وبين الطواف .... السادس: أن لا يتقدَّم على أشهر الحج، فلو أحرم بالحج قبل أشهره، وقدِمَ مكة فطاف للقدوم، لم يجُزْ أن يسعى قبل دخول أشهر الحج. و أما الطهارة فتُسَنُّ له، ولا تُشترط . هذا هو المنصوص عنه صريحًا، قال في رواية أبي طالب (٢): إذا حاضت المرأة وهي تطوف بالبيت قبل أن تقضي خرجتْ، ولا تسعى بين الصفا والمروة، لأنها لم تُتِمَّ الطواف، فإن طافت بالبيت ثم خرجت تسعى فحاضت، فلتمضِ في سعيها فإنه لا يضرُّها، وليس عليها شيء. وقال في رواية حرب (٣): الحائض لا تطوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، إلا أن تكون قد طافت قبل ذلك، فإنها تسعى. وحكى بعض أصحابنا القاضي (٤) وغيره رواية أخرى: أن الطهارة

стр. 3293

شرط، لقوله في رواية إسحاق بن إبراهيم (١): الحائض تقضي المناسك كلَّها إلا الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة. فصل ومن طاف راكبًا على دابة، أو محمولًا لإنسان، فإن كان لعذرٍ من مرضٍ أو [كِبَرٍ] (٢) جاز (٣). مسألة (٤): (والمبيت بمنًى) . السنة للحاجّ أن لا يبيتَ لياليَ منًى إلّا بمنًى (٥)؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ (٦)﴾ [البقرة: ٢٠٣] ومعنى التعجُّل: هو الإفاضة من منًى، فعُلِم أنه قبل التعجُّل يكون مقيمًا بها، فلو لم يبِتْ بها ليلًا ــ وليس [ق ٣٧٨] عليه أن يقيم بها نهارًا ــ لم يكن مقيمًا بها، ولم يكن فرقٌ بين إتيانه منى لرمي الجمار، وإتيانه مكة لطواف الإفاضة والوداع. والآية دليل على أن عليه أن يقيم في الموضع الذي شُرِع فيه ذكر الله، وجُعل ذلك المكان والزمان عيدًا؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه فعلوا ذلك؛ ولأن

стр. 3294

العباس استأذن النبي ﷺ أن يبيتَ بمكة لياليَ منًى من أجل سقايته، فأذن له متفق عليه (١). فاستئذان العباس دليل على أنهم كانوا ممنوعين من [ترك] المبيت بها، وإذنُه له من أجل السقاية دليل على أنه لا يؤذن في ترك المبيت بغير عذر. ولأن النبي ﷺ قال: «يومُ عرفة ويومُ النحر وأيامُ منًى عيدُنا أهلَ الإسلام» (٢). والعيد هو المجتمَعُ للعبادة؛ فيوم عرفة ويوم النحر يجتمعون بعرفة ومزدلفة ومنًى، وأيام منى لا بدَّ أن يجتمعوا، وهم لا يجتمعون نهارًا لأجل مصالحهم، فإنهم يرمون الجمار متفرقين، فلا بدَّ من الاجتماع ليلًا. وعن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال: «لا يبيتنَّ أحدٌ من الحاجِّ من وراء جمرة العقبة»، وكان يبعث إلى من وراء العقبة، فيدخلون منًى. رواه مالك وأحمد، وهذا لفظه (٣). وعن نافع عن أسلم ــ إن شاء الله ــ (٤) أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لا يبيتنَّ أحدٌ من الحاج وراء جمرة العقبة». وكان يُرسِل رجالًا فلا

стр. 3295

يجدون أحدًا شَذَّ من منًى إلا أدخل (١). وعن ابن عمر قال: لا يبيتنَّ أحدٌ من وراء جمرة العقبة لياليَ منًى (٢). رواهما أحمد ... (٣). فإن ترك المبيت بمنًى، فقال أبو بكر في «الشافي» (٤): روي عنه: عليه الدم، وروي: يتصدّق بشيء، وروي عنه: لا شيء عليه، وبهذا أقول. فهذه ثلاث روايات: إحداهن: لا شيء عليه، قال في رواية المرُّوذي (٥): من بات بمكة لياليَ منًى يتصدّق بشيء، وإن بات من غير عذرٍ أرجو أن لا يكون عليه شيء. وذلك لأن النبي ﷺ أرخصَ لأهل السقاية في ترك المبيت بها، وللرِّعاء (٦). كما أرخصَ للضَّعفة في الإفاضة من جَمْعٍ بليل، ولو كان واجبًا لم يسقط إلا لضرورة، كطواف الوداع. ولأن ابن عباس قال: إذا رميتَ الجمرة فبِتْ حيثُ شئتَ (٧). رواه أحمد
следующие страницы →