Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
٥٧٤ - مُخَّةُ أُخْتُ بِشْرِ بنِ الحَارِثِ (١) وكَانَ لَهُ أُخْتَانِ غَيْرُهَا. إِحْدَاهُمَا: مُضْغةُ. والأُخْرى: زُبْدَةُ. وَكَانَ الثَّلاثُ أَخَوَاتٍ مَذْكُوْرَاتٍ بالعِبَادَةِ والوَرَعِ، وأَكْبَرَهُنَّ مُضْغَةُ، وهي أَكْبَرُ من بِشْرٍ، وكَانَتْ زُبْدَةُ: تُكْنَى بأُمِّ عليٍّ. وقيلَ: لَمَّا مَاتَتْ مُضْغَةُ: تَوَجَّعَ عَلَيْهَا بِشْرٌ تَوَجُّعًا شَدِيْدًا، وبَكَى بُكَاءًا شَدِيْدًا، فَقِيْلَ لَهُ في ذلِكَ. فَقَالَ: قَرَأْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ: أَنَّ العَبْدَ إِذَا قَصَّرَ في خِدْمَةِ رَبِّه سَلَبَهُ أَنِيْسَهُ، وهَذِهِ كَانَتْ أَنِيْسَتِي مِنَ الدُّنْيَا.
وقَالَ إِبْرَاهِيْمُ الحَرْبِيّ: إِنَّ بِشْرًّا قَالَ هَذَا يَوْمَ مَاتَتْ أُخْتُهُ مُخَّةَ.
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ: جَاءَتْ مُخَّةُ أُخْتُ بِشْرِ بنِ الحَارِثِ إِلى أَبِي، فَقَالَتْ لَهُ: إِنِّي امرَأَةُ رَأْسُ مَالِي دَانِقَيْنِ أَشْتَرِي القُطْنَ، فأُرَدِّنُهُ، فَأَبيْعُهُ بنصْفِ دِرْهَمٍ، فَأَتَقَوَّتُ بدَانِقٍ مِنَ الجُمُعَةِ إِلَى الجُمُعَةِ، فَمَرَّ ابنُ طَاهرٍ الطَّائِفَ، وَمَعَهُ مِشْعَلٌ، فَوَقَفَ يُكَلِّمُ أَصْحَابَ المَصَالِحِ، فاسْتَغْنَمْتُ ضَوْءَ المِشْعَلِ فَغَزَلْتُ طَاقَاتٍ، ثُمَّ غَابَ عَنِّي المِشْعَلُ فَعَلِمْتُ أَنَّ للهِ فيَّ مُطَالَبَةً، فَخَلِّصْنِي خَلَّصَكَ اللهُ، فَقَالَ لَهَا: تُخْرِجِيْنَ الدَّانِقَيْنِ، وتَبْقَيْنَ بِلَا رَأْسِ مَالٍ، حَتَّى يُعَوِّضَكِ اللهُ خَيْرًا.
قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَقُلْتُ لأبِي: يَا أَبَتِ، لَوْ قُلْتَ لَهَا: لَوْ أَخْرَجْتِ الَّذِيْ стр. 1157
أَدْرَكْتِ فِيْهِ الطَّاقَاتِ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ سُؤالُهَا لَا يَحْتَمِلُ التّأْوِيْلَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قُلْتُ: مُخَّةُ أُخْتُ بِشْرِ بنِ الحَارِثِ، فَقَالَ: مِنْ هَاهُنَا أُتِيْتُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ أَيْضًا: كُنْتُ مَعَ أَبِي يَوْمًا مِنَ الأيَّامِ في المَنْزِل، فَدَقَّ داقٌ البَابَ، قَالَ لِيْ: أُخْرُجْ، فانْظُرْ مَنْ بِالبَاب؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا امْرَأَةٌ، قَالَتْ لِي: اسْتَأْذِنْ لِي على أَبي عَبْدِ الله - تَعْنِي (١) أَبَاهُ - قَالَ: فَاسْتَأْذَنْتُهُ؛ فَقَالَ: ادْخِلْهَا، قَالَ (٢): فَدَخَلَتْ فَجَلَسَتْ، فَسَلّمتْ عَلَيْهِ، وقَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ أَنَا امْرَأةٌ أَغْزِلُ باللَّيْلِ في السِّرَاجِ، فرُبَّمَا طَفِيءَ السِّرَاجُ فأغْزِلُ في القَمَرِ، فَعَلَيَّ أَنْ أُبَيِّنَ غَزْلَ القَمَرِ مِنْ غَزْلِ السِّراجِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهَا: إِنْ كَانَ عِنْدَكِ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فَعَلَيْكِ أَنْ تُبَيِّنِي ذلِكَ، قَالَ: قَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، أَنِيْنُ المَرِيْضُ شَكْوَى؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُوْنَ شَكْوَى، ولكِنَّه اشتِكَاءٌ إِلَى الله تَعَالَى (٣)، قَالَ: فَوَدَّعَتْهُ وخَرَجَتْ، قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ مَا سَمِعْتُ قَطّ إِنْسَانًا سَأَلَ (٤) عَنْ مِثْلِ هَذَا، اتْبَعْ هَذِهِ المَرْأَةَ، فانْظُرْ أَيْنَ تَدْخُلُ؟ قَالَ: فَاتَّبَعْتُهَا، فَإِذَا هِيَ قَدْ دَخَلَتْ إلى بَيْتِ بشْرِ ابنِ الحَارِثِ، وإِذَا هِيَ أَختُهُ، قَالَ: فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: مُحَالٌ أَنْ تَكُوْنَ مِثْلَ هَذِهِ إلَّا أُخْتُ بِشْرٍ. стр. 1158
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ القَحْطَبِيُّ: كَانَتْ لِبِشْرٍ أُختٌ صَوَّامةٌ قَوَّامَةٌ، وقَالَ بِشْر: تعَلَّمْتُ الوَرَعَ مِنْ أُخْتِي؛ فَإِنَّهَا كَانَتْ تَجْتَهدُ أَن لَا تأْكُلَ مَا لِلْمَخْلُوْقِ فيه صُنْعٌ. وَقَالَتْ زُبْدَةُ أُخْتُ بِشْرٍ: دَخَلَ بِشْرٌ عَلَيَّ لَيْلَةً مِنَ اللَّيالِيْ فَوَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ دَاخِلَ الدَّارِ والأُخْرَى خَارِجَ، وبَقِيَ كَذلِكَ يَتَفَكَّرُ حَتَّى أَصْبَحَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قُلْتُ لَهُ: فِيمَاذَا تَفَكَّرْتَ (١) طُوْلَ لَيْلَتِكَ؟ فَقَالَ: تَفَكَّرْتُ في بِشْرٍ النَّصْرَانِيِّ، وبِشْرٍ اليَهْوْدِي، وبِشْرٍ المَجُوْسيِّ، ونَفْسِي واسمِي بِشْرٌ، فَقُلْتُ: مَا الَّذِي سَبَقَ مِنْكَ إِلَيْهِ، حَتَّى خَصَّكَ؟ فَتَفَكَّرْتُ في تَفَضُّلِهِ عَلَيَّ أَنْ جَعَلَنِي مِنْ خَاصَّتِهِ، وأَلْبَسَنِي لِبَاسَ أَحْبَابِهِ.
٥٧٥ - عَبَّاسَةُ بنتُ الفَضْلِ (٢) زَوْجَةُ إمَامِنَا أَحْمَدَ، وأَمُّ ابنه صَالحٍ. كَانَ أَحْمَدُ يُثْنِي عَلَيْهَا. وسَمِعَتْ مِنْهُ أَشْيَاء. ومَاتَتْ في حَيَاتِهِ.
قَالَ زهُيْرُ بنُ صَالِحٍ بنِ أَحْمَدَ: تزَوَّجَ جَدِّي أُمُّ أَبي عَبَّاسَةَ بنْتُ الفَضْلِ وهي منَ العَرَبِ مِنَ الرَّبضِ (٣)، ولم يُولَدْ له مِنْهَا غَيْر أَبِي، ثُمَّ تُوَفِّيت، وقَالَ أَحْمَدُ: أَقَامَتْ أمُّ صَالِحٍ مَعِي عِشْرِيْنَ سَنَةً فَمَا اختَلَفْتُ أَنَا وَهِيَ في كَلِمَةٍ. стр. 1159
٥٧٦ - رَيْحَانَة بنتُ عمُّ (١)، إِمَامِنَا أَحْمَدَ، زَوْجَتُهُ، وأَمُّ ابنِهِ عَبْدِ اللهِ، لم يُوْلَدْ لَهُ غَيرُهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الخَلَّالُ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ البَرَاثِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بنُ عَنْبَرٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَتْ أُمُّ صَالِحِ بنِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ قَالَ أَحْمَدُ لامْرَأَةِ تَكُوْنُ عِنْدَهُمْ: اذْهَبِي إِلَى فُلَانَةَ بنتِ عَمِّهِ (٢) فاخْطُبِيْهَا لِي مِنْ نَفْسِهَا؛ فأَتَتْهَا، فَأَجَابَتْهُ، فَلَمَّا رَجَعَتْ إِلَيْهِ قَالَ: أُخْتُهَا كَانَتْ تَسْمَعُ كَلَامَكِ. قَالَ: وَكَانَتْ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَتْ لَهُ: نَعَمْ، قَالَ: فَاذهَبِيْ فاخُطِبي تِيْكَ الَّتِي بفَرْدِ عَيْنٍ، فَأَتَتْهَا فَأَجَابَتْهُ، وهي أمُّ عَبْدِ الله ابنُهُ، فَأقامَ مَعَهَا سَبْعًا، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: كَيْفَ رَأَيْتَ يَا ابنَ عَمِّي؟ أَنكرْتَ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، إلَّا نَعْلَكِ هَذِهِ تَصِرُّ.
وَقَالَ خَطَّابُ بنُ بِشْرٍ: قَالَتْ امرَأَةُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ لأحْمَدَ [، بَعْدَ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ بَأيَّامٍ: هَلْ تُنْكِرُ مِنِّي شَيْئًا؟ فَقَالَ: لَا، إلَّا هَذا النَّعْلُ] (٣) الَّذيْ تَلْبِسِيْنَهُ، لَم يَكُنْ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ الله ﷺ ، قَالَ: فَبَاعَتْه واشْتَرت مَقْطُوعًا، فَكَانَتْ تَلْبَسُهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الخَلاَّلُ: وَهِيَ هَذِهِ المَرْأَةُ.
سَمِعَتْ رَيْحَانَةُ أَمُّ عَبْدِ اللهِ مِنْ إِمَامِنَا أَشْيَاء. стр. 1160
٥٧٧ - حُسْنٌ (١) جاريةٌ اشتراها إِمَامُنَا بَعْدَ مَوْتِ زَوْجَته أَمِّ عَبْدِ الله، وَلَد مِنْه أُمَّ عَليٍّ، واسمُهَا زَيْنَبُ، ثُمَّ وَلَدتْ الحَسَنَ والحُسَيْنَ تَوأمًا (٢). ومَاتَا بالقُرْبِ مِنْ وِلَادَتِهَمَا. ثُمَّ وَلَدَتْ أَيْضا الحَسَنَ ومُحَمَّدًا، فَعَاشَا حَتَّى صَارَا مِنَ السِّن إلى نَحْوِ الأرْبَعِيْنَ سَنةً. ثُمَّ وَلَدَتْ بَعْدَهُمَا سَعِيْدًا. قَالَ حَنْبَلٌ: وَلدَ سَعِيْدُ قَبْلُ مَوْتِ أَحْمَدَ بنَحْو من خَمسين يَومًا.
نَقَلَتْ حُسْنُ عَنْ إِمَامِنَا أَشْيَاء؟ مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو بكرٍ الخَلَّالُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بنُ (٣) عليٍّ قَالَ: سَمِعْتُ حُسْنٌ أُمَّ وَلَدِ أَبِي عَبْدِ اللهِ تَقُوْلُ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ جِيْرَانِنَا، فَقَالَتْ: قَدْ جَمَعْتُ مَالًا من القلفِ، وأُرِيْدُ أَنْ أَحُجَّ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْد اللهِ: لَا تَحُجّ بِهِ. ولَيْسَ هاهنَا أَحَلُّ مِنَ الغَزْلِ.
وَقَالَتْ حُسْنُ: خَبَزْتُ يَوْمًا لِمَوْلَايَ، وهو وَجِعٌ في مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّي فيه، فَقَالَ: أَيْنَ خَبَزْتِيْهِ؟ قُلْتُ: في بَيْتِ عَبْدِ الله. قَالَ: ارْفَعِيْهِ، ولَمْ يَأْكُلْ مِنْه.
وَقَالَتْ أَيْضًا: لَمَّا وَلَدْتُ حَسَنًا: أَعْطى مَوَلَايَ امرأةً مُسِنَّةٌ (٤)، стр. 1161
تخدم حسن دِرْهَمًا، وقَالَ لَهَا: اذْهَبِي إلى ابن شُجَاعٍ -جَارٍ لنَا قَصَّابٍ- يَشْتَرِيْ لَكِ بِهَذَا رَأْسًا. قَالَتْ: فاشْتَرَى لنَا رَأْسًا. وجَاءَتْ بِهِ. فَأَكَلْنَا. فَقَالَ لِي: يَا حُسْنُ، مَا أَمْلِكُ غَيْرَ هَذَا الدِّرْهمِ. وقَالَتْ أَيْضًا: كَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عْنِدَ مَوْلَايَ أَبِي عَبْدِ اللهِ شَيْءٌ فَرِحَ.
стр. 1162
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[صَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ]
ذِكْرُ الطَّبَقَةِ الثَّانِيةِ
(بابُ الألفِ)
٥٧٨ - أَحْمَدُ بن جَعْفَرِ (١) بنِ مُحَمَّدِ بنِ عُبَيْدِ اللهِ بنِ يزِيْدَ، أَبُو الحُسَيْنِ بنِ المُنَادِيْ، سَمِعَ جَدَّهُ مُحَمَّدًا، وأَبَاهُ جَعْفَرًا، ومحمَّدَ بنَ إِسْحَق الصَّغَانِيَّ، وعَبَّاسًا الدُّوْرِيَّ، وزكَرِيَّا بنَ يَحْيَى المَرُّوْذِيَّ، ومُحَمَّدَ بنَ عَبدِ المَلِكِ الدَّقِيْقِيَّ، وأَبَا دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيَّ، والمَرُّوْذِيَّ، ويَعْقُوْبَ المُطَوَّعِيَّ، وعَبْدَ اللهِ ابنَ أَحْمَدَ، وَأَكْثَرَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ، وغَيْرَهُمْ. وكانَ ثِقَةً، أَمِيْنًا، ثَبْتًا، صَدُوْقًا، стр. 1163
وَرِعًا، حُجَّةً فِيْمَا يَرْوِيْهِ، مُحَصِّلًا لِمَا يَحْكِيْهِ (١)، صَنَّفَ كُتُبًا كَثيْرَةً، وجَمَعَ عُلُوْمًا جَمَّةً، قِيْلَ: إِنَّ مُصَنَّفَاتِهِ نَحْوًا مِنْ أرْبَعَمِائَةِ مُصَنَّفٍ (٢)، ولمْ يَسْمَعِ النَّاسُ مِنْ مُصَنَّفَاتِهِ إلَّا أَقلَّهَا. رَوَى عنه المُتَقَدِّمُوْنَ، كأَبَي عُمَرَ بنِ حَيُّوْيَهْ ونَحْوِهِ، وكانَ لِجَدِّ الوَالدِ (٣) السَّعِيْدِ لأمِّه مِنه إجَازَةٌ، وآخرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ مُحَمَّدُ بنُ فَارِسٍ الغُوْرِيُّ (٤).
قال ابنُ ثَابِتٍ (٥): حَدَّثَنِي أَبُو الفَضْلِ عُبَيْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ الصَّيْرَفِيُّ، стр. 1164
قَالَ: كَانَ أَبُو الحُسَيْنِ بنُ المُنَادِي صُلْبَ الدِّينِ، خَشِنَ الطَّرِيْقَةِ، شَرِسَ الأَخْلَاقِ؛ فَلِذلِكَ لَمْ تَنْتَشِرْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ.
قَالَ: وقَالَ لِي أَبُو الحُسَيْنِ (١) بنُ الصَّلْتِ: كُنَّا نَمْضِي مَعَ ابنِ قَاجٍ الوَرَّاقُ (٢) إلَى ابنِ المُنَادِي لِنَسْمَعَ مِنْهُ. فإِذَا وَقَفْنَا بِبَابِهِ خَرَجَتْ إِلَيْنَا جَارِيَةٌ لَهُ، وقَالَتْ: كَمْ أَنْتُمْ؟ فَنُخْبِرُهَا بعَدَدِنَا، ويُوذَنُ لَنَا فِي الدُّخْوْلِ، فَيُحَدِّثَنَا. فَحَضَر (٣)، مَعَنَا مَرَّةً إِنْسَانٌ عَلَوِيٌّ، وغُلَامٌ لَهُ، فَلَمَّا اسْتأْذَنَّا، قَالَتِ الجَارِيَهُ كَمْ أَنْتُمْ؟ فَقُلْنَا: نَحْوُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، ومَا كُنَّا حَسَبْنَا العَلَوِيَّ ولَا غُلَامَهُ في العَدَدِ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآنَا خَمْسَةَ عَشَرَ نَفْسًا قَالَ لَنَا: انْصَرِفُوا اليَوْمَ فَلَسْتُ أُحَدِّثُكُمْ، فانْصَرَفْنَا، وَظَنَنَّا اَّنهُ عَرَضَ لَهُ شُغْلٌ، ثُمَّ عُدْنَا إِلَيْهِ مَجْلِسًا ثَانِيًا، فَصَرَفَنَا وَلَمْ يُحَدِّثْنَا، فَسَألنَاهُ بَعْدَ ذلِكَ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي أَوْجَبَ تَرْكَ التَّحْدِيْثِ (٤) لَنَا؟ فَقَالَ: كُنْتُمْ تَذْكُرُوْنَ عَدَدَكُمْ فِي كلِّ مَرَّةٍ لِلْجَارِيَةِ، стр. 1165
وتَصْدُقُوْنَ، ثُمَّ كَذَبْتُمْ في المَرَّةِ الأخِيْرَةِ، ومَنْ كَذَبَ فِي هَذَا المِقْدَارِ لَمْ يُؤمَنْ أَنْ يَكْذِبَ فِيْمَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، فاعتَذَرْنَا إِلَيْهِ، وقُلْنَا: نَحْنُ نَتَحَفَّظُ فِيْمَا بَعْدُ فَحَدَّثْنَا، أَوْ كَمَا قَالَ.
مَولِدُهُ: لِثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ خَلَتْ مِن شَهْرِ رَبِيع الأوَّلِ سَنَةَ سَتٍّ وخَمْسِيْن وَمَائَتَيْنِ، [وقيلَ: سَنَةَ سَبع وخَمْسِيْنَ ومَائَتَيْن] (١)، وحَجَّ سَنَةَ ثَلَاثٍ وسَبْعِيْن ومَائَتَيْنِ.
أَنْبَأَنَا المَلَطِيُّ: (٢) قال: أَخْبَرَنَا (٣) محمَّدُ بنُ فَارِسٍ، عن أَبِي الحُسَيْنِ ابنِ المُنَادِيْ، حَدَّثَنِي جَدِّي محمَّدٌ، قَالَ: قَالَ لِي أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: أَنَا أَذْرَعُ هَذِهِ الدَّارَ الَّتي أَسْكُنُهَا، فأُخْرِجُ الزَّكَاةَ عَنْهَا في كلِّ سَنَةٍ، ذَهَبَ في ذلِكَ إِلَى قَوْلِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ في أَرْضِ السَّوَادِ.
وبِهِ حَدَّثَنَا (٤) عبدُ اللهِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ قَالَ: ذَكَرَ أَبِي حَدِيْثَ عَبْدِ الرَّحمنِ بن مُحَمَّدِ المُحَارِبيِّ، عن عَاصِمٍ الأحْوَلِ، عن أَبِي عُثْمَان النَّهْدِيِّ، عن جَرِيْرِ بنِ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ، عن النَّبِيِّ ﷺ : "تُبْنَى مَدِيْنَةٌ بينَ دِجْلَةَ ودُجَيْلِ والصَّرَاةِ، وقُطْرُبُّل، تُجْبَى إلَيْهَا كنُوْزِ الأرْضِ، ويَجْتَمعُ إِلَيْهَا كلُّ لِسَانٍ، فَلَهِيَ أسْرَعُ ذَهَابًا في الأرْضِ مِنَ الحَدِيْدَة المُحَمَّاة في стр. 1166
الأرْضِ الخَوَّارَةِ" فَقَالَ: كَانَ المُحَارِبيُّ جَلِيْسًا لِسَيْفِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أُخْتِ سُفْيَانِ الثَّوْرِيِّ، وكانَ سَيْفُ كَذَّابًا، فأَظُنُّ المُحَارِبيُّ سَمِعَهُ مِنْهُ، قَالَ عَبْدُ الله: فَقِيْلَ لأَبِي: فإِنَّ عَبْدَ العَزِيْزِ بنِ أَبَان رَوَاهُ عن سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عن عَاصِمٍ الأحْوَلِ؟ فَقَالَ أَبِي: كلُّ مَنْ حَدَّثَ بِهَذَا الحَدِيْثِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فَهُو كَذَّابٌ، قَالَ عَبْدُ اللهِ فَقُلْتُ له: إِنَّ لُوَيْنًا (١) حَدَّثَنَاهُ عن مُحَمَّدِ بن جَابِرٍ الحَنَفِيِّ؟ فَقَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بنُ جَابِرٍ رُبَّمَا أَلْحَقَ في كتابِهِ الحَدِيْثَ، ثمَّ قَالَ أَبي: هَذَا الحَدِيْثُ لَيْسَ بِصَحِيْحٍ، أَوْ قَالَ: كَذِبٌ.
وبِهِ: حَدَّثنا (٢) عَبْدِ اللهِ بن أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيْدُ بنُ عَبْدِ رَبِّهِ الجُرْجُسِيُّ (٣) الحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا بَقِيّهُ بنُ الوَليْدِ، حَدَّثَنِي جُبَيْرُ بنُ عَمْرٍو القُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا أَسْعَدٌ الأنْصَارِيُّ، عَنْ أَبي يَحْيَى مِنْ آل الزُّبَيْرِ بن العَوَّامِ، стр. 1167
قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ (١): "البِلَادُ بِلَادُ الله، والعِبادُ عِبَادُ الله. فَحَيْثُمَا أُصَبْتَ خَيْرًا فأَقِمْ". قَالَ ابنُ المُنَادِي: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: ضُرِبَ أَبُو عَبْدِ الله سَبْعَةً وَثَلَاثِيْنَ سَوْطًا مُعَلَّقًا، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأرْضِ قَبْضَةً، وإِنَّمَا قُطِعَ الضَّرْبُ عَنْهُ لأنَّه غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ، واصفَرَّ واستَرْخَى، فَفَزِعَ لِذلِكَ المُعْتَصِمُ وقَالَ: حُلُّوا القُيُوْدَ عَنْهُ، واحمِلُوْهُ إِلَى مَنْزِلهِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي، وجَدِّي - رَحِمَهُمَا الله - قَالَا: كَانَ ضَرْبُ أَبِي عَبْدِ الله أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ بالسِّياطِ بمَدِيْنَةِ السَّلَامِ في دَارِ المُعْتَصِمِ، يَوْمَ الأرْبِعَاءِ، لِسِتٍّ بَقِيْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ عِشْرِيْنَ وَمَائَتينِ، وبَيْنَهُ وَبَيْنَ الأرْضِ مِقْدَارِ قَبْضَةٍ.
وَقَالَ: قَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ يَقُوْلُ: لَمَّا دَخَلْنَا طَرَسُوْسَ أَقَمْنَا أَيَّامًا، وَمَاتَ المَأْمُوْنُ، فَظَنَنْتُ أنَي قَدِ اسْتَرَحْتُ مِنَ الغَمِّ الَّذِي كُنْتُ فِيْهِ، والقَيْدِ والضِّيْقِ، فَدَخَلَ (٢) عَلَيْنَا رَجُلٌ، فَذَكَرَ أنّهُ صَارَ مَعَ أَبي إِسْحَاقَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: ابنُ أَبِي دُؤَادٍ، وَقَدْ أَمَرَ أَنْ تُحْدَرُوا إِلَى بَغْدَادَ، فجاءَنِي غَمٌّ آخَرُ، فَنَالَنِي مِنَ الغَمِّ والأذَى أَمْرٌ عَظِيْمٌ، قَالَ حَنْبَلٌ: فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو عَبْدِ الله حُبِسَ في اسْطَبْلٍ لمُحَمَّدٍ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ أَخِي إِسْحَاقَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ (٣)، стр. 1168
وذلِكَ في دَارِ عُمَارَةَ، ومَرِضَ في شَهْرِ رَمَضَانَ والقَيْدُ في رِجْلِهِ، ثُمَّ حُوِّلَ إلى سِجْنِ العَامَّة بالبَغَوِيِّيْنَ (١)، فَمَكَثَ هُنَاكَ نَحْوًا من ثَلَاثِيْنَ شَهْرًا.
قَالَ ابنُ المُنَادِي: وَكَانَتْ وَفَاةُ المُعْتَصِمِ - في رَوَايَتِنَا عَنْ آبَائِنَا وغَيْرِهِمْ من شُيُوْخِنَا ﵏ أَجْمَعِيْنَ - يَوْمَ الخَمِيْسِ لإحْدَى عَشْرَةَ بَقِيَتْ من رَبِيع الأوَّلِ سَنَةَ سَبع وعِشْرِيْنَ ومَائَتَيْنِ، ثُمَّ بُوْجَ ابنُهُ هَاروْنَ، وسُمِّيَ الوَاثِقَ يَوْمَ مَاتَ المُعْتَصِمُ، وكَانَ عَلَى مَذْهَبِ المُعْتَصِم والمَأْمُوْنِ في خَلْقِ القُرْآنِ، إلَّا اَّنه لم يَنْبَسِطْ في الامْتِحَانِ، غَيْرَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُقَرِّعُوْنَهُ، سِيَّمَا أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنَ بن إِسْحَقَ (٢) كَانَ قَاضِيْهِ، وهُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِ بِقَتْلِ أَحْمَدَ بنِ نَصْرٍ الخُزَاعِيِّ (٣).
فَلْنَذْكُرْ بَعْضَ اختِيَارَاتِهِ: اخْتَارَ إِيْجَابَ غَسْلِ اليَدَيْنِ عنْدَ القِيَامِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ. واختَارَ تَنْجِيْسَ أسآرِ جَوَارِحِ الطُيُوْرِ. واختَارَ تَحْرِيْمَ الوُضُوْءِ من آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، مَعَ الحُكْمِ بِصِحَّةِ الطَّهَارَةِ.
وَمَاتَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لإحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنَ المُحرَّمِ سَنَةَ ستٍّ وثَلَاثِيْنَ وثَلَاثِمَائَة، ودُفِنَ في مَقْبَرَةِ الخَيْزُرَانِ (٤). стр. 1169
٥٧٩ - أَحْمَدُ بنُ جَعْفَرِ (١) بنِ حَمْدَانَ بنِ مَالِكٍ، أَبُو بَكْرٍ القَطِيْعِيُّ. كَانَ يَسْكُنُ قَطِيْعَةَ الدَّقِيْق، وإِلَيْهَا يُنْسَبُ. سَمِعَ إِبْرَاهِيْمَ بنَ إِسْحَقَ، وإِسْحَقَ ابنَ الحَسَنِ الحَرْبِيَّيْنِ، وبِشْرَ بنَ مُوْسَى الأسَدِيَّ، وأَبَا العَبَّاسِ الكُدَيْمِيُّ، وأَبَا مُسْلِمٍ الكُجِّيَّ، وعَبْدَ اللهِ بن إِمَامِنَا أَحْمَدَ. روى عنْه "المُسْنَدَ" و"الزُّهْدَ"، و"التَّارِيْخَ" و"المَسَائِلَ"، وغَيْرَ ذلِكَ، وقِيْلَ: إِنَّ عَبْدَ الله بنَ стр. 1170
إِمَامِنَا كَانَ يُقْعِدُهُ في حِجْرِهِ، وهو يَقْرَأ عَلَيْهِ الحَدِيْثَ، فَيُقَالُ لَهُ: يُؤْلِمُكَ. فَيَقُوْلُ: إِنِّي أُحِبُهُ.
مَوْلِدُهُ: يَوْمَ الاثْنَيْنِ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنَ المُحَرَّم سَنَةَ أَرْبَعٍ وسَبْعِيْنَ ومَائَتَيْنِ. رَوَى عَنْهُ مِنَ المُتَقَدِّمِيْنَ: الدَّارَقُطْنِيُّ، وأَبُو حَفْصِ بنُ شَاهِيْنَ، ومِنْ دُوْنهِمْ؛ ابنُ رِزْقُوْيَه، ومُحَمَّدُ بنُ أَبِي الفَوَارِسِ، والبَرْقَانِيُّ، وأَبُو نُعَيْمٍ الأصْبِهَانِيُّ، وعَبْدُ المَلِكِ بنِ بِشْرَانَ، وابنُ المُذْهِبِ، والجَوْهَرِيُّ. سُئِلَ ابنُ مَالِكٍ عن الإيْمَانِ؟ فَقَالَ: قَوْلٌ وعَمَلٌ، ثُمَّ قَالَ: وَهَلْ يُشَكُّ فِيْهِ؟!.
وَقَالَ أَبُو الحَسَنِ بنُ الفُرَاتِ (١): كَانَ ابنُ مَالِكٍ القَطِيْعِيُّ مَسْتُوْرًا، صَاحبَ سُنَّةٍ، كَثِيْرَ السَّمَاعِ مِن عَبْدِ الله بنِ أَحْمَدَ ومِنْ غَيْرِهِ.
وقَالَ محمَّدُ بنُ أَبي الفَوَارِسِ (٢): كَانَ أَبُو بَكْرِ بنُ مَالِكٍ مَسْتُوْرًا стр. 1171
صَاحِبَ سُنَّةٍ.
وقَالَ أَبُو بَكْرٍ البَرْقَانِيُّ: كُنْتُ شَدِيْدَ التَّنْقِيرِ (١) عن حَالِ ابنِ مَالِكٍ، حَتَّى ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّه صَدُوْقٌ، لا يُشَكُّ في سَمَاعِهِ. وَقَالَ ابنُ ثَابِتٍ: لَمْ نَرَ أَحَدًا امْتَنَعَ مِنَ الرِّوايةِ عَنْهُ، ولا تَرَكَ الاحْتِجَاجَ بِهِ.
أَنْبَأَنَا الحَسَنُ الجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ حَمْدَانَ بنِ مَالِكٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثنَا أَبِي، حَدَّثنَا وَكِيعٌ، حَدَّثنَا يُوْنُسُ بنُ أَبِي إِسْحَقَ، عَنْ يَزِيْدَ بنِ أَبِي مَرْيَمَ السَّلُوْلِيِّ، عَن أَبِي الحَوْرَاءِ، عَنِ الحَسَنِ بنِ عَلِىٍّ، قَالَ (٢): "عَلَّمَنِي رَسُوْلُ الله ﷺ كَلِمَاتٍ اقُوْلُهُنَّ في قَنُوْتِ الوَتْرِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيْمَنْ هَدَيْتِ، وعَافِنِيْ فِيْمَنْ عَافَيْتَ، وتَوَلَّنِيْ فِيْمَنْ تَوَلَّيْتَ، فإِنَّك تَقْضِي ولَا يُقْضَى عَلَيْكَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ".
وتُوفي يومَ الاثْنَيْنِ لِسَبْعٍ بَقِيْنَ مِنْ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وسِتِّيْنَ وثَلَاثِمَائَةَ ودُفِنَ بقُرْبِ قَبْرِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ.
٥٨٠ - أَحْمَدُ بن الحَجَّاجِ، أبُو العبَّاسِ السَّنُوْطُ البَزَّارُ (٣). كَانَتْ عِنْدَهُ "مَسَائِلُ стр. 1172
الفَضْلِ بنِ زِيَادٍ القَطَّانِ" لأحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، سَمِعَهَا من الفَضْلِ. وتُوفي يَوْمَ الأحَدِ لِثَمَانِ لَيَالٍ خَلَوْنَ من شَهْرِ رَمضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وثَلَاثِمَائَةَ.
٥٨١ - أَحْمَدُ بنُ سَلْمَان (١) بنُ الحَسَنِ بنِ إِسْرَائِيْلَ بنِ يُوْنُسَ، أَبُو بَكْرٍ стр. 1173
النَّجَّادُ، العَالِمُ، النَّاسِكَ، الوَرعُ، كَانَ لَه في جَامِعَ المَنْصُوْرِ حَلْقَتَانِ؛ قَبْلَ الصَّلَاةِ للفَتْوَى على مَذْهَبِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ، وبَعْدَ الصَّلَاةِ لإمْلَاءِ الحَدِيْثِ، اتَّسَعَتْ رَوَايَاتُهُ، وانْتَشَرَتْ أَحَادِيْثُهُ ومُصَنَّفَاتُهُ، سَمِعَ الحَسَنَ بنَ مُكرَمٍ، ويَحْيَى بنُ أَبِي طَالِبٍ، وأَحْمَدَ بنَ مُلَاعِبٍ، وأَبَا دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيَّ، وإِبْرَاهِيمَ الحَرْبِيَّ، وعبدَ الله بنَ إِمَامِنَا أَحمدَ، وهَارُونَ الهَاشِمِيَّ، ومُعَاذَ بنَ المُثَنَّى، ومُحَمَّدَ بنَ إِسْمَاعِيْلَ السُّلَمِيَّ، وأَبَا يَحْيَى النَّاقِدَ، ويَعْقُوْبَ المُطَوّعِيَّ، وبِشْرَ بنَ مُوْسَى، وغَيْرِهِمْ.
стр. 1174
رَوَى عَنْهُ ابنُ مَالِكٍ، وعُمَرُ بنُ شَاهِيْنَ، وابنُ بَطَّةَ، وصَاحِبُهُ أَبُو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ، وأَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ حَامِدٍ، وأَبُو الفَضلِ التَّمِيْمِيُّ.
قَالَ أَبُو عَلِيِّ بنُ الصَّوَّافِ: كَانَ أَحْمَدُ بنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ يَجِيْءُ مَعَنَا إِلَى المُحَدِّثِيْنَ؛ إلَى بِشْرِ بنِ مُوْسَى وغَيْرِهِ ونَعْلُهُ في يَدِهِ، فَقِيْلَ لَهُ: لِمَ لَا تَلْبَسُ نَعْلَكَ؟ قَالَ: أُحِبُّ أَنْ أَمْشِيَ في طَلَبِ حَدِيْثِ رَسُوْلُ الله ﷺ . وأَنَا حَافٍ، فَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إِلَى قَوْلهِ ﷺ : "ألَا أَنبئُكُمْ بِأَخَفِّ النَّاسِ - يَعْنِي حِسَابًا - يَوْمَ القِيَامَةِ بينَ يَدَي المَلِكِ الجَبَّارِ المُسَارعُ إلَى الخَيْرَاتِ، مَاشِيًا عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا، أخْبَرَنِي جِبريْلُ أنَّ الله نَاظِرٌ إلى عَبْدٍ يَمْثسِي حَافِيًا في طَلَبِ الخَيْرِ" (١)
وَقَالَ أَبُو إسْحاَقَ الطَّبَرِيُّ: كانَ النَّجَّادُ يَصُوْمُ الدَّهْرَ، ويُفْطِرُ كلَّ لَيْلَةٍ على رَغِيْفٍ، ويَتْرُكُ مِنْه لُقْمَةً، فَإِذَا كَانَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ تَصَدَّقَ بِذلِكَ الرَّغِيْفِ، وأَكَلَ تِلْكَ اللُّقَمِ، الَّتِي استَفْضَلَهَا.
قُلْتُ أَنَا: وكانَ إِذَا أَمْلَى الحَدِيْثَ في جَامِعَ المَنْصُوْرِ يَكْثُرُ النَّاسُ في حَلْقَتِهِ حَتَّى يُغْلَقَ بَابَانَ (٢) من أَبْوَابِ الجَامِع مِمَّا يَلِيَانِ حَلْقَتَهُ، وكانَ يُمْلِي في حَلْقَةِ عَبْدِ الله بنِ إِمَامِنَا، وفِيْهَا كَانَ يُمْلِي ابنُ مَالِكٍ.
وقَالَ أبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ: ضِقْتُ وَقْتًا مِنَ الزَّمَانِ، فَمَضَيْتُ إِلَى إِبْرَاهِيْمَ الحَرْبِيِّ فَذَكَرْتُ لَه قِصَّتِي فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّنِي ضِقْتُ يَوْمَّا حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعِي إلَّا стр. 1175
قِيْرَاطٌ، فَقَالَتْ الزَّوْجَةُ: فَتِّشْ كُتُبَكَ، وانْظُرْ مَا لا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَبِعْهُ، فَلَمَّا صَلَّيْتُ العِشَاءَ الآخِرَةَ جَلَسْتُ في الدِّهْلِيْز أَكْتُبُ، إِذْ طَرَقَ البَابُ طارقٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: كَلِّمْنِي، فَفَتَحْتُ البَّابَ، فَقَالَ لِي: أَطْفِئِ السِّرَاجَ، فَطَفَيْتُهَا، فَدَخَلَ الدِّهْلِيْزَ، فَوَضَعَ فِيْه كَارةً (١) وقَالَ لِي: اعْلَمْ أَنَّنَا أَصْلَحْنَا للصِّبْيَانِ طَعَامًا فَأَحْبَبْنَا أَنْ يَكُوْنَ لَكَ وللصِّبْيَانِ فيه نَصِيْبٌ، وهَذَا أَيْضًا شَيْءٌ آخرُ، فَوَضَعَهُ إلى جَانِبِ الكَارَةِ، وقَالَ: تَصْرِفْهُ في حَاجَتِكَ، وأَنَا لَا أَعْرِفُ الرَّجُلَ، وتَرَكَنِي وانْصَرَفَ، فَدَعَوْتُ الزَّوْجَةَ، وقُلْتُ لَهِا: أَسْرِجِيْ، فَأَسْرَجَتْ، وجَاءَتْ، وإِذَا الكَارَةُ مِنْديلٌ له قِيْمَةٌ، وفيه خَمْسُوْنَ وَسَطًا، في كُلِّ وَسَطٍ لَوْنٌ مِنَ الطَّعَامِ، وإِلَى جَانِبِ الكَارَةِ كِيْسٌ فيه ألْفُ دِيْنَارٍ، قَالَ النَّجَّادُ: فَقُمْتُ من عِنْدِهِ، ومَضَيْتُ إِلَى قَبْرِ أَحْمَدَ فَزُرْتُهُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَبَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي على جَانِبِ الخَنْدَقِ، إِذْ لَقِيَتْنِي عَجُوْزٌ من جِيْرَانِنَا فَقَالَتْ لِي: يا أَحْمَدُ؟ فَأَجَبْتُهَا، فَقَالَتْ: مَا لَكَ مَغْمُوْمٌ؟ فَأَخْبَرْتُهَا، فَقَالَتْ لِي: اعْلَمْ أَنَّ أُمَّكَ أَعْطَتْنِي قَبْلَ مَوْتهَا ثَلَاثَمَائِةِ دِرْهَمٍ، فَقَالَتْ لي: أَخبِئِي هَذِهِ عِنْدَكَ، فَإِذَا رَأيْتِ ابْنِي مَضِيْقًا مَغْمُومًا، فَأَعْطِيْهِ إِيَّاهَا، فَتَعَالَ مَعِي حَتَّى أُعْطِيَكَ إِيَّاهَا، فَمَضَيْتُ مَعَهَا، فَدَفَعَتْهَا إِلَيَّ.
حَدَّثَنَا جَدِّي لأُمِّي جَابِرٌ - رَحِمَنَا اللهُ وإِيَّاهُ - قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِي الحَسَنُ بنُ عُثْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ سَلْمَان النَّجَّادُ، وحَدَّثَنَا عَبْدُ الله стр. 1176
ابنُ أَبِي الدُّنْيَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ وإِسْحَاقَ بنُ إِسْمَاعِيْلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيْرٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عُثْمَانَ بن أَبِي حُمَيْدٍ، عن أَنَسِ بن مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ الله ﷺ يقُوْلُ (١): "أَتَانِي جِبريْلُ، وفي كَفِّهِ كالمِرْآةِ البَيْضَاءِ، فِيْهَا كالنُّكْتَةُ السَّوْدَاءِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا في يَدِكَ؟ قَالَ: هَذِه الجُمُعَةُ، قُلْتُ: وَمَا الجُمُعَةُ؟ قَالَ: لَكُمْ فِيْهَا خَيْرٌ، قُلْتُ: وَمَا لَنَا فِيْهَا؟ فَقَالَ: تَكُوْنُ عِيْدًا لَكَ ولأمَّتِكَ مِنْ بَعْدِكَ، وتَكُوْنُ اليَهُوْدُ والنَّصَارَى تَبعًا لَكَ، قَالَ: ولَكُمْ فِيْهَا سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللهَ خَيْرًا - هُوَ لَهُ قَسْمٌ - إلَّا أعْطَاهُ إِيَّاهُ. ويَتَعَوَّذُ باللهِ من شَرِّ ما هُو عَلَيْه مَكْتُوبٌ إلَّا فُكَّ عَنْهُ من البلَاءِ ما هو أعظمُ منه، قَالَ: وهو عِنْدَنَا سَيِّدُ الأيَّامِ، ونَحْنُ نُسَمِّيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، يَوْمَ المَزِيْدِ" وذَكَرَ الخَبَرَ.
وأنْبأنَا عَلِيٌّ، عن ابنِ بَطَّةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، حدَّثَنِي هَارُوْنُ بنُ العَبَّاسِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحْمَن بنُ شَرِيْكٍ، حدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى القَتَّاتُ، عَنْ مُجَاهِدٍ. قَالَ النَّجَّادُ: وحَدَّثَنَا مُعَاذُ ابنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بنُ أَسْلَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا محمَّدُ بن فُضَيْلٍ (٢)، عَنْ لَيْثٍ، عن مُجَاهِدٍ - كُلُّهم - قَالَ فِي قَوْلِ الله (٣): ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ قال: "يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى العَرْشِ" (٤). قَالَ النَّجَّادُ: стр. 1177
وَسَألتُ أَبَا يَحْيَى النَّاقِدَ ويَعْقُوْبَ المُطَوّعِيَّ وعبدَ اللهِ بنَ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، وجَمَاعَةً من شُيُوْخِنَا؟ فَحَدَّثُوْنِي بحَدِيْثِ مُحَمَّدِ بنِ فُضَيْلٍ، عَن لَيْثٍ، عن مُجَاهِدٍ، وسَألتُ أَبَا الحَسَنِ العَطًّارِ عن ذلِكَ؟ فَحَدَّثَنِي بحديثِ مُجَاهِدٍ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ مُصْعَبٍ العَابِدَ يَقُوْلُ هَذَا، حَتَّى تَرَى الخَلَائِقَ مَنْزِلَتَهُ ﷺ عندَ رَبِّهِ ﵎، وكَرَامَتَهُ لَدِيْهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ مُحمَّدٌ ﷺ إلى غُرَفِهِ وَجَنَّاتِهِ وأَزْوَاجِهِ، ثُمَّ يَنْفَرِدُ برُبُوبِيَّتِهِ.
قَالَ النَّجَّادُ: ثمَّ نَظَرْتُ في كِتَابِ أَحْمَدَ بنِ الحَجَّاجِ المَرُّوذِيِّ (١)، - وَهو إِمَامُنَا وقُدْوَتُنَا والحُجَّةُ لَنَا في ذلِكَ - فَوَجَدْتُ فيه مَا قَدْ ذَكَرَهُ من رَدِّ حَدِيْثِ عَبْدِ الله بنِ سَلَامٍ ومُجَاهِدٍ، وذَكَرَ أَسْمَاءَ الشُّيُوخِ الَّذِيْنَ أَنكَرُوا عَلَى مَنْ رَدَّ ذلِكَ، أوْ عَارَضَهُ.
قَالَ النَّجَّادُ: فالَّذِي نَدِيْنُ اللهَ تَعَالَى بِهِ، ونَعْتَقِدُهُ، مَا قَدْ رَسَمْنَاهُ وبَيَّنَّاهُ مِنْ مَعَانِي الأحَادِيْثِ المُسْنَدَةِ عَنْ رَسُوْلِ الله ﷺ ، ومَا قَالَهُ عَبدُ الله بنُ العبَّاسِ ومَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، وأَخُذُوا بِهِ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، وجِيْلًا عَنْ جِيْلٍ، إِلَى وَقْتِ شُيُوْخِنَا، في تَفْسِيْر قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ أَنَّ المَقَامَ المَحْمُودَ هو قُعُوْدُهُ ﷺ مَعَ رَبِّه عَلَى العَرْشِ، стр. 1178
وكانَ مَنْ (١) جَحَدَ ذلِكَ وتَكَلَّمَ فِيْهِ بالمُعَارَضَةِ إِنَّمَا يُرِيْدُ بِكَلَامِهِ في ذلِكَ كَلَامَ الجَهْمِيَّةِ، يُجَانَبُ ويُبَايَنُ، ويُحَذَّرُ عَنْهُ، وكذلِكَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الكاتبُ عن أَبي دَاوُدَ السِّجِسْتانِيُّ أَنّه قَالَ: مَنْ رَدَّ حَدِيْثَ مُجَاهِدٍ فهو جَهْمِيٌّ.
وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ صُهَيْبٍ وجَمَاعَةٌ من شُيُوخِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ المَلِكِ الدَّقِيْقِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ هَذَا الحَدِيْثَ مُنْذُ خَمْسِيْن سَنَةً، مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يُنْكِرُهُ، إِنَّمَا يُكَاذِبُهُ الزَّنَادِقَةُ والجَهْمِيَّةُ.
قَالَ النَّجَّادُ: وَذَكَرَ لنَا أَبُو إسْمَاعِيْلَ السُّلَمِيُّ أَمرَ التِّرْمِذِيِّ الَّذي رَدَّ فَضِيْلَةَ النَّبِيِّ ﷺ وصَغَّرَ أَمْرَهُ، وَقَالَ: لَا يُومِنُ بِيَوْمِ الحِسَابِ.
قَالَ النَّجَّادُ: وعَلَى ذلِكَ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ شُيُوْخِنَا أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ الله أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّد بنِ حَنْبَلٍ، فإِنَّهُمْ مُنْكِرُوْنَ عَلَى مَنْ رَدَّ هَذِهِ الفَضِيْلَةَ، وَلَقَدْ بَيَّن اللهُ ذلِكَ على أَلْسِنَةِ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى تَقَادُمِ الأيَّامِ، فَتَلَقَّاهُ النَّاسُ بالقَبُوْلِ، فَلَا أَحَدَ يُنْكِرُ ذلِكَ ولَا يُنَارخُ فِيْهِ.
قَالَ النَّجَّادُ: فَبِذلِكَ أَقُوْلُ: ولوْ أَنَّ حَالِفًا حَلَفَ بالطَّلَاقِ ثَلَاثًا أَنَّ اللهَ يُقْعِدُ مُحَمَّدًا ﷺ مَعَهُ على العَرْشِ، واستَفْتَانِي في يَمِيْنِهِ، لَقُلْتُ لَهُ: صَدَقْتَ في قَوْلِكَ، وبَرَرَتَ في يَمِيْنِكَ، وامْرَأَتُكَ عَلَى حَالِهَا، فَهَذَا مَذْهَبُنَا، ودِيْنُنَا، واعتِقَادُنَا، وعَلَيْهِ نَشَأْنَا، ونحنُ عَليه إِلَى أَنْ نَمُوْتَ إنْ شَاءَ اللهُ، فَلَزِمَنَا الإنكارُ عَلَى مَنْ رَدَّ هَذِهِ الفَضِيْلَةَ الَّتِي قَالَهَا العُلَمَاءُ، وتَلَقَّوْهَا بالقَبُوْلِ، فَمَنْ رَدَّهَا فهو مِنَ الفِرَقِ الهالِكَةِ. стр. 1179
قَرَأْتُ بِخَطِّ الوَالِدِ السَّعِيْدِ قَالَ: حَكَى القَاضِي أَبُو عَلِيِّ بنِ أَبي مُوْسَى عَنْ أَبي بَكْرٍ النَّجَّادِ، أَنّه قَالَ: رَأى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةَّ، مِنْهَا بالسُّنَّةِ تِسْعَ مَرَّاتٍ، في لَيْلَةِ المِعْرَاجِ، حَيْنَ كَانَ يتَرَدَّدُ بَيْنَ مُوسَى ﵇ وبَيْنَ رَبِّه يَسْأَلُهُ أَنْ يُخَفِّفَ عن أُمَّتِهِ الصَّلَاةَ، فَنَقَّصَ خَمْسًا وأَرْبَعِيْنَ صَلَاةً، في تِسْعِ مَقَامَاتٍ، ومَرَّتَيْنِ بالكِتَابِ.
وقَالَ أَبُو عَلِيِّ بنُ الصَّوَّافِ: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ حُبِيْشٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ القُرْآنِ رَأى في المَنَامِ في مَسْجِد نَهْرِ طَابِقٍ (١) كَأَنَّهُ بأَبِي مُحَمَّدٍ الجُنَيْدِ، وبأَبِي الحَسَنِ بنِ بَشَّارٍ، وهُمَا في المَسْجِدِ، إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْهِمَا رَجُلٌ شَابٌّ، كانَ يُصَلِّي مَعَهُمَا في المَسْجِدِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا واحتَضَنَهُمَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، وهو مُكْتَئِبٌ حَزِيْن، يَبْكِي ويَتَضَرَّعُ في سُجُوْدِهِ إِلَى الله ، قُلْتُ للخُلْدِيِّ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ لِي: النَّبِيُّ ﷺ ، يَبْكِي ويَتَضَرَّعُ، فَأَقْبَلْتُ عَلَى الخُلْدِيِّ، فَقُلْتُ لَهُ: قُلْ لِي مَا هُمْ فيه، حَتَّى أُخْبِرَهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لجَعْفَرٍ الخُلْدِيِّ: قُلْ لِلرَّجُلِ يَقُوْلُ لأمَّتِي: يَمْضْونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ سَلْمَانَ الفَقِيْهُ النَّجَّادُ لِيَخْرُجَ بِهِمْ، وقُلْ: أَيُّهَا الرَّجُلُ للإمَامِ - يَعْنِي الخَلَيْفَةَ - يَجِيْءُ إِلَيْهِ، فيَسْتَنْهِضُهُ مِنْ مَنْزِلهِ، ويَخْرُجُ مَعَهُ لِيَدْعُوَ لِلْمُسْلِمِيْنَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ الأمْرُ الَّذِي هُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ، لَابُدَّ لَهُمْ مِنْهُ، أَو يُقْلِعُوا عَن الزِّنَى، واللِّوَاطِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، ونَقْضِ العُهُوْدِ، وَعَنِ الرِّبَا، وسَبِّ أَصْحَابِي، فإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذلِكَ ويُقْلِعُوا، ويَتُوْبُوا، حَلَّ بِهِمْ الأمْرُ، стр. 1180
قَالَ الرَّجُلُ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِيْن، هِيَ أَمَانَةٌ للهِ لَازِمَةٌ لِي، وقَدْ أَخْرَجْتُهَا مِنْ عُنُقِي إِلَى أَعْنَاقِكُمْ، وأَنْتُمْ المُقَلَّدُوْنَ لَهَا، قَدْ أَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ، فاعْمَلُواْ عَلَيْهِ بحِسْبَةٍ.
والرُّؤْيَا في لَيْلَةِ أَحَدِ، لِثَلَاثَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ ثَمانٍ وأَرْبَعِيْنَ وثَلَاثِمَائَةَ، والقَصْدُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ النَّجَّادِ في ذلِكَ.
وتُوُفِّي وَقَدْ كُفَّ بَصَرُهُ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ لِعَشْرٍ بَقِيْنَ مِنْ ذِيْ الحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَاني وأَرْبَعِيْنَ وثَلَاثَمَائَةَ، ودُفِنَ صَبِيْحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، عَنْدَ قَبْرِ بِشْرِ بنِ الحَارِثِ، وعَاشَ (١) خَمْسًا وتسْعِيْنَ سَنَةً. قال (٢) ابنُ أَبِي الفَوَارِسِ: يُقَالُ إِنَّ مَوْلدَ أَبِي بَكْرِ النَجَّادِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وخَمْسِيْنَ ومَائَتَيْنِ.
٥٨٢ - أَحْمَدُ بنُ محمَّدِ (٣) بنِ هَارُوْنَ، أَبُوبَكْرٍ المَعْرُوْفُ بـ "الخَلاَّلِ". لَهُ стр. 1181
التَّصَانِيْفُ الدَّائِرَةُ، والكُتُبُ السَّائِرَةُ؛ مِنْ ذلِكَ: "الجَامِعُ"، و"العِلَلُ"، و"السُّنَّةُ"، و"الطَّبَقَاتُ"، و"العِلْمُ" و"تَفْسِيْرُ الغَرِيْبِ" (١)، و"الأدَبُ"، و"أخْلَاقُ أَحْمَد"، وغيرُ ذلِك.
وسَمِعَ الحَسَنَ بنَ عَرَفَةَ، وسَعْدَانَ بنَ نَصْرٍ، ومُحَمَّدَ بنَ عَوْفٍ الحِمْصِيَّ، ومَنْ في طَبَقَتِهِمْ وبَعْدَهُمْ، وصَحِبَ أَبَا بَكْرٍ المَرُّوْذِيَّ إلى أَنْ مَاتَ، وسَمِعَ جَمَاعةً من أَصْحَابِ إِمَامِنَا "مَسَائِلَهُمْ" لأحْمَدَ، مِنْهُم صَالحٌ، وعبدُ الله ابناه، وإِبراهيمُ الحَرْبِيُّ، والمَيْمُونِيُّ، وبَدْرٌ المَغَازِليٌّ، وأَبُو يَحْيَى النَّاقِدُ، وحَنْبَلُ بنُ عَمِّ إِمَامِنَا، والقَاضِي البِرْتِيُّ، وحَرْبٌ الكَرْمَانِيُّ، وأَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ، وإِسْمَاعِيْلُ بنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، ويُوْسُفُ بنُ مُوْسَى القَطَّانُ الحَرْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بنُ بِشْرٍ، وأَبُو النَّضْرِ العِجْلِيُّ، ومُحَمَّدُ بن يَحْيَى الكَحَّالُ، وعُمَرُ بنُ صَالِحٍ البَغْدَادِيُّ، وطَالِبُ بنُ حُرَّةَ الأذَنِيُّ، والحَسَنُ ابنُ ثَوَابٍ، ومُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ (٢) بنِ حَسَّانَ، وأَبُو دَاوُدَ السِّجسْتَانِيُّ، وأَحْمَدُ بنُ هَاشِمٍ الأنْطَاكِيُّ، وعُثْمَانُ بنُ صَالِحِ بنِ خُرَّزَاذُ، وأَحْمَدُ بنُ المَكِيْنِ الأنْطَاكِيُّ، ومَنْ يَكْثُرُ تَعْدَادُهُمْ، ويَشُقُّ إِحْصَاءُ أَسْمَائِهِمْ، سَمِعَ مِنْهُم "مَسَائِلِ أَحْمَدَ" ورَحَلَ إِلَى أَقَاصِي البِلَادِ في جَمْعِ مَسَائِلَ أَحْمَدَ، وسَمَاعِهَا مِمَّنْ سمِعَهَا من أَحْمَدَ، ومِمَّنْ سَمِعَهَا مِمَّنْ سَمِعَهَا مِنْ أَحْمَدَ، стр. 1182
فَنَالَ مِنْهَا، وَسَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ سَابِقٌ، ولَمْ يَلْحَقْهُ بَعْدَهُ لاحِقٌ، فكان شُيُوْخُ المَذْهَبِ يَشْهَدُوْنَ لَهُ بالفَضْلِ والتَّقَدُّمِ، قَالَ أَبُو بَكْرِ عَبْدُ العَزِيْزِ (١): سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا الحَسَنِ بنَ بَشَّارٍ الزَّاهدُ (٢) - وأَبُو بَكْرٍ الخَلَّالُ بحَضْرَتهِ في مَسْجِدِهِ، وقَدْ سُئِلَ عَن مَسْأَلةٍ - فَقَالَ: سَلُوا الشَّيْخَ هَذَا - يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ الخَلَّالَ، إمامٌ في مذهبِ أحمدَ، سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ هذا مرارًا، وقال أبُو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيْزِ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الخَلَّالُ يَقُوْلُ: مَنْ لَمْ يُعَارِضْ لَمْ يُدْرِ كَيْفَ يَضَعُ رِجْلَهُ.
حَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ؛ مِنْهُم: أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيْزِ، ومُحَمَّدُ بنُ المُظَفَّرِ، والحَسَنُ بنُ يُوْسُفَ الصَّيْرَفِيُّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الخَلَّالُ: يَنْبَغِي لأهْلِ العِلْمِ أَنْ يَتَّخِذُوا لِلْعِلْمِ المَعْرِفَة لَهُ، والمُذَاكَرَةَ بِهِ، ومَعَ ذلِكَ كَثرةُ السَّمَاعِ، وتَعَاهُدُهُ، والنَّظَرُ فيه، فَقَدْ كَانَ أَوَّلُ مَنْ عُنِيَ بِهَذَا الشَّاْنِ شُعْبَةُ بنُ الحَجَّاجِ، ثُمَّ كانَ بَعْدَهُ يَحْيَى القَطَّانُ، وتَعَاهَدَ النَّاسُ العِلْمَ بَعْدَ ذلِكَ بِتَعَاهِدِهَمَا، ثمَّ كَانَ بَعْدَ هَذَيْنِ ثَلَاثَةٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ رَابِعٌ، أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٌ، ويَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، وعَلِيُّ بنُ المَدِيْنِيِّ، فَأَمَّا عَلِيُّ بنُ المَدِيْنِيِّ فأَفْسَدَ نَفْسَهُ، وخَرَجَ عَنِ الحَدِّ، وتَابَعَ ابن أَبي دُاؤَادٍ على أَشْيَاءَ يَسْمُجُ ذِكْرُهَا (٣) عَنْهُ وإِعَادَتُهَا، فَمَاتَ أَمْرُهُ أَلبَتَّةَ، وَقَدْ стр. 1183
كَانَ أَحْمَدُ يَذْكُرُهُ عَنْدَ مُذَاكَرَةِ الأحَادِيْثَ، فَقَالَ: كَانَ يَتَهَارَمُ، ويَقْعُدُ يُذَاكِرُ، ونَحْنُ نَسْمَعُ ونَفُوْتُهُ، وكَتَبَ عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ شَيْئًا كَثيْرًا مِنْ حَدِيْثِ شُعْبَةَ وغَيرِهِ، ومَاتَ أَمْرُهُ بِمَا أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِ إِجَابَتِهِ.
وأَمَّا يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ فَأَخْطَأَ كَمَا يُخْطِأُ النَّاسُ، وَقَالَ: تُرِيْدُوْنَ مِنَا أَنْ نكُوْنَ مِثْلَ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ؟ لا واللهِ، ما نَقْوَى عَلَى طَرِيْقَةِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ.
وسُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الخَلَّالُ عَنْ طَيْرٍ وَقَعَ في قِدْرٍ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَتْ القِدْرُ تَغْلِي فاللَّحْمُ وَمَا فِيْهَا يَجْتَذِبُ النَّجَاسَةَ، فيُهْرَاقُ كُلُّه، وإِنْ كَانَتْ قَدْ هَدَأَتْ غُسِلَ اللَّحْمُ وَمَا فِيْهَا، وأُهْرِيْقَ المَرَقُ.
أَخْبَرَنَا بَرَكَةُ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيْمُ، عَن عَبْدِ العَزِيْزِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الخَلَّالُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ النَّيْسَابُوْرِيُّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الله سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ لَهُ جَارٌ رَافِضِيٌّ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا، وإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ لَا يَرُدَّ عَلَيْهِ.
وبِهِ قَالَ: حَدَّثَنِي يُوْسُفُ بنُ مُوْسَى، قَالَ: قِيْلَ لأبي عَبْدِ الله: والشَّقَاءُ والسَّعَادَةُ مُقَدَّرَانِ عَلَى العِبَادِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيْلَ لَهُ: والنَّاسُ يَصِيْرُوْنَ إِلَى مَشِيْئَةِ اللهِ فِيْهِم مِنْ حَسَنٍ أَوْ سَيِّءٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وبِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ المَرُّوْذِيُّ، قَالَ: قِيْلَ لأبِي عَبْدِ اللهِ: نَقُوْلُ إِنَّا مُومِنُوْنَ؟ قَالَ: لَا، ولكِنْ نَقُوْلُ: إِنَّا مُسْلِمُوْنَ.
وَقَالَ الخَلَّالُ: بَلَغَنِي أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنِ الزَّاهِدِ يَكُوْنُ زَاهِدًا وَمَعَهُ دِيْنَارٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، عَلَى شَرِيْطَةٍ إِذَا زَادَتْ لَمْ يَفْرَحْ، وإِذَا نَقَصَتْ لَمْ يَحْزَنْ.
قَالَ: وبَلَعنِيْ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ: حُبُّ الرِّئَاسَةِ أَعْجَبُ إِلَى
стр. 1184
الرَّجُلِ منَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ومَنْ أَحَبَّ الرِّئَاسَةَ طَلَبَ عُيُوْبَ النَّاسِ، أَوْ عَابَ النَّاسَ، أَوْ نَحْوَ هَذَا.
قَالَ الخَلَّالُ: وأَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُوْلُ: مَا ازْدَادَ رَجُلٌ عِلْمًا، فَازْدَادَ مِنَ الدُّنْيَا قُرْبًا إلَّا ازْدَادَ مِنَ الله بُعْدًا.
وَقَالَ الخَلَّالُ أَيْضًا: أَخْبَرَنِي يَزِيْدُ بنُ عَبْدِ الله الأصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ يَزِيْدَ الأصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْمُ بنُ الأشْعَثِ، قَالَ: سَمِعْتُ الفُضَيْلَ يَقُوْلُ: عَلَامَةُ الزُّهْدِ في النَّاسِ إِذَا لَمْ يُحِبَّ ثَنَاءَ النَّاسِ عَلَيْهِ، ولَمْ يُبَالِ بِمَذَمَّتِهِم، وإِنْ قَدَرْتَ أَنْ لَا تُعْرَفَ فَافعَلْ (١)، ومَا علَيْكَ أَنْ لَا تُعْرَفَ، ومَا عَلَيْكَ أَنْ لَا يُثْنَى عَلَيْكَ؟ ومَا عَلَيْكَ أَنْ تَكُوْنَ مَذْمُوْمًا عِنْدَ النَّاسِ، إِذَا كُنْتُ مَحْمُودًا عِنْدَ اللهِ، ومَنْ أَحَبَّ أَنْ يُذْكَرَ لَمْ يُذْكَرْ، ومَنْ كَرِهَ أَنْ يُذْكَرَ ذُكِرَ. وكَانَتْ حَلْقَةُ أَبِي بَكْرٍ الخَلَّالُ بِجَامِعِ المِهْدِيِّ. وتُوُفِّي يَوْمَ الجُمُعَةِ لِيَوْمَيْنِ خَلَيَا من شَهْرِ رَبِيعٍ الآخِرِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وثَلَاثَمِائَة ودُفِنَ إِلى جَنْبِ قَبْرِ المَرُّوْذِيِّ عِنْدَ رِجْلِ أحْمَدَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيْزِ: رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ الخَلَّالُ في المَنَامِ؛ فَسَألتُهُ عَمَّا يَاْكُلُ فَقَالَ: مَا أَكَلْتُ مُنْذُ فَارَقْتكمْ إِلَّا بَعْضَ فَرْخٍ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ طَعَامَ الجَنَّةِ لَا يَنْفَدُ؟
٥٨٣ - أحْمَدُ بنُ مَحْمَّد (٢) بنِ إِسْمَاعِيْلَ الأَدَمِيُّ المُقْرِئُ، أَبُو بَكْرٍ. حَدَّثَ стр. 1185
عَنْ الفَضْلِ بنِ زِيَادٍ القَطَّانُ، صاحبُ أَبِي عَبْدِ اللهِ إِمَامِنَا، فِيْمَا أَنْبَأَنَا رِزْقُ اللهِ، عن أَبِي الفَتْحِ بن أَبي (١) الفَوَارِسِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ حَيُّوْيَه، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الأَدَمِيُّ المُقْرِئُ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بنُ زِيَادٍ القَطَّانُ -صَاحِبُ أَبِي عَبْدِ اللهِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله يَقُوْلُ: مَنْ رَدَّ حَدِيْثَ رَسُوْلِ الله ﷺ فهو على شَفَا هَلَكَةٍ.
وبِهِ: حَدَّثنَا الفَضْلُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله -وسُئِلَ عن الرَّجُلِ يَسْأَلُ عَن الشَّيْءِ (٢) مِنَ "المَسَائِلِ"، فيُرْشَدُ صاحبُ المَسْأَلةِ إِلَى رَجُلٍ يَسْألهُ عَنْهَا: هَلْ عَلَيه شَيْءٌ في ذلِكَ-؟ فَقَالَ: إِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُتَّبِعًا أَرْشَدَهُ إِلَيْهِ فَلَا بأسَ، قِيْلَ لَهُ: فَيُفْتِي بِقَوْلِ مَالِكٍ وهَؤُلَاءِ؟ قَالَ: لَا، إلَّا بِسُنَّةِ رَسُوْلِ الله ﷺ وآثارِهِ وَمَا رُوِيَ عن أَصْحَابِهِ، فإِنْ لمْ يَكُنْ رُوِيَ عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ فَعَنِ التَّابِعِيْنَ.
وبِهِ: أَخْبَرَنَا الفَضْلُ، حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبٍ، أَمْلَى عَلَيَّ (٣) أَبُو عَبْدِ الله: стр. 1186
إِنَّمَا عَلَى النَّاسِ اتّبَاعُ الآثَارِ عَنْ رَسُوْلِ الله ﷺ ، ومَعْرِفَةِ صَحِيْحِهَا مِنْ سَقِيْمِهَا، ثُمَّ يَتْبَعُ (١) إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهِا مُخَالِفٌ، ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ قَوْلُ أَصْحَابِ رَسُوْلِ الله ﷺ الأكَابِرِ، وأَئِمَّةِ الهُدَى يُتْبَعُوْنَ عَلَى مَا قَالُوا، وأَصْحَابُ رَسُوْلِ الله (٢) ﷺ كذَلِكَ لَا يُخَالَفُوْنَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مُخالِفًا، فَإِذَا اخْتَلَفُوا، نَظَرَ في الكِتَابِ: فأَيُّ (٣) قَوْلهِم كَانَ أَشْبَهَ بالكِتَابِ أَخَذَ بِه، أَوْ كَانَ أَشْبَهَ بَقَوْلِ رَسُوْلِ الله ﷺ أَخَذَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ عَنِ رَسُوْلِ الله (٤) ﷺ ولَا عَن أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : نَظَرَ في قَوْلِ التَّابِعِيْنَ، فَأَيُّ قَوْلهِمْ كَانَ أَشْبَهَ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ أَخَذَ بِهِ، وتَرَكَ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ بَعْدَهُمْ. стр. 1187
(ذِكْرُ مَنْ اسمُهُ إِبْرَاهِيْمَ)
٥٨٤ - إبْرَاهِيْمُ بنُ إِسْحَاق (١) بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ يَعْقُوْبَ، أَبُو الحَسَنِ الشَّيْرَجِيُّ - الخَصِيْبُ، المُتَخَصِّصُ بصُحْبَةِ أَبِي بَكْرٍ المَرُّوْذِيِّ، لَهُ تَصَانِيْفُ، حَدَّثَ عن عَبَّاسٍ الدُّوْرِيِّ، وعَلِيِّ بنِ دَاوُدَ القَنْطَرِيِّ، ويَحْيَى بنُ أَبِي طَالِبٍ، стр. 1188
حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو الحَسَنِ الدَّارقُطْنِيُّ، ذَكَرَ ابنُ الثَّلَّاجِ أَنَّه سَمِعَ منه.
وتُوفِّي في سَنَةِ اثنَتَيْنِ وثَلَاثِيْنَ وثَلَاثِمِائَةِ.
٥٨٥ - أَبُو الفَرَجِ الهندباني (١) صَحِبَ المَرُّوْذِيَّ، ورَوَى عَنْهُ أَشْيَاء؛ مِنْهَا: قالَ: سَمِعْتُ المَرُّوْذِيَّ يَقُوْلُ: سُئِلَ أَحْمَدُ: أَيْشٍ قُلْتَ لَمَّا انْقَطَعَ سَرَاوِيْلُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: سُبْحَانَكَ يَا مَنْ لا يَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَةِ ما هُوَ فيه إِلَّا هُوَ. стр. 1189
(بابُ الجِيْمِ)
٥٨٦ - جَعْفرُ بنُ محمَّدِ (١) بنِ أَحْمَدَ بن الوَليْدِ القَافْلَانِيُّ، أَبُو الفَضْلِ. حَدَّثَ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيِّ، وعليِّ بنِ دَاوُدَ القَنْطَرِيِّ، وأَحْمَدَ ابنِ الوَليْدِ الفَحَّامِ، وعِيْسَى بنِ مُحَمَّدٍ الإسْكَافِيَّ، وعبدِ الله بن رَوْحٍ المَدَائنيِّ، وأَحْمَدَ بنِ أَبِي خَيْثَمَةَ في آخرَيْنَ، وصَحِبَ مِمَّنْ صَحِبَ إِمَامَنَا جَمَاعَةً، مِنْهُمْ إِسْحَقُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ (٢)، فِيْمَا قَرَأْتُهُ في كِتَابِ أَبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ صاحبِ الخَلَّالِ بخَطِّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ القَافْلَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِسحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ قَالَ: سَألتُ أَحْمَدَ عَن الخُنْثَى، مَنْ يُغَسِّلُهُ إِذَا مَاتَ؟ قَالَ: مَا كَانَ لَهُ خَمْسُ سِنِيْنَ، أَوْ سَبْعُ سَنِيْنَ، فَلَا بَأْسَ، كُلُّ مَنْ غَسَّلَهُ
ورَوَى عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بنُ مَالِكٍ القَطِيْعِيُّ، وأَبُو الفَضْلِ عُبَيْدُ الله стр. 1190
الزُّهْرِيُّ، ومُحَمَّدُ بنُ المُظَفَّرِ الحَافِظُ، وأَبُو بَكْرِ بنُ شَاذَانَ، وأَبُو حَفْصِ بنُ شَاهِيْنَ، ويُوْسُفُ بنُ عُمَرَ القَوَّاسُ -واللَّفْظُ لِيُوْسُفَ القَوَّاسِ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الفَضْلِ جَعْفَرُ القَافْلَانِيُّ، سَمِعْتُ مِنْهُ في جَامِعَ المَدِيْنَةِ، وكانَ من الثِّقَاتِ. وتُوفِّي في (١) سَنَةِ خَمْسٍ وعِشْرِيْنَ وثَلَاثِمَائَةَ.
٥٨٧ - جعْفَرُ بنُ محمَّدِ (٢) بنِ يعْقُوْبَ، أَبُو الفَضْلِ الصَّنْدَلِيُّ. سَمِعَ إِبْرَاهِيْمَ ابنَ مُجَشِّرٍ (٣) الكَاتِبَ، وإِسْحاقَ بنَ إِبْرَاهِيْمَ البَغَوِيَّ، والحَسَنَ بنَ مُحمَّدٍ стр. 1191
الزَّعْفَرَانِيَّ، وعَلِيَّ بنَ حَرْبٍ الطَّاهيَّ، ومُحَمَّدَ بنَ إِسْمَاعِيْلَ الحَسَّانِيَّ، ومُحَمَّدَ بنَ المُثَنَّى السِّمْسَارَ. وصَحِبَ مِنْ أَصْحَابِ إِمَامِنَا الفَضْلَ بنَ زِيَادٍ، وخَطَّابَ بنَ بِشْرٍ وغَيْرَهُمَا.
حَدَّثَ عَنْهُ عَبْدُ العَزِيْزِ بنِ جَعْفَرِ بنِ الخِرَقِيُّ، وأَبُو عُمَرَ بنُ حَيُّوْيَه، ويُوْسُف بنُ القَوَّاس.
وذَكَرَهُ ابنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: كَانَ ثِقَةً، صَالِحًا، دِيِّنًا، يَسْكُنُ بَابَ الشَّعِيْرِ (١)، قَالَ: وأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوْسُفُ القَوَّاسُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الفَضْلِ جَعْفَرُ بنُ مُحمَّدٍ الصَّنْدَلِيُّ الأطْرُوْشُ (٢)، سَنَةَ سَبعَ عَشْرَةَ وثَلَاثَمِائَةَ، ومَاتَ فِيْهَا وكانَ يُقَالُ: إِنَّه مِنَ الأبْدَالِ. قَالَ ابنُ ثَابِتٍ: هَذَا وَهْمٌ في وَفَاتِهِ. والصَّحِيْحُ مَا أَخْبَرَنَا السِّمْسَارُ (٣) -يَعْنِي ابنَ قَشِيْشٍ- قَالَ: أَخْبَرَنَا الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابنُ قَانِعٍ: أَنَّ جَعْفَرَ الصَّنْدَلِيَّ مَاتَ في стр. 1192
شَهْرِ رَبِيْعٍ الآخِرِ من سَنَةِ ثَمَانِ عَشْرَةَ وثَلَاثُمَائَةَ.
وقَرَأْتُ أَنَا في الجُزْءِ الأوَّلِ مِنْ كِتَابِ "الزَّكَاةِ"، رِوَايَةَ عُمَرَ بنِ حَيُّوْيَه (١): حَدَّثنا أَبُو الفَضْلِ جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ الصَّنْدَلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الفَضْلُ بنُ زِيَادٍ القَطَّانُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله، وسُئِلَ عَنْ زكَاةِ الحُلِيِّ؟ فَقَالَ: يُرْوَى فِيْهِ عن خَمْسَةٍ من أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُم لَا يَرَوْنَ في الحُلِيِّ زكَاةً (٢). стр. 1193
(بابُ الحاءِ مِنَ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ)
٥٨٨ - الحَسَنُ بنُ علِيِّ (١) بنِ خَلَفٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ البَرْبَهَارِيُّ، شَيْخُ الطَّائِفَةِ في وَقْتِهِ، ومُتَقَدِّمُهَا في الإنكارِ عَلَى أَهْلِ البِدَعِ، والمُبَايَنَةِ لَهُمْ باليَدِ واللِّسَانِ، وكانَ لَهُ صِيْتٌ عِنْدَ السُّلْطَانِ، وقَدَمٌ عندَ الأصْحَابِ، وكانَ أَحَدَ الأئِمَّةِ العَارِفِيْنَ، والحُفَّاظِ لِلأُصُوْلِ المُتْقِنِيْنَ، والثِّقَاتِ المُؤْمِنِيْنَ.
صَحِبَ جَمَاعَةً منْ أَصْحَابِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ، مِنْهُمْ المَرُّوْذِيُّ، وصَحِبَ سَهْلًا التُّسْتَرِيَّ، قَالَ البَرْبَهَارِيُّ: سَمِعْتُ سَهْلًا (٢) يَقُوْلُ: إِنَّ الله خَلَقَ الدُّنْيَا، وجَعَلَ فِيْهَا جُهَّالًا وعلَمَاءَ، وأَفْضَلُ العِلْمِ مَا عُمِلَ بِهِ، والعِلْمُ كُلُّه حُجَّةٌ، стр. 1194
إلَّا مَا عُمِلَ بِهِ، والعَمَلُ (١) هَبَاءٌ إلَّا مَا صَحَّ، ومَا صَحَّ فَلَسْتُ أَقْطَعُ بِهِ إلَّا باستِثناءِ مَا شَاءَ اللهُ.
قَرَأْتُ عَلَى عَلِيِّ القُرَشِيِّ (٢)، عَنِ الحَسَنِ الأَهْوَازِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ الحُمْرَانِيَّ يَقُوْلُ: لَمَّا دَخَلَ الأشْعَرِيُّ إِلَى بَغْدَادَ جَاءَ إِلَى البَرْبَهَارِيِّ، فَجَعَلَ يَقُوْلُ: رَدَدْتُ عَلَى الجُبَّائِيِّ (٣)، وعَلَى أَبِي هَاشِمٍ (٣)، ونَقَضْتُ عَلَيْهِمْ، وعَلَى اليَهُوْدِ والنَّصَارَى والمَجُوْسِ، وقُلْتُ لَهُمْ، وقَالُوا، وأَكْثَرَ الكَلَام في ذلِكَ، فَلَمَّا سَكَتَ قَالَ البَرْبَهَارِيُّ: مَا أَدْرِي مِمَّا قُلْتَ قَلِيْلًا وَلَا كَثِيْرًا (٤)، ولَا نَعْرِفُ إِلَّا مَا قَالَهُ أَبُو عَبْدِ الله أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، قَالَ: فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، وَصَنَّفَ كِتَابَ "الإبَانَةِ" (٥) فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ، ولَمْ يَظْهَرْ بِبَغْدَادَ إِلَى أَنْ خَرَجَ مِنْهَا. وصَنَّفَ البَرْبَهَارِيُّ مُصَنَّفَاتٍ (٦)، مِنْهَا: "شَرْحُ كِتَابِ السُّنَّة" стр. 1195
ذَكَرَ فِيْهِ: واحْذَرُ (١) صِغَارَ المُحْدَثَاتِ، فَإِنَّ صِغَارَ البِدَعِ تَعُوْدُ حَتَّى تَصِيْرَ كِبَارًا، وكذلِكَ كلُّ بِدْعَةٍ أُحْدِثَتْ في هَذِهِ الأمَّةِ، كَانَ أَوَّلُهَا صَغِيْرًا يُشَبِّهُ الحَقِّ، فاغْتَرَّ بِذلِكَ مَنْ دَخَلَ فِيْهَا، ثُمَّ لَمْ يَسْتَطِع المَخْرَجَ مِنْهَا، فَعَظُمَتْ وصَارَتْ دِيْنًا يُدَانُ بِهِ، فَخَالَفَ الصِّرَاطَ المُسْتَقِيْمَ، فَخَرَجَ مِنَ الإسْلَامِ، فانْظُرْ رَحِمَكَ اللهُ كلَّ مَنْ سَمِعْتَ كَلَامَهُ مِنْ أَهْلِ زَمَانِكَ خَاصَّةً، فَلَا تَعْجَلَنَّ، ولَا تَدْخُلَنَّ في شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى تَسْأَلَ وتَنْظُرَ هَلْ تَكَلَّمَ فِيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ (٢) ﷺ ، أَوْ أَحَدٌ مِنَ العُلَمَاءِ؟ فَإِنْ أَصَبْتَ فِيِهِ أَثَرًا عَنْهُمْ فَتَمَسَّكْ بِهِ، ولا تُجَاوِزُهُ لِشَيْءٍ، ولَا تَخْتَرْ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَتَسْقُطَ في النَّارِ.
واعْلَمْ أَنَّ الخُرُوْجَ عَن الطَّرِيْقِ على وَجْهَيْنِ؛ أَمَّا (٣) أحَدُهُمَا: فَرَجُلٌ قَدْ زَلَّ عَنِ الطَّرِيْقِ، وهو لا يُرِيْدُ إِلَّا الخَيْرَ، فَهوَ لا يُقْتَدَى بِزَلَلِهِ، فَإِنَّه هَالِكٌ، ورَجُلٌ عَانَدَ الحَقَّ، وخَالَفَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ المُتَّقِيْنَ، فَهْوَ ضَالٌّ مُضِلٌّ، شَيْطَانٌ في هَذِهِ الأُمَّةِ، حَقِيْقٌ عَلَى مَنْ عَرَفَهُ أَنْ يُحَذِّرَ النَّاسَ مِنْهُ، ويُبَيِّنَ لَهُمْ قِصَّتَهُ، لِئَلَّا يَقَعَ في بِدْعَتِهِ أَحَدٌ فَيَهْلَكَ.
واعْلَمْ -رَحِمَكَ اللهُ- أَنَّهُ لا يَتِمُّ إِسْلَامُ عَبْدٍ حَتَّى يَكُوْنَ مُتَّبِعًا، مُصَدِّقًا، مُسْلِمًا، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّه قَدْ بَقِيَ شَيءٌ مِنْ أَمْرِ الإسْلَامِ لَمْ يَكْفُوْنَاهُ следующие страницы →