Полный текст (456 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
حَمداً لمن سرَّح عيونَ البصائر في رِياض النعِّم، رياض زهَت فيها رياحين العقول، وتفتَّحتْ بنسِيم اللطف أنوار الحِكَم، فاجْتنَت منها أيدي المُنَى فواكه الأرواح، واقتطفت شَقيق الشَّقيق من بين أقاحِي الصَّباح، والنَّدَى طرَّز برد النسيم ببَلالِه، لمَّا رأى مجامِرَ الزَّهْرِ تحت أذياله.
مَن قبل أن ترشِف شمسُ الضحى ... ريقَ الغَوادي من ثُغُور الأقاحْ
وأشكره شكراً يطوِّق جيدَ البلاغة نظِيمُ عقوده، وينسِج ببَنان البيان لي مِنوال البراعة رقيقُ بُروده، على نِعمٍ لا تفنَى من معان الوجود جواهرُها، ولا تذوِي من خمائل الفصاحة أزاهرُها.
ونُهدِي صِلات الصَّلاة لناظم عقد الدين بعد نَثْره، المُؤيَّد بآياتٍ لا يزال يتلوها لِسانُ الدهر ولو طار نَسْر السماء من وَكره، وكَلَّت دونها ألسنةُ أَسِنّة الطَّاعنين، وحُمِيت حديقتُها بشوكة الإعجاز فلم تلمسْها يدُ أفكار المعارضين، فصار السابقون في حَوْمَة البلاغة، الماهرين في صناعة الصِّياغة، ما بين ساكتٍ أَلْفا، وناطقٍ خَلْفا، ومُشمِّرٍ ذيلَه، ومُدَّرِعٍ ليلَه تسرْبَل سابغةَ دُجى، قَتيِرُها نجومُ ليلٍ دجا، حتى اشتفَتْ نفسُ الإسلام من دائهم، وزال كلَب الكفر بما أُريق من دمائهم، فبيوتُهم خاوية، ونفوسُهم على أثر تلك البيوت قافية.
стр. 2
وعلى آلِه الذين تفتَّحت لهم كمائمُ المعاقل عن زهرة النَّصر، وتحلَّى بعقود عُهودهم جِيِدُ كلِّ عصر.
فجَنوا لهم ثمرَ الوقائع يانعاً ... بالْغُرِّ من ورق الحديدِ الأخضرِ
لا زالت سُحُب الرَّحمة المُطَنَّبة بالقطر مخيَّمةُ على مراقدهم، ولا برحْت تَحايا المُزْن مُهينِمة بلسان الرَّعد على معاهدهم، ما سقى غديرُ المجرَّة روضةَ السماء، وزَها نَرجِس النَّجم تحت بَنَفْسج الظَّلماء.
هذا وإني كنت قبل أن تُشِيب منِّى الخطوبُ الذَوائبَ، وتصبحَ كبدي وأحشائي بلظَى النَّوائب ذوائبَ، والزمان ربيعٌ، ورَوْض الشباب مَرِيع، أعد الأدبَ عنوانَ صَحائفِ الشَّمائل، وبيْتَ القصيد في ديوان المآثر والفضائل، أُنْفِق نَقْد عمري في اقتنائِه واقتناصِ شوارده، وأملأُ صدَف المسامع مما يستخرج غوَّاصُ الأفكار من فرائدهِ، وأَشِيم بارقةَ السّحر من نفَثاتِه، وأشُمُّ عبِير السرور من أرْدَان نسماتِه، وأرتَشِف من طَبْعي ما يَنِمّ على سرِّ الزُّجاجة، وأشْتَفُّ منه ما أسْأرَتْه الجُدودُ من ذُؤابة خفاجة، صُبابةَ مجدٍ لم يكدِّرها في جامِ المشارب وِرْدُ الخطوب، واْزدِحامُ الشَّوائب.
فإنِّي من العرب الأكرمين ... وفي أوَّل الدهرِ ضاع الكرمْ
وما زلتُ على هذا الحال، منذ فارقني الحال، لا دأب لي إلا تلقى وفُودِه، لاسْتهداء تُحَفِ الأخبار التي هي ألطفُ من دمع الطَّلِّ في وجَنات الأزهار.
ومَن يسألِ الرُّكبانَ مَن كان نائيا ... فلا بُدَّ أن يلْقَى بشيراً وناعِيِاَ
стр. 3
ومن أحاديث يُشفَى بها الغَليل، ويصِحُّ مِزاج النَّسيم العليل، تنْفتِح منها في رياض المُسَامَرة، مِن أجْفان الكمائِم عيونُ أنوارِها الزَّاهرة، ويحسُو فَم السَّمع منها ماءُ حياة يُطِيل عمرَ المسرَّة، وتكتحِلُ منها المآثرُ بما هو لعيونها قُرَّة، من كل من هو لتْشييد المجد أكرمُ بانِي، حتى تكفل الثَّناء له بعمر ثاني، يشِيب في وجه السماءِ حاجبُ القمرِ هلالا، ويشتعل رأسُ الشمس شيباً ولم يَرَ له مِثالاً.
إذا ما روَى الإنسانُ أخبارَ مَن مضى ... فتحسَبُه قد عاش مِن أوَّلِ الدهرِ
وتحسَبه قد عاش آخرَ دهرِه ... إلى الحشْر إنْ أبقْى الجميلَ مِن الذِّكرِ
فقد عاش كلَّ الدهر مَن عاش عالماً ... كريماً حليماً فاغتنْمِ أطولَ العُمرِ
وسواءٌ تلفُّتُ المريض للطبيب، وفَرحةُ الأديب بِلقَا الأديب، لا سيَّما أهل العَصر، الهاصِري أغصانَ المُنَى ألطفَ هصْر، القائلين في رياضِها، الواردين نَمِيرَ حياضِها، فقد سرَتْ كلماتُهم مَسْرَى الأرواحِ في الأجساد، وأُثْنَى عليها ثناءَ نسيم الرياض على العُهَّاد، وقد انتصر لكلِّ عصرٍ مَن أحْيَا مَيْتَه، وعَمَّر من دارس عهودِه بيْتَه، كصاحب) اليتيمة (و) قلائد العِقْيان (و) المية (و) الذخيرة (و) عقود الجُمَانَ (، وحَمِيَّة المرء لعصرِه، وقيامُه على منابر نصْرِه، من آياتِ الفُتوَّة، التي هي على لسان الحميَّة متلُوَّة، فليس منَّا مَن لم يَغْتَذِ بِدَرِّ المجد في مِهادِه، ولم يفتخِرْ في المحافل بأُستاذِه وإسنادِه، إلا أن الأدبَ في هذه الأعصار، قد هبَّتْ على أطلالِه ريحٌ ذاتُ إعْصار، حتى أَخْلَقتْ عُرَى المحامد، واسترْخَى في جرْيِه عِنانُ القصائد، وتقلصتْ أذيالُ الظِّلال، وخطب البلاءُ على منابر الأطْلال، وعفَا رَسْمُ الكرام، فعليه منِّى السلام.
стр. 4
وممَّا أعان عليَّ الزمانَ ... عَفافُ يدِي وعُلُوُّ الهِمَمْ
والرُّؤساء شعراء لا ينظِمون ولا ينثرون، وما فيهم مِن صفاتِ الشُّعراء إلا أنَّهم يقولون ما لا يفعلون، وإذا كذَب مادحٌ أحدَهم اهْتزَّ وطرِب، وجَازَى مِن سَراب وعدِه بكذِب على كذِب، وبالوعد القَطير لا يخَّمر الخَمِير.
وبأحْسَنْتَ لا يُباع الشَّعيرُ
وبرَعْد الوعد، لا يْسقَى غَرس الحمد
فلا تلوموه في وَعدِ يُردِّدُه ... في وقتِ مدْحِي له علَّمْتُه الكذِباَ
ومع هذا، فكم هبَّتْ لهم أنفاسٌ معطَّرةٌ بالنجاح، مُزْرِية في وقتها بأنفَاس الصَّبا في الصَّباح، يُهزّ السَّماحُ هِيف معاطِفِه، وينشرُ تحت أقدامِها الزمانُ بِساطَ عواطفِه، تتمسَّك كف الشَّمال بأذْيالها، وتتفيَّأ العشَّاقُ في هجير الأشواق ضَافِيَ ظلالها، وترِدُ صافيَ زُلالِها، مِن كلِّ حديثٍ تَلِيد وطارِف، له وَشْيٌ كوَشْيِ المطارِف، تزهُو به الطُّروس على صفحاتِ الخدود المُحَسَّنات بالسَّوالِف، في كل ورَقةٍ منها خمائل، تسوغُ مياهُ فصاحتِها في لَهَواتِ الجداول.
تكادُ يدِي تنْدَى إذا ما لمستُها ... وينبُتُ في أطْرافِها الورقُ الخضْرُ
مِن كل مَن ألحق المتأخِّر بالمتقدِّم في تطْبيق مفاصِل معانِيه، وإخراج مُخَبَّآتِ عِطْره من جُونَة مبانِيه، وإن تأخَّر عصرُه فلا بَاس، في تأخُّرِ النتيجة عن القِياس، والخدمُ تتقدَّم بين السَّادة، والسُّنَن أُمِر بتقيمها على الفروضِ في العبادة، وتقدُّم الآحاد، يرقي مرتبة الأَعداد.
стр. 5
أو مَا ترى أن النبيَّ محمداً ... فاقَ البريَّة وهْو آخِرُ مُرسَلِ
فيا أدِلاَّء الهُدَى إني آنستُ من جانب الطُّور ناراً بها تَهْتدون، أو آتيكم بِشهاب قبسٍ لعلكم تصْطَلون، فإن لم يترُك الأوَّل شيئاً للآخِر، فخيرٌ من الكثير الغائب القليلُ الحاضر، ويا مَن هم في مُحَّيا الأيام حسَنة، لقد كان لكم في رسول اللهِ أُسْوة حسَنة، فلا يُزْرِ النَّورْ تأخُّرُه عن غِراس أغْصانِه، ولا يُكِلّ مَضاءَ السِّنان كونُه في أطْراف مُرَّانِه، على انه قد تتساوى الآصالُ والبُكُر، وتتشابه طُرَرُ العشِيَّات والسَّحر، وليس إلا للحسد رغِبتْ الطَّبائع، عن محاسنَ للعصرِ هي مِلءُ الأفواهِ والمسامِع.
وما شُكْرُهم للمَيْتِ إلاَّ لأنَّه ... بما حلَّ في أيديهِمُ غيرُ طامِعِ
وللهِ دَرُّ ابن رَشِيق، في قوله:
أُولِعَ الناسُ بامْتداح القديمِ ... وبذمِّ الجديدِ غير الذَّميمِ
ليس إلاَّ لأنهمْ حسَدُوا الحيَّ ... فرقُوا على العظامِ الرَّميمِ
والحُرُّ وإن حلَّ تيهاً وَبادِية، فستغدُو محاسنُه على رغم الخمول بادية، ولنا في ذِمَّة الدهر ديونٌ بأوقاتها مرهونَة، فإذا جاء إبِّانُهَا فكَّ الزمانُ رُهُونه.
على أنِّي أستغفر اللهَ مِن دهرٍ كلَّت فيه مُرهَفاتُ الطِّباع، ونفَضت الآمالُ فيه يدها من غُبار الأطماع، وَافيْناه على الهِرَم، وقد قلع ضِرْسَ النَّدم، بعد ما أكل باكورةَ الكرماء، وشابتْ بالصباح لياليه الدَّهْماء، ودبَّ خَرِفاً على عصا الجوْزاء.
وكنتُ لما ذُيل بالنَّوى عيْشِي النَّضِر، وَلَيْت سِياحةَ الآفاقِ فَصِرت خليفةَ
стр. 6
الخَضِر، تهادتْني التَّنائِف، وقذفَتْنِي الأمانيُّ في لَهَوات المخاوِف، كأنِّي قَذَاة بأجفانِ الدهر، أو سَفَاة بوجْه نهر، أو كُرَة لاعب، أو سهم محارب، طَوْراً أُشَقِّق قلب الشرق كأنِّي أُفتِّش على الفجْر، وتارةً أُمزِّق كِيس الغرب حتى كأنِّي أُريد أن أُخرِج منه دينار البدْر، أُفلِّي لُمّةَ دجَا، شاب فوقَها فِرْقُ ابنُ جَلا، يُخَّيل لي أن البلادَ مَسامع أنا فيها مَرُّ الْمَلام، أو فكْرَ بليدٍ أنا حَوْله معنًى دقَّ أن تتصوَّره الأوْهام، غريبٌ في عيون الظُّنون، كأنِّي بيت حسَّان بن ثابت في ديوان سَحْنون، أو مُصحَفٌ في بيت زِنْدِيق، أو عابد في صَوْمعةِ بِطْرِيق، أو بِكرُ معنًى سار في مثَل، أو غَضٌّ عمرٍ جرى خلفَه رائدُ أجَل، أو خَبَر لم يصِحَّ له سنَد، فلم يقبلْهُ من الثِّفات أحد،
كأنَّ له دَيْناً على كلِّ مشرقٍ ... مِن الأرض أوثَاراً لَدَى كلِّ مغربِ
أرِدُ مواردَ الحُوب، مُكدَّرة بغُصَص الخطُوب، فلم أُرِبّ ببَدْوٍ ولا حظَارة، كأنَّني من الشُّهب السَيَّارة، وقد قيل تنزِل الألقابُ من السَّما، فلكلٍّ من أسْمه نصيبٌ انْحطَّ أو سَمَا.
وطني حيثُ حطَّتِ العِيسُ رَحْلِي ... وذراعِي الوِسادُ وهْيَ مِهادِي
فكل جوْلي بين إبْراقٍ وإرْعاد، وأمانيّ في مَهامِهِ الحيرة بين إتْهامٍ وإنْجاد، والزمان يُضمِر سَلْبَ ما أوْلاه بُخْلاً إن جَاد، وألسنةُ أبنائِه عن الإجابة صُمْت،
стр. 7
وآذانُهم عن صَرِيخ الاسْتغاثةِ صُمَّت، فقد خلاَ من المكارم مَغْناها، وأصبح لا يجاوِب البُومَ إلاَّ صَداها.
لكنني مع أهواله، ودُروس رُسوم السرور في أطْلالِه، وإن توسَّدتُ ذراعَ الهمِّ في دياجيها، وقطعتُ ظُلمةَ الشَّدائد في سَنَا بدْرِ أمانيها، أتعلَّل بأن السيفَ لا يقطعُ في قِرابِه، والليثَ لا يصِل لغرض الفرائس في غابِه، ولولا مُفارقة القوس ما أصاب سهم، ولولا بُعْد الدُّرّ عن الصَّدف لم يَظفَرْ من الغِيد بأوْفَى سهم، فلذلك أُضَاحِك مباسِمَ الأمانِي، وأُغازِل عيونَ الآمال والتَّهاني، وأُنزِّه طَرْفي في رياض الدَّفاتر، ولم أَقِل مع السرور إلا في ظلِّ طائر، فزمان مسرَّاتي أقصرُ مِن عمر المكارم، وفؤادي لم يهْتَدِ إلى طُرْق سَلْوة المُدَام، في أُوَيْقات أثقل من السُّؤَّال، وأطول من عمر الآمال، أشْأمُ مِن وجه خَنَّاس، وأثقلُ من غريمٍ مُلِحٍّ على إفْلاس.
ولم يكْفِ الدَّهرَ ما ورَّثنِيه من الحِرمان، حتى ابْتلاني بعد الإثْبات بالنَّفْي كأنِّي نِكْتُ أُمَّ الزَّمان، وأنا أستغفر الله جلَّ وعلا، ولا أرْتضى بمَعرَّة أبي العَلاَ، في قوله:
إذا ما ذكرْناَ آدماً وفعِالَه ... وتزْويجَه لابْنَيِهِ بِنْتيْهِ في الْخَنَا
стр. 8
علِمْناَ بأنَّ الخلقَ مِن نسلِ فاجرٍ ... وأن جميعَ النّاسِ مِن عُنْصُر الزِّناَ
فإنه كفرٌ مِن وَسْوسة الشياطين، وغُلُوّ مِنْه في خَلْعِه رِبْقَهَ الدين، بل أقولُ ما قال ابن عُنَين:
أنْفُوا الُمؤذِّنَ مِن بلادِكُمُ ... إن كان يُنْفَى كلُّ مَن صدَقاَ
وللحسن بن أبي عُقامة في الردِّ عليه، أي على أبي العلاء:
لَعَمْرِي أمَّا فيك فالقولُ صادقٌ ... وتكذِبُ في الباقِين مَن شَطَّ أو دَناَ
كذلك إقرارُ الفتى لازمٌ له ... وفي غيرِه لَغْوٌ كذا جاء شرْعُناَ
فلا سَمِير لي أجالسه، ولا نديمَ لي أؤانِسه، سوى أوراقٍ كنت خلعت عن مَنْكبِ الإقبال بُرْدَها الخلِيع، وجعلتُها كبَيْت العَرُوض ادِّخارُها للتّقطِيع، فوجدتُ فيها نُبذاً مِن المحاسن أسرَّها الدهرُ في خاطره، شاهدةً لقوْلِ مَعْدِن الحِكَم:) أمَّتِي كَالْمَطَر لا يُدْرَى الْخَيْرُ في أَوَّلِهِ أَمْ فِي آخِرِهِ، ممَّن جَرَّ عليه الزمنُ أذيالَ الفَنَا،
стр. 9
وأسكنه تحت أَطْباقِ الثَّرى، فحلَّ مُخَيَّمَ البِلَى، كأنه سِرٌ في صدرِه، ومِن باقٍ على هامةِ الليالي تعْبَق أنفاسُ الرُّواةِ بذكْرِه، ممَّن ركِبتُ لرُؤْياه مطايَا أُمِّ عمري، أو نابتْ عنِّي في مشاهدتِه أهلُ عصْرِي، فاجتلَوتُ مُحيَّاه، أو رأيتُ من رآه، حتى طرِبتُ على الاسْتماع، وعلمتُ أن الذِّكرَى طَيفُ الاجتماع، وإذا كان الحِبُّ مَنُوع، فالصَّبّ قَنُوع، يتعلَّل ببارق ثَنَّية، وتكْفِيه لمْحةُ إشارة لمحة إشارةٍ أو تحيَّة.
فإن تمنُعوا ليلى وحُسنَ حديِثها ... فلن تمنُعوا مِنِّي البُكا والقوافِيِاَ
فهلاَّ منعتُمْ إذ منعتم حديثَها ... خَيالاً يُوافِيِني على النَّأْيِ هاديَا
فجمعتُ منها ما هو لطَرْف الدَّهر حَوَر، ولجِيد الأدب عِقْد يبْسَم منظومُه هُزْؤوا بعِقد الدُّرَر، ولكاس الأدب خِتام، ولعِقْد حُبَابه نِظام، تُذكِّر العهودَ والمودَّة وتطلع في وَجْنة الوفاة ورْدَة، وتندُب من ألْقى للبَلاء قِيادَه، وتُلبِس عليه وجْهَ الطِّرس حِدَادَه، وتسجُد الأقلام في محراب طِرسها الذي هو المحاسن جامِع، ويَودُّ كل عضو إذا تُلِيتْ أحاديثُها لو أنه مسامِع، وهي وإن كانت عِقْداً منتثراً دُرُّه، وأُفُقاً تبدَّد بيد الصباح زُهْرُه، ونَوْرّاً نشرتْه كفُّ الشَّمال، فانتظم على ترائِب الماءِ السَّلْسال، فلرُبَّما نُثِر العِقْد المُفصَّل، ليعود أحسنَ في النِّظام وأجْمل.
فهذه ذخائرُ من) خبايا الزَّوايا، فيما في الرِّجال من البَقايا (تنفَّس الدهرُ بها عن
стр. 10
نفْحةٍ عنْبَريَّة، وهبَّتْ بها أنفاسُه النَّدِيةُ نَدِيَّة، تنفُّسَ الروض في الأسحار بأفواه العبير عن أفْواهِ النَّوْر والأزهار.
يَسْرِي على رَيْحانِها نفَسُ الصَّبَا ... سحَراً فُيوهِم أنه ذِكْراهَا
فلذا سمَّيْتُها:) ريحانة الألِبَّا، وزهرة الحياة الدنيا (فإني شمَمْت بها روائحَ الشَّباب، ونظرتُ في مِرآتها وُجوهَ الأحباب، وتذكَّرتُ غابِرَ الأيَّام، إذ العيش غضٌّ والزمان غُلام، مِن أعلام شم الأنُوف إن دعي بهم بوّ الصغار تشَّمخ، في غُرَر أيامٍ تُقام بها مواسمُ الدهرِ وتُؤرَّخ.
وجعلتُ مِسْك الخِتام، ذكَر سادةٍ من العلماء الأعلام، فإنَّ بصَبا أنفاسهم ينْقشِع غَمامُ الغُمَّة، وبذِكْرِهم في نادِينا تنزِلُ الرَّحْمَة.
فإن عَذُبت مواردُها، فَلْتُقرَن بالدعاء فرائدُها، فإن عُثِر منها على كَبْوة، فليَبذُل لها اللبيبُ عفوَة.
على أنَّني راضٍ بأن أحملَ الهوَى ... وأخلُصَ منه لا عَلَيَّ ولا لِياَ
وها أنا ذا أُمتِع الأسماع، بربيع أحْوَى الظِّلال الْمَى التِّلاع، فإذا رأيتَ كلاماً لأهل العصر لم تترنَّح أعطافُه لهذا النَّسيم، فتمتَّع من شَمِيم عَرارِ نجدٍ فما بعدَه من شَمِيم، فليس مِن ليْلِى ولا سَمَره، ولا مما يُهدَى لنا من الأدب باكورةُ ثَمرِه، فكم من أشعار، للبُخل فيها أعذار:
стр. 11
تَا اللهِ ما بخِل الكرامُ وإنَّما ... لِبُرودةِ الأشعارِ قد جَمُد النَّدَى
فما كل مُرتفِع نَجد، ولا كل وادٍ يُنبِت الشِّيحَ والرَّنْدِ، وما كل سَوْداء تَمْرة، ولا كل صَهْباء خمرَة ولا كل بيْضاء شَحْمة ولا كل حمراء لَحْمة ولا كل نبْتٍ يعلو بنَمَائِه، ولا كل بَرْقٍ يجود بمائِه.
اللهم بحُرمةِ سيِّد الأنام، كما يسَّرتَ الابتداء يَسِّر الاختتام، صارفاً عنا سُوءَ القضا، ناظراً إلينا بعيْنِ الرِّضا.
стр. 12
القسم الأول
في محاسن أهل الشَّام ونواحِيها
ومن برز مَن بَرَزَ سُرَّةِ رُبَاهَا وبطن وَادِيها، وتغذَّى بنسِيِمها، وتربَّى في حِجْرِ رياض نعيمها وقال في ظلالِ أغصانها، المُتعانِقَة هوًى وَوُدَّاً، وتعطَّرَ بأنفاس شَمَائلِها، التي صارت للنَّدِّ نِدَّاً، وطعِم من مائِها العذب وَرَوِى بِذَؤبِ لؤلؤها الرَّطْب، وهو ماءُ الحياة في سائرِ الصِّفات إلا أنه في نور التَّقديس وهو في الظُّلماتِ.
стр. 13
أحمد العِنَايَاتِيّ
صديقُ الصِّدق، وخِدْن الصلاح، شقيق النَّدى، وتِرْب السَّماح، رَوض سجيَّته غضٌّ ناضر، لو رآه المُتَنِّبي لقال ما هذا إلا ساحر، خلَب الأسماع بنَفَّاثاتِه، ونسَج على مِنوال الرِّقَّة حُللَ عِناياتِه.
ذو حسَب تَليِد، وبَاعٍ في المجد طويلٍ مَدِيد، لم يُسطَّر مثلُ محاسنِه في كتاب الزمان، ولم نُملأ بأنْفسَ من جواهره حِقاقُ الآذان، فيالَها جواهر إذا شاهدها مُفنقِر إلى البيان، أغْناه يا قوتُها وجوهرُها، وخَرائد جَمَعت له بين الحُسْن والإحسان منظرها طِّيب ومخبرها، تُغرِّد على قُضُب براعتهحمائمها، وتفرح أنوارُ بلاغتِه إذا فَضَّت الطُّروس عنها كمائِمها، طلعت شمسُ الأدب من أُفُق أشعارِه، وتفجَّرت ينابيعُها من خِلال آثارِه.
وهو الآن في جبهةالشام غُرَّة، وفي حدائقها النَّضِرة زُهَرَة، وفي سماء كمالها الزَّاهية
стр. 14
زُهَرَة، وقد حَلَّى بحُلَل الزهد كمالَه، ورأى برأْيِه الصَّائبِ أسْماَلَه أسْمَى لَه، لم يحتفِل بأمر غَد، قانعاً بظلِّ الخُمول نكَداً أم رَغَد، قائِلاً في خمائِله الرِّحاب، عفَّ السَّريرة طاهرَ الأثواب، لم يَشْرَق بسُؤال، ولم يَغَصّ بنَدامة الآمال، ولم يأْلَف سكَنا، ويتوطَّن مَسْكناً.
كما قيل:
ومِن عجيبً أن أكونَ شاعراَ ... وليس لي في النَّاسِ بيتٌ يُعرَفُ
كما وصف زِيّه في قصيدته الزَّائيَّة بقوله:
إذا لم أعِزَّ فمن ذا يعِزُّ ... وفَقْرِي وقَنعِي كنْزٌ وحرْزُ
لِبستُ من اليأْس في الناسِ ثوباً ... عليه من العقْل والفضْلِ طَرْزُ
ولستُ أدرى الذُّلَّ إلا إذا كا ... ن في الحُبِّ والذلُّ عِزُّ
ومثْلِيَ حرُّ عَبَاةٌ غِنَاهُ ... إذا استعبدَ الناسَ خَزٌّ وبَزُّ
وسِيَّان مَن حَبَّ أو مَن قَلَى ... ومَن راح يمدحُ أو راح يهْزُو
ومن غرره قوله:
قلبي على قَدِّك الممشوقِ بالهيَفِ ... طيرٌ على الغصن أم همْزٌ على الألفِ
وهل سُوَيْداه أم خَالٌ بخدَّك أم ... خُويدِمٌ أسودٌ في الرَّوضةِ الأُنُفِ
وهذه غُرَّوٌ في طُرَّةٍ طلعتْ ... أم بدرُ تِمٍّ بدََا في ظُلمةِ السُّدَفِ
تخْفى النجومُ بنورِ البدر وهو بنُو ... ر الشمس وهْيَ بنُور منك غيرُ خَفِي
стр. 15
يا بدرُ وطرفي فيك مُنتصِفٌ ... بالوصْل منك وهذا غيرُ مُنتِصفِ
القلبُ واصَلْتَ فيه وَصْلَ مُمتزِجٍ ... والطَّرفُ صَدَّيت عنه صَدَّ مُنحرِفِ
ظَبْيٌ تألفَّتُ منه غيرَ مُلتَفتٍ ... غُصنٌ تعطَّفتُ منه غيرَ مُنعطِفِ
شِفاءُ حَرِّ غليلي بَرْدُ رِيقَتِهِ ... والُبرْءُ مِن دَنَفي في لَحظِهِ الدَّنِفِ
وَيْلاهُ من وردِ خدٍّ غيرِ مُقتَطفٍ ... مِنْهُ ومن خَمْرِ ريقٍ غير مُرتشَفِ
عذلتُ عاشقَ عَذْلي في محبَّتِهِ ... فاعْجَب لذي شَغَفٍ يلْحِى على الشَّغِفِ
يظُنُّ أن سِواه منهُ لي خَلَفٌ ... أساء في الظَّنِّ هل للروح من خَلَفِ
عُذْريَّ عِشقي عُذْرِي فيه مُتِّضِحٌ ... كوجهِه وهو مثلُ الشمسِ في الشَّرَفِ
فنِيتُ سُقماً بِخَصْرٍ منه مُخَتَصَرٌ ... فيه وطَرْفِي ونوْمي جِدُّ مُختِلفِ
يطير قلبي إلى ألحاظِهِ شَغَفاً ... فاعْجَبْ له كيف يرْمى السَّهْمَ بالهدفِ
يا أيها الرَّشَأُ الضَّارِي على مُهَجِ الْ ... آسادِ بالسَّيْف مِن جَفْنَيهَ لم يَخِفِ
بما بحُسِنك مِن تِيهٍ ومن صَلَفٍ ... وما بعِشْقِيَ من ذُلٍّ ومن كَلفِ
الله في كَبدٍ للوجدِ في كَمَدٍ ... إليك أسْرَف فيها الشوقُ في السَّرَفِ
ومُغْرمٍ ماله مِن مُسعِفٍ لعبتْ ... به اللَّواعجُ لِعْب الرِّيح بالسَّعَفِ
أشْفَى مِحَاق الضَّنَى لما هجرتَ به ... على التّلاف ولو واصلْتَه لشُفِي
يا باخِلاً بلِقاهُِ باذلاً لدمى ... فالوعدَ يُخلِف منه والوَعيد يَفي
حُزتَ الجمالَ ألا تُولىِ الجميلَ فقد ... يُصادَفُ الحُسن بالإحسان في الصَّدَفِ
стр. 16
) تتمة (اعتُرض على هذا المطلع بأنه لا وجه لتشبيه القلب بالهَمْز.
وأٌجيب بأن له وجهاً؛ لأنه وقع تشبيههُ بالطائر لخفقاته، وهم قد شبَّهوا الطيرَ على الغصن بالهمز، والغصنَ بالألف، ولما شاع هذا شبَّه به القلب، وقدَّ الحبيب، فهذا في باب التشبيه كالمجاز على المجاز، والنكاية على الكفاية، كما قيل في وصف قصيدة هَمْزيِّة:
والقوافي إليك حَنَّتْ حنِيني ... فنأمَّلْ فهمْزُها ورْفاءُ
وقوله:) والبُرْءُ مِن دَنَفيِ (إلخ، معنى مشهور، كقول أبن مَطْرُوح:
أشتكى سِقَمِي إلى أجْفانِه ... ومتى يُشْفَى سِقامٌ بسِقَمْ
وقوله:
ورنا إليّ بطَرْفهِ فكأنما ... أهْدَى السِّقامَ لُمدنَفٍ من مُدْنَفِِ
وقول ظافر الحدّاد:
مريضُ لحاظِ الطَّرفِ لولا جُفُونُه ... كما كنتُ أدْرِي السُّقْمَ كيف يكونُ
وأصله قول المتَنَبِّيّ:
أعارني سُقْمَ عْينْيهِ وحَّملنِي ... مِن الهوَى ثِقْلَ ما تحْوِي مآزِرُهُ
وقوله:) فاعجب له كيف يرمي السهم بالهدف (نوع من البديع يُسمَّى العكس،
стр. 17
بديعٌ في بابه، وهو كقول الذَّهبيّ:
يطيرُ فؤادي لألْحاظِه ... غراماً وشوقاً وفيها التَّلَفْ
فيا مَن رأى قبْلَها أسهُماً ... يطيرُ اشتياقاً إليها الهدَفْ
ونحوه قوله ابن نُبَاتَة المِصْرِيّ:
صيِّرتَ نومي مثلَ عِطْفك نافراً ... وتركتَ عزْمي مثل جَفْنِك فاتراَ
وسكنْتَ قلباً طار فيك مسَرَّةً ... أرأيْتَ وكراً قطُّ أصبحَ طائراَ
ومما أنشدته له قولَه أيضاً من قصيدة:
يا أيُّها الملأُ المِلاحُ أفتُوني ... مَن ذا أباح لكم دمَ المفتُونِ
مِن كل أسْمرَ سَنَّ قتلَ مُحبهِّ ... إِن المكان مُشرَّفٌ بمكِيِنِ
روضٌ نضيرٌ لم يردْه ناظرٌ ... إلا ورَدَّ عيونَه بعُيونِ
العيون: جمع عَيْن بمعنى الباصِرة، وبمعنى الجاسوس.
يحمِى بنَرْجِسِه أقاحِيَ ثغرِهِ ... ويصونُ وَرْدَ الخدِّ بالمرسينِ
وحياتهِ وهي اليمينُ وإنها ... وحياتِهِ عندي أبرُّ يمينِ
ما خنتهُ إنِّي وشخصُ جمالهِ ... حيث اتّجهتُ عليَّ مِثلُ أمينِ
قرَن الودادُ له فؤادي بالأسى ... أكذا يُجازَى وُدُّ كلِّ قَرينِ
فاتُركْ حديثَ شجونِ من قتل الهوى ... قبْلي وخُذ منِّي حديثَ شجوني
قسماً لو أن العامريَّ مُعَمَّرٌ ... ما جُنَّ إلا مُعجَباً بجنونِي
стр. 18
والعقلُ منِّي ضاع في ثغْرٍ له ... فيه الثَّنايا بين مِيمٍ سينِ
يا ذا الْمَلاحةِ والذي بجَبينهِ ... في كل ليل مَلامة يهْديني
لا يطرُقنَّ اللَّومُ باب مسامِعي ... وعليه مِن صُدْغَيْك كالزُّرْفِينِ
يا لائمِي لك في الملامةِ دِينُكَ الْواهِ ... ي كما ليَ في الصَّبابة دِيِنِي
لا يخطُرُ السُّلوانُ عنه بخاطرِي ... إلا ورُدَّ من الجوَى بكَمِينِ
كم خُضْتُ بَحرَ الموتِ دون وصَالِه الْ ... غالي ولم أكُ قانّعاً بالدُّونِ
وشَفَيْتُ حرَّ الوجد مِن برْدِ اللَّمىَ ... عِلْماً بأن الماءَ مَا يشْفينِي
مُتعجِّباً من خدِّهِ بالماءِ يرْ ... وينِي أسْاً وبنارِهِ يُورينِي
وبخطِّ عارِضِه أَساوِرُ أرْقماً ... منه فأقرأُ منه ما يَرْقِينِي
ويظنُّني حاشاهُ أسلُو حبَّه ... واللهُ مِن ظنِّ الحبيب يقينِي
وهي عِراض قصيدة الرئيس أبي منصور عليّ بن الفضل، الكاتب المعروف بصرَّدُرّ:
أكذا يُجازَى وُدُّ كل قَرين ... أم هذه شِيَمُ الظِّباءِ العِينِ
قُصُّوا علىَّ حديثَ مَن قتَل الهوى ... إن التَّأسِّي رَوْحُ كل حزينِ
ولئن كتمتُمْ مُشفِقين فقد درَى ... بمصارعِ العُذرِىِّ والمجنونِ
стр. 19
فوق الرِّكاب ولا أٌطيل مُشَبِّهاً ... بل ثَمَّ شهوةُ أنفُسٍ وعيونِ
هُزِّت قدودُهم وقالت للصِّبَا ... هُزْؤا أعند البان مِثْلُ غُصونِي
وكأنما نقَلتْ مآزِرهم إلى ال ... جَدَد الحمى الأنقْاءَ من يَبْرينِ
ووراءَ ذيِّاك المُقبَّل مَوْرِدٌ ... حَصْباؤُه مِن لُؤْلُؤ مكنوُنِ
إمَّا بيوتُ النَّحْل بين شفاهِهم ... منْضُودةً أو حانةُ الزَّرْجُونِ
ترْمي بعينْك الفِجاجَ مْقلِّباً ... ذاتَ الشِّمال بها وذاتَ يمينِ
لو كنتَ زَرْقاء اليمامة ما رأتَ ... من بارقٍ حَيَّا على جَيْرُونِ
شكْوك مِن ليل التَّمام وإنَّما ... أرْقَى بليلِ ذوائبٍ وقرونِ
ومعُنِّفٍ في الوجْدِ قلتُ له أنَّئِدْ ... فالدِّمعُ دمْعيِ والحَنين حَنيني
ما نافِعي إنْ كان ليس بنافعي ... جاهُ الصَّبا وشفاعةُ العشْرينِ
لا تُطرُقَنْ خجلاً للَوْمةِ لأئمٍ ... ما أنتَ أولُ حازم مَفْتُونِ
أأسومُهمْ وهمُ الأجانبُ طاعة ... وهوايَ بين جوانحيِ يَعْصِينِي
стр. 20
دَيْنِي على ظَبْياتِهم مَا ينْقضِي ... فبأيِّ حُكمٍ يقبضون رُهونِي
وخَشِيتُ مِن قلبي الفِرارَ إليهِمُ ... حتى لقد طالبْتُه بضمينِ
كلَّ النَّكالِ أُطيقُ إلا ذِلَّةً ... إن العزيز عذابهُ بالهُونِ
يا عينُ مثلُ قَذَاكِ رُؤيةُ مَعْشرٍ ... عارٍ على دُنياهُم والدِّينِ
لم يُشبِهوا الإنسان إلا أنهمْ ... مُتكوِّنونَ من الحَمْاَ المسْنُونِ
نجَسُ العيونِ فإن رأتْهُم مُقلتيِ ... طهَّرتها فنزحتُ ماءَ جُفونِي
أنا إن هُم حسبُوا الذَّخائر دُونَهُمْ ... وهمُ إذا عدُّوا الفضائلَ دُونِي
لا يُشمِتِ الحسَّادَ أنَّ مَطامِعي ... عادتْ إليَّ بصَفقْةِ المغبُونِ
ما يستديرُ البدرُ إلا بعدما ... أبصرْتَه في الضّمْر كالعُرْجُونِ
هذا الطريق اللَّحْب زاجرُ ناقتي ... واليمُّ قاذِفُ فُلكيَ الْمشحونِ
فإذا عمِيدُ المُلْك حلَّ بربْعهِ ... ظَفرِا بفَأْلِ الطائر الميْمونِ
قوله:) أأسومهم وهم الأجانب طاعة (، هو من قول البُحْتُرِيّ:
ولستُ أعجبُ مِن عِصْيان قلبِك لي ... عْمداً إذا كان قَلبي فيكَ يعْصِيني
وبعده:
مَلِكٌ إذا ما العزمُ حثَّ جِيادَهُ ... مَرِحتْ بأزْهرَ شامخِ العِرْنِينِ
стр. 21
ومثله قول الشريف الرضي:
أرومُ إنْصافي مِن رجالٍ أباعدٍ ... ونفسِيَ أعْدَى لي مِن النَّاس أجمعاَ
إذا لم تكنْ نفسُ الفتَى من صديقِه ... فلا يُحْدِثَنْ مِن خِلُة الغيْرِ مَطمعَا
وأصله مِن قول بَكْر بن حارثه:
قلبي إلى ما ضرَّنِي داعي ... يُكثُر أسقامِي وأوجاعِي
كيف احتراسي مِن عدوِّي إذا ... كان عدُوِّي بيْن أضْلاعِي
وقوله:) يا عين مثل قذاك رؤية معشر (إلخ، هو معنى بديع، وقد سُبِق إليه، قال الثعالِبيّ: أتفق لي في زمن الصِّبا معنىً بديع، لم أُسْبق إليه، وهو:
قلبيَ وجْداً مشتعلْ ... وبالهمُومِ مُشتِغلْ
وقَد كستْنِي في الهوَى ... ملابسَ الصَّبِّ الغَزِلْ
إنْسانةٌ فتَّانةٌ ... بدرُ الدُّجَى منها خَجِلْ
إذا زنَتْ عيني بها ... فبالدُّموعِ تغْتَسِلْ
وقد سبقه ابن هِنْدو، في قوله:
يقولون لي ما بالُ عيْنِكَ مُذ رأَتْ ... محاسنَ هذا الظَّبيِ أدْمُعُها هُطْلُ
فقلتُ زنَتْ عيني بطلْعةِ وجهِهِ ... فكان لها مِن صَوْبِ أدمُعِها غُسْلُ
стр. 22
قال أبو عليّ الفارسيّ: لستُ أعجب من توارُدِه، وإنما أعجب من قولهِ لم أُسْبَق إليه وقد قال أبو الطَّيِّب في الُحمَّى:
إذا ما فاَرَقْتنيِ غسَّلتْنيِ ... كأنَّا عاكِفان على حَرامِ
وقد سلم من شَناعة ذكر الزِّنا، وما في قُبْح لفظِه من الْخَنَا، فمعناه أَصحّ؛ لأنه ذكر في هذا الشعر مِن نفسه وزائرته ذكراً وأنثى، جرى بينهما ما يقتضي الغسلَ.
وإن قيل: إن قوله) عاكفان على حرام (مِن لَغْو الكلام، وهما ذكراً، زِناً بين اثنين، ولو قال زني ناظري، أو لحظي، كان أحسن.
قلتُ: هذا كله كلام ناءِ عن حُسْن الأدب، وهو سُخْف، ولكن أيُّ الرِّجال المُهذَّب، ومع ذلك فقد وقع هذا في كلام من تقدَّمهم، ومعناه أصح ودِيباجتُه ألطف وأوضح، كقول يزيد بن معاوية:
وكيف تَرَى بعينٍ ترى بها ... سِواهَا وما طهَّرْتَهَا بالمدامِعِ
أجِلُّكِ يا ليلى عن العينِ إنَّما ... أراكِ بقلْبٍ خاشعٍ لك خاضعِ
ثم مشى على أثرهم الناسُ، وولَّدوا معانيَ لا تُحصَر، كقول السِّراج الورَّاق:
يا نازحَ الدَّارِ مُرْ نومي يُعاوِدْنِي ... فقد بكْيتُ لفَقْدِ الظَّاعنينَ دَمَا
أوْجَبْتَ غُسْلاً على عيني بأدْمُعِها ... فكيف وهْيَ التي لم تبلُغِ الُحُلمَا
стр. 23
محمد الصَّالِحِيّ الهِلاَليّ
هُمام بعيد الْهِمَّة، قريب منال مياه الْجَمّة، له دَرارِيُّ شِيم، هي غُرَّة دُهْم اللَّيالي، وبَناتُ أَفكارٍ لم ترتضِعْ غير دَرِّ المعالي، فلا بربِّ المشرق والمغارب، إنها شموسٌ لم تزل طالعةً مِن سماء المناقب، وهي الآن شامَةٌ في وجَنات الشام، وروضة تفتَّحت أنوارُها بثغُورٍ ذاتِ ابْتِسام.
ومن سُنَّتِه الاعْتزالُ عن الناس، وتقديمُ الوَحْشة على الاسْتِئْناس، مُنقطعاً لاقْتِطاف زهرات العلوم، يمدُّ لِقِرَى الأسماع موائدَ المنثور والمنظوم، في زهدٍ مُتحَلٍّ بخِلاله، تَدِقّ صفاتُ المدح عن معاني جَلاله، بعزمٍ هو أبو العجَب، لو قُدِح زَنْدُه لَهَبَّ له لَهَب، وخَطٍّ تُسَرّ به النُّفوس، وتُوَشَّى بدِيباجِه الطُّروس.
خطٌّ زهَتْ أزهارُه ... والروض يُنْبِتُه السَّحابْ.
وشعرُه شَقِيق الرياض، المُطَّرِدة الحِياض، تُسْتَخرج الجواهرُ من بحوره، وتُحَلَّى لَبَّات الطُّروس بقلائد سطورِه، لم يصْرِفه لمدح كريم، ولا تغزَّل بمليحٍ كريم، ولعَمْري
стр. 24
إِنه قطَع منه مَيداناً لم يصِلْ إليه الكُمَيْت، ونَقَّي ألفاظَه وهذَّب معانيه فلم يقُل فيه) لو (ولا) ليت (.
وبالجملة فهو في عصره إمام الدب المُقتدَى به، والبليغ الذي لا تُثْمِر أغصانُ الأقلام إلا في رياض آدابه.
ولما قدِم القاهرة أفاض عليَّ لباسَ مودة لم تُبْلَ عهودُها، ألا حبَّذا إخْلاقُها وجديدُها، ووَرّقُ الدنيا خَضِر، وعُود الشباب غَضُّ نَضر، والأدب لم يَعْفُ منارُه، ولم تَخْبُ نارهُ وأنوارُه، لا كاليوم إذ حام قومٌ حول حِماه، فوقعوا في ظُلماتٍ ليس فيها عينُ الحياة، وهو إذ ذاك أستاذ ومَلاذ، تذوق أفهامُنا من موائد فوائده أنواعَ الملاَذّ، فأتْحَفي بطُرَف أشعاره، ونزَّه أحْدقَ فكري في حدائق آثارِه، فأسكر سمْعِي بسُلافةٍ أدارتْها كؤوسُ بيانهِ، وتقلَّدتُ بمذهب البُحْتُرِي في اجْتناءِ الورد من أغصانِه:
واْسمَعْهُ ممَّن قاله تَزْدَدْ بهِ ... عجباً فحسْن الوْردِ في أغْصانِهِ
طالعتُ له فصلا في ديوانه، الذي سماه) صدح الحمام، في مدح خير الأنام (ذكر فيه نُبذاً من صفاتِه، ومعاهِد أُنْسِه ولَذَّاتِه، ومسارحِ آرام تِربه ولِدَاتِه، وهو) إني لَّما نشأتُ بمكة المُشرّفة، والأماكن التي هي بالجَوْزاء مُمَنْطَقة، وبالثُّرَيَّا مُشَنَّفَة، وكساني الزمانُ قَشيِبَ برُودِه، وطفِقْت أرْفُل ما بين عَقِيق
стр. 25
الحِمى وزَرُودِه، وغُصن الصَّبا بأيام السعادة مُورِق، وبدْر الشَّباب في سماء الكمال مُشْرِق، لا دَأَب لي ألاَّ توسُّم وفود في سوق عُكاظِها، ولا شُغْل لي إلا استكشاف وسائِم وجوهِ المعاني المُخبَّأة تحت براقع تحت براقع ألفاظِها، ثم لما بطلت حركة الدَّوْر، وتنقَّل الزمانُ من طَوْر إلى طَوْر، أْعمَلْنا حُروف النَّجائب تنُصُّ بنا البَيْداء في سُرَاها، ولطمْنا خَدَّ الأرض بأخْفافِها إلى أن بَرَاها السُّرَى في بُرَاها، فكم جاوَزْنا جبالاً شوامِخ زاحمتْ بمناكِبها أكتاف السَّحائب، وذَرْعنا بأذْرُع النَّاجِيات شُقَّة قّفْز لم تُطْوَ إلاَّ بأيْدِي الرّكائب، فكم مَن راسلْتُه وراسلنِي برائق شِعْره وسَجْعه، وأدار وأدرْتُ كؤوسَ قوافي شعره على أواه سمْعِه، وزفَفْتُ عليه عرائسَ أفكاري استجلاباً لِوِدَادِه، وتلوْتُ علي غرائبَ أسْماري استقْداحاً لِوَارِي زِنَادِه.
وهُنَّ عَذارىَ مهرُها الوُدُّ لا النَّدَى ... وما كلُّ مَن يُعْزَى إلى الشِّعر يَسْتَجدِى
انتهى.
هذه نُبْذة من نِثاره نَثْره، وسأُفَرِّط سمْعَك بجواهِر شعره.
وكنت كتبتُ له قصيدة تائيَّة، مُلغِزاً من شعر الصِّبا، الذي يحسُد مُهَلْهَلَ بُرْدِه في رِقّتِه نسيمُ الصَّبا، لا كما قال البَاخَرْزِيّ هو التَّمْر باللِّبا، فهو باكورة
стр. 26
ثمرات الآداب، بل الرَّوْض الأرِيض، الذي سُقِيَ من ماء الشَّباب، فأجاب وأجاد، وصَفَّى من قَذَى الكَدَر مواردَ الوِدَاد، وهذه، كواكبُها المُشرِقة في دياجي نفسِه، وثمراتها الزَّاهية في رِياض طِرسِه:
طالتْ وقد قصُرتْ عنها العباراتُ ... وحازتِ الحُسْنَ هاتِيكَ البَراعاتُ
غرَّاءُ فائقةٌ باللُّطفِ رائقةٌ ... تحلُو الْخَلاعاتُ فيها والصَّباباتُ
أختُ الغزالةِ إشْراقاً ومُلتَفَتاً ... لها لدَى السَّمعِ لذَّاتٌ ونَشْآتُ
نسِيِبُها أطربَ الأسماعَ مَوقِعُهُ ... ومدحُها مالَه في الْحُسنِ غاياتُ
كأنَّ حُرَّ معانيها ورِقَّتهَا ... في لفظِها الخمرُ تجلُوه الزُّجَاجاتُ
يحلُو المُكرَّر من ألفاظِها ولَكمْ ... مُلَّ المُكرَّرُ طبْعا والمُعاداتُ
أتتْ إليَّ وبدرُ الفكرِ مُنخسِفٌ ... ومالَه في سماَ الإدْراكِ هالاتُ
وللهمومِ اطِّرادٌ في الفؤادِ كما ... ضَمَّتْ عِتاقَ الْمَذَاكي الجُرْدَ حَلْباتُ
أسامِر النَّجمَ في الليلِ الطويلِ ولا ... أغفُو وكم لعُيونِ النَّجمٍ غَفواتُ
فقمتُ في الحالِ إجلالاً لها وسَرتْ ... عنِّي الهمومُ وزارَتنيِ المسرَّاتُ
وظَلْتُ مُنتصِباً لمَّا ارتفعت بها ... وكان عندي بذلِّ النَّفسِ كسراتُ
قبَّلْتهُا ألفَ ألفٍ ثم زِدْتُ فلم ... أحسِبْ وكم للكثيرِ العدِّ غَلْطاتُ
وكان أُفْقُ زماني مُظلِماً فبدَا ... فيه شِهابٌ لنا منهُ إناراتُ
شهابُ علمٍ ولكن نوره أبداً ... بالذَّاتِ ما عرَضتْ فيه الإضاءاتُ
стр. 27
غُذِّي بدَرِّ لِبانِ الفضلِ مُذ زَمنٍ ... فشَبَّ كالنَّارِ لا تعرُوه فَتْراتُ
شيخُ العلومِ ومِفْتاحُ الفُهومِ وغَلاَّ ... بُ الخضومِ إذا عنَّتْ مُلاحاةُ
باهَتْ به أرضُ مصرٍ وازدهَتْ فلِذاَ ... قد كاد أن تحسِدَ الأرضَ السَّمواتْ
قد شاد بيْتَ العُلا فوق السُّهى وله ... مِن فوق ذاك مَقاماتٌ عَلِيّاتُ
تسْتَنُّ أفلامُه في الطِّرسِ من ضرَرٍ ... كأنَّها عند نَفْثِ السُّمِّ حيَّاتُ
فيها النَّقيضانِ مِن نَفْعٍ ومِن ضرَرٍ ... ذاك الأمانِيُّ إذ ذاك المَنِيَّاتُ
مهْمَا اغتدَتْ طَوْعَ باريها مُلازِمةً ... للخَمْس تغدُو لها في الطِّرس سَجْداتُ
أشعارُه الغُرُّ مثلُ الدُّرِّ قد نُظِمتْ ... منها عقودٌ ولكن لُؤلُؤيَّاتُ
ما إن حسَا كاسُ سمْعي من سُلافتِها ... إلا اعْتَرتْنِي لفَرْطِ السٌّكْر نَشْواتُ
لِلّهِ أحجِيةٌ منه أتت فسَرتْ ... منها إلى السَّمْعِ نَفْحاتٌ زَكِيَّاتُ
وأَذْكَرتْني بأن القُدسَ مِن سكَنِي ... وبانَ بالْبَان من شَكْوايَ مَيْلاتُ
والوُرْقُ رقَّتْ لِمَا ألقاه ساجعةً ... كأنها فوقَ غُصنِ الْبانِ قَيْناتُ
وأنت يا أفضلَ العصرِ الذي اجْتمعَتْ ... فيه العلومُ وفي الدَّهْماءِ أشْتاتُ
سامحْ إذا هفوةٌ للذهن قد عرَضتْ ... فكم لمِثلِيَ بالتَّقْصير هَفْواتُ
فسيفُ فكريَ لا لافَيْتُ فيه صدَا ... وكم له عندما أرجوه نَبْواتُ
والجسمُ في غُرْبةٍ والقلبُ في وطنٍ ... لم تُدْنهِ منه أيامٌ ولَيْلاتُ
стр. 28
والبالُ في قلقٍ والنفسُ في شجَنٍ ... يعتادُها لفراقِ الإلْفِ زَفْراتُ
فأيُّ شخصٍ بهذا الوصْفِ مُتَّصِفٍ ... تُطِيُعه مِن قوافي الشعر أبْياتُ
بقيتَ مُفْرَدَ علمٍ للهُدى علماً ... يُجلَى به الجهلُ عنَّا والضَّلالاتُ
ودُمْتَ طَوْدَ حِجّى في الجُود بَحْرَ ندًى ... تأْتى إليه المعالِي والْكَمالاتُ
ما لاح نَجْمٌ على الْخَضْراءِ مُتَّقِدٌ ... ومارعَتْهُ الجِيادُ الأعْوجِيَّاتُ
)
سانحة (
في قوله:) رعته (استخدام لعَوْدِه إلى النجم، بمعنى الكوكب، على ملاحظة معنى النَّبْت.
وقد يتعدَّد ذلك، كما في قول ابن الْوَرْدِيّ
ورُبَّ غزالةٍ طلَعتْ ... بقْلبِي وهْو مَرْعاهَا
стр. 29
وقالتْ لي وقد صِرْنا ... إلى عيْنٍ قصدْناهَا
بذلْتَ العيْنَ فاكْحُلْها ... بطَلْعتِها ومجْراهَا
وقد يكون الاسْتِخدام بالضمير، من غير اشتراك أيضاً، كما في قوله تعالى:) وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ ولاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ (.
وقد يكون بالضمير المُستتِر في حالٍ ونحوها، كقولك:
بذلْتَ العيْنَ جاريةً ... مُكحَّلةً وطالعةً
وقد يكون بالتمييز من غير ضمير، كقوله في هذه القصيدة:
أُخْتُ الغزالةِ إشراقاً ومُلتَفَتاً
وقد يكون باسْم الإشارة، كقولي:
رأَى العقيقَ فأجْرَى ذاكَ ناظِرُه
وقد يكون بالاسْتِثْناءِ كقول الْبَهاَء زُهَيْر:
أبداً حديثي ليس بالْ ... منسوخ إلاَّ في الدَّفاتِرْ
فذكر النَّسْخ بمعنى الإبطال، واستثنى منه بمعنى الكتابة. وهو استثناء غريب، يحتاج إلى نظرٍ دقيق في إدخاله في أحد نوعيْه.
وله من قصيدة:
وتجرَّدَتْ بيضُ الصِّفاحِ وأُلْبِستْ ... عَلَقَ النَّجِيِعِ كَحُلةٍ حمْراءِ
стр. 30
والسُّمّرُ مُذ سقَتِ الدِّماءُ زُجاَجَها ... أضْحتْ ثِماراً أرْؤُسُ الأعْداءِ
وله من أخرى:
كأنّما الخيلُ في الْمَيدانِ أرْجُلُها ... صَوالجٌ ورءُوسُ القوْم كالأُكَرِ
من رسالة لابن عبد الظاهر: أصبح الأعداء كأنما جُزر أجسادِهم جزائر، يتخلّلُها من الدِّماء السَّيْلُ، ورءُوسُهم أُكَر تلعَب بها صَوالجةُ الأيْدِي وأرجلُ الخْيل.
وله من أخرى:
سقَى طَلَلاً حيثُ الأجارِعُ والسِّقْطُ ... وحيثُ الظباءُ العُفْرُ ما بينهما تَعْطُو
هَزيٌم هَمُولُ الوَدْقِ مُرِْتجِسٌ له ... بِأفْنانهِ مِن كلِّ ناحيةٍ سَقْطُ
ولو أنّ لي دمعاً يُرَوِّي رِحابَهُ ... لما كنتُ أرْضَى عارضاً جُودُه نَقْطُ
ولكنّ دمْعِي صار أكثرُه دماً ... فأنَّى يُرَجَّى أن يُرَوِّى به قَحْطُ
ومنها:
كأنَّ أنسِيابَ الرُّمْحِ في الدِّرع سَالِخٌ ... من الرُّقْشِ في وَسْطِ الغَديرِ له غَطُّ
والبيت الثالث كقول مِهْياَر:
بكَيْتُ على الوادِي فحرَّمْتُ ماءَه ... وكيف يَحِلُّ الماء أكْثرُه دَمُ
وقول الأبيوَرْدِيّ:
سقَى الله لَيْلَ الخَيفِ دَمْعِيَ والْحَيَا ... أُرِيدُ الْحَيَا فالدَّمْعُ أكْثرُه دَمُ
стр. 31
والأخير كقول الْمَعَرِّيّ:
توهَّمَ كلَّ سابغةٍ غديراً ... فرَنَّق يَشْرَب الحَلَق الدَّخاَلاَ
وله من أخرى:
ما لاَح في أُفَقِي المحاسن إذ سرَى ... إلاَّ حَمَدتُ بليل طُرَّته السُّرَى
عقَد الإزارَ على كثيبٍ في نَقاً ... فغدا اصْطِباري وهْو محلولُ العُرَى
لا تذكرِ الغزلانَ عند كِناسهِ ... معه فإن الصَّيدَ في جَوْفِ الفَرَا
وله أيضاً:
إلى كم أُمَنِّي القلبَ والقلبُ مُولَعٌ ... وأزجرُ طَرفَ العينِ والطرفُ يدمَعُ
وحتَّى متى أشكُو فِراقَ أحبَّتي ... عفَا بالنَّوى منهم مَصِيفٌ ومَربَعُ
وأستعرضُ الرُّكبانَ عنهم مُسائلً ... عسى خبرٌ عنهم به الركبُ يرجعُ
تصبَّرتُ عنهم وأنثنيْتُ إليهمُ ... ولم يبْقَ في قوسِ التَّصبُّرِ مَنْزَعُ
أُراعيِ نجومَ الليلِ أرقبُ طيْفَهم ... وكيف يزور الطَّيفُ مَن ليس يهجَعُ
وما زالتُ أبكي لؤلؤاً بعد بَيْنهم ... إلى أن بدا مُرجانُ دمعِيَ يَهْمَعُ
وما كان تبكي العينُ لولا فِراقُهم ... عقيقاً ولا يشْفِي الفؤادَ طُوَيْلٍعُ
فلا حاجِرٌ بعد الأحبَّة حاجِزٌ ... ولا لَعْلَعٌ مذ فارق الحيُّ لَعْلَعُ
غرَبْن شموساً في بدورِ أكِلَّةٍ ... فليس لها إلاَّ من الخِدْرِ مَطْلَعُ
стр. 32
وشابَهْن غِزْلان النَّقا في نِفارِها ... ولكنّها بين التَّرائبِ تَرْنَعُ
لها من مَهاةِ الرملِ عينٌ مريضةٌ ... وجِيدٌ كجيدِ الظَّبْيِ أغْيَدُ أتْلَعُ
ومن قُضُبِ البانِ الرطابِ معاطفٌ ... تكاد عليها الوُرْقُ تشدُو وتسجَعُ
وتغدو سيوفُ الهندِ لما تشبهَّتْ ... بألْحاظها في الحربِ تَفْرِي وتقْطَعُ
ذكرتُهمُ والقلبُ بالهم طافحٌ ... لبَيْنِهمُ والبحرُ كالليلِ أسْفَعُ
وما تنفعُ الذكْرى لمن صَدُّهُمْ قِلَى ... ووصلُهُم قطعٌ ومنهم تمنُّعُ
ولا عجبٌ فالبخلُ في الغِيِدِ والدُّمَى ... طبيعةُ نفسٍ ليس فيها تصبُّعُ
كما لعلىٍّ كلُّ جودٍ وسُؤُدُدٍ ... سجيةُ ذاتٍ ليس فيهل تصنُّعُ
وله من أخرى:
ورَكْبٍ طِلاحِ صاحَبو النَّجمَ في السُّرَى ... تَرامَى بهم فِي السَّير بِيدٌ وتعنُفُ
يخوضون بحرَ الآلِ يطفُو عُبابهُ ... طُفُو عُبابهُ طُفُوَّ دَياجي الليلِ والليلُ مُسْدِفُ
كأن المطايا والأكِلَّةُ فوقها ... سَفِينٌ بأيدْي الأرْحَبِيَّاتِ تَجْدِفُ
وكان له نَدِيم أحْدب، يسمى أبا الخير، يعدُّه عَيْبَةَ أسراره، وجُهَينةَ أخباره، وهو يُدير عليه شَمُول وِدادِه، ويجْني إليه من كل وادٍ ثمراتِ فؤادهِ، ويُنْشِده تَرجُمان لسانِه عن مُحجَّب جَنانِه:
ولقد جُبلتُ على مَحبَّة وُدِّه ... ما الحبُّ إلا للإمام الصَّالحِ
стр. 33
جميع إخوانه إليه يلجئون، ومن كل حَدَب إلى جُرْثُومَته يَنْسِلون، خفَّت روحُه فألقتْ بدَنَه خلفه ظِهرِيَّا، واتَّخذتْ ما سواه شيئاً فرِيَّا، كأنه خاف الخُطوبَ فهو مُتجمِّع حذَر الوُثوب.
وما الدهرُ في حال السُّكون بساكنِ ... ولكنه مُستجْمِعٌ لوُثوبِ
وله به عِزٌّ أقْعَس، في رَبْوة المعالي يُغرَس، وطَبُعه بالظَّرف ربيعٌ أخْصَب، وفي أمثالهم:) أظرفُ من أحْدَب (، فهو سَنام اللطفِ وغارِبُه، وبحرٌ أحدبُ الأمواج، بدائعُ بدائههِ عجائبُه، ولم يزل يَعْتام وِدادَه، حتى قَبضت جواهرَ عُمرِه يدُ الدهر النَّقَّادة.
كل ابنِ أنثى وإن طالتْ سلامتُه ... يوماً على آلهٍ حَدْباءَ مَحمُولُ
فصل
ولم أسمع في وصف أحْدَب ألطفَ من قول ابن المُنجِّم في ابن حُصَينة المَعَرِّيّ:
يا أخي كيفَ غيَّرتْنا الليالي ... وأطالتْ ما بينا بالمِحَالِ
حاشَ للهِ أن أصافِيَ خِلاَّ ... فيَراني في وُدَّه ذا اخْتلالِ
زعموا أنني نَظَمْتُ هجاءً ... مُعرِباً فيك عن شَنِيع المقالِ
لا تظنَّنَّ حَدْبةَ الظهرِ عيْباً ... وهْيَ في الحسنِ من صفات الهلالِ
وكذلك القِسِيُّ مُحْدَوْدِباتٌ ... وهْيَ أنْكى من الظُّباَ والعوالِي
стр. 34
وإذا ما علا السَّنامُ ففيه ... لقُرُومِ الجمالِ أيُّ جَمال
وأرَى الانْحناء في مَنْسرِ البا ... زِيّ لم يَعْدُ مِخْلَبَ الرِّئْبالِ
كوَّن اللهُ حَدْبةً فيك إن شئ ... تَ من الفضلِ أو من الأفْضالِ
فأتتْ رَبوةً على طَوْد علمٍ ... وأتتْ مَوجةً ببحرِ نَوالِ
ما رأتْها النِّساءُ إلا تمنَّتْ ... لو غدَتْ حليةً لكل الرجالِ
وأبو الغُصن أنتَ لا شكَّ فيه ... وهو ربُّ القَوامِ ذو الاعْتدالِ
عُدْ إلى وُدِّنا القديمِ ولا تُصْ ... غِ لِقيلٍ من الوُشاة وقاَلِ
وتذكَّر ليالياً حين ولَّتْ ... أودعتْ حسنَها عُقودَ الّلآلِي
أتُرَى بالدُّعاء يُجمَع شَمْلي ... أم رجائِي مُخيَّبٌ وابْتهالِي
وإذا لم يكن من الهَجْرِ بُدٌّ ... فعسى أن تزورَنا في الخيالِ
وعلى هذا النمط نسج ابن دَانِيال قولَه في رجل أحدب، يسمى حسَّانا:
قسماً بحُسن قَوامِكَ الفتَّانِ ... يا أوحد الأمراء في الحُدْبانِ
أنت الحُسامُ زها بِرَوْنَقِ حَدْبهٍ ... فزها على الخَطِّيَّة الُمرَّانِ
يا مُخجِلاَ شكلَ الهلالِ بقَدَّه ... حاشاك أن تُعْزَى إلى نُقصانِ
ومُماثِلاً قَدَّ القضيبِ إذا مشى ... من حَدْبَتَيْه يَميس كالرَّيَّانِ
ما عاب قامتَك الحسودُ جَهالةً ... إلا أجبْتُ مَقالَهُ ببَيانِ
هل يُحسِن الجو كان إلا أن يُرَى ... مع أكْرَةٍ في حَلْبة الميدانِ
أو هل يَزِينُ المَتْنَ إلا رِدْفُه ... حُسناً فكيف بمَن له رِدْفانِ
والعُود أحْدَبُ وهو ألْهى مُطرِبٍ ... ولقد سمعتَ بنَغْمة العِيدانِ
стр. 35
وكذا سَفِين البحر لولا حَدْبَهٌ ... في ظهره لم يقْوَ للطّوفانِ
وإذا اكْتَسى الإنسانُ قِيل تمثُّلاً ... في المدح قَامَتْ حَدْبَةُ الإنسانِ
ومُدبَّر الإكْسِير يُدعَى أحْدباً ... في علمِه للقِسْط في الميزانِ
يَفْدِيك في الحُدْبانِ كلُّ مكَرْبَحٍ ... يمشي الهُوَيْنى مِشْيَة السَّرَطانِ
مُتجِّمع الكَتِفْين أقْبصُ قد بدَا ... في هيئةِ المتجمِّعِ الصّفْعانِ
ومن بدائع ابن خَفَاجة الأنْدلُسِيّ، في ساقٍ أحْدَب أسود، قولُه
وكأْسِ أُنسِ قد جلتْها المُنَى ... فباتتِ النفسُ بها مُعرِسَهْ
طاف بها أسْوَدُ مُحْدَوْدِبٌ ... يُطرِب مَن يلهو به مجلسَهْ
فخِلتهُ من سَبَجٍ رَبْوةً ... قد أنْبتَتْ من ذهبٍ نَرْجِسَه
ولعبد الله بن النَّطَّاح، في أحْدَب:
قصُرَتْ أخادِعُهُ ُوغاضَ قَذَالُه ... فكأنه مُتوقِّعٌ أن يُصْفَعاَ
стр. 36
وكأنَّه قد ذاقَ أوَّلَ صَفْعةِ ... وأحَسَّ ثانيةً لها فتجمَّعاَ
وإذ جرَرْنا ذيلَ البيان، وسحبْنا بُرْد سَحْبان على الحُدْبان، فنقول: قوله) وأحسن ثانية (إلخ، كقول ابن دَانِيال:) متجمع الكتفين (إلخ، وهو معنًى بديع في بابه، لأن مُتوقِّع الضرب يتضائل من خوفه، ونظيرُه من يريد الوثُوب يتجمَّع ليَثِب، فهيئه كهيئة من يريد السكون.
ولقد أجاد صالح الشَّنْتَرِينِيّمن شعراء المغاربة، وفي قوله:
نُحاذِرُ أحداثَ الليالي وقلَّما ... خلا مِن توقَّيهنَّ قلبُ أديبِ
ونَرتابُ بالأيَّام عند سكونِها ... وما ارْتاب بالأيّام غيُر أريبِ
وما الدهرُ في حال السُّكونِ بساكنٍ ... ولكنَّه مُستجمِعٌ لوُثوبِ
وهو مأخوذ من قوله الآخر:
سكنْتُ سكوناً كان رهْناً لوَثْبةٍ ... تثُور كذاك اللَّيْثُ للوَثبِ يَلْبُدُ
وقول الآخر:
قد قلتُ يا قوم إن اللَّيثَ مُنقبِضٌ ... على بَراثِنِه للوَثْبة الضَّارِي
وفي المثل:) الدَّهرُ أرْود ذو غِيَر (.
стр. 37
قال الجَوْهَرِيّ أي يعمل عملَه في سكون، لا يُشْعَر به.
ويقال:) تَلْبِيدٌ خيرٌ مِنَ التَّصيئِ (يقال لمن يتشاجَع، ويُضرَب مثلا للفِراركما قاله الأصْمَعِيّ.
وفي معناه قولي:
أقولُ لنائِمِ الغفلاتِ جهْلاً ... تنبَّهْ كم فسادٌ في صلاحِ
وكم رجَعَ الزمانُ عن الرَّزايا ... رُجُوعَ التَّيْسِ أقْعَى للنَّطاحِ
стр. 38
حسن بن محمد البورِينِي
دِيباجةُ الدنا، ومَكرُمة الدهرِ، ونكتة عُطَارِد التي يفتخر بها الفخر، حسنة اعتذر بها الدهرُ عما جَنَى، ودَوْحةُ فضل غَضَّة الأنوار والجَنَى، وزهرة الدنيا التي انبتَها اللهُ تعالى برِياض الشام نباتاً حسناً، فجعل الأدبَ فضله سِياجاً، ونار بدرَه في سماء الكمال سراجاً وهَّاجاً، ولم تزل مُساءلةُ الرُّكبان تُتحِفنى بهدايا أخبارِه، ونسيمُ المسامرة يهُبُّ مُعطَّرا بنفحات آثارِه، وأنا أُؤَمِّل اجْتلاءَ بدرِه المنير، وهو على جمعِهم إذا يشاء قدير.
فمن نفحاتِه، وغُرِّ لُمْعَاتِه قولُه:
يقولون في الصُّبحِ الدعاءُ مُؤثِّرٌ ... فقلتُ نعم لو كان ليليِ له صُبْحُ
فيا عجباً منِّي أرُومُ لقاءَه ... وفي جّفْنِه سيفٌ ومِن قَدهَّ رُمْحُ
وإنسانُ عينيِ كيف ينجُو وقد غَداً ... يطول له في لُجِّ مَدْمَعِه سَبْحُ
стр. 39
وإن كان يوم البَيْن يسْوَدَّ فَحْمةً ... ففي نَفَسِي نارٌ وفي مُهجَتِي قَدْحُ
وليس عجيباً أن دَمْعِي أحمرٌ ... وفي مُهْجَتِي قَرْحٌ وفي مُقلتِي رَشْح
وفي البيت الأول معنًى حسن، قال: إنه ترجمة من الفارِسِيّ، مع أنه مشهور في كلام العرب قديماً وحديثاً، كقول ابن شَبِيب:
هوى صاحِبي رِيحَ الشَّمَالِ إذا جرَتْ ... وأهْوَى لنفسِي أن تهُبَّ جَنوبُ
يقولون لو عزَّيْتَ قلبَك لارْعَوى ... فقلتُ وهل للعاشقين قُلُوبُ
ومثله قول ابن أُذَيْنَه:
قالتْ وأبْثَثْتُها سِرِّى فبُحْتُ بِهِ ... قد كنتَ عندِي تُحِبُّ السِّرِّ فاسْتَتِرِ
ألسْتَ تُبصِر مَن حولي فقلتُ لها ... غَطَّي هَواكِ وما أَلْقَى على بَصَرِي
وتابعه البَاخَرْزِيّ، فقال مِن قصيدة:
قالتْ وقد فتَّشْتُ عنها كلَّ مَن ... لاقيتهُ مِن حاضرٍ أو باَدِي
أنا في فُؤادِك فارْمِ طَرْفَك نحْوَه ... تَرَنِي فقلتُ لها وأين فُؤادِي
وللْبَهاء زُهَير:
стр. 40
جعلَ الرُّقاد لكَيْ يُواصِلَ مَوعِداً ... مِن أين لي في حُبِّه أن أرْقُدَا
وللعَرِْجيّ:
وزعمْتَ أن الدَّهْرَ يُعْقُبِنِي ... صَبْراً عليكَ وأين لي صَبْرُ
وفي معناه قولي:
يقولون لي لم تُبْقِ للصُّلحِ موضِعاً ... وقد هجرُوا مِن غير ذَنْبٍ فمَن يُلْحَى
صدقتُمْ وأنتم للفُؤاد سَلبتُمُ ... ومالِيَ قلبٌ غيرهُ يطلبُ الصُّلْحَا
وقلتُ أيضاً:
مذُ أودعُوا قلبيَ سَّر الهوى ... خافوا مِن الواشِي على حُبيَّ
فانْتهبُوا لُبَّي ولم يقْنَعوا ... باللُّب حتى أخذُوا قلْبي
عوداً على بَدْءِ.
وله أيضاً:
وكُنَّا كغُصْنَي بَانَةٍ قد تألَّفا ... على دَوْحةٍ حتّى استطالا وأيْنَعَا
يَغنِّيهما صَدْحُ الحمامِ مُرجَّعاً ... ويَسْقِيهما كأسُ السَّحائب مُتْرَعاَ
سَليميْن من خَطْب الزمان إذا سطاَ ... خَلِيَّيْن من قول الحسود إذا سعَى
ففارقني مِن غير ذنبٍ جنَيتْهُ ... وأَبْقَى بقلبي حُرْقَةً وتوجُّعَا
عفا اللهُ عنه جَناهَ فإنني ... حفظتُ له العهدَ القديمَ وضيَّعاً
وله أيضاً:
أحوِّلُ وجْهِي حين يُقبِل ... مخافَةَ واشٍ بيننا ورقيب
следующие страницы →