← Тараджим

Тараджим · id 1522

ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا

الشهاب الخفاجي

Полный текст (456 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وكأنَّه قد ذاقَ أوَّلَ صَفْعةِ ... وأحَسَّ ثانيةً لها فتجمَّعاَ وإذ جرَرْنا ذيلَ البيان، وسحبْنا بُرْد سَحْبان على الحُدْبان، فنقول: قوله) وأحسن ثانية (إلخ، كقول ابن دَانِيال:) متجمع الكتفين (إلخ، وهو معنًى بديع في بابه، لأن مُتوقِّع الضرب يتضائل من خوفه، ونظيرُه من يريد الوثُوب يتجمَّع ليَثِب، فهيئه كهيئة من يريد السكون. ولقد أجاد صالح الشَّنْتَرِينِيّمن شعراء المغاربة، وفي قوله: نُحاذِرُ أحداثَ الليالي وقلَّما ... خلا مِن توقَّيهنَّ قلبُ أديبِ ونَرتابُ بالأيَّام عند سكونِها ... وما ارْتاب بالأيّام غيُر أريبِ وما الدهرُ في حال السُّكونِ بساكنٍ ... ولكنَّه مُستجمِعٌ لوُثوبِ وهو مأخوذ من قوله الآخر: سكنْتُ سكوناً كان رهْناً لوَثْبةٍ ... تثُور كذاك اللَّيْثُ للوَثبِ يَلْبُدُ وقول الآخر: قد قلتُ يا قوم إن اللَّيثَ مُنقبِضٌ ... على بَراثِنِه للوَثْبة الضَّارِي وفي المثل:) الدَّهرُ أرْود ذو غِيَر (.

стр. 37

قال الجَوْهَرِيّ أي يعمل عملَه في سكون، لا يُشْعَر به. ويقال:) تَلْبِيدٌ خيرٌ مِنَ التَّصيئِ (يقال لمن يتشاجَع، ويُضرَب مثلا للفِراركما قاله الأصْمَعِيّ. وفي معناه قولي: أقولُ لنائِمِ الغفلاتِ جهْلاً ... تنبَّهْ كم فسادٌ في صلاحِ وكم رجَعَ الزمانُ عن الرَّزايا ... رُجُوعَ التَّيْسِ أقْعَى للنَّطاحِ

стр. 38

حسن بن محمد البورِينِي دِيباجةُ الدنا، ومَكرُمة الدهرِ، ونكتة عُطَارِد التي يفتخر بها الفخر، حسنة اعتذر بها الدهرُ عما جَنَى، ودَوْحةُ فضل غَضَّة الأنوار والجَنَى، وزهرة الدنيا التي انبتَها اللهُ تعالى برِياض الشام نباتاً حسناً، فجعل الأدبَ فضله سِياجاً، ونار بدرَه في سماء الكمال سراجاً وهَّاجاً، ولم تزل مُساءلةُ الرُّكبان تُتحِفنى بهدايا أخبارِه، ونسيمُ المسامرة يهُبُّ مُعطَّرا بنفحات آثارِه، وأنا أُؤَمِّل اجْتلاءَ بدرِه المنير، وهو على جمعِهم إذا يشاء قدير. فمن نفحاتِه، وغُرِّ لُمْعَاتِه قولُه: يقولون في الصُّبحِ الدعاءُ مُؤثِّرٌ ... فقلتُ نعم لو كان ليليِ له صُبْحُ فيا عجباً منِّي أرُومُ لقاءَه ... وفي جّفْنِه سيفٌ ومِن قَدهَّ رُمْحُ وإنسانُ عينيِ كيف ينجُو وقد غَداً ... يطول له في لُجِّ مَدْمَعِه سَبْحُ

стр. 39

وإن كان يوم البَيْن يسْوَدَّ فَحْمةً ... ففي نَفَسِي نارٌ وفي مُهجَتِي قَدْحُ وليس عجيباً أن دَمْعِي أحمرٌ ... وفي مُهْجَتِي قَرْحٌ وفي مُقلتِي رَشْح وفي البيت الأول معنًى حسن، قال: إنه ترجمة من الفارِسِيّ، مع أنه مشهور في كلام العرب قديماً وحديثاً، كقول ابن شَبِيب: هوى صاحِبي رِيحَ الشَّمَالِ إذا جرَتْ ... وأهْوَى لنفسِي أن تهُبَّ جَنوبُ يقولون لو عزَّيْتَ قلبَك لارْعَوى ... فقلتُ وهل للعاشقين قُلُوبُ ومثله قول ابن أُذَيْنَه: قالتْ وأبْثَثْتُها سِرِّى فبُحْتُ بِهِ ... قد كنتَ عندِي تُحِبُّ السِّرِّ فاسْتَتِرِ ألسْتَ تُبصِر مَن حولي فقلتُ لها ... غَطَّي هَواكِ وما أَلْقَى على بَصَرِي وتابعه البَاخَرْزِيّ، فقال مِن قصيدة: قالتْ وقد فتَّشْتُ عنها كلَّ مَن ... لاقيتهُ مِن حاضرٍ أو باَدِي أنا في فُؤادِك فارْمِ طَرْفَك نحْوَه ... تَرَنِي فقلتُ لها وأين فُؤادِي وللْبَهاء زُهَير:

стр. 40

جعلَ الرُّقاد لكَيْ يُواصِلَ مَوعِداً ... مِن أين لي في حُبِّه أن أرْقُدَا وللعَرِْجيّ: وزعمْتَ أن الدَّهْرَ يُعْقُبِنِي ... صَبْراً عليكَ وأين لي صَبْرُ وفي معناه قولي: يقولون لي لم تُبْقِ للصُّلحِ موضِعاً ... وقد هجرُوا مِن غير ذَنْبٍ فمَن يُلْحَى صدقتُمْ وأنتم للفُؤاد سَلبتُمُ ... ومالِيَ قلبٌ غيرهُ يطلبُ الصُّلْحَا وقلتُ أيضاً: مذُ أودعُوا قلبيَ سَّر الهوى ... خافوا مِن الواشِي على حُبيَّ فانْتهبُوا لُبَّي ولم يقْنَعوا ... باللُّب حتى أخذُوا قلْبي عوداً على بَدْءِ. وله أيضاً: وكُنَّا كغُصْنَي بَانَةٍ قد تألَّفا ... على دَوْحةٍ حتّى استطالا وأيْنَعَا يَغنِّيهما صَدْحُ الحمامِ مُرجَّعاً ... ويَسْقِيهما كأسُ السَّحائب مُتْرَعاَ سَليميْن من خَطْب الزمان إذا سطاَ ... خَلِيَّيْن من قول الحسود إذا سعَى ففارقني مِن غير ذنبٍ جنَيتْهُ ... وأَبْقَى بقلبي حُرْقَةً وتوجُّعَا عفا اللهُ عنه جَناهَ فإنني ... حفظتُ له العهدَ القديمَ وضيَّعاً وله أيضاً: أحوِّلُ وجْهِي حين يُقبِل ... مخافَةَ واشٍ بيننا ورقيب

стр. 41

وفي باطني واللهُ يعلمُ أعينٌ ... تلاحظُه في أضْلُعٍ وقلوبِ وهذا مما تداولوه كثيراً. كقول أبي عُبَادة: أحْنُوا عليك وفي فؤادِي لوعةٌ ... وأصُدَّ عنك ووجهُ وُدِّي مُقْبِلُ وقوله أيضاً: حبيبي حبيبٌ يكتُم النَّاسَ حُبَّه ... لنا حين تلْقانا العيونُ قلوبُ يُباعِدني في المُلْتَقى وفؤادُه ... وإن هو أبْدَى لي البِعادَ قريبُ ويُعرِض عنِّي والهوى منه مُقْبِلٌ ... إذا خاف عَيْناً أو أشار رقيبُ فتنطِقُ منَّا أعينٌ حين نلْتَقي ... وتخرسُ منا ألسنٌ وقلوبُ ولأبي تمام: ولذاك قيل من الظنونِ جَلِيَّة ... عِلْمٌ وفي بعض القلوبِ عُيونُ وأحسن منه قولي: تنازع فيه الشَّوْقَ قلبي وناظري ... فأثَّر فيه الطَّرفُ والقلبُ واجبُ وتنظَرُه مِن قلبيَ الصَّبِّ أَعينٌ ... عليها لِمَحْنِيِّ الضُّلوعِ حواجبُ وله في ترجمة من الفارسّية: وَرَقُ الغُصونِ دفاترٌ مشحونَة ... مملوءةٌ بأدلَّةِ التَّوحيدِ

стр. 42

وله أيضاً قوله: النَّاسُ نحوَ معادِهمْ ومعاشِهم ... يسْعَون في الإصْباح والإمْساءِ وأنا الذي أسْعى لِلَذَّةِ نَظْرةٍ ... مِن وجْهك المُزْرِي ببَدْر سماءِ والناسُ يخْشَوْن الصُّدودَ وإنما ... أخْشى سَلِمْتَ شَماَتةَ الأعدادِ وأحسن من هذا قولي في رباعيَّة: ما بي مهما رضِيتَ عنِّي بَاسُ ... والصبرُ بمرْهَمٍ لِجُرْحِي آسُ لكنني أخْشَى إذا طال نوىً ... أن يشمَتَ في الرَّجا مني الناسُ وله أيضاً: أما ينقصني هذا الغرامُ من القلبِ ... أما ينْطوي هذا المَلامُ عن الصَّبِّ ألا حاكمٌ بيني وبين عواذِلي ... فيسألهم ماذا يريدون من عَتْبي ألا راحمٌ في الحبِّ أشكو ظُلاَمتِي ... إليه فقد زادت يدُ البَيْن في حَرْبي إلا ساعةٌ أخلو بهِ فأبُثُّه ... لواعِجَ نِيرانٍ أقامتْ على قلبي أما في الورى مَن فيهِ رِقّةُ رحمةٍ ... فُيُبْدِي له حالي ويُوصِلُه كُتْبي لقد ضاقتِ الدنيا علىَّ لبُعْدِه ... على رَحْبِها من غاية الشرقِ للغربِ إذا لاح تبدوُ وقفةٌ في تلفُّظِي ... وأغدُو لما ألقاه أحْيَرَ من ضَبِّ فما فيَّ فْصاحٌ ولا فيه رَحمةٌ ... فيسألَ عن حالي ويُفْرِجَ عن كَرْبي ولا أنا ذو فِكْرٍ صحيح يدلُّني ... على سببِ التَّأْنيسِ أو سببِ القُرْبِ وإني إلى مولايَ أنْهيتُ حالتي ... فغاية شكوىِ العاجزِين إلى الرَّبِّ

стр. 43

وله أيضاً: إلهي أدِمْ حاكمَ الحبِّ فِيناَ ... مُطاعاً وكلَّ البرَاياَ أُسارَى إلهي وزِدْ ذلك القَدَّ لِيناً ... وأشْرِب سَقِيمَ الجفونِ العُقَارا إلهي على ضَعْفِ أهل الهوى ... أتِلْ لحظَهُ في القلوبِ اقْتِدارا إلهي جُنودَ الهوى أعْطِها ... على قُوَّةِ الصَّابرين انْتِصارا إلهي على الحبِّ ألقيتُ صبْراً ... وعن حُسنِه ما أطقْتُ اصْطِبارا إلهي أجَبْتُ رسولَ الهوى ... ولم أَلْقَ منذ دعاني اخْتِيارا إلهي رضيتُ بما تَرْتضي ... بسِرِّي وسلَّمتُ أمري جِهَارا إلهي لِيَ الجَبْرُ فيما تَرَى ... وإن ظنَّه العاذلون انْكِسارا إلهي أعِدْ ليلَ هِجْرانِه ... بصُبْحِ الوفا والتلاقيِ نَهَارا أقول: هذا أسلوبٌ من أساليب الفصاحة لطيف، كما بيناه في كتابنا المسمى ب) حديقة السحر (، وهو نقْل الكلام من طريق إلى آخر، كاستعمال ما عُهِد استعمالُه في الدعاء والمناجاة في التغزُّل، كما هنا. ومثله قول ابن الوَكيل: يا ربَّ جَفْنِي قد جفاه هُجُوعُه ... والوجدُ يَعْصِي مُهجَتي ويُطيعهُ يا ربِّ قلبي قد تصدَّع بالنَّوى ... فإلي متى هذا البِعادُ يَرُوعُه يا ربِّ في الأظعان سار فؤادُه ... يا ليته لو كان سار جَميعهُ ولم يزل يكرِّر) يا رب (إلى آخر القصيدة:

стр. 44

ومنه استعمال ما ورد في الرَّسائل والمكاتَبات في غيره، كقول الشَّاب الظريف ابن العَفيف: أعزَّ اللهُ أنصارَ العيونِ ... وخلَّد مُلكَ هاتيك الجُفونِ وأسبغ ظلَّ ذاك الشَّعرِ دَوْماً ... على قَدٍّ به هَيَفُ الغصونِ ومن شعر صاحب الترجمة قوله: لها في رُبَى قلبِ المحبِّ مَقِيلُ ... وظلٌّ بأحْناءِ الضُّلوعِ ظَليلُ وإن ظمِئتْ فالوِرْدُ من ماء دمعهِ ... يُبلُّ به عند الهَجِير غَليلُ فكم أَلفِتْ هذا النَّقار كأنما ... فؤادُ المُعَّنى بالسِّقامِ مُحيلُ أجَل إن عفاَ مِن بعدهم فكأنما ... يُحَرُّ عليه للجَنُوب ذُيولُ منازلُ هذا القلبِ كُنَّ أواهِلاً ... وها هيَ من بعد الفرِاقِ طلُوعُ لك اللهُ يا ابن الأكرمين أيَشتْفى ... فؤادٌ لبَيْن الظَّاعنين عَليلُ ويا ظبيُ هل بعد النَّقارِ تَأنسٌ ... ويا بدرُ هل بعد الأُفولِ قُفولُ ويا منزلَ الأحبابِ أين تَرحَّلُوا ... وهم في فؤادي ما حييتُ نُزولُ يميلون عنَّي للوُشاةِ وإنني ... إليهم وإن طال الصُّدودُ أَمِيلُ أيَجُمل من أحبابِ قلبيَ غدرُهم ... بغَدْرِي وما غدرُ المُحِبِّ جَميل علىَّ لهم حِفظُ الودادِ وإن جنَوْا ... وليس إلى نقْضِ العهودِ سَبيلُ

стр. 45

وظبيٍ أراد العاذلون سُلُوَّهُ ... وأبْعدُ شيءٍ ما أرد عَذُولُ وقد ضاع قلبي مُذ رأيتُ جماله ... فهل لي عليهِ في الأنامِ دليلُ وما هاجنَي إلا ابنُ وَرْقاءَ سُحْرَةً ... له فوق أفنانِ الرِّياض هَدِيلُ يُردِّد في صُحْفِ الرِّياض قصائداً ... من الشَّوق يُمليها لنا ويَميلُ يُخِّيل أن البينَ آذى فؤادَه ... وكيف ولمَّا يَنْأَ عنه خليلُ ولم تحْتكم فيه اللَّيالي ولم يَبِنْ ... عليه لبَيْنٍ رِقَّةٌ ونُحولُ أمَا والهوى لو ذُقتَ ما ذقتُ في الهوى ... لما ازْدان بالأطواقِ منك تَلِيلُ على أنه ما فارق الإلْفَ دهرَه ... ومالي إلى وَصْل الحبيب وُصولُ تسنَّمَ غُصْناً في رياضٍ أريضَةٍ تهُبُّ عليها شَمْأَلٌ وقَبُولُ يُصفِّق جَذْلانَ الفؤادِ كأنما ... تُدارُ عليهِ في الكُئوس شَمُولُ وأنشدني له بعض الأدباء رُباعيَّة، هي: يا قلبُ إلى متى عَدَاك النُّصْحُ ... كم تمزحُ كم جنى عليك المَزحُ كم جارحةٍ عدا عليها الْجَرْحُ ... ما تشعرُ بالخُمارِ حتى تصْحُو قلتُ: ليست هذه له؛ فإنها في) ديوان محمد بن علي (، كما ذكرناه في) ديوان الأدب (. ومن شعره، أعنىصاحب التَّرجمة:

стр. 46

ألا سامحْ أخاكَ إذا تعدَّى ... وألْقِ إليه في الحربِ السِّلاحَا فمن يعْتِبْ على الخِلاَّن يتْعَبْ ... ومن لزم المُسامحةَ اسْتراحَا وله أيضاً: صاحبي مَن يَودُّني بالفؤادِ ... لا قريبي في حِلَّتي وبلادِي ليت شعرِي إذا تناءَتْ قلوبٌ ... أيُّ نفعٍ لصُحبةِ الأجْسادِ وله أيضاً: خَبأْتُك في عيني لتخفَي عن الورَى ... لذلك قالوا إن في العينِ إنْسانَا وأحسن من هذا قولي: خَبأْتُك في العين خوفَ الوُشاةِ ... وكم شرَّفَ الدارَ سُكَّانُها ومن غيرةٍ خِفْتُ أن يفطِنُوا ... إذا قيل في العين إنْسانُها ومن فوائد: أنه سئل عن قول احب الهمزيَّة: شمسُ فضلٍ تحقَّق الظنُّ فيه ... أنه الشمسُ رِفعةً والضَّياءُ فإذا ما ضحَى محا نورُه الظِّ ... لَّ وقد أثْبتَ الظَّلالَ الضُّحاءُ فكأن الغمامةَ اسْتودعته ... مَن أظلَّت من ظله الدفَّاءُ فذكر ما للشَّارحين فيه من الكلام لا مُحصِّل له، فخالفهم فيما قالوا من أن) الدففا (بفاءين،) وأظلت (فيه بالظاء المشالة، وذكر كلاما لا طائل تحته،

стр. 47

بناء على أن) أظلت (بالضاد، من الضلال بمعنى الإضاعة) والدففا (بمعنى جماعة مُسرِين من الجيش أو الملائكة، وفيه خَبْط وخَلْط، والذي عندي فيه أنه تحرَّف عليهم أجمعين، وإنما هو هكذا: فكأنَّ الغَّمامة اسْتُودعتْهُ ... مُذْ أُظِلَّتْ مِن ظِلَّه الدَّقْعاءُ ) فاستُودِعْته (و) أُظِلَّت (مبنيّان للمفعول بصيغة المجهول،) ومذ (بميم مضمومة وذال معجمة) والدَّقْعاء (بدال مفتوحة مهملة وقاف) ثم مذ (بمعنى الأرض وترابها، كما هو مُصرَّح به في كتب اللغة، والمعنى أن الغمام إنما أظلَّه لئلا يمسَّ الأرض؛ فلذا أخذه وديعة عنده، ليصونه عن مسِّ التراب، وهذا معنًى بديع، يعرفه مَن ذاق حلاوةَ الشِّعر، وعرف مغزاه. وفي قوله) مذ اظلت (الخ، معنيان: إحداهما، مذمس ظله التراب. والآخر: مذ صارت الارض كلها في حمايته، لأنه ظل الله. وفي معناه رباعيَّة لي: ما جُرَّ لظلِّ أحمدَ أذيالُ ... في الأرضِ كرامةً كما قد قالُوا هذا عجيبٌ وكم له من عَجَب ... والناسُ بظلَّه جميعاً قَالُوا وفي التائية المنسوبة للسُّبْكِيُّ التي نظم فيها معزاتِ النبي صلى الله عليهم وسلم، وشرحها بعض المتأخِّرين:

стр. 48

لقد نزَّهَ الرحمنُ ظِلَّك أن يُرَى ... على الأرضِ مُلقْىً فانْطَوى لِمَزَّيةِ وأثَّر في الأحجارِ مَشْيُك ثم لم ... يُؤثِّرْ برمْلٍ حلَّ بطْحاءَ مَكَّةِ قال شارحها: قيل: إنه ﵊ كان لا يقع ظِلّه على الأرض؛ لأنه نور رُوحَانِيّ. ما لطه رأى البريَّةُ ظِلاَّ ... هو رُوحٌ وليس للرُّوحِ ظِلُّ والنور لا ظلَّ له، وكذا الرُّوحانِيّات كالملائكة؛ لأنها أنوار مُجرَّدة. قيل: ولهذا أظْهرَ الأُمِّيَّة؛ لئلا يقع ظلُّ يدِه على اسم الله لو كتَبه، ولا يخفى ما فيه. وقيل: لم يُرَ ظِلُّه؛ لأن الغمام يُظِلهُّ. وقيل: هو تكريمٌ له، لئلا يقع ظِلهُّ على الأرض، فيوُطَأ مَحلُّه. ونُقِل أن بعضَ اليهود كان يطأُ ظلَّ المسلمين إهانةً لهم، فصِين لئلا يُمْتَهن. وقيل غير ذلك. وأما كون قدمِه ﷺ يُؤثِّر في الحجر دون الرمل، فكان في ذهابه لغار ثَوْر مع أبي بكر، كان يقول له:) ضَعْ قَدَمَك موضع قدمي فإنَّ الرَّمْل لا يَنمُّ عَلَيْهِ (لإرادة الله تعالى إخفاء أثره عمَّن يطلبه من المشركين؛ ولأن له الحجرُ إظهاراً لأنه لا يستعصِي عليه، ولتكون فيه سِمَة ينجو بها من النار، التي وَقُودُها الناسُ والحجارة، ودلالة على شِدَّة قسوة قلوب الكَفَرةإلخ.

стр. 49

أبو المعالي دَرْويش محمد الطَّالُوِيّ وحيدٌ له الحزم تِرْب واللطف قَرين، وماجدٌ ماله في قَصَب السَّبْق رَهين، وَرِيق قُضب المُرُوَّة، فاتح حصون المُلِمَّات عُنْوَة، سليل المعالي والكرم، رقيق حواشي الطبع والشِّيَم، فكم في عُلاه مسرح للمَقال، ومجال لمُضْمَرات الأماني والآمال. إذا أعجبْتك خِصالُ امْرئٍ ... فكُنْه تَكُن مثلَ ما يُعْجِبُكْ فليس على المجدِ من حاجبٍ ... إذا جِئتَه زائراً يَحجُبُكْ حسَّان عصره، وأبو عُيَادة دَهْره، له في المجد زَنْد ورِىّ، وللأسماع من مَورِده العذب شِرْب ورِىّ، نور مُحيَّاه في ظلمة الخطوب هادٍ، وصِيتُ كَرَمه لركائب الآمال حادٍ، وبحر فكره المديد سريع، ونسجُ طبعه أبْهى وأبْهج من وَشْي الربيع، إذا حَلَّى أجيادَ الغصون بعقود در الغمائِم، وألبس هاماتِ الرُّبَى من النَّبْت مُخضَرّ العمائم، فكأنه بسحر البيان، أعْدَى عيون الغِيد الحسان.

стр. 50

نَجْمٌ تُجْلَى عليه المعاني صورةً فصُورة، وتُتْلَى عليه آياتُ الفضل سُورة بعد سُورة. وإذا كاتب بألفاظه الرقيقة، وَدَّ السِّحْرُ لو كان قِنه ورقيقَة، فكم سرَّح طِرْفَ طَرْفي في رياض المنثور، فجَنى من حدائِقه بَيد الفكر غضَّ الزهور، ففاح نَشْرُ بلاغتِه في ليل حِبْره، ولا بدع للمنثور إذا عَبَق في عَنْبَر الظلماء عبيرُ نَشْرِه، فحلَّيْتُ لساني بعقود إِنشائِه الدُّرِّيّة، وأشرق عليَّ من فلك المُسامرةِ كواكبُها الدٌّرِّيّة، ورأيت سَبْح سطورها في يد المجد، وخِيلانُ نَقطها تَزين من وجه الطِّرس صفحة الخدّ، فسبَّحت عجباً من دُرٍ لونُه السَّواد، ومن رياضِ كافورٍ تُنبت مِسكَ المِداد. فكأنَّ أسطُرَه غصونُ حديقةٍ ... ومن القوافي فوقَهُنَّ حَمامُ وهو فرعٌ من شجرة آل طَالُو، الذين فاقوا في رتب العُلى وطَالُوا. إن حاربُوا ملأُوا البلادَ مَصارِعاً ... أو سالُموا عمرُوا والدِّيارَ مساجِدا طلَعُوا في رُبَى الجياد غصوناً مُورِقة بالسلاح، وبَسَقتْ فروعُها من بيض الصِّفاح وسُمْر الرِّماح، صيَّروا أكفّهم للمكارم مَعْدَنا، وأبوابَهم لوفُود السَّعادة مَوْطنَاً، فكم من راكب عَجِل استوقفتُه فوقَف، وأهدى إليَّ مِن آثاره تحفاً بكل طرْفَةٍ تُحَفّ، حتى ورد عليّ بالروم فقَرَّ بهِ نظري، ولم تسمع أُذني بأحسن مما قد رأى بصري فطار غُرابُ البَيْن من وَكْرِ العَنا، ونثرت عليَّ قوادمُ يُمْنِه، نِثار الثَّنا، وأنا ثَمَّت غريبُ

стр. 51

الوجه واليد واللسان، وليست الفُرقة فقدُ الأهل بل فقد الأحبَّة والإخوان، فدار بيني وبينه كئوس مُحاورات تُسكر الأذهان، ويحْتَسِي حُميَّاها فكرُ كل لبيب بأفواه الآذان، ويُوسَم بها عقلُ الدهر، وتُغْضِي حياءً منها عيون الزَّهر. فممَّا كتبتهُ إليه: لأسْتمطر سحائبَ طبْعِه الغُرّ، وأستجْدي كرماً من رَقِيق خُلِقه الحُرّ، وأستَمْرِي منها ماء الحياة على غُلَّة، قطراتٍ لو وقعت في بحور الأشْعار لم يكن بها عِلَّة، قولِي: قبَّلتُ مُصطبِحاً شِفاهَ الأكْؤُسِ ... والصبحُ يَبْسَمُ لي بثَغْرٍ ألْعَسِ حتى غدتْ منه الغزالةُ واخْتفَى ... مِسْكُ الدُّجَى عند الجوارِي الكُنَّسِ والنهرُ سيفٌ والنسيمُ فِرِنْدُه ... وله حمائلُ من خمائلِ سُنْدُسِ أو صدرُ خُودٍ فتَّحتْ أطواقَها ... أو شقَّقتْ للوجدِ حُلةَ أطلَسِ والطَّيرُ تشدُو والغصونُ رَواقِصٌ ... في وَشْيِ ديباجِ الرَّبيعِ السُّنْدُسِي وعلى الخلاعة ليس جيدِي عاطلاً ... من حِلْيِة المجد العزيزِ الأنْفَسِ ولواحِظ مرْضَى بها اعتلَّ الصَّبَا ... والصَّبُّ بالسُّقْم المُبرَّح مُكْتَسِ فتَنتْ بأنفسها ففيها عِلَّةٌ ... من وجدِها وفتورُ مهجورٍ نُسِي فلكم قطفْتُ ثمارَ لهوٍ أيْنَعتْ ... وغفِلتُ عما قد جنًى الدهرُ المُسِي وطردتُ آماليِ براحةِ عِفَّتِي ... إن التِّمنِّي رأسُ مالِ المُفْلِسِ رامَ التَّلَمُّسُ بذْلَ شعرِي بُرهةً ... فطرحُته كصحيفةِ المُتَلَّمسِ

стр. 52

وكَحَلْتُ طَرْفيِ بالسُّهاد صبابةً ... ووهبتُ نومي للعيون النُّعَّسِ ونظرتُ خدَّ الورد لما احمرَّ من ... خجلٍ وقد بُهِتَتْ عيون النَّرجِسِ وأظنُّ خَجْلَته لخدِّ الطِّرس إذ ... أمسى بوَشْيِ عِذارِ شَعرك مُكْتَسيِ يا عِقدَ جِيد الدَّهر غُرَّةَ فجره ... وطِرازَ ما حاك العُلا من مَلْبَسِ بل كعبةً حجَّتْ لها آمالُناَ ... فدنَتْ إلى حَرَر الكمال الأقْدَسِ مِن آل طالُو فتية طالُوا الورَى ... بذُرَى أشَمَّ من المعالي أقْعْسِ بمناقبٍ تُلِيتْ لنا آياتُها ... عنها يكاد يُبين نُطْقُ الأخْرَسِ ورياض فِكرٍ بالفضائل أثمرتْ ... فغدَتْ تُحَدِّثُنا بِطيب المَغْرِسِ أسكَرْتنا بسْلافِ شِعرٍ لفظُه ... كأسٌ له فِكري بسمعي مُحْتَسِ وسرَتْ نُسَيماتٌ سُحَيْرا أرقصَتْ ... طرباً بها عقلَ اللبيب الأكْيَسِ فاعجَبْ لها من أكؤُسٍ ما برِزتْ ... ألا رآها الذَّوقُ نَقْلَ المجْلِسِ وسهامِ أقلامٍ له تُصْمِى العِدا ... وتظَلُّ بين مُسَدَّدٍ ومُقَرْطَسِ ناجَيْتُه وظلامُ فكري قد دجا ... وصباحُ صَفْوى عنه لم يتَنَفَّسِ فجلا السُّرورَ له بثغْرٍ باسمٍ ... طَلْقِ الجبينِ كوجْهِ يوم مُشْمِسِ فإليْكَها منِّي قوافيَ دَوْحُها ... زاهٍ بغير يدِ النُّهَى لم يُمْسَسِ بِكراً إلى كُفءِ تُزَفُّ ومهرُها ... نَقْدُ الجواب براحةِ المستأنسِ لا زِلتَ في حُلَلِ المسرَّةِ رافلاً ... ما حَدَّقتْ ليلاً عيونُ الخُنَّسِ

стр. 53

فأجاب وأجاد ﵀: خدٌّ تورَّدَ من لهيبِ تَنَفُّسِ ... أم قَدُّ مَعْسولَ المَراشِفِ ألعْسِ مِن رِيم وَجْرَةَ أو جَآذِرِ جَاسِمٍ ... لبسَ الشَّبابَ الرَّوق أحسنَ مَلْبَسِ مُتوشِّحاً خَطِّىَّ قامتِه فإن ... ماسَتْ فيا خجلَ الغصون المُيَّسِ فإذا رنا فاللَّحظُ منه بابِلٌ ... هاروتُ منه نُطْقُه كالأخْرَسِ أم عِقدُ غانيةِ الحسان زهَتْ به ... تيهاً على زُهْر الجوارِي الكُنَّسِ أم لُؤْلُؤٌ رَطْبٌ توائِمُ زَانَه ... حُسنُ النِّظام يِجِيد ظَبْيَةِ مَكْنَسِ أم روضةٌ غنَّاءُ في ذُرَى ... أغصانِها وُرْقٌ بلحْنٍ مُؤنِسِ حاكتْ لها أيدي الجَنوبِ مَطارِفاً ... وكسَتْ معاطفَها غلائلَ سُنْدسِ ما بين أصفرَ فاقعِ أو أحمر ... قانٍ وأبْيضَ ناصعٍ ومُوَرَّسِ أم غادَةٌ هْيفاءُ أذْكَرت الصِّبا ... صَبِّا تنَاسَى العهدَ منه وما نَسِي وافتْ وأفراسُ الصِّبا قد عُرِّيتْ ... والقلبُ أقصرَ عن هواه وما أَسِي وافتْ وَفِيَّ بقيَّةٌ ألهو بها ... مِن شَرْخِيَ الماضي تَعِلَّةَ مُفلِسِ مِن ماجدٍ وشِهابِ فضلٍ ثاقبٍ ... حُلوِ الشَّمائل بالفضائل مُكْتَسِ فظنَنْتُ رَيْعان الشَّبابِ أُعِيد لي ... حتى الوصالُ مِن الحبيب المُؤُنِسِ فطِفقْتُ أهصِرُ بانَةً من قَدِّها ... والقلبُ بين تَوَجُّسٍ وتهَجُّسٍ حتى اطمأنَّتْ فاجْتَلْيْت بوجهِها ... قمرَ السَّماءِ بلَيْلِ شَعرٍ حِنْدِسِي

стр. 54

لمَّا بدا خفِيتْ له شمسُ الضُّحَى ... في ثوب غَيْمٍ ترتْديه وتكْتَسِي نطقَتْ مناطقُها فأُخْرِس دونها ... نُطْقُ الفَصيحِ وحار فِكْرُ الكَيِّسِ لِمَ لا وناظُمها الشِّهابُ من اعْتَلى ... شُهْبَ العُلى بكَمال فضلٍ أقْعَس فَرْعٌ نَماه إلى خفاجةَ مَحْتِدٌ ... والفرعُ يُنْبِئ عنه طِيبُ المْغرِسِ وافتْ لنا منه حديقةُ روضةٍ ... خجِلتْ لبهْجَتهِا عيونُ النَّرْجِسِ طِرسٌ به زُهْرُ النجومِ كأنه ... صبحٌ وهُنَّ به بقايا الْحْنِدِسِ لثَمتْ شِفاهُ الغِيد قِدْماً نِقْسَه ... فغدا له فيه حياةُ الأنْفُسِ إنِّي لأَعجبُ من شِهابٍ قد سما ... مُتَبَوَّأَ العَلْياءِ أرْفَعَ مَجْلِسِ والشُّهْبُ تطلُعُ في السَّماء وحَدُّها ... فلَكُ الثَّوابتِ وهْوَ فوق الأطْلَسِ لا زلتَ في حُلَلِ الفضائلِ رافلا ... مُتوشِّحاً بُرْدَ الشَّبابِ الأنْفَسِ خُذها وإن كانت مُقصَّرةً فمِن ... شأنِ الكرام قبولُ عذرٍ من مُسي شامِيَّةً يعنوُ لباهرِ حسنِها ... وجهُ الغزالة والغزالِ الألْعَسِ وانْعَم بها لا زالتَ تُرشِفُ سمعَنا ... من رَاحِ نظْمِك مُتْرَعات الأكْؤُسِ ومما أنشدَنيه قولُه من قصيدة له: يَراعَك أمْضَى من شِفارِ الصَّوارِم ... ورأيُك أجْلَى من يُراقِ المَباسِمِ مَضاءٌ يقُدُّ المُرْهَفاتِ وعَزْمَةٌ ... لها في ضِرامِ الخَطْبِ فعلُ الضَّراغِمِ ومنها: بسَيَّارةٍ مثلِ النُّجوم طوالعٍ ... قوافِ لعَمْري أفحمتْ كلَّ ناظمِ تَساقْطَ في الأسماع لُؤُلُؤُ لفظِها ... تَساقُطَ طَلٍّ فوق زَهرْ الكَمائمِ

стр. 55

بقِيتَ لهذا المُلْكِ تحمي ذِمارَه ... بسُمْرِ يَرَاع الخطِّ لا بالصَّوارِمِ جنابُك محروسٌ وبابُك كعبةٌ ... لبطْحائِها حَجِّى وفيها مَواسِميِ وله أيضاً: وكفى به جائراً في الحُكمِ ما عدَلا ... لو كان يسمعُ في أحبابِه عذَلاَ وراح يُضُمِر سُلْواناً بخاطره ... عن مَائِساتِ قُدودٍ تُخجِل الأسَلاَ بل كيف يصحو غَراماً أو يُفِيق هَوّى ... مَن باتَ بالأحْور العيْنَين مُشتغِلاً فما الهوى غيرُ أجفانٍ مُسهَّدةٍ ... تهْمِي بقلبٍ بنيران الأسَى شُعِلاَ ولا الغرامُ سوَى وَجْدٍ يُكابِدُه ... إلى الحِمَى يا سَقَى اللهُ الحِمَى نَهَلاَ حِمَى دِمَشْقٍ سقاها غيرَ مُفسدِها ... صَوْبُ الغمام وروَّى روضَها عَلَلاَ حتى تظَلَّ بها الأرْجاءُ باسمةً ... ويضحك النَّوْر أكمامِه جَذَلاَ وخصَّ بالجانبِ الغربيَّ مَنْزِلةً ... لبِسْتُ فيها الشبابَ الرَّوْقَ مُقْتبِلاَ مَغْنى الهوى ومغاني اللهو حيث به ... مَهاً إذا طلعتْ بدرُ السَّما أَفلاَ تلك المنازلُ لا شَرْقيُّ كاظِمةٍ ... ولا العقيقُ ولا شِعْبُ الغُوَير ولاَ ديارُ كلِّ مَهاةٍ كم أقول لها ... والصبُر ينْحَل في جسمي كما نَحَلاَ بما بِعْنِيكِ من سحرٍ صِلىِ دَنِفاً ... يهْوَى الحياةَ وأمَّا إن صَددْتِ فلاَ اللهُ يعلم أني بعد فُرْقتِها ... فارقتُ شَرْخ الصَّبا واللهوَ والغَزَلاَ

стр. 56

ما كنتُ لولا طِلابُ المجدِ أهجرُها ... هجْرَ امرئٍ مُغْرَمٍ بالرَّاح كأْسَ طِلاَ ولا تخيَّرْتُ أرضَ الرُّوم لي سكناً ... ولا تعوَّضْتُ عنها بالصَّبَا بدََلاً ولا امتَطْيتُ عِتاقَ الخيلِ راميةً ... بِيَ الْمَوَامِي تجوبُ السَّهلَ والجبلاَ مِن كل مِرْفٍ يفوق الطَّرفَ سُرعتهُ ... وسابحٍ مثل سِيد الرَّمل ما عَسَلاَ إذا تطلَّع من لُجِّ السَّرابِ يُرَى ... بدْراً غدا بهلالِ الأفْقِ مُنْتَعِلاَ ومنها: متى أتى بِيَ أرضَ الرُّوم مُنتجِعاً ... روضاً أريضاً وماءً بارداً وكلاَ وقال بُشْراك روضُ الفضل قلتُ له ... روضُ ابن بُستانِ مولانا فقال بَلَى هو الجوادُ الذي سارتْ مواهبُه ... تدعو العُفاةَ إلى نْعمائِه الجَفْلَى ومنها: وهاكَها من بناتِ الفكرِ غانيةً ... شاميَّةَ الأصْل مهما سائلٌ سأَلاَ غريبة في بلادِ الرُّوم ليس لها ... كُفْؤٌ سِواك فأنقِدْ مَهْرَها عَجَلاَ وكتب له أحبابه قصيدةً هَزَّت بنسيم عُتْهِا عِطْفَ آدابه، فأجابه بقوله، عفا الله عنه: توشَّحَتْ كالنجوم الزُّهر في الظُّلَمِ ... سِمْطيْن من لُؤُلُؤِ رَطبٍ ومن كَلمِ وقلَّدت جِيدَ آرَام النَّقَا دُرَراُ ... بزَّتْ بهنَّ دَرَارِي الأفْقِ بالقلمِ وأقبَلتْ في مُرُوطِ الزَّهو رِافِلةً ... تجرُّ تِيهاً فُضُولَ الرَّيْط من أَمَم

стр. 57

جيداءُ مصقولةُ القُرطيْن ماَئِسةُ الْ ... عِطْفين مخضُوبةُ الأطْراف بالعَنَمِ كأنها حين وأفَتْ والفؤادُ بها ... صَبٌّ صُبابةُ شَرْخٍ مَرَّ كالحُلُم فما الرَّياض بَكاَها الفطرُ ... ليلَتَه بُكاءَ طَرْفٍ قريحٍ بات لم يَنَمِ شوقاً لِطَيْفِ المُزْن فيه الأقحوانَ ضُحًى ... عن ثَغْرِ مُبْتسِمٍ بالدُّرّ مُنْتَظِمِ فالوُرْقُ صادِحةٌ والروضُ ضاحكةٌ ... تغورهُ بَيْن مُنْهَلٍ ومُنْسجِمِ تجاذِبُ الرِّيحُ أطرافَ الغصون بها ... فتنْثَني والهوى ضَرْبٌ من اللَّمَمِ يوماً بأحْسَنَ مَرْأى من شمائِلِها ... وقد أتتْ بعِتابٍ من أخي كَرَمِ مُهذّب القول إلا أنه أُذُنٌ ... يُصْغى إلى قول واشٍ بالنِّفاق سُمِى لا يعرفُ الوُّدُّ إلا مَذْقَ ساعته ... والشَّاهدُ العَدْلُ ما يتلُوه من قَسَمِ هيْهات ما الوُدٌّ ممَّن كنتُ أعهدَهُ ... باقٍ وقد حال عن عهْدِي ولم يَدُمِ فيالَه من عِتابٍ لم يَفُهْ أبداً ... بمثْلهِ أحدٌ في سالفِ الامَمِ سِوى امْرئٍ ساء ظنَّا في صنائِعه ... فساءَ ظناَّ بخِلٍّ غير مُتَّهَمِ وشاتمُ العرْض فيما قيل، كُنٌ فطِناً ... مَن بلَّغ القولَ لا مَن ذاك عنه نُمي لا يُعزَيَنْ ذاك للإحسان والنِّعَمِ ... بل ذاك يُعْزَى لبُهْمِ القاع والنَّعَمِ كم من أخٍ صارمٍ وُدِّي صبَرْتُ ... حتى ارْعوَى ووِدادِي غُيرُ مُنصرِمِ

стр. 58

يا مَن تُعمِّر منه بيْتَ باطنِه ... وظاهرُ الأمر أن البيْتَ لم يرمِ يا مَن به مِن وِدادِي كلُّ خالصةٍ ... أصفوُ بها صَفْوةَ الأخْلاقِ مِن شِيَمي أصِخِ إلى القول وأسْمعْ ما أقول فَليِ ... صَبْرٌ ركنُ رَضْوَي غيرُ مُنْهَدِمِ قد كُنْتَ رَيْحانةَ العيْشِ التي بَسَقَتْ ... أغصانُها في حِمَى المعروفِ والكرَمِ فصَّوحتْ وذَوَى الغصنُ الرَّطيبُ فلا ... دارٌ بَحزْوى ولا رَبْعٌ بذَي سَلَمِ ولا مَعاجٌ على سِقْطِ اللِّوى وبه ... جآذرٌ قد كَحلْنَ الوُدَّ بالسِّقَمِ ولا على طلَلٍ دَمْعٌ يُراقُ ولا ... يُؤَرِّقُ الجَفْنَ ذكرُ اْلبانِ والعلمِ ولسلَمْ على حالَتيْ وُدٍّ وصَدْق وَلاَ ... ما زَان عِقْدَ نِظامِ جَوْهرُ الكَلَمِ وكان له غلام تُعصَر من شمائله سُلافةُ اللّطَّافة هَمَّتْه في خِدمتِه خِفَّةُ النشاط إلا أردافُه، أحْلَى من ظَفَر عَانى، وألذُّ من حديث الأماني، لو قيل للحُسْنِ تَمَنَّ المُنَى. تمنَّى أنه مثلُه، لشغَفِه به سلَّم له قلبَه، فَسرى به رَبْطه وحَلَّه، فسلبَه منه الزمانُ أبو البدائِع، وما كلُّ خَرْفٍ إذا وَهَى له راقِع، فكتب إلى الشريف أمير الشام، يستعْدِيه على أعدائِه، وأقسم عليه بالحَمِيَّة الهاشميَّة الموْرُوثة من آبائِه، بقوله: باللهِ يا نَشْرَ العَبي ... ر سرَى بِرَوْضاتِ الغَرِيَّ طاف المشاهدَ وانْثْنَى ... نَشْوانَ مِن كأسٍ رَوِىِّ

стр. 59

وأقام بالزّوْراء مِنْ ... ها في رياض الَخْابريِّ مُتَنَزَّلِ الآى الكري ... م ومَهْبطِ الوَحْي السَّنِيِّ إن جئْتَ رَبْعَ الشَّام فاقْ ... صِدْ ساحةَ الشَّرفِ العَليِّ أعني الشريفَ ابنَ الشري ... ف ابن الشريف المُوسَوِيِّ مُتحمِّلا عِنِّي السَّلا ... مَ كمِسْك دَارِين الذَّكِيِّ لِجَنابِ مولانا الوزير ... ر وَلِيِّ مولانا عَليَّ ثم أشرَحَنْ مِن حالِ مو ... لاه المحبَّ الطَّالُويِّ ماذا لَقى في ثَغْرِ صَيْ ... دا مِن دُرُوزِيٍّ غَوِيِّ دينُ التنَّاسُخِ ديُنه ... لا بل يَدِيِن بكلِّ غَيِّ ويرى الطَّبائعَ أنها ... فعَّالةٌ في كلِّ شَيِّ وافَي بمكتوبِ الشري ... ف إليه من بلدٍ قَصِيِّ يُوصِية فيه كأنَّما ... أوصاهُ في أخْذِ الصَّبيِّ فسقاهُ يوم فِراقهِ ... لا كان بالكأسِ الرَّوىِّ وغدا الحشاَ مِن بعدهِ ... يْبِكي بدمعٍ عَنْدَمِيِّ في غُربةٍ لا يشْتكى ... فيها إلى خِلٍّ وفيٍّ لا جارَ يْحميهِ ولا ... يأْوِي إلى رُكْن قَوِيٍّ إلاَّ إلى رُكنِ الشري ... ف الطاهر الشِّيَمِ الزَّكِيِّ حامي حِمَى الشرع الشري ... ف بكل أبْيَضَ مِخْذَميِّ

стр. 60

مولاي لي حقٌّ علْي ... ك فجُدْ به من غْيرِ لَيِّ بولاءِ حَيْدَرةَ الوَصِي ... أخي النبيِّ الهاشِمِيِّ لا تُهْمِلن مِن أخْذِ ثا ... رِي من كَفورٍ بالنَّبيِّ وابْعثْ إليه مَقانِباً ... فيها الكمِيُّ على الكميِّ لو حاربَتْ جُنْدَ القضَا ... ءِ ثنَتْ سُراهُ عن مُضِيّ جرَّافَةٌ لم تُبْقِ في ... أَطْلالِه غيرَ النُّؤِىِّ وأُشَيْعِثٍ ينْعِي الدِّيا ... رَ مع ابن دَايَةَ في النَّعيِّ قلتُ: هذا بُردْ سابِريّ أو سحرٌ سَامِرِيّ، تجري منه مياه الفصاحة، وتزهو من مُحَّياه أنوارُ الملاحة، وفيه نَفْحة عَلويَّة، وشِكايةمن ابن مَعْن، وهو من الطائفة الملحدة القائلين بالتَّناسخ، على رأي الحاكم بأمر الله، ويقال

стр. 61

لهم: دُرزِيّة نسبة لحسين الدُّرْزِيّ، وهو صاحب دعوة الحاكم، ومعنى الدُّرْزِيّ: الخيَّاط. وقوله:) الوصي (هو عليّ ﵁، زعم الشيعة أن ﷺ أوصى بالخلافة للأمام عليّ رضى الله عنه حين تآخى معه في غَدِير خُمّ، وهو أمر مخالف لأهل السنة، إلا أن ممدوحَه كان يقول بذلك، فجرى في شعره على مُعْتْقَدِه، والله أعلم بالسَّرائر. وقوله:) لو حاربت (غُلُوٌّ كان ينْبغي تركه. و) الغَرِيّ (موضع بالكوفة، دفن فيه عليّ كرم الله وجهَه. ) والنُّؤِىّ (بضم النون والهمز، جمع نُؤْى، وهو ما يُحفَر حول الخِباء حتى لا يدخله المطر. والمراد) بأُشَيْعِت (تصغير أشعث، الوَتِد؛ لأنه يشعَت إذا دُقَّ. ) وابن دَايَة (كُنْيَة الغراب، والمراد إنه لا يُبْقى لهم أثراً.

стр. 62

ومما أنشَدِنيه قوله، وقد أرسلها من الروم إلى الشام: أنُسَيْمةَ الرَّوضِ المطيرِ ... بالعهْدِ في زمنِ السُّرورِ وأَنِيِقَ أيامِ الشَّبا ... ب وعَيْشِه الغَضِّ النَّضيرِ ووَثيقَ أيامِ التَّصا ... بي يالَمَعْهدِها الخطيرِ ومعاهدٍ كان الشَبا ... بُ وشَرْخُه فيها سَميرِي هوَّمْتُ فيه فصاح بي ... داعي الصباح المُستَنِيِرِ فطِفتُ أنظرُ منه في ... أعْقابِ بَرْقٍ مُستَطيرِ قد كان حسَّانُ المرا ... بِع فيه حسَّانَ البُدورِ أيامَ غُصنُ شبيبَتِي ... ريَّان من ماءِ الغرورِ وُذؤابتي شَرَك المَهَا ... وحُبَالَة الظَّبْي الغَرِيرِ حيثُ الشَّبيبةُ روضةٌ ... غنَّاءُ صافيةُ الغديرِ فَنَّاءُ رائدُها المَهَا ... ةُ الرُّودُ من رِيمِ الخُدورِ من كلِّ مُخْطفة الحشَا ... كأخِى الرَّشا أختِ الغَرِيرِ طلعَتْ بليل ذوائبٍ ... أبهْى من القمرِ المنيرِ بيْضَاءَ وشَّحَت التَّرا ... ئبَ والنُّحورَ من الثغورِ فكسى معاطِفَها الشَّبا ... بَ الرَّوْقَ حسَّانُ الحَبِيرِ تمْشِي أنَاةَ الخطْوِ في ... ها رَوْعةُ الظَّبْيِ النَّفُورِ

стр. 63

قوِيتْ على قْتلِي وفي ... ألْحاظِها ضَعْفُ الفُتورِ وبما جرَى يومَ النَّوى ... من دُرِّ مَدْمِعها النَّثيرِ كالعِقْد أسْلَمه النِّظا ... مُ من التُرائبِ والنُّحورِ وبوَقْفةِ التَّوديعِ والْ ... أَنْفاسُ تَصْعَد بالزَّفيرِ ويَدُ الفِراق تشبُّ في الْ ... أحشاءِ نِيرانَ السَّعيرِ إلاَّ سَرَيْتِ مع الصَّبا ... يا نَسْمةَ الروضِ المطيرِ فاجْتَزْتِ من أرض العرا ... قِ على الَخْوَرْنقِِ والسَّديرِ ووقفتِ بالزَّوراءِ وَق ... فةَ زائرٍ أوفى مَزُورِ وحملْتِ للكرْخِ التَّحِيَّة ... من أخِى شجَنٍ أسيرِ ونزلتِ من نهر الأُبُلَّ ... ةِ والصَّراةِ على شَفِيرِ وأقمتِ في شطَّ الفُرا ... تِ بمُلتَقى العذْبِ والنَّميرِ وسمعْتِ هَينَمةَ الرِّيا ... ض وصوْتَ جائشةِ الخريرِ

стр. 64

وجذَبْتِ في تلك الحداِ ... ئقِ طَوْقَ ساجعةِ الهَدِيرِ خُفَّتْ بسَرْوٍ كالقِيا ... نِ تلفَّعتْ خُضْرَ الحريرِ ولثَمْتِ خدَّ الروضِ في ... هـ نباتُ رَيْحان طَرِيرِ وثنَيْتِ عِطْفك والصّبا ... حُ يكاد يُؤذِنُ بالسُّفورِ وأتيتِ بابل فاصْطَبَح ... تِ بمثل مصباح منيرِ يُغْنِيِك مُتْهِمَةً ومُنْ ... جِدَةً سناها عن خَفيرِ ثم انبريْتِ مع الجَنُو ... ب وحُدْتِ عن مَسْرَى الدَّبُورِ حتى نزلْتِ على الأرا ... كَةِ أو رسَيْتِ على ثَبِيرِ فسقطتِ مِن أرض الخُزَا ... مَي والبَشاَمِ على الَخبِيرِ وطلْعتِ نَجداً والدجى ... يُسْتَلُّ من أثواب قِيرِ ومشيْتِ فوق عَرَارِه ... ما بين حَوْذانٍ وخِيرِ وهبَطتِ غَوْرَ تِهَامَةٍ ... والشُّهبُ مالَت لِلغوير ونزلْتِ في سَفْحِ الأرا ... كِ وشُفْتِ زاهيةَ البريرِ

стр. 65

وسلكَتِ من وادي العِقي ... ق منابتَ العَجَم الشَّكِيرِ وأمَلْتِ فيه ذوائبَ ال ... أغصانِ من طَلْحٍ نضيرِ وهصَرْتِ باناتِ النَّقا ... هصْر الرَّوادف للخُصورِ فحملْتِ منها من غَوا ... لي المِسْك فاغِيةَ الزَّهورِ وعبرْتِ دَارِيِنَ العطا ... رِ وشِمْتِ غالِيةَ العبيرِ وازْدَدتِ من أرَج الكبا ... ءِ ورَنْدِه عند المسيرِ وجَزَعْتِ وادي الشَّحْر ليلاً وانثنَيْتِ مع البُكورِ والصبحُ يخطُر في الدجْى ... كالوحْيِ يخطُر في الضميرِ والنَّسْر فيه واقعٌ ... خوفَ الصباح لدى الوُكورِ وكواكبُ الجوْزاءِ مُمْ ... سكةُ الأعِنَّة عن مسيرِ خافت سُهَيْلا فانتضَتْ ... سيفاً من الشِّعْرَي العبورِ

стр. 66

والنجمُ يهْوي للغرو ... بِ كأنه كفُّ المُشيرِ فهبطْتِ رَبْع الشامِ دا ... رَ اللَّهْو بل مغْنى السُّرورِ ونزلْتِ بالوادي المقدَّ ... سِ شاطئاً غيرِ الشطيرِ وخطَرْتِ من بطْحاءِ وا ... دي النَّيِربَيْنِ على الصخورِ ووقَفْتِ في تلك الرُّبى ... ما بين روضٍ أو غديرِ وقرأْتِ سُكَّانِ القصو ... ر بها السلامَ بلا قُصورِ لا سِيمَّا شيخِ العلو ... م مفيدِ أربْابِ الصُّدورِ شمسِ الهدايةَ والدِّرا ... ية شيخِ جامِعها الكبيرِ كشَّافِ أسرار البلا ... غةِ عُمْدةِ الفتْحِ القديرِ مُعلىِ منارَ الشّرعِ مُغْ ... نى المُعتَفِى كنزِ الفقيرِ ورئيسِها قاضي جما ... عتِها المُحكَّمِ في الأمورِ الفاضلِ اللَّسِن المفُوّ ... هِ والمُنزَّهِ عن نظيرِ أعْنِي به القاضي مُحبَّ ... الدِّين ذا الرأيِ المنيرِ مَوْلَى أراعَ يَرَاعُه ... قلبَ الطُّروسِ مع السُّطورِ ببديع وشْيٍ مُخجِلٍ ... وشْيَ البديعِ أو الحَرِيرِي وأبى الضِّياَ حسنِ حلي ... فِ الفضلِ والأدبِ الغزيرِ عجَباً له فاق الأوا ... ئلَ وهو في الزّمنِ الأخيرِ أدبٌ يروقُك مثلُ زه ... رِ الروضِ غِبَّ حَياً مطيرِ

стр. 67

ومنها: ومُشيَّدِي أرْكانها ... أمراءِ مُعلمِها الخطيرِ منهم جَنابُ الطَّا ... لُوِيّ سليلُ أرْتَقَ ذِي السَّرِيرِ مُحْيِي مكارمَ حاتمٍ ... بين الأنام بلا نَكيرِ والمنجَكِىُّ مُحمدُ السَّ ... امِي على الفَلَكِ الأثِيرِ فهو الأميرُ ابن الأمي ... رِ ابن الأميرِ ابن الأميرِ ذكَرتْهُمُ الأنواءُ ذِكْ ... رِى بالعَشِيَّ وبالبُكورِ وكساهمُُ خُلَعَ الشبا ... بِ الرَّوْقِ مُقتَبلُ الدُّهورِ وقد عارض بهذه القصيدة ما في) الحماسة (وللناس على مِنوالها قصائدُ كثيرة، أحسنها ما للشَّريف الرَّضِيّ: نطَق اللسانُ عن الضَّميرِ ... والسِّرُّ عُنْوانُ الصُّدورِ وعلى مِنْوالها لأبي بكر الخُوَارَزْمِيّ قصيدةٌ، مطلعها: إن الأُلى خَلْفَ الخُدورِ ... هم في الضَّمائرِ والصُّدورِ وقع الغُبارُ عليهمُ ... فغدا يَتِيه على العبيرِ

стр. 68

لمَّا مشَيْن على الثَّرى ... تاهَ الترابُ على الأثيرِ يا سائِلي مَن في الهوا ... دجِ والبَراقعِ والستُّورِ فيها الرَّضاعُ من الِمنَّية والفِطامُ عن السُّرورِ وأنشدني من قصيدة أخرى له: ذكر العقِيقَ فسال في أجْفانه ... فاشْتفه وجداً إلى سُكَّانِهِ واشْتَمَّ في ريح الصِّباَ ... فصباَ حليفَ جَوًى إلى أوطانِهِ وشجاهُ مسجورَ الفؤادِ إلى الحِمَى ... وُرْقٌ سواجِعُ هِجْنَ مِن أحزانِهِ تملى من الورق الغرام وطالمَا ... دُرِستْ فنونُ العِشْق من أفنْاَنِهِ فيهِنَّ سالِمةُ الحشاَ من لوعةٍ ... لم تَدْرِ طعمَ الوصلِ من هِجْرانِهِ تمسِي وتصبحُ في أرائِكِ أيْكِها ... مع إلْفِها والعمرُ في رَيْعانِهِ ترْتادُ أرضَ الشامِ أخْصبَ منزلٍ ... حيثُ العَرارُ صفاَ إلى حَوْذَانِهِ حيثُ المغاني مُشرِفاتٌ بالدُّمَى ... والغانياتُ يطُفْنَ حول مغانِهِ في ظلَّ مُنْبَجِس اللُّجَيْنِ جرى به ... ذهبُ الأصيل يسيلُ من عِقْياَنِهِ أحْوَى الظِّلاَلِ كان سُمرَتَهُ لُمًى ... عذْبٍ المراشِفِ نَدَّ عن غزْلانِهِ بَيْناَ تردَّد فيه من عذْبٍ إلى ... عذْبٍ يتُوق إلى العُذَيْبِ وباَنِهِ مع صَفْوِ عيشٍ إذ رمَتْها نِيَّةٌ ... للرُّوم فاجَتْها يُسود رِعانِهِ

стр. 69

هبطَتْ بها الأقدارُ أرضاً لم يكُنْ ... فيها نزولُ الوَحْيِ مَعْ فُرْقانِهِ سوداءُ مُظلمِةُ الرِّحابِ كأنها ... قلبُ الحسودِ علَتْهُ ظُلْمةُ رَانِهِ فغدَتْ تَنوُحُ على البلادِ بمَدْمَعٍ ... سَحٍّ يُباَرِي الغيْثَ في تهتْاَنِهِ مأسورةَ القلبِ المُعنَّى من جَوًى ... مسجورةَ الأحشاءِ من نِيرانِهِ تبْكيِ إذا ذُكرِ الحِمَى حيث الحِمَى ... روضٌ تُغرِّد في ذُرَى أغْصانِهِ تنْفَكُّ تنثُر لؤلؤاً من أدمُعٍ ... كالدُّرِّ يُنْظَم في سُمُوط جُمَانِهِ حتى ترى روْضَ الحِمَى أو تجْتلِي ... روضَ ابن بُستانٍ وحيدِ زمانِهِ ذو رُتْبةٍ في المجدِ رامَ بلوغَها الْ ... فَلَك المُحيطُ فلَجَّ في دوَرانِهِ سبقَته فاستْعدَى عليناَ طاوياً ... لصحائفِ الأعمارِ في سَرَعانِهِ وله من أخرى: لي فيكمُ كدَرَارِي الأُفْقِ سائِرةٌ ... هِيِ اللآَّلِئُ ألا أنَّها كَلِمُ مِن كلَّ شامخةِ العِرْنيِن تَحسَبُهُاَ ... في الشَّعر ليْثاً لها من نفْسِها أجَمُ تبْقَى على صفحاتِ الدهر خالدةً ... كالأنجُمِ الزُّهْرِ عِقْداً ليس ينْفَصِمُ أو غادةٌ حسنُها قَيْدُ النَّواظرِ في ... ألْحاظِها سَقَمٌ في أنفِها شَمَمُ وله من أخرى: حِمَى الشَّام جادَ الغيثُ ما حلَّ تُرْبَه ... مغانيِ الهوى فيها مغاَنيِ أحبَّتِي وباتتْ بأَغلَى النَّيْرَ بَيْنِ مع الصَّبا ... تطارحُها ذِكْرى عهودٍ بربَوْةِ

стр. 70

على نَهَرٍ حَصْباؤُه الشُّهْبُ قد جرى ... خِلالَ سَمَا رَوْضاتَها كالمجرَّةِ يجاوبُ تَسْجاعَ الحَمامِ خَرِيرُه ... فتُصغِي له الوَرْقاءُ من فَوْقِ أيْكَةِ ولله دَرُّ أبي الحكمِ، في قوله في هذا المعنى: وتحدَّث الماءُ الزُّلال مع الحصَى ... فجرى النَّسيمُ عليه يسمعُ ما جرَى فكأنَّ فوق الماء وَشْياً ظاهراً ... وكأنَّ تحتَ الماءِ سِرُّا مُضْمَرَا وقوله من أخرى: بَيَاضُ طِرْسِ جرى ذَوْبُ النُّضَارِ على ... لُجَيِنِه بلآلٍ حيَّرتْ فِكَرِي كاللُّؤلؤِ الرَّطْبِ إلا إنها فِقَرٌ ... غيرُ الأديب إليها غيرُ مُفتقِرِ ومنها في السُّفُن: ركائبٌ ليس ترْضَى بالجديلِ أباً ... لكنها من بناتِ الماءِ والشَّجرِ شُمُّ العَرانِين دُهْمٌ ما بها وَضَحٌ ... إلا نُجومُ الَّياليِ مَوْضِعَ الغُرَرِ ما زلتُ أجِدفُ طُوفانَ الخُطوب بها ... وأتَّقِي حادثَ الأيامِ والضَّررِ ومنها: خُذْها فدَتْكَ نفوسُ الشِّعر قاطبةً ... فقد علَتْهُ بمدحٍ فيك مُبتَكَرِ طائِيَّةُ الأصلِ إلا أنها نشَأتْ ... برَبْوة الشّامِ في روضٍ على نَهَرِ

стр. 71

ورأى نَيْلَوْفَرَة صدَفَاً لِدُرَ السحاب، وحُقَّه لجوهر النَّدى المُذاب، كأنها بَوْتَقة أذابَ بها الجوُّ نُضارَه، أو كأسٌ في يد مُصْطبِح يُداوِي بها خُمَاره، أو مقلةُ صَبٍّ كئيب قد فَجأة على الغفْلةِ الرَّقيب، بعد ما امتلأتْ بدمعِ الهوى، وتردَّد فيها الدَّمعُ من حَيْرة النَّوى، وقد طفَا عليها الماءُ الزُّلال، فبلغ حافاتِها وما سال، بل لِخَشْية فراقِها، تشبَّثَ بأهْداب أوراقِها، فقال مُضِّمناً وأجاد: ونوفرةٍ كعين الصَّبِّ شَكْرَى ... تَجُمُّ الماء خشيةَ أن يُراقَا ذكرتُ لها النَّوى يوماً ففاضَتْ ... وصارت كلها للدِّمعِ ماقَا ) وشكري (بشين معجمة بمعنى ممتلِئة، وهو من قصيدة للمُتَنَبِّي، أوّلها: نظرتُ إليهمُ والعين شَكْرَى فصارت.........الخ وأنشدني له أيضاً: شامَ بَرْقَ الشَّامِ بالرُّومِ خدوعا ... فانبرَتْ أجفانهُ تذْرِى الدُّموعَا هَبَّ من عَلْيا دِمشْقٍ مُوهِناً ... هَبَّةَ المِصْباح في الليل ذَرِيعاً جَزَع الآفاق في هَبَّتِه ... وأتى الرُّومَ سُرَى الأيْم جزوعا خفَقت راياتهُ في أُفْقِه ... خَفَقَان القلبِ قد أمسى مَرُوعَا وقعتْ شُعلتُه وَسْط الحشا ... وسَنَاه طارَ في الجوَّ رفيعاَ

стр. 72

ليس يدْرِي وَقْعَها غيرُ شَجٍ ... فارق الأوطانَ مثلِي والربُّوعَا أو مُعَنَّى بهوَىً تَيَّمَهُ ... من غزالٍ لراح للوصلِ مَنوُعَا يُخجِلُ الشمسَ سناهً وسناً ... ومَهاةَ الرَّمل جِيدا أو تَلِيعَا أسْهَر الجَفْنَ خَلِيَّا عن كَرًى ... مُقْلَةً لا تَطعَمُ النومَ هُجوعَاً كيف يكْرَى ناظرٌ فارقَه ... ناضِر العيشِ من اللَّيلِ هَزِيعاً وشبابٌ شَرْخُه مُقتبِلٌ ... كان للصَّبِّ لدى الغِيدِ شَفيعَا لم يكن ألا كحُلْمٍ وانْقَضَى ... أو خيالٍ في الكرى مَرَّ سريعَا أزْمَعَتْ حسْرتهُ لا تنْقضِى ... آهِ ما أسرعَ ما ولَّى زَمِيعَا لستُ أرضى منه بالسُّقْياَ له ... وسحابُ الْجَفْن يسْقيه النَّجَيعَا والذي هاج الهوى قُمْرِيَّةٌ ... بالضُّحَى تهتِفُ بالأيْكِ سَجُوعَا كلما ناحَتْ على أفْناِنها ... هاجَت الصَّبَّ غراماً ووُلوعَا وإذا عنَّتْ له غَنَّت له ... ذكَر الشَّامَ فزادَتْه صُدُوعَا يا سقىَ اللهُ حِماها وابِلاً ... مُسْبَل الطَّرفِ من الغيْثِ هَمُوعا حيث رَبْع اللهو منه آهِلٌ ... والغواني في مغانِيها جميعاَ كل رُودٍ لبستْ شَرْخَ الصِّبا ... وهَوًى إن تدْعه لبَّى مُطِيعَا كم لنا فيعنَّ من بَهْنَانةٍ ... وَلِعَ القلبُ بها خُوداً شَمُوعَا

стр. 73

لستُ أنْسَى ساعةَ التَّوديع إذْ ... وقفَتْ في موقفِ البَيْن خُضوعَا وهْيَ تَذْرِي لؤلؤاً من نَرْجِسٍ ... فوق وَرْدٍ كاد طِيباً أن يَضُوعَا علِقتْ ذَيْلي وخانَتْها الهوى ... فانثَنتْ من وقفةِ البَيْن صَريعَا وأفاقَتْ وبها حَرٌّ الجوَى ... ثم قالتْ وشكَتْ دهراً خَدُوعَا لا رعَى اللهُ المعالي مَطلَباً ... كم نرى صباَّ بها مُغْزًى وَلُوعَا كنت لي بدراً منيراً فاخْتفى ... في سِرارٍ بعد ما سَرَّى طلُوعَا وشباباً لاح بَرْقاً عندما ... أشعلَ الرَّأْسَ سَناً راح سريعَا أيها الظاَّعنُ والقلبُ على ... إِثْرِه مذ سار ما زال هَلُوعاَ لا تكنْ للعهد بعدي ناسياً ... يا حياتي واعْطِفَنْ نحوي رُجوعَا وهي طويلة، ذكر فيها تغرُّ بَه بالروم، واشتياقَه للشام.

стр. 74

محمد بن قاسم الحَلَبِيّ يتيمة الدهر، وبَيْضة البلد، ممن نزلتْ فضائلُه بين العَلْياء والسَّنَد، أخ لمن تجَّنبه الدهرُ شقيق، حُرّ العِرض على أنه عبدُ الصَّديق، فكم له من يدٍ خضراء تنبتُها يدٌ بيضاء، كما اخضرَّت الهِضابُ، من أبيض نسْج خيوط السحاب. تَمُدُّ له الآفاقُ بِيضَ خيوطِه ... فتنسِجُ منها للثرى حُلَّةً خَضْرَا وله شعر رَاقَ بجيد الدهر عِقدُه، وعَذُبَ على لسان الدهر المُحلى بالفصاحةِ وِرْدُه، وزها يانِع رياضِه البهيَّة شقِيقُه وَوَرْدُه، مع فضلٍ حَلا في أفْواه الليالي ثناؤُه، وأضاء في دُجَى المشكلاتِ سَنَاهُ وسناؤُه. له صحائفُ أخلاقٍ مُهذَّبةٍ ... منها الحجَى والعُلا والفضلُ يُنْتَسَخُ وكانت أخباره تغدو على مسامعي، فتتشوَّقُ إلى لُقْياه أجفانُ عيون مطامعي، حتى لقِيتُه بالروم، فاهتزَّت به أعطافُ المسرَّة، ونِلْتُ به ما هو للرُّوح قُوتٌ وللطَّرف قُرَّة، وعُود الدهر المُورِق يختال في غلائِله، وفَيْنان رَوْضه كأنما سُرِق الحسنُ

стр. 75

من بعض شمائِله، بطبعٍ أرقّ من بُرْد النسيم هلْهَلَه الشَّمال، وأصْفى من رِيق مُدامَةٍ صفَقها العَذْب الزّلال، فدارتْ بيننا شَمُول آدابٍ ظلَّ لها ثَغْرُ الأنس باسماً، وانتظمتْ عقودُ عُهُودٍ كان لها كفُّ المودَّةِ ناظماً، ولمَّا يرْضَ مُقامَه بحلب، وفطَم أملَه مما أدرَّ الدهر له بها وحلب، لأن زامِرَ الحيِّ لا يُطرب، وما كل حاملةٍ إذا أُنْتِجَتْ تُنجِب، سار عنها وسلك الطريق، حتى نزل بين وادي العُذَيْب والعَقِيق، فلما أخذ الله كريمَتيْه، وعوضه جنَّةَ عَدْن لديه، تربَّعتْ أقدامُ أقدامِه، وقد سُقِط في يديْه، فقد ينتظر دعوتَه حتى تلقَّاه، وإن كان مع الرَّكب اليمانين هَواه. على المرءِ أن يسْعَى لما فيه نفعُه ... وليس عليه أن يساعِدَه الدَّهْرُ فما دار بيننا من كؤس الأدب، ما كتبتُه إليه وقد قدم من حلب: حَتَّى مَ يغزوني صُدودُه ... والصبرُ قد كُسِرتْ جنودُهْ سكرانُ من ألحاظِه ... قامتْ على قلبي حُدودُهْ وسَقيمِ طَرْفٍ لم تزلْ ... أبداً لواحِظُنا تعودُهْ برَقتْ بوارقُ وَصْلهِ ... والهجرُ قد خَرِستْ رعودُهْ غصنٌ تَمِيلُ به الصَّبا ... في كُثْبِ أرْدَافٍ تَئُودُهْ لم أدْرِ فاتِرُ جَفْنِه ... والخِصْرُ أسْقَمُ أم عهُودُهْ نَشوانُ يعبثُ بي كما ... عبَثْت بآمالي وُعودُهْ لولا مِياهُ الحُسْنِ جا ... لتْ فيه لاحترقَتْ خدودُهْ
следующие страницы →