Полный текст (456 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ورأى نَيْلَوْفَرَة صدَفَاً لِدُرَ السحاب، وحُقَّه لجوهر النَّدى المُذاب، كأنها بَوْتَقة أذابَ بها الجوُّ نُضارَه، أو كأسٌ في يد مُصْطبِح يُداوِي بها خُمَاره، أو مقلةُ صَبٍّ كئيب قد فَجأة على الغفْلةِ الرَّقيب، بعد ما امتلأتْ بدمعِ الهوى، وتردَّد فيها الدَّمعُ من حَيْرة النَّوى، وقد طفَا عليها الماءُ الزُّلال، فبلغ حافاتِها وما سال، بل لِخَشْية فراقِها، تشبَّثَ بأهْداب أوراقِها، فقال مُضِّمناً وأجاد:
ونوفرةٍ كعين الصَّبِّ شَكْرَى ... تَجُمُّ الماء خشيةَ أن يُراقَا
ذكرتُ لها النَّوى يوماً ففاضَتْ ... وصارت كلها للدِّمعِ ماقَا
) وشكري (بشين معجمة بمعنى ممتلِئة، وهو من قصيدة للمُتَنَبِّي، أوّلها: نظرتُ إليهمُ والعين شَكْرَى فصارت.........الخ وأنشدني له أيضاً:
شامَ بَرْقَ الشَّامِ بالرُّومِ خدوعا ... فانبرَتْ أجفانهُ تذْرِى الدُّموعَا
هَبَّ من عَلْيا دِمشْقٍ مُوهِناً ... هَبَّةَ المِصْباح في الليل ذَرِيعاً
جَزَع الآفاق في هَبَّتِه ... وأتى الرُّومَ سُرَى الأيْم جزوعا
خفَقت راياتهُ في أُفْقِه ... خَفَقَان القلبِ قد أمسى مَرُوعَا
وقعتْ شُعلتُه وَسْط الحشا ... وسَنَاه طارَ في الجوَّ رفيعاَ
стр. 72
ليس يدْرِي وَقْعَها غيرُ شَجٍ ... فارق الأوطانَ مثلِي والربُّوعَا
أو مُعَنَّى بهوَىً تَيَّمَهُ ... من غزالٍ لراح للوصلِ مَنوُعَا
يُخجِلُ الشمسَ سناهً وسناً ... ومَهاةَ الرَّمل جِيدا أو تَلِيعَا
أسْهَر الجَفْنَ خَلِيَّا عن كَرًى ... مُقْلَةً لا تَطعَمُ النومَ هُجوعَاً
كيف يكْرَى ناظرٌ فارقَه ... ناضِر العيشِ من اللَّيلِ هَزِيعاً
وشبابٌ شَرْخُه مُقتبِلٌ ... كان للصَّبِّ لدى الغِيدِ شَفيعَا
لم يكن ألا كحُلْمٍ وانْقَضَى ... أو خيالٍ في الكرى مَرَّ سريعَا
أزْمَعَتْ حسْرتهُ لا تنْقضِى ... آهِ ما أسرعَ ما ولَّى زَمِيعَا
لستُ أرضى منه بالسُّقْياَ له ... وسحابُ الْجَفْن يسْقيه النَّجَيعَا
والذي هاج الهوى قُمْرِيَّةٌ ... بالضُّحَى تهتِفُ بالأيْكِ سَجُوعَا
كلما ناحَتْ على أفْناِنها ... هاجَت الصَّبَّ غراماً ووُلوعَا
وإذا عنَّتْ له غَنَّت له ... ذكَر الشَّامَ فزادَتْه صُدُوعَا
يا سقىَ اللهُ حِماها وابِلاً ... مُسْبَل الطَّرفِ من الغيْثِ هَمُوعا
حيث رَبْع اللهو منه آهِلٌ ... والغواني في مغانِيها جميعاَ
كل رُودٍ لبستْ شَرْخَ الصِّبا ... وهَوًى إن تدْعه لبَّى مُطِيعَا
كم لنا فيعنَّ من بَهْنَانةٍ ... وَلِعَ القلبُ بها خُوداً شَمُوعَا
стр. 73
لستُ أنْسَى ساعةَ التَّوديع إذْ ... وقفَتْ في موقفِ البَيْن خُضوعَا
وهْيَ تَذْرِي لؤلؤاً من نَرْجِسٍ ... فوق وَرْدٍ كاد طِيباً أن يَضُوعَا
علِقتْ ذَيْلي وخانَتْها الهوى ... فانثَنتْ من وقفةِ البَيْن صَريعَا
وأفاقَتْ وبها حَرٌّ الجوَى ... ثم قالتْ وشكَتْ دهراً خَدُوعَا
لا رعَى اللهُ المعالي مَطلَباً ... كم نرى صباَّ بها مُغْزًى وَلُوعَا
كنت لي بدراً منيراً فاخْتفى ... في سِرارٍ بعد ما سَرَّى طلُوعَا
وشباباً لاح بَرْقاً عندما ... أشعلَ الرَّأْسَ سَناً راح سريعَا
أيها الظاَّعنُ والقلبُ على ... إِثْرِه مذ سار ما زال هَلُوعاَ
لا تكنْ للعهد بعدي ناسياً ... يا حياتي واعْطِفَنْ نحوي رُجوعَا
وهي طويلة، ذكر فيها تغرُّ بَه بالروم، واشتياقَه للشام.
стр. 74
محمد بن قاسم الحَلَبِيّ
يتيمة الدهر، وبَيْضة البلد، ممن نزلتْ فضائلُه بين العَلْياء والسَّنَد، أخ لمن تجَّنبه الدهرُ شقيق، حُرّ العِرض على أنه عبدُ الصَّديق، فكم له من يدٍ خضراء تنبتُها يدٌ بيضاء، كما اخضرَّت الهِضابُ، من أبيض نسْج خيوط السحاب.
تَمُدُّ له الآفاقُ بِيضَ خيوطِه ... فتنسِجُ منها للثرى حُلَّةً خَضْرَا
وله شعر رَاقَ بجيد الدهر عِقدُه، وعَذُبَ على لسان الدهر المُحلى بالفصاحةِ وِرْدُه، وزها يانِع رياضِه البهيَّة شقِيقُه وَوَرْدُه، مع فضلٍ حَلا في أفْواه الليالي ثناؤُه، وأضاء في دُجَى المشكلاتِ سَنَاهُ وسناؤُه.
له صحائفُ أخلاقٍ مُهذَّبةٍ ... منها الحجَى والعُلا والفضلُ يُنْتَسَخُ
وكانت أخباره تغدو على مسامعي، فتتشوَّقُ إلى لُقْياه أجفانُ عيون مطامعي، حتى لقِيتُه بالروم، فاهتزَّت به أعطافُ المسرَّة، ونِلْتُ به ما هو للرُّوح قُوتٌ وللطَّرف قُرَّة، وعُود الدهر المُورِق يختال في غلائِله، وفَيْنان رَوْضه كأنما سُرِق الحسنُ
стр. 75
من بعض شمائِله، بطبعٍ أرقّ من بُرْد النسيم هلْهَلَه الشَّمال، وأصْفى من رِيق مُدامَةٍ صفَقها العَذْب الزّلال، فدارتْ بيننا شَمُول آدابٍ ظلَّ لها ثَغْرُ الأنس باسماً، وانتظمتْ عقودُ عُهُودٍ كان لها كفُّ المودَّةِ ناظماً، ولمَّا يرْضَ مُقامَه بحلب، وفطَم أملَه مما أدرَّ الدهر له بها وحلب، لأن زامِرَ الحيِّ لا يُطرب، وما كل حاملةٍ إذا أُنْتِجَتْ تُنجِب، سار عنها وسلك الطريق، حتى نزل بين وادي العُذَيْب والعَقِيق، فلما أخذ الله كريمَتيْه، وعوضه جنَّةَ عَدْن لديه، تربَّعتْ أقدامُ أقدامِه، وقد سُقِط في يديْه، فقد ينتظر دعوتَه حتى تلقَّاه، وإن كان مع الرَّكب اليمانين هَواه.
على المرءِ أن يسْعَى لما فيه نفعُه ... وليس عليه أن يساعِدَه الدَّهْرُ
فما دار بيننا من كؤس الأدب، ما كتبتُه إليه وقد قدم من حلب:
حَتَّى مَ يغزوني صُدودُه ... والصبرُ قد كُسِرتْ جنودُهْ
سكرانُ من ألحاظِه ... قامتْ على قلبي حُدودُهْ
وسَقيمِ طَرْفٍ لم تزلْ ... أبداً لواحِظُنا تعودُهْ
برَقتْ بوارقُ وَصْلهِ ... والهجرُ قد خَرِستْ رعودُهْ
غصنٌ تَمِيلُ به الصَّبا ... في كُثْبِ أرْدَافٍ تَئُودُهْ
لم أدْرِ فاتِرُ جَفْنِه ... والخِصْرُ أسْقَمُ أم عهُودُهْ
نَشوانُ يعبثُ بي كما ... عبَثْت بآمالي وُعودُهْ
لولا مِياهُ الحُسْنِ جا ... لتْ فيه لاحترقَتْ خدودُهْ
стр. 76
كالصَّبِّ لولا دمعُهُ ... يهْمِى لأحرقَه وَقودُهْ
يُخفِي الهوى وعيونهُ ... بغرامِه الُمْضْنَي شُهودُهْ
بشهادةٍ ليست ترَدُّ ... فليس ينفعُه جُحُودهْ
فسقَى رِياضَ الحُسنِ من ... دمْعِي حَيّا يَهْمِي مَدِيُدُه
زمنٌ بجِيِد اللهوِ قد ... نُظِمَتْ على نَسَقٍ عقودُهْ
إذ دَوْحُ أُنْسِى يانِعٌ ... بكئوسِنا انفتحَتْ وُرودُهْ
والكاسُ نَجمٌ لاح في ... فَلَكِ المسرَّةِ لي سُعودُهْ
يصفُو فيحْكِي ذِكْرَ مَن ... قد زيَّن الدُّنيا وُجودُهْ
ذاك ابنُ قاسمٍ الذي ... ما زال في تعَبٍ حَسُودُهْ
رُقِمَتْ به حُلَلُ العُلا ... وزهَت بطلْعتِه بُرودُهْ
ما زال يُسْقَى من مِياهِ ... الفضلِ حتَّى اخْضرَّ عودُهْ
فيكاد يُورِق بالسَّعا ... دةِ مُثِمراً منها وفودُهْ
قد كان دَهْرِي عاطلاً ... حتى تحلَّى منه جِيدُهْ
مَجْدٌ طَريفٌ يُغْرِق الْ ... أفكارَ إذ يبدُو تَلِيِدُهْ
يا مالكاً رِقَّ الْقُلو ... بِ فكلُّها حُباَّ عَبِيدُهْ
بل جَنَّةٌ فيها بطِ ... يبِ ثنائِنا أبدَا خلودُهْ
في الشِّعر ليس ببالغٍ ... أدْنى بَديِهِته وَلِيدُهْ
قد كان فِكْري صائماً ... حتى طلَعْتَ وأنت عِيدُهْ
стр. 77
فإلْيْكَها عِقداً لِجي ... دِ الدَّهرِ زَيَّنَة نضَيدُهْ
بِكْراً يرُوم جوابَها ... مَهْراً تروقُ لها نقودُهْ
ولئن تكُنْ قَيْدَ النُّهى ... فالحبُّ تُسْتَحْلَى قيودُهْ
فالْبَسْ لباسَ مسرَّةٍ ... في الدهرٍ لا يَبْلَى جديدُهْ
فأجاب، وأجاد:
للظَّبْيِ لَفْتَتُه وجِيدُهْ ... والوَرْدِ ما أبدَتْ خدودُهْ
والدُّرُّ يزهُو بالذي ... في ثَغْرِه منه نَضِيدُهْ
وبوجهِه شَرَكَ العُقو ... لِ فأيُّ عَقْلٍ لا يَصِيدهُْ
في كلِّ يوم للهوى ... من حُسنهِ معنىً يَزِيدهُْ
روضٌ سقاهُ الله ما ... ءُ الحسنِ فاحمرَّتْ خدودهُْ
يستوقفُ الأبصارَ حتَّى ... لا يَسُوغَ لها وُرودُهْ
مَلِكٌ تحكمَّ في الجما ... لِ فنال منه ما يُرِيدُهْ
وجرى بأسْرارَ الهوى ... للنَّاسِ من دَمعِي بَرِيدُهْ
ما زال يسطوُ في الورَى ... من فعلِ مُقْلته جُنودُهْ
حتى ظنَنَّا أنه ... بالأجْر آثَرَه شهيدُهْ
يُبْدِى الصدودَ وكلَّما ... صانَعْتهُ عنهُ يُعِيدُهْ
أتراه يجْحَدُ ما لقِ ... يتُ به وهل يُغْنِي جُحودُهْ
وهو النَّهارُ إذا بدَا ... مِن نفسِه قامتْ شُهودُهْ
كضياءِ مولانا شِها ... بِ الفضْلِ إذْ طَلعتُ سُعُودُهْ
стр. 78
ما زال يسُمو في سَما ... ءِ المجْدِ زيَّنَها وُجودُهْ
حتى تقطَّعتِ المطا ... معُ عنه واسْتَعفى حَسودُهْ
وَقَّادُ فِكْرٍ أيُّ خَطْ ... بٍ ليس يُطفِئُه وَقودُهْ
كُرمَتْ له هَمِمٌ إلى ... غيرِ العُلا ليستْ تَقودُهْ
يزهُو على جِيدِ الزما ... نِ بما يُنمِّقُه فريدُهْ
مِن كل سَجْعٍ من مزا ... يا الحُسنِ قد نُظِمتْ عُقودُهْ
وإذا ذكرتَ الشِّعر فهْ ... وَكما سمعْتَ به لَبيِدُهْ
قد كنتُ أجْهَد في ابتْغا ... ء لقاء أيامٍ تُفِيدُهْ
حتى وَفَتْ لي بالذي ... قد كان في أمَليِ وُعودُهْ
فِلقيتُهُ البحرَ الخِضَمَّ ... يَفِيِضُ للعافين جودُهْ
مُتدفِّقاً بالفضلِ تخ ... شى أن يفرِّقَها وُفودُهْ
مَولايَ عُذْراً إنَّها ... من خاطرٍ قد جَفَّ عُودُهْ
بعُدَتْ بقولِ الشِّعرِ في ... عهدِ الصَّبا حِيناً عُهودُهْ
لبَّي دُعاكَ وأيُّ مو ... لىً لا تُلبِّيهِ عَبيدُهْ
ما ضَرَّه عِيدٌ نَأَي ... ما دامَ من لُقْياكَ عِيدُهْ
ومما أنشدَنِيه قولُه:
مُتِّعْنَا يومَنا بصَحْوٍ ... ليس على الشَّمسِ منه سِتْرُ
كأنَّ في الجوِّ منه كَنْزاً ... سال على الأرْضِ منه تِبْرُ
وقوله في مليح مُصَفَر العِذار، كأنما خاف الدهرَ على ذَهاب حُسنِه، فقيَّده بسلاسل
стр. 79
النُّضار، أو ملك الجمال بلغ كماله، فمدَّ لمِشْكاةِ صُدْغِه سِلْسلة الغزالة:
لمَّا الْتَحى تمَّتْ محا ... سنُ وجههِ وصفَتْ طباعُهْ
وغدَا بلُطْفِ عِذَارِهِ ... قمراً أحاط به شُعاعُهْ
ومما روَيْناه في معناه، قول الخطِيب الحَظِيرِيّ:
وأشْقَرِ الشَّعرِ من لطافِته ... يَجرَحُ لَحْظُ العيونِ خدَّيْهِ
فإن بدَا مَن يشُكُّ فيه فلِي ... شاهدُ عَدْلٍ من لونِ صُدْغَيْهِ
وله أيضاً:
كأنَّ صُدْغَيْهِ في أحْمرارِهِما ... قد صُبِغا من مُدامِ وِجْنَتِهِ
وله أيضاً:
ما أحمَرَّ شَعْرُ حبيبي أنَّ وَجْنَتِهُ ... سقَتْهُ من صِبْغِها خَمرْاً ولا خَجلاَ
وإنما لفحَتْ خدَّيْهِ من كبدِي ... نارٌ فذبَّتْ إلى صُدْغَيْهِ فاشْتَعلاَ
ومما أنشدَنِيه قولُه من قصيدة:
قد دَعاهُ الهوى ودَاعِى التَّصابِي ... لاِدِّكار الأوطانِ والأحبابِ
فأتَتْ دون صَبْرهِ من أليمِ الْ ... وجدِ نارٌ شديدةُ الإْلتِهاَبِ
فذَوَى غُصْنُه الرَّطيبُ وجفَّتْ ... من رياضِ الصِّبا مياهُ الشبابِ
شَعَرُ المرءِ نُسْخةُ العُمر والأيَّ ... امُ فيها من أصْدقِ الكُتَّابِ
فإذا تمَّ منه ماكَتَبَتْه ... ترَّبَتْهُ من شَيْبهِ بتُرابِ
لستُ آسَى على الصِّبا إنما أذْ ... كُر حقَّا لأقْدِم الأصْحابِ
قد سقَتْنِي عهودُه العيشَ صَفْواً ... وكسَتْنِيه مُونِقَ الجِلْبَابِ
стр. 80
ومنها:
بحرُ فضلٍ لو قِيِسَ بالبحرِ كان ال ... بحرُ في جَنْبِه كلَمْع السَّرابِ
مزَج الفضلَ بالسَّخاءِ كما ما ... زَجَ ماءُ الغَمامِ صَفْوَ الشَّرابِ
وإذا قيل خُلْقُه الرَّوض أضْحى الر ... وضُ طَلْقاً بذلك الإنْتِسابِ
ما عسى أن أعُدَّ من مَكْرُماتٍ ... ضَبْطُها قد أعْيَ على الحُسَّابِ
وإذا ما الأفكارُ أُمعِن فيها ... غرِقَتْ من بِحَارها في عُبابِ
أنتَ من ناظِر الزَّمان سوادْ ال ... عْينِ والناسُ منه كالأهْدابِ
فصل
قول:) شَعَر المرء نسخة العمر (إلخ، معنًى بديع، ونحوه قولي:
لعَمْرِيَ إن الدهرَ خَطَّ بمَفْرِقي ... رسائلَ تدعُو كلَّ حيٍّ إلى البِلَى
أرى نُسخة للعُمر سوَّدها الصِّبا ... وما بُيِّضتْ بالشَّيْب إلاَّ لتُنْقَلاَ
ونحوه قول الأرَّجَانيّ:
وقد علَتْ غبْرةُ الشَّيبِ الشَّبِيبةَ لي ... فبِتُّ للأجَل الكتوبِ مُكْتَلِياَ
كتابُ عُمْرِي الليالي تّرَّبَتْهُ وما ... أدْنَى المُتَّربَ أن تلْقاهُ مُنْطَوِباَ
وللأَمير العاصِمِيّ، وهو شاعر معاصر للصَّاحب، وإن لم يذكره في) اليتيمة (:
تعجَّبَتْ حين ذَاع شَعْرِي ... من بَعْدِ نَضْوي الخِضابَ حالِي
стр. 81
قالتْ أهذا الذي أراهُ ... غُبارُ طاحونةٍ بَدَا ليِ
فقْلتُ لا تعجبي فهذا ... غُبارُ طاحونةِ اللَّيَاليِ
قلت: لولا مشاكلَةُ الطاحونة السابقة، ودورهُ معها لقبُحَت هذه الاستعارة جدّاً.
وللغَزِّيّ:
مسَحَتْ عارِضِي وما ذاك إلا ... أنها ظنَّتِ المَشِيبَ غُبارَا
وقال العِماد: تشبيهُ الشَّيْب بالغُبار حسن، وكنت أظن أنّي ابتكرتُه في قولي:
ليلُ الشبابِ تَولَّى ... والشَّيْبُ صُبْحٌ تألَّقْ
ما الشَّيْبُ إلا غُبارٌ ... من رَكْضِ عُمْري تعلَّقْ
قال: وشبَّهْتُهُ أيضاً بالتَّتْرِيب، في قولي:
أصدوداً ولم يصُدَّ التَّصابي ... ونِفاراً ولم يَرُعك المَشِيبُ
وكتابُ الشَّبابِ لم يَطْوه الشَّ ... وقُ ولا مسَّ نَقْشَه تَتْرِيبُ
ولمحمد القَيْسَرَانِيّ:
لا تُنكري وَضَحاً لَبِسْتُ قَتِيرَهُ ... رَكْضُ الزَّمانِ أثار هذا الْعِثْيَرَا
وقوله:) كنت أظن أني ابتكرته (عجِبْب منه، مع قول ابن المُعتَزّ:
صدَّتْ شَرِيرُ وأزْمَعَتْ هَجْرِني ... وصغَتْ ضمائرُها إلى الغَدْرِ
قالَت كَبِرْتَ وشِبْتَ قُلت لها ... هذا غُبارُ وقائعِ الدَّهْرِ
стр. 82
وهو مسطور في) ديوانه (وقد تابَعَه عليه كثيرٌ من الشعراء وتطفَّل عليهم العماد، لكنه طُفَيْليٌّ، وقد حذا حَذْوَه في قوله:
إذا كتبَ الشَّبابُ سُطورَ مِسْكٍ ... وأترَبهُنّ كافورُ المَشِيِبِ
فيا أسَفي وما أسفي وحُزْني ... سِوَى طَيِّ الصَّحيفةِ عن قريبِ
على ذكر التَّتْريب، فما أحسن قول الطُّغْرائِيّ في وصف كَتِيبة من قصيدة له:
عليها سُطورُ الضَّرْب تُعْجِمُها القنا ... صحائفُ يغْشاها من النَّقْعِ تَتْرِيبُ
تُرْدِى الكتائبَ كُتْبُه فإذا غَدَتْ ... لم تَدْرِ أنْفَذ أسْطُرً أم عَسْكَرَا
لم يُحسِن الإتْرابَ فوق سُطورِها ... إلا لأن الجيْش يَعْقِد عِثْيراً
ومن إنشاء ابن الأثِير: صَدَر هذا الكتاب والفتْحُ غضٌّ طَرِيّ لم تَنصُلَ حُمرةُ يومِه، ولا أُغمِدتْ سيوف قومِه، فسطورُه تُتْرَب بمُثارِ عَجاجِه، مُمثَّلة بخطِّ ضَربِه، وإعجام زُجاجِه.
وقلتُ مع زيادة حسن التعليل:
стр. 83
جيشٌ كأنَّ الأرضَ من تحتهِ ... صُحْفٌ غَدَت أقلامَهنَّ الرَّماحُ
مذُ سطرَّ الجُنْدُ على وَجْهِها ... ترَّبَها النَّقْعُ فلاح الفلاحُ
وأصل هذا ما رواه جابر، عنه ﷺ ، أنه قال:) إذا كَتَبَ أحَدُكُمْ كِتاباً فَلْيُتْرِبْهُ، فإنَّه أنْجَحُ للْحَاجَةِ (.
رواه أبو داود.
وقد تكلَّم الناسُ فيه، وقيل إنه موضوع.
وفي) النهاية (معناه، لِيَجْعل عليه التراب.
وقال الطِّيبيّ ليُسْقِطْه على التراب، حتى يصير أقرب إلى المقصد، اعتمادا على الله في إيصاله إليه.
وقيل: معناه التَّواضع في خِطابه، والمراد بالتَّتْريب المبالغة في التواضع. انتهى ومما أنشَدنيه:
يا رَبْعُ سَقاكَ كلُّ مُزْنٍ غَادِ ... قد كُنْت محلَّ أُنْسِنا المُعتادِ
هل يلحُظُني الزَّمانُ بالإسْعادِ ... يوماً فنَعُود فيك لِي أعْيادِي
стр. 84
فائدة
قال السُّيُوطي في) شرح السنن (: الإسعادة المُعاوَنة في النِّياحة خاصَّةً، وفي غيرها المساعَدة، أصله من وَضْع السَّاعد على الساعد. انتهى وعلى هذه فالإسعاد هنا ليس مُستَعْمَلا فيما وضعَتْه العرب، وإن صح على أنه مجاز مُرْسَل في مُطلق المُعاونة، لكنَّ الفصحاء يستقْبحون مِثْلَه.
وقد بيَّنَّاه في كتاب قرض الشعر، المُسمَّى) حديقة السحر (فانظُرْه ثَمَّةَ. ومما أنشدَنِيه أيضاً قصيدةٌ في تهنئةٍ بخِتَان، واخترتُ منها قولَه:
أعَلاَّمةَ الوقتِ مَوْلَى الموالِي ... وقُرَّةَ عينِ العُلا والكمالِ
تَبَوَّأْ من المجدِ أعْلى مقامٍ ... وضَعْ نَعْلَ مَسْعاك فوق الهلالِ
فقد أيقْن المجدُ أن المجيء ... بمثْلِك في الدهرِ عينُ المُحالِ
فبُشْرَى لكم بالخِتانِ الذي ... به لبسَ المجدُ ثوبَ الجمالِ
هو الشمعُ إن قُطَّ لا غَزْوَ أن ... أنارتْ به حالِكاتُ اللَّيالِي
وظُفْرٌ بتَقْليِِمِه لا تزالُ ... أكفُّ المكارم منه حوالِ
وتشْمِيرُ ذَيْل لدى الإسْتِباقِ ... لنَيْل الأماني وكسْبِ المعالي
وما لِلْيَراع إذا لم يُقَطَّ ... فضلٌ يُعَدُّ على كلِّ حالِ
стр. 85
ومِن بعد بَرْيِ الغصون أزْدَهَتْ ... عليها أسِنَّةُ سُمْرِ العوالِي
فلا برِحَتْ من مَزاياكُمُ ... بجيِدِ الزَّمانِ عُقودُ الَّلآلىِ
فصل
في معناه للقاضي الفاضل: الحمد لله أطْلَعه بثَنِيَّات الكمال، وبلَّغَه غاياتِ الجمال، ويَسَّره لدرجاتِ الجلال، ونقلَه تَنَقُّلَ الهلال، وشَذَّ تَشْذِيب الأغصان، وهذَّبَه تهْذيبَ الشُّجْعان، وأجرى فيه سُنَّةَ سَنَّ لها الحديدَ فنقَصَه المزِّيادة، واسْتَخْلَصه للسِّيادة، ودَرَّبَه للاصْطِبار، وأدَّبَه للانْتِصار، وألْقَى عنه فَضْلَهً في اطِّراحِها الفضيلَة، وقطَع عنه عَلَقةً حَقُّ مِثْلِها ألا تكون بمثلهِ مَوْصولَة، فلم يزَل التَّقْليم مُنَوَّها بالأغصان، ومُنَبَّها للثَّمر الوَسْنان، ومُبشِّرا بالنَّماء، ومُيسِّرا للنّشو والانْتِشاء.
ولابن فَضْل الله، في خِتان الملك الناصر:
لم يُرَوِّع له الخِتانُ جَناناً ... مُذ أصابَ الحديدُ منه حَدِيدَا
مثلُ ما تُنقَص المصابيحُ بالقَطّ ... فتزْدادُ في الضِّياء وقُودَا
وأصله قول الغَزِّيّ:
تمالَك وُدّي حين قَلّمْتُ رأسَه ... قياساً على الأقْلامِ والشَّمْعِ والظُّفْرِ
стр. 86
ولابن مَطْرُوح:
لقد سَرَتِ البشائرُ والتَّهانِي ... إلى الثَّقَليْن من إنْسٍ وجاَنِ
ويَصغُر كلُّ مْبْتَهِجٍ إذا ما ... نسَبْناهُ إلى هذا الخِتانِ
تَوَدُّ الزُّهَرةُ الزَّهراءُ فيهِ ... لو اتُّخذت له إحدى القيانِ
وأن البَدْرَ طَارٌ في يدَيْها ... وأن مُراسِلَيْها الفَرْقَدانِ
وتسْملِى من الأفْلاكِ لحناً ... فما قدرُ المثالِث والمثاَنِي
وتسْقى بالثُّريَّا فيه كأساً ... ولا أرْضَى لها بِنْت الدِّنانِ
ولكن من رَحِيقٍ سلْسَبيلٍ ... بأيْدِي عْبقرِيَّاتِ حِسانِ
ويصغر خادماً بَهْرامُ فيه ... على ما فيه من بأْسِ الجَنَانِ
فلوْلا أنه فرْضٌ علينا ... لما مُدَّت لخاتِنِه يَدانِ
وقَطُّ الشَّمعِ يُكسِبُه ضِياءً ... وقَطُّ الظُّفْرِ زَيْنٌ للبَنانِ
وللصَّنَوْبَريّ أيضاً:
أرى طُهْراً سُيْثْمِر بعد غَرْسِ ... كما قد تُثْمِر الطَّرَبَ المُدَامةْ
وما قلَمٌ بمُغْنٍ عنك إلا ... إذا ما أُلْقيتْ عَنْه القُلاَمَهْ
قلت:) الطُّهر (بالضم، والطَّهور بالفتح، والتَّطْهير كِنايات عن الخِتان، استعلمها المُحْدَثون، كقولهم للأعور،) ممتع (كما ذكره الثَّعالبِيّ في كتاب) الكناية (، وفي كتابه المُسَمَّى ب) مرآة المروآت (، وغيره.
стр. 87
ومن شعر صاحب الترجمة:
ما كنتُ أحسبُ أن يكو ... نَ كذا تفرُّقُنا سريعاً
قد كنتُ أنتْظِر الوِصا ... لَ فصِرْتُ أنتظرُ الرُّجوعاَ
وله أيضاً:
واللهِ لولا حُصولُ مَعْنًى ... في خاطري منكَ لا يزولُ
ما كان بالعيْشِ لي انْتِفاعٌ ... ولا إلى مَطْلَبٍ وُصولُ
وله:
قد كنتُ أبْكي على مَن مات من سَلَفِي ... وأهلُ وُدِّي جميعاً غيرُ أشْتاَتِ
واليومَ إذ فرَّقتْ بْيني وبينَهمُ ... نَوًى بكيْتُ على أهلِ المَودَّاتِ
فما حياةُ امْريءٍ أضْحَتْ مَدامِعُهُ ... مَقْسومةً بين أحْياءٍ وأمْواتِ
وله:
وَيْلي من المُعْرِض لا قَسْوةً ... لكن لأقْوالِ العِدى والوُشَاةْ
ما لاحَ للعينِ سَنَا وجْهِهِ ... إلاَّ وفيها من رَقيبٍ قَذَاهْ
وله مُضمِّنا:
صَبٌّ على الشَّنَبِ المعْسُولِ ذاب أسًى ... وبات مِن حرِّ نارِ الشَّوقِ في شُعُلِ
كالشَّمع يْبكي ولا يدرِي أعَبْرَتُه ... من صُحْبةِ النَّار أم من فرقَةِ العَسلِ
وكتبْتُ إليه في مرضٍ اعْتراه، فلم أعُدْه لمرضٍ أصابني، فعتَب عليّ، ولم يدْرِ ما عافني عن العيادة: سيِّدي ومولاي يعلم أن القلوبَ، وهي حصون المودَّة لا تُفْتَح عَنْوَة، والدهر لم يُبْقِ للصُّلح موضعاً تتمسَّك منه يدُ الأمل بعُرْوَة:
стр. 88
ووِدادِي كما عرفْتَ وِدادِي ... وفُؤادِي كما عهِدْتَ فُؤادِي
وصاحب البيت أدْرَي بالذي فيه، وأن للبَيْت ربَّا يحْمِيه، وقد عرَض من السِّقَم ما عاق عن العِيادة، وأقعدني عن القيام بأمرها وهي عِبادة، وكيف يصحُّ بدنٌ وروحُه سقيمة، فلذا أنشد لسانُ حال المودَّةِ السَّليمة:
رأيتُ الفضْلَ في الدنيا غريباً ... ضعيفاً في معالِمها نحيفَا
فلما أن سألتُ الدهرَ عنه ... أجاب مُلاحِظاً معنًى لطيفَا
وقال لِيَ ابنُ قاسمٍ المُفدَّى ... وعينُ الفضلِ قد أمْسَى ضعيفَا
فقلتُ له حَمَى الله المعالي ... بصِحَّتِه وآمَنَه المَخُوفَا
وكتبتُ مع ذلك شعرا، عرضتُه عليه، وهو قولي مُضِّمنا:
يزيدُ اشْتياقِي نحوَ مصرَ وأهلِها ... كما زاد مَدُّ النِّيلِ حتَّى تفجَّرَا
أذاب النَّوى صبْرِي وأفْنَى مدامعِي ... فقالوا سَلاَ عن حُبِّنا وتَستَرَا
ولم يَبْقَ لي إلا تَفَكُّرُ نيِلِها ... ولو شئتُ أن أبْكي بكيتُ تَفَكُّرَا
وقولي أيضاً:
إن وَجْدِي بمصرَ وَجْدٌ قديمٌ ... وحنِينِي كما ترَون حِنينِي
لم يزَلْ في خيالِيَ النِّيلُ حتَّى ... زاد عن فِكْرتي ففاضَتْ عيُونِي
وقولي، ناسِجاً على مِنْوال شعر الزَّمَخْشَرِيّ المشهور:
وقائلةٍ ما هذه الأبحرُ التي ... جرَتْ من مآقيهِ ولم تَكُ غائِضَهْ
فقالوا لها أنهارُ مصرَ التي ثَوَتْ ... بخاطرِه أمْسَتْ من العينِ فائِضَهْ
ثم عَنَّ ليّ معنًى آخر، حال الكتابة، وهو:
стр. 89
لحديثِ نيِلِك مصر أُضْحِى مُصغِياً ... حتى يخوضُوا في حديثٍ غَيرِهِ
يا كوثراً إن سُدِّ عنه مَسْمِعي ... تَلْقَاهُ فيه قد جرى بخَرِيرِهِ
فأجاب، أبقاه الله:
أتَتْنِي رُقْعَهٌ من ذِي وَلاءِ ... وَفَي فشَفَي اْمرَأَ دَنِفاً ضعيفَا
أبانَتْ منه مَعذِرةً بسُقْمٍ ... ألمَّ به وصار له حَليفَا
وشاطَرني السَّقامَ ولم يزلْ بي ... على طُولِ المدَى بَرَّا رؤُوفَا
وذاك أبرُّ في سَنَن التَّصافِي ... وأوْقَى من عيادتِه أُلوفَا
تَقِيه السُّوءَ نفسِي فهْوَ مَن لم ... يزلْ يُكْسَي به الفضلُ الشُّفوفَا
شِهابٌ ثاقِبٌ محَتِ الليالي ... بطلْعتِه مِن الدهرِ الصُّروفَا
مولاي، فكْري الكليل عليل، والاسْتِقصاء في مُجاراة سيِّدي ما إليه سبيل، وسلامتُكم غايةُ المسئول، والعذرُ عندكم إن شاء الله تعالى مقبول، والسلام.
وقال جواباً عن كتاب:
ورد الكتابُ مُبشِّراً بقدُومِ مَن ... ملأ النفوسَ مَسرَّةً بقدومِهِ
فطرِبْتُ بالأسجاعِ من مَنْطوقِه ... وثمِلْتُ بالجِرْيال من مَفْهُومِهِ
وسجَدْتُ شكراً عند مورِدِه على ... إسْعاد هذا العبدِ من مخدُومِهِ
стр. 90
وقال أيضاً:
قال لي العاذلون لِمْ مِلْتَ عمَّن ... بمُحيَّاهُ يُخْجِلُ الأقْماراَ
قلتُ كان الفؤادُ عُشَّا له إذ ... كان فَرْخاً وحين رَيَّشَ طاراَ
وقوله، رباعيَّة:
يا جِيرَتنا في حلَبَ الشَّهْباءِ ... من يوم فِراقكُم سُرورِي نَاءِ
قدْ مِتُّ لبُعدِكم غراماً وأسًى ... لَقَدْ غلطاً أُعَدُّ في الأحْياءِ
стр. 91
الأمير أبو بكر الحَلَبِيّ المعروف بابن حلالا .
أميرٌ جيشُه الهِمَم، وبحر تغْترِف منه الدِّيَم تسْكَر من ألفاظِه المُدَام، فإذا ساقَطَ الحديث سَقاطَ الدُّرِّ أسْلَمه النِّظام، أو بَدَأ روضُ أدبه قامَت له الأغْصان في الرِّياض على الأقْدام.
رحِيبُ ساحة الصَّدر، وصَلِيب قَناة الصَّبر، لم يعقِد حَبْوَةَ رأْيه إلا بيدِ الحَزْم، ولم يَحُلَّ الدهرُ ما عقَده إلا برَاحِة العزْم، فلا يأكل الطَّيْشُ حِلْمَه، ولا تحُلُّ يدُ النَّوائبِ حَزْمَه.
أدبُه أرقُّ من دمْع السَّحاب، وأصْفَى من ماء الحُسْن في رياض الشَّباب، إلا أنه اقتصر عليه، وجعل جملةَ متاعِه في يديْه، والأدب روضةٌ ذاتُ أفْنان، لا تزْهو إلا إذا كانت ذاتَ أنْواع وألوان؛ فلذا قلَّ ما رُوِىَ شِعْرُه من ماءِ النَّضارة، واكْتَسى غُصْنُ لفظهِ ورَق الغَضارَة، ولم يحضُرْنِي منه الآن غيرُ قوله:
أيا بَحْراً غدَوْنا من نَدَاه ... نُقدِّمُ بعضَ أنعُمِه لديْهِ
كذاك البحرُ ينشَأُ منه غَيْثٌ ... وبعضُ سحابهِ يُهْدَى إليهِ
стр. 92
وهذا معنىً مشهور، في معناه قول البَدِيع:
أُهْدِي لمجْلِسِك الشريفِ وإنما ... أهْدِي له ما حُزْتُ من نَعْمائِهِ
كالبحرِ يُمْطِرُه السَّحابُ ومالَه ... مَنٌّ عليهِ لأنَّه من مائِهِ
وقد ضمَّنه بعضُهم، ونقله من الجِدّ إلى الهزل، فقال:
يتبادلان فيُنْصِفا ... ن وليس بينَهُما ارْتِيابُ
فيُصِيبُ هذا ماء ذا ... كالبحْرِ يُمْطِرُه السَّحابُ
وقد حضَرني في معناه، ما كتبتُه مع سَمكٍ أهديْتُه:
أهْدَيْتُ حوتاً نحوَ مَن ... فاتَتْ عَزائمُهُ السِّماكْ
فاقْبَلْ بحقِّكَ عُذْرَ مَن ... أهْدَى إلى البحرِ السِّماكْ
ومن الفصول القصار: المُهَدِّد لمن للبحْرِ بالشَّرَق، وللحُوت بالغَرَق.
стр. 93
إبراهيم ومحمد ابنا أحمد الْحَلَبِيّ، المعروف بالمُلا
هما من دَوْحة الكمال غُصْنان، بل رَوْضتان أنبتهما مَرْجان، ولا أقول نَهْرانِ فهما بَحْران، يخرج منهما اللؤلؤ والمَرْجَان، كل منهما جَواد يُفْرِغ الخزائنَ بجُودِه،
стр. 94
فيملأ بالغيظ قلب حَسُودِه، طويل البَاع عذْبُ الموارِد إذا ظمِئت الأسْماع، مُرْهَف فكرِه صَقِيلُ الطَّبْع، وبحرُ كرمِهِ متموِّج بهُووب نسيم ذلك الطبع، رقيقُ حَواشِي المجد، أرَقُّ من عَبَراتٍ أسالها الوَجْدُ، وضَّاحُ المحَيَّا تحمَرُّ خجَلاً منه خدودُ الحُمَيَّا.
صَنَّفا، وألفَّا، ولاَحا كغُصْنَيْ قد بَانَةٍ قد تألَّفا نَشَا في حِجْر الفضل والحسب، وبَسَقا في رَوْض النَّجْدة والأدب، في زمانٍ شَمِت فيه الجهلُ بالفضل، ورَقِيَ صَهْوة عِزِّه كلُّ فَدْم نَذْل.
نَجْمان بأيِّهما اقتدَيْتَ في طُرُق المعاني اهْتدَيْت، فهما في مَغْرس الكرم صِنْوان، وثمراتُهما صِنْوان وغيرُ صِنْوان، ورَوْضا محامِدَ، يُسْقَيان بماءِ واحد.
ووالدهما هُمامٌ ألفَّ وأفاد، وعذُبَتْ مواردُ إفادتِه للوُرَّاد.
له تآليف كثيرة، منها) شرح مغني اللبيب (طَرَّز بتحْريرِه حواشِيَه، ودخل جنَّته من أيِّ باب شاء من أبوابِه الثَّمانِيَة.
فمما أنشدته لمحمد ابنه:
في الليلِ وفي النهار حَرَّى كَبدِي ... مقتولُ ضَنًى بجائرٍ ليس يَدِي
تَرْشِي عيني جواهرُ الدمع على ... لُقْياه تظنُّ أنه طوعُ يَدِي
стр. 95
وهو معنى مُترجَم من الفارسيَّة، ومثله قول صاحبنا محمد القَاسِمِيً:
لُقْياكَ سرورُ قلبِيَ المحزونِ ... والوحشةُ من هَواك لا تَعْدُونيِ
يا وَيْحَ عيوني خَشِيتْ شَقْوتَها ... منى فأتَتْ بدُرِّها تَرْشِينِي
وقريب منه قول ابن الرُّومِيّ:
وهبَتْ له عيني الهُجوعَا ... فأثاَبَها منه الدُّموعَا
وأحسن منه قولُ الأرَّجَانِيّ:
لولا طُروقُ خيالٍ منكَ مُنْتَظَرٌ ... يُلِمُّ بي راقداً ماساءَني سَهَرِي
كأنَّ جَفْنَيِ إكراماً لزائرِهِ ... أمْسَى قدَميْهِ ناثرَ الدُّرَرِ
ولإبراهيم من قصيدة، قَرَّظ بها شعرا ليوسف بن عِمْران:
أطِرْسُكَ هذا أم لُجَيْنٌ مُذَهَّبٌ ... ونظْمُك أم خمرٌ لِهَمِّيَ مُذّهِبُ
وتلك سطورٌ أم عُقودَ جواهرٍ ... وزُهْرُ سماءِ أم هو الروضُ مُخْصِبُ
وتلك معانٍ أم غَوانٍ تُروُقُ لِلْ ... عيونِ وباللَّحْنِ المسامعَ تُطْرِبُ
فيا حبَّذَا هذِي القوافي التي بمَن ... يعارضُها ظُفْرُ المنِيَّةِ يَنْشَبُ
لقد أحكَمَتْها فكرةٌ ألْمعِيَّةٌ ... فكِدْتُ لها من رِقَّةِ النَّظم أشْرَبُ
فمن غَزَلٍ قد هزَّ ذا سَلْوةٍ إلى التَّ ... صابِي فأضْحَى بالغزالِ يُشَبِّبُ
стр. 96
فيا بحرَ فضلٍ فائض بلآلِئٍ ... لها فكرُك الوقَّادُ ما زال يَثْقُبُ
ظنَنْتَ بأنِّي للخطاب مؤهَّلٌ ... فأرسَلْتَه شِعراً لنَظْمِيَ يخطِبُ
فعُذْراً فإن الفكرَ منِّي مُشتَّتٌ ... وعقْلِي بأيْدِي حادثِ الدَّهرِ يُنْهَبُ
وكان العِماد بينه وبين أحمد مودَّة صافية، وفي بعض الأحيان تجري بينهما مُداعَبات وأخْماص، فكتب له مرَّةً وقد رأى ميلَه لمُعَذَّرٍ كان من جملة خُدَّامِه، يسْتَفتِيه في رأيِ أهل المَوْصِل:
ما تقولون يا ذَوِي الأفْضالِ ... وأُولى العِلْمِ والحِجَى والكمالِ
في أُناسٍ يرَوْن في حَلَب الشَّه ... باء رأْىَ الهوى وحُبَّ الجَمالِ
قد تحيَّرْتُ في هواهُم زماناً ... فاكِشفُوا لي عن شُهبْتِي وسُؤاليِ
أيُّ ذَنْبٍ للأمردِ النَّاعِم الخدِّ ... الذي فاق رَبَّةَ الخَلْخَالِ
بمُحيَّا مثل الغزالةِ حُسْناً ... وبطَرْفٍ أزْرَى بلَحْظِ الغزالِ
وبمَصْقُول وَجْنْةٍ قد تسامَتْ ... بصَفاءِ على بديعِ الَّلآلئِ
فلماذا تَعَوَّضُوا عن هَواهُ ... بذقونٍ كأنَّهُنَّ الْمَخَالِي
مِن نتِيفٍ مُحفَّفٍ ذي اعْتلالٍ ... ناقصِ الحُسْن مَصْدرِ الأفْعالِ
أفلا تنظرون مِرآةَ وَجْهٍ ... لاح بَدْراً مُكَمَّلاً بالدَّلالِ
دون ذِي لِحيْةٍ كَسَتْهُ ظلاماً ... خارجاً عن مطالِع الاعْتدالِ
فاكشِفوا شُبْهَتِي فأيَّةُ داعٍ ... لا تِّباعِ الهُدَى وتَرْكِ الضلالِ
стр. 97
لا بَرِحْتُم في نعمةٍ وسرورٍ ... ناجِحي القَصْدِ بالِغي الآمالِ
فأجابه بقوله:
يا إماماً حوَى فُنونَ المعالِي ... وَهُماماً سمَا بُروجَ الكمالِ
وأدبياً أتى بكلِّ بديعٍ ... من نِظامٍ أزْرَى بعِقْدِ الَّلآلِئ
وعلى أصله المكارمُ جادَتْ ... بثَناءِ يفوقُ رِيحَ الغَوالِي
ولَعَمْرِي إن العِمادَ إمامٌ ... فاقَ أقرْانَه بحُسْنِ الخِصالِ
يا له فاضلاً وأحسنَ مَوْلًى ... في صحيح الهوى خَلا عن مثالِ
هذَّبَتْه أيْدِي الليالِي إلى أن ... رَقَّ طَبْعاً ففاق صَفْوَ الزَّلالِ
قد أتى منه لِي لطيفُ سُؤالٍ ... ببديعِ الفُنون أصْبَحَ حَالِي
مَمَّقَتْهُ أيْدِي القريحةِ حتى ... حاز لُطْفاً قد تَمَّ بالاعْتدالِ
جاء في طيِّه بنَشْرٍ ذَكِيّ ٍ ... دَقَّ عن ذَوْقهِ فُهُومُ الرِّجالِ
سائلاً عن معاشِرٍ من بني الحُبِّ ... بشَهبْائِنا رَضُوا بالمُحَالِ
عدَلوا عن هوى صقيلِ المُحَيَّا ... كم بخدَّيْه جالَ ماءُ الجمالِ
وله بَهْجةٌ بوردِيِّ خدٍّ ... ولَحَاظٍ تُروى عن الغَزَّالِ
ناعمُ الوَجْنتيْن معسُولُ ثَغْر ... وَيْحَ قلبي من قَدِّه العَسَّالِ
стр. 98
فلماذا تَعوَّضُوا عن هَواهُ ... بذُقون كأنَّهن الْمَخَالِي
تارةً تَنْتَحُون حُبَّ نتِيفٍ ... ناقصٍ أجْوفِ الحشَا ذي اعْتلالِ
وإذا الأمْردُ الجميلُ المُفدَّى ... لاح لم تقصِدُوا هَواهُ بِحَالِ
وطلبْتُمْ منِّى الجواب وإتِّي الْ ... آن والعهد ليس لي من مَجالِ
كيفَ والفكرُ في خُمولٍ وَهَمٍّ ... والحشَا في تَحَرُّقٍ واشْتِعالِ
غيرَ أني أقول قولاً وجيزا ... وعلى الله في القَبولِ اتِّكالِي
إنَّني مُغْرَمٌ بكلِّ جميلٍ ... حسَنِ الوصْفِ والثَّنا والفِعالِ
أمْرداً كان أو فتىً ذا عِذارٍ ... فاق في الُحسْنِ رَبَّةَ الخَلْخالِ
سَيَّح المِسْكَ وَرْدُ خدَّيْه لمَّا ... خاف أنَّا نُصِيُبه بالنَّبالِ
وتجلَّى من هالةٍ في عِذارٍ ... وَجْهُه البدرُ ذُو البَهَا والجمالِ
ذَا غرامِي ومذهبي واعْتقادِي ... أنه مذهبٌ من القَدِْح خَالِ
إذْ رأيْنا ممَّن تقدَّمَ قوماً ... قد رَقَوْا في العُلا ذُرَى الآمالِ
سَلكوا في هَوى الفريقيْن سِلْماً ... وأتوْا بالبديعِ من كلِّ قَالِ
وطِباعُ الورَى تخالفُ فالنَّا ... زلُ فيهمْ وفيهمُ كلُّ عالِ
стр. 99
ها جَوابي ولستُ أزعَمُ أنِّي ... ذو صوابٍ فارَقْتُ نَهْجَ الضَّلالِ
فعلى الفاضل الأديب مليكِ الْ ... فضلِ مَن جاءنا بهذا السُّؤالِ
العمادِ الإمام نَشْرُ اعْتذارِي ... وقَبُولٌ يُقادُ مِن غيرِ قَالِ
دام في رِفْعَةٍ وأرْغدِ عيشٍ ... ونعيمٍ وبَهجْة واقْتبِالِ
ما انْتَحى المُرْدَ والمُعَذَّرَ صَبٌّ ... عادِمُ الصَّبْرِ واجِدُ البَلْيَالِ
стр. 100
يوسف بن عِمْران الْحَلَبِيّ
أديبٌ نظَم ونَثَر، فأصبح ذكرُه جمالَ الكُتُب والسِّيَر، أكثرَ من الرِّحلة والنُّقْلة، على تَيَقُّظٍ لا تطمع فيه الغَفْلة، ففاضتْ عليه سحائبُ من الثَّناء سَكُوب، مُزْجيها رياحُ الشُّكر مما يسْحَبُه الصِّبا والْجَنُوب، إلا أنه في أواخره داسَتْ ساحتَه النُّوَب، فأحاط به الفقرُ لمَّا أدركَتْه حُرفُة الأدب، فأصبح بعد النَّعيم المقيم بُؤْسُه أبا العَجَب.
لو كان يدْرِي المرءُ ابْنَه ... يُحْرَم بالآدابِ ما أدَّبَهْ
وقد صحبني فرأيتهُ بشِعْره مُعْجَباً طَرُوب، إذا سَنَح له معنًى فكأنه قميصُ يوسفَ في أجْفان يعقوب، فمدَحنِي بعدَّة قصائد، وأهدي إليَّ منها ما هو على آدابِه شاهد، وطلب منِّي يوماً تقريظَ شِعْرِه، فقلتُ بدِيهةٌ:
لَشِعْرُ ذا الحَبْرِ بَحْرٌ في تَموُّجِهِ ... يُهْدِي لأسْماعِنا رَوْحاً وريْحاناً
ذُو منطِقٍ ساحرٍ مُطْرٍ فيَا عَجَباً ... للسِّحرِ يُنْشِئه وهو ابن عِمْرنَا
стр. 101
وكان من خزائن الآداب نَهَّاباً وَهَّاباً بألحانه، وإن رجح على مَن سِواه بأوْزَانِه.
فمن عَذْب خِطابِه، وقلائده المُنتَظِمة في جِيد آدابه، ما أنشَدِنيه من قصيدةٍ له:
أثار بأحْشائي البنَانُ المُطرَّفُ ... رَسِيسَ هوًى يَقْوَى إذا الصَّبرُ يَضْعُفُ
وأرَّقني من حَيِّ سَلْمَى حمائمٌ ... غدَتْ فوق أغصان المعاطِف تهْتِفُ
وثَغْرٌ إذا ما افْتَرَّ يُبْدِي ابْتِسامُهُ ... بُرُوقاً بها أبْصارُنَا تُتخطَّفُ
وخَذٌّ سقَى ماءُ الشَّبابِ رياضَهُ ... بألْحاظِنا منه جَنَى الورْدِ يقْطَفُ
ودينارُ خَدٍّ كاملُ الوزْنِ حُسْنُه ... على حُبِّه رُوحِي النَّفيسةُ تُصْرَفُ
وجسمٌ صفَا حُسْناً يكاد أدِيمُه الْ ... مُنعَّمُ من فَرْطِ الطَّراوةِ يُرْشَفُ
وقوله من أخرى
حَذارِ تَرُومَ الوصْلَ من ساحرِ الْجَفْنِ ... فكم مَشْرِفَيٍّ دونَه سُلَّ من جِفْنِ
وإياكَ من خَطِّيِّ عامل قَدِّهِ ... فكم أتْخَنَ الأحْشاءَ طعْناً على طَعْنِ
ألا أيها الرِّيمُ الذي بات يَرْتَعِي ... حُشاشَةَ نَفْسِ الصَّبِّ لا روْضةَ الْحزْنِ
بخَدَّيْكَ ما في مُهْجتِي من لظاهُما ... بِجسْمِي الْمُعَنَّى ما بخَصْرِكَ من وَهْنِ
ومنها:
لَثَمْتُ له جِيداً طَلاَ الظَّبْيِ دُونَه ... وثَغْراً لَماهُ العذبُ أحْلَى من الْمَنِّ
وألْصَقْتُه بالصَّدرِ عند عِناقهِ ... كما ضَمَّتِ الأحْلامُ جَفْناً إلى جَفْنِ
стр. 102
وهذا كقول القاضي الفاضل:
فيا جَفْنَيَّ فاعْتَنِقا انْطِباقاً ... ويا نَوْمِي قدِمْتَ على السَّلاَمَهْ
وله من أخرى:
كأنَّ زهورَ الرَّوْضِ حين تساقطَتْ ... لتَقْبِيلِ أقدامِ الأحِبَّةِ أفْوَاهُ
وله من أخرى:
رَبيعُ عَدْلٍ به أيَّامُه اعْتدَلَتْ ... فالشَّاةُ والذِّئبُ في أيَّامِه اتَّفَقَا
لا تَخْتَشِي الطيرُ من مُلْقِي الشِّباكِ لها ... ولو إليْها بألْفَىْ مُقْلةٍ رَمَقَا
وفي معناه قولي، من قصيدة:
فديْتُكَ يا مَن بالشَّجاعة يرْتدِي ... وليس لغيْرِ السُّمرِ في الحربِ يَغْرِسُ
فإن عشِقَ الناسُ الْمَهَا وعُيونَها ... من الدَّلِّ في روْض المحاسنِ تنْعَسُ
فدِرْعُك قد ضَمَّتْكَ ضَمَّةَ عاشقٍ ... وصارتْ جميعاً أعْيُناً لك تَحْرُسُ
ومما أنشدنيه أيضاً قوله.
مَا إن عصَبْتُ العينَ بعدهُم سُدًى ... ألاَّ لأمْرٍ طال مِنْه سُهادِي
لمَّا قضَى نوْمِي بأجْفاني أسّى ... لبِستْ عليه العينُ ثَوْبَ حِدادِ
وقد كنتُ لما ذكرَ لِي هذا ذكرتُ له نُتَفاً في معناه، فأعجَبتْه، فمنها:
لا تُنكرِوا رَمَدِي وقد أبْصَرْتُ مَن ... أهْوَى ومَن هو شمسُ حُسْنٍ باهرٍ
فالشمسُ مَهْما إن أطَلْتَ لِنَحْوِها ... نظراً تُؤَثّرُ ضَعْفَ طَرْفِ النَّاظِرِ
ولقد أطلْتُ إلى اْحمرارِ خُدُودِه ... نَظَري فعكْسُ خيالِها في ناظِرِي
стр. 103
ومنها:
رَمدتُ جُفونيِ عندما فارقْتُ مَن ... قد كان كُحْلاَ في نواظِر عَبْدِهِ
وسرَقْتُ حُمرَةَ ناظرِي وسَقامِه ... عند النَّوَى من مُقْلَتَيْهِ وخَدِّهِ
ومنها:
حينَ خُبِّرتُ أن في الطَّرفِ منه ... رمداً زاد في ذُبولِ المحاجِرْ
جئتُ كيْما أزورَ مِن وَجْه بدْرِي ... كَعْبَة الحُسْن تحت سُودِ السَّتائِرْ
ومنها:
ما اْحَمرَّ طَرْفُ العينِ ضَعْفاً ولا ... نَرْجِسُه بُدِّل منه الشَّقِيقْ
لكنَّه من حُمْرةِ الخدِّ قد ... أصبح سَكْراناً فلا يسْفِيقْ
ومنها:
أنْظُر إلى أجْفانِه الرُّمْد ... تُبدِّل النَّرجِسَ بالوَرْدِ
تَحْمرُّ لا مِن عِلَّةٍ إنما ... تأثَّرتْ من حُمْرةِ الخدِّ
ولابن المُعْتَزّ:
قالوا اشْتكَتْ نَرْجِسَتَا طَرْفِه ... قلتُ عَدَاهُ السُّقْمُ ما كانَا
حُمْرَةُ ورْدِ الخدِّ أعْدَتْهُما ... والصِّبْغُ قد ينْفُض أحْيانَا
стр. 104
وكتب ابن الْخِيَمِيّ إلى اليَعْمُوريّ، وهما أرْمَدان، قوله:
أبُثُّكَ يا خليلي أنَّ عيْنِي ... غَدَتْ رَمْداءَ تجْرِي مِثْلَ عَيْنِ
حديثاً أنت تعرفُه يقيناً ... لأنَّك قد رَمِدْتَ وأَنت عَينِي
فأجابه:
كفاك الله ما تشكو وحَيَّا ... محاسنَ مُقْلتَيْكَ بكلِّ زَيْنٍ
وإنِّي من شِفائي في يقينٍ ... لأنَّك قد شُفِيِتَ وأنتَ عَيْنِي
ومما قلتُه أيضا:
أشكُو إليك جُفوناً قد رَمِدْنَ وقد ... فارَقْنَ مَرْآكَ يا مَن فَقْدُه حَيْنِي
والقلبُ مُنقلِبٌ عن راحةٍ وهَناً ... والعينُ مثلُ اسْمِها مُعْتَلَّةُ العَيْنِ
ولنُقْصِر عِنان الاخْتيار، فقد طال، والشيءُ بالشيءِ يُذكَر.
ومما أنشدَه لي أيضاً قوله في بخيل:
بخيلٌ لو بثُومٍ منه جادَتْ ... أناملُه لغالَتْه النَّدَامهْ
ولو في النَّارِ أُلقِيَ ألفَ عامٍ ... لما عُرفَتْ له يوماً سَلامَهْ
ولو صارتْ بسفْرتِه رغيفاً ... ذُكاءُ لما بدَتْ حتَّى القِيِامَةْ
وقوله:
أفْدِى حبيباً تَفُوقُ البدرَ طَلْعتُه ... لأنها لِغريب الحُسْن قد جَمعتْ
حاك الجمالُ عِذاراً فوق وَجْنتِه ... غَزالةُ الصُّبحِ في أشْرَاكِه وقَعَتْ
стр. 105
وأنشدتهُ لنفسي في معناه:
ظنَنْتُ الصَّبا لمَّا على النهرِ قد جرَتْ ... وعكسُ ذُكاءِ لاح فيها لمُرْتَقِبْ
شِباكاً بها صاد النَّسيمُ غزالَةً ... ألسْتَ تراها دائماً فيه تَضْطَربْ
ومما يعجبني هنا قولُ القائل:
غَدَوْتُ مُفَكِّراً في أمْرِ أُفْقِ ... أرانا العِلْمَ من بعد الجَهاَلَه
فما طُوِيتْ له شُبْكُ الدَّرارِي ... إلى أن أظْفَرتْنَا بالغزَالَهْ
وقول الشّهاب محمود في عُقاب: وللمحار:
أنْظُرْ إلى النهر في تَطَرُّدِه ... وَصَفْوِه قد وَشَى على السَّمكِ
توهَّم الريحُ صَفْوَه فغدا ... يَنْسِج فوق الغديرِ كالشَّبكِ
وأحسن منه قولي:
ما الغصنُ مال على الأنْهَار جَعَّدَها ... مَرُّ النسيمِ وألْقَى فوقَها حُبُكَا
بل مَدَّ مِنْه يداً لمَّا رأى سَمَكاً ... من صَفْوِه طرحُوا من فوقه شَبَكَا
стр. 106
سُرور بن سنين الْحَلَبِيّ
شاعرٌ سَمْحُ السَّجِيّة، له أنفاس نَدِية ندِيَّة، كانت نَسَمات المسامرَة تهُبُّ بنفحاتِه وأفْواهُ الأسماع تَحْتَسِي في نادي الأدب سُلافَةَ أبياتِه، ونَوْرُ روضِه يتَبسَّم في الأكْمام، فترى منه ما هو ألذُّ من نظر المعشوق وفي وجه عاشقٍ بابْتِسام، فتُسْتَعذَب في مَذاق الأدب، وتُتَلقَّى بضائعُها من الرُّكبان القادمة من حلَب.
ثم رأيتُه لمَّا ورَد الروم، إلا أنه لم يُطِل مُكْثَه بها لفَقْد ما يَرُوم.
وآفَةُ التِّبْرِ ضَعْفُ مُنتقِدِه
فرجع قائلاً لكلِّ يومٍ غد، ولكل سَبْت أحَد، فلم تر عينُ أمله سُروراً، ولم يُذق كأساً كان مزاجُها كافورَا، ولم يلبِس بُرْدَ العُمْرِ قَشيباً، حتى احتُضِر غُصْناً رَطِيبا:
стр. 107
فمما أنشدني من شعره، قولُه من قصيدة:
وليلٍ هدَتْنا فيه غُرُّ الفَراقِدِ ... لحاجاتِ نَفْسٍ هُنَّ أسْنَى المقاصدِ
وقد صُرِفَتْ زُهْرُ الدَّرارِي دَراهِماً ... تمُدُّ الثُّريَّا نحوَها كَفَّ ناقِدِ
وباتتْ تناجِيني ضمائرُ خاطرِي ... تُقرِّب نَيْلَ المَطْلَبِ المُتباعِدِ
لَحَى اللهُ طَرْفِي مالَه الدهرَ ساهراً ... لمُكْتحِل الأجْفان بالنَّومِ راقِدِ
حبيبٌ كأن البُعْدَ يَهْوَى وِصالَه ... معي فهْو لا يْنفَكُّ فيه مُعانِدِي
أخذتُ الهوى من لَحْظه وابْتسامِه ... بما قالَه الضَّحَّاكُ لي عن مُجاهِدِ
وقول) حبيب (إلخ، كقول أبي الطَّيِّب:
كأنَّ الحُزْنَ مشْغوفٌ بقَلْبِي ... فساعةَ هجْرِها يجِدُ الوِصالاَ
وقول الْمَعَرِّيّ:
لئِن عشقَتْ صَوارِمُهُ الهوَادِي ... فلا تَعدمْ بما تَهْوَى اتِّصالاَ
وفي معناه ما قلتُه:
لك اللهُ مِن دمعٍ كشَمْلٍ مُبدَّدٍ ... وطَرْفٍ بِنَعْسانِ الجفونِ مُسهَّدِ
لئن عشَق التَّسْهيدُ أجْفانَ مُقْلَتِي ... لِهَجْرِك فْليَنْعَمْ بوَصْلٍ مُخلَّدِ
ومن تَقْريظٍ له على شعر ابن عِمْران:
حَملْتَ إلينا يا ابن عِمْرانِ روْضةً ... من النَّظم يسْقيها الحِجَى صَوْبَ وَكْفِهِ
стр. 108
خِميلةَ شِعْرٍ يزْدرِي البدْرَ نَوْرُها ... وينْأَى عن الشِّعْرَى العَبورِ بعِطْفِهِ
كأنَّ غُصوناً أُودِعتْ في سُطورِها ... لها ثمرٌ يلْتَذُّ سمعي بقَطْفِهِ
إذا ما مشَى ليلُ المِداد بطِرْسِهاَ ... نهاراً زهَتْ فيه كواكبُ وَصْفِهِ
فكانتْ كما زارَتْ مُعطَّرةَ اللَّمَى ... مُبِّردةً من حرِّ قلبي وَلَهْفِهِ
ووَافَى إلى الصَّبِّ الكَئِيب شُوَيْدِنٌ ... لوَجْرةَ أحْوى فاحمُ الشَّعْرِ وَحْفِهِ
فأحْبِبْ به عَبْلَ الرَّوادِف خَضْرُه ... يجوعُ إذا غَصّ الإزارُ برِدْفِه
стр. 109
حُسَين بن أحمد الْجَزَرَيّ الْحَلبِيّ
أديبٌ له أوصافٌ حُسْنَى، ومناقبُ هُنَّ الوَشْيُ بهجةً وحُسْناً، إذا أصغت له أذنُ أديب، حلَّت منه بوادٍ خَصِيب.
سِحْرٌ من اللفظِ لو دارَتْ سُلافَتُه ... على الزَّمانِ تمشَّى مِشْيَةَ الثَّمِل
رأيتُه بالروم، وهو شاب يجرُّ رداءَى شبابٍ وآداب، وهِلالُه مُشرِق في أُفُق نَمائِه، وغُرَّة صُبْحِه تُؤذِن بوجْهِ ذُكاءِ ذَكائِه، وقد سلك إلى المجد طريقا غير مَطرُوقة، بهمَّةٍ غيرِ هِمَّة، وخَليقةٍ، وللدهر فيه عِداتٌ يُرْجَى إنْجازُها، وحُلَل منشورة سيلوح طِرازُها، فلم ينْبسِط بُرْدُها حتى انْطوَى، ولم يُورِق قضِيبُه الرَّطيبُ حتى ذوَى، والدهر يقول، والنَّجمُ في مَطلَع العُمْرِ هوَى:
أبْكِي إِناءَ شَبيبَةٍ ... في وقتِ ما امْتَلأَ انْكَفَا
стр. 110
فمما أنشدني في صديقِه سرور، السَّابق ذِكْرُه:
وحقِّك ما تركتُكَ عن مَلالٍ ... وبُغْضٍ أيها المولى الأميرُ
ولكِن مُذ ألِفْتُ الحُزْنَ قِدْماً ... أنِفْتُ مَواضِعاً فيها سُرورُ
وهذا من قول المُتَنَبيّ:
خُلِقْتُ ألوفاً لو يُعاوِدْني الصِّبا ... لفارَقْتُ شَيْبي مُوجَعَ القلْبِ باكياَ
ومنه أخذ البَهاء زُهير قولَه:
وأَلوفاً فلو أفارِقُ بُؤسَي ... لتَوالَتْ لفَقْدِها حَسَراتِي
وقد أجاد القائل في مُتابَعتِه:
ألِفتُ الضَّنى من بَعْدكم فلو أنَّهُ ... يزولُ إذا عُدْتُمْ حَنَنْتُ إليهِ
وصار البُكا لي عادةً فلَوَ أنَّهُ ... تغيَّبَ عن عْينِي بكَيْتُ عليهِ
ومما قلتُ في المعنى:
مْذ هجَرْتُم هجَر الطَّيْفُ وَلِي ... ناظِرٌ لم يَدْرِ ما طَعْمُ الوَسَنْ
في هواكُمْ ألِفَ الحُزْنَ فلَو ... لم يجِدْهُ مات من فَرْطِ الحَزَنْ
وله) ديوان (بليغ، طالعتُه فاخترتُ منه قولَه، من قصيدة:
أعْطى سَرائِرَك النُّحولُ اللُّوَّمَا ... والحُبُّ ليس بمُمْكِنٍ أن يُكتَمَا
следующие страницы →