Полный текст (456 стр.). Показаны 421–456 · переход к 426.
стр. 421
أحمد المدَنىّ، المعروف باليُتَيْم، مصغَّرا
دُرٌ في حِقاقِ الدهر يَتيم، ودَوْحُة أدبٍ هزّها مُرورُ النسيم.
بعْذبِ طبعٍ مُسَلْسل، وبُرْدِ فصاحة على الشَّعر مُهلْهَل إذا نَسَج حُللَه على مِنْوالها فهو من الطراز الأول.
فهو تَوْءم نسيم السَّحر، وشقيقُ الماء والزَّهر.
وربيب الحسن سقاه ماء الصبا، وخدن الخمائل قدم عليها رسول الصبا.
مع خلاعةٍ ومجُون، وحديث صَبابة كلها شجُون.
في فتيةٍ ينْظِمهُم الطَّرَب، نظْماً يرْقُص له الَحَبب:
لا يُجْمِعون على غير الحرام إذا ... تجمَّعُوا كحَبابِ الرَّاحِ وانْتظمُوا
فمن دُرَّه اليتيم، وعِقْد النَّظيم:
للهِ مُحْكم قهوةٍ تُجْلى لنا ... في أبْيضِ الصّينيّ طاب شَرابُها
فكأنما هي مُقْلةٌ مكْحولةٌ ... ودُخانُها مِن فوقها أهْدَابُهاَ
ونحوه ما قلتهُ:
زرتُ روضَ الحمى الأريض سُحيْراً ... إذْ دعاني إليه سَجْعُ الطيورِ
وكأن الشَّقيقَ تحت ضَبابٍ ... مِجمْرٌ فوقه بُخارُ البَخُورِ
وقد مرَّ قريبا نحوُه
стр. 422
سراج الدين بن عمر الأشْهل المدَنيّ
سراجٌ وهَّاجٌ أشرقتْ منه أنوارُ الفصاحة، وانْجلتْ أبكارُ أفكارِه في حُللَ الملاحة.
حديقُة سِحْر، وحُقةُ شِحْر تَقْطُر منه مِياهُ اللُّطْفِ الجارية، وتجْرِى برِقَّة الحجاز وظَرْف العِراق وجَزالة البادية.
ولم يزلْ مقيما بجوار الرَّسول عليه أشرفُ تحية، حتى أطفأ سِراجَه صَرْصرُ المَّنية.
فمن شعره قوله:
أرسلتُ رُسْلي لقْهوةٍ سَحَراً ... فما أتَوْا سُرْعةً من الكسَلِ
فقيل صِفْها فقلتُ مُقتبِساً ... جاءتْ على فْترةٍ من الرُّسلِ
وله أيضا:
ما الحالُ قالوا صِفْ لنا ... فلعلَّ ما بِكَ أن يُزَاحُ
فأجبتُ ما يَخْفاكُمُ ... حالُ السّراجِ مع الرياحْ
وقد سبقَه لمثْلهفي كثير من شعرِه السراجُ والورّاقُ فمن محاسنه قوله:
يُبنىَّ اقْتَدى بالكتابِ العزيزِ ... فزدتُ سُروراً وزاد ابْتِهاجَا
стр. 423
فما قال لي أفّ في عُمْرِه ... لِكَوْني أباً ولكَوْني سِراجاَ
وله أيضاً:
إلهي قد جاوزتُ سَبْعينَ حِجة ... فشُكراً لنَعْماك التي ليس تُكَفرُ
وعمَّرتُ في الإسلام فازْدَدتُ بهَجة ... ونُوراً كذا يبدُو السّراج المُعَمّرُ
وعمَ نورُ الشْيبِ رأسِي فسرَّنيِ ... وما ساءني أن السّراجَ مُنَوَّرُ
وللسّراج الورَّاق أيضا:
كم قطع الجودُ من لسانِ ... قلَّد من نْظمِه النُّحورَا
فها أنا شاعرٌ سِراجُ ... فاقْطَعْ لِسانيِ أزِدْكَ نُورَا
وللشعراء المتأخرين كثيرُ أشعارٍ، تتعلق بأسمائهم، وقد نحوتُ نحوَهم لّما قلتُ:
قالوا نَراك سقطْتَ من رُتَبِ ... أترى الزَّمانَ بمثْلِ ذا غَلطِاَ
قلتُ الشَّياطينُ الّلئامُ عَلَوْا ... ولذا الشّهاب مِن العُلا سقَطَا
стр. 424
، ٦٨
عبد الرحمن، وعلى ابنا كثير المكّيَّان
أديبان هما في وجهِ الكمال غُرة، وجَوادان سماءُ كرَمِهما للعافِين ثَرَّة.
أمْتَطيا ظهْرَ المجد، ونزلا بطْنَ تِهامةَ وظْهر نَجْد.
بهِمة إذا غزَتْها النَّوائب، كانت عن حَدّ المُرْهفَات نوائِب الْتجافي الدولة الَحَسنِية إلى طِراز الدُّول، وأوَيا لها حيث لا عاصِمَ من طُوفان الخُطوب غلا ذلك الجَبل.
فأصبحتْ يدُ الجود لأسْباب الغَنى رابِطة، ونُظمتْ عقودُ الكرَم في جيِد أملِهما بلا وَاسطِة، ففي تلك الأكُفّ بِحارٌ تَغْرَق فيها الآمال، ويرشَح من عرَقِ الخجلِ لها جَبينُ السَّحاب الهَطَّال.
من كل مَن مسَحَتْ راحةُ إحسانهِ، قذَى الفقرِ عَيْن زمانِه.
فنادى لسانُ العياَن، قد وضَح الصُّبح لمن له عَينْان.
فمما أنشد لعبد الرحمن قوله:
كبارُ زمانِنا أضْحَوْا صغاراً ... وقد غضِب الزمانُ على الكبارِ
كأنَّ زمانَنا من قوم لوُطٍ ... له وَلَعٌ بتقْديمِ الصّغارِ
стр. 425
وفي معناه قول المِعْمار:
أبْرى مُغرًى بالّلواطِ الذي ... يقبحُ لا سِيمَّا على مثْلِهْ
أوقَفَ لا تسَلْ ما جَرى ... وصرتُ خلْفَ الناسِ من أجْلهِ
وقلت:
وزمانٌ فيه الصَّغيرُ يُقدّمْ ... أتُراهُ لذلك الذَّنْبِ ينْدَمْ
لعَن اللهُ قومَ لوُطٍ فهُمْ قدْ ... علموهُ التقْديمَ حتَّى تقَّدمْ
وقلت أيضا، وهو أحسن مما تقدَّم:
أقول لهذا الدَّهْرِ عَتْباً على م لا ... تُقدمُ مَن قد قدَّمَتْهُ الورَى حقا
فهمَّ بتْقديمِ المُقدَّم تَوْبة ... فكان الذي قد رامَ تقْديمه عِلقْاَ
ومما أنشدته لعلىّ بن كَثير قوله:
صحِبتُ الأنامَ فألفْيتُهمْ ... وكلٌ يميل إلى شَهْوتِهْ
وكلٌّ يُريدُ رِضى نفْسِه ... ويجلِبُ ناراً إلى بُرْمَتهْ
فاللهَّ دَرُّ فَتى عارفٍ ... يُدَارِى الزمانَ على فِطنتِهْ
يُجازِى الصَّديقَ بإحْسانِه ... ويُبقْى العدوَّ إلى قُدْرتِهْ
ويلبَسُ للدهرِ أثْوابَهُ ... ويرقصُ للقرْد في دَوْلتِهْ
وقوله:) يجلب ناراً إلى بُرْمتَه (البرمة: قِدر من حجارة، بلُغة أهل مكَّة.
стр. 426
هذا المثل كقولهم في مثل آخر:) كلٌّ يحطِب في حْبلِه، ويجر النارَ لقُرْصه (أي رغيفه.
وما أحسن قوله أيضا:
ويوم قَر زاد أرْياحُه ... يخْمشُ الأبْدانَ من قَرْصِهاَ
يومٌ توَدُ الشمسُ من بَرْدِهِ ... لو جرَّت النارَ إلى قُرْصِهاَ
وفي معنى قوله:) ويرقص للقرد (ألخ، قولُ الأهْوازِى
قُلْ لمن لامَ لا تلُمْنِي ... كلُّ امْرِئ عالمٌ بشَأنِهْ
لا ذنْبَ فيما فعلتُ أني ... رقصْتُ للقرْدِ في زمانِهْ
من كرَمِ النفسِ أن ترَاها ... تحْتمِل الذُّل في أوَانِهْ
ولأبي تمامَّ:
لا بُدَّ يا نفسُ مِن سُجودٍ ... في زَمنِ القِرْدِ للقُرودِ
وتقدم الصغار داره قديم، مَّمن ابْتُلىَ به الثَّعالبي، وقد اشْتكاه بقوله: في قصيدة له:
لكَ الدُّنيا وما فيها بِلادٌ ... تُلاحِظُها بَعْينيْك احْتِقارَا
تكَبَّر ذا الزَّمانُ على بنيِه ... فعِشْ حتى تُعّلمَه الصَّغارَا
وصار صِغارُهمْ فيه كِباراً ... فدُمْ حتى تَردَّهُمُ صِغارَا
خدمْتُ لك الملوكَ أرُوضُ نْفسِي ... لآمنَ تحت خِدْمِتك العَثارَا
ولو كانتْ لنا الدُّنيا جعلناَ ... لك الدُّنْيا وما فيها نِثارَا
стр. 427
محمد بن أبي الخْيْر ابن العلامة حَجَر الهيَتْمي
المَكّىُّ منشأ وموطنا بليغٌ عَذْب البَيان، نجيبٌ البَنان، طويلُ النّجاد وسيف اللّسان.
رأيته وأنا بالحِجاز، وليس بينه وبين الكمال حِجاز.
وأنشدني له شعراً من خَيْر الأمُور، وقد يقع ما يجلُو طَيْفَ السُّرور.
إلا أنَّ أكثره في الأهاجِي، ومنه ما هو المُعَمَّياتِ والأحَاجي.
فممّا أنشدني له قوله:
يا ذَا الذي مِن خالِه حَبَّةٌ ... سَوْداء في الخدَّ الشّديدِ الصَّفا
دَعْني أقَبّلْها تُزيلُ الضّنى ... فالَحبَّةُ السّوداءُ فيها الشّفا
وله في مليح اسمه على:
لِعَلىّ محاسِنٌ ... ما لها قَطُ مُشْبهُ
وبِشاماتِ خدّه ... كرَم اللهُ وَجْهَهُ
والدعاء ب) كرَّم الله وجهه (مخًتصٌ بالإمام عليّ بن أبي طالب، ﵁ في لِسان الناس؛ لأنه أسَلم صِبيا ولم يسجُد لغير الله، وقد روَى الشّيعة فيه أثراً، وهو أن أمّه، ﵁، وهي حامل به، كانت إذا جاءت لصّنم أحسَّت بتحْويل وجهِه عنه في بطنها.
ولم نَرَ فيه نْقلا لغيرهم. انتهى.
стр. 428
العلامة شِهاب الدين أحمد بن حَجَر الَيْتَمي
نزيلُ مكَّة، شرَّفها الله علامة الدَّهر خصوصا الحِجاز، فإذا نُشِرت حُلَل الفضل فهو طِراز الطّراز.
فكم حجَّت وفودُ الفُضلاء لكَعْبته، وتوجَّهتْ وُجوُه الطَّلب إلى قِبْلته.
إن حّدث عن الفقْهِ والحديث، لم تتَقرَّط الآذانُ بمثل أخباره في القديم والحديث.
فهو العَلْياء والسَّنَد، ومن تَفُكُّ سِهامٌ أفكارِه الزَّرَد.
تآليفُه غُرَرٌ مُنيرات، أضاءتْ في وُجوه دُهمِ المشكلات.
) فكم أغْنى بُتحَف أفكارِه ... مُحتْاجا، وأوضح للإرشاد مِنْهاجا (
стр. 429
وكفَّ المُبتدِعة) بالصَّواعِقِ (و) الزَّواجر (وفاق بأقوالهِ المعتَمدة الأولَ والآخِر.
وَلُود اللَّيالي عن مثلِه عَقيم، ودِرْياق نَفثات طبعِه السَّليم شِفاء كلّ سَقيم.
نُشِرتْ على الدنيا خِلَعُ الفرَح، وتزيَّنتْ ببديع صفاتِه المِدَح.
أقلامُ فَتاواه مفاتيحُ ما أرْتج من المسائل المُشْكلة، والعلمُ بابٌ مُقْفلٌ مفتاحهُ المسألة.
وهو مِن أجلّ مشايخِ والدي، الذي ورِثْتُ من علِمه طَرِيفي والدِي.
رحمه الله تعالى.
стр. 430
علامة الدين بن عبد الباقي
صاحب كتاب) الطّراز المنقوش، في محاسِن الحبوش (.
رأيتُه فرأيت منه عَذْبَ بيانٍ بديع، في صورة أديبٍ خليع.
ورأيت كتابَه هذا وهو في وجْه أدبِه شامَة، وعَيْناً في مُحيا عمرِه نظَر به الدهرَ وشامَه.
وله ربيعُ أدبٍ ورَيق، وسُلافة خَلاعةٍ نَقْلُها قُبَلٌ وَرِيق.
وأنشدني من شعره، طرَفاً لم يتعطَّر كتابي بنَشْره.
وكتاب ابن الجَوْزي في معناه، فاح من مِسْك مِدادِه عَرْفُ طِيبِه وشَذاه:
مُصَّورٌ مِن حَدَقِ الحِسانِ ... مُركَّبُ من مُلَحِ الخِيلانِ
كأنَّه في ناظرِ الزَّمانِ ... إنسانُ عينِ الحسنِ والإحسانِ
стр. 431
القاضي حسين المالِكيّ المَكّيّ
سماء سحائبِ الكرَم، وصائدُ قَنَص المعالِى في حِمَى الَحرمَ.
إذا نُشِرتْ صحفُ نَداه طُوِىَ ذكْرُ حاتمِ طَىّ، أو رُفعتْ راياتُ عُلاه فليس غير السُّوددِ فَىّ أو ذُكِر الكرامُ فهم له خدامَ، أو أيْنعت رياضٌ مُحَبرَّة دراتْ انهارُ جودِه حولَها خدام.
ذو هِمَّة نظَمتْ راحتُها عِقْد الكرام، وبدَّدتْ ما تجَّمعَ من خُطوب الأيام.
بطبعٍ ألذَّ من محادثةِ الحبيب، وأعذبَ من مُفاكِهةِ الصديق الأريب.
وغُرَّةِ أشهرَ من مَثل، وعن الملوك فلا تسَل.
شريفُ النسَّب، سَرِى الحسَب.
إذا أخصَبتْ بماء النَّدى عذَباتُه الخُضْر، أجدبَتْ ساحتُه من الحُمْرِ والصُّفْر.
إن قال يا عَنْبرُ جاء الشذا ... أو قال يا ياقوتُ جاء الذَّهبْ
يُشرِقُ نورُ النُّبوَّة من بارِق أسرَّته، وتطلع بدورُ الهدى من هالِة أسرَّته.
ثم لم تزل السُّعود في خِدْمتِه قائمة، وعيونُ النوائبِ عن معاليِه نائِمة.
стр. 432
راقياً من مطالِع الكمال أوْجَها، بمُحَيا يفيضُ سَناً من بُدور اليتّمّ أوْجَهَا.
إلى أن تولَّى قضاءَ طَيْبَة الطَّيّبة وأمستْ خِيامُ سَعْدِه على هامِ الفَلك مُطنّبة.
فبّدا مِحَاقُ بدرِه، وخُتيِمتْ بيد القضاء صُحفُ عُمْرِه.
ويقال: إنه هَّبتْ عليه شَعوبُ بعواصفِ السَّموم، وجرَّعه ساقي أجلِه كأسَ السُّموم.
وكان في شَرْخ شبيبتِه، وإقْبال رايةِ طليعتهِ، في خُمول يُرى الدهَر الصَّبرَ كيف يكون، ويعزُّ والخُطوب عليه تَهوُن.
هَممُ الفتى في الأرضِ أغْصانُ الغِنىَ ... أبداً وليستْ كلَّ حينٍ توُرقُ
стр. 433
العلامة عليُّ بن جَار الله المَكّىّ
الحَنفّي الخطيب مفتى الحرمين الشَّريفْين
خطيبٌ مِصْقَع، لفظُه بالفصاحِة مُوشى مُوشَّع.
إذا انْحدَر من تَلْعته ماء بلاغتِه، وسال ببَطْحاء أمّ القُرَى سَلْساَل براعتِه، شهد بفضْله الناسُ من فاجر وبَرّ، وكاد يخْصُّر تحته أعوادُ كل مِنْبر.
فتهْتزُّ أعواد المنابرِ أسِمه ... فهل ذكرَتْ أيْامَها وهْيَ أغْصانُ
فعطر المحافلِ طيِباَ، فلا ندرِي أضمَّخ طيباً أم ضمَّ خطِيباً.
رأيتهُ وقد طعَن في السّنّ وليس له غير العصَاقَناَ، وقج رَقَى شرَفَ السَّبعين وهي سُلَّم الفَنَا.
وهو ينشرُ في نادِيه حِبَرَ الأثِيث، وتُرفَع له الفَتاوَى في عصْرِه وأسانيُد الحديث.
وردْتُ مَنْهَلَ إفادتهِ رائقِاً، وأخذتُ من إجازاتِه ما صرْتُ به على الأقْرانِ فائِقاَ.
وهو في مذهب النُّعمان لِشيْخنا المَقْدِسي شَقيِق، وأمُّ القُرَى لم تلدْ مثَله من نجيبٍ عريق.
стр. 434
علي الكيزواني المغربي
نزيل مكَّة المشرَّفة صُوفيٌّ أقام بمكَّة لابساً بُردَ التقى، حتى أحرمَ وتجرَّد من لِباس البَقَا.
وله شعر على طريقة أرْباب الحقيقة.
كقوله:
رقَّ الشرابُ ورَقَّتِ الكاساتُ ... ونشابَها فأضاءتِ المِشْكاةُ
اشرَبْ هينِاً إن فهْمتَ حديَثنا ... أنتَ الكليُم وذاتُك المِيِقاتُ
وهو كقول الصّاحب ابن عّباد:
رَقَّ الزجاجُ وراقتِ الخمرُ ... ونشابَها فتشا كلَ الأمْرُ
فكأنَّما خمرٌ ولا قدحٌ ... وكأنَّما قدَحٌ ولا خَمْرُ
стр. 435
معين الدين بن البكَّاء
نزيل مكَّة المكرَّمة المُعظَّمة، شرَفها الله نديمٌ دَمِث الأخْلاق، مُتوشّحٌ ببرُودٍ لُطْفُ حواشِيها رقاق.
فهو للأدباء صَدرْر، ونادِيه واسعُ الصّدر.
نبتَتْ دوحُته في رياض الحسَب، فاجْتَنى منها زَهرةَ الحياة وفواكهَ الأدَب.
وله من طِيب الأنْفاس، ما تسكَر منه الحُميّا والْكَاس، ممّا هو أحْلَى ثمراتِ الأمانِي غِبّ مَرارةِ اليَاس.
وهو ممَّن ساجلْتهُ وأنا للأدبِ مُمْتاح ونادَمْتُه والعمرُ مُورِقٌ بالمسَرَّة مُثْمرٌ بالنَّجاح.
لياليَ أعطيْتُ البَطالةَ مِقْوَدِي ... تَمُرّ اللّيالي والشهورُ ولا أدْرِي
стр. 436
وكان بعد ما وقع له بالرُّوم هاجَر لبني حسن، وأقام في ظِلَّهم بمكة مُؤتلفِاً بهم ائتْلافَ المُقْلة بالوَسنَ.
فأينعتْ زَهْرته بعد الذُّبول، وسقاه صَيبُ كرمِهمْ وهّبتْ له نسماتُ القبول.
فلما تُوُفَّى السيدُ مسعود، تبدَّل بالنَّحسْ السُّعود.
فجدَّد ديباجَته وارْتحل، عملا بقولهم: إذا نَبَا بك منْزلٌ فتحوَّل.
ولأمْرٍ ما ثَنى القِرْنُ عطفْهَ، وجدَع قَصيرٌ أنْفَه.
وكانت أيامُه غَضَّةْ نَضِرة، تكاد في عصْرِه تقطُر منها مياهُ المسرَّة.
وكان في جَمْع المعارف والنّوادر ممَّن لم يرَ الدهرُ نَظيرَه، ولم يطِنَّ على سمعهِ حديثٌ كأحاديثِه النَّضيرة.
فهو ذُكاء الفلك، وهو بشَرٌ بل مَلَك.
فمما ترشَّح من قَطراتِه، وجرى في المسامع من عذْبِ كلماتِه، قوله
يا شقيقَ الروح والجسم ويا ... دَوْحةً بالودّ فضْلاً أثْمَرتْ
بحياةِ الوُد إلا صُنْتهَ ... لِمُحبٍ روحُه قد سُعِّرتْ
كنتُ ل أخْشى حسوداً لا ولا ... عينَ واشٍ إنْ بسُوءِ نظرَتْ
وأرى الوُدّ وهَى بُنْيانهُ ... ما كأنَّ العينَ إلا أثَّرتْ
стр. 437
ومن شعره تذْييل لبيت القاضي الفاضل:
تراءتْ ومرآةُ السماء صَقِيلةٌ ... فأثَّر فيها وجهُها صورةَ البدرِ
ولاحتْ عليها حَلْيُها وعُقودُها ... فأثّر فيها صورةَ الأنْجم الزُّهرِ
وله أيضاً:
حاذِرْ زُويلةَ أن تمرَّ ببابها ... وطعامَها كُنْ آيسا من خْيرِه
فمُوسّط القْتلى يقول بها انظُروا ... مَن لم يُمتْ بالسيفِ مات بغْيرِه
وهو تضمين لقول ابن نُباته السَّعْدي، من قصيدة:
ومَن لم يُمتْ بالسيف مات بغيرهِ ... تعدّدتِ الأسبابُ والداءُ وأحدُ
ومن شعره قوله في تقسيم الأيام:
الدهرُ أربعةٌ أيامُهُ انحصَرتْ ... صَحْوةٌ وغَيمٌ ورِيحٌ ثم أمطارُ
فالصحوُ ظَرْف لإصْلاح المآرِبِ إذْ ... تُقْضَى من الصَّيد يومَ الغيمِ أوْطارُ
ويومُ ريحٍ لنَوْمٍ لا حَراك به ... ويومُ هَطْلِ السَّما للكأسِ مِدْرارُ
واليومَ قد نُثرتْ دُرَّا سحائُبه ... على بِساطِ رُباً يكْسوهْ أزْهارُ
فبادرِ الكأسَ يا بدرَ الزمان فمِنْ ... ضيِاء وجْهِك لا في الأفْقِ أقمارُ
стр. 438
العلاَّمة عبد الرحمن الخِيارِيّ
نزيل المدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام فاضلٌ إذا جُمِعت الفضائلُ فهو مُنتهَى الجُموع، وكاملٌ كمالُه كثَمرَ الجنَّة غير مقطوع ولا ممَنْوع.
لَّما رأى الوقتَ سيفاً لا يقطَعُ إلاّ الأعمار، وأن المرءَ قبل فَوْتِ الفرصة على أيامِه بالخيار، لم يَمْضِ له وقتٌ في غير العبادة، ولا ساعةٌ في غير الاستفادة والإفادة.
بوجهٍ أبْلجَ وضَّاح، يلوح من رُتّه نورُ السَّداد والصَّلاح.
كأنَّ اللهَ جمع له المناقبَ فاختار منها وانْتَقى، ورأى أن أحْسنها وأكرمها التُّقَى.
وآثارُ أقلامه يحسدها الحورُ واللّمَا، ويعرق خجلاً منها خدُّ الروْض بالنَّدى.
أبْدى صنيعُك تْقصيرَ الزمانِ ففي ... خدَّ الربيعِ طلوعُ الوردِ من خجلِ
وكان في زمن الطَّلب، ومنافسة إخواني أولى الأدب، صديقَ روحي وشقيقَها، وريحان مسرتي وشقيقها.
стр. 439
وعودُ الزمان خَضْرٌ ورِيق، ووجهُ بِشْره بسّامٌ طَليق.
ولما رأى أن اللهَ أوصى بالجار، رحل لطيَبْةَ الطّيبة وسكن في جِوار النبيّ المختار.
فدخل رَوْضةً من ريِاض الجنة في حياتِه، وإذا أنعم اللهُ على عبدٍ حَباه بِنعْمةٍ لا يسُلبها منه بعد مماتِه:
يا نسيماً من نحو طَيْبةَ سارِى ... مُهْدياً عِطْرَ نَدّها والعَرارِ
مُزْرِياً نَشُره بعْنبرِ شِحْرٍ ... في حشا جَوْنَةِ الفتَى العطَّارِ
خُذْ فؤادي فذاك مَجْمَرُ شوْقٍ ... وغرامٌ بُمضْمَر الوجْد وارِى
موُقداً فيه عنْبراً من مديحي ... لحبيبِ المُهيْمن المُختارِ
لمقامٍ بمُقْتضاه بليغٍ ... لا يُوفّى بلاغة الأسْرارِ
وفصيحٍ فصاحةُ اللفْظِ فيه ... زاد حُسْناً بكَثْرةِ التَّكْرارِ
ولمَن في ذُراهُ مِن كلّ جارٍ ... حاز حِفْظاً لعَيشْه بالجِوارِ
فهمُ خَزْرجِي وأوْسِى وإن لم ... يُسعِفِ الدهُر بالمُنَى أنْصارِي
стр. 440
سِمَّا صِنْوِىَ الشقيقُ لروحِي ... وهْوَ عبد الرحمن حامي الذّمارِ
قد تملىَّ برَوْضةٍ حاز فيها ... مُثْمِرَ السَّعدِ مُزهرَ الأنْوارِ
باع دنيا دنَتْ بأخرى تسامَتْ ... فغدا في مَبِيعه بالخِيار
فعساه يُمن لي بدعاءٍ ... مُستجابٍ في ليلهِ والنهارِ
ليحوز الشّهابُ أعظمَ سُؤالٍ ... وأمانٍ من مطْلعَ الأنْوارِ
ما ارْتدَى الليلُ من برُود الدَّياجي ... حُلَّة طُرزتْ من الأسْحارِ
فأجاب سقى الله ثراه:
بعدَ إهْدا أسْنَى السلام السَّارِي ... من رُبا طَيْبةٍ أجلّ الدّيارِ
فائقاً طيِبةُ شذا كلَّ مسكٍ ... فاتقاً نُورهُ دُجَى الأسحارِ
لحبيبٍ في الله خلِ وفىٍ ... طيَّبِ الأصل ذي الثَّناء السارِي
أحمدُ الفعلِ والشّهابُ المُرجَّى ... كاشفُ المشكلاتِ كنزُ الفَخارِ
دام في نعمةٍ وعزّ ولُطفٍ ... من إله الورى الكريمِ البارِي
محُيِياً سُنةَ الأُلى سبقوه ... باتّباع الأُلَى وحسنِ الوقارِ
وصلاةٌ مع السَّلامِ دَواماً ... للنبيّ المُمجَّد المختارِ
ولآلٍ وصَحْبِه ما اضْمحلَّتْ ... ظُلَمُ الظلم باجْتِلا الأنْوارِ
стр. 441
فإني أحمَد الله تعالى وأصلَّي وأسلم، على نبيّه ﷺ .
وأعرض كثرةَ الأشواق، وتزايُدَ الوداد الذي لم يغيرْه تعاقبُ المُدَدِ والبِعاد.
ودوامَ الدّعاءِ المرجوّ القَبول، لا سيَّما تجاه أشرف وأكْرمِ رسول.
ووصول مكتوبكم الكريم، وحصولَ السُّرور بلوامِع مَضْمونه، وبدائع مكْنُونه.
وقد بلغَنا حسنُ سيرتكم في المناصب، ومزيدُ العِفة، فجزاكم الله تعالى خيرا، أعانكم وسدَّدكم.
ولا تقطعوا أخباركم السَّارَّة، جمع الله لنا خَيْري الدُّنيا والآخرة، بجاه المصطفى الأمين، آمين.
стр. 442
نفحة من نفَحات اليمن
ومَن بلغنا خبرُه في هذا الزَّمن ممن بَقيَ بها من الفضلاء والشعراء، وكان قريب العهد.
стр. 443
فمنهم، رحمهم الله تعالى:
عبد الله بن شمس الدين بن مُطهرَّ اليمَنيّ
فرعٌ من ذُوابةِ، هاشم، ونَبْعة من وَشِيجِ تلك المكارم.
من آل مُطهَّر وهم ملوكٌ مُكرَمون، لا يمَسّ صحف مجدِهم إلا المطَّهرون، من حَدث البشريَّة، ودَنَس الهَيُولَى الدَّنِيّة.
مِن كلَّ من قضى للعلْياء وَطَرَهَا، وتلى آياتِ المجد وسُوَرَها.
تعبَق منهم أنفاسُ النُّبوَّة، وتجرُّ على وجه البَسيطة أذيالَ الفتُوُة.
لم تُمْنحَ محاسُنهم من صحف الليالي والأيام، ولا تُثْمِر بمثلها أغصان اليَراع والأقلام.
مغارسُ طالتْ في رُباَ المجدِ فالْتقتْ ... على أنبياءِ الله والخلفاءِ
إذا حمل الناسُ اللواء علامةً ... كفاهمُ مُثارُ النّقْعِ كلَّ لِواءِ
حتى أغارت عليهم جيوشُ ابن عثمان فذَوَى ذلك الثمر، واستفت الأيامُ ماءَ حياتِهم فلم يَبْقَ إلا الكدَر.
فالتجأ إلى جبلِ كَوْكبان، واستظلَّ به من هَجيِر حوادثِ الحِدْثان
стр. 444
وهو جبلٌ تضئ فيه قناديلُ النجوم، وتلْفَّ على هامتهِ عصائبُ الغُيوم.
يزاحِم الأفلاكَ بالمناكبِ، وتكاد أن تلْتقِط سُكَّانُه لآلئ الكواكب.
عالٍ كأنَّ الجنَّ مُذ مَرَدَتْ ... جعلّتْه مَرقاةً إلى السِّرِّ
وهو الآن تاجٌ على رأس الزَّمن، وخالٌ تتَزينَّ به وَجَناتُ اليمن.
كأنما شَمخ كبْراً بُمجاورةِ مَن به نزَل، وصار كبيرَ أناسٍ في بِحَادٍ مُزَمّل
وطَودٍ على ظْهرِ الفلاةِ كأنه ... طُوالَ الليالي مُطرِقٌ في العواقبِ
يُلوثُ عليه الغيْمُ سُودَ عمائمٍ ... لها من وَميِضِ البرْقِ خُضرُ ذوائبِ
تحلي به آثارُ آبائِه بعد مماتِها، ويَرُدُّ روحَ المكارمِ للآمالِ بعد وفاتِها وفواتِها.
فمما التقطته من بعض السَّيارة أشْعاره، وأهدَتْه إلىَّ تجِارُ اليمن من تحُفَ آثاره، قوله من قصيدة مدح بها أخاه عزّ الدين:
خطَرتْ فقال الغصنُ صَلّ على النّبي ... وبدَت فقالت للشُّموشِ تحجَّبي
وسُموطُها دارت على لَبابِهاَ ... وزهَتْ فقلنا للنُّجوم تغَّيبي
لاحتْ لنا كالبدرِ ثم تبَرْقعتْ ... فرأيتُ بدراً حلَّ قلب العَقْربِ
وبخدّها خالٌ أراه عَمَّة ... حُسْناً وناسَبه بلوْنٍ أجنبي
فلطَرْفِها عزُّ انكسارِ جفونِها ... ولعِطفْيها تيِهُ المدُلّ المُعجَبِ
стр. 445
ومنها:
مُنىَّ علىَّ بزَوْرةٍ أحي بها ... في أنْسِ قُربك أوْ عِدِيني وأكْذِبي
رِقَّي بعزِكّ يا سعادُ لذِلَّتيِ ... مُتّى ومَتّنيِني أمانَي اْشْعَبِ
ما أحسنَ الأطماعَ يُرْجَى نَيْلُها ... والصَّبُّ بين مًصدّقٍ ومَكذّبِ
ومنها:
يا ليتَ شِعْرِي هل أفوزُ بمَطْلبي ... مِن لَثمْ دّياكَ الخُدَيْدَ المُذْهَبي
مَن لي بشمِسىّ الجمالِ ممُنَعٍ ... ما دونه لِمُحبّة من مَذْهَب
مُتلوّنٍ كمَدا مِعي فوُعدودُه ... لقّبْلَنِي بالخائفِ المُترقّبِ
يا قلبُ مالك ما انْقلْبتَ عن الهوى ... والقلبُ قد قالوا كثيِرُ تقلُّبِ
خَلّ النسّيبَ فقد أطْلت وَعدَ عن ... ذكرِ الصَّبابةِ واشتغِلْ بالأنسْبِ
كَفَرْ زخارِفَ زُورِ لهوس بالثَّنا ... وانشُرْ مُلآآتِ الحديثِ الأطْيَبِ
بصفاتِ عز الدين والدنيا ومَن ... ما قلتَ فيه من الثَّناء لم تكذِبِ
حدّثْ وقلْ ما شئتَ في أوصافِه ال ... حسنَى وحَيّ بكلّ فنِ مُعجِبِ
أسد تخافُ الأسْدُ ثعلبَ رُمْحِه ... وعجْبتُ من خوفِ الأسودِ لثعَلْبِ
قوله:) صلى على النبي (المراد به التعجب، والناس يستعملونه بهذا المعنى كثيرا، كقول شيخ الشيوخ الأنصاري، بحَماة:
فمن رأى ذلك الوِشا ... ح الصَّائمَ صَلّى على محمد
стр. 446
وقال عَرْقَلة:
أقبلَ يهتزُّ في غُلالِتِه ... مَن ليس يَشفِى لعاشقٍ غُلَّةْ
فقال كلُّ اْمرئ تأمّلَهُ ... ألفُ صلاةٍ على رسُولِ اللهْ
وقد تابعتُهم، فقلت في قصيدة:
ظَبْىٌ على الصّبَ حين سلَّمْ ... صلَّى على المصطفى وسلَّمْ
مُدْنَفُهُ والدموعُ بحرٌ ... بُتربِ أقْدامِه تيمَّمْ
ومثله قولهم:) الله اكبر (، كما قال ابن النَّبيه:
الله أكبر ليس الحسنُ في العربِ ... كم تحتَ كُمةِ ذا التركىَّ من عَجَبِ
وهو قد اقتدى بعلىّ بن الَجْهم، في قصيدة مدح بها بعض الخلفاء:
اللهُ أكبرُ والنبيُّ محمدُ ... والحقُّ أبْلجُ والخليفةُ جعفرُ
وقد عابه شعراء عصره؛ حتى قال فيه مَروان يهجوه:
لَّما وصلتَ إلى الإمِام عشَّيةً ... وكذَبْتهُ ومدحْتَهُ بآذانِ
وقال أيضا:
أراد علىُّ يقولَ قصيدةً ... بَمْدحِ أميرِ المؤمنين فأذَّناَ
стр. 447
فقلتُ له لا تعْجَلَنْ بإقامةٍ ... قلتُ على طهرٍ فقال كذا أَناَ
والإمام النَّووِيّ، رحمه الله تعالى، صرَّح في) الأذْكار (بأن الصلاةَ على النبيَّ ﷺ في مثلِه ممنوعةٌ شرعاً، والوارد في مثْلِه) سبحانه الله (.
وقال الحَليِميّ من أئمة الشَّافعية:) إنه جائز بلا كراهة، وبيَّنوا وجهَة في فِقْههم.
لطيفة
من غريب التَّمليح ما وقع في مجلس أبي بكر بن زُهْر، من أن بعضَ أدباء الأندلس كان عنده، فدخل فاضلٌ من أهل خُراسان عليهم، فأكرمه ابن زُهْر، وأجله.
فقال الأنْدَلسيّ: ما تقولُ في علماءِ الأندلس وأدبائهم وشُعرائِهم؟
стр. 448
فقال: كبَّرْتُ.
فلم يفهْم جوابَه، واسْتَبْرده.
فلم يفهم ابن زُهْر إنْكارَه.
ثم قال: أقرأتَ شعر المُتنّبيّ؟ قال: نعم، وحفظتُه.
قال: أما سمعتَ قولَه:
كبَّرتُ حولَ ديارهمْ لمَّا بَدتْ ... تلك الشموسُ وليس فيها المشُرِقُ
فعلَى نفسِك فْلتُكبّر، ولفِهْمك فاتَّهِم وأنْكِر.
فخجل، واعتذَر.
أقول: هكذا فْلتكن مُحاوَرة الأدباء.
وأراد أبو الطَّيّب بتكْبيره التعَّجبَ.
وقوله في القصيدة:) أسد (إلخ، فيه إيهامٌ بَدِيع؛ فإن الثَّعلب طَرَفُ الرُّمحِ الداخل في السّنان، والحيوان المعروف.
ومثله قول ابن السَّاعاتي:
ولو يمْلِكُ الملكُ الأهلّةَ عنده ... أبى فخرُها إلا نِعالا لجْردِهِ
إذا مدَّ جيشاً للعدوّ تلاعَبتْ ... ثعالبُ أطرافِ الرّماح بأُسْدِهِ
стр. 449
قوله:) أو عديني واكذبي (يقطُر منه ماء اللطافة، كقول مِهْيار:
يا ما طلِي بالدَّيْنِ ... ما ساءني إليك ترْدادُ المواعيدِ بي
إن كنتَ تُنْجِز ثم لا نْلتقي ... فدُم على المَطْلٍ وقُلْ واكْذِبِ
وللشريف الرَّضي:
يُعجُبني مَطْلُ غَريمِ الهوَى ... لطُولِ ترْدادِي إلى الماطلِ
ومثلهُ حسَن كثير، قديما وحديثا، كقول الطغرائيِ:
وتُعْجُبُني المواعِدُ كاذباتٍ ... لترْدادِي إليه على المطِلِ
ولابن الفارض، رضى الله عنه
عِدِيني بَصْلٍ وأمْطُلي بِنَحازِه ... فعنْدِي إذا صحَّ الهوَى حَسُنَ المطْلُ
стр. 450
السيد حسين بن مُطَّهر اليَمَنيّ
رحمه الله تعالى هذا أيضا من أشراف العصريّين.
وقد أنشدني له بعضُ أصحابنا شِعْراً يفوح منه عَرْفُ تِهامَة ونَجْد، ويُتَرْجِم عمَّا فيه من المجد.
كقوله، من قصيدة له:
مِن أين يَخلُق وجدُك المُتجدَّدُ ... ويزول عنك حَنينُك المُتردّدُ
وقد استفَزَّك بالرَّحيلِ مُودّعٌ ... قالوا الرَّحيلُ غداً عدِمْتُكَ يا غَدُ
يا نازِلينَ على العُذَيْبِ وثَهمَدٍ ... بأبي وبي كيف العُذَيْبُ وثَهْمَدُ
أخُزامُه وبَشامُه وأراكُه ... خَضرٌ على ما تعَهدون وأعْهَدُ
ومنها:
الحجُّ يقصَد كلَّ عامٍ مرّة ... ولك العوالمِ كلّ حين تقصُدُ
стр. 451
وهذا المعنى كثير مسبوق إليه، كقول بعض العصريَّين:
كعبةٌ أسّستْ على الفضلِ لكن ... كلَّ حينٍ لها تحُجُّ الوُفودُ
وأصله قول سعيد بن سلام، وقد قال له بعض ندمائِه في بستان: ما أحسن هذا البستان! فقال له: أنت أحسنُ منه؛ لأنه يُؤتِى أكُلَه كلَّ عام، وأنت تُؤتِى أكُلكَ كلَّ حِين.
وممن قرُب عهدْه باليمن:
стр. 452
عبد الهادي السوديّ
صاحب) الديوان (المشهور
فاضلٌ جمع في أغصان الألفاظ ثمارَ المعانِي، وعارفٌ بالله جَناهُ في كلَّ حين دَاني.
شيخُ الطَّريقة، العابرُ من قنطرة المجاز إلى الحقيقة.
جمع مِن بضائِع الأدب ماراق صُنْعا، وحسدّتْهُ لرِقَّة نسْجِه بُرودُ صَنْعا.
ونسيج من مُهَلْهل الأشْعار في السُّلوك، ما كأنَّ قلمَه على مِنْوال ظرْسِه مِسكُّوك. وشعرُه مطُبوع، وعلى اكُفّ القبول مرفوع.
تلّذُ به الأسماع، وتطرَب على السَّماع.
وأكثرُه على لسان أهل العِرْفان، الذي هو للَحْضرة الإلهيَّة تَرْجُمان.
كقوله:
كيف حارُوا فيكَ وَاعَجبا ... يا مُنَى سمْعِي ويا بصَرِى
أنتَ لا تًخفَى على أحدٍ ... غير أعْشى الفكرِ والنَّظَرِ
حِيرةٌ عَّمتْ فأيُّ فَتى ... رامَ عِرْفاناً ولم يَحَرِ
стр. 453
وقوله من قصيدة:
عاذلِي في الحبّ أو خطَرِة ... لستَ من ليلىِ ولا سَمَرِةْ
أنا في وادٍ أظنك ما ... قِلْتَ في الأفْياءِ من شجَرِة
لا تُطِلْ فيه المَلامَ إلى ... أن تذوقَ الحُلْوَ من ثَمَرِهِ
يا حُلولَ الشّعْبِ من أصَمِ ... أنشْقوني النَّشْر من زَهَرِهْ
وهذه على مِنْوال قصيدة أي نُواس التي مطلعها
أيها المْنتابُ من عُفُرِة ... لستَ من ليلى ولا سَمَرِة
كَمُن الشَّنآنُ فيه لنا ... ككُمُونِ النَّارِ في شجَرهْ
لا أذُودُ الطيرَ عن شجَرٍ ... قد يلُوْثُ المرَّ ثَمَرهْ
وهي طويلة في) ديوانه (.
وممن قرُب عهدُه أيضا:
стр. 454
إسماعيل بن إبراهيم بن إسماعيل
بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن محمد بن يوسف بن عمر بن عليّ العَلَوي الزَّبيدي الشافعيّ من ذريّة اليمنيّ شارح) الكشاف (
أغرُّ يَمانِي، منه تُجْنَى ثمار الأماني.
سحابُ فضله أوْطفُ الأهْداب، أخصبَتْ به رياضُ المعاني والآداب.
نَقَّابٌ محدّث تمُ أفكارُه على أسرار الغيوب، وربيعٌ مَرِيع إذا أنَيت الربيعُ البَقْلَ أنبت رَيْحان القلوب.
ولد بزَبيد، وبيت شرفه فيها مشيد.
ولدتْ به أمُّ السيادةِ أوْحدَا ... مًضمنمّاً معنى العَديدِ الأكْثرِ
وللدهر فيه عِداتٌ لا تَعرِف المَطْل، ومقدَمات مُرتبةٌ لِنتائج الفضْل.
حتى ظهرتْ له اليدُ البيضاء في الفنون العقليَّة والنَّقليّة لا سيَّما ما أبدعه في) شرح الجامع الصغير (من دقائق العربية.
فكم شَفى إفهاماً مِراضا قلوبُها ... ولا يعرف الأدْواء إلا طبيبُها.
كما قال تلميذه الصَّدرُ فيه من قصيدة:
وإن تكن للنحوِ أصلاً فلا ... غَرْوَ فإسماعيلُ اصلُ العربِ
стр. 455
مع شرَف الحسَب، وعُلُوّ شجرةِ النَّسَب.
فهو مُكرّم مُفضَلَّ مُعَم مخْوَل.
والفَخار فنون، كما أن الحديثَ عنه شُجون، والأخبارُ الصادقة على محاسِنه عُيون.
وقد رأيتُ من آثاره أبْكارَ عَرائِس، وحُوراً مَقْصُوراتٍ في خِيام الأفكار أوأنِس: لا تَرْتَضِي الثريّا عْقداً والزُّهرةَ فُرْطاَ، ولا تَلْبَسُ المجرَّة ومِرْطا.
ك) شرح الجامع الصغير (وتعريف البيان، في شرح لَقْطة العَجْلان (، للزَّرْكشي في المنطق والأصْلَيْن والَجدَل.
وهو كما قال فيه نسيبُه الفاضل الدين:
يا سائلي جَهْلاً عن إسماعيلَ عَن ... مِقدارِ رُتْبتِه ورِفْعةِ شأنِهِ
أنصتْ تجدْ تعْريفَه وبياَنَهُ ... كافِيكَ عن تعْريفِه وبَيانِهِ
أولاً فُعذرُك فيهُ عثذرٌ واضِحٌ ... والشيء قد يخْفَى لبُعْدِ مِكانِهِ
ولشُعراء عصره فيه مدائح كثيرة، كقول عامر بن هارون الموْزَعيّ:
رَأَوْك فضَلْتَهمْ أدباً وسَمْتاً ... فنالوا منك عُدواناً وبَهْتاَ
ورامُو النَّقصَ منك فأكْذَبتُهمْ ... ظنونُهمُ وعاد الذمُّ نَعْتاَ
حَماهُمْ نجمُ سعدِك أن يحُلُّوا ... مَحلَّك أو يحُموا حيثُ حُمْتاَ
تَصرَّفْ يا أبنَ إبراهيم فيما ... حوَيْتَ من المعارفِ حيث شِئْناَ
стр. 456
وكيف يسومُك الحُسَّادُ خَسْفاً ... وأنت أجلُّهمْ حَظاَّ وبَخْتاَ
وأبرعُ مَن تلفَّت المعالي ... إليه ومَن بَرَى قلماً وأفْتَى
وقد ناديتُ لما سِرْت ربّى ... بما ناداه ذُو النُّونِ بنُ مَتَّى
بأن يكفيكَ عاديةَ الليالي ... وتصْحَبك السَّلامةُ حيث كُنْتماََ
وقد أوتيتُ سُؤْلِى فيك إذْ لمْ ... تزلْ فَوقاً ومَن عاداك تَحْتاَ
فُدونكها عروساً من صديقٍ ... تُمتُّ بصُحْبةِ الآباء مَتَّا
وخُذْها غَصَّةً من مْنطقٍ ... بالْثَغَ لا يَبينُ ولا أرَتَّا
ربطتُ بها معالي الشمس قَسْراً ... القوافي فيك نَحْتاَ
يودُّ البدرُ لو ترْضَى أن ... يكون لها أخاً والشمسُ أخْتاَ
وقد حاز قدراً عاليا ووَجاهة، ونشَر من الفضل ما أيَّد الله به عِزَّهُ وجاَهَه.
مع زُهد ليس طَرفُه لزُخرُف الدُّنْياَ بِرَاني، ولا بِدعْ فالحكمةُ يَمانية والإيمان يماِنى.
روَّح الله رُوحَه، وزاد من نعيم الجنانِ فُتُوحَه.