Полный текст (456 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
أخوه السيد الجلّ ثَقَبَة
مَن لو وَجَّه لدُرّ الكواكب سِنانَ هِمَّتِه ثَقَبَه.
ومِشْكاةُ بصيرتهِ مُشْرِقَةٌ بنُور اليقين، وكلامُه ينُثر على الفصاحة نِثارَ الجوهر الثَّمين.
وكُلَّ مَن نَسَله يُحدثَّ نفسَه بالإمامَة، وأن يْتلُوَ في صحيِفها آياتِ مجدِه أمامَه.
فمنهم من جعل لذلك وَسيلَته، الدُّخولَ في حواشِيه ومُصاهرتَه، ولسانُ حالِه يُنادِى فيما يُبدِْئُ ويُعيد:) مَا لَناَ فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ماَ نُرِيدُ (.
стр. 387
فلما برع: حسين وترعْرَع، ولبِس لَامَةَ النَّجابةِ وتدرَّع.
وهو بحرُ نَوال أمواجُه الهِمَم، وروضُ سيادةِ الفخْرِ والكَرَم.
لم يزَل يرسلُ له هدايا وتُحَف، ويتضرَّع له بمودةٍ بأنواع الخلوص تُحَفّ.
فقال له والده يوما في أثناء الكلام: إيذَن لحسين في أن يلىَ الرّفادة في هذا العام.
فقال له: تريد أن تُضيِف السّباع، وهذه ضِباع المُنْحَنَى جِياع! فلما علم ما في هذه الكناية، صرع من النّكاية، صرَّح اليأسُ بجوابِه، وهجم على قلبه همٌّ أحلَّ تباريحَ الَجوَى بِه.
فرجع بخُفَّىْ حُنَين، وشاهد منه كَرْبَلا حسين، حتى ذات بسيفِ الحسرة طعمَ الشَّهادة، ولِبس عليه الدَّهرُ من دياجِيه حِدادَه.
فسقَى قبرَه رَبّقُ الغوادي الباسمِة البُروق، وإن كان فيه بحرُ كرمٍ يَعذُب في أفواهِ الأمانيّ ويَرُوق.
стр. 388
ثم نهض أخوه:
مسعود
على قدمه، طالعاً بدُره المسعود بين نجوم أتْباعِه وخَدمِه.
وهو إذ ذاك في المعرفة عَلمَ، وفي طريق المجد ثَبْتُ القلب ثابتُ القَدَم.
يتبَّسم لغُرّتِه وجهُ النَّهار، ويُناجِه السَّعدُ بما في ضمائِره من الأسْرار.
وله حسناتُ شعرٍ ما خُطّ في مجموع الدّهرِ مثُلها، ولا سجَعت وُرْقُ الفصاحةِ بلحْنه في ذُؤابةٍ هاشميةٍ قبْلَها.
ومسعود لو مَسَّ عوداً بْعدِه أوْرَق، لِما جال في بِثْر مُحيًّاه من ماء النَّدى وتَرقْرق.
مع شجاعةٍ يرتعد لها الأسدُ والأسَل، وبَعُدّ الصّعنَ في الهْيجاء كالقُبَل.
كما قلتُ فيه:
قومٌ غزوتَهمُ رأيتَ جسومَهمْ ... مُقَلاً لهنَّ إشارةٌ المتكلَّمِ
من كلّ مُقْلِة طَعْنةٍ نجلاءَ مُذ ... نظَرتْ فِراقَ الرُّوحِ تَبْكى بالدّمِ
رمِدتْ فكحَّلها مَراوِدُ شُمرِه ... من اثْمِدِ النَّقْعِ المُثارِ المظْلمِ
وكأنَّما رمَدتْ لخوفِ قواضِبٍ ... صَلَّتْ فتسجُدُ وهْىَ ذاتُ تَيمُّمِ
стр. 389
فلم يزل يخطُب من المُلْك كواعبَ أبكارِه، حتى أدركَه الغرقُ في حِياض مِماتِه المُترَعَة من بحارٍ أفكاره.
فأرسَى بسواحل شَعُوب، وأنشدتْه الحالُ بلسان الخُطوب:
عَياه به مات المحِبُّونَ مِن قبلُ
فبلغ في سفينة أملِه وفاتَه، وسبقه الأجلُ كما سبق السَّيفُ العّذَل وفاتَه.
فرأيت جَنازتَه والدموع حوله طُوفان، وقد أرْسَت سفينةُ تابوتهِ على جُودِيّ الفَناء والأحزان.
стр. 390
فلما بدَّل الأمْنِيَّة بالمنِيَّة، وسقاه الدهرُ كأسَ المَنُون رَويّة، قام مقامَه:
أبو طالب
مترشَحا لأمرها، مترقّبا بعد موت ثَقَبة لاجْتلاء بدرِها.
وكان قبلُ لا يرِد مورداً من مناهل آمالِه، إلا وقد غَصّ بقّذَى رُقبائِه وعُذَّاله:
لم ترِدْ ماء حسنِك العينُ إلّا ... شَرِقتْ قبل رِبّها برقيبِ
فأراد والدُه أن يقلّد بصارِمها، ويجعلَ هياكلَ جيِاده في أجْيادها مُقامَ تمائِمها، فأرسل الأميرَ بَهْرام، فَرَطاً يستسْقىِ له ماءَ المَرام، وهو منتِظرٌ لها انتظارَ ليلةٍ القّدْر، راجياً أن يُحلَّ منها محلَّ القلب من الصَّدر.
فنثَر على ذلك الرسول، جواهرَ الإحسان والقَبُول، وأهدى له مع كتاب العهد
стр. 391
خِلَعاً حِسان، أزهى توشَّحت به معاطفُ الكُتبان، وألبستْه عطايا الربيع قدودَ الأغصان: فكان كما قيل:
قرَّت عيونُ المجد والفخرِ ... بخِلْعه الشمسِ على البدرِ
زَرَّ عليه الملكُ فَضْفاضَها ... وإنما زَرّ على البحرِ
ما هو إنعامٌ ولكنَّه ... ما خلعَ الغيُث على الزَّهرِ
فأفِيضَت عليه خِلْعةٌ مُعْلَمة، وأصبحت قلائدُ الجو في جِيد السَّيادة مُنظَّمة.
مما تقَرَ به عينُ الزَّهْرا، ويرفع الله به لآلِ البيتِ ذِكْرا.
وأمرُه بالدهر عابث، وأغصانُ المنابر بِاسْمِه مُورِقة أثائِث.
وأمطَر عليه عِهاد الكرَم وَسْمِيَّا ووَلْياً، وتلَى منشورَه المُعرِب عن أنه أصبح لأبيه وَليَّا.
فتبوَّأَ صدرَ الخلافةِ والجلالة، وورِثها عن أبيه حيَّا لا عن كَلالة.
فأقرّ بعْهدِه لساناَ السيفِ والقلم، ونُودِىَ هذا الذي تَعرِف البطحاءُ وطْأتَه والحِلّ والحرَم.
قام فطاف بالبيت شُكْراً لذلك الإنعْام الجسيم، فكاد يُمسِكه عِرفانَ راحتِه لما اسْتلم الرُّكنُ والَحطيم.
وصورة منشورِة، وهو مما أنشأْتُه بأمر رئيس الكُتّاب:)
стр. 392
الحمد لله الذي نشَر على الخافِقَيْن أعلامَ عدْلِه، وزيَّن حُلَل الوجود بجُوده وفضلِه.
ونشكره شكراً تطوف وُفود الإخلاص حولَ كعبِته، وتقصر الفصاحةُ بعد التَّحليق في افق البلاغة عن أن تكون مُزدَلِفةً من شُكْر نعمِته، وتسجد له الأفلام في كعبة الطّرْس المكسُوّ بسَواد مِدادِه، وتسعى للصَّفا في مواقف إصْدارِه وإيرادِه.
وصِلاتُ الصَّلاة المِكيَّة النَّسيم، العَنْبَريَّة الشَّمِيم، تَتَوالى توالِى القطر المُكرَّر على تلك الأقْطار، والمَثْوَى الذي تُرابُه إثْمِد البصائر والأبْصار:
حياكِ يا تُربةَ الهادِي الرسولِ حَياً ... بمنطقِ الرعدِ بادٍ من فمِ السُّحُبِ
ضمَمْتِ أعظُمَ مَن يُدعَى بأعْظَمِ مَن ... يسَعى إليه أخو فضلٍ ولم يخِبِ
وحُزتِ أوضحَ مَن يَهْدِي وأفصحَ مَن ... يُبْدِي وأرجحَ مَن يُعزَى إلى نَسَبِ
محمدٍ المرسَل بكتاب تمسَّك بأهْداب سِحْر البلاغة والإيجاز، واستَوْثَق دون بُلغاءِ العرب بعُرَى الإعجاز، فرَمى قلوبَ المعارضين بجَمَراتِه، وكحَل بصائرَ المُطيعين بمِيل الهداية فأقرُّوا ببَينّات آياتِه.
وعلى آله وصحبِه، وجُندِه وحِزْبه، أولياء عهده، والخلفاءِ من بعده، ما جُرّدت صوارمُ البُروق من أغْماد الغَمائم، وسرَى نسيمُ نجد فابتسَمتْ له ثغورُ النَّوْر في الكمائم.
هذا، وقد أظهر الله عزَّ سلطانه كنزَ سرّه المكُنون، بقوله:) وَلَقدْ كَتَبنْاَ فيِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذَّكْرِ أَنَّ الأَرضَ يَرِثُهَا عِباَديَ الصَّالِحُونَ (، فعُلم به سِرُّ الأمْر، في قوله:) أَطِيُعوا اللهَ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ وَأولِى الأَمْرِ (.
стр. 393
فإنه ليس بعد النُّبوة والرّسالة إلا مراتبُ الصَّلاح، ولهذا كانت الرَّعايا بلا سلطان كالأجْسام بلا أرْواح.
وما الشَّريعةُ إلا روضةٌ زاهيةُ الثّمار، مُتفتّحة الأنْوار، تَجرى من تحتها الأنهار، والسلطان مُتعهّد لها بالحراسة، يحميِها من كل جَان بشَوْكة السّياسة.
وإذا كان ظلَّ اللهِ في أرضهِ، وشمسَه المتّضِحَ بأنوار سَنَن سُلته وفرْضِه، فعلى مَن طلَعت عليه الشمس أن يجنَحَ لِظله، ويَقِبل في دَوْحَة إحسانِه وفضلهِ.
فإنه الشمسُ الذي تضئُ بدورُ الكواكب بأنْاره، والبحرُ الذي تستمد جداولُ الأمراء من أنهاره.
والسماءُ الذي تتَمْنطق الجوازء لخِدمته، ويخافُ الأسدُ أن يَمُدّ إليها يدَ سَطْوته. والجنَّةُ التي تحت ظِلال السيُّوف، والمُتقرَّب إليه بمحاسن الأعمال، والمُستَجار به من الصُّروف.
والَحرمُ الذي يأمَن فيه الخائف، وكعبة اللَّطائف البادِية لكلّ طائف.
والربيعُ الذي اعتدلتْ أيامُه بالعَدالة، فصدَحْت حمائمُ الثَّناء على أغصانِها المّيَّادة الميَّالة.
وتهْتزُ أعوادُ المنابرِ باسْمِهِ ... فهل ذكَرتْ أيْامَها وهْيَ أغْصانُ
وممَّا ينبغي أن يُرسمَ في صحائف الأفكار، ويُجعَل طِرازاً على كعبِة المحاسن والآثار، أنه من أهمّ ما يْهتمُّ به مَن جَعل الحِجا زِيَّه، خِدمة طِرازاً الطَّيّبة، ومكْة المُشرَّفَ بها سائرُ الأنوار المحَّمدية، ومظَهر الآثار العُلْوية العَلِيَّة.
стр. 394
ومْثَوى مَن شرَّف الله به نوعَ الإنسان، والأُنْموذَج الذي صاغَه الله تمْثالاً للِجنان، كما ورد في السُّنة:) مَما بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ الَجْنَّة (.
وكذلك أوَّلُ وُضِع للنّاس، وأسّس على التَّقوى منه الأساس.
كأنما هو مِغْناطِيسُ أنفِسنا ... فحيثُما كان دارتْ نحوَه الصُّوَرُ
وكان أوْلَى ما يقلّدُه الإنسانُ عقودَ جواهر الإحسان، ويجتهد في تقليده، وتأْييد تأْييده، ويتُوَجُهُ بتاج التكْريم، ويُعّمُمه بحُلَل التَّبْجيل والتَّعظيم، ويخزِل الصّلةَ لجنابه الموصول، ويَضمِر له في القلوب القَبول، بدُورَ فلك السعادة، وصُدورَ مسنَد السيادة، السادة الأجلاء الأشراف، فخر آل عبد مناف.
وكيف لا يزدادون حُبَّا، بعد قوله:) قُلْ لَا أَسْئَلُكمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا المْوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (.
كلُّ مَن لم يَرَ فرضاً حُبَّهمْ ... فهْوَ في النَّار وإن صلَّى وصاماَ
وبالجملة، فإن مادحَهم كن قال للأسد: ما أشدَ شجاعتَك. وللبحر المحيط: ما أوسع ساحَتَك.
لا سيما طَوْدُ المجد الشَّامخ المُنيِف، المرفوعُ عَلمُ العِزّ والنَّسب الشريف.
стр. 395
تاجُ هامة بني الحسن والحسين الَجناب العالي، مَغْرِس ثَمَرات المعاني والمعالي.
العريق الحسيب، الأصيل النَّسيب.
ذُخْرُ الأنام، فخرُ اللَّيالي والأيام.
زهرة الشَّجرة العَلَويّة، فرع الدَّوْحة النَّبويّة.
إذا وجههُ أو رأْيُه أو فِعالُه ... تبلَّجْنَ في ليلٍ تجلَّتْ غياهِبُهْ
صارمُ الخليفة المُغْمَد في رقاب أعدائِه، ورحمتُه الُمْمطِرة دُرَرَ سحابِها على أوليائِه.
الحسنُ الذٌات والصّفات، أبو المحاسن حسن بن أبي نُمَىّ بن برَكات، أيَّده الله بنصرٍ لا يْبَلى جديدُه، ول تْنتِثر بيد الحواديث عقودُه، آمين.
وقد ورد من جانبه رسول، تلقَّاه من سُدَّتنا نسيمُ القَبول.
إذ جاب الفَيافَى من حَزْنها وسْهلها، وأدَّى الأماناتِ إلى أهلها.
وكان كالِميل سلَك بين الجُفون فأجاد، ومتَّع العيونَ بإنمِد الصَّلاح والسداد.
ومعه مَنشور أرق من نسيم السحر، معرب عن العين بالأثر.
فأخبر أن مرسله أراد الفراغ، وما على الرَّسولِ إلا البلاغ.
وتضَّمن مْنشورُه المذكور، أنه أراد الاستراحة من نَصَب المناصب، والتَّقاعدَ عما بها من المراتِب، رغبةً عن زُخْرف الحياة، إلى خدمة سيَّده ومولاه.
وأن نجَله النجيب الجليل، الحسيب الأصيل.
النَّاشئ في الشَّرف الباهر، المُسَتخرَج من أكرم العناصر.
لَيْثَ غابِة بيِض الصّفاح، وسُمْرِ العسَّالة الرّماح.
стр. 396
عليه أمارةُ الإمارة، ومخابِلُ والصَّدارة:
بلغ السّيادةَ في ابْتداءِ شبابهِ ... إن الشَّبابَ مَطِيَّةٌ للسُّؤدَدِ
وسأل أن نقلّدَه صارمَ إمارة تلك الديار، وما يْتبعُها من البُلدان والأقطار.
على ما جرَتْ عليه عادةُ سَلِفه الذي سَلَف، وقانونُ خَلْفَهم من الخَلَف.
فأجْبناه إلى مَرامِه ومُرادِه، وأمددْناه بإسْعافِه وإسْعاده، لأنه إنما نزَع صارِمَها من يدِه الأخرى، وجعل خاتَمَها بعد يُمْن اليُمْنَى في يَسار اليُسْرَى.
فسارت الإمارة من حَرمَ إلى حرَم، ولم تخرج من جيرانِ نجْدٍ وذِي سلم.
فعليه، بعد ما خلعنا عليه حللا تأنق واشيها، ورقت على وحده حواشيها، ونظْنا إليه بنَظَرنا الذي هو إكْسير، أن يحُسِن في العمل والتَّدبير.
وينظرَ إلى الرَّعاية بْعين الرّعاية، ويصونَها عن أهل الضَّلالة والغِوَاية.
ويُؤمّن من تلك المناسِك، ويحرسَ تلك المسالِك.
ويختارَ من قومه مَن يحرُس أطرافَها من الأعداء ويحمِيها من كل قاصرٍ في فعله تَعدَّى.
ويبطلَ ما فيها المكُوس والمظالم، ويقيمَ الحدودَ على مستحقّيها من كلّ باغٍ وظالم.
لُخلَّد في صحائِف تلك البلاد الحسَناتِ، ويمحُوَ ما فيها من آثار السَّيئات.
ويتصرَّفَ في بَنْدر جُدَّة على العهد القديم، ومَن جاور ذلك المقامَ
стр. 397
فليسْعِفْه بالنَّعيم المقيم،) وَمَن يُرِدْ فيهِ بإلْحاَدٍ بِظُلمٍ نُذقْهُ مِنْ عَذَاب أَلِيمٍ (.
ويحرسً الوافدين إلى ذلك البلد الأمين، لإقامة شعائر الدَّين.
ويحِمىَ بحمايتهِ وَرَد أو صَدَر، ويحرسَ مواردَهم الصافيةَ من الكَدَر.
ويلاحظَ ما للخليل ﵊ من صالح الدَّعَوات، في قوله:) رَبّ اجْعَلَ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أهْلَهُ مَنَ الثَّمَرَاتِ (.
ثم لْيَعلمْ كلُّ من كَحل بصرَه بان مِد منشورنا الكريم، وشَنَّف مسامَعه بلآلئ لفظِه النَّظيم.
مِمَّن في دَارَةِ تلك الدّيار، أو هالةِ تلك الأقْطار، وانتظم في سِلْك سُكَّان القُرَى والأمصار.
مِن السَّادات الكرام، والقُضاة والُحكَّام، ووُلاة الأمور والأعْيان، والوافِدين على تلك الديار والسُّكان.
أنَّ إمارة تلك المعاهد وما فيها من العساكر، وما أحاطَتْ به من الأصاغر والأكابر، وسائر الوظائف والمناصب، والجِهات والمراتِب، مُفوَّضةٌ إلى السيد السَّنَد أبي طالب.
ناظراً بعين الإنصاف، مُتجنَّبا سبيلَ الاعِتساف.
مُصرَّفا جميع المستحّقين بُحسنْ التّصرِيف، صارفاً من لا يستحق برأْيه الشريف.
وقد أقْمناهُ مقامَ نفسِنا في ذلك المقام، وفوَّضنا إليه النَّقْض والإبْرام.
والعلاَمة السُّلطانية حُجَّةٌ لما فيه مَرْقوم، مُحقّقُة لما فيه من منطوقٍ ومفهوم.
стр. 398
فلْيتحقق من وقف على هذا الخطاب، ومَن عنده عِلمٌ من الكِتاب، من أهل مكة زادها الله شرفا وما في جوارها، وَطيْبة الطّيبة طيَّب الله ثراها وسائر أقطارها، وبقَّيِة الثُّغور، الباسِمة لدولتنا بمياسِم السرور، من حاضرها وباديها، أنَّا أعطيْنا القوسَ بارِيها.
فلم تكُ تصلحُ إلاَّ لَهُ ... ولم يكُ يصلحُ إلاَّ لَهَا
سدّد الله سِهامَ رأْيه في أغْراض الصَّواب، وفَتح له بمفاتحي السُّمْر كلَّ مُغَلقٍ من الأبواب.
ما سقطتْ من كفّ الثُّريّا الخواتِم، ورقَتْ على منابر الأغصان خُطباءُ الحمائِم والسلام (.
وإذ انتهينا إلى هذا المقام، فأصْغِ لم نقُصُّه عليك من عجائب الأيام، فإن المصْدورَ لا بدّ له من نَفْثه، ومَن جهِده المسيُر يطلب على الطَّريق مُكْثَة.
فاعلم أننا رأيْنا كل ملُك له مُبْتَدا تظهر فائدتهُ وعائدتهُ في خَبَره، وانتهاء يقف السَّعدُ بعد وِرْده عند صَدْر صَدَره.
ثم يرجع ما جرَى إلى قَراره، فُينذِر الإقْبال بإدْباره، ويعود تدْميرُه في تْدبيره ويُقدّر صانعُ القدرَ أديَمه على مِقدار تقديره.
وإلى الله ترجع الأمُور، وعلى بحُور الإرادة يجْرى الفلك ويدُور.
وقد تظهر قبل آخرِه فيه قُوّة، فيُظِهر فرِعْونُ طغيانَه وعُتُوه، وللشمس زوَال إذا ارتفعتْ، وللسمر سقوط إذا زَهَت وأيْنعتْ.
стр. 399
وقد يزيدُ قبل الانطفاء نورُ المِصباح، ويحصل للمريض إفاقةٌ يُسَمع بعدها الصّياح.
وتسمى هذه الأطِباء النعْشَةَ الأخيرة، فكم من نَعشْتة تقُرّب من السَّقيم نَعْشهُ، وهذا في غير الخلافة النبوَّية، فإنها بالحيّ الذي لا يموت مَحْميّة.
وقد كان انتهاء صُعود الشَّرف في الحجاز بالسيد حسن وفي المغرب بمولاي أحمد، وفي الرُّوم بالسلطان مراد، ونحن الآن لا ندْرِي ما يريد ولا ما يُريد، فقد ذهب سليمانُ وانْحَّلت الشياطين، ووقف الرَّجاء على شَفَا جُرفٍ هارٍ بين قومِ مجانين، فالجواد دون الحمار المِصْرى، وأبو جهل وعَظ الحسنَ البصْري:
فقُلْ بعده للدهرِ يأْتي بصَرْفِهِ ... وقلْ لليالي: أفْعل ما بدا لَكِ
وقلت:
قد جُنَّ شَيْخي وفي الأمثال من قِدَمٍ ... إن الشبابَ جُنونٌ يُرْؤُه كِبَرُهْ
يا ربَّ فاعقِدْ بقُولَنْجٍ له دُبُراً ... حتى يعودَ عليه بعد ذا ضَرَرُهْ
стр. 400
قطْب الدين المكّيّ النَّهْروانِيّ أصلاً ومَحْتِدا
قطبُ مركزِ دائرة تلك الأقطار، والصدرُ المسْتوْدَع لما فيها من الأسرار.
وهو فاضل جرَى في بساتين فضْلِه جداولُ الآداب، وتمسَّك الشّعرُ منه بأعظم الأسباب.
فوقف دون مَداه ضِدُّه وحسُودُه، ومَن قَّيَده الكلاُ لا تنْفكُّ قُيودُه.
فذاك كمن جارىَ جواداً بِمُقْرفٍ ... قوائمهُ مِشْكولةٌ بحرِانِ
فسماءُ مجدهِ مُطلعِة لكواكب شِعره، وزهرةُ عمرِه سُقيتْ بماء سروره وبتْره.
تنقطع عند كرَمِه الآمالُ وتعجز الأماني، ويقصُر سِلْكُ الألفاظ عن نظم ما فيه مِن دُرَر المعاني.
стр. 401
وتُقّبل أفواهُ الأقلام لَمَى مِدادِه، وبهيم سُوَيْداء كلّ لبيب في سوادِه.
وتنفتح عيونُ الأنوار لتُشاهد ساطعَ أنواره، وتترنَّم حمائمُ الحرَم بأسجاعه وأشعاره.
ويُهبُّ نسيم نجدٍ لشَغفِه برقَّتِه عليلا، ويجرُّ على ثَرَاه تيِهاً بمُضاهاتهِ له ذْيلاً بَليلا.
لتَغَذَّيه بلبان فصاحة بجْدٍ وذي سَلَم، واقْتناصِه أو ابِدَ المعارف بها فاعَجبْ لمن حلَّ له الصَّيدُ في الحَرَم.
وقد شحَذ مُرهَف طبعِه بَيِد الكمال، وسنَّ أسَلَةَ لسانهِ فانْجَلىَ بهِ فرِنْدُ سِحْره الحَلال.
حتى تفيأتْ فتْوَى تلك الأقطار ظلالَ براعتِه، وسالتْ مسَائلُ المسائِل في جِيادَ يراعتِه.
فكان قُطْبَ تلك الدائرة، وعليه مَدارُ فكل الفضلِ وبه الأمثالُ سائرة.
فمُعوَّل أمورِها عليه، ومُنصْرَفَ وجوهُ الإقبال إليه.
حتى أصبح عاطل حاله حاليا، ومرتفع حظّه عن وِهادِ الخمولِ عاليا.
فلا يردُ مكَّةَ أحدٌ من أهلِ العلم والصَّلاح، إلاَّ فَيَّأ ظلالَ الكرم والسَّاح، وهزَّ عِطْفتَ أملِه بنشْوةِ الارْتياح.
إلى أن تعدّى الأجل، من القُطْبِ دائرةَ الأمل، فدارتْ عليه رَحَى المَنُون، وطحنَتْ دقيقَ أفكارِه السّنون.
стр. 402
فدعاه الله لجوارِ الجِنان، وتلقَّاه جَدَثُه بَروْحِ رحمةٍ ورَيْحان، وطافتْ بُمثْواه وفودُ الغفران.
وقد نَعاه الفضلُ والكرم، وناحتْ لفِراقِه حمائمُ الحَرَم.
حمائمُ أبْلَت في الحنين لِباسَها ... فلم يبْقَ منها غيرُ طَوْقٍ بجيدِها
فممَّا تَهادتْه الرُّكبانُ من شوارِدهِ، وعُلّق في كعبةِ الفصاحة من نتفِ وقصائده، قوله:
أقبل كالغصْنِ حين يهْتزّ ... في حُللٍ دون لُطفِْها الخَزّ
مُهَفْهَفُ القَدّ ذو محَيّا ... بعارِض الخدّ قد تطرّزْ
دارَ بخدَّيْه واوُ صُدْغٍ ... والصَّادُ من لْحَظِه تلَوَّزْ
الخمرُ والجمرُ في لَماهُ ... وخدُّه طاهرٌ ومُلْغِزْ
يشكو له الخَصْرُ جَوْرَ رِدْفٍ ... أزعجه حملُه وأعْجَزْ
طلبتُ منه شِفاء سُقْمِي ... فقال: لْحَظِي لذاك أعْوَزْ
قد غفر اللهُ ذنبَ دهرٍ ... لمْثلِ هذا المليحِ أبْرَزْ
جزَّ فؤادي بسيفِ لْحظٍ ... أوَّاهُ لو دام ذلك الَجْزّ
أفْديِه من اغْيدٍ مليحٍ ... بالُحسْنِ في عَصْرِه تميَّزْ
كان نديمي فمُذْ رَآني ... أسيرَهُ في الهوى تعزَّزْ
حرَّم مِن وَصْلِه مُباحاً ... لّما أحلَّ القِلَى وجَوَّزْ
стр. 403
يا قلبُ لا تسْلُ عن هَواهُ ... واثْبُتْ وكُنْ في الغرامِ مَرْكَزْ
وقالت في عَرُوضه:
مَن علَّم الغصنَ حين يهْتَز ... مَيْلَ قُدودٍ تميلً في الْخَزّ
غِيدٌ رماحُ القدودِ منها ... ليستْ بغير الفؤاد تُرْكَزْ
وإن يكنْ هَزُّها دَلالاً ... ليس لغيرٍ الطّعان ذَا الْهَزّ
كم وعدتْ بالوِصل مُضْنّى ... وُعودُه بالمِطال تُنْجَزْ
وما حَسودٌ إذا توارَى ... تَراهُ من غيْظِه تمَيَّزْ
في ألِفَى القَومِ ليِنٌ ... بعَطْفِة الصُّدغ منه تُهْمَزْ
خِطابُه يُطرِب الأمانِي ... ولو بهُزْؤٍ علىَّ طَنَّزْ
وشَتْمُه كالمديح يُطْرِى ... ومُسْهبُ القولِ منهُ مُوجَزْ
كم لحظةٍ منه لي بطَرْفٍ ... فيها رِضاه على مُلْغِزْ
له مُحيَّا بديعُ حُسْنٍ ... فيه جميعُ الجمالِ يُكْنَزْ
ولى به مَطَلبٌ مَصونٌ ... بقُفْلِ صُدغ له مُرزَّزْ
لو لم يكنْ حبُّه بقلبي ... ما كان بين الضُّلوع يُحْرَزْ
قضيبُ آسٍ على كَثيب ... أزْعجه رِدفُه وأَعْجَزْ
كأنما خَصْرُه خَفاء ... مْغني له ذا الجمالُ الْغَزْ
стр. 404
جلَّ الإلهُ البديعُ صُنْعاً ... ومَن لهذا المليح أبْرَزْ
فاغنَمْ زمانَ السرورِ واطْرَبْ ... ففُرصةُ العمرِ فيه تُنْهَزْ
وانظرْ بِساطَ الربيعِ يدعو ... لصَفْوِ عيشٍ عليه قد عَزَ
مَهَّدهُ لاجْتماع شمْلٍ ... مُنِبَّتٌ يُرْدهُ مُطرَّزْ
تُنْحَرُ فيه الزَقاقُ نحراً ... طُبّق فيه مفاصِلُ الْخْزّ
والوُرْقُ في روضِه تنادى ... من ذَلَّ في الحبّ فهْو قد عَزّ
كذاك قد ذلّ في الورى مَن ... بغير ربٍ له تعَزَّزْ
كطالب الصُّوف من لئيمِ ... وهو لُجرْبِ الكلابِ قد جَزّ
وكان من عَزَّ بَزَّ قِدْماً ... واليومَ من برَّ فهْو قد عَزّ
وهذه حُلُّةٌ ترقَّتْ ... عن نسيجِ يُردٍ يرِقُ أوْ قَزْ
لها على القُطبْ دائِراتٌ ... أضحى لها في الحضيضِ مَرْكَزْ
وله في الوزير سنان لما فتح اليمن:
لك الحمدُ يا مولايَ في السّرّ والجهرِ ... على عِزَّة الإسلام والفتح والنَّصرِ
كذا فليكُنْ فتحُ البلادِ إذا سَعتْ ... له الهِمَمُ العَليْا غلى شرَفِ الذّكرِ
стр. 405
جنودٌ رَمت كَوْكَبانٍ خِيامَها ... وآخرُها بالنّيل من شاطِئيْ مِصْرِ
تجرُّ من الأبْطالِ كلَّ غَضَنْفَرٍ ... بصَارمِه يسْطو على مَفْرِق الدهرِ
عساكرُ سلطانِ الزمانِ مَليِكنا ... خليفةِ هذا العصر في البَرَّ والبحرِ
حَمَى حَوْزَةَ الدّينش الحِنيفيّ بالقَنا ... وبيضِ المواضِى والمُثقفَّة السُّمرِ
ومنها:
وحين أتاهُ أنْ قدِ اخْتلَّ جانِباً ... من اليمن الأقْصى أصرَّ على القَهْرِ
وساق لها جيشاً خَميِساً عَرَمْرَماً ... يَدُك فجاجَ الأرضِ السَّهْلِ والوَعْر
لدى أسدٍ شاكي السّلاحِ عرينُه ... طِوالُ الرّماحِ السَّمْهَرية والُبتْر
وزيرٌ عظيمُ الشَانِ ثاقِبُ رأيه ... يجُهز في آن جيوشاً من الفِكْرِ
ومنها:
سِنانٌ عزيزُ القدْرِ يوسف عصْرِه ... ألمْ تَرَهُ في مصرَ أحكامُه تجرِي
ومنها:
وهل تطمع الأعْداءُ في مُلْكِ تُبَّعِ ... وتأخذهُ من آلِ عثمانَ بالمكْرِ
أبَى اللهُ والإسلامُ والسيفُ ... وسِرُّ أميرِ المؤمنين أبى بكْرِ
ومن مشهور شعره قوله:
الدَّنُّ لي والكأس والقَرْفَفُ ... وللفقيه الكُتْبُ والمصحفُ
إن كان ما تُعجِبُه قِسْمتي ... فلْيَقتسِمْها مثلَ ما يعرِفُ
стр. 406
كم يزْدرِي الكأس ويهْزُو بها ... يُخشْىَ على هذا الفتى يُقْصَفُ
يسُبُّ شُرَابَ الطّلا عامِداً ... أليس في الحُكام مَنْ يُنْصِفُ
فأتْرِع الكأسَ على غَيْظِه ... وعاطِنيها أيُّها الأهْيَفُ
وقل هو القطبُ ببَحْرِ الهوى ... قد عام والله به يلْطُفُ
وله أيضاً
أَحِبَّةَ قْلبي أنتمُ قد وردْتُمُ ... مَعيِ مَنْهلَ اللَّذَّاتِ وهْو نَمِيرُ
وواللهِ ما استغْنَيْتُ عنكم بغيرِكمْ ... وإني إليكمْ ما حِييتُ فقيرُ
وله أيضا:
أحسنُ من غَفْلةِ الرَّقيبِ ... وْلحَظةِ الوعدِ من حبيبِ
وقُبْلةٍ كانت اخْتِلاساً ... في وَجْنَتَيْ شادِنٍ رَبيبِ
كَتْبُ أديبٍ إلى مُحبٍ ... طالتْ به مُدَّة المغِيبِ
تَتْرَكُ مَن سُطّرَت إليه ... أهْيمَ مِن عاشقِ طَرُوبِ
وله أيضاً:
بَدَا عَرَقٌ في خذّه فسألتُه ... إذا ما تَبدّى قال لي وهْو يَمزْحُ
ألا إنَّ ماءَ الوردِ خدّى إناؤهُ ... وكلُّ إناءِ بالذي فيه ينْضَحُ
وهذا مثل أوردة المَيْداني في) أمْثاله (ولم يزد فيه على قوله: كلُّ إناء يرشَح
стр. 407
بما فيه ويُروَى: ينضح بما فيه، أي يتحَلَّب. انتهى.
وقد سبقه إلى هذا مُجير الدين بن تميم كما وقفتُ عليه في) ديوانه (بقوله:
سَقى الله رَوْضاً قد تبدَّى لناظرِي ... بدرَشَاٌ كالغُصنِ يلْهُو ويْمَرحُ
وقد نضَحتْ خدَّاه من ماء وَرْدِه ... وكلُّ إناء بالذي فيه ينُضَحُ
وعن الشيه نصر الله بن مُجَلّى أنه رأى في المنام سَّيدَنا أميرَ المؤمنين علياّ بن أبي طالب، كرم الله وجَهه، ورضى عنه فقال له: يا أميرَ المؤمنين، تفتحون مكَّة، وتقولون مَن دخل دارَ أبي سُفيان فهو آمن، وقد تمَّ على ولدك الحسين منهم ماتمَّ! فقال له: أما سمعتَ أبياتَ ابن الصَّيفىَ، يعني به الحيْصَ بيْصَ؟ فقلت: لا.
قال: اسْمَعْها منه.
فلما انْتهيت ذهبت إلى دارِه، وذكرتُ له ما رأيتُ في منامي.
стр. 408
فبكى وحلف أنه نظمها في هذه الليلة، ولم يقف عليها سواه، وهي هذه، وأنشدها له:
مَلكْناَ فكان العفوُ منا سجَّيةً ... فلمَّا مَلكْتُمْ سال بالدَّم أبْطَحُ
وحلَّلتُمُ قَتْلَ الأسارىَ وطاَلَما ... غدَوْنا على الأسْرَى بَمُنَّ ونصفحُ
وحسْبكمُ هذا التفاوتُ بيننا ... وكلُّ إناءِ بالذي فيه ينْضَحُ
وقد سبقَهم إلى هذا أبو الفتح كُشاجَم، فقال:
ومُسْتهْجِنٍ مَدْحي له أن تكُوئِدَتْ ... لنا عُقدة الإخْلاصِ والحرُّ يُمدَحُ
ويأْبَى الذي في القلبِ إلاَّ تَبَيُّناً ... وكلُّ إناءِ بالذي فيه يْنضَحُ
وقلتُ في الهجاء:
فتى كان مِن قبل الشَّبابِ مُؤاجَراً ... وقد لاطَ كهلاً وهْو تَيْسٌ سينَطْحُ
يبيعُ برأسِ المال في السوُّقِ ما اشْترَى ... وكلُّ إناءِ بالذي فيه يرْشحُ
وهذا المثل لم أرَ مَن شرح مَورِدَه ومضربه، وهو يحْتمِل معنيَيْن: أحدهما، وهو الظاهر المُتبادر: أن كلَّ أحدٍ يلوح على ظاهره ما في باطنه، وإن أخفاه؛ كما قيل: مَن أسرَّ سَرِيرةً ردَّاهُ الله برِدائها.
والثاني: أن كلَّ أحدٍ يُجازَى مِن جنس عملِه، وهو الذي قصده الَحيْصَ بيَصْ.
وقد قلتُ في بعض الفصول:
стр. 409
كلُّ عداوةٍ تزول إلا عداوةَ الحسد، وكل زارع لِماَ زرعَ حصَد، وبَيْضةُ ابن دأْية النَّعَّاب، وإن جثا عليها طاوسُ عَدْنٍ لا تُفْرخُ إلاَّ الغراب، وإن كان عُشُّة في سِدْرَةِ المُنْتَهى، وقد غَذَّيْتَها من ثمارِ الَجنَّة ومُنْتهَا.
وفي صحيح الخبر:) النَّاسُ مَجزْيُّونَ بِأَعْمالِهمْ خَيراً فَخيْرٌ، وإن شرَّا فَشرّ (.
وقد قيل:
مَن قال خيراَ فلَه ... ومَن يقلْ شَرَّا فشَرّ
وقال قَطَرِىُّ الخارجيّ مُتمُلَّا: قيل للعَقْرب: أنت محبوسة في الشتاء، أفلا تخرجين لمشارقِ الشمس بالغَدوات، كما تخرج الناس؟ فقالت: ما أحسنَ أيادىَّ عندهم في الصيف حتى آنس بهم في الشتاء.
ولله دَرُّ أبي القاسم الدَّبُوسي في قوله:
أقول بُنصْحِ يا ابنَ آدمَ لا تنَمْ ... عن الخير ما دامتْ فإنًّك عادِم
وإنَّ الذي لم يصنعِ العُرْفَ في غِنًى ... إذا ما عَلاه الفقرُ لا شكَّ نادمُ
فقدّم صَنيعاً عند يُسْرِك واغتنمْ ... فأنتَ عليه عند عسرِك قادمُ
стр. 410
جمال الدين بن صدر الدين بن عصام الدين، العلامة الإسْفَرَايِنِىّ
فاضلٌ نَشاْ بمكَّة بين تِهامة ونَجْد، ورُبّىَ في حَجْر المعالي والمجد، ففاق طبُعه رِقه وطِيباً نسيمَ النْرجِس والوَرْد.
وخلعتْ عليه الأيامُ جمالَها، وأفاض اللهُ عليه فضْلَها وأفْضالَها.
واللهُ جميلٌ يحبُّ الجمال، والدهرُ قد يُسعِفُه وإن كان عدوَّا لأهل الكمال.
فحاز كرماً ومجدَا، وفاح عَنْبَراً ونَدا.
عَطاه ولا مَنٌ وحُكمٌ ولا هَوًى ... وحِلْمٌ ولا عجْزٌ وعزٌ ولا كِبْرُ
وهو في الفضل عصِاميٌ عريق، له عَذْبُ مَشْربٍ بين العُذَيب والعَقيق.
وأنا وإن لم أرَه فقد صاحبُتُ أخاه عليَّا، ورأيتهُ وقد رفعه الله مكاناً عَلياَّ، ففُزْت بصُحْبته وقد طافتْ وُفودُ الآمالِ حولَ كَعْبتِه.
جمالَ ذِي الأرضِ كانوا في الحياةِ وهمْ ... بعدَ المماتِ جمالُ الكُتْبِ والسّيَرِ
فمن شعره قوله:
فنِجْانُ قَهْوةِ ذّا المليحِ وعْينُه ال ... كَحْلاْء حارَتْ فيهما الألْبابُ
فسَوادُها كسَوادِها وبياضُها ... كبياضِها ودُخانُها الأهْدابُ
стр. 411
قال أبو منصور الجْوَاليِقي في كتاب) المُعرَّب (: الفنجان معرَّب، وصوابه فنْجانة، وفيه نظَر وتشبيه الدُّخان بالأهْداب تشبيه بديع.
ومثله في الحُسنْ قولُ الصَّنَوْبَرىّ
مُجمَّرةٌ طاف بها الغِلْمانُ ... أبدَعَ في صَنعتِها الزَّمانُ
كأنها فيما حكَى العَيَانُ ... فَوّارةٌ وماؤها دُخانُ
في بِرْكةٍ حَصْباؤها نيِرانُ ... إذا تَبدّتْ حَزِن الرَّيحْانُ
وسُرَّتِ الجُيوبُ والأرْدَانُ
وقلتُ فيها، من أرجوزة أيضا:
لله ما أحْسنَها من مُجمَّرهْ ... أنْفاسْها طيبةٌ مُعَطره
كأنَّها ورِيحُها طُيَّابُ ... نَرْجسَةٌ من فوقِها ضَبابُ
وعلى ذِكْر الأهداب انظر حسنُ قولي، في مليح لبي فَرْوة سَمور
وضَبيٍ مِن السّمُّورِ ألْبس فرْوَةً ... وماسَ كما هزَّتْ ضَباً سُحرة سَرْوَا
كأنّ عيونَ الناسِ من دَهْشةٍ به ... تُخلّف أهداباً فتحسَبُها فَرْوَا
ولشيخنا العِناياَتي، من قصيدة:
قَهْوةٌ لا صُداعَ فيها نَعَمٌ في ... ها مُزيلٌ مِن الصُّداِع مُريح
стр. 412
صِبنَ في الصّينِ مِسْكُها فحكاها ... لَعَسٌ في بياضِ ثْغرٍ يلُوحُ
ليلُ وصْل في صُبْحِ لُقْيا حبيبٍ ... طاب منها غَبُوقُها والصَّبوحُ
وللأستاذ محمد البَكْرى، أو لمحمد ماَماَى المعروف بالرُّومِي:
أنا المعشوقةُ السَّمْرَا ... وأجْلَى في الفناَجِين
وعودُ الهِنْدِ لي طِيبٌ ... وذكْرِى شاعَ في الصِّينِ
وكتب جمال الدين للقطب المكَىّ، يهنّيه بشهر رمضان:
يا شيخَ أهل العلمِ في أمّ القُرَى ... رمضانُ هَلَّ ببَهْجةٍ لم تُوصَفِ
فَتَهَنَّ وحدَك إن ذاتَك أصبحتْ ... هي اشرفٌ في أشْرفٍ في أشًرفِ
فأجاب، وأجاد، وأجاز:
يا واحدّ الفُضلاءِ أنتَ جمالُنا ... فَتَهَن بالشهرِ الشريفِ الأشْرفِ
شعْرٌ بِشْعر لا رِباً فيه وإن ... زاد العِيارُ فوزْنُ هذا الأشْرَفي
الأشرَفي في العُرْف بمعنى الدّينار، نسبةً للملك الأشرف، وتوحيده جرّته القافيةُ.
ولابن الَقّيم وقد مدح مَن أجابه، وأجازه:
ولما مدحت الهِبْرزِى بنَ احمدٍ ... أجاز وكافَني على المدْحِ بالمدِْح
فعَّوضنيِ شِعْراً بشْعرٍ وزادني ... عطاءَ فهذا رأسُ ماليِ وذَا رِبْحِي
стр. 413
لفظْتُ ملوك الأرضِ حتى لقِيتهُ ... فكنتُ كَمن شقَّ الظلامَ إلى الصُّبحِ
وهذا من قول ابن سِنان الخَفاَجِيّ:
طوَيتُ إليك الباخِلينَ كأنَّني ... سرَيْتُ إلى شمسِ الضُّحَى في الغَياهِبِ
ومما يشبه هذا قولُ البَبَّغاء:
زمنُ الوردِ أشرفُ الأزْمانِ ... واوانُ الرَّبيعِ خيرُ أَوانِ
أدرك النَّرْجِسُ الجنِىُّ وفُزْنا ... منهما بالخُدودِ والأجَفْانِ
أشْرفُ الزَّهْرِ زارَ في أشرفِ الدّه ... رِ فصِل فيه أشرفَ الخِلاَّن
ومدح البُحتُرِيَ طاهرَ بن إسماعيل الهاشِمي، فبعث له بدنانير، وكتب معها:
لو يكون الحِياء حسْبَ الذش أنْ ... لدينْا له مَحَلٌ وأهلُ
لُحَييبَ اللُّجَينَ والدُّرَّ واليا ... قوتَ حَثْواً وكان ذاك يَقِلُّ
والشَّريفُ الظريفُ يسمحُ بالعُذْ ... رِ إذا قصَّر الصديقُ المقِلُّ
فردَّها، وكتب إليه:
بأبيِ أنتَ للبرَّ أهلُ ... والمساعي بَعْدٌ وسَعْيُك قَبْلُ
والنّوالُ القليلُ يكثُر إن شا ... ء مُرجّيك والكثيرُ يقِلُّ
стр. 414
غير أنَّى رَدَدتُ برَِّك إذْ كا ... ن رِباً منك والرّبا لا يحلُّ
وإذا ما جزِيْت شعراً بشْعرٍ ... يبلُغُ الحقُّ والدنانيرُ فَضْلُ
ومثله قول أبي القاسم الدَّاوُدِي:
ربما قصَّر الصديقُ المُقِلُّ ... عن حقوقٍ بهنَّ لا يسْتقلُّ
ولئن قلَّ نائلٌ فصَفاهُ ... في وِدادٍ ونيَّةٍ لا يِقلُّ
أرْخ سِتْراً على حَقارةِ برِىّ ... هَتْكُ برَّ الصديقِ ليس يحِلُّ
ولنْورد هنا رِبا الشعر، وما قيل فيه؛ فإن الحديث شُجون.
وقد قال الصنَوْبَري:
لستُ أستحسنُ الرّبا في سوى ال ... وُدّ فأجْزِي مثْلاُ بمثلٍ وأُضْعِفْ
ولما هنَّأ الشعراء ابن طاهر بولاية خُرَاسان وأنشده تّمام بنُ ابي تمام
هنَّاك ربُّ العرشِ هنا كا ... مامِن جزيل المُلكِ أعْطاكاَ
قرَّتْ بما أعطِيتَ ياذا الحِجاَ ... والباسِ والإنْعامِ عيْناكَا
أشرقتِ الأرضُ بما نِلتهُ ... وأوْرقَ العودُ بجَدْواكاَ
استضعف الحاضرون شعرَه، وقالوا: ما أبعدَ ما بينه وبين أبيه.
стр. 415
فأجابه بعضُهم بقوله:
حيَّاك ربُّ الناسِ حيَّاكاَ ... إنَّ الذي أمَّلتَ أخْطاكاَ
مدحْتَ خِدْناً متهما ما له ... ولو رأى مَدْحاً لواساكاَ
فهاكَ إن شئْتَ بها مِدْحةً ... مثلَ الذي أعْطَيْتَ أعْطاكا
فقال: أعز الله الأميرَ، الشعر بالشَّعر رِباً، فاجعل بينهما مِنَحاً من الدراهم؛ حتى يحِلَّ.
فضحك، وقال: إن لم يكن معه شعرُ أبيه، فمعه ظَرْفُه، وأجزل جائزتَه.
وقال السّراج الورَّاق:
وعوَّضَنيِ على شِعْري بشعْرٍ ... وجازَى بالمُحال على المُحالِ
ولستُ ألوُمه فيما أتاهُ ... لِعادتهِ قديماً بالبدالِ
وكتب دِعْبل لأبي دُلفَ، وقد انقطع عنه:
стр. 416
هجَرتُك لم أهجُرك كُفْرانَ نِعْمةٍ ... وهل يُرْتَجى نَيلْ الزيادة بالكُفرِ
ولكنني لما أْتيتُك زائراً ... فأفْرطتَ في بِرَّى عجزتُ عن الشكرِ
فإن زدْتني بِرا تزايدْتُ جَفْوة ... فلا نَلتقي طولَ الحياة إلى الحشْرِ
فوجَّه له ألفَ دينار، مع رُقْعةٍ فيها:
إلا رُبَّ ضيفٍ زائرٍ قد بسطْتُه ... وآثرْتُه قبلَ الضّيافةِ بالبشْرِ
أتاني بترْحيبٍ فما حال بيِنْه ... وبين الِقرَى والبشْرِ من نائلٍ نزْرِ
رأيتُ له فضلاً علىَّ بقَصْدهِ ... إلى أن يراني موضعَ الحمدِ والشكرِ
فزوَّدْتُه مالاً يقلُّ بقاَؤه ... وزوَّدني حَمْداً يدومُ على الدَّهرِ
فردَ دِعْبل الألفَ، وقال: الشّعر بالشعر، والبرُّ رِباً.
ومثل قول دِعْبل لأبي العلاء المعَرّي
стр. 417
لو اخْتصرتُمْ مِن الإحْسانِ زُرْتُكم ... فالعَذْبُ يُهْجرُ للإفْراطِ في الخَصَرِ
وكنت كتبتُ لبعض الناس شعْراً فأجاب عنه بشْعرٍ فكتبتُ له:
فدَيْتُك قد بعْثتُ الشّعر دُرّا ... نفيساً عِقْدُه مِنَنُ الرَّقابِ
فجثتَ بمثْلِه مِن غير وَزْنٍ ... يُعفّر في الوُجوهِ ولا يُحابِى
عملْتَ بسنةَ المختارِ لَّما ... منَنْتَ به سريعاً في جوابي
وقلتَ بلا رِباً وفَّنْتُ مَدْحاً ... بمَدْحٍ منك صرْتَ به تُرَاب
стр. 418
ى
أخوه علي العِصاميّ
كعبة المعالي، وَمن به حالُ الكمالِ حاليِ.
لا عيبَ فيه إلا أن لفظَه عطَّل الياقوتَ والدُّرَ، ولا عيبَ في نَداه إلا أنه يبعد كلَّ حُرّ.
فهو غُرةُ الجَمال، وصورةُ الكمال.
إذا نطق فما الروضُ زارَه الَحياَ، وإذا تهلَّل فما النهر حيَاه بَرقُ السَّما.
ولعَمَرْي غن جَده، أسعد الله بَجْمع شملِ الفضائِل جَده.
نفسُ عِصامِ سوَّدتً عصِاماً ... وعلَّمْته الكَرَّ والإقْداماَ
وهذا الحفيد عِقْدُ المناصِب به نضيد.
لم يفتخرْ بآبائِه، ولم يْبتهج بنضارةِ أصْلِه ونمائه لما اعْتصَم بعُرْوةِ الفضلِ الوُثْقَى، وصعَد إلى رَبْةِ المجد وترَقى وقال أنا عِصاميٌ لا عِظاميِ، وإن كنتُ لذِمار مآثرِي حامي.
فألَّف وصَّنف ونوَّع قرَى الأسْماعِ وأتْحَف.
стр. 419
وأفاد الطلاَّب، وحلَّ بأسْنان قلمِه المُشْكلات الصّعاب.
وأقام في جوار بيتِ الله وِحمَاه، معتزِلاً عن الناس ولا بِدْع أن يُعتزِل جار الله.
وكان ممَّن وَرِىَ به زِناَدِى، ورَوِىَ من ورْده فؤادي.
وسُعّرتْ بالاستفادة منه نارِي وفكَّ من رِبقَة الجهل بفضْله أسارِى ولم يزل يُرسل إلى وُفودَ أخْباره، ويُهدِى نسيم نجدٍ إلى نَفَحاتِ آثاره.
إلى أن صُمّ الخَبر، وعمىَ قائُد الأثر.
وبيني وبينه مُكاتباتٌ.
منها، ما كتبتُه إليه مع سَمَك: مولايَ أطال اللهُ بقَاك، ورفعك على هام السِّماك.
أنهِى إليك، ناثِراً للآلئ المَعْذِرة بين يديْك أني زرتُ البحرَ أخاك، ويدُ الرجاء مُدَّت لما بُهتتُ عيونُ الشّباك.
فأهدَى إلىَّ من المسَرَّة، ما كدتُ معه أصْطادُ حوت السّماك بشِباك المجرَّة.
وأرسلَ لزيارتي أمواجَه، فإنْساني الدهرَ وخَطْبَه فلا أدْري أأعْرض عنّى أمْ وَاجَه.
وأهْدَى إلىَّ حيتاناً كأنَّها خناجر، قطعَتْ من الجوع الغَلاصِم والخناصِر.
فصَّير جِيدَ أمالي حاليا، وأذْكرني وما كنت نَاسيِا بحرَ عَطاياك وهو أكبر، ولكنَّ الشيء بالشيء يُذْكَر.
стр. 420
فأرسلتُ وإن كنتُ كمنُ أهْدى للجِنان غضَّ الزَّهَر، وأرسل الشَّمع للشمسِ والتَّمر لهَجَر:
أرسلتُ أسْماكاً إلى ... مَن مجْدُه حلَّ الفلَكْ
أرأيتَ قْبلي مُهْدياً ... أهْدَى إلى البحرِ السَّمكْ
وذكر مرَّة في درسه قولَ الرئيس ابن سينا في بعض كتبه حديث: إنَّ الحكْمةَ لَتَنزْل مِنَ السَّماءِ فلا تَدخُلُ قَلْباً فيِه هَمُّ الْغَدِ.
فقلتُ: إنه لم يُسْنده، وهو بكلام النُّبوُّة أشْبَه.
وقد نظمْتُه فقلت.
مَن يَتْرك الدُّنياَ يسُدْ أهلَها ... ويْقتطِفْ زَهْرتها باليَدِ
لا تسكنُ التَّقوَى ولا حِكْمةٌ ... منْزلَ قلبٍ فيه هَم الغدِ
وللإمام الشافعي رضى الله عنه قريبٌ منه:
كم ضاحكِ والمنايا فوق هامِته ... لوْ كان يعلم غَيْباً مات مِن كَمَدِ
مَن كان لم يؤتَ عِلماً في بقاء غدٍ ... ماذا تفكُّرُه في رِزْقِ بعد غدِ
стр. 421
أحمد المدَنىّ، المعروف باليُتَيْم، مصغَّرا
دُرٌ في حِقاقِ الدهر يَتيم، ودَوْحُة أدبٍ هزّها مُرورُ النسيم.
بعْذبِ طبعٍ مُسَلْسل، وبُرْدِ فصاحة على الشَّعر مُهلْهَل إذا نَسَج حُللَه على مِنْوالها فهو من الطراز الأول.
فهو تَوْءم نسيم السَّحر، وشقيقُ الماء والزَّهر.
وربيب الحسن سقاه ماء الصبا، وخدن الخمائل قدم عليها رسول الصبا.
مع خلاعةٍ ومجُون، وحديث صَبابة كلها شجُون.
في فتيةٍ ينْظِمهُم الطَّرَب، نظْماً يرْقُص له الَحَبب:
لا يُجْمِعون على غير الحرام إذا ... تجمَّعُوا كحَبابِ الرَّاحِ وانْتظمُوا
فمن دُرَّه اليتيم، وعِقْد النَّظيم:
للهِ مُحْكم قهوةٍ تُجْلى لنا ... في أبْيضِ الصّينيّ طاب شَرابُها
فكأنما هي مُقْلةٌ مكْحولةٌ ... ودُخانُها مِن فوقها أهْدَابُهاَ
ونحوه ما قلتهُ:
زرتُ روضَ الحمى الأريض سُحيْراً ... إذْ دعاني إليه سَجْعُ الطيورِ
وكأن الشَّقيقَ تحت ضَبابٍ ... مِجمْرٌ فوقه بُخارُ البَخُورِ
وقد مرَّ قريبا نحوُه
стр. 422
سراج الدين بن عمر الأشْهل المدَنيّ
سراجٌ وهَّاجٌ أشرقتْ منه أنوارُ الفصاحة، وانْجلتْ أبكارُ أفكارِه في حُللَ الملاحة.
حديقُة سِحْر، وحُقةُ شِحْر تَقْطُر منه مِياهُ اللُّطْفِ الجارية، وتجْرِى برِقَّة الحجاز وظَرْف العِراق وجَزالة البادية.
ولم يزلْ مقيما بجوار الرَّسول عليه أشرفُ تحية، حتى أطفأ سِراجَه صَرْصرُ المَّنية.
فمن شعره قوله:
أرسلتُ رُسْلي لقْهوةٍ سَحَراً ... فما أتَوْا سُرْعةً من الكسَلِ
فقيل صِفْها فقلتُ مُقتبِساً ... جاءتْ على فْترةٍ من الرُّسلِ
وله أيضا:
ما الحالُ قالوا صِفْ لنا ... فلعلَّ ما بِكَ أن يُزَاحُ
فأجبتُ ما يَخْفاكُمُ ... حالُ السّراجِ مع الرياحْ
وقد سبقَه لمثْلهفي كثير من شعرِه السراجُ والورّاقُ فمن محاسنه قوله:
يُبنىَّ اقْتَدى بالكتابِ العزيزِ ... فزدتُ سُروراً وزاد ابْتِهاجَا
стр. 423
فما قال لي أفّ في عُمْرِه ... لِكَوْني أباً ولكَوْني سِراجاَ
وله أيضاً:
إلهي قد جاوزتُ سَبْعينَ حِجة ... فشُكراً لنَعْماك التي ليس تُكَفرُ
وعمَّرتُ في الإسلام فازْدَدتُ بهَجة ... ونُوراً كذا يبدُو السّراج المُعَمّرُ
وعمَ نورُ الشْيبِ رأسِي فسرَّنيِ ... وما ساءني أن السّراجَ مُنَوَّرُ
وللسّراج الورَّاق أيضا:
كم قطع الجودُ من لسانِ ... قلَّد من نْظمِه النُّحورَا
فها أنا شاعرٌ سِراجُ ... فاقْطَعْ لِسانيِ أزِدْكَ نُورَا
وللشعراء المتأخرين كثيرُ أشعارٍ، تتعلق بأسمائهم، وقد نحوتُ نحوَهم لّما قلتُ:
قالوا نَراك سقطْتَ من رُتَبِ ... أترى الزَّمانَ بمثْلِ ذا غَلطِاَ
قلتُ الشَّياطينُ الّلئامُ عَلَوْا ... ولذا الشّهاب مِن العُلا سقَطَا
стр. 424
، ٦٨
عبد الرحمن، وعلى ابنا كثير المكّيَّان
أديبان هما في وجهِ الكمال غُرة، وجَوادان سماءُ كرَمِهما للعافِين ثَرَّة.
أمْتَطيا ظهْرَ المجد، ونزلا بطْنَ تِهامةَ وظْهر نَجْد.
بهِمة إذا غزَتْها النَّوائب، كانت عن حَدّ المُرْهفَات نوائِب الْتجافي الدولة الَحَسنِية إلى طِراز الدُّول، وأوَيا لها حيث لا عاصِمَ من طُوفان الخُطوب غلا ذلك الجَبل.
فأصبحتْ يدُ الجود لأسْباب الغَنى رابِطة، ونُظمتْ عقودُ الكرَم في جيِد أملِهما بلا وَاسطِة، ففي تلك الأكُفّ بِحارٌ تَغْرَق فيها الآمال، ويرشَح من عرَقِ الخجلِ لها جَبينُ السَّحاب الهَطَّال.
من كل مَن مسَحَتْ راحةُ إحسانهِ، قذَى الفقرِ عَيْن زمانِه.
فنادى لسانُ العياَن، قد وضَح الصُّبح لمن له عَينْان.
فمما أنشد لعبد الرحمن قوله:
كبارُ زمانِنا أضْحَوْا صغاراً ... وقد غضِب الزمانُ على الكبارِ
كأنَّ زمانَنا من قوم لوُطٍ ... له وَلَعٌ بتقْديمِ الصّغارِ
стр. 425
وفي معناه قول المِعْمار:
أبْرى مُغرًى بالّلواطِ الذي ... يقبحُ لا سِيمَّا على مثْلِهْ
أوقَفَ لا تسَلْ ما جَرى ... وصرتُ خلْفَ الناسِ من أجْلهِ
وقلت:
وزمانٌ فيه الصَّغيرُ يُقدّمْ ... أتُراهُ لذلك الذَّنْبِ ينْدَمْ
لعَن اللهُ قومَ لوُطٍ فهُمْ قدْ ... علموهُ التقْديمَ حتَّى تقَّدمْ
وقلت أيضا، وهو أحسن مما تقدَّم:
أقول لهذا الدَّهْرِ عَتْباً على م لا ... تُقدمُ مَن قد قدَّمَتْهُ الورَى حقا
فهمَّ بتْقديمِ المُقدَّم تَوْبة ... فكان الذي قد رامَ تقْديمه عِلقْاَ
ومما أنشدته لعلىّ بن كَثير قوله:
صحِبتُ الأنامَ فألفْيتُهمْ ... وكلٌ يميل إلى شَهْوتِهْ
وكلٌّ يُريدُ رِضى نفْسِه ... ويجلِبُ ناراً إلى بُرْمَتهْ
فاللهَّ دَرُّ فَتى عارفٍ ... يُدَارِى الزمانَ على فِطنتِهْ
يُجازِى الصَّديقَ بإحْسانِه ... ويُبقْى العدوَّ إلى قُدْرتِهْ
ويلبَسُ للدهرِ أثْوابَهُ ... ويرقصُ للقرْد في دَوْلتِهْ
وقوله:) يجلب ناراً إلى بُرْمتَه (البرمة: قِدر من حجارة، بلُغة أهل مكَّة.
следующие страницы →