الحاجة من غير احساسا بالحرج او انطواء على قول بعينه، فالكل يستقي من ذلك النبع وان اختلفت الدلائل، وكثيرا ما يصدون اختياراتهم بنحو قولهم: «هذا احوط» أو «أحسن» أو «هذا ما ينبغي» أو «نكره هذا» أو «لا يعجبني» فلا تضييق ولا اتهام ولا حجر على رأي له من النص مستند بل يسر وسهولة وانفتاح على الناس لتيسير امورهم.
لقد كان في الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم ومن بعدهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا يقرأها ومنهم من يجهر بها ومنهم من يسر، وكان منهم من يقنت في الفجر، ومنهم من لا يقنت فيها، ومنهم من يتوضأ من الرعاف والقيء، والحجامة، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يرى في مس المرأة نقضا للوضوء ومنهم من لا يرى ذلك ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الابل او ما مسته النار مسا مباشرا، ومنهم من لا يرى في ذلك بأسا.
ان هذا كله لم يمنع من أن يصلي بعضهم خلف بعض كما كان ابو حنيفة واصحابه والشافعي وائمة آخرون يصلون خلف ائمة المدينة من المالكية وغيرهم ولو لم يلتزموا بقراءة البسملة لا سرا ولا جهرا، وصلى الرشيد اماما وقد احتجم فصلى الامام ابو يوسف خلفه ولم يعد الصلاة مع أن الحجامة عنده تنقض الوضوء.
وكان الامام احمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة فقيل له: فإن كان الامام قد خرج من الدم ولم يتوضأ هل يصلى خلفه؟
стр. 107
فقال: «كيف لا أصلي خلف الامام مالك وسعيد بن المسيب» (١٢٥).
وصلى الشافعي ﵀ الصبح قريبا من مقبرة أبي حنيفة ﵀ فلم يقنت والقنوت عنده سنة مؤكدة فقيل له في ذلك، فقال: «أخالفه وأنا في حضرته» وقال ايضا: «ربما انحدرنا الى مذهب أهل العراق» (١٢٦).
وكان مالك ﵀ اثبت الائمة في حديث المدنيين عن رسول الله ﷺ وأوثقهم اسنادا، وأعلمهم بقضايا عمر وأقاويل عبد الله بن عمر وعائشة وأصحابهم من الفقهاء السبعة [*] رضوان الله عليهم اجمعين، وبه وبأمثاله قام علم الرواية والفتوى وقد حدّث وأفتى ﵁، وألف كتابه «الموطأ» الذي توخى فيه ايراد القوي من حديث أهل الحجاز، كما نقل ما ثبت لديه من اقوال الصحابة وفتاوى التابعين، وبوّبه على أبواب الفقه فأحسن ترتيبه وأجاد، وقد اعتبر «الموطأ» ثمرة جهد الامام مالك لمدة اربعين عاما، وهو أول كتاب في الحديث والفقه ظهر في الاسلام وقد وافقه على ما فيه سبعون عالما من معاصريه من علماء الحجاز، ومع ذلك فحين اراد المنصور كتابة عدة نسخ منه، وتوزيعها على الامصار، وحمل الناس على الفقه الذي فيه حسما للخلاف كان الامام مالك أول من رفض ذلك، فقد روي عنه أنه قال: «يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا، فان الناس قد سبقت لهم اقاويل،
стр. 108
وسمعوا احاديث ورووا روايات وأخذ كل قوم بما سبق اليهم وأتوا به من اختلاف الناس فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم. فقال الخليفة: وفقك الله يا أبا عبد الله» (١٢٧) .
فأي رجل هذا الامام الجليل الذي يأبى أن يحمل الناس على الكتاب الذي أودع فيه أحسن ما سمع من السنة، وأقوى ما حفظ وأدرك من العلم الذي لا اختلاف فيه عند أهل المدينة وذلك الحشد من علماء عصره.
رسالة الليث بن سعد الى الامام مالك:
ولعل من أفضل وأحسن أمثلة أدب الاختلاف تلك الرسالة العلمية الرائعة التي بعث بها فقيه مصر وامامها وعالمها الليث بن سعد الى الامام مالك، يعرض عليه فيها وجهة نظره في أدب جم رفيع حول كثير مما كان الامام مالك يذهب اليه ويخالفه فيه الليث بن سعد، ونظرا لطول الرسالة نقتطف منها ما يشير الى ذلك الادب الرفيع الذي اختلف فيه ظله سلف هذه الامة، وكرام علمائها، يقول الليث بن سعد:
« ... سلام عليك، فاني احمد الله الذي لا اله الا هو أما بعد: عافانا الله وإياك، وأحسن لنا العاقبة في الدنيا والآخرة، قد بلغني كتابك تذكر فيه من صلاح حالكم الذي يسرني، فأدام الله ذلك لكم، وأتمه
стр. 109
بالعون على شكره والزيادة من احسانه ... ثم يقول: وإنه بلغك أني افتي الناس باشياء مخالفة لما عليه الناس عندكم، وأني يحق عليّ الخوف على نفسي لاعتماد من قبلي على ما أفتيهم به، وأن الناس تبع لأهل المدينة التي كانت اليها الهجرة، وبها نزل القرآن، وقد أصبت بالذي كتبت به من ذلك إن شاء الله تعالى ووقع مني بالموقع الذي تحب، وما أجد أحدا ينسب إليه العلم أكره لشواذ الفتيا، ولا أشد تفضيلا لعلماء أهل المدينة الذين مضوا، ولا آخذ لفتياهم فيما اتفقوا عليه مني والحمد لله رب العالمين لا شريك له» .
ثم يمضي الإمام الليث بن سعد في رسالته موردا أوجه الاختلاف بينه وبين الإمام مالك رحمهما الله تعالى حول حجية عمل أهل المدينة مبينا أن كثيرا من السابقين الأولين الذين تخرجوا في مدرسة النبوة حملوا الى مشارق الارض ومغاربها، وهم يجاهدون، ما تعلموه من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وبيّن أن التابعين قد اختلفوا في أشياء وكذلك من أتى بعدهم من أمثال: ربيعة بن أبي عبد الرحمن حيث يذكر بعض مآخذه عليه، ثم يقول: «ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير، وعقل أصيل، ولسان بليغ، وفضل مستبين، وطريقة حسنة في الإسلام، ومودة صادقة لإخوانه عامة، ولنا خاصة، ﵀ وغفر له وجزاه بأحسن ما عمله» ثم يذكر من أمثلة الاختلاف بينه وبين الإمام مالك قضايا عديدة مثل: الجمع ليلة المطر والقضاء بشاهد ويمين ومؤخر الصداق لا يقيض إلا عند الفراق وتقديم الصلاة على الخطبة في الاستسقاء ... وقضايا خلافية أخرى، ثم قال في نهاية الرسالة
стр. 110
«.... وقد تركت أشياء كثيرة من أشباه هذا، وأنا أحب توفيق الله إياك، وطول بقائك، لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك، مع استئناسي بمكانك وإن نأت الدار، فهذه منزلتك عندي ورأيي فيك فاستيقنه، ولا تترك الكتاب إليّ بخبرك وحالك وحال ولدك وأهلك، وحاجة إن كانت لك، أو لأحد يوصل بك فإني أسر بذلك، كتبت إليك ونحن معافون والحمد لله، ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكر ما ألانا، وتماما ما أنعم به علينا، والسلام عليكم ورحمة الله» (١٢٨) .
إن هناك كثيرا من المناظرات العلمية الدقيقة المليئة بأدب الاختلاف حفلت بها كتب التراجم والتاريخ والمناظرات ونحوها، ولا يكاد المرء يفتقد «أدب الاختلاف» بين أهل العلم إلاّ بعد شيوع التقليد وما رافقه من تعصب وتعثر في سلوك أهل العلم، ونظراتهم الى العلم نفسه، ولاسيما بعد أن خلت الساحة من أمثال العلماء الذين يقول فيهم الإمام الغزالي: «وكان قد بقي من علماء التابعين من هو مستمر على الطراز الأول، وملازم صفو الدين، ومواظب على سمت علماء السلف، فكانوا إذا طلبوا هربوا وأعرضوا» فاضطر الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات، وحل محل هذا الرعيل المبارك طلاب الدنيا بالدين، وحل الذي هو أدنى مكان الذي هو خير، وفي ذلك يقول الإمام الغزالي: «فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء وإقبال الأئمة والولاة
стр. 111
عليهم مع إعراضهم عنهم، فاشرأبوا بطلب العلم توصلا إلى نيل العز، ودرك الجاه من قبل الولاة، فأكبّوا على علم الفتاوى وعرضوا أنفسهم على الولاة، وتعرفوا اليهم، وطلبوا الولايات والصلات منهم، فمنهم من أنجح، والمنجح لم يخل من ذل الطلب ومهانة الابتذال فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن السلاطين أذلة بالإقبال عليهم إلاّ من وفقه الله تعالى في كل عصر من علماء دين الله» (١٢٩) .
لقد صوّر الإمام الغزالي ﵀ واقع العلماء بعد أن غدت الدنيا مطلبهم، وصار الدين الطريق الوحيد الموصل إلى أبواب الولاة، كما أصبحت الرغبة في كسب ودّهم هي التي تدفع فئات ممن تزيوا بزي العلماء إلى طلب العلم.
إن الإمام مالكا عليه رحمة الله يقول: «لا يؤخذ هذا العلم من أربعة، ويؤخذ ممن سواهم: لا يؤخذ من سفيه، ولا يؤخذ من صاحب هوى يدعو إلى بدعته، ولا من كذّاب يكذب في أحاديث الناس وإن كان لا يتهم على حديث رسول الله ﷺ ، ولا من رجل له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحمل ويحدث به» (١٣٠) . وقال أيضا: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول الله ﷺ عند هذه الأساطين
стр. 112
(وأشار إلى مسجد رسول الله ﷺ فما أخذت عنهم شيئا، وإن أحدهم لو اؤتمن على بيت مال كان أمينا، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، وقدم علينا ابن شهاب فكنا نزدحم على بابه» (١٣١) .
ورجال تلك صفاتهم لم يكن ليقع بينهم كبير اختلاف، وإن وقع فمن أجل الحق، ولن يدس الهوى أنفه في خلاف لا يدعو إليه غير الحق ... وحتى نؤصل الآداب التي سار على نهجها كرام علمائنا، فنجعل منهم لنا القدوة الصالحة، وتكون خلالهم الكريمة تلك مثلا نحتذي به، نقدم نماذج من أدب الاختلاف بين كبار الأئمة من السلف الصالح رضوان الله عليهم.
أبو حنيفة ومالك:
مرّ معنا في استعراضنا لمذهب الأئمة الاختلاف الكبير بين أبي حنيفة ومالك رحمهما الله، وتباين الأسس التي يعتمدها كل منهما فيما يخص مذهبه؛ ولكن هذا لم يمنع، رغم فارق السن التي بينهما، أن يجلّ الواحد منهما صاحبه، وأن يكون معه على جانب كبير من الادب مع اختلاف مناحيهما في الفقه ... أخرج القاضي عياض في «المدارك» قال: قال الليث بن سعد: لقيت مالكا في المدينة، فقلت له: إني أراك تمسح العرق عن جبينك. قال: عرقت مع أبي حنيفة، إنه لفقيه
стр. 113
يا مصري،. قال الليث: ثم لقيت أبا حنيفة، وقلت له: ما أحسن قول هذا الرجل فيك (يشير إلى مالك) فقال أبو حنيفة: ما رأيت أسرع منه بجواب صادق، ونقد تام ... (١٣٢) .
محمد بن الحسن ومالك:
يعتبر محمد بن الحسن من أبرز أصحاب أبي حنيفة، وهو مدوّن مذهبه، رحل إلى مالك ولازمه ثلاث سنين، وسمع منه الموطأ، ويتذاكر الإمامان محمد بن الحسن والشافعي يوما، فيقول محمد: صاحبنا (يريد أبا حنيفة) أعلم من صاحبكم (أي مالك) وما كان لصاحبنا أن يسكت وما كان لصاحبكم أن يتكلم كأنه يستثير الإمام الشافعي بذلك فيقول الإمام الشافعي:
نشدتك الله من كان أعلم بسنة رسول الله ﷺ : مالك أو أبو حنيفة؟ فيقول محمد: مالك، ولكن صاحبنا أقيس. يقول الشافعي: قلت نعم، ومالك أعلم بكتاب الله من ابي حنيفة، فمن كان أعلم بكتاب الله وسنة رسوله كان أولى بالكلام، فيسكت الإمام محمد بن الحسن (١٣٣) .
стр. 114
الشافعي ومحمد بن الحسن:
يقول الإمام الشافعي: ذاكرت محمد بن الحسن يوما، فدار بيني وبينه كلام واختلاف، حتى جعلت أنظر الى أوداجه تدر، وتتقطع أزراره.. (١٣٤) .
ويقول محمد بن الحسن: إن كان أحد يخالفنا فيثبت خلافه علينا فالشافعي، فقيل له: فلم؟ قال: لبيانه وتثبته في السؤال والجواب والاستماع ... (١٣٥) .
تلك هي بعض نماذج ادب الاختلاف، من آداب علماء الأمة، نستنبط منها: أن خلف الأمة في قرون الخير كان يسير حذو السلف، والكل يستقي من ادب النبوة، ولم يكن أدب السلف الصالح يقتصر على تجنب التجريح والتشنيع، بل كان من الآداب الشائعة في ذلك الجيل من العلماء التثبت في أخذ العلم واجتناب الخوض فيما لا علم لهم به، والحرص على تجنب الفتيا خوفا من الوقوع في الخطأ. قال صاحب القوت: وروينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت في هذا المسجد (مسجد رسول الله ﷺ مائة وعشرين من أصحاب رسول الله ﷺ ما منهم احد يسأل عن حديث أو فتيا إلاّ ودّ ان أخاه كفاه ذلك. وفي لفظ آخر: كانت المسالة تعرض على أحدهم فيردها إلى الآخر،
стр. 115
ويردها الآخر حتى ترجع الى الذي سأل عنها أول مرة ... (١٣٦) .
وقد ارتفع هؤلاء الرجال فوق مشاعر الإحساس بالغضاضة، فقد يتوقف أحدهم أمام مسالة تأثما، فمن ذلك أن رجلا سأل مالك بن أنس عن مسألة، وذكر أن قومه أرسلوه يسأله عنها من مسيرة ستة أشهر، قال مالك: فأخبر الذي أرسلك أني لا علم لي بها. قال الرجل: ومن يعلمها؟ قال مالك: من علّمه الله، قالت الملائكة: (لا علم لنا إلا ما علّمتنا) (البقرة: ٣٢) .
وروي عن مالك أيضا ا، هـ سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: «لا أدري» .
وعن خالد بن خداش قال: قدمت على مالك من العراق بأربعين مسألة فسألته عنها فما أجابني منها إلاّ في خمس مسائل.
وكان ابن عجلان يقول: إذا أخطأ العالم قول (لا أدري) أصيبت مقاتله.
وروي عن مالك، عن عبد الله بن يزيد بن هرمز قال: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه قول (لا أدري) حتى يكون ذلك في أيديهم أصلا يفزعون إليه، فإذا سئل أحد عما لا يدري قال: لا ادري.
وقال أبو عمر بن عبد البر (توفي سنة ٤٦٣) : صح عن أبي الدرداء أنه قال: لا أدري نصف العلم.
стр. 116
مالك وابن عيينة:
كان ابن عيينة (١٣٧) قرين مالك وندا له، يقول الإمام الشافعي: «ومالك وابن عيينة القرينان، ولولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز (١٣٨) » ومع ذلك فقد روي: أن ابن عيينة ذكر مرة حديثا فقيل له: إن مالكا يخالفك في هذا الحديث، فقال القائل: أتقرنني بمالك؟ ما أنا ومالك إلا كما قال جرير:
وابن اللبون إذا ما لزّ في قرن ... ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
ويروي لسفيان بن عيينة قول رسول الله ﷺ :
(يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يوجد عالم أعلم من عالم المدينة) فيقال لسفيان: من هو؟ فيقول: إنه مالك بن أنس: ويقول: «كان لا يبلغ من الحديث إلا صحيحا، ولا يحمل الحديث إلا عن ثقاة الناس، وما أرى المدينة إلا ستخرب بعد موت مالك بن أنس» (١٣٩) .
стр. 117
مالك والشافعي:
يقول الإمام الشافعي: مالك بن أنس معلمي، وعنه أخذت العلم، وإذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد آمن علي من مالك بن أنس ... (١٤٠) وكان يقول: إذا جاءك الحديث من مالك فشد به يديك، كان مالك بن أنس إذا شك في الحديث طرحه كله.
أحمد بن حنبل ومالك:
عن أبي زرعة الدمشقي قال: سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن سفيان ومالك إذا اختلفا في الرواية، فقال: مالك أكثر في قلبي. قال: قلت فمالك والأوزاعي إذا اختلفا؟ فقال: مالك أحب إليّ، وإن كان الأوزاعي من الأئمة، قيل له: وإبراهيم (أي النخعي) فكأنه كان يرى أن إبراهيم لا ينبغي أن يقرن بمالك لأنه ليس من أهل الحديث، فقال: ضعه مع أهل زمانه. وسئل عن رجل يريد أن يحفظ حديث رجل واحد بعينه قيل له: حديث من ترى له؟ قال: يحفظ حديث مالك (١٤١) .
стр. 118
آراء بعض العلماء في أبي حنيفة:
كان شعبة بن الحجاج أميرا للمؤمنين في الحديث (١٤٢) ، وأبو حنيفة من أهل الرأي بالمكانة التي عرفنا، ورغم تباين منهجيهما فقد كان شعبة كثير التقدير لأبي حنيفة، تجمع بينهما مودة ومراسلة، وكان يوثّق أبا حنيفة، ويطلب إليه أن يحدّث، ولما بلغه نبأ موته قال: لقد ذهب معه فقه الكوفة تفضل الله عليه علينا برحمته (١٤٣) .
وسأل رجل يحيى بن سعيد القطان عن أبي حنيفة فقال: ما يتزين عند الله بغير ما يعلمه الله عزك وجل، فإنا والله إذا استحسنا من قوله الشيء أخذنا به.
وهكذا لم يكن الاختلاف وتباين الآراء يمنع أحدا من الأخذ بما يراه حسنا عند صاحبه، وذكر فضله في هذا ونسبة قوله إليه.
وعن عبد الله بن المبارك روايات كثيرة في الثناء على أبي حنيفة: فقد كان يذكر عنه كل خير، ويزكيه، ويأخذ من قوله، ويثني عليه، ولا يسمح لأحد أن ينال منه في مسجده، وحاول بعض جلسائه يوما أن
стр. 119
يغمز ابا حنيفة فقال له: اسكت، والله لو رأيت ابا حنيفة لرأيت عقلا ونبلا.
ونقل عن الشافعي أنه قال: سئل مالك يوما عن عثمان البتّي، فقال: كان رجلا مقاربا، وسئل عن ابن أبي شبرمة فقال: كان رجلا مقاربا، قيل: فأحبو حنيفة: قال: لو جاء إلى أساطينكم هذه (يعني سواري المسجد) فقايسكم على أنها خشب، لظننتم أنها خشب (١٤٤) إشارة الى براعته في القياس، أما الإمام الشافعي فما أكثر ما روي عنه قوله: ... الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة (١٤٥) .
ولم تكن مجالس هؤلاء الرجال ليذكر فيها إلاّ الخير، ومن حاول تجاوز الآداب التي تجب مراعاتها مع أئمة هذه الأمة رد إلى الصواب، وحيل بينه وبين مس أحد بما يكره، فقد سئل الفضل بن موسى السيناني (١٤٦) : ما تقول في هؤلاء الذين يقعون في أبي حنيفة؟ قال: إن ابا حنيفة جاءهم بما يعقلونه وبما لا يعقلونه من العلم، ولم يترك لهم شيئا فحسدوه (١٤٧) .
هذه بعض الاقوال التي نقلت عن ائمة في الحديث كانوا مخالفين
стр. 120
للإمام أبي حنيفة في معظم ما ذهب إليه، ولكن مخالفتهم له لم تمنعهم من الإشادة به، والثناء عليه، وذكره بما هو أهل له من الخير، ذلك لثقتهم بأن الخلاف بينهم وبينه لم يك وليد الهوى، ولا الرغبة في الاستعلاء، بل كان نشدان الحق ضالة الجميع ﵏، ولولا هذه الاخلاق الكريمة والآداب الفاضلة لا ندثر فقه الكثير من علماء سلفنا الصالح، وما كانوا يذبون عن أحد إلاّ لعلمهم أن في ذلك صونا لفقه هذه الأمة التي لا تستقيم حياتهما إلاّ في ظله.
آراء بعض العلماء في الشافعي:
كان ابن عيينة هو من هو في مكانته إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا التفت الى الشافعي وقال: سلوا هذا. وكثيرا ما كان يقول إذا رآه: هذا أفضل فتيان زمانه. وحين بلغه نبأ وفاة الشافعي قال: إن مات محمد بن إدريس فقد مات أفضل أهل زمانه.
وكان يحيى بن سعيد القطان يقول: أنا أدعو الله للشافعي حتى في صلاتي. وكان عبد الله بن عبد الححم وولده على مذهب الإمام مالك، ولكن هذا لم منع عبد الله بن الحكم من أن يوصي ولده محمدا بلزوم الإمام الشافعي حيث قال له: الزم هذا الشيخ (يعني الشافعي) فما رأيت أحدا أبصر بأصول العلم أو قال: أصول الفقه منه. ويبدو أن الولد قد أخذ بنصيحة أبيه حيث يقول: لولا الشافعي ما عرفت كيف أرد على أحد، وبه عرفت ما عرفت، وهو الذي علمني القياس رحمه
стр. 121
الله فقد ان صاحب سنة واثر، وفضل وخير، مع لسان فصيح، وعقل صحيح رصين (١٤٨) .
بين الإمام أحمد والشافعي:
عن عبد الله بن الإمام أحمد قال، قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي، فإني أسمعك تكثر الدعاء له؟ فقال: يا بني: كان الشافعي ﵀ كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو عوض؟
وعن صالح بن الإمام أحمد قال: لقيني يحيى بن معين فقال: أما يستحيي ابوك مما يفعل؟ فقلت: وما يفعل؟ قال: رأيته مع الشافعي والشافعي راكب، وهو راجل آخذ بزمام دابته. فقلت لأبي ذلك، فقال: إن لقيته فقل: يقول لك أبي: إذا اردت أن تتفقه فتعال فخذ بركابه من الجانب الآخر (١٤٩) .
وعن أبي حميد بن أحمد البصري قال: كنت عند أحمد بن حنبل نتذاكر في مسألة، فقال رجل لأحمد: يا أبا عبد الله لا يصح فيه حديث. فقال: إن لم يصح فيه حديث ففيه يقول الشافعي وحجته أثبت شيء فيه. (ثم قال: أي أحمد) قلت للشافعي: ما تقول في مسألة كذا وكذا فأجاب فيها، فقلت: من اين قلت؟ هل فيه حديث أو
стр. 122
كتاب؟ قال: بلى فنزع في ذلك حديثا للنبي ﷺ ، وهو حديث نص (١٥٠) .
وكان أحمد ﵀ يقول: إذا سئلت في مسالة لا أعرف فيها خبرا قلت فيها: يقول الشافعي، لأنه إمام عالم من قريش (١٥١) .
وعن داود بن علي الأصبهاني قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: لقيني أحمد بن حنبل بمكة فقال: تعالى حتى أريك رجلا لم تر عيناك مثله ... فأراني الشافعي.
كان ذلك رأي أحمد بن حنبل في الشافعي، ولا غرو فأن يكون التلميذ معجبا بأستاذه معترفا له بالفضل، ولكن الشافعي نفسه لم يمنع تتلمذ أحمد عليه من أن يعترف به بالفضل والعلم بالسنة فيقول له: أما أنتم فأعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحا فأعلموني إن يكن كوفيا أو بصريا أو شاميا، أذهب إليه إذا كان صحيحا (١٥٢) .
وكان الشافعي حين يحدث عن أحمد لا يسميه (تعظيما له) بل يقول: «حدثنا الثقة من أصحابنا أو أنبأنا الثقة أو أخبرنا الثقة» (١٥٣) .
وبعد: فتلك لمحات خاطفة (١٥٤) توضح لنا بعض ما كان عليه
стр. 123
أسلافنا من أدب جم، وخل عال لا ينال منه الاختلاف، ولا يؤثر فيه تباين الاجتهادات، وتلك آداب الرجال الذين تخرجوا في المدرسة المحمدية، فما عاد للهوى عليهم من سلطان؛ وكتب التراجم والطبقات والمناقب والتاريخ حافلة بما لا يحصى من المواقف النبيلة، والمناظرات الطريفة بين كبار الأئمة والتي كان الأدب سداها، والخلق الإسلامي الرفيع لحمتها، وحري بنا ونحن نعيش الشتات في كل أمورنا أن نعود إلى فيء تلك الدوحة المباركة، ونلتقي على الآداب الكريمة التي خلفها لنا سلفنا الصالح إن كنّا جادين في السعي لاستئناف الحياة الإسلامية الفاضلة.
ونحن لا ننكر أن هناك مواقف لم تلتزم فيها هذه الآداب، أو خلت من تلك السمات الخيرة التي ذكرناها، ولكنها كانت مواقف من أولئك المقلدين أو المتأخرين الذين أشربوا روح التعصب، ومردوا على التقليد، ولم يدركوا حقيقة الروح العلمية العالية الكامنة وراء أسباب اختلاف الفقهاء، ولم يلهموا تلك الآداب الرفيعة التي كانت وليدة النية الصادقة في تحري الحق، وإصابة الهدف الذي رمى إليه الشارع الحكيم، ويبدو أنهم كانوا من أولئك الذين قال فيهم الإمام الغزالي:
فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا أعزّة بالإعراض عن السلاطين أذلّة بالإقبال عليهم.
والمطلوب سيد نفسه لا ينزع إلا عن الحق، الطالب باع نفسه فلا يشدوا إلا بما يطيب لشاريه، فحولوا الاختلاف الذي كان نعمة أثرت
стр. 124
الفقه الإسلامي وأثبت واقعية هذا الدين ورعايته لمصالح الناس إلى عذاب أليم، وصار عاملا من أخطر عوامل الفرقة والتناحر بين المسلمين.. بل تحول إلى نقمة بددت الكثير من طاقات الأمة فيما لا جدوى منه، وشغلتها بما لا ينبغي أن تنشغل به.
والاختلاف الذي تعرضنا لبعض جوانبه في الصفحات السابقة وألمحنا إلى ما كان في رجاله من آداب رفيعة هو الاختلاف الذي وضع فيه الكاتبون كتبهم في «اسباب اختلاف الفقهاء» قديما وحديثا، أما الخلاف الذي لا تلا تلك القرون الخيرة فهو خلاف من نوع آخر، كما أن له اسبابا أخرى مختلفة.
стр. 125
الفصل السادس: الخلاف بعد القرون الخيرة وآدابه
منذ القرن الرابع الهجري انتهى الاجتهاد، وغربت شمسه، وغدا التقليد شائعا، فالكتب والمدونات محدثة، والقول بمقالات الناس والفتيا على مذهب الاوحد من المجتهدين، واتخاذ قوله، والحكاية عنه، والتفقه على مذهبه لم يكن شيء من ذلك موجودا في القرنين الأول والثاني (١٥٥) . وأما القرن الثالث فقد كان الاجتهاد ولا يزال هو الشائع فيه، وربما عمد بعض العلماء إلى التخريج على قواعد وأصول من سبقهم من أهل العلم ولكن دون تقليدهم والتشبث بأقاويلهم.
وأما أهل المائة الرابعة، فقد كان فيهم العلماء والعامة، فأما العامة
стр. 126
من الناس فقد كانوا يتلقون من أهل العلم ما يروى عن رسول الله ﷺ في المسائل التي لا خلاف فيها من جمهور المجتهدين، كمسائل الطهارة والصلاة والصيام والزكاة ونحوها، فيعملون بحسب ما روي لهم فيها، وإذا وقعت لهم أمر فيها من الدقة ما يحتاجون معه إلى الاستفتاء، استفتوا أهل العلم في ذلك دونما نظر الى المذهب الذي يتمذهب به ذلك العلم.
وأما خاصة الناس وأهل العلم منهم، فقد كانوا يشتغلون بالحديث، ويتلقون من أحاديث رسول الله ﷺ وآثار أصحابه ما لا يحتاجون معه الى شيء آخر في المسائلة من حديث مستفيض أو أقوال متظاهرة لجمهور الصحابة والتابعين، فإن لم يجد أحدهم في المسالة ما يطمئن اليه قلبه لتعارض النقل وعدم وضوح الترجيح ونحو ذلك رجع الى كلام من سبقه من الفقهاء، فإن وجد قوليه اختار أوثقهما سواء أكان من أهل المدينة أو الكوفة.
وكان أهل التخريج منهم يخرجون فيما لا يجدونه مصرحا به ويجتهدون في المذاهب، وينسبون إلى المذهب الذي يخرجون عليه، فيقال: فلان شافعي وفلان حنفي، دون أن يكون هنالك التزام بالمذهب كما صارت إليه الحال فيما بعد. وأصحاب الحديث منهم ينسبون إلى المذاهب لشيوع التوافق، فالنسائي أو البيهقي أو الخطابي كانوا ينسبون الى الشافعي مثلا، وكان لا يتولى القضاء إلا مجتهد، ولا يسمى العالم فقيها إلا إذا كان مجتهدا.
стр. 127
الحالة بعد القرن الرابع:
أما بعد القرن الرابع فقد تغيرت الحال ولندع حجة الإسلام الغزالي (توفي:٥٠٥هـ) يصف لنا ذلك حيث يقول: «اعلم أن الخلافة بعد رسل الله ﷺ تولاها الخلفاء الراشدون المهديون، وكانوا أئمة علماء بالله تعالى، فقهاء في أحكامه، وكانوا مشتغلين بالفتاوى في الأقضية، فكانوا لا يستعينون بالفقهاء إلا نادرا في وقائع لا يستغنى فيها عن المشاورة، فتفرغ العلماء لعلم الآخرة، وتجردوا لها، وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلق بأحكام الخلق من الدنيا، واقبلوا على الله تعالى بكنه اجتهادهم كما نقل من سيرهم، فلما أفضت الخلافة من بعدهم (أي الخلفاء) الى قوم تولوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام اضطروا الى الاستعانة بالفقهاء، وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في مجاري أحكامهم، وكان قد بقي من علماء التابعين من هو مستمر على الطراز الأول، وملازم صفو الدين، ومواظب على سمت علماء السلف، فكانوا إذا طلبوا هربوا وأعرضوا، فاضطر الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات، فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء، وإقبال الأئمة والولاة عليهم مع إعراضهم عنهم، فاشرأبوا لطلب العلم توصلا إلى نيل العز، ودرك الجاه من قبل الولاة، فأكبوا على الفتيا، وعرضوا أنفسهم على الولاة، وتعرّفوا إليهم، وطلبوا الولايات والصلات منهم، فمنهم من
стр. 128
حرم، ومنهم من أنجح، والمنجح لم يخل من ذل الطلب، ومهانة الابتذال، فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا أعزّة بالإعراض عن السلاطين أذلّة بالإقبال عليهم، إلا من وفقه الله تعالى في عصر من علماء دين الله، وقد كان أكثر الإقبال في تلك الأعصار على علم الفتاوى والأقضية لشدة الحاجات إليها في الولايات والحكومات.
ثم صدر بعدهم من الصدور والأمراء من يسمع مقالات الناس في قواعد العقائد، والمجادلة في الكلام، فأكب الناس على علم الكلام (١٥٦) ، وأكثروا فيه التصانيف، ورتبوا فيه طرق المجادلات، واستخرجوا فنون الناقضات في المقالات، وزعموا أن غرضهم الذب عن دين الله، والنضال عن السنّة وقمع المبتدعة، كما زعم من قبلهم أن غرضهم بالاشتغال بالفتاوى: الدين، وتقلد أحكام المسلمين إشفاقا على خلق الله، ونصيحة لهم، ثم ظهر بعد ذلك من لم يستصوب الخض في الكلام، وفتح باب المناظرة فيه، لما كان قد تولد من فتح بابه من التعصبات الفاحشة، والخصومات الفاشية المفضية إلى إهراق الدماء وتخريب البلاد، ومالت نفسه الى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة، ﵄، على الخصوص، فترك الناس الكلام وفنون العلم وانثالوا على المسائل الخلافيّة بين الشافعي وأبي حنيفة على الخصوص، وتساهلوا في الخلاف مع مالك
стр. 129
وسفيان وأحمد (١٥٧) رحمهم الله تعالى وغيرهم، وزعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع، وتقرير علل المذهب، وتمهيد أصول الفتاوى، وأكثروا فيها التصانيف والاستنباطات ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات، وهم مستمرون عليه إلى الآن، وليس ندري ما الذي يحدث الله فيما بعدنا من الأعصار، فهذا هو الباعث على الإكباب على الخلافيات والمناظرات لا غير، ولو مالت نفوس أرباب الدنيا إلى الخلاف مع إمام آخر من الأئمة وإلى علم آخر من العلوم لمالوا أيضا معهم ولم يسكتوا عن التعلل بأن ما اشتغلوا به هو علم الدين، وأن لا مطلب لهم سوى التقرب الى رب العالمين (١٥٨) » .
ومن استقراء الأفكار في النص نجد أن:
١ الإمام الغزالي ﵀ قد وضع يده في هذه الكلمات على الداء الحقيقي الذي أصاب الأمة نتيجة ذلك الفصام النكد الذي وقع بعد الأئمة الراشدين بين القيادتين: الفكرية والسياسية، فدمغ تاريخنا بتلك السمة التي لم نزل نعاني منها، حيث وجدت ممارسات سياسية غير إسلامية، نجمت عن جهل الساسة بالسياسة الشرعية الإسلامية ... لدينا فقه نظري افتراضي لا مساس له بقضايا الناس، ولا يعالج مشكلاتهم اليومية بالطريقة العملية نفسها التي كانت تعالج فيها تلك القضايا على عهد
стр. 130
الصحابة والتابعين، فمعظم القضايا الفقهية، وكثير من المسائل الأصولية ليست إلا أمورا افتراضية ولدتها المناظرات والمجادلات والقضايا الخلافية.
٢ تحول الفقه، بعد تلك الممارسات الخاطئة، من وسيلة لضبط حياة الناس ووقائعها بضوابط الشرعية الى وسيلة لتبرير الواقع المطلوب، أيا كان ذلك الواقع، فأورث ذلك الحياة التشريعية لدى المسلمين نوعا من القلق الغريب كثيرا ما جعل الأمر الواحد من الشخص الواحد في زمن واحد ومكان واحد حلالا عند هذا الفقيه حراما عند ذلك، ويكفي أنه قد أصبح لدينا أصل من الأصول الفقهية، وباب واسع من ابواب الفقه عرف بباب «المخارج والحيل» (١٥٩) وأصبح إتقان هذا الباب والمهارة فيه
стр. 131
دليلا على سعة فقه الفقيه ونبوغه وتفوقه على سواه، وكلما تقدم الوقت وضعف سلطان الدين على أهله تفاقم هذا الأمر، وتساهل الناس في أمر الشرع حتى وصل الأمر لدى بعض القائمين على الفتاوى أنهم أخذوا يفتون بما لا دليل عليه، ولا يعتقدون صحته زعما منهم أن في ذلك تخفيفا على الناس أو تشديدا يضمن عدم تجاوز الحدود كأن يرخص بعضهم لبعض الحكام بما لا يرخص فيه لعموم الخلق (١٦٠) .
وقد يسأل أحدهم عن الوضوء من لمس المرأة، ومس الذكر فيقول: لا ينتقض به الوضوء عند أبي حنيفة.
وإذا سئل عن لعب الشطرنج وأكل لحوم الخيل قال: حلال عند الشافعي.
وإذا سئل عن تعذيب المتهم، أو مجاوزة الحد في التعزيرات قال: أجاز ذلك مالك.
وإذا أراد أن يحتال لأحد في بيع وقف إذا تخرب وتعطلت منفعته، ولم يكن لمتوليه ما يعمره به أفتاه بجاوز ذلك على مذهب أحمد؛ حتى
стр. 132
أصبحت أوقاف المسلمين تتحول من الوقف إلى الملك الخاص في كل مجموعة من السنين (١٦١) .
وهكذا ضاعت مقاصد الشرع بضياع تقوى الله، وأهملت قواعده الكلية، حتى بلغ الأمر بسفهاء الشعراء وغواتهم ومجانهم حد التندر بأحكام الله كأن يقول أبو نواس:
أبا العراقي النبيذ وشربه ... وقال حرامان المدامة والسكر
وقال الحجازي الشرابان واحد ... فحلت لنا من بين قوليهما الخمر
سآخذ من قوليهما طرفيهما ... أشربها لافارق الوازر الوزر
لقد هان الرجال الذين يحمون بيضة الدين، فهان على الناس دينهم حتى غدا تجاوز الحدود أمرا يقبل عليه الناس بحجة التيسير، فصار ذلك شأن بعض المفتين من الذين هدموا جدار الهيبة وأباحوا لأنفسهم الإفتاء بما يستجيب لهوى النفوس، قابلهم فريق تصلب وتشدد، وحاول أن يبحث عن أغلظ الأقوال واشدها ليفتي من يستفتيه، ظنا منه أنه في هذا يخدم الإسلام، ويرد الناس إلى الأخذ بعزائمه، ولكن الأمر ليس كذلك، النتيجة لم تكن دائما كما توقعوا إذ كثيرا ما يحدث العكس فتنفر العامة من الشرع، وتأبى الانقياد له، وترى فيه العسر بدل اليسر، كما في قصة الملك الأندلسي الذي سأل المفتي المالكي يحيى بن يحيى (١٦٢) عما يجب عليه أن يفعله كفارة لوقاعه في نهار رمضان، فأجابه
стр. 133
بأن عليه صيام شهرين متتابعين لا يجزئه غيرهما. وكان عليه أن يفتيه بالعتق أولا، ولما سئل عن ذلك قال: إنه يستطيع أن يعتق مئات الرقاب فلابد من أخذه بالاشق وهو الصيام، ولو احتكما إلى واقعية الإسلام ويسره وحرصه على أن يجعل استجابة الناس لأحكامه استجابة ذاتيّة فطرية طوعية بلا عنت ولا مشقة، وفي الوقت نفسه لا يدع الناس أحرارا يمتطون مراكب الهوى، لو فعلنا ذلك لتبين لنا أن كلا الطرفين كان مخطئا وأن كلا منهما قد تجاوز ما قصده الشارع الحكيم.
إن مهمة العالم هي تبليغ رسالة الله تعالى للناس كما أنزلها الله في كتبه، وكما ارسل بها رسله، وليس له أمر التشديد أو التخفيف (قل أتعلمون الله بدينكم ... ) (الحجرات: ١٦)
( ... قل أأنتم أعلم أم الله) (البقرة: ١٤٠) والعبرة بالاتباع فما جاوزه ابتداع سواء أكان في جانب التشديد أم التخفيف.
التقليد وعواقبه:
رأينا فيما تقدم كيف آل أمر الاجتهاد الى ما آل إليه، لقد خاف كثير من الصلحاء من أن يلج بابه من لا يصلح له، فقد تصدى للفتيا رجال صنعوا على أعين السلطان فأصبحوا يلوون أعناق النصوص الى حيث مالت بهم رياح الهى، وتفاوت العلماء بين مرخص ومتشدد، وخشي صلحاء الأمة على مصيرهم ومصير دينها وبدؤوا يبحثون عن العلاج فلم
стр. 134
يجدوا منفذا للخلاص إلا في إلزام الأمة بالتقليد، ويا لها من أزمة يكون المخرج منها درك التقليد.
إن تزاحم الفقهاء وتجادلهم فيما بينهم، واستمرار مناقضاتهم ومعارضاتهم وممانعاتهم جعل المخرج الوحيد من الجدل هو الرجوع إلى أقوال المتقدمين في المسائل الخلافية، كما أن الناس فقدوا الثقة بكثير من القضاة لتقربهم من السلطان وإقبالهم على الدنيا وجورهم في كثير من القضايا، فأصبحوا لا يقون بقضاء القاضي إلا إذا كان قضاؤه موافقا لقول أحد الائمة الأربعة.
وهكذا اعتبر تقليد الأئمة الأربعة عند جماهير المسلمين، والتزام أقوالهم في كل ما قالوا به، والتخريج عليها فيما لم يقولوا به ضمانة واقية من الاجتهادات المنحرفة التي قد تصدر عن غير أهل الورع من حملة العلوم الشرعية خدمة للأغراض، وتحقيقا للرغبات، فقد ادعى إمام الحرمين (توفي٤٧٨هـ) انعقاد إجماع المحققين على منع تقليد أعيان الصحابة، بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذي سبروا ونظروا وبوبوا الأبواب وذكروا أوضاع المسائل، وتعرضوا لمذاهب الألين، ثم أكد ذلك وخلص إلى ذلك الحكم الغريب بكون العامي مأمورا باتباع مذاهب السابرين (١٦٣) .
وعلى قول إمام الحرمين هذا، وعلى ادعائه إجماع المحققين، بنى ابن الصلاح (٦٤٣هـ) دعواه بوجوب تقليد الأئمة الأربعة لانضباط
стр. 135
مذاهبهم وتدوينها، وتحرير شروطها، ونحو ذلك مما لم يتوفر لمذاهب سواهم من الصحابة والتابعين (١٦٤) وتناقله عنه بعد ذلك المتأخرون (١٦٥) . ومن هنا بدأ إهمال الناس للكتاب الكريم وعلومه، وإعراضم عن السنة وفنونها، وقنعوا من العلم بنقل الأقوال والمذاهب وتقعيدها وتأصيلها والجدال عنها، والتفريع عليها، والتخريج منها في أحسن الأحوال.
واستمر الانحدار واشتد الخلاف وتعمق ونشأت بعد ذلك قرون على التقليد المحض، فركدت حركة الفكر، وذوت شجرة الاجتهاد، وانتشرت الفتن وعم الجهل، وأصبح الفقيه العالم في نظر الناس هو ذلك الذي حفظ جملة من أقوال الفقهاء وتزود بعدد من الآراء، دون تمييز بين قويها وضعيفها، وصار المحدث من حفظ جملة من الأحاديث صحيحها وسقيمها.
وليت الأمر توقف عند هذه الحدود، فقد نزل الحال عن هذا الدرك الهابط الى ما هو أشد هبوطا منه، كأن شمس العلوم غابت عن دنيا المسلمين وعقم الفكر، فراجت سوق البدع، ونفقت بضاعة الانحراف، وشاعت الخرافات فاتخذت أشكالات مختلفة، مما أفسح أمام الغزاة الطريق ليكتسبوا الحضارة الإسلامية ويستبيحوا ديار الإسلام.
стр. 136
حالة الأمة في الأحقاب الأخيرة:
كانت تلك حالة الأمة التي غفت في أحضان التقليد، ونامت على أحلام ماض مجيد، فمنذ وقوع الفصام النكد بين أولي الأمر ومصادر التشريع لهذه الأمة والناس حيارى تتقاذفهم الأهواء، وعلماء الأمة في شغل عنهم، كل بما يشغله ويرى أنه الأسلم، حتى إن من يطلع على تراث الأمة يكاد لا يصدق أن هذا الخلف الجامد المتحجر من ذاك السلف الحي المستنير؛ ولما قامت النهضة الأوروبية الحديثة، والأمة على تلك الحال، وجد الأوروبيون أمامهم أمة لم يبق من مقوماتها الحقيقية شيء يذكر:
فالعقيدة خاملة، وإيمان الكثيرين مزعزع، واليقين لم يعد يقينا، والسلوك منحرف، والاستقامة معدومة، والفكر جامد، والاجتهاد معطل، والفقه مفقود، والبدع قائمة، والسنة نائمة، والوعي غائب، حتى لكأن الأمة ليست هي، وحالة كهذه قد أغرت الذين كانوا يتربصون بالأمة، فاهتبل الغربيون هذه الفرصة واحتلوا البلاد وامتلكوا أزمة العباد، وقضوا على البقية الباقية من مقومات شخصية الأمة حتى وصل الحال إلى ما نحن فيه اليوم، من هوان واستكانة، وغدت مقاليد أمورنا بأيدي أعدائنا يقررون مصائرنا، فنلتمس عندهم الحل لمشاكل اوجدناها بأنفسنا، وشكلناها بايدينا.
وخلال ذلك حاولت الأمة بما بقي لها من صبابة الحياة أن تنهض من
стр. 137
كبوتها، وتستقبل من عثرتها، فباءت كل محاولاتها بفشل ذريع، لأنها أخطأت السبل المؤدية الى النجاح وخالفت سنة الله، فقد قامت تلك المحاولات من منطلق تقليد الأجنبي والتبعية للمحتل حتى أزدادت أحوالها سوءا وبدأ الجيل الجديد من الأمة يتطلع الى الحل السليم، ويبحث عن البلسم الشافي، فبدأت فئات لا باس بها من أبناء الأمة تدرك «أن آخر هذه الأمة لن يصلح إلا بما صلح بها أولها» فاتجهوا نحو الإسلام ينهلون من عذب معينه، وظهر ما اصطلح على تسميته «الصحوة الإسلامية» وما كان لأعداء الإسلام على اختلاف نحلهم أن يخلوا الساحة لهذه الدعوة المباركة، وما أكثر الأسلحة التي يستخدمونها لمحاربتنا وبعض أبناء جلدتنا الذين يعيشون بين ظهرانينا من تلك الأسلحة حيث لم ير بعضهم بأسا في أن يكونوا معاول هدم بأيدي أعداء الأمة، وقد تمثل ذلك في أجهزة كثيرة تحاول الكيد للعصبة المؤمنة، وتحول بينها وبني تمهيد السبيل لاستئناف الحياة الإسلامية، مستعملة شتى الأسلحة، ناصبة بوجه هذه الصحوة أخطر التحديات، فإذا بهذه الصحوة المباركة تواجه التحدي المقيت «الاختلاف» فيما تواجه من تحديات هائلة، وكانت التحديات الأخرى كافية لاستنزاف جهد العاملين المخلصين بله «الاختلاف» وإذا بكثير من الجهود تتفتت على هذه الصخرة المقيتة، فبدأنا نرى شبابا ينتسبون الى السلفية، وآخرون ينتسبون الى أهل الحديث، وفريقا ينتسبون الى المذهبية، وآخرين يدعون اللامذهبية، وبين هؤلاء وأولئك تتبادل الاتهامات المختلفة من التكفير والتفسيق والنسبة الى البدعة والانحراف
стр. 138
والعمالة والتجسس ونحو ذلك، مما لا يليق بمسلم أن ينسب أخاه إليه بحال، فضلا عن أن يعلنه للناس بكل ما لديه من وسائل غافلين أو متغافلين عن أن ما يتعرض له الإسلام من محاولات استئصال أخطر على الأمة من تلك الاختلافات، وإذا كان للأئمة المجتهدين اسباب اختلاف تبرر اختلافهم، وتخفف منها، وتساعد على وضعها ضمن ضوابط الاختلاف، فإن ارباب الاختلاف من المعاصرين لا يملكون سببا واحدا من اسباب الاختلاف المعقولة، فهم ليسوا بمجتهدين، وكلهم مقلدون بمن فيهم أولئك الذين
يرفعون أصواتهم عاليا بنبذ التقليد ونفيه عن أنفسهم، وأنهم يأخذون الأحكام من الكتاب والسنة مباشرة دون تقليد، وهم في الحقيقة يعكفون على بعض كتب الحديث، ويقلدون كاتبيها في كل ما يقولون في الحديث ودرجه ورجاله ويتابعونهم في كل ما يستنبطونه من تلك الكتب أو ينقلونه من الفقهاء، وكثير منهم ينسب لنفسه العلم بالرجال ومعرفة مراتب الجرح والتعديل وتاريخ الرجال، وهو في ذلك لا يعدو أن يكون قد درس كتابا من كتب القوم في هذا الموضوع أو ذاك فأباح لنفسه أن يعتلي منبر الاجتهاد، وحق له أن يتعالى على العباد، وحري بمن نال نصيبا من العلم أن ينهاه علمه أن يكون من الجاهلين، وأن يترفع عن توزيع الألقاب واتهام الناس، ويدرك خطورة ما تتعرض له عقيدة الأمة فيعمل على الذب عنها، ويحرص على جميع القلوب، ومادام الجميع يقلدون ويأخذون عن أئمتهم أقوالهم على اختلافهم وإن زعموا غير ذلك فلا أقل من أن يلتزموا بآداب الاختلاف التي عاش في كنفها كرام الأئمة من السلف.
стр. 139
لقد كان المؤمنون المخلصون يؤملون أن تنطلق هذه الصحوة الخيرة لتردم ما أحدثته الأفكار الكافرة والملحدة، والعقائد الزائفة المنحرفة من هوة سحيقة في كيان هذه الأمة التي اجتالت الشياطين عقول وأفئدة الكثير من أبنائها، وتطهر قلوبهم من ذلك الزيغ لتحل محله العقيدة الإسلامية الصحيحة، ثم تنطلق برسالة الله الى هذا العالم الفسيح فتعلو كلمة الله في الأرض. ولكن ما يحز في النفس أن يعمل بعض أبناء المسلمين على تحطيم أجنحة الصحوة وتكبيلها بقيود الخلاف غير المنضبط حول ما يسحق من الأمور وما لا يستحق، الأمر الذي شغل المسلمين بأنفسهم، وبدد الكثير من طاقاتهم، وخلط أمامهم الأشياء خلطا عجيبا جعلهم لا يفرقون بين الهنات والهيّنات وعظائم الأمور، وبين يسيرها وجليلها، فكيف يمكن لقوم هذا شأنهم أن يعالجوا قضاياهم حسب أهميتها وأن يرتبوا الأمور بشكل يجعلهم قادرين على استئناف مسيرة الحياة الإسلامية؟
إن إثارة الخلاف بين المسلمين، أو تنمية أسبابه خيانة عظمى لأهداف الإسلام، وتدمير لهذه الصحوة المعاصرة التي أحيت الأمل في النفوس، وتعويق لمسيرة الإسلام، وتشتيت لجهود العاملين المخلصين لا يرضي الله جلّ شأنه، ولذلك فإن من أكثر وأهم واجبات المسمين اليوم عامة والدعاة منهم خاصة بعد الإيمان بالله تعالى: العمل على توحيد فصائل حملة الإسلام ودعاته، والقضاء على كل عوامل الخلاف بينهم، فإن كان لا محالة فليكن في أضيق الحدود، وضمن آداب سلفنا الصالح، ولا يمنع اختلاف الآراء من التقاء القلوب
стр. 140
لاستئناف الحياة الإسلامية الكريمة ما دامت النية خالصة لوجه الله تعالى، وعندها فلن يعدموا التفويق والتأييد من الله.
أسباب الاختلاف اليوم
من المسلم به أن أسباب الاختلاف تتباين بين الأعصار، وإن كان كل عصر يورث الأعصار التالية بعض أسبابه، وإن من أبرز وأهم أسباب الاختلاف اليوم بين المسلمين: الجهل بالإسلام، أو العلم الناقص به.
كانت الحالة العلمية في بلاد المسلمين قبل دخول المستعمر الكافر إليها ما وصفنا، أما بعد دخوله ديار الإسلام فقد ازداد الأمر سوءا، فقد عرف المحتلون أين يكمن فضل هذه الأمة، فوجهوا اهتمامهم إلى وضع برامج العليم وبناء مؤسساته بالطريقة التي تضمن لهم عقول المسلمين وتغيير أفكارهم حتى تصبح مهيأة لقبول الأوضاع والأفكار العالمية الجديدة ومحاولة الانسجام معها، زعما من المستعمرين الكفرة أن في تقبل المسلمين للواقع الجديد دفعا لهم في مدارج الرقي والتقدم قياسا على البلاد الأوربية التي لم تخط خطوتها الجادة نحو مدارج الحضارة إلاّ بعد أن تمردت على الأحكام الدينية، وتحررت من ربقة الكنيسة، وأن الدين أي دين بزعمهم ليس إلا قيدا يحلو دون انطلاق الإنسان نحو النعيم المنتظر (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) (الكهف: ٥) وإذا كانت هذه الادعاءات صحيحة بالنسبة
стр. 141
لأديانهم المحرفة فما أبعد أن يصح ذلك بالنسبة للإسلام الذي شاء الله أن تسعد به البشرية وتحقق سائر طموحاتها وهي تتحرك بنور الله.
وسعيا لقطع الأمة عن اسباب وجودها وحياتها الإسلامية وضع المستعمر الكافر كل العراقيل والعقبات أمام التعليم الإسلامي، وما يمكن منه وهو تعليم اللغة العربية، وتحقيقها لهذا الهدف فقد أهمل الطلبة الذين ينحون منحى التعليم الإسلامي، وبث الأفكار التي تقلل من شأنهم وتستهين بدراساتهم التي لم تعد تؤهلهم لشغل أدنى المراتب والمناصب، وبالمقابل خص بالرعاية والعناية الطلبة الذين انخرطوا في المدارس الحديثة، وتلقوا تعليمهم فيها، وفتحت أمامهم أبواب المستقبل الزاهر، فأصبحت المواقع القيادية في الأمة وقفا عليهم، وهكذا ضيق الخناق على أهل التعليم الإسلامي واللغة العربية وسددت جميع السبل المؤدية إليه، ولم يعد يقدم على سلوك سبيله إلاّ نزر يسير من الطلبة يتعرضون عادة إلى مضايقات كثيرة جدا قد تحملهم على التراجع في أي مرحلة من مراحل الطريق، ومن أصر على الاستمرار فإن أمامه دائما ألوانا من التمييز بينه وبين الآخرين، كما قلنا، في الأعمال والوظائف والمرتبات والدرجات تجعله يشعر بالظلم وانتقاص القدرة، لذلك فإن التعليم الإسلامي، في معظم بلاد المسلمين، قد قلّ طالبوه وتدنى مستواه، وصار معظم الذين يقبلون عليه كمن يزرع في أرض لا يرجو جني حصادها، وقد لا يدفعهم الى هذا النوع من التعليم الا ظروف معينة، لايقوون على التحرر من ضغوطها حتى بعد التخرج حيث السبيل موصدة أمامهم، ولا قدرة لهم على ممارسة الدور الذي
стр. 142
ينبغي للعالم أن يقم به في المجتمع وتحقيق الرسالة المنوطة به، وأمام الأبواب الموصدة يفقدون استقلالهم وتضمحل شخصياتهم ويحملون على الانخراط في مؤسسات دينية رسمية أعدت، من قبل، لخدمة أغراض مرسومة محددة لا يستطيعون تجاوزها، حيث يحال بينهم وبين تأدية دورهم في المجتمع، ويفقد الناس ثقتهم بهم.
وفي محاولة لتعميق الهوة بين هذه الأمة وعقيدتها، ورغبة في قطع الجذور التي تصلها بشريعتها، حاول المستعمر الكافر وضع التعليم الإسلامي وتعليم اللغة العربية في الظل، وأخلى الساحة لأفكار ومبادئ اختارها، وزين لشباب الأمة ورود حياضها، فلم يجن هذا الشباب إلا الشوك والقذى. ولم يذق غير مر العلقم، لقد جرّب الشباب المسلم كل ألوان الفكر الذي قدم له من شيوعية الى اشتراكية إلى راديكالية وقومية وديمقراطية وغيرها ممن زيّن له من الغثاء الذي زاد الأمة الإسلامية هوانا على هوان، وذلا فاق ما كانت فيه، وأيقن أن الإسلام وحده القادر على معالجة مشكلات الأمة، والنهوض بها من كبوتها، والقضاء على اسباب تخلفها، فقرر أن يتجه بعد أن تاهت به السبل إلى الإسلام، وأن يسلك السبيل إليه من غير رفيق سوء يخاف على دينه ونفسه، ولما واجهته مشكلة التفقه في الدين ومعرفة أحكامه لجأ الى الكتب من غير دراسات منهجية سابقة تعينه على الفهم السليم، كما افتقد الأستاذ الكفء الذي يأخذ بيده في دراسة هذا النوع الجديد عليه من المعرفة، فكانت النتيجة أن أصبح هؤلاء الشباب يفهمون الإسلام من خلال الكتب التي قرؤوها فرؤوا جانبا محدودا من الإسلام لا يعطيهم
стр. 143
الفكرة الشاملة المتكاملة عنه، ولا يمكنهم معرفة مقاصده وكلياته، ولا يمنحهم الرؤية السليمة من خلال غاياته، فهم أشبه بمجموعة من المكفوفين مرت أيديهم على مواضع متفرقة من جسم الفيل واعتبر كل منهم ما لمسه هو الفيل، وهكذا حال المسلمين مع الإسلام اليوم، لقد تفرقت الأمة شراذم وفئات، ففئة تدير ظهرها للإسلام وتركب عربة الهوى تطوف بها بين شرق وغرب حتى كان لم يعد يربطها بالإسلام إلاّ أسماء ورثتها، ولولا بقية حياء لتبرأت منها. وأخرى تحن للعودة الى دوحة الإسلام الوارفة ولكنها تتخذ إليها سبلا مختلفة فيفرق بينها الاختلاف، ويمكّن منها الأعداء، وتلاحقها عصا السلطان تحت كل سماء تحاول أن تسد عليها كل منفذ، وتستأصل شافتها قبل أن يستقيم عودها.
سبيل النجاة:
والآن وقد شخص الداء الذي تعاني الأمة منه، فلعل فيما يأتي شيئا من علاج:
أولا:
إن على المسلمين المخلصين الذين يعملون في حقل الدعوة الإسلامية، ويعيشون واقع مأساة الأمة وحقيقتها أن يختاروا مجموعة من أذكى أبناء الأمة وأنبه شبابها، ويهيؤوا لهم افضل السبل لدراسة علوم الشريعة على أيدي هذه القلة القليلة والبقية الباقية من علماء الشريعة
стр. 144
الذين يجمعون بين العلم والقدوة الحسنة والتقوى والفكر السليم والإدراك القويم لغايات الإسلام ومقاصده وكلياته والفقه في علومه، وأن يتخذوا من أسلوب التربية النبوية منهجا لهم، ويعضد هؤلاء الشباب فئة أخرى تمكنت من العلوم العصرية المختلفة ممن يرى فيهم أنهم على قدر كبير من الإخلاص والتقوى، لعل هؤلاء وأولئك بعد ذلك أن يوجهوا المسيرة ويرشدوا الصحوة ويسددوا خطاها، فتستعيد الأمة عافيتها، وتستأنف دورها القيادي للبشرية التي تدنو من الهاوية يوما بعد يوم، ولا نجاة لها إلا في الإسلام.
ثانيا:
تعديل مسار الفكر لدى المسلمين، بحيث تعالج الأزمة الفكرية التي يعيشها المسلمون اليوم، ولا يدرك إلاّ القلائل أبعادها، هذه الأزمة التي تبرز بوضوح من خلال انهيار مؤسسات الأمة، وانعدام منظماتها وتدني مستوى الوعي والمعرفة والتربية في أبنائها، وتفكك علاقاتها وانحراف الكثرة الغالبة من قياداتها، وإحباط المحاولات الخيرة للنخبة الصالحة من أبنائها، كل ذلك لأن الإسلام اقصي عن حياة الأمة، وغدت الهوة عميقة بين مثل الإسلام وبين جماعات بشرية ترى الإسلام سحابة في السماء لا تمطر ولا تحيي الموات، أو ماء على صخرة ملساء لا ينبت زرعا ولا كلأ، حيث القلوب غلظت وعلاها الران، والعيون عمشت فما عادت تفرق بين خير وشر.
إن المؤسسات التعليمية المختلفة قد أخفقت في أن تقدم للأمة
стр. 145
الإنسان المسلم السوي، فالجامعات التي أقيمت على النمط الغربي في بلاد المسلمين، لم تر أن من مهمتها إعداد العالم المسلم في سائر فروع المعرفة والذي يقوى على أسلمة جميع المعارف والعلوم على يديه، بل رأت أن مهمتها: إعداد المتعلم المفتون بعلوم الغرب وفنونه، والذي سرعان ما يدير ظهره لعقيدة الأمة وأهدافها وغاياتها في الحياة. فخرجت تلك الجامعات أجيالا ضعيفة في انتمائها، مرتبكة في علاقاتها، مضطربة في تفكيرها، عاجزة عن تسخير معارفها لخدمة الأمة.
وأما المؤسسات التعليمية التي أضيفت عليها الصبغة الشرعية، كالأزهر والجامعات المماثلة له، أو الكليات والمعاهد المشابهة لكلياته ومعاهده فهي وإن نجحت بشكل محدود في أن تقدم للأمة بعض المتخصصين الجيدين في بعض العلوم الشرعية، إلا أنها عجزت عن أن تقدم للأمة علماء مسلمين قادة ومفكرين ومجددين يستطيعون أن يقدموا الإسلام للأمة من خلال كلياته وغاياته ومقاصده، ويواجهوا التحديات المعاصرة، وينتصروا عليها، ولذلك انحسر الفكر الإسلامي، ولم يعد هو المهيمن على حياة المسلمين وتفكيرهم، وانفتحت عقول المسلمين وقلوبهم لكل ألوان الفكر المغاير للإسلام، ووقف المسلمون عاجزين عن معالجة قضاياهم في مجالات السياسة والاقتصاد والتنظيم الاجتماعي وغيرها، ناقلين نقلا مشوها كل ما يرونه لدى الآخرين، وفتكت الصراعات المختلفة بين المتعلمين من أبناء الأمة في سائر مقوماتها، هذه الصراعات التي كانت تحسم في الكثير