علماء المدينة من التابعين يرون أن السنن والآثار التي بين أيديهم كافية لتلبية الحاجة الفقهية، وأنه لا شيء يدعهم إلى الأخذ بالرأي بكل ضروبه، على حين كان يرى بعضهم خلاف ذلك، ويأخذ بالرأي حتى عرف به وحمله لقبا، مثل: ربيعة بن أبي عبد الرحمن، شيح مالك الذي لقب بـ «ربيعة الرأي» ولكن الكثرة الغالبة كانت لعلماء السنن والأثار.
أما العراقيون كإبراهيم النخعي (٧٥) وأصحابه فكانوا يرون أن نصيبهم من السنن ليس بقليل، فقد اش بينهم منا لصحابة عدد وافر جاوز الثلاثمائة، وكان كثير منهم من الفقهاء وفي مقدمتهم عبد الله بن مسعود الذي كان من أفقه أصحاب رسول الله ﷺ بكتاب الله، كما كان بينهم علي ﵁ مدة خلافته، وأبو موسى الأشعري وعمار وغيرهم.
وكان إبراهيم النخعي ومعه معظم علماء العراق يرون أن أحكام الشرع معقولة المعنى، مشتملة على ما فيه مصالح العباد، وأنها بنيت على أصول محكمة، وعلل ضابطة لتلك المصالح والحكماء، تفهم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأن الأحكام الفرعية شرعت من أجل تلك العلل، وأن الفقيه هو ذلك الذي يبحث عن علل الأحكام التي
стр. 72
شرعت لأجلها، ويتفهم غاياتها، ليجعل الأحكام مرتبطة بعللها وجودا وعدما، كما كان علماء العراق يرون أن النصوص الشرعية متناهية لكن الوقائع لاتتناهى، فالنصوص قد توقفت بوفاة رسول الله ﷺ فما لم تلاحظ علل الأحكام التي شرعت بالكتاب والسنة فإن من غير الممكن مواجهة الحاجة التشريعية لدى الناس.
عن الحسن بن عبيد الله النخعي، قال: قلت لإبراهيم النخعي: أكل ما أسمعك تفتي به سمعته؟ فقال: لا. قلت: تفتي بما لم تسمع؟ قال: سمعت وجاءني ما لم أسمع فقسته بالذي سمعت (٧٦) . تلك كانت سمة مدرسة العراق: الرأي إن غاب الأثر.
أما سعيد بن المسيب وعلماء المدينة منهم فكانا لا يأبهون بالعلل إلا حين يعييهم الوصول الى نص أو أثر، وكيف يعييه ذلك وهو يقول: ما قضى رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي قضاء إلا وقد علمته (٧٧) !! كما أن بيئة المدينة لم يطرأ عليها ما طرأ على البيئة العراقية من تغيرات، ولم يحدث فيها من الوقائع ما حدث في العراق، ولذلك فإن الكثيرين من علماء المدينة كانوا إذا سئل أحدهم عن شيء لديه فيه أثر أجاب، وإلا اعتذر.. سئل مسروق عن مسالة فقال: لا أدري. فقيل له: فقس لنا برأيك. فقال: أخاف أن تزل قدمي (٧٨) .
стр. 73
ومما يوضح تهيب أهل المدينة من القول بالرأي فيما لا أثر فيه ما قاله ابن وهب: قال مالك: كان رسول الله ﷺ إمام المسلمين وسيد العالمين يسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء، فإذا كان رسول رب العالمين لا يجيب إلا بالوحي، فمن الجرأة العظيمة إجابة من أجاب برأيه، أو بقياس أو تقليد من يحسن به الظن، أو عرف أو عادة أو سياسة أو ذوق، أو كشف أو منام، أو استحسان أو خرص والله المستعان، وعليه التكلان (٧٩) .
ومع أن الخلاف قد احتدم بين المدرستين وجرى تبادل النقد بين الفريقين، لم يتخل أي منهما عن أدب الاختلاف كما تبين لنا مما تقدم من المناظرات، إضافة إلى مناظرات أخرى كثيرة جرت بين رجال المدرستين لم يخرج أحد منهم فيها عن حدود أدب الاختلاف (٨٠) فلا تكفير ولا تفسيق ولا اتهام بابتداع منكر ولا تبرؤ.
عن ابن أبي شبرمة قال: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد بن الحنفية، فسلمت عليه، وكنت له صديقا، ثم أقبلت على جعفر وقلت له: أمتع الله بك، هذا رجل من أهل العراق وله فقه وعقل. فقال لي جعفر: لعله الذي يقيس الدين برأيه؟ ثم قال: أهو النعمان؟ فقال أبو حنيفة: نعم أصلحك الله. فقال جعفر: اتق الله ولا تقس الدين برأيك، فإن أول من قاس إبليس، إذ أمره الله بالسجود
стр. 74
لآدم، فقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ...
ثم قال لابي حنيفة: أخبرني عن كلمة أولها شرك وآخرها إيمان؟ قال أبو حنيفة: لا أدري.
قال جعفر: هي «لا إله إلاّ الله» فلو قال: «لا إله» ثم أمسك كان كافرا، فهذه كلمة أن لها شرك وآخرها إيمان. ثم قال له: ويحك أيهما أعظم عند الله: قتل النفس التي حرم الله أو الزنا؟ قال: بل قتل النفس، فقال جعفر: إن الله قد قبل في قتل النفس شاهدين، ولم يقبل في الزنا إلاّ اربعة، فكيف يقوم لك قياس؟ ثم قال: أيهما أعظم عند الله الصوم أو الصلاة؟ قال: بل الصلاة. قال: فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة، اتق الله يا عبد الله ولا تقس، فإنا نقف غدا نحن وأنت بين يدي الله فنقول: قال الله عز جل وقال رسول الله ﷺ وتقول أنت وأصحابك: قسنا ورأينا، فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء ... (٨١) .
إن أسئلة الإمام جعفر لم تكن مما يعجز واحد مثل أبي حنيفة عن الإجابة عنها، ولكنه الأدب مع آل بيت رسول الله ﷺ هو الذي جعله يسكت.
نستوحي مما تقدم من المناظرات أن الادب النبوي الرفيع كان معين المتناظرين، وأن الاختلاف لم يبين بين الإخوة حواجز تحول دون الالتقاء، وما تناقله المؤرخون لتلك الفترة من غلظة إنما كان يجري
стр. 75
معظمه بين الفرق الكلامية التي امتدت خلافاتها إلى الأمور الاعتقادية، فسوّغ بعضها لنفسه أن يرمي الآخرين بالكفر أو الفسق أو والبدعة، وحتى بين هذه الفرق لم تعدم صفحات التاريخ أن تجد من أدب الاختلاف ما يمكن تسجيله..
مناظرة بين عبّاس للخوارج:
عن عبد الله بن المبارك (٨٢) قال: حدّثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول: قال علي: لا تقاتلوهم (أي الخوارج) حتى يخرجوا فإنهم سيخرجون، قال: قلت: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة فإني أريد أن أدخل عليهم فأسمع من كلامهم وأكلمهم، فقال: أخشى عليك منهم، قال: (أي ابن عباس) وكنت رجلا حسن الخلق لا أوذي أحدا. قال: فلبست أحسن ما يكون من الثياب اليمنية، وترجلت ثم دخلت عليهم وهم قائلون: فقالوا لي: ما هذا اللباس؟ فتلتو عليهم القرآن: (قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) (الأعراف: ٣٢) وقلت: ولقد
стр. 76
رأيت رسول الله ﷺ يلبس أحسن ما يكون من اليمنية. فقالوا: لا بأس، فما جاء بك؟ فقلت: أتيتكم من عند صاحبي، وهو ابن عم رسول الله ﷺ وصاحبه، وأصحاب رسول الله ﷺ أعلم بالوحي منكم، وفيهم نزل القرآن، ابلغكم عنهم وأبلغهم عنكم، فما الذي نقمتم؟ فقال بعضهم ناهيا: إياكم والكلام معه، إن قريشا قوم خصمون، قال الله : (بل هم قوم خصمون) (الزخرف:٥٨) . وقال بعضهم كلّموه، فانتحى لي منهم رجلان أو ثلاثة، فقالوا: إن شئت تكلمت وإن شئت تكلمنا. فقلت: بل تكلموا. فقالوا: ثلاث نقمناهن عليه: جعل الحكم إلى الرجال وقال الله: (إن الحكم إلا الله) (الأنعام: ٥٧) (يوسف: ٤٠ ٦٧) فقلت: قد جعل الله الحكم من أمره إلى الرجال في ربع درهم: في الأرنب (٨٣) ، وفي المرأة وزوجها (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) (النساء: ٣٥) .
فالحكم في رجل وامرأته والعبد افضل، أم الحكم في الأمة يرجع بها ويحقن دماؤها، ويلم شعثها؟ قالوا: نعم.
قالوا: وأخرى مجانفة أن يكون أمير المؤمنين، فأمير الكافرين هو. فقلت لهم: أرأيتهم إن قرأت من كتاب الله عليكم، وجئتكم به من سنة رسول الله ﷺ أترجعون؟ قالوا: نعم. قلت: قد سمعتم أو أراه قد بلغكم أنه لما كان يوم الحديبية جاء سهيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ
стр. 77
فقال النبي ﷺ لعلي: «اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ﷺ » فقالوا: لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك. فقال رسول الله ﷺ لعلي: «امح يا علي» أفخرجت من هذه؟ قالوا: نعم.
قال: وأما قولكم: قتل ولم يسب، ولم يغنم (أي في معركة الجمل وصفين) أفتسبون أمكم، وتستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟! فإن قلتم: نعم، فقد كفرتم بكتاب الله، وخرجتم من الإسلام، فأنتم بين ضلالتين ...
وكلما جئتم بشيء من ذلك اقول: أفخرجت منها؟ فيقولون: نعم. قال: فرجع منتهم ألفان وبقي ستة آلاف (٨٤) .
فهؤلاء قوم أشهروا سيوفهم للقتال، واستحلوا دماء مخالفيهم، لكنهم مع ذلك حين جودلوا بالحق استجاب كثير منهم، وحينما ذكّروا بالقرآن تذكروا، وحينما دعوا الى الحوار استجابوا بقلوب مفتحة، فأين المسلمون اليوم من هذا؟!
стр. 78
الفصل الثالث اختلاف مناهج الأئمة في الاستنباط
المذاهب الفقهية:
المذاهب الفقهية التي ظهرت بعد عصر الصحابة وكبار التابعين يعدها بعضهم ثلاثة عشر مذهبا، وينسب جميع أصحابها إلى مذاهب «أهل السنة» الذي كان وبقي مذهب جماهير المسلمين وعامتهم، ولكن لم ينل حظ التدوين سوى فقه ثمانية أو تسعة من هؤلاء الائمة، وقد تباين ما دون من فقههم فحظي بعضهم بتدوين كل فقهه، على حين اقتصر على بعضه بالنسبة للآخرين، ومما دوّن لهؤلاء وهؤلاء عرفت أصول مذاهبهم ومناهجهم الفقهية هؤلاء هم:
стр. 79
أولا: الإمام أبو سعيد الحسن بن يسار البصري توفي سنة (١١٠هـ) .
ثانيا: الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي توفي سنة (١٥٠هـ) .
ثالثا: الإمام الأوزاعي أبو عمرو بن عبد الرحمن بن عمرو بن محمد توفي سنة (١٥٧هـ) .
رابعا: الإمام سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري توفي سنة (١٦٠هـ) .
خامسا: الإمام الليث بن سعد توفي سنة (١٧٥هـ) .
سادسا: الإمام مالك بن أنس الأصبحي توفي سنة (١٧٩هـ) .
سابعا: الإمام سفيان بن عيينة توفي سنة (١٩٨هـ) .
ثامنا: الإمام محمد بن إدريس الشافعي توفي سنة (٢٠٤هـ) .
تاسعا: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل توفي سنة (٢٤١هـ) .
وهناك الإمام داود بن علي الأصبهاني البغدادي المشهر بالظاهري نسبة إلى الأخذ بظاهر ألفاظ الكتاب والسنة توفي سنة (٢٧٠هـ) .
وغير هؤلاء كثير أمثال: إسحاق بن راهويه المتوفي سنة (٢٣٨هـ) ، وأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي المتوفى سنة (٢٤٠هـ) . وهناك آخرون لم تنتشر مذاهبهم، ولم يكثر أتباعهم، أو اعتبروا مقلّدين لأصحاب المذاهب المشهورة.
أما الذين تأصلت مذاهبهم وبقيت إلى يومنا هذا، ولا يزال لها الكثير
стр. 80
من المقلدين في ديار الإسلام كلها، ولا يزال فقههم وأصوله مدار التفقه والفتوى عند الجمهور أولئك هم الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.
مناهج الأئمة المشهورين:
يعتبر الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، فقهاء حديث وأثر، فهم الذين تلقوا فقه أهل المدينة، وحملوا علومهم، أما الإمام أبو حنيفة فهو وارث نفسه «أهل الرأي» ومقدّم مدرستهم في عصره.
إن الاختلاف الذي كان بين مدرسة «سعيد بن المسيب» التي قامت على فقه الصحابة وآثارهم، وسار على نهجها المالكية والشافعية والحنابلة وبين مدرسة «إبراهيم النخعي» التي تعتمد الرأي إن غاب الأثر، هذا الاختلاف كان طبيعيا أن ينتقل الى كل من أخذ بمنهج إحدى المدرستين، ولا ينكر أحد أن الخلاف قد خفت حدته كثيرا في هذا الطور، ذلك أنه بعد انتقال الخلافة الى بني العباس، نقل العباسيون بعض كبار علماء الحجاز الى العراق لنشر السنة هناك، منهم: ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد (٨٥)
وهشام بن عروة (٨٦) ومحمد بن
стр. 81
إسحاق (٨٧) وغيرهم، كما أن بعض العراقيين رحلوا الى المدينة وتلقوا عن علمائها، كأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم (٨٨) ومحمد بن الحسن اللذين (٨٩) أخذا عن مالك (٩٠) كما انتقل كثير من آراء العراقيين وأفكارهم
стр. 82
الى الحجاز كانتقال أفكار الحجازيين الى العراق، ومع ذلك فقد نجد الأئمة الثلاثة مالكا والشافعي وأحمد يشكلون منهجا متقاربا فيما بينهم وإن اختلفوا في بعض مناهج الاستنباط وطرائقه، على حين تميز الإمام أبو حنيفة عنهم في منهجه.
١ منهج الإمام أبي حنيفة:
بقي الإمام أبو حنيفة رمزا لمنهج مختلف عن مناهج الأئمة الثلاثة وبشكل ظاهر، فقواعد مذهبه كما بينها هو تتلخص بقوله: «إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله ﷺ والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات، فإذا لم أجد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت، ثم لا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم. فإذا انتهى الأمر الى إبراهيم والشعبي وابن المسيب (وعدّد رجالا) ، فلي أن أجتهد كما اجتهدوا» .
هذه هي الأصول الكبرى لمذهب أبي حنيفة، وهناك أصول فرعية أو ثانوية مفرعة على هذه الأصول أو راجعة إليها، وهي التي يبدو فيها لخلاف ويظهر، كقولهم: «قطعية دلالة اللفظ العام كالخاص» (٩١)
стр. 83
و «مذهب الصحابي على خلاف العموم مخصص له» (٩٢) ، و «كثرة الرواة لا تفيد الرجحان» و «عدم اعتبار مفهوم الشرط والصفة» (٩٣)
стр. 84
و «عدم قبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى» (٩٤) «ومقتضى الأمر الوجوب قطعا ما لم يرد صارف» و «اذا خالف الراوي الفقيه روايته بأن عمل على خلافها: فالعمل بما رأى لا بما روى» و «تقديم القياس الجلي على خبر الواحد المعارض له» و «الاخذ بالاستحسان؛ (٩٥) وترك القياس عندما تظهر الى ذلك حاجة» ولذلك نقلوا عن الامام أبي حنيفة قوله: «علمنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن من قبلناه» .
٢ منهج الامام مالك:
اما الامام مالك ﵀ فذو منهج مختلف فهو يقول «أفكلّما جاءنا رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد ﷺ لجدله» (٩٦) وقد مر بنا أن مذهبه هو مذهب الحجازيين اصحاب مدرسة الامة سعيد بن المسيب ﵀ وتتلخص قواعد مذهب مالك بما يلي:
الاخذ بنص الكتاب العزيز.
ثم بظاهره وهو العموم.
ثم بدليله وهو مفهوم المخالفة.
стр. 85
ثم بمفهومه (ويريد مفهوم الموافقة) .
ثم بتنبيهه، وهو التنبيه على العلة كقوله تعالى: (فانه رجس او فسقا) .
وهذه اصول خمسة ومن السنة مثلها فتكون عشرة.
ثم الاجماع.
ثم القياس.
ثم عمل اهل المدينة.
ثم الاستحسان.
ثم الحكم بسد الذرائع.
ثم المصالح المرسلة (٩٧) .
ثم قول الصحابي (ان صح سنده وكان من الاعلام.
ثم مراعاة الخلاف (اذا قوي دليل المخالف) .
ثم الاستصحاب.
ثم شرع من قبلنا.
стр. 86
٣ منهج الامام الشافعي:
وأما قواعد واصول مذهب الامام الشافعي ﵀ فهي ما أجمله في رسالته الاصولية «الرسالة» التي تعتبر أول كتاب اصولي جامع ألّف في الاسلام.
قال ﵀: «الاصل قرآن وسنة.، فان لم يكن فقياس عليهما، واذا اتصل الحديث عن رسول الله ﷺ وصح الاسناد به فهو المنتهى، والاجماع اكبر من الخبر المفرد، والحديث على ظاهره واذا احتمل المعاني فما اشبه منها ظاهره أولاها به. واذا تكافأت الاحاديث فأصحها اسنادا أولاها، وليس المنطق بشيء ما عدا منقطع ابن المسيب، ولا يقاس أصل على أصل، ولا يقال للأصل لم وكيف؟ وانما يقال للفرع لم؟ فاذا صح قياسه على الاصل صح وقامت به الحجة» (٩٨) .
فالامام الشافعي اذن يرى أن القرآن والسنة سواء في التشريع، فلا يشترك في الحديث شرطا غير الصحة والاتصال لأنه اصل، والاصل لا يقال له: لم وكيف؟ فلا يشترك شهرة الحديث (٩٩)
اذا ورد فيما تعم به البلوى كما اشترط ذلك الامام أبو حنيفة ولم يشترك عدم مخالفة الحديث لعمل أهل المدينة كما اشترط ذلك مالك ولكنه لم يقبل من
стр. 87
المراسيل (١٠٠) الا مراسيل سعيد بن المسيب، لأن لها طرقا متصلة عنده، وقد خالف في هذا مالكا والثوري ومعاصريه من أهل الحديث الذين كانوا يحتجون بها (١٠١) وأنكر الاحتجاج بـ «الاستحسان» مخالفا في ذلك المالكية والحنفية معا، وكتب في رد الاستحسان كتابه «إبطال الاستحسان» وقال قولته المشهورة: «من استحسن فقد شرع» كما رد «المصالح الرسلة» وأنكر حجيتها، وأنكر الاحتجاج بعمل أهل المدينة كما انكر على الحنفية تركهم العمل بكثير من السنن لعدم توفر ما وضعوه فيها من الشروط كالشهرة ونحوها كما أنه لم يقتصر كمالك على الاخذ بأحاديث الحجازيين.
هذه هي أهم وأبرز أصول مذهب الامام الشافعي اجمالا، وفيها من المخالفة لأصول الحنفية والمالكية مالا يخفى.
٤ منهج الامام أحمد بن حنبل:
وأما الامام احمد بن حنبل ﵀ فقواعد مذهبه شديدة القرب من قواعد مذهب الامام الشافعي التي تقدم ذكرها فهو يأخذ:
أولا: بالنصوص من القرآن والسنة، فاذا وجدها لم يلتفت الى سواها، ولا يقدم على الحديث الصحيح المرفوع شيئا
стр. 88
من «عمل أهل المدينة او الرأي او القياس، او قول الصحافي، او الاجماع القائم على عدم العلم بالمخالف» .
ثانيا: فإن لم يجد في المسألة نصا انتقل الى فتوى الصحافة، فإذا وجد قولا لصحابي لا يعلم له مخالفا من الصحابة لم يعده الى غيره، ولم يقدم عليه عملا ولا رأيا ولا قياسا.
ثالثا: فإذا اختلف الصحافة تخير من أقوالهم اقربها الى الكتاب والسنة ولم يخرج عن اقوالهم فان لم يتضح له الاقرب الى الكتاب أو السنة حكى الخلاف ولم يجزم بقول منها.
رابعا: يأخذ بالحديث المرسل والضعيف اذا لم يجد أثرا يدفعه او قول صحابي أو اجماعا يخالفه، ويقدمه الى القياس.
خامسا: القياس عنده دليل ضرورة يلجأ اليها حين لا يجد واحدا من الادلة المتقدمة.
سادسا: يأخذ بسد الذرائع (١٠٢) .
стр. 89
٥ منهج الامام الظاهري:
ولعل من المناسب التعرض الى قواعد المذهب الظاهري وأصوله باختصار ذلك لان هذا المذهب من المذاهب الاسلامية ذات الاثر والتي لا يزال لها بين أهل السنة أتباع وقد وقع أشد انواع الخلاف بين الظاهرية وبين الحنفية ثم المالكية ثم الحنابلة ثم الشافعية وقد كان داود يعترف للشافعي بكثير من الفضل.
وأبرز اصول المذهب الظاهري: التمسك بظواهر آيات القرآن الكريم والسنة وتقديمها على مراعاة المعاني والحكم والمصالح التي يظن لأجلها انها شرعت. ولا يعمل بالقياس (١٠٣) عندهم مالم تكن العلة منصوصة في المحل الاول (المقيس عليه) ومقطوعا بوجودها في المحل الثاني (المقيس) بحيث ينزل الحكم منزلة (تحقيق المناط) (١٠٤) .
كما يحرم العمل بالاستحسان، ويستدل بالاجماع الواقع في عصر
стр. 90
الصحابة فقط ولا يعمل بالمرسل والمنقطع خلافا للمالكية والحنفية والحنابلة، ولا يعمل بشرع من قبلنا، ولا يحل لأحد العمل بالرأي لقوله تعالى: (ما فرّطنا في الكتاب من شيء ... ) «الانعام ٣٨» . وتعدية الحكم المنصوص عليه الى غيره تعد لحدد الله تعالى ولا يحل لأحد القول بالمفهوم المخالف.
والتقليد حرام على العامي كما هو حرام على العالم وعلى كل مكلف جهده الذي يقدر عليه من الاجتهاد. (١٠٥) .
ولنا كلمة:
والحقيقية أن كثيرا من الاصل التي نسبت الى الائمة المتبوعين هي اصول مخرّجة على اقوالهم، لا تصح بها الروايات عنهم، فالتشبث بها، والدفاع عنها، وتكلف ايراد الاعتراضات والاجابات عنها، والرد على ما يخالفها، والانشغال بكل ذلك عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ذلك كله من ابرز دواعي الاختلاف السيء الذي لم يهدف اليه الائمة انفسهم ﵏، وقد أبعد هذا المتأخرين من المسلمين عن معالي الامور وشغلهم بسفاسفها حتى تدنت الامة الى ذلك الدرك الهابط الذي تتمرغ فيه اليوم.
стр. 91
الفصل الرابع: أسباب الاختلاف وتطوره
أسباب الاختلاف من عهد النبوة حتى عهد الفقهاء:
اذا سلمنا أن الاختلاف في القضايا الفكرية التي منها القضايا الفقهية أمر طبيعي لما فطر عليه الناس من تباين في عقولهم وأفهامهم ومداركهم وجب أن نقر بأن الاختلاف في عهد النبوة والخلافة الراشدة بين عديد من الصحابة كان أمرا واقعا تشهد له جملة من الاحداث، وليس في نفيه ما يخدم هذا الدين، كما أننا لا نرى في بيانه مساسا بمثالية هذه الدعوة، وصدق نية أولئك الرجال الذين كانوا يختلفون، بل
стр. 92
يمكن القول: ان في ذكر هذه الاختلافات بيانا لواقعية هذا الدين، فهو يتعامل مع الناس على أنهم بشر، تتنازعهم عوامل مختلفة مما فطر الله تعالى خلقه عليه ولكن الذي تطمئن اليه النفس المؤمنة أن ذلك الاختلاف لم ينشأ عن ضعف في العقيدة، او شك في صدق ما يدعو اليه رسول الله ﷺ بل كان تحري الحق الرغبة في اصابة قصد الشارع من الحكام بغية جميع المختلفين.
ولما كان الرسول ﷺ مصدر تلك الاحكام لم يكن عمر الخلاف يمتد لاطول من الطرق المؤدية الى رسول الله ﷺ وقد رأينا من خلال الاحداث التي مرت أن أسباب الاختلاف في مجموعها لم تكن تخرج عن تباين في فهم النص لأسباب لغوية او اجتهادية، وذلك في تفسير ما بين أيديهم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولم تكن هذه الاسباب لتخفي وراءها أية نوايا تحاول انماء بذرة الخلاف التي كان المنافقون يحرصون على تعهدها.
لذلك سرعان ما كانت هذه الاختلافات تضمحل بلقاء الرسول ﷺ او الاحتكام الى نص ادركه بعضهم وغاب عن الآخرين لان غاية ذي الفطرة السليمة نشدان الحق حيثما وجد.
من الطبيعي ان تنتقل بعض الاسباب الموضوعية للاختلاف من عصر لآخر حيث يصعب وضع حواجز تحصر خلفها أسباب الاختلاف من عصر لآخر حيث يصعب وضع حواجز تحصر خلفها أسباب الاختلاف في كل عصر، ولكن هناك امورا كانت تستجد على الساحة الاسلامية، نتجت عنها أسباب وعوامل تذكي روح الاختلاف.
стр. 93
فمنذ مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁ تعرضت الامصار الاسلامية لهزات عنيفة افرزت بعض الاحداث التي ادخلت الى دائرة الاختلاف امورا كانت خارجها ربما أدت الى انطواء اهل كل بلد او مصر على ما وصلهم من سنة رسول الله ﷺ خوف الوضع والدس كما أشرنا من قبل.
وظهرت مدرستا الكوفة والبصرة كبيئة خصبة لتفاعل الافكار السياسة وتعددت الفرق المختلفة كالخوارج والشيعة والمرجئة (١٠٦) وظهرت المعتزلة والجهمية وغيرهم من أهل الاهواء والبدع.
وتعددت المناهج العقلية والفكرية بتعدد تلك الفرق وأصبح لكل فرقة منطلقات وقواعد تنطلق منها في تعاملها مع نصوص الشارع وفي تفسيرها للمصادر الشرعية، وفي مواقفها من القضايا المختلفة التي استجدت وبدأت الحاجة تظهر الى وضع الضوابط والقيود وتحديد المناهج وطرق استنباط احكام الوقائع من الوحي الالهي، وتحديد ما يجوز الاختلاف فيه وما لا يجوز.
ولعل من فضل الله تعالى أن جعل الجانب الفقهي في دائرة ما يجوز
стр. 94
فيه الاختلاف وذلك لأن «الفقه» عبارة عن معرفة الفقيه حكم الواقعة من دليل من الادلة التفصيلية الجزئية التي نصبتها الشارع للدلالة على احكامه من آيات الكتاب، وأحاديث رسول الله ﷺ وقد يصيب الفقيه حكم الشارع او يوافقه وقد لا يوافق ذلك ولكنه في الحالتين غير مطالب بأكثر من أن يبذل اقصى طاقته العقلية والذهنية للوصول الى حكم، فان لم يكن ما وصل اليه حكم الشارع فهو أقرب ما يكون اليه في حقيقته وغاياته وآثاره، ولذلك كان الاختلاف امرا مشروعا وذلك لتوفر امرين فيه:
الاول: أن لكل من المختلفين دليلا يصح الاحتجاج به، فما لم يكن له دليل يحتج به سقط ولم يعتبر اصلا.
الثاني: ألاّ يؤدي الاخذ بالمذهب المخالف الى محال او باطل فان كان ذلك بطل منذ البداية، ولم يسع لأحد القول به بحال، وبهذين الامرين يغاير «الاختلاف» «الخلاف» .
فالاختلاف ما توافر فيه الشرطان المذكوران، وهو مظهر من مظاهر النظر العقلي والاجتهاد وأسبابه منهجية موضوعية في الغالب.
اما الخلاف فهو الذي يفقد الشرطين او احدهما، وهو مظهر من مظاهر التشنج والهوى والعناد، وليس له من سبب يمت الى الموضوعية.
стр. 95
أسباب الاختلافات الفقهية في عصر الفقهاء:
حرص الفقهاء الذين اجمعت الامة على الأخذ بمذاهبهم، على التزام الشرطين السابقين، وقد اختلف الناس في تحديد أسباب الاختلافات الفقهية في هذا العصر اختلافا بينا: فمن مكثر في ذكر هذه الاسباب الى مقتصد فيها، ومع ذلك فان من الممكن اعادة هذه الاسباب الى الامور التالية:
١ اسباب تعود الى اللغة:
وذلك كأن يرد في كلام الشارع لفظ مشترك، وهو ما وضع لمعان متعددة ومختلفة، كلفظة «عين» التي تستعمل في الباصرة والجارية، وفي الذهب الخالص، وفي الرقيب، وغيرها من المعاني.
فاذا وردت في كلام الشارع مجردة عن القرينة تساوت المعاني التي وضعت لها في احتمال كون كل منها مرادا - فيختلف المجتهدون في حمل ذلك اللفظ على أي من معانيه التي وضع لها، أو عليها كلها.
فقد اختلف الفقهاء في مراد الشارع من لفظ «القرء» في قوله تعالى: (والمطلّقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء) «البقرة ٢٢٨» فلفظ «القرء» مشترك بين الطهر والحيض، فاختلف الفقهاء في عدة المطلقة أتكون بالحيض ام بالاطهار؟ فذهب الحجازيون منهم الى أن عدة المطلقة ثلاثة أطهار، وذهب العراقيون
стр. 96
الى أنها ثلاث حيض (١٠٧) .
واحيانا يكون للفظ استعمالان: حقيقي، ومجازي، فيختلفون في ايهما استعمل اللفظ في ذلك النص من نصوص الشارع.
وقد اختلف العلماء بادئ ذي بدء في جواز وقوع المجاز في لفظ الشارع، فأثبته الاكثرون، ونفاه الاقلون، كالاستاذ أبي اسحاق الاسفراييني وشيخ الاسلام ابن تيمية.
والذين نفوه استدلوا بأن المجاز هو اطلاق اللفظ على غير ما وضع له في الاصل كاطلاق لفظ «الاسد» وارادة الرجل الشارع ونصوص الشارع جاءت لبيان الاحكام الشرعية واطلاق اللفظ وارادة غير ما وضع له مناف للبيان المقصود ولسنا بصدد مناقشة هذا الموضوع فان جماهير العلماء قد ذهبوا الى ورود المجاز في لفظ الشارع واعتبر ابن قدامة وغيره من الاصوليين انكار وقوعه في نصوص الشارع نوعا من المكابرة (١٠٨)(١٠٨) .
وعلى هذا فقد يختلف العلماء في فهم المراد من كلام الشارع اذا ورد بتركيب متردد بين الحقيقة والمجاز، او ورد لفظ مفرد يحتمل الامرين فيحمله بعضهم على المعنى الحقيقي، ويحمله آخرون على المعنى المجازي وذلك كلفظ «الميزان» فحقيقته تلك الارادة التي يزن الناس بها الاشياء.
стр. 97
ويطلق على «العدل» مجازر. قال تعالى:
(والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) «الرحمن ٧ ٩» . فالميزان في الاولى والثانية استعمل في «العدل» كما في قوله تعالى:
(لقد ارسنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) «الحديد: ٢٥» ، وفي الثالثة أريد به المعنى الحسي، وهو الاداة التي توزن بها الاشياء (١٠٩) .
كما يقال للعروض «ميزان الشعر» وللنحو «ميزان الكلام» (١١٠) ، ومثله لفظ «السلسلة» وغيرها.
وأحيانا يكون المجاز في التركيب كما في قوله تعالى: (يا بني آدم قد انزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا) «الاعراف ٢٦» فمن المعلوم أن اللباس لا ينزل من السماء وهو لباس، ولا الريش كذلك، ولكن الله تعالى أنزل المطر وأنبت النبات وخلق الحيوان وكساه الصوف والشعر والوبر وأنبت القطن والكتان ليتخذ منه اللباس فأسند الى المسبب وهو اللباس بدلا من السبب وهو الماء الذي جعل الله تعالى منه كل شيء حي.
ومن المعرف ان صيغة «افعل» للأمر «لا تفعل» للنهي ومطلق الامر يفيد الوجوب ومطلق النهي يفيد التحريم، ذلك هو
стр. 98
الاستعمال الحقيقي لكل من الصيغتين، ولكن قد ترد كل منهما لمعان غير المعنى الذي وضعت له أولا.
فقد يرد الامر للندب مثل قوله تعالى:
(فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيرا) «النور ٣٣» .
والارشاد نحو قوله تعالى:
(واستشهدوا شهيدين ... ) أو قوله:
(اذا تداينتم بدين الى أجل مسمى فاكتبوه) «البقرة ٢٨٢» .
والتهديد نحو قوله تعالى:
(اعلموا ما شئتم) «فصلت ٤» وغير ذلك (١١١) .
وكذلك النهي قد يرد لغير التحريم، كالكراهة والتحقير في نحو قوله تعالى:
(لا تمدّن عينيك الى ما متعنا به أزواجا منهم) «الحجر ٨٨» والارشاد كما في قوله تعالى:
(لاتسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) «المائدة ١٠١» وغيرها (١١٢) .
كما أن الامر قد يرد بصيغة الخبر، وكذلك النهي قد يرد ايضا بصيغة الخبر والنفي، وكل ذلك له آثار في اختلاف الفقهاء، وفي طرائقهم وفي استنباط الاحكام الشرعية من النصوص، واحيانا تختلف مذاهب
стр. 99
العلماء في فهم النص لاختلاف احوال كلمة واردة فيه، وان لم يختلف معناها، كاختلافهم في قوله تعالى: (ولا يضار كاتب ولا شهيد) «البقرة ٢٨٢» . حيث ذهب بعضهم الى أن المراد بها صدور الضرر من الكاتب والشهيد وذلك بأن يكتب الكاتب ما لم يمل عليه، ويشهد الشاهد بخلاف الواقع، ودليل هؤلاء قراءة ابن عباس ﵄: (ولا يضارر كاتب ولا شهيد) .
وذهب آخرون الى أن المراد ووقوع الضرر عليهما، كأن يمنعا من اشغالهما ويكلّفا الكتابة والشهادة في وقت لا يلائمهما ودليل من ذهب الى هذا قراءة ابن مسعود ﵁: (ولا يضار كاتب ولا شهيد) فلما كانت اللفظة مدغمة في لغة تميم احتمل بناء الفعل للمعلوم، وبناؤه للمجهول، فحدث هذا الاختلاف وان كان فك الادغام لغة أهل الحجاز (١١٣) .
والمتتبع لهذا النوع من أسباب الاختلاف يجد أمثلة كثيرة عليه في الكلمات المفردة. وفي التراكيب المختلفة وانواعها، وما يعرض لها من عموم وخصوص، واطلاق وتقييد واجمال وبيان، وغير ذلك.... ولعل فيما ذكرنا ما ينبه الى ما أغفلنا مما يمكن الاطلاع عليه في مظانه (١١٤) .
стр. 100
٢ أسباب تعود الى رواية السنن:
وهذا النوع من الاسباب متعدد الجوانب مختلف الآثار واليه ترجع معظم الاختلافات الفقهية التي وقعت لعلماء السلف.
فأحيانا لا يصل الحديث الى مجتهد ما، فيفتي بمقتضى ظاهر آية او حديث آخر او بقياس على مسألة سبق فيها من رسول الله ﷺ قضاء، او بمقتضى استصحاب للحال السابقة (١١٥) ، او بمقتضى أن الاصل البراءة وعدم التكليف (١١٦) او بموجب أي وجه متغير من وجوه الاجتهاد.
وقد يصل في الواقعة موضع البحث الى مجتهد آخر حديث فيفتي بمقتضاه فتختلف فتياهما.
وأحيانا يصل الحديث الى المجتهد، ولكنه يرى فيه علة تمنع من العمل بمقتضاه كاعتقاده عدم صحة اسناده الى رسول الله ﷺ لوجود مجهول او متهم، او سيء الحفظ في سلسلة اسناده او لانقطاعه او ارساله، او لكونه يشترط في خبر الواحد العدل الحفاظ شروطا لا يشترطها غيره، فيعمل أحدهما بالحديث، لأن له طريقا صحيحا متصلا عنده، ولا يعمل الآخر بمقتضاه لعلّة من العلل المذكورة، فتختلف الاقوال.
стр. 101
وقد تختلف اقوال العلماء لاختلاف آرائهم في معاني الحديث ودلالته، وذلك كاختلاف اقوالهم في مسائل: «المزاينة» (١١٧) و «المخابرة» (١١٨) و «المحاقلة» (١١٩) و «الملامسة» (١٢٠) و «المنابذة» (١٢١) و «الغرر» (١٢٢) لاختلافهم في تفسيرها.
وقد يصل الحديث لبعضهم من طريق بلفظ، ويصل لمجتهد آخر بلفظ مغاير وذلك كأن يسقط احدهما من الحديث لفظا لا يتم المعنى الا به، او يتغير معنى الحديث بسقوطه.
وقد يصل الحديث الى أحد المجتهدين مقترنا بسبب وروده، فيحسن فهم المراد منه، ويصل الى آخر من غير سبب وروده، فيختلف فهمه له.
стр. 102
وقد يسمع راو بعض الحديث، ويسمع الآخر الحديث كاملا. وقد ينقل الحديث من كتاب بلفظ مصحّف او متغير، ويبني عليه، وينقله آخر بلفظ لم يدخله شيء من ذلك فتختلف الاقوال بناء على ذلك، وقد يصح الحديث عند المجتهد ولكنه يعتقد أنه معارض بما هو أصح منه او اقوى فيرجح الاقوى، او لا يتضح له أقوى الدليلين، فيتوقف عن الاخذ بكل منهما، حتى يظهر له مرجح.
وقد يعثر مجتهد على ناسخ للحديث، او مخصص لعامه، او مقيد لمطلقه ولا يطلع مجتهدا آخر على شيء من ذلك، فتختلف مذاهبهما (١٢٣) .
٣ أسباب تعود الى القواعد الاصولية وضوابط الاستنباط:
علم اصول الفقه هو: «معرفة ادلة الفقه على سبيل الاجمال، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد) .
فهذا العلم عبارة عن: مجموع القواعد والضوابط التي وضعها المجتهدون لضبط عملية الاجتهاد واستنباط الاحكام الشرعية الفرعية من الادلة التفصيلية، فيحدد المجتهدون في مناهجهم الاصولية الادلة التي تستقى منها الاحكام، ويستدلون لحجية كل منها، ويبيّنون جميع العوارض الذاتية لتلك الادلة لتتضح طرائق استفادة الاحكام منها ويحددون طرق استفادة الحكم الشرعي من كل دليل من تلك القاعدة، والخطوات التي يسلكونها منذ البداية حتى الوصول الى الحكم الشرعي.
стр. 103
وهذه القواعد والضوابط اختلفت مذاهب المجتهدين فيها: فنجم عن الاختلاف فيها اختلاف في المذاهب الفقهية التي يذهب كل منهم اليها فبعض الائمة يذهب الى أن فتوى الصحابي اذا اشتهرت ولم يكن لها مخالف من الصحابة انفسهم حجة لأن الثقة بعدالة الصحابة تشعر بأن الصحابي ما أفتى بما أفتى به الا بناء على دليل، او فهم في دليل، او سماع من رسول الله ﷺ لم يشتهر ولم يصل الينا.
وبعضهم لا يرى في مذهب الصحابي هذا الرأي، ويعتبر الحجة فيما يرويه الصحابي عن رسول الله ﷺ لا فيما يراه، فتختلف مذاهب الفقهاء بناء على ذلك.
وبعض المجتهدين يأخذ بـ «المصالح المرسلة» أي: تلك الامور التي لم يوجد في الشرع ما يدل على اعتبارها بذاتها كما لم يوجد فيه ما يدل على الغائها بذاتها فهي مرسلة مطلقة عن الالغاء والاعتبار فاذا ادرك المجتهد في تلك الامور ما يحقق مصلحة، قال بمقتضى تلك المصلحة باعتبار أن الشارع ما شرع الاحكام الا لتحقيق مصالح العباد.
وهناك آخرون لا يأخذون بهذا ولا يعتبرونه أمرا تستفاد منه الاحكام فتختلف اقوالهم في الوقائع بناء على ذلك.
وهناك امور اخرى من هذا النوع اختلف المجتهدون فيها، وتعرف في كتب اصول الفقه بـ «الادلة المختلف فيها» كـ «سد الذرائع» و «الاستحسان» و «الاستصحاب» و «الاخذ بالاحوط» و «الاخذ بالاخف» و «الاخذ بالاثقل» و «العرف» و «العادة» وغيرها.
стр. 104
كما أن هناك اختلافا في بعض الامور المتعلقة بدلالات النصوص، وطرق تلك الدلالات، وما يحتج بها منها، وعن كل ذلك نشأت اختلافات فقهية في كثير من الفروع.
تلك هي أهم وأبرز الاسباب التي ترجع اليها الاختلافات الفقهية نبهنا اليها بايجاز ومن أراد الاستقصاء ومعرفة كل تلك الاسباب، او جلها مع امثلتها، فليرجع الى الكتب التي الفت لمعالجة هذا الامر قديما وحديثا (١٢٤) .
стр. 105
الفصل الخامس: في معالم الاختلاف بين الائمة وآدابه
لقد اختلف الائمة في كثير من الامور الاجتهادية، كما اختلف الصحافة والتابعون قبلهم، وهم جميعا على الهدى ما دام الاختلاف لم ينجم عن هوى او شهوة او رغبة في الشقاق، فقد كان الواحد منهم يبذل جهده وما وفي وسعه ولا هدف له إلا اصابة الحق وارضاء الله جل شأنه، ولذلك فان اهل العلم في سائر الاعصار كانوا يقبلون فتاوى المفتين في المسائل الاجتهادية ماداموا مؤهلين، فيصوبون المصيب، ويستغفرون للمخطئ، ويحسنون الظن بالجميع، ويسلمون بقضاء القضاء على أي مذهب كانوا، ويعمل القضاء بخلاف مذاهبهم عند
стр. 106
الحاجة من غير احساسا بالحرج او انطواء على قول بعينه، فالكل يستقي من ذلك النبع وان اختلفت الدلائل، وكثيرا ما يصدون اختياراتهم بنحو قولهم: «هذا احوط» أو «أحسن» أو «هذا ما ينبغي» أو «نكره هذا» أو «لا يعجبني» فلا تضييق ولا اتهام ولا حجر على رأي له من النص مستند بل يسر وسهولة وانفتاح على الناس لتيسير امورهم.
لقد كان في الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم ومن بعدهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا يقرأها ومنهم من يجهر بها ومنهم من يسر، وكان منهم من يقنت في الفجر، ومنهم من لا يقنت فيها، ومنهم من يتوضأ من الرعاف والقيء، والحجامة، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يرى في مس المرأة نقضا للوضوء ومنهم من لا يرى ذلك ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الابل او ما مسته النار مسا مباشرا، ومنهم من لا يرى في ذلك بأسا.
ان هذا كله لم يمنع من أن يصلي بعضهم خلف بعض كما كان ابو حنيفة واصحابه والشافعي وائمة آخرون يصلون خلف ائمة المدينة من المالكية وغيرهم ولو لم يلتزموا بقراءة البسملة لا سرا ولا جهرا، وصلى الرشيد اماما وقد احتجم فصلى الامام ابو يوسف خلفه ولم يعد الصلاة مع أن الحجامة عنده تنقض الوضوء.
وكان الامام احمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة فقيل له: فإن كان الامام قد خرج من الدم ولم يتوضأ هل يصلى خلفه؟
стр. 107
فقال: «كيف لا أصلي خلف الامام مالك وسعيد بن المسيب» (١٢٥).
وصلى الشافعي ﵀ الصبح قريبا من مقبرة أبي حنيفة ﵀ فلم يقنت والقنوت عنده سنة مؤكدة فقيل له في ذلك، فقال: «أخالفه وأنا في حضرته» وقال ايضا: «ربما انحدرنا الى مذهب أهل العراق» (١٢٦).
وكان مالك ﵀ اثبت الائمة في حديث المدنيين عن رسول الله ﷺ وأوثقهم اسنادا، وأعلمهم بقضايا عمر وأقاويل عبد الله بن عمر وعائشة وأصحابهم من الفقهاء السبعة [*] رضوان الله عليهم اجمعين، وبه وبأمثاله قام علم الرواية والفتوى وقد حدّث وأفتى ﵁، وألف كتابه «الموطأ» الذي توخى فيه ايراد القوي من حديث أهل الحجاز، كما نقل ما ثبت لديه من اقوال الصحابة وفتاوى التابعين، وبوّبه على أبواب الفقه فأحسن ترتيبه وأجاد، وقد اعتبر «الموطأ» ثمرة جهد الامام مالك لمدة اربعين عاما، وهو أول كتاب في الحديث والفقه ظهر في الاسلام وقد وافقه على ما فيه سبعون عالما من معاصريه من علماء الحجاز، ومع ذلك فحين اراد المنصور كتابة عدة نسخ منه، وتوزيعها على الامصار، وحمل الناس على الفقه الذي فيه حسما للخلاف كان الامام مالك أول من رفض ذلك، فقد روي عنه أنه قال: «يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا، فان الناس قد سبقت لهم اقاويل،
стр. 108
وسمعوا احاديث ورووا روايات وأخذ كل قوم بما سبق اليهم وأتوا به من اختلاف الناس فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم. فقال الخليفة: وفقك الله يا أبا عبد الله» (١٢٧) .
فأي رجل هذا الامام الجليل الذي يأبى أن يحمل الناس على الكتاب الذي أودع فيه أحسن ما سمع من السنة، وأقوى ما حفظ وأدرك من العلم الذي لا اختلاف فيه عند أهل المدينة وذلك الحشد من علماء عصره.
رسالة الليث بن سعد الى الامام مالك:
ولعل من أفضل وأحسن أمثلة أدب الاختلاف تلك الرسالة العلمية الرائعة التي بعث بها فقيه مصر وامامها وعالمها الليث بن سعد الى الامام مالك، يعرض عليه فيها وجهة نظره في أدب جم رفيع حول كثير مما كان الامام مالك يذهب اليه ويخالفه فيه الليث بن سعد، ونظرا لطول الرسالة نقتطف منها ما يشير الى ذلك الادب الرفيع الذي اختلف فيه ظله سلف هذه الامة، وكرام علمائها، يقول الليث بن سعد:
« ... سلام عليك، فاني احمد الله الذي لا اله الا هو أما بعد: عافانا الله وإياك، وأحسن لنا العاقبة في الدنيا والآخرة، قد بلغني كتابك تذكر فيه من صلاح حالكم الذي يسرني، فأدام الله ذلك لكم، وأتمه
стр. 109
بالعون على شكره والزيادة من احسانه ... ثم يقول: وإنه بلغك أني افتي الناس باشياء مخالفة لما عليه الناس عندكم، وأني يحق عليّ الخوف على نفسي لاعتماد من قبلي على ما أفتيهم به، وأن الناس تبع لأهل المدينة التي كانت اليها الهجرة، وبها نزل القرآن، وقد أصبت بالذي كتبت به من ذلك إن شاء الله تعالى ووقع مني بالموقع الذي تحب، وما أجد أحدا ينسب إليه العلم أكره لشواذ الفتيا، ولا أشد تفضيلا لعلماء أهل المدينة الذين مضوا، ولا آخذ لفتياهم فيما اتفقوا عليه مني والحمد لله رب العالمين لا شريك له» .
ثم يمضي الإمام الليث بن سعد في رسالته موردا أوجه الاختلاف بينه وبين الإمام مالك رحمهما الله تعالى حول حجية عمل أهل المدينة مبينا أن كثيرا من السابقين الأولين الذين تخرجوا في مدرسة النبوة حملوا الى مشارق الارض ومغاربها، وهم يجاهدون، ما تعلموه من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وبيّن أن التابعين قد اختلفوا في أشياء وكذلك من أتى بعدهم من أمثال: ربيعة بن أبي عبد الرحمن حيث يذكر بعض مآخذه عليه، ثم يقول: «ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير، وعقل أصيل، ولسان بليغ، وفضل مستبين، وطريقة حسنة في الإسلام، ومودة صادقة لإخوانه عامة، ولنا خاصة، ﵀ وغفر له وجزاه بأحسن ما عمله» ثم يذكر من أمثلة الاختلاف بينه وبين الإمام مالك قضايا عديدة مثل: الجمع ليلة المطر والقضاء بشاهد ويمين ومؤخر الصداق لا يقيض إلا عند الفراق وتقديم الصلاة على الخطبة في الاستسقاء ... وقضايا خلافية أخرى، ثم قال في نهاية الرسالة
стр. 110
«.... وقد تركت أشياء كثيرة من أشباه هذا، وأنا أحب توفيق الله إياك، وطول بقائك، لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك، مع استئناسي بمكانك وإن نأت الدار، فهذه منزلتك عندي ورأيي فيك فاستيقنه، ولا تترك الكتاب إليّ بخبرك وحالك وحال ولدك وأهلك، وحاجة إن كانت لك، أو لأحد يوصل بك فإني أسر بذلك، كتبت إليك ونحن معافون والحمد لله، ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكر ما ألانا، وتماما ما أنعم به علينا، والسلام عليكم ورحمة الله» (١٢٨) .
إن هناك كثيرا من المناظرات العلمية الدقيقة المليئة بأدب الاختلاف حفلت بها كتب التراجم والتاريخ والمناظرات ونحوها، ولا يكاد المرء يفتقد «أدب الاختلاف» بين أهل العلم إلاّ بعد شيوع التقليد وما رافقه من تعصب وتعثر في سلوك أهل العلم، ونظراتهم الى العلم نفسه، ولاسيما بعد أن خلت الساحة من أمثال العلماء الذين يقول فيهم الإمام الغزالي: «وكان قد بقي من علماء التابعين من هو مستمر على الطراز الأول، وملازم صفو الدين، ومواظب على سمت علماء السلف، فكانوا إذا طلبوا هربوا وأعرضوا» فاضطر الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات، وحل محل هذا الرعيل المبارك طلاب الدنيا بالدين، وحل الذي هو أدنى مكان الذي هو خير، وفي ذلك يقول الإمام الغزالي: «فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء وإقبال الأئمة والولاة