(وان كنتم مرضى او على سفر او جاء احد منكم من الغائط او لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) «المائدة٦٠» ولم يسألوا وهم ليسوا من أهل النظر.
واما حديث اسامة فيفهم منه كأنه ﵁ تأول قول الله تعالى:
( ... فلم يك ينفعهم ايمانهم لمّا رأوا بأسنا ... ) «غافر ٨٥» .
واعتبر الآية نافية للنفع في الدنيا والآخر وأنها عامة في الحالين وليست خاصة بالآخر، كما هو ظاهر من الآية الكريمة، ولعل ذلك ما جعل النبي ﷺ يعنفه.
تلك بعض فتاوى الصحابة رضوان الله عليهم التي لم يقرهم عليها رسول الله ﷺ (١٧) .
لقد كان الناس يستفتونه، ﵊، في الوقائع فيفتيهم، وترفع اليه القضايا فيقضي فيها (١٨) ويرى الفعل الحسن فيستحسنه ويثني على فاعله ويرى الفعل المغاير فينكره، ويتعلم منه اصحابه رضوان الله عليهم ذلك، ويرويه بعضهم لبعضهم الآخر فيشيع بين الآخرين، وقد يختلفون فيتحاورون فيما اختلفوا فيه بدافع الحرص، دون أن يجاوزا ذلك الى التنازع والشقاق، وتراشق الاتهامات وتبادل الطعون لأنهم بالرجوع الى كتاب الله تعالى، والى رسوله ﷺ يحسمون أي خلاف دون ان تبقى اية رواسب يمكن ان تلقي ظلالها على اخوّتهم.
стр. 37
تحذير النبي ﷺ أصحابه من الاختلاف:
كان رسول الله ﷺ يدرك أن بقاء هذه المة رهين بتآلف القلوب التي التقت على الحب في الله، وان حتفها في تناحر قلوبها لذلك كان ﵊ يحذر من أن يذر الخلاف قرنه فيقول: «الا تختلفوا فتختلف قلوبكم» (١٩) . وكان كرام الصحابة رضوان الله عليهم يرون أن الخلاف لا يأتي بخير كما في قول ابن مسعود ﵁: «الخلاف شر» .
لذلك كان رسول الله ﷺ يجتث بذرة الخلاف قبل ان تتنامى ... عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: هجّرت الى رسول الله ﷺ » يوما فسمع اصوات رجلين اختلفا في آية فخرج رسول الله ﷺ يعرف في وجهه الغضب فقال: «انما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب» (٢٠) .
وعن النزال بن سبرة قال: سمعت عبد الله بن مسعود قال سمعت رجلا قرأ آية سمعت من رسول الله ﷺ خلافها فأخذت بيده فأتيت به رسول الله ﷺ فقال: «كلاهما محسن» قال شعبة: أظنه قال: لا تختلفوا فان من قبلكم اختلفوا فهلكوا» (٢١) .
стр. 38
فهنا يعلم الرسول ﷺ الصحابة ومن يأتي بعدهم عواقب الاختلاف ويحذرهم منه.
وكان رسول الله ﷺ يعلم الصحابة رضوان الله عليهم أدبا هاما من آداب الاختلاف في قراءة القرآن خاصة، فيقول في الحديث الصحيح: «اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فاذا اختلفتم فيه فقوموا» (٢٢) .
فيندبهم ﵊ للقيام عن القرآن العظيم اذا اختلفوا في بعض احرف القراءة او في المعاني المرادة من الآيات الكريمة حتى تهدأ النفوس والقلوب والخواطر، وتنتفي دواعي الحدة في الجدال المؤدية الى المنازعة والشقاق، اما اذا ائتلفت القلوب وسيطرت الرغبة المخلصة في الفهم فعليهم ان يواصلوا القراءة والتدبر والتفكير في آيات الكتاب. ونرى كذلك أن القرآن الكريم كان احيانا يتولى التنبيه على «ادب الاختلاف» حين يقع بين الصحابة رضوان الله عليهم، فعن عبد الله بن الزبير قال: «كاد الخيّران ان يهلكا اب وبكر وعمر ﵄.. رفعا اصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار احدهما بالاقرع بن حابس، وأشار الآخر بالقعقاع بن معبد بن زرارة، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت الاّ خلافي، قال عمر: ما أردت خلافك، فارتفعت اصواتهما في ذلك، فأنزل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت
стр. 39
النبي ... الآية) قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول اله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه» (٢٣) .
معالم ادب الاختلاف في عصر النبوة:
نستطيع على ضوء ما سبق ان نلخص معالم «ادب الاختلاف» في هذا العصر بما يلي:
١ كان الصحابة رضوان الله عليهم يحاولون الا يختلفوا ما أمكن فلم يكونوا يكثرون من المسائل والتفريعات (٢٤) بل يعالجون ما يقع من النوازل في ظلال هدي الرسول ﷺ ومعالجة الامر الواقع عادة لا تتتيح فرصة كبيرة للجدل فضلا عن التنازع والشقاق.
٢ اذا وقع الاختلاف رغم محاولات تحاشيه سارعوا في ردّ الامر المختلف فيه الى كتاب الله والى رسوله ﷺ وسرعان ما يرتفع الخلاف.
٣ سرعة خضوعهم والتزامهم بحكم الله ورسوله وتسليمهم التام الكامل به.
٤ تصويب رسول الله ﷺ للمختلفين في كثير من الامور التي تحتمل التأويل، ولدى كل منهم شعور بأن ما ذهب البيه اخوه يحتمل
стр. 40
الصواب كالذي يراه لنفسه، وهذا الشعور كفيل بالحفاظ على احترام كل من المختلفين لأخيه، والبعد عن التعصب للرأي.
٥ الالتزام بالتقوى وتجنب الهوى، وذلك من شأنه ان يجعل الحقيقة وحدها هدف المختلفين حيث لا يهم أي منهما ان تظهر الحقيقة على لسان او على لسان اخيه.
٦ التزامهم بآداب الاسلام من انتقاء اطايب الكلم وتجنب الالفاظ الجارحة بين المختلفين مع حسن استماع كل منهما للآخر،
٧ تنزههم عن المماراة ما أمكن وبذلهم اقصى انواع الجهد في موضوع البحث مما يعطي لرأي كل من المختلفين صفة الجد والاحترام من الطرف الآخر ويدفع المخالف لقلوبه او محاولة تقديم الرأي الافضل منن.
تلك هي ابرز معالم «ادب الاختلاف» التي يمكن ايرادها.. استخلصناها من وقائع الاختلاف التي ظهرت في عصر الرسالة.
الاختلاف في عصر الصحابة وآدابه:
حاول بعض الكتاب على الساحة الاسلامية ان يصوروا جيل الصحابة رضوان الله عليهم بصورة جعلت العامة ترى ان ذلك الجيل ليس متميزا فحسب بل هو جيل يستحيل تكراره وفي هذا من الاساءة للاسلام ما لا يقل عن اساءة اولئك الضالين الذين يزعمون ان استئناف الحياة الاسلامية في ظل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بعد عصر الصحابة
стр. 41
ضرب من المستحيل يجب الا تتسامى نحوهن الاعناق وبذلك يطفئون جذوة الامل في نفوس لا تزال تتطلع الى الحياة في ظل الشريعة السمحاء.
ان الصحابة رضوان الله عليهم امة صنعها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وكتاب الله وسنة رسوله ﷺ بين ظهرانينا ولايزالان قادرين على صنع امة ربانية في أي زمان وفي أي مكان اذا اتخذا منهجا وسبيلا وتعامل الناس معهما كما كان الصحابة يتعاملون، سيظلان كذلك الى يوم القيامة، وادعاء استحالة تكرار الرعيل الاول انما هو بمثابة نسبة العجز الى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفي ذلك محاولة لاثبات أن اثرهما الفعال في حياة الناس كان تبعا لظروف معينة، وأن زماننا هذا قد تجاوزهما بما ابتدع لنفسه من انظمة حياة وتلك مقولة تنتهي بصاحبها الى الكفر الصراح.
ان أصحاب رسول الله ﷺ قد اختلفوا في امور كثيرة واذا كان هذا الاختلاف وقع في حياة رسول الله ﷺ وان كان عمره لا يمتد الى اكثر من لقائه ﵊، فكيف لا يختلفون بعده؟ انهم قد اختلفوا فعلا ولكن كان لاختلافهم اسباب وكانت له آداب وكان مما اختلفوا فيه من الامور الخطيرة:
اختلافهم في وفاته ﵊:
فقد كان اول اختلاف بينهم بعد وفاته ﵊ حول حقيقة وفاته ﷺ فان سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ اصر على ان رسول الله لم يمت واعتبر القول بوفاته ارجافا من المنافقين توعدهم
стр. 42
عليه حتى جاء أبو بكر ﵁ وقرأ على الناس قوله تعالى:
(وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا، وسيجزي الله الشاكرين) «آل عمران ١٤٤» وقوله تعالى:
(انك ميت وانهم ميتون) «الزمر ٣٠» . فسقط السيف من يد عمر وخر الى الارض واستيقن فراق رسول الله ﷺ وانقطاع الوحي، وقال عن الآيات التي تلاها أبو بكر «كأني، والله، لم أكن قرأتها قط» (٢٥) .
ويروي ابن عباس ﵄ عن سيدنا عمر ﵁ انه قال في خلافته:
«ايا ابن عباس هل تدري ما حملني على مقالتي التي قلت حين توفي رسول الله ﷺ ؟ قال: قلت: لا أدري يا أمير المؤمنين انت اعلم. قال: فانه والله ان كان الذي حملني على ذلك الا اني كنت اقرأ هذه الآية: (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) «البقرة ١٤٣» . فوالله ان كنت لاظن ان رسول الله ﷺ سيبقى في امته حتى يشهد عليها بآخر اعمالها، فانه الذي حملني على ان قلت ما قلت» (٢٦) فكأنه ﵁ قد اجتهد في معنى الآيات الكريمة، وفهم ان المراد منها: الشهادة في الدنيا،
стр. 43
وذلك يقتضي بقاء رسول الله ﷺ الى آخر ايامها.
٢ اختلافهم في دفنه ﵊:
ثم اختلفوا في المكان الذي ينبغي ان يدفن فيه رسول الله ﷺ فقال قائلا: «ندفنه في مسجده، وقال قائل: بل ندفنه مع اصحابه. فقال أبو بكر ﵁: اني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما قبض نبي الا دفن حيث يقبض» فرفع فراش رسول الله ﷺ الذي توفي عليه، فحفر له تحته» (٢٧) .
فهذان امران خطيران زال الخلاف فيهما بمجرد الرجوع الى الكتاب والسنة.
٣ اختلافهم في خلافة رسول الله ﷺ :
فقد اختلفوا فيمن تكون الخلافة فيهم، أفي المهاجرين ام في الانصار؟ أتكون لواحد ام لأكثر؟ كما وقع الاختلاف حول الصلاحيات التي ستكون للخليفة، أهي الصلاحيات نفسها التي كانت لرسول الله ﷺ بصفته حاكما واماما للمسلمين أم تنقص عنها وتختلف؟!
يقول ابن اسحاق: «ولما قبض رسول الله ﷺ انحاز هذا الحي من الانصار الى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة واعتزل علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة، وانحاز بقية المهاجرين الى أبي بكر وانحاز معهم اسيد بن حضير في بني عبد الاشهل» (٢٨) واوشكت فتنة كبرى ان تقع ولو وقعت لما كان
стр. 44
ذلك بالامر المستغرب كثيرا فالفراغ الذي تتركه شخصية عظمى من رسول الله ﷺ في امة كان لها النبي والقائد لا يمكن ان يملأ بسهولة ولاسيما ان فيهم رجالا، مثل: عمر كان قد وقر في أذهانهم استحالة موته ﷺ في تلك الظروف فكل فرد في الامة كان يحبه ﵊ اكثر مما يحب نفسه التي بين جنبيه وهم الذين كانوا يبتدرون قطرات وضوئه ﵊ قبل ان تسقط على الارض فلا تكاد تسقط الا في يد احدهم وما من امة على الارض احبت نبيها وقائدها محبة الصحابة رضوان الله عليهم لرسول الله ﷺ فكان كان احدهم لا يستطيع ان يملأ عينيه من النظر اليه من حبهم له وهيبته التي ملأت قلوبهم وجوانحهم رغم تواضعه الشديد وان وقع الصدمة بوفاته ﵊ كان حريا بأن يفقد الكثيرين منهم صوابهم بل وقد فعل ولا غرو في ذلك فقد كان الرسول ﷺ اليد الحانية التي حملت اليهم عز الدنيا وسعادة الآخرة. ومع ذلك فقد تعالوا على مض الحزن وألم الفراق، وتلوا قوله الله تعالى: (ومامحمد الا رسول قد خلت من قبله الرسول أفإن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) «آل عمران ١٤٤» ثم توجهوا لاحتواء الامر وحفظ الرسالة الخالدة، والحيلولة دون أسباب الفتنة.
صحيح أن هناك زعامة واقعية كانت لأبي بكر لم لعمر ﵄، ولم يكن من المسلمين من تنقطع الاعناق اليه مثل أبي بكر وعمر ﵄ فأبو بكر كان وزير الرسول ﷺ وصاحبه ورفيق
стр. 45
هجرته ووالد زوجته الاثيرة لديه وهو الذي لم يكن يفارقه في أي امر مهم. وعمر ﵁ هو من هو؟ فقد كان في اسلامه عزة للمسلمين وفي هجرته ارغام لانوف المشركين وفي رأيه تأييد من رب العالمين ... وكثيرا ما ورد « ... جاء رسول الله ﷺ ومعه ابو بكر وعمر» و «ذهب رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر» و «غزا رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر» ... وهذا كله قد يخفف من الكارثة التي زلزلت الاقدام والقلوب بيد أن الاحساس بالفراغ في مثل هذه المواقف قد يتجاوز الفضائل والمناقب، ويؤدي الى ارتباك ليس من السهل احتواؤه والسيطرة عليه وهنا فان الرجال الذين تربوا في ظلال النبوة قد حكمتهم آدابها في سائر الاحوال ... حال الاتفاق وحال الاختلاف.. وفي كل شأن من شؤون الحياة هذه الداب كانت كفيلة بدء سائر الاخطار المحتملة، والحفاظ على الرسالة، وحماية وحدة الامة وتسيير الامور بشكل مماثل لما كانت تسير عليه في عهد رسول الله ﷺ يقول الرواة «أتى آت الى أبي بكر وعمر فقال: ان هذا الحي من الانصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة قد انحازوا اليه فان كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا قبل ان يتفاقم امرهم» .
جاء هذا الخبر الى الشيخين ورسول الله ﷺ لم يجهز ولم يدفن بعد قال عمر: فقلت لأبي بكر: انطلق بنا الى اخواننا هؤلاء من الانصار حتى ننظر ما هم عليه. ولندع سيدنا عمر يروي بقية ما حدث، حيث قال: ... ان الانصار خالفونا واجتمعوا بأشرافهم في سقيفة بني ساعدة فاطلقنا نؤمهم، حتى لقينا منهم رجلان صالحها فذكرا لنا ما تمالأ
стр. 46
عليه القوم وقال: أين تريدون يا معشر المهاجرين. قلنا: نريد اخواننا هؤلاء من الانصار قالا: فلا عليكم الا تقربوهم يا معشر المهاجرين، اقضوا امركم. قال: قلت: والله لنأتينهم فانطلقنا حتى اتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فاذا بين ظهرانينا رجل مزمل فقلت: من هذا الرجل؟ فقالوا: سعد بن عبادة، فقلت ماله؟ فقالوا: وجع فلما جلسنا نشهد خطيبهم ... ثم ذكر مآثر الانصار وفضائلهم، وما يدل على أنهم أولى بخلافة رسول الله ﷺ من غيرهم.
وهنا لابد من وقفة فالانصار اهل البل وهم فيها الغالبية المطلقة كما يقال اليوم وهم الذين آووا ونصروا وتبوؤوا الدار والايمان وفتحوا للاسلام قلوبهم قبل بيوتهم وليس هناك مهاجر واحد الا ولأخ له من الانصار عليه فضل كبير ولو كان في أمر الخلافة نص قاطع من كتاب الله او سنة رسوله ﵊ لانتهى الامر بذكره والاحتكام اليه وارتفع الخلاف ولكن ليس هناك شيء من ذلك فلم يبق الا التحلي بكل خصال الحكمة والحنكة، وأدب الاختلاف والحوار العقلاني الهادئ القائم على إثارة أنبل المشاعر وافضلها لدى كل من الطرفين، لتجاوز العقبة، واحتواء الأزمة، والخروج منها، وذلك ما كان يقول سيدنا عمر.
ولما سكت أي خطب الأنصار أردت أن أتكلم وقد زورت (هيأت وحسنت) في نفسي مقالة أعجبتني. فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر؛ فكرهت أن أغضبه، وهو كان أعلم مني وأوقر فوالله ما ترك كلمة أعجبتني من تزويري الا قالها في بديهته، أو مثلها أو أفضل
стр. 47
حتى سكت، ومما قال ﵁: «أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم به أهل» واشاد بهم وبما قدموا لدينهم ولإخوانهم المهاجرين، وذكر من فضائلهم ومآثرهم مالم يذكره خطباؤهم، ثم بدأ في إخراج الأمر من الاطار الذي وضعه خطيب الأنصار فيه، فالأمر ليس قاصرا على المدين وحدها فالجزيرة العربية اليوم كلها تستظل بظل الإسلام، وإذا كان المجاهرون القاطنون في المدينة يمكن أن يسلموا لإخوانهم الأنصار بالخلاف، ويعرفوا لهم فضلهم، فإن بقية العرب لن تسلم لغير قريش، وما لم تتوحد الكلمة فلن يكتب لرسالة الإسلام تجاوز الحدود والانتشار خارج الجزيرة، إذن فمصلحة الدعوة تقتضي أن يكون الخليفة من قريش لتستمر الرسالة، وتتحد الكلمة، وتجتمع القلوب، ويستمر المد الإسلامي، ثم خيرهم بين أحد قرشيين لا يماري أحد في فضل أي منهما: عمر وأبي عبيدة، ونزع نفسه من الأمر.
يقول سيدنا عمر: «ولم أكره شيئا مما قاله غيرها أي: غير ترشيحه لعمر وأبي عبيدة وكان والله ان أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ... » .
ثم قام من الأنصار خطيب آخر يريد ان يرجع الأمر إلى الإطار الأول الذي وضعه خطيبهم الأول فيه.. فقال: « ... منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش» قال عمر: «فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتى تخوفت الاختلاف» (٢٩) فقلت: «ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده
стр. 48
فبايعته، ثم بايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار» (٣٠) وقد كاد سعد بن عبادة مرشح الأنصار ﵁ أن يقتل في الزحام «فقد تدافع الناس لمبايعة أبي بكر حتى كادوا يقتلون سعدا دون أن ينتبهوا له» (٣١) .
وهكذا استطاع الصحابة رضوان الله عليهم حسم هذا الخلاف دون أن تبقى في النفوس رواب الإحن، وتوحدت كلمة المسلمين للمضي برسالة الحق الى حيث شاء الله لها أن تنتشر.
٤ اختلافهم حول قتال مانعي الزكاة:
كان هذا الأمر رابع الأمور الخطيرة التي اختلف فيها الصحابة، واستطاعوا التغلب عليها بما تحلّوا به من صدق النية الى جانب أدب الاختلاف؛ فبعد أن بويع أبو بكر ﵁ بالخلافة بعد رسول الله ﷺ ارتدت بعض القبائل حديثة العهد بالإسلام عنه، وتابع بعض من كان ادّعى النبوة، مثل: مسيلمة الكذاب وغيره، كما امتنعت بعض القبائل عن اداء الصلاة والزكاة، وامتنعت بعض القبائل عن اداء الزكاة فقط، وكان سبب امتناع بعضهم عن أداء الزكاة أنفة واستكبارا أن يدفعوا لأبي بكر ﵁، وسوّل الشيطان لبعضهم بتأويل فاسد، حيث زعموا أنها، في أصل الشريعة، لا تدفع لغير رسول الله ﷺ ، لأنه هو المخاطب بأخذها، ومجازاتها عليها بالتطهير والتزكية، والدعاء لهم في قول الله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم)
стр. 49
(التوبة: ١٠٣) ونسي المانعون للزكاة أو تناسوا أن هذا الخطاب لم يكن مقصورا على الرسول ﷺ ، بل يتناول من يلي الأمر بعده ﵊ لأنه خطاب له ﷺ بصفته حاكما وإماما للمسلمين؛ فإن أخذ الزكاة من أهلها وتسليمها لمستحقيها من الأمور الداخلة ضمن تنظيم المجتمع وإدارته كإقامة الحدود ونحوها، تنتقل مسؤوليتها الى القائمين بأمر المسلمين بعد رسول الله ﷺ نيابة عن الأمر.
كما أن كل مسلم كان يبايع رسول الله ﷺ فيما يبايعه على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، مما لا يترك مسوّغا للتفريق بينهما، وحرصا من الخليفة الأول على استمرار مسيرة الإسلام يقرر ابو وبكر الصديق ﵁ قتلاهم لحملهم على التوبة وأداء الزكاة، والعودة إلى حظيرة الإسلام، والالتزام بكل ما بايعوا عليه رسول الله ﷺ (٣٢) ، وإزاء الموقف الذي اتخذه الخليفة الأول يقع الخلاف بينه وبين عمر ﵄ الذي تراءى له للوهلة الأولى عدم جواز مقاتلة مانعي الزكاة. يقول أبو هريرة ﵁: «لما توفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر ﵁ وكفر من كفر من العرب، فقال عمر: فكيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : «أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله تعالى» ؟ فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها لرسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلاّ أن قد شرح الله صدر
стр. 50
أبي بكر ﵁ للقتال فعرفت أنه الحق» (٣٣) .
وقال ابن يزيد: «افترضت الصلاة والزكاة جميعا لم يفرق بينهما وقرأ: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) (التوبة: ١١) . وأبى أن يقبل الصلاة إلاّ بالزكاة، وقال: رحم الله أبا بكر ما كان افقهه يريد بذلك إصراره على مقاتلة من فرق بين الصلاة والزكاة» (٣٤) . وكان سبب الخلاف بين ابي بكر وعمر ﵄ أن سيدنا عمر ومن معه تمسكوا بظاهر لفظ الحديث، واعتبروا مجرد دخول الإنسان الإسلام بإعلان الشهادتين عاصما لدمه وماله ومحرّما لقتاله. أما الصديق ﵁ فقد تمسك بقوله ﷺ «إلاّ بحقها» واعتبر الزكاة حق المال الذي تفقد بالامتناع عن أدائه عصمة النفس والمال، كما فهم من اقتران الصلاة والزكاة في معظم آي الكتاب، وأحاديث الرسول ﷺ أنهما مثلان لا فرق بينهما.
وما داموا متفقين على أن الامتناع عن الصلاة دليل ارتداد واتباع لمدعي النبوة، فإن الامتناع عن الزكاة ينبغي أن يعتبر كدليل ارتداد يقاتل مرتكبه، وبذلك استطاع الصديق ﵁ أن يقنع بقية الصاحبة بصواب اجتهاده في وجوب قتال مانعي الزكاة (٣٥) . واعتبارهم مرتدين ما لم يتوبوا، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ... وبذلك ارتفع الخلاف
стр. 51
في هذه المسألة الشائكة، واتفقت الكلمة على قتال مانعي الزكاة، كما اتفقت على قتال المرتدين ردة كاملة، وحفظ الإسلام من محاولات العبث والإتيان عليه ركنا ركنا بعد أن أخفقوا في الإتيان عليه كاملا، ولولا هذا الموقف من الصدّيق ثم من أصحاب رسول الله ﷺ لما قامت للإسلام قائم ولا نحصر في المدينة ومكة وأرز إليهما، وسادت الرّدة والفتنة سائر أرجاء الجزيرة (٣٦) .
٥ اختلافهم في بعض المسائل الفقهية:
إذا تركنا الأمور الخطيرة التي احتويت، وبحثنا في غيرها نجد ما لا ينقضي منه العجب في أدب الاختلاف وتوقير العلماء بعضهم بعضها، فمما اختلف فيه الشيخان أبو بكر وعمر ﵄ غير ما ذكرنا.. سبي أهل الرّدة، فقد كان أبو بكر يرى سبي نساء المرتدين على عكس ما يراه عمر الذي نقض في خلافته حكم ابي بكر في هذه المسألة، وردهن إلى أهليهن حرائر إلاّ من ولدت لسيدها منهن، ومن جملتهن كانت خولة بنت جعفر الحنفية أم محمد بن علي ﵄.
كما اختلفا في قسمة الاراضي المفتوحة: فكان ابو بكر يرى قسمتها وكان عمر يرى وقفها ولم يقسمها.
وكذلك اختلفا في المفاضلة في العطاء، فكان ابو بكر يرى التسوية في الأعطيات حين كان يرى عمر المفاضلة وقد فاضل بين المسلمين في أعطياتهم.
стр. 52
وعمر لم يستخلف على حين استخلفه أبو بكر، كما كان بينهما اختلاف في كثير من مسائل الفقه (٣٧) ، ولكن الخلاف ما زاد كلا منهما في أخيه إلاّ حبا، فأبو بكر حين استخلف عمر قال له بعض المسلمين: «ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى من غلظته؟ قال: أقول: اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك» (٣٨) .
وحين قال أحدهم لعمر ﵁: «أنت خير من أبي بكر. أجهش بالبكاء وقال: والله لليلة من ابي بكر خير من عمر وآل عمر» (٣٩) .
تلك نماذج من الاختلافات بين الشيخين، اختلفت الآراء وما اختلفت القلوب، لأن نياطها شدّت باسباب السماء فما عاد لتراب الأرض عليها من سلطان.
بين عمر وعلي:
وقد كان بين عمر وعلي ﵄ بعض الاختلافات، ولكن في نطاق أدب رفيع. فقد أرسل عمر ﵁ مرة إلى امرأة مغيبة (زوجها غائب) كان يدخل عليها فأنكر ذلك، فارسل اليها، فقيل لها أجيبي عمر. فقالت: يا ويلاه ما لها ولعمر؟ فبينما هي في الطريق
стр. 53
(إليه) فزعت فضربها الطلق، فدخلت دارا فألقت ولدها، فصاح الصبي صيحتين ثم مات. فاستشار عمر صحب النبي ﷺ فاشار عليه بعضهم: أنه ليس عليك شيء، إنما أنت وال مؤدب، وصمت علي ﵁، فاقبل عليه عمر وقال: ما تقول؟ قال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحونا لك، أرى أن ديته عليك، فإنك أنت أفزعتها، والقت ولدها بسببك؛ فأمر عمر أن يقسم عقله (دية الصبي) على قومه (٤٠) . وهكذا نزل عمر على رأي علي ﵄ ولم يجد غضاضة في العمل باجتهاده وهو أمر المؤمنين، وقد كان في رأي غيره له منجاة.
بين عمر وعبد الله بن مسعود:
عبد الله بن مسعود من اقرأ اصحاب رسول الله ﷺ لكتاب الله، ومن أعلمهم بسنة رسول الله ﷺ حتى كان كثير من الصحابة يعدونه من أهل بيت رسول الله ﷺ لكثرة ملازمته له، قال أبو موسى الأشعري:
«كنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمّه إلاّ من أهل بيت النبي ﷺ من كثرة دخولهم ولزومهم له) (٤١) . وقال أبو مسعود البدري مشيرا إلى عبد الله بن مسعد، وقد رآه مقبلا: «ما أعلم رسول الله ﷺ ترك بعده أحدا أعلم
стр. 54
بما أنزل الله تعالى من هذا القادم. فقال أبو موسى: لقد كان يشهد إذا غبنا، ويؤذن له إذا حجبنا» (٤٢) .
وعمر ﵁ معروف من هو في فقهه وجلالة قدره، وقد كان ابن مسعود أحد رجال عمر ﵄ في بعض الأعمال، وقد وافق عبد الله، عمر ﵄ في كثير من اجتهاداته، حتى اعتبره المؤرخون للتشريع الإسلامي أكثر الصحابة تأثرا بعمر، وكثيرا ما كانا يتوافقان في اجتهاداتهما، وطرائقهما في الاستدلال، وربما رجع عبد الله إلى مذهب عمر في بعض المسائل الفقهية كما في مسالة مقاسمة الجد الإخوة مرة إلى الثلث، ومرة الى السدس (٤٣) .
ولكنهما اختلفا في مسائل كثيرة أيضا، ومن مسائل الخلاف بينهما: أن ابن مسعود كان يطبق يديه في الصلاة، وينهى عن وضعهما على الركب، وعمر كان يفعل ذلك وينهى عن التطبيق.
وكان ابن مسعود يرى في قول الرجل لامرأته: «أنت عليّ حرام» أنه يمين، وعمر يقول: هي طلقة واحدة.
وكان ابن مسعود يقول في رجل زنى بأمرة ثم تزوجها: لا يزالان زانيين ما اجتمعا، وعمر لا يرى ذلك، ويعتبر أوله سفاحا وآخره نكاحا (٤٤) .
ولقد ذكر ابن القيم في «إعلام الموقعين» أن المسائل الفقهية التي خالف فيها ابن مسعود عمر ﵄ بلغت مائة مسألة وذكر أربعا
стр. 55
منهما (٤٥) . ومع ذلك فإن اختلافهما هذا ما نقص من حب أحدهما لصاحبه، وما أضعف من تقدير ومودة أي منهما للآخر، فهذا ابن مسعود يأتيه اثنان: أحدهما قرأ على عمر وآخر قرأ على صحابي آخر، فيقول الذي قرأ على عمر: اقرأنيها عمر بن الخطاب، فيجهش ابن مسعود بالبكاء حتى يبل الحصى بدموعه، ويقول: اقرأ كما أقرأك عمر فإنه كان للإسلام حصنا حصينا، يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه، فلما أصيب عمر انثلم الحصن (٤٦) .
ويقبل ابن مسعود يوما وعمر جالس فلما رآه مقبلا قال: «كنيّف ملىء فقها أو علما» وفي رواية: «كنيّف ملىء علما آثرت به أهل القادسية» (٤٧) . هكذا كانت نظرة عمر لابن مسعود ﵄، لم يزده الاختلاف بينهما في تلكم المسائل إلاّ محبة وتقديرا له، ولنا أن نستنبط من تلك الأحداث آدابا تكون نبراسا في معالجة القضايا الخلافية.
стр. 56
بين ابن عبّاس وزيد بن ثابت:
وحتى نتلمس المزيد من أدب الاختلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم نعرض القضايا الخلافية، فنقول: كان ابن عباس ﵄ يذهب كالصدّيق وكثير من الصحابة إلى أن الجد يسقط جميع الإخوة والأخوات في المواريث كالادب، وكان زيد بن ثابت كعلي وابن مسعود وفريق آخر من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يذهب إلى توريث الإخوة مع الجد ولا يحجبهم به، فقال ابن عباس يوما: ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا!: وقال: لوددت أني وهؤلاء الذين يخالفوني في الفريضة نجتمع، فنضع أيدينا على الركن، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ... (٤٨) .
تلك أمثلة من اختلافات الصحابة الفقيهة، نوردها لا لنعمق الهوة ونؤصل الاختلاف بل لتنحصر ضالتنا في استقراء آداب نلتقي عليها في حل خلافاتنا الفقهية حتى يغدو أسلوب حياة لنا في تعاملنا مع الناس.
إن ابن عباس ﵄ الذي بلغت ثقته بصحة اجتهاده وخطأ اجتهاد زيد هذا الحد الذي رأيناه، رأى زيد بن ثابت يوما يركب دابته فأخذ بركابه يقود به، فقال زيد: تنحّ يا ابن عم رسول الله ﷺ . فيقول ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا. فقال زيد: أرني
стр. 57
يدك. فأخرج ابن عباس يده، فقبلها زيد وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا. (٤٩) وحين توفي زيد قال ابن عباس: «هكذا يذهب العلم» (٥٠) وفي رواية البيهقي في سننه الكبرى «هكذا ذهاب العلم، لقد دفن اليوم علم كثير» (٥١) . وكان عمر ﵁ يدعو ابن عباس للمعضلات من المسائل مع شيوخ المهاجرين والأنصار من البدريين وغيرهم (٥٢) .
والحق لو أننا حاولنا تتبع القضايا الخلافية بين الصحابة في مسائل الفقه، وسلوكهم في عرض مذاهبهم لسودنا في ذلك كتبا، وهذا ليس مبتغانا هنا إنما نورد نماذج فقط نستشف منها الآداب التي تربى عليها جيل الصحابة رضوان الله عليهم، لتدل على مدى التزامهم بآداب الاختلاف في الظروف كلها.
حين جرى الكتاب بما سبق في علم الله، ووقعت الفتن الكبرى، وحدث ما حدث بين الصحابة لأمور الله وحده العالم بكل اسبابها، والمحيط بسائر عواملها حين حدث ذلك ووقع السيف بينهم ما نسي أصحاب رسول الله ﷺ فضائل أهل الفضل منهم، ولا أنستهم الأحداث الجسام والفتن العظام مناقب أهل المناقب منهم، فهذا أمير المؤمنين
стр. 58
علي ﵁ يقول عنه مروان بن الحكم: «ما رأيت أحدا أكرم غلبة من علي، ما هو إلاّ يوم الجمل فنادى مناديه ... ولا يذفف أي يجهز على جريح» (٥٣) .
ويدخل عمران بن طلحة على علّي ﵁، بعدما فرغ من معركة الجمل، فيرحب به ويدنيه ويقول: «إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله فيهم: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) (الحجر: ٤٧) . ثم أخذ يسأله عن أهل بيت طلحة فردا فردا وعن غلمانه وعن أمهات أولاده ...
يا ابن أخي كيف فلانة؟ كيف فلانة؟ ويستغرب بعض الحاضرين ممن لم يحظوا بشرف صحبة رسول الله ﷺ ، ولم يدركوا ماذا يعني أن يكون الإنسان من أصحاب رسول الله ﷺ ، فيقول رجلان جالسان على ناحية البساط: الله أعدل من ذلك، تقتلهم بالأمس وتكونون إخوانا في الجنة؟ فيغضب الإمام علي، ويقول للقائلين: «قوما أبعد أرض الله وأسحقها فمن هو إذا إن لم أكن أنا وطلحة، فمن إذن؟!» (٥٤) .
ويسأل بعضهم أمير المؤمنين عليا عن «أهل الجمل» أمشركون هم؟ فيقول ﵁: من الشرك وفرّوا.
قال: أمنافقون هم؟ فيقول ﵁: إن المنافقين لا يذكرون الله إلاّ قليلا.
فيقال: فمن هم إذن؟ فيقول كرم الله وجهه؛ إخواننا بغوا علينا (٥٥) .
стр. 59
وينال أحدهم من أم المؤمنين عائشة ﵂ بمحضر من عمار بن ياسر الذي كان على غير موقفها يوم الجمل كما هو معروف فيقول ﵁: «اسكت مقبوحا منبوحا، أتؤذي محبوبة رسول الله ﷺ ؟ فأشهد أنها زوجة رسول الله ﷺ في الجنة؟ لقد سارت أمنا عائشة ﵂ مسيرة وإنا لنعلم أنها زوجة النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلانا بها ليعلم إياه نطيع أو إياها» (٥٦) .
أي أدب بعد هذا ينتظر صدوره من رجال قضت مشيئة الله أن تتلاقى رماحهم، لكن النور الذي استقوه من مشكاة النبوة ظل ينير قلوبا عجزت الإحن أن تغشاها، ففاضت بمثل هذا الادب في الاختلاف، وحمد لله فما كان الله جل شأنه ليجمع في رجال عصوره الخير الاختلاف ومجانفة الأدب.
وصف ضرار لـ «علي» وبكاء معاوية:
أخرج أبو نعيم عن أبي صالح قال: دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية، فقال له: صف لي عليا، فقال: أو لا تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أعفيك، قال: اما إذا لابد، فإنه والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير العبرة (الدمعة) ، طويل
стр. 60
الفكرة، يقلب كفيه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشب (ما غلظ وخشن من الطعام) كان والله كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقربه إلينا، وقربه منا، لا نكلمه هيبة له، فإن تبسم فعن مثل اللؤلو المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فاشهد بالله لقد رايته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه يميل في محرابه قابضا على لحيته، يتململ (يضطرب ويتقلب) تململ السليم (الملسوع) ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو يقول: يا ربنا يا ربنا، يتضرع إليه، يقول للدنيا: ألي تعرضت؟ ألي تشوفت؟ (اطلعت) هيهات، هيهات، غرّي غيري، قد بتتّك ثلاثا (طلقتك طلاقا باتا) فعمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطرك يسير، آه آه، من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق ...
فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال معاوية: كذا كان أبو الحسن ﵀، كيف وجدك (حزنك) عليه يا ضرار؟ قال: وجد من ذبح واحدها في حجرها، لا ترقأ (تسكن وتنقطع) دمعتها، ولا يسكن حزنها. ثم قام فخرج (٥٧) .
стр. 61
سمات أدب الاختلاف في عهد الخلافة الراشدة:
من خلال استعراضنا لقضايا الاختلاف نلحظ أن الهوى لم يكن مطيّة أحد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وأن الخلافات التي أفرزت تلك الآداب لم يكن الدافع إليها غير تحري الحق، وهذا غيض من فيض من معالم الاختلاف بين الصحابة بعد عهد الرسالة وانقطاع الوحي:
١ كانوا يتحاشون الاختلاف، وهم يجدون عنه مندوحة، فهم يحرصون الحرص كله على عدمه.
٢ وحين يكون للخلاف اسباب تبرره من مثل وصول سنة في الأمر لأحدهم لم تصل للآخر، أو اختلافهم في فهم النص، أو في لفظة كانوا واقفين عند الحدود يسارعون للاستجابة للحق، والاعتراف بالخطأ دون أي شعور بالغضاضة، كما كانوا شديدي الاحترام لأهل العلم والفضل والفقه منهم، لا يجاوز أحد منهم قدر نفسه، ولا يغمط حق أخيه، وكل منهم يرى أن الرأي مشترك، وأن الحق يمكن أن يكون فيما ذهب إليه، وهذا هو الراجح عنده، ويمكن أن يكون الحق فيما ذهب إليه أخوه، وذلك هو المرجوح، ولا مانع يمنع أن يكون ما ظنه راجحا هو المرجوح، ولا شيء يمنع أن يكون ما ظنه مرجوحا هو الراجح.
٣ كانت أخوة الإسلام بينهم أصلا من أصول الإسلام الهامة التي
стр. 62
لا قيام للإسلام دونها، وهي فوق الخلاف أو الوفاق في المسائل الاجتهادية.
٤ لم تكن المسائل الاعتقادية مما يجري فيه الخلاف، فالخلافات لم تكن تتجاوز مسائل الفروع.
٥ كان الصحابة رضوان الله عليهم قبل خلافة عثمان رضي اله عنه منحصرين في المدينة، وقليل منهم في مكة، لا يغادرون إلاّ لجهاد نحوه، ثم يعودون فيسهل اجتماعهم، ويتحقق إجماعهم في كثير من الأمور.
٦ كان القراء والفقهاء بارزين ظاهرين كالقيادات السياسية، وكل له مكانته المعروفة التي لا ينازعه فيها منازع، كما أن لكل شهرته في الجانب الفقهي الذي يتقنه، مع وضوح طرائقهم ومناهجهم في الاستنباط وعليها بينهم ما يشبه الاتفاق الضمني.
٧ كانت نظرتهم إلى استدراكات بعضهم على بعض أنها معونة يقدمها المستدرك منهم لأخيه وليست عيبا أو نقدا.
الخلاف في عهد التابعين وآدابه:
كان من سياسات أمير المؤمنين عمر ﵁ ألاّ يسمح للصحابة من المهاجرين والأنصار بالإقامة خارج المدينة، فهم في غير المدينة دائما مسافرون يذهبون لغزو أو تعليم أو ولاية أو قضاء أو غير ذلك من المهام، وتبقى المدينة المستقر والمقام لهم بعد ذلك، فهي
стр. 63
حاضرة الدولة وقاعدة الخلافة، وهم حملة رسالة الإسلام ورعيله الأول فيجب أن يكونوا قريبين من الخليفة، أعوانا له على أعبائه، مشاركين إياه في شؤون الأمة كلها.
فلما ولي عثمان ﵁ لم ير باسا في أن يسمح لكل من اراد من الصحابة مغادرة المدينة أو يستوطن حيث يشاء من ديار الإسلام، فتفرق فقهاء الصحابة وقراؤهم في الأمصار التي فتحت، والبلدان التي مصرت، فاستوطن المصرين (البصرة والكوفة) ما يزيد عن ثلاثمائة من الصحابة، واقام في مصر والشام عدد منهم.
ولقد نقل أن رسول الله ﷺ بعد أن رجع من حنين ترك في المدينة اثني عشر الفا من الصحابة، بقي منهم فيها حتى وفاته عشرة آلاف، وتفرق ألفان منهم في الأمصار (٥٨) .
وقد حمل علم وفقه الفقهاء والقراء من الصحابة بعدهم من تلقى عنهم من التابعين، أمثال: سعيد بن المسيب (٥٩) الذي يعتبر راوية عمر وحامل فقهه في المدينة، وعطاء بن أبي رباح في مكة، وطاووس في اليمن، ويحيى بن أبي كثير في اليمامة، والحسن في البصرة، ومكحول في الشام، وعطاء في خراسان، وعلقمة في الكوفة وغيرهم ... وهؤلاء كانوا كثيرا ما يمارسون الفتوى والاجتهاد بمشهد
стр. 64
من أصحاب رسول الله ﷺ الذين تلقوا العلم والفقه عنهم، وتربوا على أيديهم، وتأدبوا بآدابهم، وتأثروا بمناهجهم في الاستنباط، فما خرجوا عن آداب الصحابة في الاختلاف عندما اختلفوا، ولا جاوزوا تلك السيرة، وهؤلاء هم فقهاء الجمهور الذين تأثرت بهم جماهير الأمة، وعنهم تلقوا الفقه، ولعل مما يوضح ذلك الأدب هاتان المناظرتان في الدية.
أخرج عبد الرزاق (٦٠) من طريق الشعبي قال: جاء رجل إلى شريح، فسأله عن دية الأصابع، فقال: في كل أصبع عشرة إبل. فقال الرجل: سبحان الله. هذه وهذه سواء (مشيرا إلى الإبهام والخنصر) فقال شريح: ويحك، إن السنة منعت القياس، اتبع لا تبتدع.
وأخرج مالك في الموطأ عن ربيعة قال: سألت سعيد بن المسيب. كم في أصبع المرأة؟ قال: عشرة من الإبل. قلت: ففي أصبعين؟ قال عشرون. قلت ففي ثلاث؟ قال: ثلاثون. قلت ففي أربع؟ قال عشرون. قلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها (أي: ديتها) فقال سعيد: أعراقي أنت؟ فقال ربيعة: بل عالم متثبت. أو جاهل متعلم. قال سعيد: هي السنة يا ابن أخي (٦١) .
وينتهي الأمر عند هذا الحد دون أن يحتد طرف ويتهم الآخر بالجهل، أو يزعم لنفسه إصابة الحق وما يراه غيره الباطل، فمذهب سعيد
стр. 65
والحجازيين أن دية المرأة كدية الرجل حتى تبلغ الثلث من ديته، فما زاد عن الثلث تكون فيه ديتها نصف دية الرجل، ذلك لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها) (٦٢) . ومذهب العراقيين أن ديتها نصف دية الرجل ابتداء.
وناظر الشعبي (عامر بن شراحيل الكوفي) رجلا في القياس، فقال له: أرأيت لو قتل الأحنف بن قيس وقتل معه طفل صغير أكانت ديتهما واحدة أم يفضل الأحنف لعقله وحلمه؟ قال الرجل: بل سواء، قال: فليس القياس بشيء.
والتقى الأوزاعي بأبي حنيفة في مكة، فقال الأوزاعي: ما بالكم لا ترفعون أيديكم عند الركوع والرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: لم يصح عن رسول الله ﷺ في ذلك شيء. فقال الأوزاعي: كيف وقد حدّثني الزهري عن سالم عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه.
فقال أبو حنيفة: حدثنا حماد عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ كان لا يرفع يديه إلاّ عند افتتاح الصلاة ولا يعود لشيء من ذلك.
فقال الأوزاعي: أحدثك عن الزهري عن سالم، عن أبيه وتقول: حدّثني حماد عن إبراهيم؟
فقال أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزهري، وكان إبراهيم أفقه من
стр. 66
سالم، وعلقمة ليس بدون ابن عمر، وإن كان لابن عمر فضل صحبة فالأسود له فضل كثير، وعبد الله هو عبد الله، فسكت الأوزاعي (٦٣) .
ونقل عن أبي حنيفة أنه قال: «هذا الذي نحن فيه رأي لا نجبر أحدا عليه ولا نقول: يجب على أحد قبوله بكراهية فمن كان عنده شيء أحسن منه فليأت به» (٦٤) .
فالجميع متبعون، فحين تصح السنة لا يخالفها أحد وإذا حدث فإنه اختلاف في فهمها، يسلم كل للآخر ما يفهمه، ما دام اللفظ يحتمله، ولا شيء من الادلة الصحيحة عند الفريقين يعارضه.
أثر الخلاف السياسي في الاختلافات الاعتقادية والفقهية:
من الأمور التي لابد أن نشير إليها أن ما ذكرناه من اختلافات كان شأن جماهير الأمة وغالبيتها العظمى، حيث لا تتعدى الاختلافات القضايا الفقهية التي تضمحل وتزول حين يحتكم إلى النصوص التي تعلو الشبهات من كتاب وسنة فيذعن الجميع للحق في ظل أدب نبوي كريم، لأن سبب الخلاف لا يعدو أن يكون كما قلنا عدم وصول سنة في الأمر لأحدهم ووصولها للآخر، أو اختلافا في فهم النص أو في لفظه، ولكن
стр. 67
هناك أمرا آخر قد استجد وهو: الاختلافات السياسية التي أعقبت فتنة مقتل الخليفة الثالث عثمان ﵁، وانتقال الخلافة إلى الكوفة ثم إلى الشام، وما تخلل ذلك من أحداث جسام، فإن تلك الأحداث التي أدخلت الى دائرة الاختلاف أمرا أخرى كانت خارجها، وساعدت على انطواء أهل كل بلد أو مصر على ما وصلهم من سنة رسول الله ﷺ والنظر إلى ما لدى أهل الأمصار الأخرى نظرة مختلفة متحفظة كثيرا ما تؤثر فيها ظروف التأييد السياسي أو المعارضة، واتخذ العراق بمصريه العظيمين (الكوفة والبصرة) بيئة خصبة لتفاعل الأفكار السياسية وتعقيدها وتصديرها إلى جهات مختلفة، ففيه نشأ التشيع (٦٥)
وظهرت
стр. 68
الجهمية (٦٦)
والمعتزلة (٦٧) ، وانتشر الخوارج (٦٨) وجملة من أهل الأهواء والبدع ... وبدأ وضع الحديث، وتأليف القصص ذات المغزى السياسي، ووضع المنافرات على ألسنة الناس، حتى قال الإمام مالك
стр. 69
في الكوفة: «إنها دار الضرب» (٦٩) وقال الزهري: «يخرج الحديث من عندنا شبرا فيعود في العراق ذراعا» (٧٠) .
وهذه الأمور جعلت الفقهاء العراقيين أنفسهم يتخذون من الاحتياطات ويضعون من الشروط لقبول السنن والأخبار ما لم يكن من سبقهم يلتفت اليه، وذلك حرصا منهم على ألاّ يدخل إلى فقههم من فكر أهل الأهواء والبدع والفرق المتصارعة ما يفسد عليهم دينهم، فما بالك بغير العراقيين الذين بلغ بهم الخوف من الأخذ عن العراقيين مداه، حتى كان أهل الحجاز يرون أن حديث العراقيين أو الشاميين لا يقبل إذا لم يكن له أصل عند الحجازيين (٧١) .
وقيل لأحد علماء الحجاز: حديث سفيان الثوري عن منصور المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة النخعي، عن عبد الله بن مسعود ... أي: ما رأيك في إسناد هذه سلسلته، وهو أصح إسناد لدى العراقيين؟ قال: إن لم يكن له اصلا في الحجاز فلا (٧٢) .
واتخذ العباس من ربيعة بن أبي عبد الرحمن (٧٣) وزيرا ومستشارا وهو
стр. 70
مدني فاستعفاه، وعاد إلى المدينة بعد فترة قصيرة، فقيل له: كيف رأيت العراق وأهلها؟ فقال: رأيت قوما حلالنا حرامهم، وحرامنا حلالهم، وتركت بها أكثر من اربعين الفا يكيدون هذا الدين!! ...
ونقل عنه قوله: كأن النبي الذي أرسل الينا غير النبي الذي ارسل اليهم (٧٤) .
وهذه الأقوال وإن كان المقصود بها أهل الأهواء والبدع في العراق لا أهل السنة وجماهيرها فيه، إلا أن لها دلالة واضحة على بعض الأمور ذات الآثار البعيدة المدى في الحركة الفقهية، ومواقف فقهاء البلدين وطرائقهم ومناهجهم في الاستنباط.
فأهل الحجاز يعتقدون أنهم قد ضبطوا السنّة، فلم يشذ عنهم منها شيء، فالمدينة كان فيها عشرة آلاف من أصحاب رسول الله ﷺ ، خلفهم ﵊ بعد غزوة حنين، عاشوا فيها إلى وفاته. وكان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى أهل الأمصار يعلمهم السنن والفقه، ولكنه حين يكتب إلى المدينة فإنه يكتب إليهم يسألهم عمّا مضى وان يعلموه بما عندهم من السنن ليرسل بها إلى الآخرين. وكان حامل السنة وفقه الصحابة وآثارهم في المدينة سعيد بن المسيب وأصحابه الذين أخذ عنهم بعد ذلك المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وغيرهم، وكان
стр. 71
علماء المدينة من التابعين يرون أن السنن والآثار التي بين أيديهم كافية لتلبية الحاجة الفقهية، وأنه لا شيء يدعهم إلى الأخذ بالرأي بكل ضروبه، على حين كان يرى بعضهم خلاف ذلك، ويأخذ بالرأي حتى عرف به وحمله لقبا، مثل: ربيعة بن أبي عبد الرحمن، شيح مالك الذي لقب بـ «ربيعة الرأي» ولكن الكثرة الغالبة كانت لعلماء السنن والأثار.
أما العراقيون كإبراهيم النخعي (٧٥) وأصحابه فكانوا يرون أن نصيبهم من السنن ليس بقليل، فقد اش بينهم منا لصحابة عدد وافر جاوز الثلاثمائة، وكان كثير منهم من الفقهاء وفي مقدمتهم عبد الله بن مسعود الذي كان من أفقه أصحاب رسول الله ﷺ بكتاب الله، كما كان بينهم علي ﵁ مدة خلافته، وأبو موسى الأشعري وعمار وغيرهم.
وكان إبراهيم النخعي ومعه معظم علماء العراق يرون أن أحكام الشرع معقولة المعنى، مشتملة على ما فيه مصالح العباد، وأنها بنيت على أصول محكمة، وعلل ضابطة لتلك المصالح والحكماء، تفهم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأن الأحكام الفرعية شرعت من أجل تلك العلل، وأن الفقيه هو ذلك الذي يبحث عن علل الأحكام التي
стр. 72
شرعت لأجلها، ويتفهم غاياتها، ليجعل الأحكام مرتبطة بعللها وجودا وعدما، كما كان علماء العراق يرون أن النصوص الشرعية متناهية لكن الوقائع لاتتناهى، فالنصوص قد توقفت بوفاة رسول الله ﷺ فما لم تلاحظ علل الأحكام التي شرعت بالكتاب والسنة فإن من غير الممكن مواجهة الحاجة التشريعية لدى الناس.
عن الحسن بن عبيد الله النخعي، قال: قلت لإبراهيم النخعي: أكل ما أسمعك تفتي به سمعته؟ فقال: لا. قلت: تفتي بما لم تسمع؟ قال: سمعت وجاءني ما لم أسمع فقسته بالذي سمعت (٧٦) . تلك كانت سمة مدرسة العراق: الرأي إن غاب الأثر.
أما سعيد بن المسيب وعلماء المدينة منهم فكانا لا يأبهون بالعلل إلا حين يعييهم الوصول الى نص أو أثر، وكيف يعييه ذلك وهو يقول: ما قضى رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي قضاء إلا وقد علمته (٧٧) !! كما أن بيئة المدينة لم يطرأ عليها ما طرأ على البيئة العراقية من تغيرات، ولم يحدث فيها من الوقائع ما حدث في العراق، ولذلك فإن الكثيرين من علماء المدينة كانوا إذا سئل أحدهم عن شيء لديه فيه أثر أجاب، وإلا اعتذر.. سئل مسروق عن مسالة فقال: لا أدري. فقيل له: فقس لنا برأيك. فقال: أخاف أن تزل قدمي (٧٨) .
стр. 73
ومما يوضح تهيب أهل المدينة من القول بالرأي فيما لا أثر فيه ما قاله ابن وهب: قال مالك: كان رسول الله ﷺ إمام المسلمين وسيد العالمين يسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء، فإذا كان رسول رب العالمين لا يجيب إلا بالوحي، فمن الجرأة العظيمة إجابة من أجاب برأيه، أو بقياس أو تقليد من يحسن به الظن، أو عرف أو عادة أو سياسة أو ذوق، أو كشف أو منام، أو استحسان أو خرص والله المستعان، وعليه التكلان (٧٩) .
ومع أن الخلاف قد احتدم بين المدرستين وجرى تبادل النقد بين الفريقين، لم يتخل أي منهما عن أدب الاختلاف كما تبين لنا مما تقدم من المناظرات، إضافة إلى مناظرات أخرى كثيرة جرت بين رجال المدرستين لم يخرج أحد منهم فيها عن حدود أدب الاختلاف (٨٠) فلا تكفير ولا تفسيق ولا اتهام بابتداع منكر ولا تبرؤ.
عن ابن أبي شبرمة قال: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد بن الحنفية، فسلمت عليه، وكنت له صديقا، ثم أقبلت على جعفر وقلت له: أمتع الله بك، هذا رجل من أهل العراق وله فقه وعقل. فقال لي جعفر: لعله الذي يقيس الدين برأيه؟ ثم قال: أهو النعمان؟ فقال أبو حنيفة: نعم أصلحك الله. فقال جعفر: اتق الله ولا تقس الدين برأيك، فإن أول من قاس إبليس، إذ أمره الله بالسجود
стр. 74
لآدم، فقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ...
ثم قال لابي حنيفة: أخبرني عن كلمة أولها شرك وآخرها إيمان؟ قال أبو حنيفة: لا أدري.
قال جعفر: هي «لا إله إلاّ الله» فلو قال: «لا إله» ثم أمسك كان كافرا، فهذه كلمة أن لها شرك وآخرها إيمان. ثم قال له: ويحك أيهما أعظم عند الله: قتل النفس التي حرم الله أو الزنا؟ قال: بل قتل النفس، فقال جعفر: إن الله قد قبل في قتل النفس شاهدين، ولم يقبل في الزنا إلاّ اربعة، فكيف يقوم لك قياس؟ ثم قال: أيهما أعظم عند الله الصوم أو الصلاة؟ قال: بل الصلاة. قال: فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة، اتق الله يا عبد الله ولا تقس، فإنا نقف غدا نحن وأنت بين يدي الله فنقول: قال الله عز جل وقال رسول الله ﷺ وتقول أنت وأصحابك: قسنا ورأينا، فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء ... (٨١) .
إن أسئلة الإمام جعفر لم تكن مما يعجز واحد مثل أبي حنيفة عن الإجابة عنها، ولكنه الأدب مع آل بيت رسول الله ﷺ هو الذي جعله يسكت.
نستوحي مما تقدم من المناظرات أن الادب النبوي الرفيع كان معين المتناظرين، وأن الاختلاف لم يبين بين الإخوة حواجز تحول دون الالتقاء، وما تناقله المؤرخون لتلك الفترة من غلظة إنما كان يجري
стр. 75
معظمه بين الفرق الكلامية التي امتدت خلافاتها إلى الأمور الاعتقادية، فسوّغ بعضها لنفسه أن يرمي الآخرين بالكفر أو الفسق أو والبدعة، وحتى بين هذه الفرق لم تعدم صفحات التاريخ أن تجد من أدب الاختلاف ما يمكن تسجيله..
مناظرة بين عبّاس للخوارج:
عن عبد الله بن المبارك (٨٢) قال: حدّثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول: قال علي: لا تقاتلوهم (أي الخوارج) حتى يخرجوا فإنهم سيخرجون، قال: قلت: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة فإني أريد أن أدخل عليهم فأسمع من كلامهم وأكلمهم، فقال: أخشى عليك منهم، قال: (أي ابن عباس) وكنت رجلا حسن الخلق لا أوذي أحدا. قال: فلبست أحسن ما يكون من الثياب اليمنية، وترجلت ثم دخلت عليهم وهم قائلون: فقالوا لي: ما هذا اللباس؟ فتلتو عليهم القرآن: (قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) (الأعراف: ٣٢) وقلت: ولقد