[ثامن وأربعون: امتلاء النّحي [ (١) ] الّذي أهريق ما فيه]
[وأما امتلاء النحى الّذي أهريق ما فيه]
فخرج البيهقي من حديث سفيان ابن حمزة، عن كثير بن يزيد، عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي، عن أبيه قال: كان طعام رسول اللَّه ﷺ يدور على أصحابه، على هذا ليلة، وعلى هذا ليلة، فدار عليّ فعلمت طعام رسول اللَّه ﷺ ، ثم ذهبت به فتحرك النحي فأهريق ما فيه، فقلت: على يدي أهريق طعام رسول اللَّه ﷺ ، فقال لي رسول اللَّه ﷺ :
اجلس، فقلت: لا أستطيع يا رسول اللَّه، فرجعت فإذا النحي يقول: قب قب، فقلت: فضلة فضلت فيه، فاجتبذته فإذا هو قد مليء إلى يديه فأوكيته، ثم جئت رسول اللَّه ﷺ فذكرت ذلك له فقال: أما إنك لو تركته لملئ إلى فيه فأوكه [ (٢) ] .
стр. 1822
[تاسع وأربعون: البركة التي ظهرت في الشعير الّذي خلّفه رسول اللَّه ﷺ بعد وفاته في بيت عائشة ﵂]
وأما البركة التي ظهرت في الشعير الّذي خلفه رسول اللَّه ﷺ بعد وفاته في بيت عائشة ﵂، فخرج البخاري في باب فضل الفقر من كتاب الرقاق، وخرج مسلم من حديث أبي أمامة، عن هشام عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: لقد توفى رسول اللَّه ﷺ وقال مسلم-: توفي رسول اللَّه ﷺ وما في رفّي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رفّ لي، فأكلت منه حتى طال عليّ فكلته ففني. لفظهما فيه سواء [ (١) ] .
وذكره البخاري أيضا بهذا الإسناد في كتاب فرض الخمس في باب نفقة نساء النبي ﷺ بعد وفاته [ (٢) ] ، وقال: توفي رسول اللَّه ﷺ وقال: وما في بيتي من شيء ... ،
والحكمة من ذلك أن كثيره مضاد للتوكل، فعوقب فاعله بزواله.
стр. 1823
[خمسون: البركة التي حلت في شطر وسق شعير دفعه النبي ﷺ لرجل استطعمه]
وأما البركة التي حلت في شطر وسق شعير دفعه النبي ﷺ لرجل استطعمه،
فخرج مسلم من حديث سلمة بن شبيب قال: حدثنا الحسن بن محمد بن أعين، حدثنا معقل عن أبي الزبير عن جابر ﵁، أن رجلا أتى النبي ﷺ يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير، فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفهما حتى كاله، فأتى النبي ﷺ فقال: لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم [ (١) ] . ذكره في المناقب.
стр. 1824
[حادي وخمسون: أكل نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعياله من شعير دفعه له النبي ﷺ نصف سنة لم ينقص لما كاله]
وأما أكل نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعياله من شعير دفعه له النبي ﷺ نصف سنة ولم ينقص لما كاله،
فخرج البيهقي من حديث ابن لهيعة قال: حدثنا يونس بن يزيد، حدثنا أبو إسحاق عن سعيد بن الحرث بن عكرمة عن جده نوفل ابن الحرث بن عبد المطلب، أنه استعان رسول اللَّه ﷺ في التزويج، فأنكحه امرأة فالتمس شيئا فلم يجده، فبعث رسول اللَّه ﷺ أبا رافع وأبا أيوب ﵄ بدرعه فرهناه عند رجل من اليهود بثلاثين صاعا من شعير، فدفعه رسول اللَّه ﷺ إليه، قال: فطعمنا منه نصف سنة ثم كلناه، فوجدناه كما أدخلناه، قال نوفل:
فذكرت ذلك لرسول اللَّه ﷺ فقال: لو لم تكله لأكلت منه ما عشت [ (١) ] .
стр. 1825
[ثاني وخمسون: شبع أعرابي بشيء من كسرة قد يبست]
وأما شبع أعرابي بشيء من كسرة قد يبست،
فخرج البيهقي من حديث حفص ابن غياث، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: ضاف النبي ﷺ [أعرابي] [ (١) ] ، قال: فطلب له شيئا فلم يجد إلا كسرة في كوة، قال: فجزّأها رسول اللَّه ﷺ أجزاء ودعا عليها وقال: كل، فأكل وأفضل، قال: فقال: يا محمد، إنك لرجل صالح، فقال له النبي ﷺ : أسلم، قال:
إنك لرجل صالح [ (٢) ] .
وفي رواية، قال: أتى أعرابي النبي ﷺ فسأله، فدخل فلم يجد إلا كسرة قد يبست في جحر، فأخرجها ففتها أجزاء، ثم وضع يده عليها، ثم دعا، ثم قال:
كل يا أعرابي، فجعل الأعرابي يأكل حتى شبع وفضل منه فضلة، فجعل الأعرابي يرفع رأسه ينظر إليه ويقول: إنك لرجل صالح، وجعل النبي ﷺ يدعوه إلى الإسلام، ويقول: إنك لرجل صالح [ (٢) ] .
стр. 1826
[ثالث وخمسون: أمره قوما كانوا لا يشبعون بأن اجتمعوا]
وأما أمره قوما كانوا لا يشبعون بأن اجتمعوا إذا أكلوا، ففعلوا فشبعوا بامتثالهم أمر رسول اللَّه ﷺ ،
فخرج أبو داود من حديث الوليد بن مسلم، حدثنا وحشي ابن حرب، عن ابنه عن جده، أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا رسول اللَّه! إنا نأكل ولا نشبع، قال: فلعلكم تفترقون؟ قالوا: نعم، قال فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم اللَّه عليه، يبارك لكم فيه [ (١) ] .
стр. 1827
[رابع وخمسون: ظهور البركة في شعير أم شريك]
وأما ظهور البركة في شعير أم شريك وعكتها، وريها من عند اللَّه ببركة الرسول ﷺ ، فخرج البيهقي من حديث يونس بن بكير، عن عبد الأعلى، عن أبي المساور القرشي، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي هريرة ﵁ قال: كانت امرأة من دوس يقال لها: أم شريك، أسلمت في رمضان، فأقبلت تطلب من يصحبها إلى رسول اللَّه ﷺ ، فلقيت رجلا من اليهود فقال: ما لك يا أم شريك؟
قالت: أطلب رجلا يصحبني إلى رسول اللَّه ﷺ ، قال: فتعالي فأنا أصحبك، قالت: فانتظرني حتى أملأ سقائي ماء، قال: معي ماء، لا تريدين ماء.
قال: فانطلقت معهم فساروا يومهم حتى أمسوا، فنزل اليهودي ووضع سفرته فتعشّى وقال: يا أم شريك، تعالي إلى العشاء، فقالت: اسقني من الماء فإنّي [عطشى] [ (١) ] ، ولا أستطيع أن آكل حتى أشرب، فقال: لا أسقيك حتى تهودي، فقالت: لا جزاك اللَّه عني خيرا، غررتني [ (٢) ] ومنعتني أن أحمل ماء، فقال: لا واللَّه لا أسقيك منه قطرة حتى تهودين، فقالت: لا واللَّه لا أتهود أبدا بعد أن هداني اللَّه إلى الإسلام، وأقبلت إلى بعيرها فعقلته، ووضعت رأسها على ركبته فنامت، قالت: فما أيقظني إلا [برد] [ (٣) ] دلو قد وقع على جبيني.
فرفعت رأسي فنظرت إلى ماء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، فشربت حتى رويت، ثم نضحت على سقائي حتى ابتل، ثم ملأته، ثم رفع بين يدي وأنا انظر حتى توارى مني في السماء، فلما أصبحت جاء اليهودي فقال: يا أم شريك، قلت: واللَّه قد سقاني اللَّه، فقال: من أين؟ أنزل عليك من السماء؟ قلت: نعم، واللَّه لقد أنزل اللَّه عليّ من السماء، ثم رفع بين يدي حتى توارى عني في السماء.
ثم أقبلت حتى دخلت على رسول اللَّه ﷺ فقصت عليه القصة، فخطب إليها نفسها، فقالت: يا رسول اللَّه، لست أرضى نفسي لك، ولكن بضعي لك،
стр. 1828
فزوجني من شئت، فزوجها زيدا، وأمر لها بثلاثين صاعا وقال: كلوا ولا تكيلوا، وكان معها عكة سمن هدية لرسول اللَّه ﷺ ، فقالت لجارية لها: بلغي هذه العكة رسول اللَّه ﷺ ، قولي: أم شريك تقرئك السلام، وقولي: هذه عكة سمن هديتها لك، فانطلقت بها فأخذوها ففرغوها، وقال لها رسول اللَّه ﷺ علقوها ولا توكوها [ (١) ] ، فعلقوها في مكانها.
فدخلت أم شريك فنظرت إليها مملوءة سمنا، فقالت: يا فلانة! أليس أمرتك أن تنطلقي بهذه العكة إلى رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالت: قد واللَّه انطلقت بها كما قلت، ثم أقبلت بها أصوبها ما يقطر منها شيء، ولكنه قال: علقوها ولا توكوها، فعلقتها في مكانها، وقد أوكتها أم شريك حين رأتها مملوءة، فأكلوا منها حتى فنيت، ثم كالوا الشعير، فوجدوه ثلاثين صاعا لم ينقص منه شيء [ (٢) ] . [قلت: وقد روى ذلك من وجه آخر، ولحديثه في العكة شاهد صحيح عن جابر بن عبد اللَّه في أم مالك.] [ (٣) ] .
стр. 1829
[خامس وخمسون: إشباع أبي أمامة تكرمة له ﷺ ]
وأما إشباع اللَّه تعالى أبي أمامة ﵁ تكرمة لرسول اللَّه ﷺ ، فخرج البيهقي من حديث علي بن الحسن بن شقيق بن دينار- أبي عبد اللَّه المزوي- قال: أنبأنا الحسين ابن واقد قال: حدثني أبو غالب عن أبي أمامة قال: أرسلني رسول اللَّه ﷺ أظنه قال: إلى أهله- وهم على طعام- يعني الدم في خوان- فقالوا لي: كل، قال: قلت:
إني لأنهاكم عن هذا الطعام، وأنا رسول رسول اللَّه ﷺ إليكم، وكذبوني وزبروني، قال: فانطلقت [عن ذا] [ (١) ] وأنا جائع ظمآن، وقد نزل بي جهد فنمت، فأتيت في منامي بشربة من لبن فشبعت ورويت وعظم بطني، فقال القوم: أتاكم رجل من خياركم وأشرافكم فرددتموه؟ اذهبوا إليه فأطعموه من الطعام والشراب ما يشتهي، فأتوني بطعام، قال: قلت: لا حاجة لي في طعامكم، فإن اللَّه قد أطعمني وسقاني، فانظروا إلى حالتي التي أنا عليها، فآمنوا بي وبما جئتهم من عند رسول اللَّه ﷺ .
وخرجه من حديث صدقة بن هرمز، عن أبي غالب، عن أبي أمامة ﵁ قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى قومي، فانتهيت إليهم وأنا طاو، وهم يأكلون الدم، فقالوا: هلم، فقلت: إنما جئتكم لأنهاكم عن هذا، قال: فاستهزءوا بي، وكنت [مجهدا] [ (٢) ] ، فسمعتهم يقول بعضهم لبعض: أتاكم رجل من سراة قومكم فما لكم بد من أن تسقوه [ (٣) ] ولو مذقة، قال: فوضعت رأسي فنمت، فأتاني آت في منامي فناولني إناء فأخذته فشربته فاستقيت وقد كظّني بطني، فناولوني إناء قالوا: خذ، قلت: لا حاجة لي فيه، قالوا: قد رأيناك بجهد، قلت:
إن اللَّه أطعمني وسقاني، فأريتهم بطني، فأسلموا عن آخرهم [ (٤) ] .
стр. 1830
[سادس وخمسون: إغاثة اللَّه له ﷺ عند ما نزل به ضيف]
وأما إغاثة اللَّه نبيه الكريم ﷺ عند ما نزل به ضيفه وليس عنده ما يقربه،
فخرج البيهقي من حديث عبيد اللَّه بن موسى، عن مسعر عن زبيد عن مرة، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: أضاف النبي ﷺ ضيفا، فأرسل إلى أزواجه يبتغي عندهن طعاما، فلم يجد عند واحدة منهن شيئا، فقال: اللَّهمّ إني أسألك من فضلك ورحمتك، فإنه لا يملكها إلا أنت، قال: فأهديت إليه شاة مصلية [ (١) ] فقال: هذه من فضل اللَّه ، ونحن ننتظر الرحمة. قال البيهقي:
والصحيح عن زبيد قال: أضاف النبي ﷺ . مرسلا من قول زبيد [ (٢) ] .
وخرج من حديث الوليد بن سليمان بن أبي السائب، حدثنا واثلة بن الخطاب عن أبيه عن جده واثلة بن الأسقع ﵁ قال: حضر رمضان، ونحن في أهل الصفة، فصمنا فكنا إذا أفطرنا أتى كل رجل منا رجلا من أهل الصفة فأخذه فانطلق به فعشّاه، فأتت علينا ليلة لم يأتنا أحد [ (٣) ] ، فانطلقنا إلى رسول اللَّه ﷺ فأخبرناه بالذي كان من أمرنا، فأرسل إلى كل امرأة من نسائه يسألها: هل عندك شيء؟ فما بقيت منهن امرأة إلا أرسلت تقسم: ما أمسى في [بيتها] [ (٤) ] ما يأكل ذو كبد، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : [اجتمعوا،] فاجتمعوا، فدعا وقال: اللَّهمّ إني أسألك من فضلك ورحمتك، فإنّهما بيدك لا يملكهما أحد غيرك، فلم يكن إلا ومستأذن يستأذن، وإذا بشاة مصلّية ورغف، فأمر بها رسول اللَّه ﷺ فوضعت بين أيدينا، فأكلنا حتى شبعنا، فقال لنا رسول اللَّه ﷺ : إنا سألنا اللَّه من فضله ورحمته فهذا فضله، وقد ذخر لنا عنده رحمته [ (٢) ] .
стр. 1831
[سابع وخمسون: ظهور البركة في التمر الّذي خلفه عبد اللَّه بن عمرو بن حرام]
وأما ظهور البركة في التمر الّذي خلفه عبد اللَّه بن عمرو بن حرام ﵁، حتى قضى دينه ولم يكد ينقص،
فخرج البخاري من حديث أبي عوانه، عن مغيرة عن عامر، عن جابر ﵁ قال: أصيب عبد اللَّه وترك عيالا ودينا، فطلبت إلى أصحاب الدين أن يضعوا بعضا من دينه، فأبوا، فأتيت النبي ﷺ فاستشفعت به عليهم فأبوا، فقال ﷺ : صنف تمرك كل شيء منه على حدته، عذق ابن زيد على حدة، واللين على حدة، والعجوة على حدة، ثم أحضرهم حتى آتيك، ففعلت، ثم جاء ﷺ فقعد عليه وكال لكل رجل حتى [استوفى] [ (١) ] وبقي التمر كما هو كأنه لم يمس [ (٢) ] .
وغزوت مع النبي ﷺ على ناضح لنا فأزحف الجمل فتخلف عليّ، فوكزه النبي ﷺ من خلفه، قال: بعنيه ولك ظهره إلى المدينة، فلما دنونا استأذنت قلت: يا رسول اللَّه! إني حديث عهد بعرس، قال: فما تزوجت؟ بكرا أم ثيبا؟
قلت: ثيبا، قلت: أصيب عبد اللَّه وترك جواري صغار، فتزوجت ثيبا تعلّمهنّ وتؤدبهن، ثم قال: ائت أهلك،
فقدمت فأخبرت خالي ببيع الجمل فلامني، فأخبرته بإعياء الجمل وبالذي كان من النبي ﷺ ووكزه إياه، فلما قدم النبي ﷺ غدوت إليه بالجمل فأعطاني ثمن الجمل، والجمل، وسهمي مع القوم. ترجم عليه باب: الشفاعة في وضع الدين [ (٣) ] .
وخرج البخاري في كتاب البيوع، في باب الكيل على البائع والمعطى، وفخرج النسائي في كتاب الوصايا، كلاهما من حديث جرير عن مغيرة عن الشعبي، عن
стр. 1832
جابر ﵁ قال: توفى عبد اللَّه بن حرام وعليه دين، فاستعنت النبي ﷺ على غرمائه أن يضعوا من دينه، فطلب النبي ﷺ إليهم فلم يقبلوا، فقال لي النبي ﷺ اذهب فصنف تمرك أصنافا: العجوة على حدة، وعذق ابن زيد [ (١) ] على حدة، ثم أرسل إليّ، ففعلت، ثم أرسلت إلى النبي ﷺ فجاء فجلس إلى أعلاه- أو في وسطه- ثم قال: كل للقوم، فكلتهم حتى أوفيتهم الّذي لهم وبقي تمري كأنه لم ينقص منه شيء [ (٢) ] .
وقال النسائي: فاستشفعت برسول اللَّه ﷺ على غرمائي أن يضعوا من دينه شيئا، فطلب إليهم وأبوا [ (٣) ] .
وخرجه البخاري في غزوة أحد من حديث عبيد اللَّه بن موسى، حدثنا شيبان أبو معاوية [ (٤) ] عن فراس عن الشعبي فذكره [ (٥) ] . وخرجه في آخر كتاب الوصايا، من حديث شيبان عن فراس قال: قال الشعبي: حدثني جابر بن عبد اللَّه الأنصاري ﵁ أن أباه استشهد يوم أحد وترك ستّ بنات وترك عليه دينا، فلما حضره جذاذ النخل أتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه! قد علمت أن والدي استشهد يوم أحد وترك عليه دينا كثيرا، وإني أحب أن يراك الغرماء، قال:
اذهب فبيدر كل تمر على ناحية ففعلت، ثم دعوته، فلما نظروا إليه كأنما أغروا بي تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون طاف حول أعظمها بيدرا ثلاث مرات ثم جلس عليه، ثم قال: ادع أصحابك، فما زال يكيل لهم حتى أدى اللَّه أمانة والدي،
وأنا واللَّه راض أن يؤدي اللَّه أمانة والدي ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسلم واللَّه البيادر كلها حتى انظر إلى البيدر الّذي كان عليه رسول اللَّه ﷺ ،
стр. 1833
كأنه لم ينقص تمرة واحدة [ (١) ] . قال أبو عبد اللَّه: أغروا بي: يعني هيجوا بي.
فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ ترجم عليه في الوصايا باب قضاء الوصي ديون الميت بغير محضر من الورثة وذكره في غزوة أحد [ (٢) ] : حتى أدى اللَّه عن والدي أمانته، وأنا أرضى أن يؤدي اللَّه أمانة والدي، ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسلم اللَّه البيادر كلها.. حتى [آخر] الحديث.
وقال في باب علامات النبوة في الإسلام: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكريا قال: حدثني عامر، قال: حدثني جابر أن أباه توفي وعليه دين، فأتيت النبي ﷺ فقلت: إن أبي ترك عليه دينا وليس عندي إلا ما يخرج نخله، ولا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه، فانطلق معي لكي لا يفحش عليّ الغرماء، فمشى حول بيدر من بيادر التمر فدعا، ثم أخّر ثم جلس عليه فقال: انزعوه، فأوفاهم الّذي لهم، وبقي مثل ما أعطاهم [ (٣) ] .
وخرج في كتاب الأطعمة، من حديث أبي حازم، عن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن أبي ربيعة، عن جابر بن عبد اللَّه قال: كان بالمدينة يهودي وكان يسلفني في [تمري] إلى الجذاذ، وكان لجابر الأرض التي بطريق رومة، فجلست فخلا عاما، فجاءني اليهودي عند الجذاذ ولم أجد منها شيئا، فجعلت استنظره إلى قابل فيأبى، فأخبر بذلك النبي ﷺ فقال لأصحابه: امشوا نستنظر لجابر من اليهودي، فجاءوني في نخلي، فجعل النبي ﷺ يكلم اليهودي، فيقول يا أبا القاسم لا أنظره، فلما رأى النبيّ ﷺ قام فطاف في النخل، ثم جاءه فكلمه فأبى، فقمت فجئت بقليل من رطب، فوضعته بين يدي النبي ﷺ ، فأكل ثم قال: أين عريشك يا جابر؟
فأخبرته فقال: افرش لي فيه، ففرشته فدخل فرقد ثم استيقظ، فجئته بقبضة أخرى، فأكل منها ثم قام فكلم اليهودي فأبى عليه، فقام في الرّطاب في النخل
стр. 1834
الثانية ثم قال: يا جابر، خذ واقض، فوقف في الجذاذ، فجذذت منها ما قضيته وفضل منه، فخرجت حتى جئت النبي ﷺ فبشرته فقال: أشهد أني رسول اللَّه [ (١) ] .
قال أبو عبد اللَّه: عرش وعريش: بناء، وقال ابن عباس: معروشات ما يعرش من الكروم وغير ذلك، ويقال: عروشها: أبنيتها، وقال أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف: [قد وقع] [ (٢) ] في هذا الحديث إشكال في لفظه ومعناه، أما المعنى:
فلأن جابر لم يداين أولئك اليهود، وإنما كان أبوه مات وترك الدين عليه، وهي قضية مشهورة.
وخرج البيهقي من حديث محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكيم قال: أخبرنا عروة عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد اللَّه أنه أخبره أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول اللَّه ﷺ [ليشفع إليه، فجاءه رسول اللَّه ﷺ ] [ (٢) ] فكلم اليهودي ليأخذ تمر نخله بالذي له فأبى، فدخل رسول اللَّه ﷺ فمشى فيها ثم قال: يا جابر، جذّ له فأوفه الّذي له، فجذّ بعد ما رجع رسول اللَّه ﷺ فأوفاه ثلاثين وسقا وفضلت له سبعة عشرة وسقا.
فجاء جابر رسول اللَّه ﷺ ليخبره بالذي فعل، فوجد رسول اللَّه ﷺ يصلي العصر، فلما انصرف [رسول اللَّه ﷺ ] [ (٢) ] جاءه فأخبره أنه قد وفّاه، وأخبره بالفضل الّذي فضل له، فقال رسول اللَّه ﷺ : أخبر ذلك ابن الخطاب، فذهب جابر إلى عمر بن الخطاب ﵁ فأخبره، فقال عمر: لقد علمت حين مشى فيها رسول اللَّه ﷺ ليباركن اللَّه فيها [ (٣) ] .
قال البيهقي: رواه البخاري في الصحيح عن إبراهيم بن المنذر، عن أنس بن
стр. 1835
عياض،
وهذا لا يخالف الأول، فإن الأول في سائر الغرماء الذين حضروا وحضر النبي ﷺ حتى أوفاهم ديونهم، وهذا في اليهودي الّذي أتاه بعدهم، وطالب بدينه، فأمر النبي ﷺ جابراً بجذ ما بقي على النخلات وإيفائه حقه، واللَّه أعلم [ (١) ] .
وقال الواقدي- وقد ذكر غزوة ذات الرقاع-: وحدثني إسماعيل بن عطية ابن عبد اللَّه بن أنيس [عن أبيه] عن جابر بن عبد اللَّه قال: لما انصرفنا راجعين فكنا بالشّقرة، قال لي رسول اللَّه ﷺ : يا جابر، ما فعل دين أبيك؟ فقلت:
عليه انتظرت يا رسول اللَّه أن يجذّ له نخله، قال رسول اللَّه ﷺ إذا جذذت فأحضرني، قال: قلت: نعم، ثم قال: من صاحب دين أبيك؟ فقلت: أبو الشحم اليهودي، له على أبي سقة [ (٢) ] من تمر، فقال لي رسول اللَّه ﷺ : فمتى تجذّها؟ قال: قلت: غدا، قال: يا جابر، إذا جذذتها فاعزل العجوة على حدتها، وألوان التمر على حدتها.
قال: ففعلت، فجعلت الصّيحانيّ على حدة، وأمهات الجرادين على حدة، والعجوة على حدة، ثم عمدت إلى جمّاع من التمر مثل نخبة وقرن وشقحة وغيرها من الأنواع- وهو أقل التمر- فجعلته حبلا [ (٣) ] واحدا، ثم جئت رسول اللَّه ﷺ فأخبرته فانطلق ومعه عليه أصحابه، فدخلوا الحائط، وحضر أبو الشحم.
قال: فلما نظر رسول اللَّه ﷺ إلى التمر مصنفا قال: اللَّهمّ بارك له، ثم انتهى إلى العجوة فمسها بيده، وأصناف التمر، ثم جلس وسطها، ثم قال: ادع غريمك.
فجاء أبو الشحم، فقال: اكتل، فاكتال حقه كله من حبل واحد وهو العجوة، وبقية التمر كما هو، فقال: يا جابر، هل بقي على أبيك شيء؟ قال: قلت:
стр. 1836
لا، قال: وبقي سائر التمر فأكلنا منه دهرا وبعنا منه حتى أدركت الثمرة من قابل، ولقد كنت أقول: لو بعت أصلها ما بلغت ما على أبي من دين، فقضى اللَّه ما كان على أبي من الدين، فلقد رأيتني والنبي ﷺ ليقول لي: ما فعل دين أبيك؟ فقلت:
قد قضاه اللَّه، قال: اللَّهمّ اغفر لجابر، فاستغفر لي في ليلة خمسا وعشرين مرة [ (١) ] .
стр. 1837
[ثامن وخمسون: سماع الصحابة تسبيح الطعام وهم يأكلونه]
وأما سماع الصحابة ﵃ تسبيح الطعام وهم يأكلونه مع المصطفى ﷺ ،
فخرج البخاري في باب علامات النبوة في الإسلام، من حديث إسرائيل عن منصور، عن إبراهيم عن علقمة، عن عبد اللَّه قال: كنا نعد الآيات بركة وكنتم تعدونها تخويفا، كنا مع رسول اللَّه ﷺ في سفر فقل الماء، فقال: اطلبوا فضلة من ماء، فجاءوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء ثم قال: حيّ على الطهور المبارك والبركة من اللَّه، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول اللَّه ﷺ ، ولقد كنا نسمع تسبيع الطعام وهو يؤكل [ (١) ] .
стр. 1838
[تاسع وخمسون: مسحه ضرع شاة أم معبد فدرّت باللبن]
وأما مسحه ﷺ ضرع شاة أم معبد فدرت باللبن، بعد ما كانت في جهد لا تبض بقطرة، فخرجه الأئمة الحفاظ: خرجه الحرث بن أبي أسامة، وأبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، من حديث أبي أحمد بشر بن محمد السكري المزوي قال:
حدثنا عبد الملك بن وهب المذحجي، حدثنا الحرّ بن الصباح، عن أبي معبد الخزاعي [ (١) ] ، أن رسول اللَّه ﷺ خرج ليلة هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر ﵁ وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، ودليلهم عبد اللَّه بن أريقط الليثي، فمروا بخيمتي أم معبد الخزاعية [ (١) ]- وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة، تحتبي [ (٢) ] وتجلس بفناء الخيمة، فتطعم وتسقى- فسألوها: هل معها لحم أو لبن يشتروا منها؟
فلم يجدوا عندها شيئا من ذلك، فقالت: لو كان عندنا شيئا ما أعوزكم القرى، وإذا القوم مرملون مسنتون.
فنظر رسول اللَّه ﷺ فإذا شاة في كسر الخيمة، فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ فقالت شاة خلفها الجهد عن الغنم، قال: فهل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذاك، قال: تأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: إن كان بها حلب فاحلبها، قال: فدعا رسول اللَّه ﷺ بالشاة فمسحها، وذكر اسم اللَّه ومسح ضرعها، وذكر اسم اللَّه ودعا بإناء لها يربض الرهط فتفاجت [ (٣) ] ودرّت واجترت، فحلب فيه
стр. 1839
ثجا حتى علاه البهاء، فسقاها وسقى أصحابه فشربوا جميعا حتى أراضوا، وشرب ﷺ آخرهم وقال: ساقي القوم آخرهم، ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها ثم ارتحلوا،
قال: فقل ما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا حيلا عجافا يتساوكن هزلا [ (١) ] ، فلما رأى اللبن عجب وقال: من أين هذا اللبن يا أم معبد ولا حلوبة في البيت والشاة عازب؟ فقالت: لا واللَّه، إلا أنه مرّ بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت وكيت.
قال: صفيه لي يا أم معبد، فو اللَّه إني أراه صاحب قريش الّذي يطلب، فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة حسن الخلق، مبلج الوجه، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة، قسيم وسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره عطف، وفي صوته صهل، أحور أكحل، أزجّ أقرن، في عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سماه وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هزر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدّرن، أبهى الناس وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة، لا تشنأه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أجمل الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفنّد.
قال: هذا واللَّه صاحب قريش الّذي تطلب، ولو صادفني لالتمست أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا.
قال: وأصبح صوت بمكة عاليا بين السماء والأرض، يسمعونه ولا يدرون من يقوله وهو ينشد ويقول:
جزى اللَّه ربّ الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبرّ وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد
فيال قصي ما روى اللَّه عنكم ... به من فعال لا تجاري وسؤدد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
стр. 1840
فغادرها رهنا لديها لحالب ... يردّدها في مصدر ثم مورد
قال: فأصبح الناس وقد فقدوا نبيهم، فأخذوا على خيمتي أم معبد حتى لحقوا رسول اللَّه ﷺ ، قال: وأجابه حسان بن ثابت يقول:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسرى إليهم ويغتدى
ترحّل عن قوم فزالت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدّد
هداهم به بعد الضلالة ربهم ... وأرشدهم من يتبع الحق يرشد
وهل يستوي ضلال قوم تسكعوا ... عمى، وهداة يقتدون بمهتدى
لقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عليهم بأسعد
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب اللَّه في كل مشهد
وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في صحوة اليوم أو غد
ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد اللَّه يسعد
ويهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمسلمين بمرصد [ (١) ]
стр. 1841
وخرج قاسم بن أصبغ من حديث أبي هاشم محمد بن سليمان بن الحكم، عن جده أيوب بن الحكم عن حرام بن هشام عن أبيه هشام، عند جده حبيش ابن خالد صاحب رسول اللَّه ﷺ ، فذكره بمعناه.
стр. 1842
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: خرج رسول اللَّه ﷺ من مكة، لم يعلم أهل مكة أين وجّه، حتى سمعوا مغردا بين أخشبي [ (١) ] مكة يقول:
جزى اللَّه خيرا والجزاء بكفه ... رفيقين قالا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالهدى واهتديا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهنئ بني كعب مكان فنائهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد [ (٢) ]
قال ابن إسحاق: فعرف أهل مكة أن رسول اللَّه ﷺ توجه قبل المدينة.
وقال الواقدي: حدثني حزام بن هشام عن أبيه عن أم معبد- واسمها عاتكة بنت خالد بن حبيب- قالت: لما طلعوا الأربعة على راحلتين، نزلوا بنا، فجئت رسول اللَّه ﷺ بشاة أريد أن أذبحها، فإذا هي ذات در، فأدنيتها منه فلمس ضرعها فقال: لا نذبحها،
فأرسلتها وجئت بأخرى فذبحتها فطبخت لهم، فأكل هو وأصحابه، قلت: ومن معه؟ قالت: ابن أبي قحافة ومولى ابن أبي قحافة وابن أريقط- وهو على شركه بعد- قالت: فتغدى رسول اللَّه ﷺ ، منها وأصحابه، وسفرتهم منها، ما وسعته سفرتهم، وأبقى عندنا لحمها أو أكثره.
فبقيت الشاة التي لمس ضرعها عندنا حتى كان زمان الرمادة، زمان عمر بن
стр. 1843
الخطاب ﵁، وهي سنة ثماني عشرة من الهجرة، كنا نحلبها صبوحا وغبوقا، وما في الأرض قليل ولا كثير. قال حزام: وكانت أم معبد يومئذ مسلمة.
قال المؤلف- ﵀: هكذا أورد أبو نعيم هذا الخبر من حديث أم معبد- ﵂ عن الواقدي، وفيه ما يخالف ما تقدم، على أن فيه علما من أعلام النبوة.
وخرج أبو نعيم من حديث إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق قال: حدّثت عن أسماء بنت أبي بكر ﵁ أنها قالت: لما خرج رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر، أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر ﵁ فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قلت: لا أدري واللَّه أين أبي، قالت: فرفع أبو جهل يده- وكان فاحشا خبيثا- فلطم خدي لطمة خرم قرطي.
قالت: ثم انصرفوا، فمضى ثلاث ليال ما ندري أين توجه رسول اللَّه ﷺ ، حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة، يغني بأبيات شعر غنى بها العرب، وأن الناس ليتبعونه يسمعون صوته وما يرونه، حتى خرج بأعلى مكة:
جزى اللَّه رب الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالهدى واهتديا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبرّ وأوفى ذمة من محمد
وأكسي لبرد الحال قبل ابتذاله ... وأغطى برأس السانح المتجرد
قالت: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر وعامر ابن فهيرة، وعبد اللَّه بن أريقط دليلهما [ (١) ] .
وخرج البيهقي من حديث يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثنا عبد الرحمن بن الأصبهاني قال: سمعت عبد الرحمن بن
стр. 1844
أبي ليلى يحدث عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: خرجت مع رسول اللَّه ﷺ من مكة فأتينا إلى حيّ من أحياء العرب، فنظر رسول اللَّه ﷺ إلى بيت منتحيا فقصد إليه، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة فقالت: يا عبدي اللَّه، إنما أنا امرأة وليس عندي أحد، فعليكما بعظيم الحي إن أردتم القرى، قال: فلم يجبها- وذلك عند المساء- فجاء ابن لها بأعنز له يسوقها فقالت له: انطلق يا بني بهذه العنز والشاة إلى هذين الرجلين فقل لهما: تقول لكما أمي: اذبحا هذه وكلا وأطعمانا.
فلما جاء، قال له النبي ﷺ : انطلق بالشفرة وجئني بالقدح، قال: إنها عزبت وليس لها لبن، قال: انطلق، فانطلق فجاء بقدح، فمسح النبي ﷺ ضرعها ثم حلب حتى ملأ القدح ثم قال: انطلق به إلى أمك، فشربت حتى رويت، ثم جاء به فقال: انطلق بهذه وجئني بأخرى، ففعل بها كذلك، ثم جاء بأخرى فسقا أبا بكر، ثم جاء بأخرى ففعل بها كذلك، ثم شرب النبي ﷺ ، قال:
فبتنا ليلتنا ثم انطلقنا، فكانت تسمية المبارك.
وكثرت غنمها حتى جلبت جلبا إلى المدينة، فمر أبو بكر الصديق ﵁ فرآه ابنها فعرفه، فقال: يا أماه، إن هذا الرجل الّذي كان مع المبارك، فقامت إليه فقالت: يا عبد اللَّه، من الرجل الّذي كان معك؟ قال: وما تدرين من هو؟
قالت: لا، قال: هو النبي ﷺ ، قالت فأدخلني عليه، قال: فأدخلها عليه فأطعمها وأعطاها [ (١) ] .
وفي رواية: قالت: دلني عليه، فانطلقت معي وأهدت له شيئا من أقط ومتاع الأعراب، قال: فكساها وأعطاها، قال: ولا أعلم إلا قال: أسلمت [ (٢) ] .
قال البيهقي- رحمة اللَّه عليه-: هذه القصة وإن كانت تنقص عما روينا في قصة أم معبد وتزيد في بعضها فهي قريب منها، وتشبه أن تكونا واحدة، وقد ذكر
стр. 1845
محمد بن إسحاق بن يسار من قصة أم معبد شيئا يدل على أنها وهذه القصة قصة واحدة سواء بها [ (١) ] .
وذكر من حديث يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: لما نزل رسول اللَّه ﷺ بخيمتي أم معبد- وهي التي غرد بها الجن بأعلى مكة- واسمها عاتكة بنت حنيف بن منقذ بن ربيعة بن أصرم، فأرادوا القرى،
قالت: واللَّه ما عندنا طعام ولا منحة ولا لنا شاة إلا حائل، فدعا رسول اللَّه ﷺ [ببعض غنمها، فمسح ضرعها بيده، ودعا اللَّه، وحلب في العس حتى رغى وقال: اشربي يا أم معبد، فقالت: اشرب فأنت أحق به، فردّه عليها فشربت. ثم دعا بحائل أخرى، ففعل بها مثل ذلك فشرب، ثم دعا بحائل أخرى، ففعل بها مثل ذلك فسقى دليله، ثم دعا بحائل أخرى، ففعل بها مثل ذلك فسقى عامرا، ثم يروح.
وطلبت قريش رسول اللَّه ﷺ حتى بلغوا أم معبد فسألوها عنه، فقالوا:
رأيت محمدا وحليته كذا؟ فوصفوه لها فقالت: ما أدري ما تقولون، قد ضافني حالب الحائل، قالت قريش: فذاك الّذي نريد] .
[قال البيهقي: فيحتمل أن يكون أولا، أي التي في كسر الخيمة، كما روينا في حديث أم معبد، ثم رجع ابنها بأعنز، كما روينا في حديث ابن أبي ليلى، ثم لما أتى زوجها وصفته له، واللَّه تعالى أعلم] [ (٢) ] .
وخرج الحاكم قصة أم معبد من طريق [أبي سعيد، أحمد بن محمد بن عمرو الأخمسيّ بالكوفة، حدثنا الحسين بن حميد بن الربيع الخزار، حدثنا سليمان بن الحكم
стр. 1846
ابن أيوب بن سليمان بن ثابت بن بشار الخزاعي، حدثنا أخي أيوب بن الحكم، وسالم بن محمد الخزاعي، جميعا، عن حزام بن هشام، عن أبيه حزام بن حبيش ابن خويلد صاحب رسول اللَّه ﷺ : أن رسول اللَّه ﷺ خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة، وأبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه، ومولى أبي بكر: عامر بن فهيرة، ودليلهما: الليثي عبد اللَّه بن أريقط، مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية- وكانت امرأة برزة جلدة، تحتبي بفناء الخيمة، ثم تسقي وتطعم- فسألوها لحما وتمرا ليشتروا منها، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وكان القوم مرملين مسنتين.
فنظر رسول اللَّه ﷺ إلى الشاة في كسر الخيمة فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم، قال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك، قال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا بها رسول اللَّه ﷺ فمسح بيده ضرعها وسمى اللَّه تعالى، ودعا لها في شاتها، فتفاجت عليه ودرّت فاجترّت.
فدعا بإناء يربض الرهط، فحلب فيه ثجا، حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، وشرب آخرهم حتى أراضوا، ثم حلب فيه الثانية على هدة حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها، ثم بايعها، وارتحلوا عنها.
فقلّ ما لبث حتى جاء زوجها أبو معبد ليسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزالا، مخّهن قليل، فلما رأى أبو معبد اللبن أعجبه، قال: من أين لك هذا يا أم معبد والشاء عازب حائل، ولا حلوب في البيت؟ قالت: لا واللَّه إلا أنه مرّ بنا رجل مبارك، من حاله كذا وكذا، قال: صفيه لي يا أم معبد، قالت: - رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزريه صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صهل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزجّ أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأجمله من قريب، حلو المنطق،] [ (١) ]
стр. 1847
فصلا لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة، لا تشنأه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إن قال سمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند.
قال أبو معبد: هذا واللَّه صاحب قريش الّذي ذكر لنا من أمره ما ذكر، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا.
وأصبح صوت بمكة عاليا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه وهو يقول:
جزى اللَّه ربّ الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالهدى واهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد
فيال قصي ما زوى اللَّه عنكم ... به من فعال لا تجازي وسؤدد
ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد اللَّه يسعد
وليهن بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت ... عليه صريحا ضرة الشاة مزبد
فغادره رهنا لديها لحالب ... يرددها في مصدر بعد مورد]
[فلما سمع حسان الهاتف بذلك شبب يجاوب الهاتف فقال رضي اللَّه تعالى عنه:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدّس من يسري إليهم ويغتدى
ترحل عن قوم فضلت عقولهم ... وحلّ على قوم بنور مجدّد
هداهم به بعد الضلالة ربهم ... فأرشدهم من يتبع الحق يرشد
وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا ... عمى، وهداة يهتدون بمهتدي
وقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عليهم بأسعد
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب اللَّه في كل مشهد
стр. 1848
وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد [ (١) ]
قال ابن هشام: وأم معبد هي: أم معبد بنت كعب، امرأة من بني كعب، من خزاعة] [ (٢) ] .
стр. 1849
[ستون: حلبة ﷺ عناقا [ (١) ] لا لبن فيها مع عبد يرعى غنما]
وأما حلبة ﷺ عناقا لا لبن فيها مع عبد يرعى غنما،
فخرج البيهقي من حديث محمد بن غالب، حدثنا أبو الوليد: حدثنا عبيد اللَّه بن إياد بن لقيط، عن قيس ابن النعمان قال: لما انطلق النبي ﷺ وأبو بكر ﵁ مستخفين، مروا بعبد يرعى غنما، فاستسقياه اللبن فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أن هاهنا عناقا حملت أول الشتاء وقد أخدجت [ (٢) ] وما بقي لها لبن، فقال: ادع بها، فاعتقلها النبي ﷺ ومسح ضرعها، ودعا اللَّه حتى أنزلت.
قال: وجاء أبو بكر ﵁ بمجن فحلب ﷺ فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي: باللَّه من أنت؟ فو اللَّه ما رأيت مثلك قط! قال: أو تراك تكتم عليّ حتى أخبرك؟ قال: نعم، قال: فإنّي محمد رسول اللَّه.
قال: أنت الّذي تزعم قريش أنه صابئ؟ قال: إنهم ليقولون ذلك، قال: فأشهد أنك نبي، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك.
قال: إنك لن تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا [ (٣) ] .
وخرجه أبو داود الطيالسي من حديث عبد اللَّه بن إياد بن لقيط، فذكره وقال في آخره:
فأتى النبي ﷺ بعد ما ظهر بالمدينة. وخرجه الحاكم وقال: حديث صحيح الإسناد [ (٤) ] .
стр. 1850
[حادي وستون: حلبة ﷺ اللبن من شاة لم ينز عليها الفحل]
وأما حلبة ﷺ اللبن من شاة لم ينز عليها الفحل،
فخرج أبو نعيم من حديث أبي داود قال: حدثنا حماد [بن سلمة] [ (١) ] عن عاصم، عن زرّ عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعتبة بن أبي معيط بمكة، فأتى عليّ رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر الصديق ﵁ وقد فرا من المشركين- فقال: يا غلام، عندك لبن تسقينا؟ فقال: إني مؤتمن، [ولست بساقيكما، قالا: هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم، فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر، وأخذ رسول اللَّه ﷺ الضرع فمسحه، ودعا، فحفل الضرع، وأتى أبو بكر بصخرة منقعرة، فحلب فيها، ثم شرب هو وأبو بكر، ثم سقياني، ثم قال للضرع: اقلص، فقلص، فلما كان الغد، أتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: علّمني هذا القول الطيب- يعني القرآن- فقال رسول اللَّه ﷺ :
إنك غلام معلّم، فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد] [ (٢) ] .
стр. 1851
[ثاني وستون: ظهور الآية في اللبن للمقداد ﵁]
وأما ظهور الآية في اللبن للمقداد- ﵁
فخرج مسلم من حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المقداد قال: أقبلت أنا وصاحبان لي وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد، فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فليس أحد منهم يصلنا، فأتينا النبي ﷺ فانطلق بنا إلى أهله، فإذا ثلاثة أعنز، فقال النبي ﷺ : احتلبوا هذا اللبن بيننا، فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع للنّبيّ ﷺ نصيبه.
قال فيجيء من الليل فيسلم تسليما لا يوقظ نائما، [ويسمع اليقظان، قال:
ثم يأتي المسجد فيصلي، ثم يأتي شرابه، فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي، فقال: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه، ويصيب عندهم، ما به حاجة إلى هذه الجرعة، فأتيتها فشربتها، فلما أن وغلت في بطني، وعلمت أنه ليس إليها سبيل.
قال: ندّمني الشيطان، فقال: ويحك ما صنعت! أشربت شراب محمد، فيجيء فلا يجده، فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك؟ وعليّ شملة، إذا وضعتها على قدميّ خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت، قال: فجاء النبي ﷺ فسلم كما كان يسلّم، ثم أتى المسجد فصلى، ثم أتى شرابه، فكشف عنه فلم يجد فيه شيئا، فرفع رأسه إلى السماء، فقلت: الآن يدعو عليّ فأهلك، فقال:
اللَّهمّ أطعم من أطعمني وأسق من أسقاني.
قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها عليّ وأخذت الشفرة فانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن فأذبحها لرسول اللَّه ﷺ ، فإذا هي حافلة، وإذا هنّ حفّل كلهن، فعمدت إلى إناء لآل محمد ﷺ ، ما كانوا يطعمون أن يحتلبوا فيه، قال: فحلبت فيه حتى علته رغوة، فجئت إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: أشربتم شرابكم الليلة؟.
стр. 1852
قال: قلت: يا رسول اللَّه اشرب، فشرب، ثم ناولني، فقلت: يا رسول اللَّه اشرب، فشرب ثم ناولني، فلما عرفت أن النبي ﷺ قد روى، وأصبت دعوته، ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض، قال: فقال النبي ﷺ : إحدى سوءاتك يا مقداد، فقلت: يا رسول اللَّه! كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا، فقال النبي ﷺ : ما هذه إلا رحمة من اللَّه، أفلا كنت آذنتني، فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها، قال: فقلت: والّذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك من أصابها من الناس] [ (١) ] .
стр. 1853
[ثالث وستون: سرعة سير الإبل بعد جهدها بدعائه ﷺ ]
وأما سرعة سير الإبل بعد جهدها بدعائه ﷺ فخرج أبو نعيم من حديث المعتمر قال: سمعت أبي يقول: حدثنا أبو نضرة عن جابر، وحدثنا محمد بن أحمد بن حمدان، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، قال:
حدثنا أبو كامل [الجحدريّ] ، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال:
حدثنا الجريريّ عن أبي نضرة، عن جابر ﵁، وحدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن صالح بن الوليد النرسي، قال: حدثنا جميل بن الحسن قال:
حدثنا غسان بن مضر، عن سعيد بن يزيد أبي سلمة، عن أبي نضرة، عن جابر ﵁ قال:] [كنا في مسير مع رسول اللَّه ﷺ ، قال: وأنا على ناضح لي، إنما هو في أخريات الناس، قال: فضربه رسول اللَّه ﷺ أو نخسة، أراه قال: بشيء كان معه، قال: فجعل بعد ذلك يتقدم الناس ينازعني حتى أني لأكفّه [ (١) ] .] .
[وخرّج من حديث أحمد بن محمد بن الحسن الماسرجسي، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا جرير عن مغيرة، عن الشعبي، عن جابر ﵁، قال:] [غزوت مع رسول اللَّه ﷺ فتلاحق بي وتحتي ناضح لي قد أعيا، ولا يكاد يسير، قال: فقال لي: ما لبعيرك؟ قلت: عليل، قال: فتخلف رسول اللَّه ﷺ فزجره ودعا له، فما زال بين يدي الإبل قدامها يسير، قال: فكيف ترى بعيرك؟
قال: قلت: بخير قد أصابته بركتك [ (٢) ] .] .
وخرّج من حديث سليمان بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن داود المكيّ قال:
حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا الصعق بن حزن، وأبو هلال الراسبي، قالا: حدثنا سيار أبو الحكم عن الشعبي، عن جابر قال:]
стр. 1854
[كنا مع رسول اللَّه ﷺ في غزاة، وأنا على بعير لي قطوف [ (١) ] ، فمر بي النبي ﷺ فغمز بعيري بعصا في يده، فإذا هو في أول الركاب [ (٢) ] .
وخرج من حديث يوسف القاضي قال: حدثنا أبو الربيع، حدثنا حماد، حدثنا أيوب عن أبي الزبير، عن جابر قال:] .
[أتى عليّ رسول اللَّه ﷺ وقد أعيى بعيري، قال: فنخسه فوثب، قال:
فكنت أحبس بعد ذلك خطامه فما أقدر عليه [ (٣) ] .] .
[ومن حديث جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه قال: فزع الناس، فركب رسول اللَّه ﷺ فرسا لأبي طلحة بطيئا، ثم خرج يركض وحده، فركب الناس يركضون خلفه، فقال: لن تراعوا وإنه لبحر، قال: فو اللَّه ما سبق بعد ذلك اليوم [ (٤) ]] .
[وخرج البيهقي من حديث أبي نعيم، حدثنا زكريا، قال: سمعت عامرا يقول:
حدثني جابر بن عبد اللَّه ﵁: أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فأراد أن يسيّبه فقال: فلحقني رسول اللَّه ﷺ فضربه ودعا له، فسار سيرا لم يسر مثله.
ثم قال: بعنيه بأوقية، قلت: لا، قال: بعنيه بأوقيتين، فبعته واشترطت حملانه إلى أهلي، فلما قدمنا أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه، ثم انصرفت، فأرسل على أثري وقال: أترى أني ماكستك لآخذ جملك؟ خذ جملك، ودراهمك، فهو لك [ (٥) ]] .
[وخرج من حديث حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر
стр. 1855
رضي اللَّه عنه قال: أتى عليّ النبي ﷺ وقد أعيا بعيري، فنخسه فوثب، فكنت بعد ذلك أحبس خطامه فما أقدر عليه، فلحقني النبي ﷺ فقال: بعنيه، فبعته منه بخمس أواق، قلت: على أن لي ظهره إلى المدينة، قال ﷺ : ولك ظهره إلى المدينة، فلما قدمت المدينة، أتيت فزادني أوقية، ثم وهبه لي. [ (١) ]] .
[وله من حديث عبد اللَّه بن أبي الجعد الأشجعي، عن جعيل الأشجعي، قال: غزوت مع النبي ﷺ في بعض غزواته وأنا على فرس لي جعفاء ضعيفة، قال: فكنت في أخريات الناس، فلحقني رسول اللَّه ﷺ فقال: سر يا صاحب الفرس، فقلت: يا رسول اللَّه! جعفاء ضعيفة، قال: فرفع رسول اللَّه ﷺ مخفقة معه، فضربها بها، وقال اللَّهمّ بارك له فيها، قال: فلقد رأيتني ما أمسك رأسه إن تقدم الناس، قال فلقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا] [ (٢) ] .
وله من حديث أبي سهل بن زياد القطان، حدثنا محمد بن شاذان الجوهري، حدثنا زكريا بن علي، حدثنا مروان بن معاوية، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال:] .
جاء رجل إلى النبي ﷺ أو قال: فتى- فقال: إني تزوجت امرأة فقال:
هل نظرت إليها؟ فإن في أعين الأنصار شيئا، قال: قد نظرت إليها، قال: على كم تزوجتها؟ فذكر شيئا، قال: فكأنكم تنحتون الذهب والفضة من عرض هذه الجبال، ما عندنا اليوم شيء نعطيكه، ولكن سأبعثك في وجه تصيب فيه، فبعث بعثا إلى بني عبس، وبعث الرجل فيهم فأتاه فقال: يا رسول اللَّه، أعيتني ناقتي أن تنبعث، قال: فناوله رسول اللَّه ﷺ كالمعتمد عليه للقيام، فأتاها، فضربها برجله،
قال أبو هريرة: والّذي نفسي بيده، لقد رأيتها تسبق القائد [ (٣) ]] .
стр. 1856
[وله من حديث جعفر بن عوف، قال: أنبأنا الأعمش، عن مجاهد، أنّ رجلا اشترى بعيرا، فأتى النبي ﷺ فقال: إني اشتريت بعيرا، فادع اللَّه أن يبارك لي فيه، فقال ﷺ : اللَّهمّ بارك له فيه، فلم يلبث إلا يسيرا أن نفق، ثم اشترى بعيرا آخر، فأتى به رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه! إني اشتريت بعيرين، فدعوت اللَّه أن يبارك لي فيهما، فادع اللَّه أن يحملني عليه، قال: فقال: اللَّهمّ احمله عليه، قال فمكث عنده عشرين سنة] [ (١) ] .
[قال البيهقي: هذا مرسل، ودعاؤه صار إلى أمر الآخرة في المرتين الأوليين، ثم سأله صاحب البعير الدعاء بأن يحمله عليه، وقعت الإجابة إليه ﷺ أفضل زكاة، وأطيبها، وأنماها] [ (١) ] .
стр. 1857
[رابع وستون: شرب أهل الصفة من قدح لبن حتى رووا]
[وأما شرب أهل الصفة من قدح لبن حتى رووا، فخرج البيهقي قال: أخبرنا أبو عبد اللَّه إسحاق بن محمد بن يوسف السوسيّ قراءة عليه من أصله، حدثنا أبو جعفر: محمد بن محمد بن عبد اللَّه البغدادي، أنبأنا عل بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمرو بن ذر، حدثنا مجاهد أن أبا هريرة كان يقول:] [ (١) ] .
[واللَّه الّذي لا إله إلا هو، إن كنت لاعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشدّ الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوما على طريقهم الّذي يخرجون فيه، فمرّ بي أبو بكر، فسألته عن آية من كتاب اللَّه، ما سألته إلا ليستتبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر، فسألته عن آية من كتاب اللَّه، ما سألته إلا ليستتبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني، وعرف ما في نفسي، وما في وجهي.
ثم قال: يا أبا هر! قلت: لبيك يا رسول اللَّه، قال: ألحق، ومضى فاتبعته، فدخل واستأذنت، فأذن لي، فدخلت، فوجد لبنا في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة.
قال: أبا هر! قلت: لبيك يا رسول اللَّه، قال: ألحق بأهل الصفة فادعهم لي، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل ولا مال، إذا أتته صدقة يبعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتتهم هدية أرسل إليهم، فأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك. قلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة، كنت أرجو أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، وإني لرسول، فإذا جاءوا أمرني أن أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة اللَّه وطاعة رسوله بد، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا حتى استأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم
стр. 1858
من البيت، فقال: يا أبا هر! قلت: لبيك يا رسول اللَّه، قال: خذ فأعطهم، فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل، فيشرب حتى يروى، ثم يردّ عليّ القدح، فأعطيه للآخر فيشرب حتى يروى، ثم يردّ عليّ القدح، حتى انتهيت إلى رسول اللَّه ﷺ ، وقد روى القوم كلهم.
فأخذ القدح فوضعه على يده، ونظر إليّ وتبسّم وقال: يا أبا هر! قلت:
لبيك يا رسول اللَّه، قال: بقيت أنا وأنت، قلت: صدقت يا رسول اللَّه! قال:
اقعد فاشرب، فقعدت وشربت فقال: اشرب، فشربت، فقال: اشرب، فشربت، فما زال يقول اشرب، فأشرب، حتى قلت: لا والّذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا، قال: فأرني فأعطيته القدح فحمد اللَّه وسمّى، وشرب الفضلة] [ (١) ] .
стр. 1859
[خامس وستون: وجود عنز في مكان لم تعهد فيه]
[وأما وجود عنز في مكان لم تعهد فيه،
فخرج البيهقي من حديث محمد بن الفرج الأزرق، حدثنا عصمة بن سليمان الخزاز، حدثنا خلف بن خليفة، عن أبي هاشم الرماني، عن نافع، وكانت له صحبة من رسول اللَّه ﷺ ، قال:] .
[كنا مع رسول اللَّه ﷺ في سفر لنا كنا أربعمائة رجل، فنزلنا في موضع ليس فيه ماء، فشقّ ذلك على أصحابه فقالوا: رسول اللَّه ﷺ أعلم، قال: فجاءت شويهة [ (١) ] لها قرنان، فقامت بين يدي رسول اللَّه ﷺ فحلبها، فشرب حتى روى، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم قال: يا نافع! أملكها الليلة، وما أراك تملكها، قال: فأخذتها فوتدت لها وتدا، ثم قمت في بعض الليل فلم أر الشاة، ورأيت الحبل مطروحا، فجئت النبي ﷺ فأخبرته من قبل أن يسألني، فقال يا نافع! ذهب بها الّذي جاء بها] [ (٢) ] .
وفي كتاب محمد بن سعد: أنبأنا خلف بن الوليد أبو الوليد الأزدي، حدثنا خلف بن خليفة، عن أبان بن بشير، عن شيخ من أهل البصرة، عن نافع فذكره] . [ (٣) ]
[وخرّج البيهقي أيضا من حديث العباس بن محمد بن العباس، حدثنا أحمد ابن سعيد بن أبي مريم، حدثنا أبو حفص الرماحيّ، حدثنا عامر بن أبي عامر الخزار، عن أبيه، عن الحسن بن سعد- يعني مولى أبي بكر- قال:
стр. 1860
[قال رسول اللَّه ﷺ : احلب لي العنز، قال: وعهدي بذلك الموضع لا عنز فيه، قال فأتيت بعنز حافل، قال: فاحتلبتها وأوصيت بها، قال: فاشتغلت بالرحلة ففقدت العنز، فقلت: يا رسول اللَّه! فقدت العنز، قال: فقال إن لها ربا] [ (١) ] .