← Сира

Сира · id 1524

إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع

المقريزي

Полный текст (6 146 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

عقب لواحد من هؤلاء [ (١) ] .

стр. 1997

[الحسين بن علي ﵄] والحسين بن علي أبو عبد اللَّه سيد شباب أهل الجنة، ولد لخمس خلون من شعبان سنة أربع، وقيل: علقت به فاطمة ﵍ بعد مولد الحسن ﵁ بخمسين ليلة [ (١) ] ، وقيل: لم يكن بينهما إلا طهر واحد [ (٢) ] ، وقيل: ولد بعد الحسن بسنة وعشرة أشهر لخمس سنين وستة أشهر من التاريخ، وعقّ عنه رسول اللَّه ﷺ كما عق عن أخيه [ (٣) ] ، وسماه حسينا، وكان علي سماه حربا كما سمى أخاه، ويروى أن رسول اللَّه ﷺ قال وهو يرقص الحسين: خبقه خبقة ترون عين بقّه، خبقة بخاء معجمة، ويروى بحاء مهملة، وقال ابن دريد: هو بالخاء والحاء، إذا صغر إلى نفسه، وقال ابن قتيبة: شبهه في صغره بعين بقة [ (٤) ] . فلما مات معاوية بن أبي سفيان وقام بالخلافة بعده ابنه يزيد بن معاوية وكان معاوية قد أراد الحسين على بيعة يزيد فأبى ذلك، وأخذ الوليد بن عتبة بن أبي سفيان عامل معاوية على المدينة الحسين بالبيعة ليزيد بعد موت معاوية، فسار عنها إلى مكة هو وعبد اللَّه بن الزبير في جماعة. فبلغ ذلك أهل الكوفة، فكتبوا إلى الحسين يستدعونه نحوا من مائة وخمسين كتابا، فبعث إليهم بكتابه مع مسلمة بن عقيل بن أبي طالب فدخلوا الكوفة واجتمع إليه الشيعة، فبلغ ذلك يزيد بن معاوية، فولى عبد اللَّه بن زياد بن أبيه الكوفة، وجمع له معها البصرة، وأمره بطلب مسلمة بن عقيل وقتله أو نفيه. وكان الحسين قد كتب إلى أهل البصرة يدعوهم، فضرب عبيد اللَّه بن زياد عنق رسوله، ثم ركب من البصرة ودخل الكوفة وقد بايع مسلم بن عقيل ثمانية

стр. 1998

عشر ألفا، فركب بهم وحاصر عبيد اللَّه فلم يثبتوا وتفرقوا عنه حتى فرّ، فأخذ بعد خطوب وحروب وقتل. وكان قد كتب إلى الحسين بمن بايعه، فخرج من مكة يريد الكوفة يوم الرّوية، فأتاه الخبر بقتل مسلم، فعلم أن أهل الكوفة قد خذلوه، فقام فيمن معه وأعلمهم ذلك فتفرقوا عنه، وبقي معه أهله، وسار فلقيه الحرّ بن يزيد التميمي في ألف فارس، قد بعث به عبيد اللَّه بن زياد، فواقفوه حتى يأخذوه ويأتوا به الكوفة على حكم عبيد اللَّه بن زياد، فامتنع من ذلك، وأراد أن يرجع من حيث أتى فمنعوه ثم ساروا به حتى أنزلوه على غير ماء بموضع من أرض الكوفة يقال له كربلاء- قرب الطف- في يوم الخميس ثاني محرم سنة إحدى وستين. فقدم من الغد عمر بن سعد بن أبي وقاص في أربعة آلاف، وحال بين الحسين وبين الماء ثلاثة أيام، وأصحابه يقاتلون مع الحسين ليصدونهم عن الماء، ثم قدم شموس ذو الجوش على عمر بن سعد بمناجزة الحسين، فنهض شموس في عشية الخميس لتسع مضين من المحرم، وركب عمر بن سعد ليأخذوا الحسين ويأتوا به عبيد اللَّه ابن زياد، فامتنع، وأصبحوا يوم السبت- وقيل: يوم عاشوراء [ (١) ] ومع الحسين اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا. فقاتلوا حتى قتل ﵇، وقد اشتد به العطش، وحزت رأسه، وانتهب متاعه، فوجد به ثلاثة وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة [ (٢) ] ، ثم طرحت جثته ووطئها الفرسان بخيولها حتى رضوا ظهره وصدره، وقيل معه اثنان وسبعون رجلا، منهم سبعة عشر من ولد فاطمة ﵍، وقتل ثلاثة وعشرون. وحملت رأسه إلى عبيد اللَّه بن زياد، وكان قتله إحدى مصائب الإسلام، وكان فاضلا دينا كثير الصوم والصلاة والحج، حج خمسا وعشرين حجة ماشيا [ (٣) ] ،

стр. 1999

وقتل وسنه سبع وخمسون سنة، وقيل ثمان وخمسون سنة، وقيل: أربع وخمسون سنة وستة أشهر [ (١) ] ، وله من الولد على الأكبر، وقتل بالطف [ (٢) ] ولا عقب له. وعلي الأصغر وجعفر لا عقب له، وعبد اللَّه قتل صغيرا بالطف [ (٢) ] ولا عقب له، فجميع من ينسب إلى الحسين ﵇ إنما هم من ولد علي بن الحسين، ولا عقب له من أحد سواه [ (٣) ] ، وكان [للحسنين] من أمهما فاطمة أخ يقال له: محسّن، مات وهو صغير [ (٤) ] .

стр. 2000

[فصل في ذكر بنات بنات النبي ﷺ ] اعلم أن بنات بنات رسول اللَّه ﷺ ثلاث: واحدة من زينب، واثنتان من فاطمة، فأما التي من زينب فإنّها أمامة بنت أبي العاص لقيط بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، ولدت على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وكان يحبها ويحملها على عاتقه وهو في الصلاة، ويضعها إذا سجد [ (١) ] . روى ابن جريج عن ابن أبي عتاب، عن عمرو بن سليم، كانت تلك الصلاة صلاة الصبح، وروى ابن إسحاق عن المقبري عن عمرو بن سليم فقال فيه: في إحدى صلاتي العشي- الظهر أو العصر- وأهدى لرسول اللَّه ﷺ قلادة من جزع متمغة بالذهب ونساؤه مجتمعات في بيت كلهن، وأمامة هذه جارية تلعب في جانب البيت بالتراب، فقال لنسائه: كيف ترون هذه؟ فأخذن القلادة فنظرن إليها وقلن: يا رسول اللَّه! ما رأينا أحسن من هذه قط ولا أعجب، فقال: ارددنها إليّ، فلما أخذها قال: واللَّه لأضعنها في رقبة أحب أهل البيت إليّ، قالت عائشة: فأظلمت الأرض بيني وبينه خشية أن يضعها في رقبة غيري منهن، ولا أراهن إلا وقد أصابهن ما أصابني، [ووجمن] جميعا سكونا، فأقبل بها حتى وضعها في رقبة أمامة بنت أبي العاص، فسرى عني [ (٢) ] . وأوصى أبو العاص بابنته أمامة إلى الزبير بن العوام وبتركته، فزوجها الزبير

стр. 2001

على بن أبي طالب بعد فاطمة ﵃، وأوصته بذلك فاطمة، فولدت له محمدا الأوسط. وقال الزبير بن بكار: لم تلد له، وقتل علي وأمامة عنده، فقالت أم الهيثم النخعية [ (١) ] : أشاب ذؤابتي وأذلّ ركني ... أمامة يوم فارقت القرينا تطيف به [ (٢) ] لحاجتها إليه [ (٢) ] ... فلما استيأست رفعت رنينا وكان علي ﵁ قال لها: تزوجي، فإن أردت التزويج فلا تخرجي من رأي المغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب، فحملها عمها عبد الرحمن ابن محرز بن حارثة بن ربيعة من الكوفة إلى المدينة، فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم يأمره أن يخطبها عليه، ففعل فجاءت إلى المغيرة بن نوفل تستأمره، فقال: أنا خير لك منه، فاجعلي أمرك إليّ، وأشهد عليها برضاها بكل ما صنع. فلما استوثق دعا رجلا وقال: تزوجتها وأصدقتها أربعمائة دينار، فكتب مروان بذلك إلى معاوية، وكتب إليه: هي أملك بنفسها فدعها وما اختارت، وأسرها للمغيرة في نفسه، ثم بعثه إلى الصفراء [ (٣) ] فمات بها. وقد ولدت له أمامة يحيى بن المغيرة، وبه كان يكنى، وماتت أمامة، وقال الزبير: ولم تلد له، فليس لزينب عقب [ (٤) ] ، وأما اللتان من فاطمة ﵂

стр. 2002

فأم كلثوم وزينب.

стр. 2003

[أم كلثوم بنت علي] فأم كلثوم: ابنة علي بن أبي طالب، ولدت قبل وفاة رسول اللَّه ﷺ ، وخطبها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ إلى عليّ، فقال: إنها صغيرة، فقال له: زوجنيها يا أبا الحسن، فإنّي أرصد من كرامتها ما لا يرصده أحد، فقال له علي ﵁: أنا أبعثها إليك، فإن رضيتها فقد زوجتكها، فبعثها إليه بردّ وقال لها: قولي له: هذا الرّدّ الّذي قلت لك، فقالت: ذلك لعمر، فقال: قولي له: رضيت، رضي اللَّه عنك، ووضع يده على ساقها وكشفها، فقالت: أتفعل هذا؟ لولا أنك أمير المؤمنين لكسرت أنفك- وفي رواية: [للطمت] [ (١) ] عينيك. ثم خرجت حتى جاءت أباها فأخبرته الخبر وقالت: تبعثني إلى شيخ سوء؟ فقال: يا بنية فإنه زوجك، فجاء عمر ﵁ إلى مجلس المهاجرين في الروضة، وكان يجلس فيها المهاجرون الأولون، فجلس إليهم فقال: رفئوني [ (٢) ] ! فقالوا: بماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوجت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب. سمعت الرفّاء بالمد: الالتئام والاتفاق، ويقال للمتزوج: بالرفاء والبنين، وقد رفأت المملك ترفية وترفياء إذا قلت له ذلك [ (٣) ] .

стр. 2004

سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: كل نسب وسبب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي وصهري، فكان لي به النسب والسبب فأردت أن أجمع إليه الصهر فرفّئوه. وأمهرها عمر ﵂ أربعين ألف درهم، فولدت له زيدا ورقية، تزوج رقية بنت عمر إبراهيم بن نعيم النجار فماتت عنده ولم تترك ولدا، وقتل زيد بن عمر خطأ، قتله خالد بن أسلم مولى عمرو، ولم يترك ولدا، فلا بقية لعمر ﵁ في أم كلثوم بنت علي ﵂. وقد روى أن زيد بن عمر، وأمه أم كلثوم مرضا جميعا ونقلا ونزل بهما، وأن رجالا مشوا بينهما لينظروا أيهما يقبض أولا فيورّث منه الآخر، وأنهما قبضا في ساعة واحدة، فلم يدر أيهما قبض قبل صاحبه، فكانت في زيد وأمه سنّتان، ماتا في ساعة واحدة، لم يعرف أيهما مات قبل الآخر، فلم يورث واحد منهما من صاحبه، ووضعا معا في موضع الجنائز، وأخرت أمه وقدم زيد مما يلي الإمام [ (١) ] ، فجرت السّنّة في الرجل والمرأة بذلك بعد. وصلى عليهما عبد اللَّه بن عمر [ (٢) ] ، ولما قتل عمر ﵁ عن أم كلثوم، تزوجها محمد بن جعفر بن أبي طالب فمات عنها، فتزوجها عون بن جعفر ابن أبي طالب فماتت عنده [ (٣) ] ، رحمها اللَّه.

стр. 2005

[زينب بنت عليّ] وزينب بنت علي بن أبي طالب ﵁ [ (١) ] زوجها أبوها علي ﵁ بعبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب، فولدت له عليا، وفيه البقية من ولده وأم كلثوم وتزوجت ولها عقب، ورقية ماتت قبل أن تبلغ الحلم، واللَّه أعلم.

стр. 2006

فصل في ذكر آل رسول اللَّه ﷺ قال ابن سيده: وآل الرجل أهله، فإما أن تكون الألف منقلبة عن واو، وإما أن تكون بدلا من الهاء، وتصغيره أويل وأهيل، وقد يكون ذلك لما لا يعقل. وأهل الرجل عشيرته وذوو قرباه، والجمع أهلون وأهلات [ (١) ] ، قال: وأهل بيت النبي ﷺ ويقال لهم آل البيت- قيل: نساء النبي ﷺ . وقيل: الرجال الذين هم آله، وآل الرجل أهله، وآل اللَّه وآل رسوله أولياؤه، أصلها أهل، ثم أبدلت الهاء بهمزة، فصارت في التقدير آل، فلما توالت الهمزتان أبدلوا الثانية ألفا. قال: فلما كانوا بالآل الأشرف الأخص دون الشائع الأعم، حتى لا يقال إلا في نحو قولهم: آل اللَّه، واللَّهمّ [صل] [ (٢) ] على محمد وعلى آل محمد، وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [ (٣) ] ، قال ولا يقال: آل الخياط، كما يقال أهل الخياط ولا آل الإسكاف [ (٤) ] . وقال صاحب الصحاح: وآل الرجل أهله وعياله، وآله أيضا: أتباعه، وقيل: آل الرجل مشتق من يئول إذا رجع، فآل الرجل هم الذين يرجعون إليه ويضافون له، ويليهم أي يسوسهم، فيكون مآلهم إليه ومنه الإيالة وهي السياسة، فآل الرجل هم الذين يسوسهم. ويقال [آل] الرجل له نفسه، وآله لمن يتبعه [ (٥) ] ، ويقال: أهل الرجل

стр. 2007

لأهله وأقاربه، فمن الأول: قول النبي ﷺ لما جاءه أبو أوفى بصدقة-: اللَّهمّ [صل] [ (١) ] على آل أبي أوفى [ (٢) ] ، وقوله تعالى: سلام على آل ياسين [ (٣) ] ، وقوله ﷺ : اللَّهمّ صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم [ (٤) ] ، فآل إبراهيم هو إبراهيم، لأن الصلاة المطلوبة للنّبيّ ﷺ هي الصلاة على إبراهيم نفسه، وآله تبع له فيها. وقيل لا يكون الآل إلا الأتباع والأقارب، وزعموا أن الأدلة المذكورة المراد بها الأقارب، وأن قوله: كما صليت على آل إبراهيم: آل إبراهيم الأنبياء، والمطلوب من اللَّه تعالى أن يصلى على النبي ﷺ ، كما صلى على جميع الأنبياء والمرسلين من ذرية إبراهيم، لا إبراهيم وحده، كما هو مصرح به في بعض الألفاظ من قوله: على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وكذا في إِلْ ياسِينَ، فإنه قرئ: آل ياسين [ (٥) ] ، والمراد أتباعه. والصواب من هذا كله: أن الآل إذا انفرد، دخل فيها المضاف، كقوله تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [ (٦) ] ، ولا ريب في دخوله في آله هنا، وقوله وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ [ (٧) ] ، ونظائره، وقول النبي ﷺ : اللَّهمّ

стр. 2008

[صل] [ (١) ] على آل أبى أوفى، ولا ريب في دخول أبى أوفى نفسه في ذلك، وقوله: اللَّهمّ صلى على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم - هنا أكثر روايات البخاري- وإبراهيم هنا داخل في آله. وأما إذا ذكر الرجل ثم ذكر آله، لم يدخل فيهم، ففرق بين اللفظين المجرد والمقرون، فإذا قلت: أعط هذا الزيد وآل زيد، لم يكن زيد هنا داخلا في آله، وإذا قلت: أعطه لآل زيد تناول زيدا وآله، فعلم أن اللفظ واحد تختلف دلالته بالتجريد والاقتران، كالفقير والمسكين: هما صنفان، إذا قرن بينهما، وصنف واحد إذا أفرد كل منهما، ولهذا كانا في الزكاة صنفين [ (٢) ] ، وفي الكفارة صنفا واحدا، وكالإيمان والإسلام، والبر والتقوى، والفحشاء والمنكر، والفسوق والعصيان، ونظائر ذلك في القرآن كثيرة. وقد اختلف في آل النبي ﷺ على أربعة أقوال، أحدها: أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة، وفيهم ثلاثة أقوال: أحدها، أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، وهذا مذهب الشافعيّ وأحمد في رواية عنه، والثاني: أنهم بنو هاشم خاصة، وهذا مذهب أبى حنيفة، وأحد أقوال أحمد، واختيار ابن القاسم من أصحاب مالك، والثالث: أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب، فيدخل فيهم بنو المطلب، وبنو أميه، وبنو نوفل ومن فوقهم من بطون قريش، وهذا اختيار أشهب من أصحاب مالك، على ما حكاه صاحب (الجواهر) عنه.

стр. 2009

وحكاه اللخمي في (التبصرة) عن أصبغ لا عن أشهب، وهذا القول في الأول، أعنى أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة، هو منصوص عن الشافعيّ وأحمد، والأكثرين، وهو اختيار جمهور أصحابهما، والدليل عليه ما خرجه البخاري من حديث إبراهيم ابن طهمان، عن محمد بن زياد، عن أبى هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يؤتى بالتمر عند صرام النخل، فيجيء هذا بتمره وهذا من تمره، حتى يصير عنده كوما من تمر فجعل الحسن والحسين يلعبان بذلك التمر، فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه، فنظر إليه رسول اللَّه ﷺ فأخرجها من فيه وقال: أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة؟ ترجم عليه باب أخذ صدقة التمر عند صرام النخل، وهل يترك الصبى فيمسّ تمر الصدقة [ (١) ] ؟ وخرجه مسلم من حديث وكيع عن شعبة، عن محمد- وهو ابن زياد- سمع أبا هريرة يقول: أخذ الحسن بن على ﵁ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول اللَّه ﷺ : كخ كخ! ارم بها، أما علمت أنّا لا تحل لنا الصدقة؟ [ (٢) ] ؟ وخرج مسلم من حديث إبراهيم بن علية قال: حدثنا أبو حبّان قال: حدثني يزيد بن حبّان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة، وعمر بن مسلم إلى زيد

стр. 2010

ابن أرقم ﵁، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، رأيت رسول اللَّه ﷺ وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت [ (١) ] يا زيد خيرا كثيرا، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول اللَّه ﷺ ، قال: يا ابن أخي، واللَّه لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الّذي كنت أعي من رسول اللَّه ﷺ فما حدثتكم فاقبلوا، وما [ (٢) ] لا فلا تكلفونيه [ (٣) ] . ثم قال: قام فينا رسول اللَّه ﷺ يوما [ (٤) ] خطيبا بماء يدعى خمّا [ (٥) ] بين مكة والمدينة، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر، يوشك أن يأتى رسول ربى [ (٦) ] فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب اللَّه تعالى، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب اللَّه واستمسكوا به، فحث على كتاب اللَّه ورغّب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكّركم اللَّه في أهل بيتي، أذكركم اللَّه [في أهل بيتي، أذكركم اللَّه في أهل بيتي] [ (٧) ]- ثلاثا [ (٨) ] - ثم قال له حصين: ومن أهل بيته

стр. 2011

يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته. أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل على، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة [ (١) ] ؟ قال نعم [ (٢) ] . وخرجه من حديث جرير عن أبى حيان به، وزاد فيه: كتاب اللَّه فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأ ضل [ (٣) ] . وخرجه من حديث حسان بن إبراهيم عن سعيد بن مسروق، وعن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال: دخلنا عليه فقلنا له: لقد رأيت خيرا، لقد صاحبت رسول اللَّه ﷺ وصليت خلفه، وساق الحديث بنحو حديث أبى حيان، غير أنه قال: ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب اللَّه ، وهو حبل اللَّه، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة، وفيه: فقلنا: من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا وأيم اللَّه، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده [ (٤) ] . وخرجه الترمذي من حديث محمد بن فضل. حدثنا الأعمش عن عطية بن سعد، والأعمش عن حبيب بن أبى ثابت، عن زيد بن أرقم قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب اللَّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما. قال: هذا حديث [حسن] غريب [ (٥) ] .

стр. 2012

وخرجه الحاكم من حديث جرير بن عبد الحميد، عن الحسن بن عبد اللَّه النخعي، عن مسلم بن صبيح، عن زيد بن أرقم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إني تارك فيكم الثقلين، كتاب اللَّه وأهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض. قال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه [ (١) ] . وقد روى: إني تارك فيكم الثقلين، كتاب اللَّه وعترتي، كتاب اللَّه حبلا ممدودا من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، قال أبو البقاء: أما كتاب اللَّه وعترتي الأولين فبدلان من الثقلين. وأما كتابا الثاني فهو بدل من كتاب الأول، وجوّد ذلك وحسّنه ما اتصل به من زيادة المعنى، وهو قوله: حبلا ممدودا، وكذلك عترتي أهل بيتي، ونصب حبلا ممدودا على أنه حال أو مفعول ثانى لتارك، ولو روى كتاب اللَّه حبلا ممدودا جاز على أنه مستأنف. وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: إن الصدقة لا تحل لآل محمد [ (٢) ] ، وخرج البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عروة، عن عائشة ﵂ أن فاطمة والعباس ﵄ أتيا أبا بكر ﵁ يلتمسان ميراثهما من رسول اللَّه ﷺ وهما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك وسهمهما من خيبر، فقال لهما أبو بكر ﵁: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لا نورّث، ما تركناه صدقه، إنما يأكل آل محمد من [هذا المال] . قال أبو بكر ﵁ واللَّه لا أدع أمرا رأيت رسول اللَّه ﷺ [يصنعه] فيه إلا صنعته، قال: فهجرته فاطمة ﵂ فلم تكلمه حتى ماتت. اللفظ للبخاريّ، خرجه في الفرائض [ (٣) ] وخرجه في المغازي [ (٤) ] في حديث بنى النضر

стр. 2013

وقال في آخره: إنما يأكل آل محمد من هذا المال، واللَّه لقرابة رسول اللَّه ﷺ أحب إليّ أن أصل من قرابتي، وذكره في كتاب الفيء، أطول من هذا وأشبع من حديث عقيل وصالح بن كيسان ومعمر، وهي كلها مما اتفقا عليه، وقوله: إنما يأكل آل محمد من هذا المال، يعنى مال اللَّه، ليس لهم أن يزيدوا على المأكل، قال النبي ﷺ لهم خواصّ: منها حرمان الصدقة، ومنها أنهم لا يرثونه، ومنها استحقاقهم خمس الخمس، ومنها اختصاصهم بالصلاة عليه. وقد ثبت أن تحريم الصدقة، واستحقاق خمس الخمس، وعدم توريثهم، يختص ببعض أقاربه ﷺ ، فكذلك الصلاة على آله خاصة ببعضهم غير عامة لهم. وخرج مسلم من حديث مالك عن الزهري، أن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب، حدثه أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حدثه قال: اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا: واللَّه لو بعثنا هذين الغلامين- قال لي وللفضل بن عباس- إلى رسول اللَّه ﷺ فكلماه فأمّرهما على هذه الصدقات فأديا ما يؤدى الناس وأصابا ما تصيبه الناس. قال: فبينما هما في ذلك جاء على بن أبى طالب ﵁ فوقف عليهما، فذكرا له ذلك، فقال عليّ: لا تفعلا [فو اللَّه] [ (١) ] ما هو بفاعل، فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال: واللَّه ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا، فو اللَّه لقد نلت صهر رسول اللَّه ﷺ ، فما نفسناه عليك، قال عليّ: أرسلوهما، فانطلقا واضطجع عليّ، قال: فلما صلى رسول اللَّه ﷺ الظهر سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها حتى جاء فأخذ بآذاننا ثم قال: أخرجا ما تصررانه، ثم دخل ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بنت جحش. قال: فتواكلنا الكلام ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول اللَّه، أنت أبّر الناس وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح فجئنا لتؤمّرنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدى إليك كما يؤدى الناس ونصيب كما يصيبون.

стр. 2014

قال: فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه، قال: وجعلت زينب رضى اللَّه عنها تلمع علينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه. قال: ثم قال: إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس، أدعوا لي محمية- وكان على الخمس- ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب. قال: فجاءاه فقال لمحمية: أنكح هذا الغلام ابنتك للفضل بن العباس، فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث: أنكح هذا الغلام ابنتك لي، فأنكحنى، وقال لمحمية: أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا. قال الزهري: ولم يسمه لي، [ (١) ] وخرجه أيضا من حديث يونس [بن يزيد] [ (٢) ] عن ابن شهاب، عن عبد اللَّه

стр. 2015

ابن الحارث بن نوفل الهاشمي، أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، أخبره أن أباه ربيعة بن الحارث [بن عبد المطلب] [ (١) ] وعباس بن عبد المطلب قالا لعبد المطلب بن ربيعة وللفضل بن عباس: ائتيا رسول اللَّه ﷺ ... وساق الحديث بنحو حديث مالك وقال فيه: فألقى عليّ ﵁ رداءه ثم اضطجع وقال: أنا أبو حسن القرم، واللَّه لا أريم مكاني حتى يرجع إليكما ابناكما بحور ما بعثتما به إلى رسول اللَّه ﷺ ، وقال في الحديث: ثم قال لنا: إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد. وقال أيضا ثم قال رسول اللَّه ﷺ : ادعوا إليّ محمية بن جزء- وهو رجل من بنى أسد كان رسول اللَّه ﷺ استعمله على الأخماس. قال كاتبه: هكذا وقع، وهو رجل من بنى أسد، وإنما هو من بنى زبيلة. وخرج مسلم وأبو داود من حديث حيوة، أخبرنى أبو صخر عن يزيد بن قسيط عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، أن رسول اللَّه ﷺ أمر بكبش أقرن يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأتى به ليضحّى به فقال: يا عائشة هلمي المدية، ثم قال: اشحذيها بحجر [- وقال أبو داود: أشحثيها بحجر-] [ (٢) ] ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه، ثم ذبحه ثم قال: باسم اللَّه، اللَّهمّ تقبل من محمد، وآل محمد، ومن أمة محمد، ثم ضحى به [ (٣) ] . فانظر كيف غاير بين آله وأمته، فإن حقيقة العطف المغايرة، وأمته ﷺ

стр. 2016

أعمّ من آله، وتفسير الآل بكلام النبي ﷺ أولى من تفسيره بكلام غيره، وهذا القول من أن آل الرسول ﷺ هم الذين تحرم عليهم الصدقة، هو أصح الأقوال الأربعة. وأرجح ما في هذا القول من الأقوال الثلاثة مذهب الشافعيّ رحمة اللَّه، لما خرج البخاري من حديث الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عن جبير بن مطعم قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان ﵁ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقلنا: يا رسول اللَّه! أعطيت بنى المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال رسول اللَّه ﷺ : إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد [ (١) ] . وقال الليث: حدثني يونس، وزاد قال جبير: ولم يقسم النبي ﷺ لبني عبد شمس ولا لبني نوفل [شيئا] [ (٢) ] . قال ابن إسحاق: وعبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأم- وهي عاتكة بنت مرة- وكان نوفل أخوهم لأبيهم، ذكره البخاري في كتاب فرض الخمس، وفي مناقب قريش في غزوة خيبر. فصح أنه لا يجوز أن يفرق بين حكم هاشم وبنى المطلب في شيء أصلا، لأنهم شيء واحد بنصّ كلام رسول اللَّه ﷺ ، فصح أنهم آل محمد، وإذ هم آل محمد فالصدقة عليهم حرام، وخرج بنو عبد شمس وبنو نوفل ابني عبد مناف وسائر قريش عن هذين البطنين وباللَّه التوفيق. واعترض الحنفيون بأن قوله ﷺ : إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، إنما أراد أنهم لم يفترقوا في الجاهلية لأنهم دخلوا مع بنى هاشم الشعب، إذ [كان] [ (٣) ] بنو عبد شمس حينئذ حزبا لرسول اللَّه ﷺ ، [وأهل رسول اللَّه ﷺ هم بنو هاشم] [ (٤) ] فقط الذين هم بنو العباس، وبنو طالب، وبنو الحارث، وبنو أبى طالب، وبنو أبى لهب. فإنه لا خلاف أن عقب هاشم انحصر في عبد المطلب

стр. 2017

فصار بنوه آل محمد بيقين. واعترض الشيعة العلوية على الحنفية وغيرهم بأنه ليس أهل البيت إلا من ذكرهم اللَّه تعالى بقوله: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [ (١) ] ، وقد فسرهم رسول اللَّه ﷺ حين سئل: من أهل بيتك؟ فقال: على وفاطمة، والحسن والحسين. خرج الترمذي من طريق يحى بن عبيد، عن عطاء بن أبى رباح، عن عمر بن أبى سلمة [ربيب النبي ﷺ ] ، وزينب بنت النبي ﷺ قال: نزلت هذه الآية على النبي ﷺ : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [ (١) ] في بيت أم سلمة ﵂ فدعا النبي ﷺ فاطمة وحسنا وحسينا ﵃ فجلّلهم بكساء، وعلى ﵁ خلف ظهره [فجلله بكساء] ثم قال: اللَّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول اللَّه؟ قال: أنت على مكانك وأنت إلى خير [ (٢) ] . قال: وهذا حديث غريب من هذا الوجه. ذكره في مناقب آل بيت النبي ﷺ . وذكره أيضا بهذا الإسناد في كتاب التفسير وقال: هذا حديث غريب من حديث عطاء عن عمر بن أبى سلمة [ (٣) ] . وخرج مسلم من حديث زكريا بن أبى زائدة، عن مصعب بن أبى شيبة، عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة ﵂: خرج النبي ﷺ

стр. 2018

[غداة] [ (١) ] وعليه مرط مرحّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن على فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء عليّ فأدخله ثم قال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [ (٢) ] . وخرج أبو بكر بن أبى شيبة من حديث محمد بن مصعب قال: حدثنا الأوزاعي عن شداد أبى عمار قال: دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم فذكروا عليا ﵁ فشتموه، فشتمته معهم، فقال: ألا أخبرك بما رأيت من رسول اللَّه ﷺ ؟ قلت: بلى، قال: أتيت على فاطمة أسألها عن عليّ ﵁ عنهما فقالت: توجه إلى رسول اللَّه ﷺ ، فجلست فجاء رسول اللَّه ﷺ ومعه على وحسن وحسين، أخذ كل واحد منهما بيده حتى دخل، فدخل علينا وفاطمة، فأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبا أو قال: كساء، ثم تلا هذه الآية: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ثم قال: هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق. وأخرجه الحاكم من حديث بشر بن بكر، حدثنا الأوزاعي، حدثني أبو عمار، حدثني واثلة بن الأسقع قال: أتيت عليا فلم أجده، فقالت لي فاطمة: انطلق إلى رسول اللَّه ﷺ يدعوه، فجاء مع رسول اللَّه ﷺ فدخلا ودخلت معهما، فدعا رسول اللَّه ﷺ الحسن والحسين فأقعد كل واحد منهما على فخذيه، وأدنى فاطمة من حجره وزوجها، ثم لفّ عليهم ثوبا وقال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، ثم قال: هؤلاء أهل بيتي، اللَّهمّ [أهل

стр. 2019

بيتي] [ (١) ] . قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم [ (٢) ] قال البخاري في تاريخه: محمد ابن مصعب القرقساني أبو عبد اللَّه [لم] يسمع الأوزاعي، وكان يحى بن معين يسيء الرأى فيه [ (٣) ] . وأخرج الحاكم من طريق عبد الرحمن [بن عبد اللَّه] [ (٤) ] بن دينار، عن شريك ابن أبى نمر، عن عطاء بن يسار، عن أم سلمة ﵂ قالت: في بيتي نزلت إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ، قالت: فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين ﵃ فقال: هؤلاء أهل بيتي. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري [ (٥) ] . وخرج أيضا من طريق الحسن بن عرفه قال: حدثني على بن ثابت الجزري، حدثنا بكير بن مسمار- مولى عامر بن سعد- قال: سمعت عامر بن سعد يقول: قال سعد: نزل على رسول اللَّه ﷺ الوحي، فأدخل عليا وفاطمة وابنيهما تحت ثوبه ثم قال: [اللَّهمّ] [ (٦) ] هؤلاء أهلي وأهل بيتي [ (٧) ] . وخرج من طريق أبى بكر بن أبى شيبة [الحزامي] [ (١) ] قال: حدثنا محمد

стр. 2020

ابن إسماعيل بن أبى فديك، حدثني عبد الرحمن بن أبى بكر المليكي عن إسماعيل ابن عبد اللَّه بن جعفر بن أبى طالب، عن أبيه قال: لما نظر رسول اللَّه ﷺ إلى الرحمة هابطة قال: ادعوا لي ادعوا لي، فقالت صفية: من يا رسول اللَّه؟ قال: أهل بيتي: عليا وفاطمة والحسن والحسين، فجيء بهم فألقى عليهم النبي ﷺ كساءه، ثم رفع يديه ثم قال: اللَّهمّ [هؤلاء] [ (١) ] آلى فصلّ على محمد وعلى آل محمد، وأنزل اللَّه إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد صحت الرواية على شرط الشيخين أنه علمهم الصلاة على أهل بيته كما علمهم الصلاة على آله [ (٢) ] وذكر من طريق البخاري حديث كعب بن عجرة ثم قال: وإنما خرجته ليعلم المستفيد أن أهل البيت والآل جميعا هم [ (٣) ] . وخرج الحاكم من طريق موسى بن هارون، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد عن أبيه قال: لما نزلت هذه الآية: نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ [ (٤) ] ، دعا رسول اللَّه ﷺ [عليا] [ (١) ] وفاطمة، وحسنا وحسينا فقال: اللَّهمّ [هؤلاء] [ (١) ] أهلي. قال الحاكم: هذا

стр. 2021

حديث صحيح على شرط الشيخين [ (١) ] . وخرجه ثانيا ثم قال: اتفق الشيخان على صحة هذا الإسناد واحتجّا به ولم يخرجاه وإنما خرجا بهذا الإسناد قصة أبي تراب. وخرج من طريق عفان بن مسلم، حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنى حميد وعلى بن زيد، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ كان يمرّ بباب فاطمة ﵂ ستة أشهر إذا خرج لصلاة الفجر يقول: الصلاة يا أهل البيت، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. [ولم يخرجاه] [ (٢) ] . واعترض على الشيعة بأن قيل: لا نسلم أن أهل البيت في الآية من ذكرتم، بل هم نساء النبي ﷺ بدليل سياقها، وانتظام ما استدللتم به معه، فإن اللَّه تعالى قال: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ، إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ] [ (٣) ] ، ثم استطردها إلى أن قال: وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [ (٤) ] وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [ (٥) ] الآية، فخطاب نساء النبي مكتنفا لذكر أهل البيت قبله وبعده منتظما له، فاقتضى أنهن المراد به، وحينئذ لا يكون لكم في الآية متعلق أصلا، ويسقط الاستدلال بها بالكلية، وما أكدتم به قولكم من السنة فأخبار آحاد لا تقولون بها مع أن دلالتها ضعيفة. فأجاب الشيعة بأن قالوا: الدليل على أن أهل البيت في الآية من ذكرنا، النص والإجماع. أما النص فما ثبت عن النبي ﷺ أنه بقي بعد نزول الآية ستة أشهر

стр. 2022

يمر وقت صلاة الفجر على بيت فاطمة ﵍ فينادي: الصلاة يا أهل البيت: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً: رواه الترمذي وغيره وهو تفسير منه ﷺ لأهل البيت بفاطمة ومن في بيتها، وهو نصّ، وأنصّ منه حديث أم سلمة أنه ﷺ أرسل خلف فاطمة وعليّ وولديهما، فجاءوا فأدخلهم تحت الكساء، ثم جعل يقول: اللَّهمّ إليك لا أبالى النار أنا وأهل بيتي، اللَّهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، وفي رواية: حامتي، اللَّهمّ أذهب عنهم الرجس [وطهرهم] تطهيرا، قالت أم سلمة: فقلت: يا رسول اللَّه، ألست من أهل بيتك؟ قال: أنت إلى خير، أنت منهم. وأما الإجماع: فلأن الأمة اتفقت على أن لفظ أهل البيت إذا أطلق إنما ينصرف إلى من ذكرناه دون النساء، ولو لم يكن إلا شهرته فيهم كفى، وإذا ثبت بما ذكرناه من النص والإجماع أن أهل البيت عليّ وزوجته وولداه، فما استدللتم به من سياق الآية ونظمه على خلافه لا يعارضه، لأنه مجمل يحتمل الأمرين، وقصارها أنه ظاهر فيما ادعيتم لا يعارضه النص والإجماع، ثم إن الكلام العربيّ يدخله الاستطراد [والاعتراض، والتخلل] الجملة الأجنبية بين الكلام المنتظم المتناسب كقوله تعالى: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ* وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ [ (١) ] ، فقوله: وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ جملة معترضة من جهة اللَّه تعالى بين كلام بلقيس، وقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ* إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [ (٢) ] ، أي لا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقرآن، وما بينهما اعتراض، وهو كثير في القرآن وغيره من الكلام العربيّ، فلم لا يجوز أن يكون قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ جملة معترضة متخللة لخطاب نساء النبي ﷺ على هذا النهج، وحينئذ يضعف اعتراضكم. وأما ما ذكرناه من اختيار الآحاد، فإنما أكدنا به دليل الكتاب، ثم هي لازمة لكم، فنحن أوردناها إلزاما لا استدلالا.

стр. 2023

القول الثاني: أن آل النبي ﷺ هم ذريته وأزواجه خاصة، قال ابن عبد البر- وقد ذكر حديث مالك عن عبد اللَّه بن أبى بكر، عن عمرو بن سليم، قال-: أرى أبو حميد قد كره استدلال قوم بهذا الحديث، على أن آل محمد هم أزواجه وذريته خاصة، لقوله في حديث مالك، عن نعيم المجمّر وفي غير ما حديث: اللَّهمّ [صل] على محمد وعلى آل محمد. وفي هذا الحديث: اللَّهمّ صل على محمد وأزواجه وذريته فقالوا: هذا يفسّر هذا الحديث، ويبين أن آل محمد هم أزواجه وذريته. قالوا: فجائز أن يقول الرجل لكل من كان من أزواج محمد وذريته: صلى اللَّه عليك إذا واجهه، وصلى اللَّه عليه إذا غاب عنه، ولا يجوز ذلك في غيرهم. قالوا: والآل والأهل سواء، وأهل الرجل وآله سواء، وهم الأزواج والذرية، بدليل هذا [الحديث. وقد] احتج أصحاب هذا القول بما في الصحيحين من حديث أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : اللَّهمّ اجعل رزق آل محمد قوتا [ (١) ]

стр. 2024

ومعلوم أن هذه الدعوة المستجابة، ولم [يقل:] كل بنى هاشم ولا بنى المطلب، لأنه كان فيهم الأغنياء وأصحاب الجدة، وأما ذريته ﷺ وأزواجه وكان رزقهم قوتا، وما حصل من الأموال لأزواجه من بعده كن يتصدقن به، ويجعلن رزقهن قوتا، فقد جاء عائشة مال عظيم فقسمته كله في الحال وهي جالسة، فقالت لها الجارية لو تركت لنا منه درهما نشتري به لحما؟ فقالت: لو ذكّرتينى فعلت ومما في الصحيحين عن عائشة قالت: ما شبع آل محمد من خبز برّ مأدوم ثلاثة أيام حتى قبض [ (١) ] . ثانيه: قالوا: ومعلوم أن العباس وأولاده وبنى المطلب لم يدخلوا في لفظ عائشة ولا مرادها، قالوا: إنما دخلت الأزواج في الآل وخصوصا أزواج النبي ﷺ تشبيها بالنسب، لأن اتصاله بهن ﷺ غير مرتفع، فإنّهنّ محرمات على غيره من بعده، وهن زوجاته في الآخرة.

стр. 2025

فالنسب الّذي لهن بالنبيّ ﷺ قائم مقام النسب، وقد نصّ النبي ﷺ على الصلاة عليهنّ، وقد قال تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [ (١) ] إلى قوله: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ [ (٢) ] إلى قوله: وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً* وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [ (٣) ] فدخلن في أهل البيت، لأن هذا الخطاب كله في سياق ذكرهن، فلا يجوز إخراجهن من شيء منه. وزعم بعضهم أن الأهل يختص بالزوجات، ويدخل فيه الأولاد، لقوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ثم قال بعد [ذلك] : وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ، وهذا بخلاف الأول، فإن الأولاد يدخل فيه. واعترض بأن تنصيصه ﷺ على الأزواج والذرية لا يدل على الاختصاص، بل هو حجة على عدم الاختصاص بهم، لما خرج أبو داود من حديث نعيم المجمر، عن أبى هريرة ﵁ في الصلاة على النبي ﷺ اللَّهمّ صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم [إنك حميد مجيد] [ (٤) ] فجمع بين الأزواج والذرية والأهل، وإنما نص عليهم بتعيينهم ليبين أنهم حقيقيون بالدخول في الآل، وأنهم ليسوا بخارجين منه، بل هم أحق من دخل

стр. 2026

فيه، وهذا كنظائره من عطف الخاص على العام تنبيها على شرفه وتخصيصا له بالذكر من بين النوع، لأنه أحق أنواع النوع بالدخول فيه، وهنا للناس طريقان، أحدهما: أن ذكر الخاص قبل العام أو بعده قرينة تدل على أن المراد بالعام ما عداه، والطريق الأخرى: أن الخاص ذكر مرتين مرة بخصوصه ومرة بشمول الاسم العام له، تنبيها على مزيد شرفه، وهذا لقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [ (١) ] وقوله: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ [ (٢) ] . القول الثالث: أن آله ﷺ أتباعه إلى يوم القيامة، حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم، وأقدم من روى عنه هذا القول جابر بن عبد اللَّه ﵁، ذكره البيهقي عنه، ورواه عن سفيان الثوري، واختاره بعض أصحاب النبي ﷺ ، حكاه عنه أبو الطيب الطبري في تعليقه، ورجحه الشيخ أبو زكريا النووي في شرح مسلم، واختاره الأزهري، والحجة لهذا القول أن آل المعظم المتبوع هم أتباعه على دينه، وأمره قريبهم وبعيدهم، وأن اشتقاق هذه اللفظة تدل عليه، فإنه من آل يؤول إذا رجع، ومرجع الأتباع إلى متبوعهم، لأنه إمامهم [ومولاهم] ، ولهذا

стр. 2027

كان قوله تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ [ (١) ] المراد به أتباعه المؤمنون به من أقاربه وغيرهم، وقوله تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [ (٢) ] المراد به أتباعه وشيعته. وقد خرج البيهقي [ (٣) ] من حديث واثلة بن الأسقع، أن النبي ﷺ دعا حسنا وحسينا، فأجلس كل واحد منهما على فخذه، وأدنى فاطمة في حجره وزوجها، ثم لف عليهم ثوبه ثم قال: اللَّهمّ هؤلاء أهلي، قال واثلة: فقلت: يا رسول اللَّه! وأنا من أهلك؟ قال: وأنت من أهلي [قال: فإنّها لمن أرجى ما أرجو] [ (٤) ] ، قالوا: ومعلوم أن واثلة بن الأسقع من بنى ليث بن بكر بن عبد مناف، وإنما هو من أتباع النبي [ (٥) ] ﷺ .

стр. 2028

واعترض على هذا القول بأن رسول اللَّه ﷺ قد رفع الشبهة وأزالها بقوله: إن الصدقة لا تحل لآل محمد، وبقوله: إنما يأكل آل محمد من هذا المال، وبقوله: اللَّهمّ اجعل رزق آل محمد قوتا، وهذا لا يجوز أن يراد به عموم الأمة قطعا، فأولى ما حمل عليه الآل في الصلاة الآل المذكورون في سائر ألفاظه، ولا يجوز العدول عن ذلك. وأيضا فإن الصلاة عليه ﷺ حق له ولآله دون سائر الأمة، ولهذا تجب على وعلى آله عند الشافعيّ وغيره كما تقدم ذكره، وإن كان عندهم في الآل اختلاف، ومن لم يوجب الصلاة عليه فإنه بلا شك يستحبها عليه وعلى آله، ويكرهها ولا يستحبها لسائر المؤمنين، ولا يجوزها لغير النبي ﷺ وآله، فمن قال: إن آله في الصلاة هم كل الأمة فقد أبعد غاية البعد، بدليل أن النبي ﷺ شرع في التشهد السلام والصلاة، فشرع في الصلاة تسليم المصلى على رسول ﷺ أولا، وبعده سلام المصلى على نفسه ثانيا، وعلى سائر عباد اللَّه الصالحين ثالثا، وقال ﷺ : إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد اللَّه صالح في الأرض والسماء [ (١) ] .

стр. 2029

وأما الصلاة فلم يشرعها إلا عليه وعلى آله فقط، فدل على أن آله هم أهله وأقاربه، وهذا بين يؤيده أن اللَّه تعالى أمر عباده المؤمنين بالصلاة على نبيه ﷺ بعد ذكر حقوقه، وما خصه تعالى به دون أمته: من حل نكاحه لمن تهب نفسها له، ومن تحريم نكاح أزواجه على الأمة بعده، ومن سائر ما ذكر من حقوقه وتعظيمه وتوقيره وتبجيله، ثم قال: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً [ (١) ] ، ثم ذكر رفع الجناح عن أزواجه في تكليمهم إياهن وأبناؤهن، ومن ذكر دخولهن عليهنّ، ثم عقب ذلك بما حق من حقوقه الأكيدة على الأمة وهو أمرهم بصلاتهم عليه وسلامهم، مستفتحا ذلك الأمر بإخباره تعالى [بأنه] وملائكته يصلون عليه، فسأل الصحابة رسول اللَّه ﷺ : بأي [صيغة] يؤدون هذا الحق؟ فقال: قولوا: اللَّهمّ [صل] على محمد وعلى آل محمد [ (٢) ] ، فالصلاة على آله هي من تمام الصلاة عليه وتوابعها،

стр. 2030

_________ [ () ] بها مرة، كالشهادة بنبوته ﷺ ، وما عدا ذلك فهو مندوب. كذا في (اللمعات) . وقال في (المرقاة) : اعلم أن العلماء اختلفوا في أن الأمر في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً هل هو للندب أو للوجوب؟ ثم هل الصلاة عليه فرض عين أو فرض كفاية؟ ثم هل تتكرر كلما سمع ذكره أم لا؟ ثم إذا تكرر هل تتداخل في المجلس أم لا؟ فذهب الشافعيّ إلى أن الصلاة في القعدة الأخيرة فرض، والجمهور على أنها سنة، والمعتمد عندنا الوجوب والتداخل، والكلام في هذه المسألة طويل، وقد أجاد وأحسن وأطال الشيخ العلامة الخفاجي في (نسيم الرياض) شرح (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) للقاضي عياض، والإمام شمس الدين ابن القيم في (جلاء الأفهام) . وهو يدل على تأخير مشروعية الصلاة عن التشهد. «فكيف نصلي عليك» : فيه أنه يندب لمن أشكل عليه كيفية ما فهم جملته أن يسأل عنه من له به علم. «قولوا: اللَّهمّ إلخ» : استدل بذلك على وجوب الصلاة عليه ﷺ بعد التشهد، وإلى ذلك ذهب عمر، وابنه عبد اللَّه، وابن مسعود، وجابر بن زيد، والشعبي، ومحمد بن كعب القرظي، وأبو جعفر الباقر، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وابن المواز، واختاره القاضي أبو بكر بن العربيّ. وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، فهم: مالك، وأبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، وآخرون. قال الطبري والطحاوي: إنه أجمع المتقدمون والمتأخرون على عدم الوجوب. قال الشوكانى: دعوى الإجماع من الدعاوي الباطلة، لما عرفت من نسبة القول بالوجوب إلى جماعة من الصحابة، والتابعين، والفقهاء، ولكنه لا يتم الاستدلال على وجوب الصلاة بعد التشهد، بما في حديث الباب من الأمر بها، وبما في سائر أحاديث الباب، لأن غايتها الأمر بمطلق الصلاة عليه ﷺ ، وهو يقتضي الوجوب في الجملة، فيحصل الامتثال بإيقاع فرد منها خارج الصلاة فليس فيها زيادة على ما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً. ولكنه يمكن الاستدلال لوجوب الصلاة في الصلاة، بما أخرجه ابن حبان، والحاكم، والبيهقي. وصححوه، وابن خزيمة في صحيحه، والدار قطنى، من حديث أبى مسعود، بزيادة «كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا» وفي رواية: «كيف نصلي عليك في صلاتنا» وغاية هذه الزيادة أن يتعين بها محل الصلاة عليه ﷺ ، وهو مطلق الصلاة وليس فيها ما يعين محل النزاع. وهو إيقاعها بعد التشهد الأخير. ويمكن الاعتذار عن القول بالوجوب، بأن الأوامر المذكورة في الأحاديث تعليم كيفية، وهي لا تفيد الوجوب، فإنه لا يشك من له ذوق أن من قال لغيره: إذا أعطيتك درهما فكيف أعطيك إياه؟ أسرا أم جهرا؟ فقال له: أعطينيه سرا، كان ذلك أمرا بالكيفية التي هي السرية، لا أمرا بالإعطاء، وتبادر هذا لغة، وشرعا، وعرفا، لا يدفع، وقد تكرر في السنة وكثر، فمنه: إذا قام أحدكم الليل فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين. الحديث. وفي (المرقاة) ، قيل: الآل من حرمت عليه الزكاة كبني هاشم، وبنى المطلب، وقيل: كل تقى آله ﷺ ، وقيل: المراد بالآل: جميع أمة الإجابة، وقيل المراد بالآل الأزواج ومن حرمت عليه

стр. 2031

_________ [ () ] الصدقة ويدخل فيهم الذرية، وبذلك يجمع بين الأحاديث. قال ابن حجر المكيّ: هم مؤمنو بنى هاشم والمطلب عند الشافعيّ وجمهور العلماء، وقيل أولاد فاطمة ونسلهم، وقيل: أزواجه وذريته، لانهم ذكروا جملة في رواية. وردّ بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة في حديث واحد، وقيل: كل مسلم، ومال إليه مالك، واختاره الزهري وآخرون، وهو قول سفيان الثوري وغيره، ورجحه النووي في (شرح مسلم) . وقال الإمام الشوكانى في (نيل الأوطار) : واستشكل جماعة من العلماء التشبيه للصلاة عليه ﷺ بالصلاة على إبراهيم- كما وقع في هذه الرواية- أو على آل إبراهيم كما في بعض الرواية، مع أن المشبه دون المشبه به في الغالب، وهو ﷺ أفضل من إبراهيم وآله وأجيب عن ذلك بأجوبة: منها: أن المشبّه مجموع الصلاة على محمد وآله بمجموع الصلاة على إبراهيم وآله، وفي آل إبراهيم معظم الأنبياء فالمشبه به أقوى من هذه الحيثية. ومنها: أن التشبيه وقع لأصل الصلاة بأصل الصلاة، لا للقدر بالقدر. ومنها: أن التشبيه وقع في الصلاة على الآل لا على النبي ﷺ ، وهو خلاف الظاهر. ومنها: أنه كان ذلك منه ﷺ . قبل أن يعلمه أنه أفضل من إبراهيم. ومنها: أن مراده ﷺ أن يتم النعمة عليه كما أتمها على إبراهيم وآله. ومنها: مراده ﷺ أن يبقى له لسان صدق في الآخرين كإبراهيم. ومنها: أنه سأله أن يتخذه اللَّه خليلا كإبراهيم. «وبارك على محمد» : البركة هي الثبوت والدوام، من قولهم: برك البعير إذا ثبت ودام، أي أدم شرفه، وكرامته، وتعظيمه. «إنك حميد مجيد» ، أي محمود الأفعال، مستحق لجميع المحامد، لما في الصيغة من المبالغة، وهو تعليل لطلب الصلاة منه. والمجيد: المتصف بالمجد، وهو كمال الشرف والكرم، والصفات المحمودة. قال المنذري: وأخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة (عون المعبود) : ٣/ ١٨٥- ١٨٨ مختصرا. وأخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه، (الإحسان) : ٥/ ٢٨٦ كتب الصلاة، باب (١٠) باب صفة الصلاة، ذكر وصف الصلاة على المصطفى ﷺ ، حديث رقم (١٩٥٧) ، وقال في هامشه: إسناده قوى، وذكر البيان بأن القوم إنما سألوا النبي ﷺ عن وصف الصلاة التي أمرهم اللَّه جلّ وعلا أن يصلوا بها على رسول ﷺ : ٢٨٦، حديث رقم (١٩٥٨) ، وقال في هامشه: إسناده صحيح على شرط الشيخين، ما خلا محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، فإنه من رجال مسلم. وهو في (الموطأ) : ١/ ١٦٥- ١٦٦ في الصلاة، باب ما جاء في الصلاة على النبي ﷺ ، (مسند الإمام الشافعيّ) : ٤٢، باب ومن كتاب استقبال القبلة في الصلاة، (مسند الإمام أحمد) : ٥/ ٩٧، بقية حديث أبى مسعود الأنصاري، حديث رقم (١٦٦٢٤) ، ٦/ ٣٦٨، حديث رقم (٢١٨٤٧) ، مسلم (٤٠٥) في الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد، والبيهقي في (السنن) ٢/ ١٤٦ وابن ماجة في (السنن) : ١/ ٢٩٢، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب (٢٥) الصلاة على النبي ﷺ حديث رقم (٩٠٣) ، (٩٠٤) بسياقات مختلفة.

стр. 2032

لأن ذلك [مما يرفع اللَّه به قدره] [ (١) ] ، ويزيده اللَّه به شرفا وعلوا ﷺ ، ولا ريب أن الأتباع يطلق عليهم لفظ الآل في بعض المواضع بقرينة، ولا يلزم من ذلك أنه حيث وقع لفظ الآل يراد الأتباع بما تقدم من النصوص، واللَّه أعلم. القول الرابع: أن آله ﷺ هم الأتقياء من أمته، حكاه القاضي حسين والراغب وجماعة، واحتج لهذا القول بما خرجه الطبراني من طريق نعيم بن حماد، حدثنا نوح بن أبى مريم، عن يحى بن سعيد الأنصاري، عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه قال: سئل رسول اللَّه ﷺ : من آل محمد؟ فقال: كل تقى [ (٢) ] وتلا رسول اللَّه ﷺ : إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [ (٣) ] ، قال الطبراني: لم يروه عن يحيى إلا نوح، تفرد به نعيم. وقد رواه البيهقي من حديث أحمد بن عبد اللَّه بن يونس، حدثنا نافع أبو هرمز عن أنس فذكره، ونوح هذا ونافع بن هرمز لا يحتج بهما أحد من أهل العلم، قال ابن معين: نوح بن أبى مريم ليس بشيء ولا يكتب حديثه، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال السعدي: سقط حديثه، وقال ابن عدي: وعامة حديثه لا يتابع، ونافع أبو هرمز السلمي بصرى، قال ابن معين: ليس بشيء، ومرة قال: يروى عن أنس، ليس بثقة. كذاب، وقال أحمد: ضعيف الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن عدي: وعامة ما يرويه غير محفوظ، والضعف على رواياته بيّن. واحتجوا بأن اللَّه تعالى قال لنوح ﵇ عن ابنه: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [ (٤) ] ، فأخرجه بشركه أن يكون من أهله، فعلم أن آل

стр. 2033

_________ [ () ] قال الإمام الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشيّ الدمشقيّ: هذا سؤال استعلام وكشف من نوح ﵇ عن حال ولده الّذي غرق قال رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي أي وقد وعدتني بنجاة أهلي ووعدك الحق الّذي لا يخلف، فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين؟ قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي الذين وعدت إنجاءهم، لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك، ولهذا قال: وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق لكفره، ومخالفته أباه نبي اللَّه نوح ﵇. وقد نصّ غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه. وإنما كان ابن زنية، ويحكى القول بأنه ليس بانه وإنما كان ابن امرأته، عن مجاهد، والحسن، وعبيد بن عمير، وأبي جعفر الباقر، وابن جريج، واحتج بعضهم بقوله: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، وبقوله: فَخانَتاهُما، فممن قاله، الحسن البصري، احتجّ بهاتين الآيتين، وبعضهم بقول: ابن امرأته، وهذا يحتمل أن يكون أراد ما أراد الحسن، أو أراد أنه نسب إليه مجازا لكونه كان ربيبا عنده، واللَّه تعالى أعلم. وقال ابن عباس وغير واحد من السلف: ما زنت امرأة نبي قط، قال: وقوله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي الذين وعدتك نجاتهم، وقول ابن عباس في هذا هو الحق الّذي لا محيد عنه، فإن اللَّه سبحانه أغير من أن يمكن امرأة نبي من الفاحشة، ولهذا غضب اللَّه على الذين رموا أم المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج النبي ﷺ ، وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه، ولهذا قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ* لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ* لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ* وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ* إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة وغيره، عن عكرمة عن ابن عباس قال: هو ابنه، غير أنه خالفه في العمل والنية. قال عكرمة في بعض الحروف: إنه عمل عملا غير صالح، والخيانة تكون على غير باب، وقد ورد في الحديث أن رسول اللَّه ﷺ قرأ بذلك، فقال الإمام أحمد: حدثنا حماد ابن سلمة، عن ثابت، عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقرأ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ وسمعته يقول: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، ولا يبالي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا وكيع، حدثنا هارون النحويّ، عن ثابت البناني، عن شهر ابن حوشب، عن أم سلمة، أن رسول اللَّه ﷺ قرأها: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أعاده أحمد أيضا في مسنده، أم سلمة هي أم المؤمنين، والظاهر- واللَّه أعلم- أنها أسماء بنت يزيد، فإنّها تكنى بذلك أيضا. وقال عبد الرزاق أيضا: أنبأنا الثوري عن ابن عيينة، عن يونس بن أبى عائشة، عن سليمان ابن قبة، قال: سمعت ابن عباس سئل وهو إلى جنب الكعبة عن قول اللَّه تعالى: فَخانَتاهُما قال: أما إنه لم يكن بالزنا، ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تدل على الأضياف،

стр. 2034

الرسول هم أتباعه، وأجاب الشافعيّ- ﵀ عن هذا بأن المراد إنه ليس من أهلك الذين أمرناك بحملهم ووعدناك نجاتهم، لأن اللَّه تعالى قال له قبل ذلك: احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ، فليس ابنه من أهله الذين ضمن له نجاتهم، ويزيد صحة هذا الجواب أن سياق الآية يدل على أن المؤمنين قسم غير أهله الذين هم أهله، لأنه تعالى قال: قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ

стр. 2035

[ (١) ] ، فمن آمن معطوف على المفعول بالحمل وهم أهل، والاثنان من كل زوجين، واحتجوا بحديث واثلة المتقدم، وتخصيص واثلة بذلك أقرب من تعميم الأمة به، وكأنه ﷺ جعل واثلة في حكم الأهل تشبيها بمن يستحق هذا الاسم. والصواب: أن الأتقياء من أمته ﷺ هم أولياؤه، فمن كان منهم من أقاربه فهو من أوليائه لا من آله، فقد يكون الرجل من آله وأوليائه كأهل بيته والمؤمنين به من أقاربه ولا يكون لا من آله ولا من أوليائه كمن لم يؤمن به، وقد يكون من أوليائه وإن لم يكن من آله، كخلفائه في أمته، الداعين إلى سنته، الذابين عنه، الناصرين لدينه، وإن لم يكن من أقاربه. وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: إن آل- أبى فلان- ليسوا لي بأولياء، إنّ أوليائي المتقون كانوا ومن كانوا [ (٢) ] ، فالمتقون هم أولياء رسول اللَّه ﷺ ، وأولياؤه
следующие страницы →