_________
[ () ] الصدقة ويدخل فيهم الذرية، وبذلك يجمع بين الأحاديث.
قال ابن حجر المكيّ: هم مؤمنو بنى هاشم والمطلب عند الشافعيّ وجمهور العلماء، وقيل أولاد فاطمة ونسلهم، وقيل: أزواجه وذريته، لانهم ذكروا جملة في رواية. وردّ بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة في حديث واحد، وقيل: كل مسلم، ومال إليه مالك، واختاره الزهري وآخرون، وهو قول سفيان الثوري وغيره، ورجحه النووي في (شرح مسلم) .
وقال الإمام الشوكانى في (نيل الأوطار) : واستشكل جماعة من العلماء التشبيه للصلاة عليه ﷺ بالصلاة على إبراهيم- كما وقع في هذه الرواية- أو على آل إبراهيم كما في بعض الرواية، مع أن المشبه دون المشبه به في الغالب، وهو ﷺ أفضل من إبراهيم وآله وأجيب عن ذلك بأجوبة:
منها: أن المشبّه مجموع الصلاة على محمد وآله بمجموع الصلاة على إبراهيم وآله، وفي آل إبراهيم معظم الأنبياء فالمشبه به أقوى من هذه الحيثية.
ومنها: أن التشبيه وقع لأصل الصلاة بأصل الصلاة، لا للقدر بالقدر.
ومنها: أن التشبيه وقع في الصلاة على الآل لا على النبي ﷺ ، وهو خلاف الظاهر.
ومنها: أنه كان ذلك منه ﷺ . قبل أن يعلمه أنه أفضل من إبراهيم.
ومنها: أن مراده ﷺ أن يتم النعمة عليه كما أتمها على إبراهيم وآله.
ومنها: مراده ﷺ أن يبقى له لسان صدق في الآخرين كإبراهيم.
ومنها: أنه سأله أن يتخذه اللَّه خليلا كإبراهيم.
«وبارك على محمد» :
البركة هي الثبوت والدوام، من قولهم: برك البعير إذا ثبت ودام، أي أدم شرفه، وكرامته، وتعظيمه.
«إنك حميد مجيد» ،
أي محمود الأفعال، مستحق لجميع المحامد، لما في الصيغة من المبالغة، وهو تعليل لطلب الصلاة منه. والمجيد: المتصف بالمجد، وهو كمال الشرف والكرم، والصفات المحمودة.
قال المنذري: وأخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة (عون المعبود) :
٣/ ١٨٥- ١٨٨ مختصرا.
وأخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه، (الإحسان) : ٥/ ٢٨٦ كتب الصلاة، باب (١٠) باب صفة الصلاة، ذكر وصف الصلاة على المصطفى ﷺ ، حديث رقم (١٩٥٧) ، وقال في هامشه:
إسناده قوى، وذكر البيان بأن القوم إنما سألوا النبي ﷺ عن وصف الصلاة التي أمرهم اللَّه جلّ وعلا أن يصلوا بها على رسول ﷺ : ٢٨٦، حديث رقم (١٩٥٨) ، وقال في هامشه: إسناده صحيح على شرط الشيخين، ما خلا محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، فإنه من رجال مسلم.
وهو في (الموطأ) : ١/ ١٦٥- ١٦٦ في الصلاة، باب ما جاء في الصلاة على النبي ﷺ ، (مسند الإمام الشافعيّ) : ٤٢، باب ومن كتاب استقبال القبلة في الصلاة، (مسند الإمام أحمد) :
٥/ ٩٧، بقية حديث أبى مسعود الأنصاري، حديث رقم (١٦٦٢٤) ، ٦/ ٣٦٨، حديث رقم (٢١٨٤٧) ، مسلم (٤٠٥) في الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد، والبيهقي في (السنن) ٢/ ١٤٦ وابن ماجة في (السنن) : ١/ ٢٩٢، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب (٢٥) الصلاة على النبي ﷺ حديث رقم (٩٠٣) ، (٩٠٤) بسياقات مختلفة.
стр. 2032
لأن ذلك [مما يرفع اللَّه به قدره] [ (١) ] ، ويزيده اللَّه به شرفا وعلوا ﷺ ، ولا ريب أن الأتباع يطلق عليهم لفظ الآل في بعض المواضع بقرينة، ولا يلزم من ذلك أنه حيث وقع لفظ الآل يراد الأتباع بما تقدم من النصوص، واللَّه أعلم.
القول الرابع: أن آله ﷺ هم الأتقياء من أمته، حكاه القاضي حسين والراغب وجماعة، واحتج لهذا القول بما
خرجه الطبراني من طريق نعيم بن حماد، حدثنا نوح بن أبى مريم، عن يحى بن سعيد الأنصاري، عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه قال: سئل رسول اللَّه ﷺ : من آل محمد؟ فقال: كل تقى [ (٢) ] وتلا رسول اللَّه ﷺ : إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [ (٣) ] ،
قال الطبراني: لم يروه عن يحيى إلا نوح، تفرد به نعيم. وقد رواه البيهقي من حديث أحمد بن عبد اللَّه بن يونس، حدثنا نافع أبو هرمز عن أنس فذكره، ونوح هذا ونافع بن هرمز لا يحتج بهما أحد من أهل العلم، قال ابن معين: نوح بن أبى مريم ليس بشيء ولا يكتب حديثه، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال السعدي: سقط حديثه، وقال ابن عدي:
وعامة حديثه لا يتابع، ونافع أبو هرمز السلمي بصرى، قال ابن معين: ليس بشيء، ومرة قال: يروى عن أنس، ليس بثقة. كذاب، وقال أحمد: ضعيف الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن عدي: وعامة ما يرويه غير محفوظ، والضعف على رواياته بيّن.
واحتجوا بأن اللَّه تعالى قال لنوح ﵇ عن ابنه: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [ (٤) ] ، فأخرجه بشركه أن يكون من أهله، فعلم أن آل
стр. 2033
_________
[ () ] قال الإمام الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشيّ الدمشقيّ: هذا سؤال استعلام وكشف من نوح ﵇ عن حال ولده الّذي غرق قال رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي أي وقد وعدتني بنجاة أهلي ووعدك الحق الّذي لا يخلف، فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين؟ قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي الذين وعدت إنجاءهم، لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك، ولهذا قال: وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق لكفره، ومخالفته أباه نبي اللَّه نوح ﵇.
وقد نصّ غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه. وإنما كان ابن زنية، ويحكى القول بأنه ليس بانه وإنما كان ابن امرأته، عن مجاهد، والحسن، وعبيد بن عمير، وأبي جعفر الباقر، وابن جريج، واحتج بعضهم بقوله: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، وبقوله:
فَخانَتاهُما، فممن قاله، الحسن البصري، احتجّ بهاتين الآيتين، وبعضهم بقول: ابن امرأته، وهذا يحتمل أن يكون أراد ما أراد الحسن، أو أراد أنه نسب إليه مجازا لكونه كان ربيبا عنده، واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن عباس وغير واحد من السلف: ما زنت امرأة نبي قط، قال: وقوله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي الذين وعدتك نجاتهم، وقول ابن عباس في هذا هو الحق الّذي لا محيد عنه، فإن اللَّه سبحانه أغير من أن يمكن امرأة نبي من الفاحشة، ولهذا غضب اللَّه على الذين رموا أم المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج النبي ﷺ ، وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه، ولهذا قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ* لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ* لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ* وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ* إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة وغيره، عن عكرمة عن ابن عباس قال: هو ابنه، غير أنه خالفه في العمل والنية. قال عكرمة في بعض الحروف: إنه عمل عملا غير صالح، والخيانة تكون على غير باب، وقد ورد في الحديث أن رسول اللَّه ﷺ قرأ بذلك،
فقال الإمام أحمد: حدثنا حماد ابن سلمة، عن ثابت، عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقرأ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ وسمعته يقول: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، ولا يبالي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا وكيع، حدثنا هارون النحويّ، عن ثابت البناني، عن شهر ابن حوشب، عن أم سلمة، أن رسول اللَّه ﷺ قرأها: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أعاده أحمد أيضا في مسنده، أم سلمة هي أم المؤمنين، والظاهر- واللَّه أعلم- أنها أسماء بنت يزيد، فإنّها تكنى بذلك أيضا.
وقال عبد الرزاق أيضا: أنبأنا الثوري عن ابن عيينة، عن يونس بن أبى عائشة، عن سليمان ابن قبة، قال: سمعت ابن عباس سئل وهو إلى جنب الكعبة عن قول اللَّه تعالى: فَخانَتاهُما قال:
أما إنه لم يكن بالزنا، ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تدل على الأضياف،
стр. 2034
الرسول هم أتباعه، وأجاب الشافعيّ- ﵀ عن هذا بأن المراد إنه ليس من أهلك الذين أمرناك بحملهم ووعدناك نجاتهم، لأن اللَّه تعالى قال له قبل ذلك:
احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ، فليس ابنه من أهله الذين ضمن له نجاتهم، ويزيد صحة هذا الجواب أن سياق الآية يدل على أن المؤمنين قسم غير أهله الذين هم أهله، لأنه تعالى قال: قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ
стр. 2035
[ (١) ] ، فمن آمن معطوف على المفعول بالحمل وهم أهل، والاثنان من كل زوجين، واحتجوا بحديث واثلة المتقدم، وتخصيص واثلة بذلك أقرب من تعميم الأمة به، وكأنه ﷺ جعل واثلة في حكم الأهل تشبيها بمن يستحق هذا الاسم.
والصواب: أن الأتقياء من أمته ﷺ هم أولياؤه، فمن كان منهم من أقاربه فهو من أوليائه لا من آله، فقد يكون الرجل من آله وأوليائه كأهل بيته والمؤمنين به من أقاربه ولا يكون لا من آله ولا من أوليائه كمن لم يؤمن به، وقد يكون من أوليائه وإن لم يكن من آله، كخلفائه في أمته، الداعين إلى سنته، الذابين عنه، الناصرين لدينه، وإن لم يكن من أقاربه.
وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: إن آل- أبى فلان- ليسوا لي بأولياء، إنّ أوليائي المتقون كانوا ومن كانوا [ (٢) ] ،
فالمتقون هم أولياء رسول اللَّه ﷺ ، وأولياؤه
стр. 2036
_________
[ () ] وسياق الحديث مشعر بأنهم من قبيلة النبي ﷺ وهي قريش، بل فيه إشعار بأنهم أخصّ من ذلك، لقوله: «إن لهم رحما» ، وأبعد من حمله على بنى بياضه، وهم بطن من الأنصار، لما فيه من التغير أو الرحم على رأى، ولا يناسب السياق أيضا، وقال ابن التين: حذفت التسمية لئلا يتؤذى بذلك المسلمون من أبنائهم.
وقال النووي: هذه الكناية من بعض الرواة، خشي أن يصرح بالاسم، فيترتب عليه مفسدة، إما في حق نفسه، وإما في حق غيره، وإما معا. وقال القاضي عياض: إن المكنى عنه هنا هو الحكم بن أبى العاص. وقال ابن دقيق العيد: كذا وقع مبهما في السياق، وحمله بعضهم على بنى أمية، ولا يستقيم مع قوله: آل أبى، فلو كان بنى لأمكن، ولا يصح تقدير آل أبى العاص، لأنهم أخصّ من بنى أمية، والعام لا يفسّر بالخاص. قلت: لعل مراد القائل أنه أطلق العام وأراد الخاصّ، وقد وقع في رواية وهب بن حفص التي أشرت إليها «إن آل بنى» لكن وهب لا يعتمد عليه. وجزم الدمياطيّ في حواشيه بأنها آل أبى العاص ابن أمية، ثم قال ابن دقيق العيد: إنه رأى في كلام ابن العربيّ في هذا شيئا يراجع منه.
قلت: قال أبو بكر بن العربيّ في (سراج المريدين) : كان في أصل حديث عمرو بن العاص «إن آل أبى طالب» ، فغير «آل أبى فلان» ، كذا جزم به، وتعقبه بعض الناس وبالغ في التشنيع، ونسبه إلى التحامل على آل أبى طالب.
قوله: «ليسوا بأوليائى» كذا للأكثر- وفي نسخة من رواية أبى ذرّ «بأولياء» فنقل ابن التبين عن الداوديّ أن المراد بهذا النفي من لم يسلم منهم، فهو من إطلاق الكل وإرادة البعض، والمنفي على هذا المجموع لا الجميع.
وقال الخطابي: الولاية المنفية ولاية القرب والاختصاص لا ولاية الدين، ورجح ابن التين الأول، وهو الراجح، فإن من جملة آل أبى طالب: عليا، وجعفرا، أو هما أخصّ الناس بالنبيّ ﷺ لما لهما من السابقة والقدم في الإسلام، ونصر الدين. وقد استشكل بعض الناس صحة هذا الحديث- لما نسب إلى بعض راويه من النصب، وهو الانحراف عن عليّ ﵁ وآل بيته.
قلت: أما قيس بن أبى حازم، فقال يعقوب بن شيبة: تكلم أصحابنا في قيس، فمنهم من رفع قدره وعظمه، وجعل الحديث عنه من أصحّ الأسانيد، حتى قال ابن معين: هو أوثق من الزهري.
ومنهم من حمل عليه وقال: له أحاديث مناكير، وأجاب من أطراه بأنها غرائب، وإفراده لا يقدح فيه.
ومنهم من حمل عليه في مذهبه وقال: كان يحمل على عليّ، ولذلك تجنب الرواية عنه كثير من قدماء الكوفيين. وأجاب من اطراه بأنه كان يقدم عثمان على عليّ.
قلت: والمعتمد عليه أنه ثقة، ثبت، مقبول الرواية، وهو من كبار التابعين، سمع من أبى بكر الصديق فمن دونه، وقد روى عنه حديث الباب إسماعيل بن أبى خالد، وبيان بن بشر، وهما كوفيان، ولم ينسبا إلى النصب.
لكن الراويّ عن بيان، وهو عنبسة بن عبد الواحد، أموى قد نسب إلى شيء من النصب، وأما عمرو بن العاص وإن كان بينه وبين على ما كان فحاشاه أن يتهم، وللحديث محل صحيح لا يستلزم نقصا في مؤمني أبى طالب، وهو أن المراد بالنفي المجموع كما تقدم، ويحتمل أن يكون المراد بآل
стр. 2037
_________
[ () ] أبى طالب أبو طالب نفسه، وهو إطلاق سائغ كقوله في أبى موسى: «إنه أوتى مزمارا من مزامير آل داود،
وقوله ﷺ : «آل أبى أوفى» ،
وخصه بالذكر مبالغة في الانتفاء ممن لم يسلم، لكونه عمّه، وشقيق أبيه، وكان القيم بأمره، ونصره، وحمايته، ومع ذلك فلما لم يتابع على دينه انتفى من موالاته.
قوله ﷺ : «إنما ولى اللَّه وصالح المؤمنين» ،
كذا للأكثر بالإفراد وإرادة الجملة، وهو اسم جنس- ووقع في رواية البرقاني: «وصالحوا المؤمنين بصيغة الجمع وقد أجاز بعض المفسرين أن الآية التي في التحريم كانت في الأصل: فإن اللَّه هو مولاه وجبريل [وصالحوا] المؤمنين لكن حذفت الواو من الخط على وفق النطق، وهو مثل قوله تعالى: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ وقوله تعالى: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ، وقوله تعالى:
وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ.
وقال النووي: معنى الحديث أن وليي من كان صالحا وإن بعد منى نسبه، وليس وليي من كان غير صالح وإن قرب منى نسبه. وقال القرطبي: فائدة الحديث انقطاع الولاية في الدين بين المسلم والكافر، ولو كان قريبا حميما.
وقال ابن بطال: أوجب في هذا الحديث الولاية بالدين، ونفاها عن أهل رحمه إن لم يكونوا من أهل دينه، فدلّ ذلك على أن النسب يحتاج إلى الولاية التي يقع بها الموارثة بين المتناسبين، وأن الأقارب إذا لم يكونوا على دين واحد، لم يكن بينهم توارث ولا ولاية.
قال: ويستفاد من هذا أن الرحم المأمور بصلتها، والمتوعد على قطعها، هي التي شرع لها ذلك فأما من أمر بقطعه من أجل الدين فيستثنى من ذلك ولا يلحق بالوعيد من قطعه، لأنه قطع من أمر اللَّه بقطعه لكن لو وصلوا بما يباح من أمر الدنيا لكان فضلا، كما دعا ﷺ لقريش بعد أن كانوا كذبوه فدعا لهم. قلت: ويتعقب كلامه في موضعين:
أحدهما: يشاركه فيه كلام غيره، وهو قصره النفي على من ليس على الدين، وظاهر الحديث أن من كان غير صالح في أعمال الدين دخل في النفي أيضا لتقييده الولاية بقوله: وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ.
والثاني: أن صلة الرحم الكافر، ينبغي تقيدها بما إذا أيس منه رجوعا عن الكفر، أو رجى أن يخرج من صلبه مسلم كما في الصورة التي استدل بها، وهي دعاء النبي ﷺ لقريش بالخصب، وعلل بنحو ذلك، فيحتاج من يترخص في صلة رحمه الكافر أن يقصد إلى شيء من ذلك وأما من كان على الدين ولكنه مقصّر في الأعمال مثلا فلا يشارك الكافر في ذلك.
وقد وقع في (شرح المشكاة) : المعنى أنى لا أوالي أحدا بالقرابة، وإنما أحب اللَّه تعالى لما له من الحق الواجب على العباد، وأحب صالح المؤمنين لوجه اللَّه تعالى، وأوالي من أوالي بالإيمان والصلاح- سواء كان من ذوى رحم أو لا، ولكنى أرعى لذوي الرحم حقهم لصلة الرحم.
وقد اختلف أهل التأويل في المراد بقوله تعالى: وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ على أقوال: أحدها: الأنبياء، أخرجه الطبري- وابن أبى حاتم عن قتادة، وذكره ابن أبى حاتم عن سفيان الثوري، وأخرجه النقاش عن العلاء بن زياد.
الثاني: الصحابة، أخرجه ابن أبى حاتم عن السدي، ونحوه في تفسير الكلبي، قال: هم أبو بكر، وعمر وعثمان وعلى، وأشباههم ممن ليس بمنافق.
الثالث: خيار المؤمنين، أخرجه ابن أبى حاتم عن الضحاك.
الرابع: أبو بكر، وعمر، وعثمان، أخرجه ابن أبى حاتم عن الحسن البصريّ.
стр. 2038
_________
[ () ] الخامس: أبو بكر، وعمر، أخرجه الطبري وابن مردويه، عن ابن مسعود مرفوعا، وسنده ضعيف. وأخرجه الطبري وابن أبى حاتم عن الضحاك أيضا، وكذا هو في تفسير عبد الغنى بن سعيد الثقفي أحد الضعفاء بسنده عن ابن عباس موقوفا، وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر ضعيف عنه كذلك. قال ابن أبى حاتم: وروى عن عكرمة، وسعيد بن جبير، وعبد اللَّه بن بريدة، ومقاتل ابن حبان كذلك.
السادس: أبو بكر خاصة، ذكره القرطبي عن المسيب بن شريك.
السابع: عمر خاصة، أخرجه ابن أبى حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير، وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن مجاهد، وأخرجه ابن مردويه بسند واه جدا عن ابن عباس.
الثامن: عليّ، أخرجه ابن أبى حاتم بسند منقطع عن عليّ نفسه مرفوعا، وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن مجاهد، قال: هو عليّ.
وأخرجه ابن مردويه بسندين ضعيفين من حديث أسماء بنت عميس مرفوعا قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ على بن أبى طالب. ومن طريق أبى مالك عن ابن عباس مثله موقوفا،
وفي سنده راو ضعيف.
وذكره النقاش عن ابن عباس، ومحمد بن على الباقر، وابن جعفر بن محمد الصادق، قلت: فإن ثبت هذا، ففيه دفع توهّم من توهّم أن في الحديث المرفوع نقصا من قدر عليّ ﵁، ويكون المنفىّ أبا طالب ومن مات من آله كافرا، والمثبت من كان منهم مؤمنا، وخصّ عليّ بالذكر لكونه رأسهم، وأشير بلفظ الحديث إلى لفظ الآية المذكورة، ونصّ فيها على عليّ تنويها بقدره، ودفعا لظن من يتوهم عليه في الحديث المذكور غضاضة، ولو تفطن من كنى عن أبى طالب لذلك لاستغنى عما صنع.
قوله: «وزاد عنبسة بن عبد الواحد» ، أي ابن أمية بن عبد اللَّه بن سعيد بن العاص بن أبي أحيحة بمهملتين مصغرا، وهو سعيد بن العاص بن أمية، وهو موثوق عندهم، وما له في البخاري سوى هذا الموضوع المعلق، وقد وصله البخاري في كتاب البر والصلة فقال: حدثنا محمد بن عبد الواحد بن عنبسة، حدثنا جدي ... فذكره،
وأخرجه الإسماعيلي من رواية نهد بن سليمان عن محمد بن عبد الواحد المذكور، وساقه بلفظ: سمعت عمرو بن العاص بقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ ينادى جهرا غير سرّ: إن بنى فلان ليسوا بأوليائى، وإنما ولي اللَّه والذين آمنوا، ولكن لهم رحم ...
الحديث وقد قدمت رواية الفضل، وإنما الفضل ابن الموفق عن عنبسة من عند أبى نعيم، وأنها أخص من هذا.
قوله ﷺ : «ولكن لها رحم أبلها ببلالها، يعنى أصلها بصلتها» ،
كذا لهم، لكن سقط التفسير من رواية النسفي، ووقع عند أبى ذر بعده «أبلها ببلالها» وبعده في الأصل: كذا وقع، وببلالها أجود وأصحّ.
قال الخطابي وغيره: بللت الرحم بلا وبللا وبلالا، أي نديتها بالصلة، وقد أطلقوا على الإعطاء الندى، وقالوا في البخيل: ما تندى كفه بخير، فشبهت قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها بالماء الّذي يطفئ ببرده الحرارة، ومنه الحديث: بلوا أرحامكم ولو بالسلام.
وقال الطيبي وغيره: شبه الرحم بالأرض التي إذا وقع عليها الماء وسقاها حتى إذا سقيها أزهرت
стр. 2039
أحب إليه، قال تعالى: وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ [ (١) ] ،
وسئل ﷺ : أي الناس أحب إليك؟
قال: عائشة، قيل: من الرجال؟ قال: أبوها.
متفق عليه [ (٢) ] وذلك أن المتقين هم أولياء اللَّه تعالى، كما قال عزّ من قائل: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ [ (٣) ] ، فأولياء اللَّه تعالى أولياء رسوله ﷺ .
تم بحمد اللَّه تعالى الجزء الخامس ويليه الجزء السادس وأوله: «فصل في ذكر ذرية رسول اللَّه ﷺ » .
стр. 2040
[المجلد السادس]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فصل في ذكر ذرية رسول اللَّه ﷺ
اعلم أن اشتقاق لفظ الذرية [على] ثلاثة أقوال، أحدها: أنها مشتقة من ذرأ، قال الكسائي: وذرية الرجل: النشؤ الذين خرجوا منه، وهو من ذروت وذريت، وليس بمهموز، قال أبو عبيدة: أصله مهموز ولكن العرب تركت الهمز فيه وفي آخر وغيره، وهو في مذهب أبي عبيدة من ذرأ اللَّه الخلق، كما قال تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [ (١) ] أي أنشأهم وخلقهم، قال تعالى: يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ [ (٢) ] أي يخلقكم، فكأن ذرية الرجل من خلق اللَّه منه ومن نسله، ومن أنشأ من صلبه، وقال ابن فارس في (مقاييسه) : قولهم ذرأنا الأرض بذرناها [ذرءا] ذرىء على فعيل، ومن هذا الباب: ذرأ اللَّه الخلق يذرؤهم ذرءا، خلقهم، وفي التنزيل:
يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ [ (٣) ] ، وقال ثعلب: معناه يكثركم فيه، أي في الخلق والذرية، وكان ينبغي أن تكون مهموزة فكثرت فأسقط الهمز.
ثانيها: أنها من الذر الّذي هو النمل الصغار، وهذا قول ضعيف.
ثالثها: أنها من ذرأ يذرأ إذا فرق، والقول الأول أصحها، لأن الاشتقاق والمعنى يشهد ان له، قال تعالى: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ [ (٣) ] ، وفي الحديث، أعوذ بكلمات اللَّه التامات
стр. 2041
[اللاتي] لا يجاوزهن برّ ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ [ (١) ] ، [قال
стр. 2042
تعالى:] وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [ (١) ] وقال تعالى:
وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ [ (٢) ] ، فالذرية منه بمعنى مفعولة، أي مذرورة، ثم أبدلوها همزها ياء فقالوا: ذرية.
ولا خلاف أن الذرية تقال على الأولاد الصغار والكبار، قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: الذريات عندنا إذا كانت بالألف: الأعقاب والنسل، فأما الذين في حجورهم خاصة فإنّهم الذرية، انتهى.
وقد قال تعالى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [ (٣) ] ، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ [ (٤) ] ، وقال تعالى: وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ (٥) ] وقال تعالى: وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً [ (٦) ] .
وهل يقال الذرية على الآباء؟ فيه قولان ليس هذا موضع بسط القول فيهما، فإذا ثبت هذا فالذرية الأولاد وأولادهم، وهل يدخل فيها أولاد البنات؟ فيه قولان، أحدهما: يدخلون، وهو مذهب الشافعيّ وأحد قولي
стр. 2043
أحمد، ودليله إجماع المسلمين على دخول أولاد فاطمة رضى اللَّه عنها في ذرية النبي ﷺ ، المطلوب لهم من اللَّه تعالى الصلاة عليهم، لأن أحدا من بناته لم يعقب عقباً باقيا غيرها، فمن انتسب إليه ﷺ من أولاد بيته فإنما هو من جهة فاطمة رضى اللَّه عنها خاصة.
وقد
قال ﷺ في الحسن ابن بنته، إن [ابني] هذا سيد [ (١) ] ،
فسماه ابنه، ولما نزلت آية المباهلة [وهي قوله تعالى:] [ (٢) ] فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ [ (٣) ]
стр. 2044
الآية، دعا رسول اللَّه ﷺ فاطمة وحسنا وحسينا للمباهلة.
وخرج الحاكم من طريق أحمد الإمام ابن عفان، حدثنا وهيب حدثنا عبد اللَّه بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلى بن منية الثقفي قال: جاء الحسن والحسين يستبقان إلى رسول اللَّه ﷺ فضمهما إليه ثم قال: إن الولد مبخلة مجبنة محزنة [ (١) ] .
قال صحيح على شرط مسلم.
стр. 2045
وفي حديث شريك عن عبد الملك بن عمير قال: دخل يحى بن يعمر على الحجاج، ومن حديث صالح من موسى، حدثنا عاصم بن بهدلة قال:
اجتمعوا عند الحجاج فذكر الحسين بن على، فقال الحجاج: لم يكن من ذرية رسول اللَّه ﷺ ، وعنده يحى بن يعمر فقال له: كذبت أيها الأمير، فقال: لتأتينى على ما قلت بينة ومصداق من كتاب اللَّه تعالى أو لأقتلنّك، فقال: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى [ (١) ] إلى قوله تعالى: وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى [ (١) ] فأقرّ اللَّه تعالى أن عيسى من ذرية إبراهيم بأمه، والحسن بن على من ذرية محمد ﷺ بأمه، قال: صدقت، فما حملك على تكذيبي في مجلسى؟ قال: ما أخذ اللَّه على الأنبياء ليبيّننّه للناس ولا يكتمونه، قال اللَّه تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ [ظُهُورِهِمْ] وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا [ (٢) ] ، قال: فنفاه إلى خراسان [ (٣) ] .
стр. 2046
وخرج من طريق عبيد اللَّه بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن عليّ رضى اللَّه عنه قال: لما ولدت فاطمة الحسن رضى اللَّه عنهما، جاء رسول اللَّه ﷺ فقال: أرونى ابني، ما سميتموه؟
قال: قلت: سميته حربا، قال: بل هو حسن، فلما ولدت الحسين رضى اللَّه عنه جاء رسول اللَّه ﷺ ، فقال: أرونى ابني، ما سميتموه؟ قلت: سميته حربا، قال: بل هو حسين، ثم لما ولدت الثالث جاء رسول اللَّه ﷺ ، [فقال] : أرونى ابني، ما سميتموه؟ قلت: سميته حربا، قال: بل هو محسن، قال: إنما أسميتهم باسم ولد هارون ﵇: شبر، وشبير، ومشبر [ (١) ] .
ومن طريق محمد بن إسماعيل بن أبى فديك، حدثنا محمد بن موسى المخزومي، حدثنا عون بن محمد عن أبيه، عن أم جعفر أمه، عن جدتها أسماء، عن فاطمة رضى اللَّه عنها، أن رسول اللَّه ﷺ أتاها يوما فقال: أين ابناي؟ فقالت ذهب بهما عليّ، فتوجه رسول اللَّه ﷺ فوجدهما يلعبان في مشربة وبين أيديهما فضل من تمر، فقال: يا عليّ! ألا تقلب ابنىّ قبل
стр. 2047
الحر؟ .. وذكر باقي الحديث.
قال: محمد بن موسى هذا هو ابن مشمول مدينى ثقة، وعون هذا هو ابن محمد بن عبيد اللَّه بن أبي رافع، هو وأبوه ثقتان، وأم جعفر هي ابنة القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وجدّتها أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى اللَّه عنهم، وكلهم أشراف ثقات [ (١) ] .
وخرج أيضا من طريق وهب بن جرير بن حازم، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن أبي يعقوب، عن عبد اللَّه بن شداد بن الهاد، عن أبيه قال: خرج [علينا] رسول اللَّه ﷺ [في إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر] وهو حامل [أحد] ابنيه الحسن أو الحسين، فتقدم رسول اللَّه ﷺ إلى الصلاة فوضعه عند قدمه اليمنى، فسجد رسول اللَّه سجدة أطالها، قال أبى: فرفعت رأسي من بين الناس، فإذا رسول اللَّه ﷺ ساجد، وإذا الغلام راكب على ظهره، فعدت فسجدت، فلما انصرف رسول اللَّه ﷺ قال الناس: يا رسول اللَّه! لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها، أفشيء أمرت به أو كان يوحى إليك؟ قال: كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضى حاجته.
قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين [ (٢) ] .
ومن طريق ابن نعيم الفضل بن دكين، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم عن أبى ظبيان.
стр. 2048
عن سلمان قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: الحسن والحسين ابناي، من أحبهما أحبنى، ومن أحبنى أحبه [اللَّه] ، ومن أحبه اللَّه أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضنى، ومن أبغضنى أبغضه اللَّه، ومن أبغضه اللَّه أدخله النار،
قال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين [ (١) ] .
ومن طريق عثمان بن سعيد الدارميّ، حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عطاء بن عجلان، عن عكرمة، عن ابن عبّاس عن أم الفضل قالت: دخل عليّ رسول اللَّه ﷺ وأنا أرضع الحسين بن على بلبن ابن كان يقال له قثم، قلت: فتناوله رسول اللَّه ﷺ فناولته إياه، [فبال] عليه، قالت: فأوهيت بيدي إليه [فقال] رسول اللَّه ﷺ لا تزرمى ابني، قالت فرشّه بالماء [ (٢) ] .
وقد ذكر اللَّه تعالى عسى بن مريم ﵇ فيمن ذكر من ذرية إبراهيم ﵇، فقال تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى
стр. 2049
قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ* وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ [ (١) ] .
وفي ذكر عيسى هنا دليل على أن البنت داخلة في الذرية، وذلك أنه تعالى شك عيسى وسائر الأنبياء المذكورين معه في كونهم من ذرية إبراهيم، مع أن عيسى إنما ينتمى إليه من جهة أمه، فدلّ على ما قلناه. واللَّه أعلم.
والقول الثاني: أنهم لا يدخلون، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد قولي أحمد، وحجتهم أن ولد البنات إنما ينسبون إلى آبائهم حقيقة، فإن الهذلي والتيمي والعدوىّ إذا أولد هاشمية لم يكن ولده هاشميا، لأن الولد في النسب يتبع أباه، بخلاف الرّقّ والحرية والدين فإنه يتبع أمه، وقد قيل:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد
ولو وصى أو وقف على قبيلة لم يدخل فيها أولاد بناتها من غيرها، وأما دخول أولاد فاطمة رضى اللَّه عنها في ذرية النبي ﷺ فلشرف هذا الأصل العظيم، والوالد الكريم، الّذي لا يدانيه أحد من العالمين، سرى ونفد إلى أولاد البنات لقوته وجلالته وعظم قدره.
وأما دخول عيسى في ذرية إبراهيم ﵇، فإن المسيح لا أب له حتى يرجع إليه، فقامت أمه مقام أبيه، فنسبه اللَّه تعالى إليها، وهكذا كل من انقطع نسبه من جهة أبيه- إما بلعان أو غيره- قامت أمه في النسب مقام أبيه، وكذا في العصبة والولاء، كما هو مذكور في موضعه من كتب الفقه، واللَّه أعلم.
стр. 2050
فصل في ذكر عترة رسول اللَّه ﷺ
عترة الرجل أسرته وفصيلته، من قول اللَّه تعالى: وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ [ (١) ] .
وقيل: عترته- رهطه الأدنون، والعترة: أصل شجرة تبقى بعد القطع، فتنبت من أصولها وعروقها، وقيل: العترة: صخرة عظيمة يتخذ الضب عندها حجرا يأوى إليها ليهتدى، وذلك لقلة هدايته، فكأن عترة الرجل هم أسرته وقومه الذين يأوى إليهم ويعتمد عليهم، ومنه
قوله ﷺ : إني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللَّه وعترتي، ويروى: كتاب اللَّه وأهل بيتي،
وبادلوا في العترة هنا أهل بيته، قالوا: لأنهم أسرته وفصيلته التي تؤويه، ورهطه الأدنون [ (٢) ] .
стр. 2051
خرج الترمذي من حديث زيد بن الحسن- هو الأنماطي- عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنه قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ في حجته يوم عرفه وهو على ناقته [القصواء] يخطب، فسمعته يقول: يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم [به] لن تضلوا، كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي.
قال: وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، قال: وزيد بن الحسن قد روى عنه سعيد بن سليمان وغير واحد من أهل العلم [ (١) ] .
وخطّأ ابن قتيبة من يقتصر بالعترة على الذرية فقط، ومن يجعل عترة رسول اللَّه ﷺ ولد فاطمة خاصة، ثم قال: وعترة الرجل ذريته وعشيرته الأدنون من مضى منهم ومن غبر، ويدلك على ذلك قول أبى
стр. 2052
_________
[ () ] يقول: إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللَّه وعترتي؟ قال: نعم.
وإسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح.
وله طرق أخرى عند الطبراني: ٤٩٦٩- ٤٩٧١ و ٤٩٨٠ و ٤٩٨٠- ٤٩٨٢ و ٥٠٤٠، وبعضها عند الحاكم في (المستدرك) : ٣/ ١٠٩، ١٤٨، ٥٣٣، وصحيح هو والذهبي بعضها. وشاهد آخر من
حديث عطية العوفيّ، عن أبى سعيد الخدريّ مرفوعا: إني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي، الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب اللَّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض.
ثم قال الألباني: واعلم أيها القارئ الكريم، أن من المعروف أن الحديث مما يحتج به الشيعة، ويلهجون بذلك كثيرا، حتى يتوهم بعض أهل السنة أنهم مصيبون في ذلك، وهم جميعا واهمون في ذلك، وبيانه ومن وجهين:
الأول: أن المراد من الحديث في
قوله ﷺ : «عترتي»
أكثر مما يريده الشيعة، ولا يرده أهل السنة، بل هم مستمسكون به، ألا وأن العترة فيه هم أهل بيته ﷺ ، وقد جاء ذلك موضحا في بعض طرقه، كحديث الترجمة:
«وعترتي أهل بيتي» ،
وأهل بيته في الأصل هم نساؤه ﷺ ، وفيهم الصديقة عائشة، رضى اللَّه عنهن جميعا، كما هو صريح في قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً بدليل الآية التي قبلها والتي بعدها: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً* وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً* وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً.
وتخصيص الشيعة أهل البيت في الآية بعليّ وفاطمة والحسن والحسين رضى اللَّه تعالى عنهم دون نسائه ﷺ ، من تحريفهم لآيات اللَّه تعالى، انتصاراً لأهوائهم، كما هو مشروح في موضعه، وحديث الكساء وما في معناه، غاية ما فيه توسيع دلالة الآية، ودخول على وأهله فيها.
والوجه الآخر: أن المقصود من أهل البيت إنما هم العلماء الصالحون منهم، والمتمسكون بالكتاب والسنة، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه اللَّه تعالى: «العترة» هم أهل بيته ﷺ الذين هم على دينه وعلى التمسك بأمره. وذكر نحوه الشيخ على القاري في الموضع المشار إليه آنفا ثم استظهر أن الوجه في تخصيص أهل البيت بالذكر ما أفاده بقوله:
إن أهل البيت غالبا يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله، فالمراد بهم أهل العلم منهم المطلعون على سيرته، الواقفون على طريقته، العارفون بحكمه وحكمته، وبهذا يصلح أن يكون مقابلا لكتاب اللَّه سبحانه كما قال: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
стр. 2053
بكر رضى اللَّه عنه: نحن عترة رسول اللَّه التي خرج منها وبيضته التي تفتات عنه، وإنما جيبت العرب منا كما جيبت الرحا عن قطبها، وما كان أبو بكر ليدعى بحضرة القوم جميعاً إلا يعرفونه. واللَّه أعلم.
стр. 2054
فصل في ذكر سلالة النبي ﷺ
قال ابن سيده: والسلالة والسليل: الولد، والأنثى سليلة، وقال غيره:
السلالة: الصفوة من كل شيء، قال ابن فارس في (المقاييس) : السليل:
الولد، كأنه سلّ من أمه سلّا، قالت امرأة في ابنها:
سل من قلبي ومن كبدي ... قمر أين دونه قمر
وقيل للحسن والحسين رضى اللَّه عنهما: سلالة رسول اللَّه ﷺ ، أي هما الصفوة من ولده، وقيل: السليل: المنتوج، كأنه النقاح الخالص الصافي [ (١) ] .
واللَّه أعلم.
стр. 2055
فصل في ذكر سبط رسول اللَّه ﷺ
الأسباط: ولد يعقوب- وهو إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ وكانوا اثنى عشر رجلا،
وفي الحديث المرفوع: الحسن والحسين سبطاي من هذه الأمة،
والقبائل في العرب كالأسباط في بنى إسرائيل، فكان الأسباط قبائل الأنبياء، فلذلك سمى الحسن والحسين: السبطان، لأن أولادهما قبيلتا رسول اللَّه ﷺ من أجل أنهما ولد فاطمة الزهراء بنت رسول اللَّه ﷺ .
قال ابن سيده: والسبط ولد الابن والابنة، ومنه الحسن والحسين سبطا رسول اللَّه ﷺ ، والسبط من اليهود كالقبيلة من العرب، وهم الذين يرجعون إلى أب واحد سمى سبطا ليفرق بين ولد إسماعيل وولد إسحاق ﵉، وجمعه أسباط [ (١) ] .
خرج أبو بكر بن أبى شيبة وأحمد بن حنبل من حديث عفان قال:
حدثنا وهيب، حدثنا عبد اللَّه بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن أبى راشد، عن يعلى العامري، أنه خرج مع رسول اللَّه ﷺ إلى طعام دعوا له، فإذا حسين مع غلام يلعب في طريق، فاستقبل رسول اللَّه ﷺ أمام القوم، [وحسين مع الغلمان يلعب فأراد رسول اللَّه ﷺ أن يأخذه [ (٢) ]] . فطفق الصبى يفرّها هنا مرة، وهاهنا مرة، فجعل رسول اللَّه ﷺ يضاحكه حتى
стр. 2056
أخذه رسول اللَّه ﷺ فوضع إحدى يديه تحت قفاه والأخرى تحت ذقنه فوضع فاه على فيه يقبله وقال: حسين منى وأنا من حسين، أحب اللَّه من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط [ (١) ]
стр. 2057
نبدة
اعلم أن أهل رسول اللَّه ﷺ وأحبته في الجملة قسمان: قسم اخترم فأجراه اللَّه تعالى فيهم، كعمه حمزة بن عبد المطلب، وابن عمه جعفر بن أبى طالب، وإبراهيم ابنه ومن أصيب به من خديجة أم المؤمنين، وسائر أصحابه رضى اللَّه عنهم.
وقسم أقرّ اللَّه بهم عينه ﷺ ، كعائشة أم المؤمنين، وزينب أم المؤمنين، وأم سلمة، وجويرية، وسائر أمهات المؤمنين رضى اللَّه عنهنّ، وكفاطمة الزهراء والحسن والحسين، وعلى بن أبى طالب، والعباس بن عبد المطلب، والفضل، وعبد اللَّه والقثم ابنا العباس، وأبى سفيان بن الحرث، وسائر أصحابه رضى اللَّه عنهم، ومنهم له الأحبة. وكل من القسمين يجب محبته وموالاته، وقبول رواياته، وتعظيم حقه، والترضى عنه، لأنه قد رضى اللَّه عنهم، [ووعدهم بالحسنى] .
خرج الحاكم من حديث محمد بن فضيل عن الأعمش، عن أبي سبرة النخعي، عن محمد بن كب [القرظي] ، عن العباس بن عبد المطلب رضى اللَّه عنه قال: كنا نلقى النفر من قريش وهم يتحدثون فيقطعون حديثهم، فذكرنا ذلك لرسول اللَّه ﷺ فقال: ما بال أقوام يتحدثون فإذا رأوا الرجل من أهلي قطعوا حديثهم، واللَّه لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبهم للَّه ولقرابتي [ (١) ] .
стр. 2058
وخرجه من حديث محمد بن إسحاق الصنعاني، حدثنا يعلى بن عبيد عن إسماعيل بن أبي خالد، عن يزيد بن أبى زياد، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن العباس قال: قلت لرسول اللَّه: إذا لقي قريش بعضها بعضا لقوا بالبشارة، وإذا لقيناهم لقونا بوجوه لا نعرفها، قال: فغضبت غضبا شديدا، ثم قال: والّذي بعثني [بالحق] لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم للَّه ولرسوله [ (١) ] .
стр. 2059
فصل [في العقب والعاقب]
قال ابن سيده: والعقب والعقب والعاقبة: ولد الرجل وولد ولده الباقون بعده، وقول العرب: لا عقب له، أي لم يبق له ولد ذكر. وقوله تعالى:
وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ [ (١) ] ، أراد عقب إبراهيم ﵇، يعنى لا يزال من ولده من يوحد اللَّه تعالى، والجمع: أعقاب، وأعقب الرجل إذا ترك عقبا، يقال: كان له ثلاثة أولاد فأعقب منهم رجلان، أي تركا عقبا ودرج واحد. قال: وعقب مكان أبيه يعقب عقبا وعقب إذا خلّف، وكذلك عقبه يعقبه عقبا، الأول لازم والثاني متعدّ، وكل ما خلف شيئا فقد عقبه، وعقبه وعقّبوا من خلفنا وعقبونا: أتوا [ (٢) ] .
стр. 2060
وقال أبو عمر بن عبد البر: وليس ولد البنات من العقب ولا من الولد، إذ ليسوا من العصبات. قال ابن سيده: والعصبة الذين يرثون الرجل عن كلاله [ (١) ] . من غير والد ولا ولد، فأما في الفرائض فكل من لم تكن له فريضة مسماة فهو عصبة، إن يبقى شيء بعد الفرض أخذ.
стр. 2061
فصل في ذكر أزواج رسول اللَّه ﷺ
اعلم أن رسول اللَّه ﷺ خطب ثلاثين امرأة، منهن واحدة وهبت نفسها، وإحدى عشرة امرأة دخل بهن، وسبع عقد عليهنّ ولم يدخل بهن، ومات من نسائه في حياته اثنتان، وتوفي عن تسع، ولم يتزوج بكرا غير واحدة.
[أم المؤمنين خديجة بنت خويلد]
[ (١) ]
стр. 2062
_________
[ () ] والنصب: التعب.
قال الزبير بن بكار: كانت خديجة تدعى في الجاهلية الطاهرة، وأمها هي فاطمة بنت زائدة العامرية. كانت خديجة أولا تحت أبى هالة زرارة التميمي، ثم خلف عليها بعده عتيق بن عابد بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم، ثم بعده النبي ﷺ ، فبنى بها وله خمس وعشرون سنة، وكانت أسنّ منه بخمس عشرة سنة.
وقال مروان بن معاوية، عن وائل بن داود، عن عبد اللَّه البهي قال: قالت عائشة: كان رسول اللَّه ﷺ إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها، واستغفار لها، فذكرها يوما فحملتني الغيرة فقلت: لقد عوضك اللَّه من كبيرة السن! قال: فرأيته غضب غضبا. أسقطت في خلدي، وقلت في نفسي: اللَّهمّ إن أذهبت غضب رسولك عنى لم أعد أذكرها بسوء، فلما رأى النبي ﷺ ما لقيت، قال، واللَّه لقد آمنت بى إذ كذبني الناس، وآوتنى إذ رفضني الناس، ورزقت منها الولد وحرمتموه منى قالت: فغدا رواح عليّ بها شهرا.
[الخلد، بالتحريك: الباب والقلب والنفس] .
هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، مما كنت أسمع من ذكر رسول اللَّه ﷺ لها، وما تزوجني إلا بعد موتها بثلاث سنين.
محمد بن فضيل عن عمارة، عن أبى زرعة، سمع أبا هريرة يقول: أتى جبريل النبي ﷺ فقال: هذه خديجة أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومنى وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب. متفق على صحته.
عبد اللَّه بن جعفر: سمعت عليا: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: خير نسائها خديجة بنت خويلد، وخير نسائها مريم بنت عمران.
أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي: باب تزويج النبي ﷺ خديجة وفضلها، ومسلم في فضائل الصحابة باب فضائل خديجة أم المؤمنين، والترمذي في المناقب.
وقوله ﷺ : «خير نسائها» ،
قال القرطبي: الضمير عائد على غير مذكور، لكنه يفسره الحال والمشاهدة، يعنى به الدنيا، والمعنى أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها.
قال ابن إسحاق: تتابعت على رسول اللَّه ﷺ المصائب بهلاك أبى طالب وخديجة، وكانت خديجة وزيرة صدق، وهي أقرب إلى قصىّ من النبي ﷺ برجل، وكانت متموّلة فعرضت على النبي ﷺ أن يخرج في مالها إلى الشام، فخرج مع مولاها ميسرة، فلما قدم باعث خديجة ما جاء به، فأضعف، فرغبت فيه، فعرضت نفسها عليه، فتزوجها، وأصدقها عشرين بكرة.
стр. 2063
_________
[ () ] قال الشيخ عزّ الدين بن الأثير: خديجة أول خلق اللَّه أسلم بإجماع المسلمين. وقال الزهري، وقتادة، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق. والواقدي، وسعيد بن يحيى: أول من آمن باللَّه ورسوله خديجة، وأبو بكر، وعليّ، رضى اللَّه تعالى عنهم.
قال ابن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبى حكيم- أنه بلغه عن خديجة أنها قالت: يا ابن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك إذا جاءك؟ فلما جاءوه قال: يا خديجة، هذا جبريل، فقالت: اقعد على فخذي ففعل، فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحول إلى الفخذ اليسرى، ففعل، قالت: هل تراه؟ قال، نعم، فألقت خمارها، وحسرت عن صدرها، فقالت: هل تراه؟ قال: لا، قالت: أبشر، فإنه واللَّه ملك وليس بشيطان.
[رجاله ثقات، لكنه منقطع] .
حماد بن سلمة، عن حميد، عن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير، قال: وجد رسول اللَّه ﷺ على خديجة حتى خشي عليه، حتى تزوج عائشة [رجاله ثقات لكنه مرسل] .
معمر عن قتادة، وأبو جعفر الرازيّ، عن ثابت، واللفظ لقتادة، عن أس مرفوعا: حسبك من نساء العالمين أربع. [إسناده صحيح وأخرجه الترمذي في المناقب، والحاكم، وأحمد] .
الدراوَرْديّ، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس: قال رسول اللَّه ﷺ : سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم، فاطمة، وخديجة، وامرأة فرعون آسية.
[رجاله ثقات] .
وروى عروة، عن عائشة قالت: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة، وقال الواقدي: توفيت في رمضان، ودفنت بالحجون. وقال قتادة: ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، وكذا قال عروة.
* لها ترجمة في: (طبقات ابن سعد) : ٨/ ٥٢، ١/ ١٣١- ١٣٣، (المستدرك) : ٣/ ٢٠٠- ٢٠٦، كتاب معرفة الصحابة، باب ومنهم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى رضى اللَّه تعالى عنها، الأحاديث من رقم (٤٨٣٤/ ٤٣٢) إلى رقم (٤٨٥٦/ ٤٥٤) ، (الاستيعاب) : ٤/ ١٨١٧- ١٨٢٥، ترجمة رقم (٢٣١١) ، (المعارف) : ٥٩، ٧٠، ١٣٢، ١٤٤، ١٥٠، ٢١٩، ٣١١، (جامع الأصول) : ٩/ ١٢٠- ١٢٥، القسم الثاني من الفرع الثاني من الباب الرابع في فضائل النساء الصحابيات رضى اللَّه تعالى عنهن، الأحاديث من رقم (٦٦٦٦) إلى رقم (٦٦٧٠) ، (الإصابة) : / ٦٠٠- ٦٠٥ ترجمة رقم (١١٠٨٦) ، (كنز العمال) : ١٣/ ٦٩٠- ٦٩٣ باب فضائل أزواج النبي ﷺ مفصلة، أم المؤمنين خديجة رضى اللَّه عنها، الأحاديث أرقام من (٣٧٧٦٢) إلى (٣٧٧٧٠) ، (شذرات الذهب) : ١/ ١٤.
стр. 2064
فأول نسائه خديجة سعيد بن بهم، وأمها: عاتكة ابنة عبد العزى بن قصي، وأمها: الحظيّا بنت كعب بن سعد بن تيم بن مرة [بن كعب بن لؤيّ بن غالب] [ (١) ] ، وأمها نائلة ابنة حذافة بن جمح.
وكانت خديجة عند عتيق بن عائذ بن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم، فولدت له جارية يقال لها: أم محمد هند، تزوجها ابن عمة لها يقال له صيفي بن أبى أمية بن عائذ بن عبد اللَّه، وهلك عتيق عن خديجة، فتزوجها أبو هالة هند بن النباش بن زرارة [بن وقدان بن حبيب بن سلامة ابن غوىّ بن جروة] [ (٢) ] بن أسيد بن عمرو بن تميم بن مرّ. وطابخة بن إلياس [أمه] [ (٢) ] خندف [وهي ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة] [ (٢) ] .
وقيل: أبو هالة مالك بن إلياس بن زرارة بن وقدان بن حبيب بن سلامة بن عدي- بضم العين وقيل بفتحها- ابن أسد- بضم الهمزة- ابن عمرو بن تميم بن مرّ بن أسيد، فهو أسيدى بالتخفيف، فإذا نسب إليه قيل:
اسيّدىّ بالتشديد على ما قاله سيبويه.
وذكر الحافظ أبو محمد بن حزم [ (٣) ] أن خديجة كانت عند عتيق فولدت له عبد اللَّه، ثم خلف عليها أبو هالة فولدت له ذكرين هما هند والحرث،
стр. 2065
وابنة اسمها زينب، وأن هندا شهد أحدا، والحرث قتله أحد الكفار عند الركن اليماني. قال العسكري: هو أول قتيل قتل في الإسلام، ثم تزوجها رسول اللَّه ﷺ على ثنتى عشرة أوقية، وهي أول امرأة تزوجها [ (١) ] .
وروى أنه أصدقها عشرين بكرة، زوجه إياها عمرو بن أسد بن عبد العزى، وعمرها أربعون، وقيل ست وأربعون، وقيل ثمان وأربعون، وقيل خمسون، [وقيل] أربعون، وقيل ثلاثون، وقيل ثمان وعشرون سنة، فأقامت معه ﷺ أربعا وعشرين سنة، منها قبل الوحي خمس عشرة سنة، وكان عمره ﷺ إذ تزوجها إحدى وعشرين، وقيل: كان ابن خمس وعشرين سنة وشهران وعشرة أيام، وهو الأكثر، وقيل ابن ثلاثين.
فولدت له أربع بنات [هن:] زينب، وفاطمة، ورقية، وأم كلثوم، وولدت له القاسم وعبد اللَّه، ولم يتزوج عليها حتى ماتت، وهي أول من آمن باللَّه ورسوله على الصحيح، وقيل أبو بكر رضى اللَّه عنه، وكانت وزير صدق له، آزرته على أمره، وثبتته وخففت عنه وهوّنت عليه ما كان يلقى من قومه، وتوفيت قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل بأربع سنين، وقيل بثلاث سنين، وهو الأصح، ويقال: توفيت لعشر خلون من رمضان، وهي ابنة خمس وستون سنة، فدفنها رسول اللَّه ﷺ بالحجون [ونزل في قبرها ولم يتزوج] [ (٢) ] في حياتها بسواها لجلالتها وعظم محلها عنده.
وقد اختلف أيهما أفضل، هي أو عائشة؟ فرجح فضل خديجة جماعة من العلماء، وماتت ولرسول اللَّه ﷺ تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر، وتركت من الأولاد هند بن أبى هالة، وبنات رسول اللَّه ﷺ الأربع،
стр. 2066
وفضائلها كثيرة رضى اللَّه عنها.
قال الواقدي: حدثني موسى بن شيبة، عن عميرة بنت عبد اللَّه بن كعب عن أم سعد بن الربيع، عن نفيسة بنت منية، قالت: لما رجع رسول اللَّه ﷺ من الشام دخل مكة، وخديجة رضى اللَّه عنها في عليه لها فرأت ملكين يظلانه، وكانت جلدة حازمة، وهي أوسط قريش نسبا وأوسطهم مالا، وكل قومها حريص على نكاحها لو قدروا على ذلك، قد طلبوا وبذلوا لها الأموال، فأرسلتنى دسيسا إلى محمد ﷺ بعد أن رجع من الشام، فقلت: يا محمد، ما منعك أن تتزوج؟ قال: ما بيدي ما أتزوج به، قلت:
فإن كنت كذلك ودعيت إلى الجمال، والمال، والشرف، والكفاءة، ألا تجيب؟ قال: فمن هي؟ قلت: خديجة، قال: وكيف لي بذلك؟ قلت عليّ فأنا أفعل، فذهبت فأخبرتها، فأرسلت إليه أن ائت الساعة كذا وكذا، وأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها، ودخل رسول اللَّه ﷺ في عمومته، فتزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وخديجة يومئذ بنت أربعين سنة.
وذكر أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا أن أبا طالب خطب يومئذ، فقال: الحمد للَّه الّذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضيء معدّ، وعنصر مضر، وجعلنا حصنة بيته، وسوّاس حزبه، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخى هذا محمد بن عبد اللَّه لا يوزن به رجل إلى رجح به، فإن كان في الكمال قل، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، ومحمد من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالي، وهو واللَّه بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل.
стр. 2067
وقال المطرز: ألقى أبو طالب على ولىّ خديجة حلّة فقبلها، وكان قبول الحلّة تمام التزويج، قال أبو طالب: فجاءنا البشار من زوايا الدار وأعلى الجدر، ولا أدرى ديارا ولا ناثرا.
وكانت التي غسّلت خديجة أم أيمن وأم الفضل زوجة العباس، وذلك قبل أن تفرض الصلاة، ولم تكن يومئذ سنّة الجنازة والصلاة عليها، ودفنت بالحجون بمكة، ونزل رسول اللَّه ﷺ حفرتها، واشترى معاوية منزل خديجة فجعله مسجدا.
стр. 2068
[أم المؤمنين سودة بنت زمعة] [ (١) ]
وسودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نضر بن مالك
стр. 2069
_________
[ () ] حدثنا القاسم بن أبى بزّة: أن النبي ﷺ بعث إلى سودة بطلاقها، فجلست على طريقه فقالت:
أنشدك بالذي أنزل عليك كتابه، لم طلقتني؟ الموجدة؟ قال: لا، قالت: فأنشدك اللَّه لما راجعتني، فلا حاجة لي في الرجال، ولكن أحب أن أبعث في نسائك فراجعها. قالت: فإنّي قد جعلت يومى لعائشة. [أخرجه ابن سعد، وسنده صحيح، لكنه مرسل، والصحيح أنه لم يطلقها كما تقدم] .
الأعمش، عن إبراهيم، قالت سودة: يا رسول اللَّه، صليت خلفك البارحة، فركعت بى، حتى أمسكت بأنفي مخافة أن يقطر الدم، فضحك ﷺ . وكانت تضحكه الأحيان بالشيء.
صالح مولى التوأمة، عن أبى هريرة، قال رسول اللَّه ﷺ في حجة الوداع: هذه ثم ظهور الحصر.
[ظهور الحصر: منصوب على تقدير: ثم الزمن، والحصر: جمع حصير، وهو ما يفرش في البيوت، والمراد أن يلزمن بيوتهن، ولا يخرجن منها. والحديث
أخرجه ابن سعد وأحمد، وسنده قوى، وأبو داود في أول الحج من طريق عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن واقد بن أبى واقد الليثي، عن أبيه أن النبي ﷺ قال لنسائه في حجته: هذه ثم ظهور الحصر.
وسنده حسن في الشواهد] .
وقالت عائشة رضى اللَّه عنها: استأذنت سودة ليلة المزدلفة، أن تدفع قبل حطمة الناس- وكانت امرأة ثبطة- أي ثقيلة، فأذن لها. [وتمامه: فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا نحن، ثم دفعنا بدفعه ﷺ ، فلأن أكون استأذنت رسول اللَّه ﷺ كما استأذنته سودة، أحب إلى من مفروح به، والحطمة بفتح الحاء وسكون الطاء: الزحمة، أي قبل أن يزدحموا، ويحطم بعضهم بعضا. أخرجه ابن سعد، والبخاري، ومسلم، وأحمد، والنسائي] .
حماد بن يزيد عن هشام، عن ابن سيرين: أن عمر بعث إلى سودة بغرارة دراهم، فقالت: ما هذه؟ قالوا: دراهم، قالت: في الغرارة مثل التمر! يا جارية، بلّغينى القنع ففرّقتها.
يروى لسودة خمسة أحاديث: منها في الصحيحين: حديث واحد عند البخاري.
الواقدي: حدثنا موسى بن محمد بن عبد الرحمن، عن ريطة، عن عمرة عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: لما قدم النبي ﷺ المدينة بعث زيدا، وبعث معه أبا رافع مولاه، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم، فخرجنا جميعا، وخرج زيد وأبو رافع بفاطمة، وبأم كلثوم، وبسودة بنت زمعة، وبأم أيمن، وأسامة ابنه.
(*) لها ترجمة في: (طبقات ابن سعد) : ٨/ ٥٢- ٥٨، (طبقات خليفة) . ٣٣٥، (المعارف) : ١٣٣، ٢٨٤، ٤٤٢، (الاستيعاب) : ٤/ ١٨٦٧ ترجمة رقم (٣٣٩٤) ، (جامع الأصول) : ٩/ ١٤٥، (تهذيب التهذيب) : ١٢/ ٤٤٥ ترجمة رقم (٢٨١٩) ، (الإصابة) : /، ترجمة رقم () ، (خلاصة تذهيب الكمال) : ٣/ ٤٨٤، ترجمة رقم (٨٧) ، (سير أعلام النبلاء) : ٢/ ٢٦٥- ٢٦٩ ترجمة رقم (٤٠) ، (شذرات الذهب) : ١/ ٣٤ و ٦٠.
стр. 2070
ابن حسل بن عدي بن النجار تزوجها السكران بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ- هو أخو سهيل بن عمرو- وهاجرت معه إلى الحبشة ومات، فتزوجها رسول اللَّه ﷺ بعد موت خديجة رضى اللَّه عنها، ولى تزويجها أباه أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس- ويقال أبوها- وهو يومئذ شيخ، وأصدقها أربعمائة درهم، وتزوج بعائشة رضى اللَّه عنها، وقيل: تزوج بعائشة قبلها، وكان تزويجه بسودة [وبناؤه] بها في شهر رمضان سنة عشر من النبوة.
وكانت سودة قد رأت في النوم كأن رسول اللَّه ﷺ وطئ على عنقها، فأخبرت السكران بذلك، فقال: لئن صدقت رؤياك لأموتن وليتزوجك رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: حجرا وسترا! ثم رأت ليلة أخرى كأن قمرا انقضّ عليها من السماء، فتزوجها رسول اللَّه ﷺ ، وذلك أن خولة بنت حكيم بن الأوقص السلمية- امرأة عثمان بن مظعون- قالت: يا رسول اللَّه! إني أراك قد دخلتك خلة لفقد خديجة فقال: أجل، أمّ العيال وربة البيت، قال: ألا أخطب عليك؟ قال: بلى، إنك معشر النساء أرفق بذلك، فخطبت عليه سودة بنت زمعة، وخطبت عليه عائشة بنت أبى بكر- وعائشة يومئذ ابنة ست سنين حتى بنى بها حين قدم المدينة-.
وكانت امرأة ثقيلة ثبطة، وكان في أذنها ثقل، وأسنّت عند رسول اللَّه ﷺ فهمّ بطلاقها، ويقال طلقها في سنة ثمان من الهجرة تطليقة، فجمعت ثيابها وجلست له على الطريق التي كان يسلكها إذا خرج إلى الصلاة، فلما دنا منها بكت
وقالت: يا رسول اللَّه! أهل أعتددت عليّ في الإسلام بشيء؟ فقال: اللَّهمّ لا،
فقالت: أسألك باللَّه لما راجعتني، فراجعها، وجعلت يومها لعائشة رضى اللَّه عنها، وقالت: واللَّه ما غايتي إلا أن أرى وجهك وأحشر مع أزواجك، وإني لا أريد ما تريد النساء.