← Сира

Сира · id 1524

إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع

المقريزي

Полный текст (6 146 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وهذا وهم شديد البتة، قال: والصحيح بلا شك ما بين ألف وثلاثمائة إلى ألف وخمسمائة. مقالة بني بكر ومزينة وجهينة ومر فيما بين مكة والمدينة بالأعراب بني بكر ومزينة وجهينة فاستنفرهم، فتشاغلوا بأبنائهم وأموالهم، وقالوا فيما بينهم: أيريد محمد أن يغزو بنا [ (١) ] إلى قوم معدّ في الكراع والسلاح؟ وإنما محمد وأصحابه أكلة جزور [ (٢) ] ! لن يرجع محمد وأصحابه من سفرهم هذا أبدا! قوم لا سلاح معهم ولا عدد!. هدية بني نهد ثم قدم ناجية بن جندب مع الهدي في فتيان من أسلم، ومعهم هدي للمسلمين. ولقي بالروحاء طائفة من بني نهد، فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، وبعثوا إليه بلبن من نعمهم فقال: لا أقبل هدية من مشرك. رد هدية المشركين وردّه، فابتاعه المسلمون منهم. وابتاعوا ثلاثة أضب [ (٣) ] فأكل منها قوم أجلّة. وسأل المحرمون رسول اللَّه ﷺ عنها فقال: كلوا، فكلّ صيد البر لكم حلال في الإحرام تأكلونه إلا ما صدتم أو صيد لكم. الصيد في الحرم ورأى أبو قتادة بالأبواء حمارا وحشيا- وكان محلا [ (٤) ] فحمل عليه فقتله، فأكل منه رسول اللَّه ﷺ . وجاءه يومئذ الصّعب بن جثامة بن قيس الليثيّ بحمار وحشيّ أهداه له فردّه، وقال: إنا لم نرده إلا أنا حرم.

стр. 317

هدية إيماء بن رحضة وأهدي له إيماء بن رحضة بن خربة الغفاريّ مائة شاة وبعيرين يحملان لبنا: بعث بهما مع ابنه خفاف بن إيماء ففرق ذلك وقال: بارك اللَّه فيكم. وأهدي له من ودان لياء [وهو حب أبيض كالحمص] وعتر [ (١) ] وضغابيس [ (٢) ] ، فجعل يأكل الضغابيس والعتر وأعجبه، وأدخل منه على أمّ سلمة. خبر كعب الّذي آذاه القمل وهو محرم ورأى بالأبواء كعب بن عجرة بن أمية بن عدي بن عبيد بن الحارث البلوي ورأسه يتهافت قملا وهو محرم، فقال: هل تؤذيك هوامّك يا كعب؟ قال: نعم يا رسول اللَّه! قال: فاحلق رأسك. وفيه نزلت: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [ (٣) ] ، فأمره رسول اللَّه ﷺ أن يذبح شاة، أو يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستين مسكينا: لكل مسكين مدّين، أي ذلك فعل أجزأه. ويقال: إن كعب بن عجرة أهدي بقرة قلدها وأشعرها. ما عطب من الهدي وعطب [ (٤) ] من ناجية بن جندب بعير من الهدي، فجاء بالأبواء إلى رسول اللَّه ﷺ وأخبره، فقال: أنحرها [ (٥) ] ، وأصبغ قلائدها في دمها، ولا تأكل أنت ولا أحد من أهل رفقتك منها، وخلّ بين الناس وبينها. نزول الجحفة ولما نزل الجحفة لم يجد بها ماء، فبعث رجلا في الروايا إلى الخرّار، فرجع

стр. 318

بها وقال: يا رسول اللَّه! ما أستطيع أن أمضي رعبا! فبعث رجلا آخر بالروايا، فرجع وذكر كما ذكر الأول: فبعث آخر وخرج السقاء معه، فاستقوا وأتوا بالماء. ثم أمر بشجرة يقم [ (١) ] ما تحتها. خطبة رسول اللَّه ﷺ وخطب الناس فقال: إني كائن لكم فرطا [ (٢) ] ، وقد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم [ (٣) ] تضلوا: كتاب اللَّه وسنة نبيه. بلاغ خبر المسلمين إلى أهل مكة وخروجهم إليهم وبلغ أهل مكة خروج رسول اللَّه ﷺ فراعهم ذلك، وتشاوروا. ثم قدّموا عكرمة بن أبي جهل- ويقال: خالد بن الوليد- على مائتي فارس إلى كراع الغميم، واستنفروا من أطاعهم من الأحابيش، وأجلبت ثقيف معهم: ووضعوا العيون على الجبال، وهم عشرة رجال يوحي بعضهم إلى بعض بالصوت: فعل محمد كذا كذا، حتى ينتهي ذلك إلى قريش ببلدح [ (٤) ] . وخرجوا إلى بلدح وضربوا بها القباب والأبنية، ومعهم النساء والصبيان، فعسكروا هناك، وقد أجمعوا على منع رسول اللَّه ﷺ من دخول مكة ومحاربته. إجماع قريش على منع المسلمين من دخول مكة، ومشورة المسلمين ورجع بسر بن سفيان من مكة وقد علم خبر القوم، فلقي رسول اللَّه ﷺ من وراء عسفان وأخبره الخبر. واستشار رسول اللَّه ﷺ [ (٥) ] الناس: هل يمضي لوجهته ويقاتل من صدّه عن البيت أو يخالف الذين استنفروا إلى أهليهم فيصيبهم؟

стр. 319

فأشار أبو بكر ﵁ أن يمضوا لوجوههم، ويقاتلوا من صدهم. وقال المقداد بن عمرو: يا رسول اللَّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون» ولكن: «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما [ (١) ] مقاتلون» . واللَّه يا رسول اللَّه! لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك ما بقي منا رجل. وقال أسيد بن الحضير: يا رسول اللَّه! نرى أن نصمد لما خرجنا له، فمن صدنا قاتلناه. فقال: إنا لم نخرج لقتال أحد، إنما خرجنا عمارا. بديل بن ورقاء وخبر قريش ولقيه بديل بن ورقاء بن عبد العزى بن ربيعة بن جرى بن عامر بن مازن ابن عدي بن عمرو بن ربيعة [وهو الحي] [ (٢) ] الخزاعي- في نفر من خزاعة، منهم الحليس بن علقمة الحارثي، من بني الحارث بن عبد مناة، فقال: يا محمد! لقد اغتررت بقتال قومك حلائب [ (٣) ] العرب، واللَّه ما أرى معك أحدا له وجه، مع أني أراكم قوما لا سلاح معكم! فقال أبو بكر ﵁: عضضت ببظر اللات! فقال بديل: أما واللَّه لولا يد لك عندي لأجبتك، فو اللَّه ما أتهم أنا ولا قومي ألا أكون أحب أن يظهر محمد. إني رأيت قريشا مقاتلتك عن ذراريها وأموالها، قد خرجوا إلى بلدح فاضطربوا [ (٤) ] الأبنية، معهم العوذ المطافيل [ (٥) ] ، وترافدوا على الطعام [ (٦) ] يطعمون الخزير [ (٧) ] من جاءهم، يتقوون به على حربك، فر رأيك [ (٨) ] . وكانت قريش قد ترافدوا وجمعوا أموالا يطعمون بها من ضوى إليهم من الأحابيش. وكان يطعم في أربعة أمكنة: في دار الندوة لجماعتهم، وكان صفوان ابن أمية، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وحويطب بن عبد العزى، كل منهم يطعم في داره.

стр. 320

دنو خالد بن الوليد في المشركين للقاء المسلمين ودنا خالد بن الوليد في خيله حتى نظر إلى المسلمين، فصفّ خيله فيما بينهم وبين القبلة، فقدم رسول اللَّه ﷺ عباد بن بشر في خيله، فقام بإزائه وصف أصحابه. وحانت صلاة الظهر، فأذن بلال وأقام، فصلى رسول اللَّه ﷺ بأصحابه مستقبل القبلة وهم خلفه، يركع بهم ويسجد. ثم قاموا، فكانوا على ما كانوا عليه من التعبئة. فقال خالد بن الوليد: قد كانوا على غرة، لو كنّا حملنا عليهم أصبنا منهم! ولكن تأتي الساعة صلاة هي أحب إليهم من أنفسهم وأبنائهم!. صلاة الخوف فنزل جبريل ﵇ بين الظهر والعصر بهذه الآية: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً [ (١) ] فحانت العصر، فأذن بلال وأقام، فقام رسول اللَّه ﷺ مواجها للقبلة والعدو أمامه فكبر وكبّر الصفان جميعا، ثم ركع فركع الصفان جميعا، ثم سجد فسجد الصف الّذي يليه، وقام الآخرون يحرسونه. فلما قضى رسول اللَّه ﷺ السجود بالصف الأول، قام وقاموا معه، وسجد الصف المؤخر السجدتين، ثم استأخر الصفّ الّذي يلونه، وتقدم الصف المؤخر فكانوا يلون رسول اللَّه ﷺ ، فقاموا جميعا. ثم ركع ﷺ فركع الصفان جميعا ثم سجد وسجد الصف الّذي يلونه، وقام الصف المؤخر يحرسونه مقبلين على العدو. فلما رفع رأسه من السجدتين، سجد الصف المؤخر السجدتين اللتين بقيتا عليهم، واستوى ﷺ جالسا فتشهد ثم سلّم.

стр. 321

الخلاف في أول صلاة الخوف وكان ابن عباس ﵁ يقول: هذه أول صلاة صلاها رسول اللَّه ﷺ في الخوف. وقال سفيان بن سعيد، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقيّ: أنه كان- يعني ابن عباس- مع النبي ﷺ يومئذ، فذكر أن النبي ﷺ صلى هكذا. وذكر أبو عيّاش أنها أول ما صلى رسول اللَّه ﷺ صلاة الخوف- يعني ابن عباس: وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: صلى رسول اللَّه ﷺ أول صلاة الخوف في غزوة ذات الرّقاع، ثم صلاها بعد بعسفان، بينهما أربع سنين. قال الواقدي [ (١) ] : وهذا أثبت عندنا. مسير المسلمين إلى ثنية ذات الحنظل وحيرة الدليل فلما أمسى رسول اللَّه ﷺ قال: تيامنوا في هذا العصل [ (٢) ] ، فإن عيون قريش بمرّ الظهران أو بضجنان، فأيكم يعرف ثنية ذات الحنظل؟ فقال بريدة بن الحصيب: أنا يا رسول اللَّه! فقال: اسلك أمامنا. فأخذ بريدة في العصل، قبل جبال سراوع قبل المغرب، فسار قليلا [ (٣) ] وحار. فنزل حمزة بن عمرو الأسلمي فسار بهم قليلا، ثم لم يدر أين يتوجه. فسار بهم عمرو بن [عبد] [ (٤) ] نهم الأسلمي حتى بلغها. خبر الثنية وأن من جازها غفر له فقال رسول اللَّه ﷺ : والّذي نفسي بيده، ما مثل هذه الثنية إلا مثل الباب الّذي قال اللَّه لبني إسرائيل: ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ [ (٥) ] ثم قال: لا يجوز هذه الثنية أحد إلا غفر له. فجعل الناس يسرعون.

стр. 322

طعام المسلمين فلما نزل من الثنية قال: من كان معه ثقل [أي دقيق] فليصطنع [ (١) ] . فقال أبو سعيد الخدريّ ﵁: وأيّنا معه ثقل؟ إنما كان عامة زادنا التمر. فقالوا: يا رسول اللَّه! إنا نخاف من قريش أن ترانا! فقال: إنهم لن يروكم، إن اللَّه سيعينكم [ (٢) ] عليهم. فأوقدوا النيران، واصطنع من أراد أن يصطنع: فلقد أوقدوا خمسمائة نار. الغفران، وخبر الرجل المحروم من غفران اللَّه فلما أصبحوا صلى رسول اللَّه ﷺ الصبح ثم قال: والّذي نفسي بيده، لقد غفر اللَّه للركب أجمعين، إلا رويكبا واحدا على جمل أحمر التفت عليه رحال [ (٣) ] القوم: ليس منهم. فطلب في العسكر فإذا به ناحية، وهو من بني ضمرة من أهل سيف البحر [ (٤) ] ، قد أوى إلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، قال له سعيد- وقد قيل له ما قال فيه رسول اللَّه ﷺ : ويحك! اذهب إلى رسول اللَّه يستغفر لك! فقال: بعيري أهمّ إليّ من أن يستغفر. وكان قد أضلّ بعيره. فقال سعيد: تحول عني، لا حياك اللَّه! فانطلق يطلب بعيره، فبينا هو في جبال سراوع [ (٥) ] إذ زلقت نعله فتردى فمات وأكلته السباع. أهل اليمن وقال يومئذ: أتاكم أهل اليمن كأنهم قطع الحساب، هم خير من على الأرض. الدنو من الحديبيّة، وخبر راحلة رسول اللَّه ﷺ وسار حتى [ (٦) ] دنا من الحديبيّة- وهي طرف الحرم، على تسعة أميال من

стр. 323

مكة، فوقعت يد راحلته ﷺ على ثنية تهبط على غائط [ (١) ] ، فبركت، فقال المسلمون: حل حل [يزجرونها]- فأبت أن تنبعث، فقالوا: خلأت القصواء [ (٢) ] ! فقال: إنها ما خلأت، ولا هو لها بعادة، ولكن حبسها حابس الفيل، أما واللَّه لا يسألوني اليوم خطة فيها تعظيم حرمة اللَّه إلا أعطيتهم إياها. ثم زجروها فقامت، فولى راجعا حتى نزل بالناس على ثمد من ثماد [ (٣) ] الحديبيّة [ظنون] قليل الماء. خبر جيشان الماء من الثمد واشتكى الناس قلة الماء، فانتزع سهما من كنانته فأمر به فغرز في الثمد، فجاشت لهم بالرواء حتى صدروا عنه بعطن، وإنهم ليغترفون بآنيتهم جلوسا على شفير البئر. وكان الّذي نزل بالسهم ناجية بن جندب، وقيل: ناجية بن الأعجم، وقيل: خالد بن عبادة [ (٤) ] الغفاريّ، وقيل: البراء بن عازب. مقالة المنافقين في دليل النبوة وكان على الماء نفر من المنافقين، الجدّ بن قيس، وأوس [بن خوليّ] [ (٥) ] ، وعبد اللَّه بن أبي، فقال أوس بن خولي: ويحك يا أبا الحباب! أما آن لك أن تبصر ما أنت عليه! أبعد هذا شيء؟ فقال: إني قد رأيت مثل هذا. فقال أوس: قبحك اللَّه وقبح رأيك! فأقبل ابن أبي [ (٦) ] يريد رسول اللَّه ﷺ ، فقال: أي أبا الحباب! أين رأيت مثل ما رأيت اليوم؟ فقال: ما رأيت مثله قط! قال: فلم قلت ما قلت؟ فقال عبد اللَّه بن أبي: أستغفر اللَّه. فقال ابنه: يا رسول اللَّه! استغفر له! فاستغفر له.

стр. 324

المطر والصلاة في الرحال ومطر المسلمون بالحديبية مرارا وكثرت المياه، ومطروا مطرا ما ابتلت منه أسفل النعال، فنودي: إن الصلاة في الرّحال. وصلى رسول اللَّه ﷺ الصبح في الحديبيّة في إثر سماء [ (١) ] كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا اللَّه ورسوله أعلم. الأنواء قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال: مطرنا برحمة اللَّه وبرزق اللَّه وبفضل اللَّه فهو مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنجم كذا فهو مؤمن بالكواكب كافر بي [ (٢) ] . وكان ابن أبي قال: هذا نوء الخريف، مطرنا بالشّعرى. الهدايا وأهدى عمرو بن سالم وبسر بن سفيان الخزاعيان بالحديبية إلى رسول اللَّه ﷺ غنما وجزورا، وأهدى عمرو بن سالم لسعد بن عبادة جزرا، وكان صديقا له. فجاء سعد بالغنم إلى رسول اللَّه ﷺ ، وأخبره أن عمرا أهداها له فقال: وعمرو قد أهدى إلينا ما ترى فبارك اللَّه في عمرو! ثم أمر بالجزر [ (٣) ] تنحر وتقسم في أصحابه، وفرق الغنم فيهم من أخراها. فدخل على أم سلمة بعضها، وأمر ﷺ للذي جاء بالهدية بكسوة. خبر بديل بن ورقاء مع رسول اللَّه ﷺ ولما اطمأن بالحديبية، جاءه بديل بن ورقاء وركب من خزاعة- وهم عيبة [ (٤) ] نصح رسول اللَّه بتهامة، منهم المسلم ومنهم الموادع، لا يخفون عليه بتهامة

стр. 325

شيئا- فسلموا، ثم قال بديل: جئناك من عند قومك كعب بن لؤيّ وعامر بن لؤيّ، وقد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم، معهم العوذ المطافيل-[النساء [ (١) ] والصبيان]- يقسمون باللَّه لا يخلون بينك وبين البيت حتى تبيد خضراؤهم [ (٢) ] . فقال ﷺ : إنا لم نأت لقتال أحد، إنما جئنا لنطوف بهذا البيت، فمن صدنا عنه قاتلناه. وقريش قوم قد أضرت بهم الحرب ونهكتهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة يأمنون فيها، ويخلون فيما بيننا وبين الناس- والناس أكثر منهم-، فإن ظهر أمري على الناس كانوا بين أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، أو يقاتلوا وقد جمّوا [ (٣) ] . واللَّه لأجهدن على أمري هذا إلى أن تنفرد سالفتي [ (٤) ] أو ينفذ اللَّه أمره! فعاد بديل وركبه إلى قريش، وقد تواصوا ألا يسألوا بديلا عما جاء فيه. فلما رأى أنهم لا يستخبرونه قال: إنا جئنا من عند محمد. أتحبون أن نخبركم؟ فقال عكرمة بن أبي جهل، والحكم بن أبي العاص: لا، واللَّه ما لنا حاجة بأن تخبرونا عنه، ولكن أخبره عنا: أنه لا يدخلها علينا عامه هذا حتى لا يبقى منا رجل. سماع المشركين مقالة بديل فأشار عليهم عروة بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد ابن عوف بن ثقيف [واسمه قسي] [ (٥) ] بن منبه بن بكر بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان- أن يسمعوا كلام بديل، فإن أعجبهم قبلوه، وإلا تركوه، فقال صفوان بن أمية، والحارث بن هشام: أخبرنا بالذي رأيتم والّذي سمعتم. فأخبروه بمقالة النبي ﷺ ، فقال عروة بن مسعود: فإن بديلا قد جاءكم بخطة رشد، لا يردها أحد إلا أخذ شرا منها، فاقبلوها منه، وابعثوني حتى آتيكم بمصداقها، وأكون لكم عينا. بعثة قريش عروة بن مسعود إلى رسول اللَّه ﷺ فبعثوه. فقال: يا محمد! إني تركت قومك على أعداد [ (٦) ] مياه الحديبيّة قد

стр. 326

استنفروا لك، وهم يقسمون باللَّه لا يخلون بينك وبين البيت حتى تجتاحهم، وإنما أنت من قتالهم بين أحد أمرين: إما أن تجتاح قومك- فلم نسمع برجل اجتاح أصله قبلك- أو بين أن يخذلك من نرى معك، فإنّي لا أرى معك إلا أوباشا [ (١) ] من الناس لا أعرف وجوههم ولا أنسابهم، فغضب أبو بكر الصديق ﵁ وقال: امصص ببظر اللات! أنحن نخذله؟ فقال: أما واللَّه لولا يد لك عندي لأجبتك! وطفق عروة يمس لحية رسول اللَّه وهو يكلمه، والمغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك قائم على رأسه بالسيف، فقرع يد عروة [وهو عمه] وقال: اكفف يدك عن مس لحية رسول اللَّه قبل ألا تصل إليك، فلما فرغ عروة من كلامه، ورد عليه رسول اللَّه ﷺ كما قال لبديل بن ورقاء، عاد إلى قريش فقال: يا قوم، قد وفدت على كسرى وهرقل والنجاشي، وإني واللَّه ما رأيت ملكا قط أطوع فيمن هو بين ظهرانيه من محمد في أصحابه، واللَّه ما يشدون [ (٢) ] إليه النظر، وما يرفعون عنده الصوت، وما يكفيه إلا أن يشير إلى امرئ فيفعل، وما يتنخّم وما يبصق إلا وقعت في يدي رجل منهم يمسح بها جلده، وما يتوضأ من وضوء إلا ازدحموا عليه أيهم يظفر منه بشيء. وقد حزرت القوم، واعلموا أنكم إن أردتم السيف بذلوه لكم، وقد رأيت قوما لا يبالون ما يصنع بهم إذا منعوا صاحبهم، واللَّه لقد رأيت نسيّات [ (٣) ] معه، إن كنّ ليسلمنه أبدا على حال، فروا رأيكم. وقد عرض عليكم خطة، فمادوه [ (٤) ] يا قوم. أقبلوا ما عرض فإنّي لكم ناصح، مع أني أخاف ألا تنصروا عليه. رجل أتى هذا البيت معظّما له مع الهدي ينحره وينصرف! فقالوا: لا تكلم بهذا يا أبا يعفور! لو غيرك تكلم بهذا! ولكن نرده في عامنا هذا ويرجع إلى قابل. بعثة مكرز بن حفص إلى رسول اللَّه ﷺ ثم جاء مكرز بن حفص بن الأخيف بن علقمة بن عبد الحارث بن الحارث ابن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤيّ بن غالب بن فهر- فلما طلع قال رسول اللَّه ﷺ : إن هذا رجل غادر (وفي رواية: هذا رجل فاجر) وجاء،

стр. 327

فكلمه بنحو مما كلم به أصحابه، وعاد بذلك إلى قريش. بعثة الحليس سيد الأحابيش فبعثوا الحليس بن علقمة بن عمرو بن الأوقح بن عامر بن عوف بن الحارث ابن عبد مناة بن كنانة الحارثي الكناني سيد الأحابيش ورأسهم، فقال ﷺ : هذا من قوم يعظّمون الهدي، (وفي رواية يتألهون) [ (١) ] ، ابعثوا الهدي في وجهه، فبعثوه، فلما رأى الهدي يسيل في الوادي-: عليه القلائد، قد أكل أوباره (من طول الحبس عن محله [ (٢) ] ) ، يرجّع الحنين، واستقبله القوم في وجهه يلبون، وقد أقاموا نصف شهر فتفلوا وشعثوا [ (٣) ]- رجع، ولم يصل إلى النبي ﷺ إعظاما لما رأى. وقال لقريش: إني قد رأيت ما لا يحل صده! رأيت الهدي في قلائده قد أكل أوباره معكوفا [ (٤) ] عن محله، والرجال قد تفلوا وقملوا أن يطوفوا بهذا البيت! أما واللَّه ما على هذا حالفناكم ولا عاقدناكم: على أن تصدوا عن بيت اللَّه من جاء له معظما لحرمته مؤديا لحقه، والهدي معكوفا أن يبلغ محله! والّذي نفسي بيده، لتخلن بينه وبين ما جاء به، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد! قالوا: كل ما رأيت مكيدة من محمد وأصحابه، فاكفف عنا حتى نأخذ لأنفسنا بعض ما نرضى به. وفي رواية الزبير بن (بكار) [ (٥) ] أنه لما رجع قال: يا قوم! الهدي! البدن! القلائد! الدماء! فقالت قريش: ما نعجب منك، ولكن نعجب منا إذ أرسلناك، إنما أنت أعرابي جلف. بعثة رسول اللَّه ﷺ خراش بن أمية إلى قريش وبعث رسول اللَّه ﷺ إلى قريش خراش بن أمية بن الفضل الكعبي الخزاعي- على جمل لرسول اللَّه ﷺ يقال له الثعلب- ليبلغ أشرافهم أنه إنما جاء معتمرا. فعقر الجمل عكرمة بن أبي جهل، وأرادوا قتله، فمنعه من هناك من قومه، فرجع. فأراد النبي ﷺ أن يبعث عمر بن الخطاب ﵁ فخاف على نفسه وأشار بعثمان ﵁.

стр. 328

بعثة عثمان بن عفان فبعثه ليخبرهم: إنا لم نأت [ (١) ] لقتال أحد، وإنما جئنا زوارا لهذا البيت معظمين لحرمته، ومعنا الهدي ننحره وننصرف. فأبوا على عثمان أن يدخل عليهم رسول اللَّه ﷺ ورحب به أبان بن سعيد بن العاص وأجاره، وحمله من بلدح [ (٢) ] إلى مكة وهو يقول: أقبل وأدبر ولا تخف أحدا، بنو سعيد أعزّة الحرم! فبلغ عثمان من بمكة ما جاء فيه، فقالوا جميعا: لا يدخل محمد علينا أبدا. حراسة المسلمين وأسر بعض المشركين وكان يتناوب حراسة المسلمين بالحديبية ثلاثة: أوس بن خولي، وعباد بن بشر، ومحمد بن مسلمة. فبعثت قريش مكرز بن حفص على خمسين رجلا ليصيبوا من المسلمين غرة، فظفر بهم محمد بن مسلمة، وجاء بهم رسول اللَّه ﷺ فبلغ النبي ﷺ بعد إقامة عثمان بمكة ثلاثا- أنه قتل، وقتل معه عشرة رجال مسلمون قد دخلوا مكة بإذن رسول اللَّه ليروا أهليهم. وبلغ قريشا حبس أصحابهم، فجاء جمع منهم ورموا بالنبل والحجارة، فرماهم المسلمون، وأسروا منهم اثني عشر فارسا. وقتل من المسلمين زنيم، وقد اطلع الثنية من الحديبيّة، فرماه المشركون فقتلوه. بدء الصلح فبعثت قريش سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نضر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤيّ بن غالب بن فهر [ (٣) ] ، وحويطب بن عبد العزّى، ومكرز بن حفص (ليصالحوه) [ (٤) ] . تحرك المسلمين إلى منازل بني مازن بعد خبر مقتل عثمان، والبيعة وأمّ رسول اللَّه ﷺ منازل بني مازن بن النجار، وقد نزلت في ناحية من

стр. 329

الحديبيّة جميعا، فجلس في رحالهم. وقد بلغه قتل عثمان ﵁، ثم قال: إن اللَّه أمرني بالبيعة. فأقبل الناس يبايعونه حتى تداكوا، فما بقي لهم متاع إلا وطئوه، ثم لبسوا السلاح، وهو معهم قليل. وقامت أم عمارة إلى عمود كانت تستظل به فأخذته بيدها وشدّت سكينا في وسطها. وكان رسول اللَّه ﷺ يبايع الناس، وعمر بن الخطاب ﵁ آخذ بيده، فبايعهم على ألا يفروا، وقيل بايعهم على الموت. ويقال: أول من بايع سنان بن أبي سنان وهب بن محصن فقال: يا رسول اللَّه، أبايعك على ما في نفسك. فكان رسول اللَّه ﷺ يبايع الناس على بيعة سنان، فبايعوه (إلا) [ (١) ] الجد بن قيس اختبأ تحت بطن بعير. بعثة سهيل بن عمرو إلى رسول اللَّه ﷺ في الصلح والأسرى فلما جاء سهيل بن عمرو، قال رسول اللَّه ﷺ : سهّل أمرهم! فقال سهيل: يا محمد! إن هذا الّذي كان من حبس أصحابك، وما كان من قتال من قاتلك- لم يكن من رأي ذوي رأينا، بل كنا له كارهين حين بلغنا ولم نعلم به- وكان من سفهائنا. فابعث إلينا بأصحابنا الذين أسرت أول مرة والذين أسرت آخر مرة. قال: إني غير مرسلهم حتى ترسلوا [ (٢) ] أصحابي. قال: أنصفتنا. فبعث سهيل ومن معه إلى قريش بالشّتيم بن عبد مناف التيمي فبعثوا بمن كان عندهم، وهم: عثمان وعشرة من المهاجرين، وأرسل رسول اللَّه ﷺ أصحابهم الذين أسروا. البيعة تحت الشجرة وخوف المشركين وكان ﷺ يبايع الناس تحت شجرة خضراء، وقد نادى عمر ﵁: إن روح القدس نزل على الرسول وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم اللَّه فبايعوا. فلما رأى سهيل بن عمرو ومن معه، ورأت عيون قريش سرعة الناس إلى البيعة وتشميرهم إلى الحرب، اشتد رعبهم وخوفهم، وأسرعوا إلى القضية [ (٣) ] . ولما جاء عثمان ﵁ بايع تحت الشجرة. وقد كان قبل ذلك- حين بايع الناس- قال رسول اللَّه ﷺ : إن عثمان ذهب في حاجة اللَّه وحاجة رسوله، فأنا أبايع له، فضرب بيمينه شماله.

стр. 330

بعثة قريش إلى عبد اللَّه بن أبيّ وبعثت قريش إلى عبد اللَّه بن أبي بن سلول: إن أحببت أن تدخل فتطوف بالبيت فافعل، فقال له ابنه: يا أبت! أذكرك اللَّه أن تفضحنا في كل موطن! تطوف ولم يطف رسول اللَّه ﷺ ! فأبى حينئذ وقال: لا أطوف حتى يطوف رسول اللَّه. فبلغ رسول اللَّه ﷺ كلامه، فسرّ به. رجوع سهيل إلى قريش وعودتهم إلى رسول اللَّه ﷺ ورجع سهيل وحويطب ومكرز فأخبروا قريشا بما رأوا من سرعة المسلمين إلى التنعيم [ (١) ] فأشار أهل الرأي بالصلح على أن يرجع رسول اللَّه ﷺ ، ويعود من قابل فيقيم ثلاثا، فلما أجمعوا على ذلك أعادوا سهيلا وصاحبيه ليقروا هذا. فلما رآه النبي ﷺ قال: أراد القوم الصلح. وكلم رسول اللَّه، فأطالا الكلام وتراجعا، وارتفعت الأصوات، وكان ﷺ يومئذ جالسا متربعا، وعباد بن بشر، وسلمة ابن أسلم بن حريش مقنّعان بالحديد قائمان على رأسه. فلما رفع سهيل صوته قالا: اخفض صوتك عند رسول اللَّه! وسهيل بارك على ركبتيه [ (٢) ] ، رافع صوته، والمسلمون عند رسول اللَّه ﷺ جلوس. خبر الصلح وغضب عمر بن الخطاب فلما اصطلحوا ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر ﵁ فقال: يا رسول اللَّه! ألسنا بالمسلمين؟ قال رسول اللَّه ﷺ : بلى! فقال: فعلام [ (٣) ] نعطي الدنية في ديننا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : أنا عبد اللَّه ورسوله ولن أخالف أمره، ولن يضيعني. فذهب عمر إلى أبي بكر ﵄ فقال: يا أبا بكر! ألسنا بالمسلمين؟ قال: بلى! قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ فقال: الزم غرزه [ (٤) ] ! فإنّي أشهد أنه رسول اللَّه، وأن الحق ما أمر به، ولن يخالف أمر اللَّه، ولن يضيعه اللَّه. ولقي عمر ﵁ من القضية أمرا كبيرا، وجعل يردّد على رسول

стр. 331

اللَّه ﷺ الكلام، وهو يقول: أنا رسوله ولن يضيعني! ويردد ذلك أبو عبيدة ابن الجراح ﵁: ألا تسمع يا ابن الخطاب رسول اللَّه يقول ما يقول! تعوذ باللَّه من الشيطان واتهم رأيك!. فجعل يتعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم حينا. كراهية المسلمين الصلح وكان المسلمون يكرهون الصلح، لأنهم خرجوا ولا يشكون في الفتح لرؤيا رسول اللَّه ﷺ أنه حلق رأسه، وأنه دخل البيت فأخذ مفتاح الكعبة وعرّف مع المعرفين، فلما رأوا الصلح داخلهم من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون. فجعل اللَّه عاقبة القضية خيرا- فأسلم في الهدنة أكثر ممن كان أسلم- من يوم دعا رسول اللَّه إلى يوم الحديبيّة-، وما كان في الإسلام فتح أعظم من الحديبيّة، فإن الحرب كانت قد حجزت بين الناس. فلما كانت الهدنة وضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس بعضهم بعضا، ودخل في تلك الهدنة صناديد قريش الذين كانوا يقومون بالشرك، وما يحدث عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وأشباههما، وفشا الإسلام في جميع نواحي العرب. وكانت الهدنة إلى أن نقضوا العهد اثنين وعشرين شهرا. خبر أبي جندل بن سهيل بن عمرو وبينما الناس قد اصطلحوا والكتاب لم يكتب، أقبل أبو جندل بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ بن غالب القرشي العامري- وقد أفلت يرسف في القيد متوشح السيف خلال أسفل مكة، فخرج من أسفلها حتى أتى رسول اللَّه ﷺ وهو يكاتب أباه سهيلا، وكان سهيل قد أوثقه في الحديد وسجنه، فخرج من سجن سهيل، واجتنب الطريق وركب الجبال حتى هبط بالحديبية. ففرح المسلمون به وتلقوه حين هبط من الجبل فسلموا عليه وآووه، فرفع سهيل رأسه فإذا بابنه أبي جندل، فقام إليه فضرب وجهه بغصن شوك وأخذ بتلبينه [ (١) ] . فصاح أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين! أأرد إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ فزاد المسلمين ذلك شرا إلى ما بهم، وجعلوا يبكون لكلام أبي جندل. فقال حويطب بن عبد العزى لمكرز بن حفص: ما رأيت قوما قط أشد حبا لمن دخل معهم من أصحاب محمد لمحمد وبعضهم لبعض! أما إني

стр. 332

أقول لك: لا نأخذ من محمد نصفا [ (١) ] أبدا بعد هذا اليوم حتى يدخلها عنوة [ (٢) ] ! فقال مكرز: وأنا أرى ذلك. رد أبي جندل إلى أسر المشركين وقال سهيل بن عمرو: هذا أول ما قاضيتك عليه، ردّه! فقال رسول اللَّه ﷺ : إنا لم نقض الكتاب بعد! فقال سهيل: واللَّه لا أكاتبك على شيء حتى ترده إليّ. فرده عليه، وكلمه أن يتركه، فأبى سهيل وضرب وجهه بغصن من شوك، فقال رسول اللَّه ﷺ : هبه لي أو أجره من العذاب! فقال: واللَّه لا أفعل. فقال مكرز وحويطب: يا محمد، نحن نجيره لك. فأدخلاه فسطاطا فأجاراه، فكف عنه أبوه. ثم رفع رسول اللَّه ﷺ صوته فقال: يا أبا جندل: اصبر واحتسب، فإن اللَّه جاعل لك ولمن معك فرجا ومخرجا. إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، وأعطيناهم على ذلك عهدا، وإنا لا نغدر. عودة عمر إلى مقالته وعاد عمر بن الخطاب ﵁ إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! ألست برسول اللَّه؟ قال: بلى! قال: ألسنا على الحق؟ قال: بلى! قال: أليس عدونا على الباطل؟ قال: بلى! قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ فقال: إني رسول اللَّه، ولن أعصيه ولن يضيعني. فانطلق إلى أبي بكر ﵁ فقال له مثل ذلك، فأجابه بنحو ما أجاب به رسول اللَّه، ثم قال: ودع عنك ما ترى يا عمر. فوثب إلى أبي جندل يمشي إلى جنبه، وسهيل يدفعه، وعمر يقول: اصبر يا أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب! وإنما هو رجل، ومعه [ (٣) ] السيف يحرضه على قتل أبيه. وجعل يقول: يا أبا جندل! إن الرجل يقتل أباه في اللَّه! واللَّه لو أدركنا آباءنا لقتلناهم في اللَّه، فرجل برجل. فقال له أبو جندل: مالك لا تقتله أنت؟ قال عمر: نهاني رسول اللَّه عن قتله وقتل غيره. قال أبو جندل: ما أنت أحق بطاعة رسول اللَّه مني.

стр. 333

مقالة المسلمين لرسول اللَّه ﷺ في الصلح وقال عمر ورجال معه: يا رسول اللَّه! ألم تكن حدثتنا أنك تدخل المسجد الحرام، وتأخذ مفتاح الكعبة، وتعرّف مع المعرّفين؟ وهدينا لم يصل إلى البيت ولا نحن! فقال: قلت لكم في سفركم هذا؟ قال عمر: لا. فقال ﷺ : أما إنكم ستدخلونه، وآخذ مفتاح الكعبة، وأحلّق رأسي ورءوسكم ببطن مكة، وأعرّف مع المعرفين، ثم أقبل على عمر ﵁ وقال: أنسيتم يوم أحد، إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، وأنا أدعوكم في أخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب، إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر؟ أنسيتم يوم كذا؟ أنسيتم يوم كذا؟ والمسلمون يقولون: صدق اللَّه ورسوله، يا نبي اللَّه! ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم باللَّه وبأمره منا. فلما دخل ﷺ عام القضية [ (١) ] وحلق رأسه قال: هذا الّذي وعدتكم. فلما كان يوم الفتح، أخذ المفتاح وقال: ادعوا إليّ عمر بن الخطاب! فقال: هذا الّذي قلت لكم. فلما كان في حجة الوداع وقف بعرفة فقال: أي عمر! هذا الّذي قلت لكم. قال: أي رسول اللَّه! ما كان فتح في الإسلام أعظم من صلح الحديبيّة. فتح الحديبيّة وخبر أبي بكر وكان أبو بكر الصديق ﵁ يقول: ما كان فتح أعظم في الإسلام من فتح الحديبيّة، ولكن الناس يومئذ قصر رأيهم عما كان بين محمد وربه، والعباد يعجلون، واللَّه لا يعجل كعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد. لقد نظرت إلى سهيل بن عمرو في حجة الوداع قائما عند النحر يقرّب إلى رسول اللَّه بدنة، ورسول اللَّه ﷺ ينحرها بيده! ودعا الحلاق فحلق رأسه، فأنظر إلى سهيل يلقط من شعره، وأراه يضعه على عينيه! وأذكر إباءه أن يقرّ يوم الحديبيّة بأن يكتب بسم اللَّه الرحمن الرحيم! وإباءه أن يكتب أن محمدا رسول اللَّه! فحمدت اللَّه الّذي هداه للإسلام. فصلوات اللَّه وبركاته على نبيّ الرحمة الّذي هدانا به، وأنقذنا به من الهلكة.

стр. 334

كتاب الصلح فلما حضرت الدواة والصحيفة- بعد طول الكلام والمراجعة- دعا رسول اللَّه ﷺ أوس بن خولي يكتب، فقال سهيل: لا يكتب إلا ابن عمك علي، أو عثمان بن عفان، فأمر عليا فكتب، فقال: اكتب بسم اللَّه الرحمن الرحيم. فقال سهيل: لا أعرف الرحمن، اكتب ما نكتب، باسمك اللَّهمّ. فضاق المسلمون من ذلك، وقالوا: هو الرحمن، واللَّه ما نكتب إلا الرحمن. قال سهيل: إذا لا أقاضيه على شيء. فقال رسول اللَّه ﷺ : اكتب، باسمك اللَّهمّ. هذا ما اصطلح عليه محمد رسول اللَّه. فقال سهيل: لو أعلم أنك رسول اللَّه ما خالفتك واتبعتك، أفترغب عن اسمك واسم أبيك، محمد بن عبد اللَّه؟ فضجّ المسلمون منها ضجّة هي أشد من الأولى حتى ارتفعت الأصوات، وقام رجال يقولون: لا نكتب إلا محمد رسول اللَّه! وأخذ أسيد بن حضير وسعد بن عبادة ﵄ بيد الكاتب فأمسكاها وقالا: لا تكتب إلا محمد رسول اللَّه، وإلا فالسيف بيننا، علام نعطي هذه الدّنية في ديننا؟ فجعل رسول اللَّه ﷺ يخفّضهم ويومئ إليهم بيده: اسكتوا. وجعل حويطب يتعجب مما يصنعون، ويقول لمكرز: ما رأيت قوما أحوط لدينهم من هؤلاء! فقال رسول اللَّه ﷺ : أنا محمد بن عبد اللَّه، فاكتب. فكتب. نص كتاب الصلح «باسمك اللَّهمّ، هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد اللَّه وسهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه لا إسلال ولا إغلال [ (١) ] ، وأنّ بيننا عيبة مكفوفة. وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل، وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل، وأنه من أتى محمدا منهم بغير إذن وليه رده محمد إليه. وأنه من أتى قريشا من أصحاب محمد لم يردوه، وأن محمدا يرجع عنا عامه هذا بأصحابه، ويدخل علينا من قابل في أصحابه فيقيم بها ثلاثا، لا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر: السيوف في القرب» .

стр. 335

شهود الكتاب شهد أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة بن الجراح، ومحمد بن مسلمة، وحويطب بن عبد العزّى، ومكرز بن حفص بن عبد الأخيف، وكتب عليّ صدر الكتاب. نسخة كتاب الصلح ودخول خزاعة في عهد رسول اللَّه ﷺ وبني بكر في عهد قريش فقال سهيل: يكون عندي: وقال رسول اللَّه ﷺ : بل عندي! ثم كتب له نسخة، وأخذ رسول اللَّه ﷺ الكتاب الأول، وأخذ سهيل نسخته. ووثب من هناك من خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده، ونحن على من وراءنا من قومنا. ووثبت بنو بكر فقالوا: ندخل مع قريش في عهدها وعقدها، ونحن على من وراءنا من قومنا. فقال حويطب لسهيل: بادأنا أخوالك بالعداوة، وقد كانوا يستترون منا، قد دخلوا في عقد محمد وعهده! وقال سهيل: ما هم إلا كغيرهم، هؤلاء أقاربنا ولحمتنا [ (١) ] قد دخلوا مع محمد، قوم اختاروا لأنفسهم أمرا فما نصنع بهم؟ قال حويطب: نصنع بهم أن ننصر عليهم حلفاءنا بني بكر! قال سهيل: إياك أن تسمع هذا منك بكر، فإنّهم أهل شؤم، فتقعوا بخزاعة، فيغضب محمد لحلفائه، فينتقض العهد بيننا وبينه. مدة الهدنة وقال عبد اللَّه بن نافع، عن عاصم بن عمر، عن عبد اللَّه بن دينار [ (٢) ] ، عن ابن عمر قال: كانت الهدنة بين النبي ﷺ وبين أهل مكة بالحديبية أربع سنين، خرّجه الحاكم وصححه، وفي كتاب عمر [ (٣) ] بن شيبة في أخبار مكة: كانت

стр. 336

سنتين. خبر أمر رسول اللَّه ﷺ المسلمين بالنحر والحلق والإحلال فلما فرغ رسول اللَّه ﷺ من الكتاب، وانطلق سهيل وأصحابه، قال: قوموا فانحروا واحلقوا وحلوا. فلم يجبه أحد إلى ذلك. فرددها ثلاث مرات، فلم يفعلوا. فدخل على أم سلمة ﵂ وهو شديد الغضب، فاضطجع، فقالت: مالك يا رسول اللَّه؟ مرارا، وهو لا يجيبها، ثم قال: عجبا يا أم سلمة، إني قلت للناس انحروا واحلقوا وحلوا مرارا، فلم يجبني أحد من الناس إلى ذلك، وهم يسمعون كلامي، وينظرون في وجهي. فقالت: يا رسول اللَّه، انطلق أنت إلى هديك فانحره، فإنّهم سيقتدون بك، فاضطبع [ (١) ] بثوبه وخرج، فأخذ الحربة ويمم هديه، وأهوى بالحربة إلى البدنة رافعا صوته: بسم اللَّه واللَّه أكبر. ونحر. نحر الهدي فتواثب المسلمون إلى الهدي وازدحموا عليه ينحرونه، حتى كاد بعضهم يقع على بعض، وأشرك ﷺ بين أصحابه في الهدي، فنحر البدنة عن سبعة، وكان الهدي سبعين بدنة، وقيل: مائة. وكان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية، عرض له المشركون فردّوا وجوه البدن، فنحر رسول اللَّه بدنه حيث حبسوه، [وهي الحديبيّة] . وشرد جمل أبي جهل من الهدي وهو يرعى- وقد قلد وأشعر، وكان نجيبا مهريا- فمرّ من الحديبيّة حتى انتهى إلى دار أبي جهل بمكة. وخرج في إثره عمرو بن غنمة [ (٢) ] بن عدي بن نابي السلميّ الأنصاري، فأبى سفهاء مكة أن يعطوه حتى أمرهم سهيل بن عمرو بدفعه إليه، فدفعوا فيه مائة ناقة، فقال رسول اللَّه ﷺ : لولا أننا سميناه في الهدي فعلنا. ونحره عن سبعة. ونحر طلحة بن عبيد اللَّه وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان بدنات ساقوها. وكان رسول اللَّه ﷺ مضطربا [ (٣) ] في الحل، وإنما يصلى في الحرم. وحضره من يسأل من لحوم البدن معترا [ (٤) ] ، فأعطاهم من لحومها وجلودها. وأكل المسلمون من هديهم وأطعموا المساكين، وبعث ﷺ من الهدي بعشرين بدنة لتنحر عند المروة

стр. 337

مع رجل من أسلم، فنحرها عند المروة وفرّق لحمها. دعاء رسول اللَّه ﷺ للمحلقين والمقصرين فلما فرغ رسول اللَّه ﷺ من نحر البدن، دخل قبة له من أدم حمراء، فيها الحلاق فحلّق رأسه، ثم أخرج رأسه من قبته وهو يقول: رحم اللَّه المحلقين! قيل: يا رسول اللَّه والمقصرين! قال: رحم اللَّه المحلقين! ثلاثا، ثم قال: والمقصرين. ورمى بشعره على شجرة كانت بجنبه من سمرة خضراء، فجعل الناس يأخذون الشعر من فوق الشجرة فيتحاصون فيه [ (١) ] . وأخذت أم عمارة طاقات من شعر، فكانت تغسلها للمريض وتسقيه حتى يبرأ، وحلّق ناس وقصّر آخرون. وكان الّذي حلقه ﷺ [ (٢) ] خراش بن أمية بن الفضل الكعبي، فلما حلقوا بالحديبية ونحروا، بعث اللَّه تعالى ريحا عاصفة فاحتملت أشعارهم فألقتها في الحرم. خبر أم كلثوم بنت عقبة وخرجت يومئذ أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي عاتق [لم تتزوج] فقبل رسول اللَّه ﷺ هجرتها ولم يردّها إلى المشركين [ (٣) ] ، وقدمت المدينة، فتزوجها زيد بن حارثة. إقامة المسلمين بالحديبية، وما أصابهم من الجوع وأقام ﷺ بالحديبية بضعة عشر يوما، ويقال: عشرين يوما، ثم انصرف. فلما نزل عسفان أرمل [ (٤) ] المسلمون من الزاد، وشكوا أنهم قد بلغوا [ (٥) ] من الجوع، وسألوا أن ينحروا من إبلهم، فأذن لهم ﷺ في ذلك، فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول اللَّه! لا تفعل، فإن يك في الناس بقية ظهر يكن أمثل، ولكن ادعهم بأزوادهم، ثم ادع لهم فيها اللَّه. فأمر ﷺ بالأنطاع فبسطت، ثم

стр. 338

نادى مناديه: من كان عنده بقية زاد فلينثره على الأنطاع. فكان منهم من يأتي بالتمرة الواحدة وأكثرهم لا يأتي بشيء، ويؤتى بالكف من الدقيق والكف من السّويق، وذلك كله قليل. فلما اجتمعت أزوادهم وانقطعت موادهم مشى ﷺ إليها فدعا فيها بالبركة، ثم قال: قربوا بأوعيتكم. فجاءوا بأوعيتهم، فكان الرجل يأخذ ما شاء من الزاد حتى إنّ أحدهم ليأخذ ما لا يجد له محملا. المطر ثم أذّن رسول اللَّه ﷺ بالرحيل، فلما ارتحلوا مطروا ما شاءوا وهم صائفون، فنزل ونزلوا معه فشربوا من ماء السماء، وقام ﷺ فخطبهم. فجاء ثلاثة نفر، فجلس اثنان وذهب واحد معرضا، فقال رسول اللَّه ﷺ : ألا أخبركم خبر الثلاثة؟ قالوا: بلى، يا رسول اللَّه! قال: أما واحد فاستحيا فاستحيا اللَّه منه، وأما الآخر فتاب فتاب اللَّه عليه، وأما الثالث فأعرض فأعرض اللَّه عنه. سؤال عمر وسكوت رسول اللَّه ﷺ عن جوابه، ونزول سورة الفتح وبينا عمر بن الخطاب ﵁ يسير مع رسول اللَّه ﷺ ، فسأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال: ثكلتك أمك يا عمر! بدرت [ (١) ] رسول اللَّه ثلاثا، كل ذلك لا يجيبك! وحرك بعيره حتى تقدم الناس، وخشي أن يكون نزل فيه قرآن، فأخذه ما قرب وما بعد: لمراجعته بالحديبية وكراهته القضية. وبينا هو يسير مهموما متقدما على الناس، إذ منادي رسول اللَّه ﷺ ينادي: يا عمر بن الخطاب! فوقع في نفسه ما اللَّه به أعلم، ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول اللَّه ﷺ فسلم، فردّ ﵇ وهو مسرور ثم قال: أنزلت عليّ سورة هي أحب مما طلعت عليه الشمس. فإذا هو يقرأ: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [ (٢) ] ، فأنزل اللَّه في ذلك سورة الفتح، فركض الناس وهم يقولون: أنزل على رسول اللَّه! حتى توافوا عنده وهو يقرؤها. ويقال: لما نزل جبريل عليه

стр. 339

السلام قال: نهنئك [ (١) ] يا رسول اللَّه! فلما هنأه جبريل هنأه المسلمون. وكان نزول سورة الفتح بكراع الغميم، ويقال [ (٢) ] : نزلت بضجنان. وعن قتادة عن أنس ﵃: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، قال: خيبر. وقال غيره: الحديبيّة، منحره وحلقه. وقيل: نزلت سورة الفتح منصرفه من خيبر. خبر فرار أبي بصير من أسر المشركين ولما قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة من الحديبيّة، في ذي الحجة جاء أبو بصير عتبة بن أسيد [وقيل: عبيد بن أسيد] بن جارية بن أسيد بن عبد اللَّه بن [أبي] [ (٣) ] سلمة بن عبد اللَّه بن غيرة بن عوف بن قسي [وهو ثقيف] حليف بني زهرة- مسلما، قد انفلت من قومه، وسار على قدميه سبعا [ (٤) ] . كتاب قريش في أمر أبي بصير وكتب الأخنس بن شريق، وأزهر بن عوف الزهري إلى رسول اللَّه ﷺ كتابا مع خنيس بن جابر من بني عامر، واستأجراه ببكرين لبون، وحملاه على بعير، وخرج معه مولى يقال له: كوثر، وفي كتابهما ذكر الصلح، وأن يرد عليهم أبا بصير. فقدما بعد أبي بصير بثلاثة أيام، فقرأ أبيّ بن كعب الكتاب على رسول اللَّه ﷺ ، فإذا فيه: «قد عرفت ما شارطناك عليه- وأشهدنا بيننا وبينك- من ردّ من قدم عليك من أصحابنا، فابعث إلينا بصاحبنا» . رد أبي بصير إلى المشركين فأمر رسول اللَّه ﷺ أبا بصير أن يرجع معهم ودفعه إليهما، فقال: يا رسول اللَّه! تردني إلى المشركين يفتنوني في ديني! فقال: يا أبا بصير، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر. وإن اللَّه جعل لك ولمن معك من المسلمين فرجا ومخرجا. فقال: يا رسول اللَّه! تردني إلى المشركين، قال: انطلق يا أبا بصير، فإن اللَّه سيجعل لك مخرجا. ودفعه إلى العامري وصاحبه. فخرج

стр. 340

معهما، وجعل المسلمون يسرّون إلى أبي بصير، يا أبا بصير، أبشر! فإن اللَّه جاعل لك مخرجا، والرجل يكون خيرا من ألف رجل، فافعل وافعل: يأمرونه بالذين معه فانتهيا به عند صلاة الظهر إلى ذي الحليفة. فصلى أبو بصير في مسجدها ركعتين صلاة المسافر. ومعه زاد له من تمر يحمله، ثم أكل منه ودعا العامريّ وصاحبه ليأكلا معه، فقدما سفرة فيها كسر وأكلوا جميعا. قتله العامري وقد علق العامري سيفه في الجدار، وتحادثوا، فقال أبو بصير: يا أخا بني عامر! ما اسمك؟ قال: خنيس. قال: ابن من؟ قال: ابن جابر. قال: يا أبا جابر، أصارم سيفك هذا؟ قال: نعم! قال: ناولينه انظر إليه إن شئت. فناوله، فأخذ أبو بصير بقائم السيف- والعامري ممسك بالجفن- فعلاه به حتى برد. وخرج كوثر هاربا يعدو نحو المدينة، وأبو بصير في أثره فأعجزه، حتى سبقه إلى رسول اللَّه ﷺ ، ورسول اللَّه جالس في أصحابه بعد العصر، إذ طلع كوثر يعدو، فقال: هذا رجل قد رأى ذعرا! وأقبل حتى وقف فقال رسول اللَّه ﷺ : ويحك! مالك؟ قال: قتل صاحبكم صاحبي، وأفلتّ منه ولم أكد!. مرجع أبي بصير إلى المدينة وأقبل أبو بصير فأناخ بعير العامري بباب المسجد، ودخل متوشحا سيفه، فقال: يا رسول اللَّه! وفت ذمتك، وأدى اللَّه عنك، وقد أسلمتني بيد العدو، وقد امتنعت بديني من أن أفتن، ويعبث بي أو أكذب بالحق. فقال ﵇: ويل أمه محشّ حرب [ (١) ] لو كان معه رجال! وقدم سلب العامري ورحله وسيفه ليخمسه رسول اللَّه ﷺ فقال: إني إذا خمسته رأوا [ (٢) ] أني لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك. ثم قال: لكوثر: ترجع به إلى أصحابك؟ فقال: يا محمد! ما لي به قوة ولا يدان! فقال ﷺ لأبي بصير: اذهب حيث شئت.

стр. 341

خروج أبي بصير إلى العيص فخرج حتى أتى العيص، فنزل منه ناحية على ساحل البحر على طريق عير قريش إلى الشأم، وعند ما خرج لم يكن معه إلا كف تمر فأكله ثلاثة أيام، وأصاب حيتانا قد ألقاها البحر بالساحل فأكلها، وبلغ المسلمين الذين قد حبسوا بمكة خبره. فتسللوا إليه. وكان عمر بن الخطاب ﵁ هو الّذي كتب إليهم بقول رسول اللَّه ﷺ لأبي بصير: ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال، وأخبرهم أنه بالساحل. فاجتمع عند أبي بصير قريب من سبعين مسلما، فكانوا بالعيص. وضيقوا على قريش، فلا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر عليهم عير إلا اقتطعوها، ومر بهم ركب يريدون الشأم، معهم ثمانون بعيرا، فأخذوا ذلك، وأصاب كل رجل منهم قيمة ثلاثين دينارا، وكانوا قد أمروا عليهم أبا بصير، فكان يصلى بهم ويقرئهم ويجمعهم، وهم له سامعون مطيعون، فغاظ قريشا صنيع أبي بصير وشق عليهم، وكتبوا إلى رسول اللَّه ﷺ يسألونه بأرحامهم إلا أدخل أبا بصير إليه ومن معه: فلا حاجة لنا بهم. فكتب ﷺ إلى أبي بصير أن يقدم بأصحابه معه، فجاءه الكتاب وهو يموت، فجعل يقرأه، ومات وهو في يده فدفنوه. وأقبل أصحابه إلى المدينة وهم سبعون فيهم الوليد بن الوليد بن المغيرة، فمات بعقب قدومه فبكته أم سلمة ﵂. هجرة أم كلثوم بنت عقبة إلى المدينة وكانت أم كلثوم بنت عقبة [ (١) ] بن أبي معيط قد أسلمت بمكة، فكانت تخرج إلى بادية أهلها [لها بها أهل] ، فتقيم أياما بناحية التنعيم ثم ترجع. حتى أجمعت على المسير مهاجرة، فخرجت كأنها تريد البادية على عادتها، فوجدت رجلا من خزاعة فأعلمته بإسلامها، فأركبها بعيره حتى أقدمها المدينة بعد ثماني ليال، فدخلت على أم سلمة ﵂، وأعلمتها أنها جاءت مهاجرة، وتخوفت أن يردها رسول اللَّه ﷺ . فلما دخل رسول اللَّه ﷺ على أم سلمة أعلمته، فرحب بأم كلثوم وسهّل، فذكرت له هجرتها، وأنها تخاف أن يردها.

стр. 342

ما نزل فيها من القرآن فأنزل اللَّه فيها آية الممتحنة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ، فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ، لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ، وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا، وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا، ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ (١) ] . طلب قريش رد أم كلثوم فكان رسول اللَّه ﷺ يرد من جاءه من الرجال، ولا يرد من جاءه من النساء، وقدم أخواها من غد قدومها- الوليد وعمارة ابنا عقبة بن أبي معيط- فقالا: يا محمد! ف [ (٢) ] لنا بشرطنا وما عاهدتنا عليه. فقال: قد نقض ذلك. فانصرفا إلى مكة فأخبرا قريشا، فلم يبعثوا أحدا، ورضوا بأن تحبس النساء. فرار أميمة بنت بشر وهجرتها إلى المدينة ويقال: إن أميمة بنت بشر الأنصارية، ثم من بني عمرو بن عوف، كانت تحت حسان بن الدحداح [ (٣) ] [أو ابن الدحداحة] وهو يومئذ مشرك، ففرت من زوجها بمكة وأتت [ (٤) ] رسول اللَّه ﷺ تريد الإسلام، فهم أن يردها إلى زوجها، حتى أنزل اللَّه تعالى: فَامْتَحِنُوهُنَّ [ (٥) ] . ثم زوجها رسول اللَّه سهل بن حنيف، فولدت له عبد اللَّه بن سهل. طلاق الكوافر وأنزل اللَّه تعالى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [ (٥) ] فطلق عمر بن الخطاب امرأتين هما: قريبة بنت أبي أمية، [بن المغيرة] [ (٦) ] ، فتزوجها معاوية بن أبي

стр. 343

سفيان، والأخرى أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيّب بن ربيعة بن أصرم ابن حبيش بن حرام بن حبيشة بن سلول بن كعب الخزاعية، فتزوجها أبو جهم ابن حذيفة. وطلق عياض بن غنم الفهري أم الحكم بنت أبي سفيان بن حرب. فتزوجها عبد اللَّه بن عثمان الثقفي فولدت له عبد الرحمن ابن أم الحكم، وكلهم يومئذ مشرك. ولم يعلم أن امرأة من المسلمين لحقت بالمشركين. بعثة الرسل إلى الملوك وفي هذه السنة السادسة، بعث رسول اللَّه ﷺ رسله إلى الملوك بكتبه، فأرسل حاطب بن أبي بلتعة [عمرو، وقيل: راشد] بن معاذ اللخمي إلى المقوقس بمصر. * أرسل شجاع بن وهب [ويقال: ابن أبي وهب] بن ربيعة بن أسد ابن صهيب بن مالك بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسديّ إلى الحارث ابن أبي شمر الغسّانّي. * وأرسل دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج [ (١) ] [وهو زيد مناة] بن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف بن غدرة ابن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب الكلبي، إلى قيصر ملك الروم. * وأرسل سليط بن عمر بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل ابن عامر بن لؤيّ القرشي العامري، إلى هوذة بن علي الحنفي، وإلى ثمامة بن أنال [وهما] [ (٢) ] رئيسا اليمامة. * وبعث عبد اللَّه بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم القرشي السهمي، إلى كسرى ملك فارس. * وأرسل عمرو بن أمية بن خويلد بن عبد اللَّه بن إياس بن عبيد بن ناشرة [ (٣) ] ابن كعب الضمريّ، إلى النجاشي ملك الحبشة. * وأرسل العلاء بن الحضرميّ [اسمه عبد اللَّه] بن عباد [وقيل: عبد اللَّه بن عمار، وقيل: عبد اللَّه بن ضمار، وقيل: عبد اللَّه بن عبيدة بن ضمار] بن مالك

стр. 344

وقيل: العلاء بن عبد اللَّه بن عمار بن أكبر بن ربيعة بن مالك بن أكبر بن عويف ابن مالك بن الخزرج بن أبي بن الصّدف، إلى المنذر بن ساوي ملك البحرين. وقيل: إن إرساله كان سنة ثمان. ردود الملوك * فأما المقوقس، فإنه قبل كتاب رسول اللَّه ﷺ ، وأهدى إليه أربع جواري، منهن مارية [القبطية] . * وأما قيصر [واسمه هرقل] ، فإنه قبل أيضا الكتاب واعترف بالنّبوّة، ثم خاف من قومه فأمسك. * وأما الحارث بن أبي سمر الغسّاني، فإنه لما أتاه الكتاب قال: أنا سائر إليه [يعني محاربا] . فقال رسول اللَّه ﷺ ، وقد بلغه ذلك عنه: باد ملكه. * وأما النجاشي فإنه آمن برسول اللَّه واتبعه، وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب ﵁، وأرسل ابنه في ستين من الحبشة فغرقوا في البحر. وبعث إليه رسول اللَّه ﷺ أن يزوجه بأم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب- وكانت مهاجرة بالحبشة مع زوجها عبيد اللَّه بن جحش فتنصّر هناك- فزوجه إياها، وقام بصداقها: أربعمائة دينار من عنده. * وأما كسرى أبرويز هرمز، فإنه مزق الكتاب، فقال رسول اللَّه ﷺ : مزق اللَّه ملكه، فسلط عليه ابنه شيرويه فقتله. * وأما هوذة بن عليّ، فبعث وفدا بأن يجعل له رسول اللَّه ﷺ الأمر بعده حتى يسلم، وإلا قصده وحاربه، فقال النبي ﷺ : اللَّهمّ اكفنيه! فمات بعد قليل. * وأما المنذر بن ساوي، فإنه أسلم وأسلم أهل البحرين. سحر لبيد بن الأعصم لرسول اللَّه ﷺ وفي محرم سنة سبع سحر لبيد بن الأعصم رسول اللَّه ﷺ على مال جعله له من بقي بالمدينة من اليهود والمنافقين.

стр. 345

غزوة خيبر وكانت غزوة خيبر في صفر سنة سبع، وبينها وبين المدينة ثمانية برد، مشى ثلاثة أيام. وقيل: سميت بخيبر بن قانية بن هلال بن مهلهل بن عبيل بن عوض ابن إرم بن سام بن نوح [ (١) ] : وكان عثمان بن عفان مصرّها. أول الخروج إلى خيبر ويقال: خرج رسول اللَّه ﷺ لهلال ربيع الأول. ونقل عن الإمام مالك أن خيبر كانت في سنة ست. وإليه ذهب أبو محمد بن حزم، والجمهور على أنها كانت في سنة سبع، وأمر أصحابه بالتهيّؤ للغزو، واستنفر من حوله يغزون معه. وجاءه المخلفون عنه في غزوة الحديبيّة ليخرجوا معه رجاء الغنيمة، فقال: لا تخرجوا معي إلا راغبين في الجهاد، وأما الغنيمة فلا. وبعث مناديا فنادى: لا يخرجن معنا إلا راغب في الجهاد. واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاريّ، وقيل: أبا ذر، وقيل: نميلة بن عبد اللَّه الليثي. ما كانت تفعله يهود قبل غزو المسلمين وكان يهود خيبر لا يظنون أن رسول اللَّه ﷺ يغزوهم، لمنعتهم وحصونهم وسلاحهم وعددهم، كانوا يخرجون كل يوم عشرة آلاف مقاتل صفوفا ثم يقولون: محمد يغزونا!! هيهات هيهات [ (٢) ] ! فعمى اللَّه عليهم، فخرج النبي ﷺ حتى نزل بساحتهم ليلا. دعاء رسول اللَّه ﷺ لما أشرف خيبر ولما أشرف على خيبر قال لأصحابه: قفوا، ثم قال قولوا: اللَّهمّ ربّ السموات السبع وما أظلت، وربّ الأرضين السبع وما أقلت، [ورب الشياطين وما أضللن] [ (١) ] ، ورب الرياح وما ذرت، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها [وشر أهلها] [ (٣) ] وشر ما فيها! ثم قال:

стр. 346

ادخلوا على بركة اللَّه. وعرّس بمنزله ساعة. خبر يهود وغزو المسلمين وكانت يهود يقومون كل ليلة قبل الفجر، ويصفون الكتائب، وخرج كنانة ابن أبي الحقيق في أربعة عشر رجلا إلى غطفان، يدعوهم إلى نصرهم ولهم نصف ثم خيبر سنة. فلما نزل رسول اللَّه ﷺ بساحتهم، لم يتحركوا تلك الليلة، ولم يصح لهم ديك، حتى طلعت الشمس، فأصبحوا وأفئدتهم تخفق، وفتحوا حصونهم، [وغدوا إلى أعمالهم] [ (١) ] ، معهم المساحي والكرازين والمكاتل، فلما نظروا المسلمين قالوا: محمد والخميس [ (٢) ] !! وولوا هاربين إلى حصونهم، ورسول اللَّه ﷺ يقول: اللَّه أكبر! خربت خيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. قتال أهل النطاة وقاتل يومه ذلك إلى الليل أهل النّطاة [ (٣) ] ، فلما أمسى تحول بالناس إلى الرجيع [ (٤) ] . وكان يغدو [ (٥) ] بالمسلمين على راياتهم. وكان شعارهم: يا منصور أمت. وأمر بقطع نخلهم، فوقع المسلمون في قطعها حتى قطعوا أربعمائة عذق [ (٦) ] ، ثم نادى بالنهي عن قطعها. ويروى أن رسول اللَّه ﷺ لما نزل خيبر أخذته الشّقيّقة [ (٧) ] ، فلم يخرج إلى الناس.

стр. 347

مقتل محمود بن مسلمة قال الواقدي: وجلس محمود بن مسلمة الأنصاري تحت حصن ناعم يتبع فيئة [ (١) ] ، وقد قاتل يومئذ، وكان يوما صائفا [ (٢) ] ، فدلّى عليه مرحب [اليهودي] [ (٣) ] رحى فهشمت البيضة، وسقطت جلدة جبينه على وجهه، وندرت عينه [ (٤) ] ، فأتى به رسول اللَّه ﷺ فرد الجلدة كما كانت، وعصبها بثوب، وتحوّل إلى الرجيع خشية على أصحابه من البيات. فكان مقامه بالرجيع سبعة أيام، يغدو كل يوم للقتال، ويستخلف على العسكر عثمان بن عفان ﵁ ويقاتل أهل النطاة يومه [ (٥) ] ، فإذا أمسى رجع إلى الرجيع، ومن جرح يحمل إلى العسكر ليداوى. فجرح أول يوم خمسون من المسلمين. اليهودي المستأمن ونادى يهودي من أهل النطاة بعد ليل: أنا آمن وأبلغكم؟ فقالوا: نعم! فدخل على رسول اللَّه ﷺ فدله على عورة يهود. فدعا أصحابه وحضّهم على الجهاد. فغدوا عليهم، فظفرهم اللَّه بهم، فلم يك في النطاة شيء من الذرية، فلما انتهوا إلى الشق وجدوا فيه ذرية، فدفع رسول اللَّه ﷺ إلى اليهودي زوجته. حراسة المسلمين وفتح النطاة وكانت الحراسة نوبا بين المسلمين، حتى فتح اللَّه حصن النطاة، فوجد فيها منجنيق، فنصب على حصن النزار [ (٦) ] ، ففتحه اللَّه، ونازل المسلمون حصن ناعم في النطاة، فنهى رسول اللَّه ﷺ عن القتال حتى يأذن لهم. فعمد رجل من أشجع فحمل على يهود فقتله مرحب، فنادى منادي رسول اللَّه ﷺ : لا تحل الجنة لعاص. ثم أمر الناس بالقتال. وكان ليهود عبد حبشي اسمه يسار، في ملك عامر اليهودي، يرعى له غنما، فأقبل بالغنم حتى أسلم، ورد الغنم لصاحبها، وقاتل حتى قتل شهيدا.

стр. 348

الألوية، وأول راية في الإسلام وفرق رسول اللَّه ﷺ الرايات، ولم تكن راية قبل خيبر، إنما كانت الألوية، فكانت راية النبي ﷺ سوداء تدعى العقاب: من برد لعائشة ﵂، ولواؤه أبيض، ورفع راية إلى علي، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سعد ابن عبادة ﵃. مدد عيينة بن حصن ليهود وكان عيينة بن حصن قد أقبل مددا ليهود بغطفان في أربعة آلاف، فأرسل رسول اللَّه ﷺ إليه أن يرجع وله نصف ثمر خيبر، فأبى أن يتخلى عن حلفائه، فبعث اللَّه على غطفان الرعب، فخرجوا على الصعب والذلول [ (١) ] ، فذل عند ذلك عدو اللَّه كنانة بن أبي الحقيق، وأيقن بالهلكة. حصن ناعم ورجوع المسلمين وجثم [ (٢) ] رسول اللَّه ﷺ على الحصون، وألحّ على حصن ناعم بالرمي، ويهود تقاتل. ورسول اللَّه ﷺ على فرس يقال له الظرب، وعليه درعان ومغفر وبيضة، وفي يده قناة وترس. وقد دفع لواءه إلى رجل من المهاجرين فرجع ولم يصنع شيئا. فحث ﷺ المسلمين على الجهاد، وسالت كتائب يهود: أمامهم الحارث أبو زينب يهذ [ (٣) ] الناس هذا. فساقهم صاحب راية الأنصار حتى انتهوا إلى الحصن فدخلوه، وخرج أسير يقدم يهود، فكشف الأنصار حتى انتهى إلى رسول اللَّه ﷺ في موقفه، فاشتد ذلك على رسول اللَّه ﷺ وأمسى مهموما [ (٤) ] . [وخرج مع ذلك سعد بن عبادة] ، فقال ﷺ : لأعطين الراية غدا رجلا يحبه اللَّه ورسوله، يفتح اللَّه على يديه ليس بفرّار، أبشر يا محمد بن مسلمة! غدا- إن شاء اللَّه تعالى- يقتل قاتل أخيك، وتولّي عادية يهود.

стр. 349

بعثة علي لفتح حصن ناعم فلما أصبح رسول اللَّه ﷺ أرسل إلى علي ﵁ وهو أرمد- فقال [علي] [ (١) ] : ما أبصر سهلا ولا جبلا! فذهب إليه فقال ﷺ : افتح عينيك! ففتحهما، فتفل فيهما، فما رمد بعدها. مقتل أبي زينب اليهودي ثم دفع إليه اللواء، ودعا له ومن معه بالنصر. وكان أول من خرج إليه الحارث أبو زينب- أخو مرحب- فانكشف المسلمون وثبت علي، فاضطربا ضربات فقتله عليّ، وانهزم اليهود إلى حصنهم. خبر مرحب اليهودي ومقتله ثم خرج مرحب فحمل على عليّ وضربه، فاتقاه بالتّرس، فأطن ترس علي ﵁، فتناول بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه، فلم يزل في يده حتى فتح اللَّه عليه الحصن، وبعث رجلا يبشر النبي ﷺ بفتح حصن مرحب. ويقال: إن باب الحصن جرّب بعد ذلك، فلم يحمله أربعون رجلا. وروي- من وجه ضعيف عن جابر: ثم اجتمع عليه سبعون رجلا، فكان جهدهم أن أعادوا الباب. وعن أبي رافع: فلقد رأيتني في نفر مع سبعة- أنا ثامنهم- نجهد أن نقلب ذلك الباب فما استطعنا أن نقلبه. وزعم بعضهم: أن حمل عليّ باب خيبر لا أصل له، وإنما يروى عن رعاع الناس. وليس كذلك، فقد أخرجه ابن إسحاق في سيرته عن أبي رافع، وأن سبعة لم يقلبوه. وأخرجه الحاكم من طرق منها: عن أبي علي الحافظ: حدثنا الهيثم بن خلف الدوري، حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري [نسيب] [ (٢) ] السّدّي، حدثنا المطلب بن زياد، حدثنا الليث بن أبي سليم، حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن حسين، عن جابر: أن عليا حمل الباب يوم خيبر، وأنه جرّب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا.

стр. 350

خبر مرحب وأسير وياسر ومقتلهم ويقال: إن مرحبا برز كالفحل الصئول يدعو للبراز، فخرج إليه محمد بن مسلمة فتجاولا ساعة، وضرب محمد مرحبا فقطع رجليه وسقط، فمر به عليّ ﵁ فضرب عنقه وأخذ سلبه، فأعطى رسول اللَّه ﷺ سلبه محمد بن مسلمة. وبرز أسير، فخرج له محمد بن مسلمة فقتله محمد، ثم برز ياسر، وكان من أشدائهم، فقال: قد علمت خيبر أني ياسر ... شاكي السلاح بطل مغاور إذا الليوث أقبلت تبادر ... وأحجمت من صولتي المخاطر [ (١) ] إن حماي فيه موت حاضر فقتله الزبير ﵁ وهو يقول: قد علمت خيبر أني زبّار ... قرم لقوم غير نكس فرّار وابن حماة المجد وابن الأخيار ... ياسر! لا يغررك جمع الكفار فجمعهم مثل السراب الجرار [ (٢) ] (وفي رواية: «فإنّهم مثل السراب الموّار» ) فقال رسول اللَّه ﷺ : أبشروا! قد ترحبت خيبر وتيسرت. وبرز عامر فقتله عليّ وأخذ سلاحه. البشرى بقتل قاتل محمود بن مسلمة ولما قتل مرحب بعث رسول اللَّه ﷺ جعيل بن سراقة الغفاريّ يبشر محمود ابن مسلمة: أن اللَّه قد أنزل فرائض البنات، وأن محمد بن مسلمة قد قتل قاتله، فسر بذلك، ومات في اليوم الّذي قتل فيه مرحب، بعد ثلاث من سقوط الرحى عليه. فتح حصن الصعب بن معاذ بعد الجوع والجهد وكان الناس قد أقاموا على حصن النطاة عشرة أيام لا يفتح، وجهدهم الجوع،

стр. 351

فبعثوا أسماء بن حارثة بن هند بن عبد اللَّه بن غياث بن سعد بن عمرو بن عامر ابن ثعلبة بن مالك بن أفصى الأسلمي إلى رسول اللَّه ﷺ : نشكو الجوع والضعف، فادع اللَّه لنا! فقال: اللَّهمّ افتح عليهم أعظم حصن فيه، أكثره طعاما وأكثره ودكا. ودفع اللواء إلى الحباب بن المنذر بن الجموح، وندب الناس. فما رجعوا حتى فتح اللَّه عليهم حصن الصعب. خبر أبي اليسر في إطعام المسلمين فقال رسول اللَّه ﷺ : من رجل يطعمنا من هذه الغنم؟ فقال أبو اليسر كعب ابن عمرو بن عباد بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة: أنا يا رسول اللَّه! وخرج يسعى مثل الظبي، فقال ﵇: اللَّهمّ متعنا به! فأدرك الغنم وقد دخل أولها الحصن، فأخذ شاتين من آخرها واحتضنهما، ثم أقبل عدوا، فأمر بهما رسول اللَّه ﷺ فذبحتا [ (١) ] وقسمتا، فما بقي أحد من أهل العسكر المحاصرين الحصن إلا أكل منها، وكانوا عددا [ (٢) ] كثيرا. نحر الحمر الإنسية وتحريم لحمها وخرج من الحصن عشرون حمارا أو ثلاثون، فأخذها المسلمون وانتحروها، وطبخوا لحومها، فمر بهم رسول اللَّه ﷺ وهم على تلك الحال، فسأل، فأخبر خبرها، وأمر فنودي: إن رسول اللَّه نهاكم عن لحوم [الحمر] [ (٣) ] الإنسية فأكفئوا القدور. النهي عن متعة النساء وكل ذي ناب ومخلب [نهاكم] [ (٤) ] عن متعة النساء [ (٥) ] ، وعن كل ذي ناب ومخلب. وذبح المسلمون فرسين قبل فتح حصن الصعب فأكلوا.

стр. 352

مقتل عامر بن سنان الأنصاري وقتل عامر بن سنان الأنصاري- عمّ سلمة [ (١) ] بن عمرو بن الأكوع [وسنان هو الأكوع]- وقد لقي يهوديا فبدره بضربة، فاتقى عامر بدرقته، فنبا سيف اليهودي عنه، وضرب عامر رجل اليهودي فقطعها، ورجع السيف عليه، فنزف فمات. فقال أسيد بن حضير: حبط عمله. فقال رسول اللَّه ﷺ : كذب من قال ذلك، إن له لأجرين، إنه جاهد [ (٢) ] مجاهد، وإنه ليعوم في الجنة عوم الدعموص [ (٣) ] . خبر حصن الصعب ولما أقام المسلمون على حصن الصعب يومين، عدا بهم الحباب بن المنذر في اليوم الثالث ومعه الراية، فقاتلهم أشد قتال. وبكر رسول اللَّه ﷺ فتراموا بالنبل، وقد ترس المسلمون على رسول اللَّه. ثم حملت اليهود حملة منكرة، فانكشف المسلمون حتى انتهوا إلى رسول اللَّه ﷺ ، وهو واقف قد نزل عن فرسه، ومدعم [ (٤) ] يمسك الفرس، وثبت الحباب برايته يراميهم على فرسه. فندب رسول اللَّه الناس وحضهم على الجهاد فأقبلوا حتى زحف بهم الحباب، واشتد الأمر، فانهزمت يهود وأغلقوا الحصن عليهم، ورموا من أعلى جدره بالحجارة رميا كثيرا فتباعد عنه المسلمون ثم كروا. فخرجت يهود وقاتلوا أشد قتال، فقتل ثلاثة من المسلمين، ثم هزمهم اللَّه تعالى. غنائم حصن الصعب واقتحم المسلمون الحصن يقتلون ويأسرون. فوجدوا فيه من الشعير والتمر والسمن والعسل والزيت والودك كثيرا [ (٥) ] فنادى منادي رسول اللَّه ﷺ : كلوا

стр. 353

واعلفوا ولا تحتملوا [يعنى لا تخرجوا به إلى بلادكم ] . فأخذوا من ذلك الحصن طعامهم، وعلف دوابهم، ولم يمنع أحد من شيء، ولم يخمس. ووجدوا بزّا في عشرين عكما [ (١) ] محزمة من متاع المين [ (٢) ] ، ووجدوا خوابي سكر [ (٣) ] ، فأمر بالسكر فكسر خوابيه. ووجدوا آنية من نحاس وفخار كانت يهود تأكل فيها وتشرب، فقال ﵇: اغسلوها واطبخوا، وكلوا فيها واشربوا. وأخرجوا منها غنما وبقرا وحمرا، وآلة الحرب، ومنجنيقا، ودبابات وعدة، وخمسمائة قطيفة، وعشرة أحمال خشب [ (٤) ] فأحرق، وشرب الخمر رجل من المسلمين يقال له: «عبد اللَّه الحمار» [ (٥) ] ، فخفقه رسول اللَّه بنعليه، وأمر من حضروه فخفقوه [ (٦) ] بنعالهم. ولعنه عمر بن الخطاب ﵁ فقال ﷺ : فإنه يحب اللَّه ورسوله! ثم راح عبد اللَّه كأنه أحدهم، فجلس معهم. فتح قلعة الزبير وتحولت يهود إلى قلعة [ (٧) ] الزبير، فزحف رسول اللَّه ﷺ إليهم وحصرهم- وكانوا في حصن منيع- مدة ثلاثة أيام حتى فتحه، وكان آخر حصون النطاة. فتح حصون الشق ثم أمر رسول اللَّه ﷺ بالأنفال والعسكر أن يحول من الرجيع إلى مكانه الأول بالشّق، وبه عدة حصون، فنازلها حتى فتحها. ووجد في حصن منها صفية بنت حيي وابنة عمها، ونسيّات معها وذراري، يبلغ عدة الجميع زيادة على ألفين. مصالحة كنانة بن أبي الحقيق على أهل الكتيبة وصالح كنانة بن أبي الحقيق رسول اللَّه ﷺ [على] [ (٨) ] أهل الكتيبة فأمن

стр. 354

الرجال والذرية، ودفعوا إليه الأموال من الذهب والفضة والحلقة والثياب إلا ثوبا على إنسان، بعد ما حصرهم أربعة عشر يوما. وقال مالك، عن ابن شهاب: والكتيبة أكثرها عنوة، وفيها صلح. وقال ابن وهب: قلت لمالك: وما الكتيبة؟ قال: من أرض خيبر، وهي أربعون ألف عذق. فوجد خمسمائة قوس عربية، ومائة درع، وأربعمائة سيف، وألف رمح. ما كتبه ابن أبي الحقيق من أموال يهود وما كان فيه من الغنائم وسأل [رسول اللَّه ﷺ ] [ (١) ] كنانة بن أبي الحقيق عن الأموال- وكان قد قال ﷺ حين صالحه برئت منكم ذمة اللَّه وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا- فقال كنانة: يا أبا القاسم! أنفقناه في حربنا فلم يبق منه شيء! وأكد الأيمان، فقال رسول اللَّه: برئت منكم ذمة اللَّه وذمة رسوله إن كان عندكم؟ قال: نعم! ثم قال ﷺ : وكل ما أخذت من أموالكم، وأصبت من دمائكم، فهو حل لي ولا ذمة لكم؟ قال: نعم! وأشهد عليه عدة من المسلمين ومن يهود. فدله سعية [ (٢) ] ابن سلام بن أبي الحقيق على خربة، فبعث ﵇ الزبير في نفر مع سعية [ (٢) ] حتى حفر، فإذا كنز في مسك [ (٣) ] جمل، فيه حلي. فأتى به رسول اللَّه ﷺ ، فأمر الزبير أن يعذب كنانة حتى يستخرج كل ما عنده، فعذبه حتى جاءه بمال، ثم دفعه إلى محمد بن مسلمة فقتله بأخيه محمود، وعذب ابن أبي الحقيق الآخر، ثم دفع إلى ولاة بشر بن البراء فقتل به، وقيل ضرب عنقه، واستحل ﷺ بذلك أموالهما، وسبي ذراريهما. ووجد في المسك: أسورة الذهب، ودمالج الذهب، وخلاخل الذهب، وأقرطة ذهب، ونظم من جوهر وزمرّد، وخواتم ذهب، وفتخ بجزع ظفار مجزع [ (٤) ] بالذهب. [وذكر] [ (٥) ] .

стр. 355

صفية بنت حيي: إسلامها، وزواج رسول اللَّه ﷺ بها وكانت صفية بنت حيي تحت كنانة بن أبي الحقيق، فسباها رسول اللَّه ﷺ ، وبعث بها مع بلال إلى رحله، فمر بها وبابنة عمها على القتلى، فصاحت ابنة عمها صياحا شديدا، فكره رسول اللَّه ﷺ ما صنع بلال وقال: ذهبت منك الرحمة؟ تمر بجارية حديثة السن على القتلى!! فقال: يا رسول اللَّه! ما ظننت أنك تكره ذلك، وأحببت أن ترى مصارع قومها! فدفع ابنة عم صفية إلى دحية الكلبي، وأعتق صفية وتزوجها، وجعل عتقها صداقها. خبر الشاة المسمومة التي أكل منها رسول اللَّه ﷺ وقتلت بشر بن البراء ثم إن زينب ابنة الحارث اليهودية أخت مرحب [ (١) ] ، ذبحت عنزا لها وطبختها وسمتها، فلما صلى رسول اللَّه ﷺ المغرب وانصرف إلى منزله، وجد زينب عند رحله، فقدمت له الشاة هدية. فأمر بها فوضعت بين يديه، وتقدم هو وأصحابه إليها ليأكلوا، فتناول الذراع، وتناول بشر بن البراء عظما، وانتهس رسول اللَّه ﷺ ثم ازدرد، وقال: كفّوا أيديكم، فإن هذه الذراع تخبرني أنها مسمومة! فقال بشر بن البراء: واللَّه يا رسول اللَّه، وجدت ذلك من أكلتي [ (٢) ] التي أكلت، فما منعني أن ألفظها إلا كراهية أنغّص عليك طعامك. فلم يرم [ (٣) ] بشر من مكانه حتى تغير ثم مات. ودعا رسول اللَّه زينب وقال: سممت الذراع؟ قالت: من أخبرك؟ قال: الذراع! قالت: نعم! قال: وما حملك على ذلك؟ قالت: قتلت أبي وعمي وزوجي، ونلت من قومي ما نلت، فقلت: إن كان نبيا فستخبره الشاة، وإن كان ملكا استرحنا منه! فقيل: أمر بها فقتلت ثم صلبت [ (٤) ] ، كما رواه أبو داود. وقيل: عفا عنها [ (٥) ] .
следующие страницы →