← Сира

Сира · id 1524

إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع

المقريزي

Полный текст (6 146 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وغطفان رهانا عندهم. دعاء رسول اللَّه ﷺ على الأحزاب وهبوب الريح عليهم وكان رسول اللَّه ﷺ قد دعا على الأحزاب فقال: اللَّهمّ منزّل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللَّهمّ اهزمهم. وكان دعاؤه عليهم يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، فاستجيب له بين الظهر والعصر يوم الأربعاء، فعرف السرور في وجهه، فلما كان ليلة السبت، بعث اللَّه الريح على الأحزاب حتى ما يكاد أحدهم يهتدي لموضع رحله، ولا يقرّ لهم قدر ولا بناء. وقام رسول اللَّه ﷺ يصلي إلى أن ذهب ثلث الليل. وكذلك فعل ليلة قتل كعب بن الأشرف. وكان ﷺ إذا حزبه الأمر أكثر من الصلاة. خبر الريح وتفرق الأحزاب ورجوعهم وبعث حذيفة بن اليمان ﵁ لينظر ما فعل القوم وما يقولون. فدخل عسكرهم في ليلة شديدة البرد فإذا هم مصطلون على نار لهم والريح لا تقر لهم قدرا ولا بناء، وهم يشتورون [ (١) ] في الرحيل حتى ارتحلوا. وأقام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد في مائتي فارس جريدة [ (٢) ] . ثم ذهب حذيفة إلى غطفان فوجدهم قد ارتحلوا، فأخبرهم النبي ﷺ بذلك. فلما كان السحر لحق عمرو وخالد بقريش، ولحقت كل قبيلة بمحلتها [ (٣) ] . مدة حصار الخندق فكانت مدة حصار الخندق خمسة عشر يوما، وقيل: عشرين يوما، وقيل: قريبا من شهر. وأصبح ﷺ بعد رحيل الأحزاب، فأذن للمسلمين في الانصراف، فلحقوا بمنازلهم. كتاب أبي سفيان إلى رسول اللَّه ﷺ ورد رسول اللَّه ﷺ وكتب أبو سفيان إلى رسول اللَّه ﷺ كتابا فيه: «باسمك اللَّهمّ. فإنّي أحلف

стр. 282

باللات والعزى، لقد سرت إليك في جمعنا وإنا نريد ألا نعود [ (١) ] أبدا حتى نستأصلكم [ (٢) ] ، فرأيتك قد كرهت لقاءنا، وجعلت مضايق وخنادق، فليت شعري من علّمك هذا؟ فإن نرجع عنك فلكم منا يوم كيوم أحد» وبعث به مع أبي أسامة الجشميّ، فقرأه أبيّ بن كعب على رسول اللَّه ﷺ في قبته، وكتب إليه: «من محمد رسول اللَّه إلى أبي سفيان بن حرب. أما بعد، فقديما غرك باللَّه الغرور. أما ما ذكرت- أنك سرت إلينا في جمعكم، وأنك لا تريد أن تعود حتى تستأصلنا- فذلك أمر يحول اللَّه بينك وبينه، ويجعل لنا العاقبة حتى لا تذكر اللات والعزى. وأما قولك: من علمك الّذي صنعنا من الخندق؟ فإن اللَّه ألهمني لما أراد من غيظك وغيظ أصحابك، وليأتينّ عليك يوم تدافعني بالراح، وليأتين عليك يوم أكسر فيه اللات والعزى وإساف ونائلة وهبل، حتى أذكرك ذلك. ويقال: كان في كتاب أبي سفيان: «ولقد علمت أني لقيت أصحابك ناجيا [ (٣) ] وأنا في عير لقريش فما خص أصحابك منا شعره، ورضوا منا بمدافعتنا بالراح، ثم أقبلت في عير قريش حتى لقيت قومي- فلم تلقنا- فأوقعت بقومي ولم أشهدها من وقعة، ثم غزوتكم في عقر داركم، فقتلت وحرقت [يعني غزوة السويق] . ثم غزوتك في جمعنا يوم أحد، فكانت وقعتنا فيكم مثل وقعتكم بنا ببدر. ثم سرنا إليكم في جمعنا ومن تألب إلينا يوم الخندق، فلزمتم الصياصي وخندقتم الخنادق» . ما نزل من القرآن في شأن الخندق وأنزل اللَّه تعالى- في شأن الخندق يذكر نعمته وكفايته عدوهم، بعد سوء الظن منهم، ومقالة من تكلم بالنفاق- قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً [ (٤) ] .

стр. 283

ذكر من قتل من المسلمين وقتل من المسلمين يومئذ ستة نفر، ثلاثة من بني الأشهل هم: سعد بن معاذ، وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو، وعبد اللَّه بن سهل، واثنان من بني جشم ابن الخزرج ثم من بني سلمة هما: الطفيل بن النعمان، وثعلبة بن عتمة [ (١) ] ، وواحد من بني النجار ثم من بني دينار [هو] [ (٢) ] : كعب بن زيد، أصابه سهم غرب [ (٣) ] فقتله. من قتل من الكفار وقتل من المشركين ثلاثة نفرهم [ (٤) ] : منبّه بن عثمان بن عبيد بن السبّاق بن عبد الدار أصابه سهم فمات منه بمكة، ونوفل بن عبد اللَّه بن المغيرة بن مخزوم، وعمرو بن عبد ودّ قتله علي ﵁. ولم تغز كفار قريش المسلمين بعد الخندق. غزوة بني قريظة ثم كانت غزوة بني قريظة: خرج إليهم رسول اللَّه ﷺ يوم الأربعاء لسبع خلون من ذي الحجة سنة خمس، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وحصرها خمسا وعشرين ليلة، وقيل: خمسة عشر يوما، وقيل: شهرا. سببها وسبب ذلك أن رسول اللَّه ﷺ لما رجع من الخندق دخل بيت عائشة ﵂ [ (٥) ] فاغتسل ودعا بالمجمرة ليتخبر، وقد صلى الظهر، فأتاه جبريل ﵇ وقت الظهر- على بغلة عليها رحالة، عليها قطيفة، وعلى ثناياه النقع- فوقف عند موضع الجنائز فنادى: عذيرك [ (٦) ] من محارب. فخرج رسول اللَّه ﷺ

стр. 284

فزعا، فقال: ألا أراك وضعت اللأمة ولم تضعها الملائكة بعد؟ لقد طردناهم إلى حمراء الأسد، إن اللَّه يأمرك أن تسير إلى بني قريظة، فإنّي عامد إليهم فمزلزل بهم حصونهم. [ويقال: جاءه على فرس أبلق] [ (١) ] . الخروج إلى قريظة فدعا رسول اللَّه ﷺ عليا ﵁ فدفع إليه لواءه، وكان اللواء على حاله لم يحل من مرجعه من الخندق، وبعث بلالا ﵁ فأذن في الناس: إن رسول اللَّه ﷺ يأمركم ألا تصلوا العصر إلا في بني قريظة. وعن قتادة قال: بعث رسول اللَّه ﷺ يومئذ مناديا، يا خيل اللَّه اركبي. ولبس الدرع والمغفر والبيضة، وأخذ قناة بيده، وتقلد الترس، وركب فرسه. وحف به أصحابه وقد لبسوا السلاح وركبوا الخيل وكانت ستة وثلاثين فرسا، وكانت له ﷺ ثلاثة أفراس معه. وقيل: خرج ﷺ وهو راكب على حمار عري [ (٢) ] . وسار فمر بنفر من بني النجار قد صفوا وعليهم السلاح، فقال: هل مر بكم أحد؟ قالوا: نعم! دحية الكلبي، مر على بغلة عليها رحالة، عليها قطيفة من إستبرق، فأمرنا بلبس السلاح، فأخذنا سلاحنا وصففنا، وقال لنا: هذا رسول اللَّه يطلع عليكم الآن! فقال: ذلك جبريل. وصول علي إلى حصن بني قريظة وسفاهة يهود وانتهى إلى بني قريظة، وقد سبق عليّ في نفر من المهاجرين والأنصار، وغرز الراية عند أصل الحصن، فاستقبلهم يهود يشتمون رسول اللَّه ﷺ وأزواجه، فسكت المسلمون وقالوا: السيف بيننا وبينكم. فلما رأى عليّ رسول اللَّه ﷺ رجع إليه، وأمر أبا قتادة الأنصاري أن يلزم اللواء. مسيره ﷺ إليهم وما قاله وسار ﷺ إلى يهود، وقال يومئذ: الحرب خدعة. وتقدمه أسيد بن حضير فقال: يا أعداء اللَّه! لا نبرح حصنكم حتى تموتوا جوعا، إنما أنتم بمنزلة ثعلب

стр. 285

في جحر. قالوا: يا ابن الحضير، نحن مواليك دون الخزرج! وخاروا. فقال: لا عهد بيني وبينكم ولا إلّ [ (١) ] . ودنا ﷺ منهم وقد ترس عنه أصحابه. فقال: يا إخوة القردة والخنازير وعبدة الطواغيت! أتشتموني؟ فجعلوا يحلفون: ما فعلنا! ويقولون: يا أبا القاسم ما كنت جهولا!. تقدم الرماة وبدء المراماة وتقدمت الرماة من المسلمين، وقال ﷺ لسعد بن أبي وقاص: يا سعد، تقدم فارمهم. فرماهم والمسلمون ساعة، ويهود تراميهم، ورسول اللَّه ﷺ واقف على فرسه فيمن معه. ثم انصرفوا إلى منازلهم، وباتوا وقد بعث إليهم سعد بن عبادة بأحمال تمر فأكلوا، وقال ﷺ وهو يأكل منه: نعم الطعام التمر. واجتمع المسلمون عنده عشاء، ومنهم من صلى ومنهم من لم يصلّ حتى جاء بني قريظة، فما عاب على أحد من الفريقين. تعبئة المسلمين حول الحصن ثم غدا سحرا وقدّم الرماة وعبأ أصحابه، فأحاطوا بحصون يهود وراموهم بالنّبل والحجارة وهم يرمون من حصونهم حتى أمسوا، فباتوا حول الحصون. مفاوضة يهود للصلح فنزل نبّاش بن قيس وكلم رسول اللَّه ﷺ : على أن ينزلوا على ما نزلت عليه بنو النضير: له الأموال والحلقة، ويحقن دماءهم، ويخرجون من المدينة بالنساء والذراري، ولهم ما حملت الإبل إلا الحلقة. فأبى رسول اللَّه ﷺ إلا أن ينزلوا عن حكمه، وعاد نبّاش إليهم بذلك. مشورة كعب بن أسد اليهودي فأشار عليهم كعب بن أسد بأن يدخلوا في الإسلام، وذكرهم بما عندهم من العلم بنبوته، فلم يقبلوا رأيه. فأشار عليهم أن يقتلوا أبناءهم ونساءهم ثم يخرجوا

стр. 286

فيقاتلوا حتى يقتلوا أو يظفروا، فأبوا ذلك. فأشار عليهم أن يخرجوا ليلة السبت والمسلمون آمنون فيبيتونهم فقالوا: لا نحل السبت. واختلفوا وندموا على ما صنعوا. ذكر من أسلم من يهود بني قريظة ونزل منهم [ثعلبة بن سعيه، وأسيد بن سعيه] [ (١) ] ، وأسد بن عبيد، وأسلموا. وأمنوا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم، ونزل عمرو بن سعدى، [وكان أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول اللَّه ﷺ ، وقال: لا أغدر بمحمد أبدا. فبات في مسجد رسول اللَّه ﷺ بالمدينة تلك الليلة، ثم ذهب] [ (٢) ] فلم يدر أين هو! وقيل: [إنه كان أوثق برمة فيمن أوثق من بني قريظة حين نزلوا على حكم رسول اللَّه ﷺ ، فأصبحت رمته ملقاة ولا يدرى أين ذهب!] [ (٣) ] . خبر أبي لبابة في مشورة اليهود فلما اشتد عليهم الحصار طلبوا أبا لبابة بن عبد المنذر، فدخل عليهم فقالوا له: ما ترى؟ إن محمدا أبى إلا أن ننزل عن حكمه! قال: فانزلوا. وأومأ إلى حلقه، وهو الذبح. ثم نزل- والناس ينتظرونه- وقد ندم على ما كان منه. فمر على وجهه حتى ارتبط في المسجد إلى سارية، وبلغ رسول اللَّه ﷺ ما صنع وذهابه، فقال: دعوه حتى يحدث اللَّه فيه ما يشاء، ولو جاءني استغفرت له، وأما إذ [ (٤) ] لم يأتني وذهب فدعوه. فكان كذلك خمس عشرة ليلة، - وكان رسول اللَّه ﷺ قد استعمله على القتال، وأنزل فيه: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ (٥) ] .

стр. 287

ويقال نزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ (١) ] . ويقال نزلت فيه: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [ (٢) ] . والأول أثبت. نزول بني قريظة على حكم رسول اللَّه وكتافهم وما وجد عندهم ثم نزلت يهود على حكم رسول اللَّه ﷺ فأمر بأسراهم فكتفوا رباطا- وجعل على كتافهم محمد بن مسلمة- ونحّوا ناحية، وأخرج النساء والذرية من الحصون فكانوا ناحية، واستعمل عليهم عبد اللَّه بن سلام. وجمعت أمتعتهم وما وجد في حصونهم من الحلقة والأثاث والثياب، فوجد فيها ألف وخمسمائة سيف، وثلاثمائة درع، وألفا رمح، وألف وخمسمائة ترس وجحفة، وأثاث كبير وآنية كثيرة، وخمر وجرار سكر، فهريق ذلك كله ولم يخمس. ووجد من الجمال النواضح عدة، ومن الماشية شيء كثير، فجمع ذلك كله. طلب الأوس حلفاءهم بني قريظة وطلب الأوس من رسول اللَّه ﷺ أن يهب لهم بني قريظة فإنّهم حلفاؤهم، كما وهب لابن أبيّ [بني] [ (٣) ] قينقاع حلفاءه. تحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة فقال: أما ترضون أن يكون الحكم فيهم إلى رجل منكم؟ قالوا: بلى! قال: فذلك إلى سعد بن معاذ. وسعد يومئذ في المسجد في خيمة رفيدة، ويقال: كعيبة [ (٤) ] بنت سعد بن سعد بن كعب بن عبد الأسلمية، وكانت تداوي الجرحى، وتلم الشعث، وتقوم على الضائع الّذي لا أحد له، وكان لها خيمة في المسجد، وكان رسول اللَّه ﷺ جعل سعد بن معاذ فيها منذ جرح. فخرجت

стр. 288

الأوس فحملوه على حمار. وجعلوا وهم حوله يقولون له: يا أبا عمرو! إن رسول اللَّه قد ولاك أمر مواليك لتحسن فيهم فأحسن، فقد رأيت ابن أبي وما صنع من حلفائه، وأكثروا في هذا وشبهه، وهو لا يتكلم، ثم قال: قد آن لسعد ألا تأخذه في اللَّه لومة لائم. فقال الضحاك بن خليفة بن ثعلبة بن عدي بن كعب بن عبد الأشهل الأنصاري: وا قوماه! وقال غيره منهم نحو ذلك. ثم رجع إلى الأوس فنعى لهم قريظة. فلما جاء سعد إلى رسول اللَّه ﷺ والناس حوله قال: قوموا إلى سيدكم! فقاموا له على أرجلهم صفين يحييه كل منهم. [ويقال: إنما عني ﷺ بقوله: «قوموا لسيدكم» الأنصار دون قريش] . وقالت الأوس الذين حضروا: يا أبا عمرو! إن رسول اللَّه قد ولّاك فأحسن فيهم، واذكر بلاءهم عندك. فقال سعد: أترضون بحكمي لبني قريظة؟ قالوا: نعم، فأخذ عليهم عهد اللَّه وميثاقه أن الحكم ما حكم، ثم قال: فإنّي أحكم فيهم أن يقتل من جرت عليه المواسي، وتسبى النساء والذرية، وتقسم الأموال. فقال رسول اللَّه ﷺ : لقد حكمت بحكم اللَّه من فوق سبع أرقعة [ (١) ] . خبر بني قريظة بعد حكم سعد وما جرى في قتلهم فأمر بالسبي فسيقوا إلى دار أسامة بن زيد، والنساء والذرية إلى دار ابنة الحارث، وقد اختلف في اسمها، فقيل: كيّسة بنت الحارث بن كريز بن [ربيعة] [ (٢) ] بن حبيب بن عبد شمس، وكانت تحت مسيلمة الكذاب، ثم خلف عليها عبد اللَّه بن عامر بن كريز، وأمر بأحمال التمر فنثرت على بني قريظة، فباتوا يكدمونها كدم الحمر [ (٣) ] . وأمر بالسلاح والأثاث والمتاع والثياب فحمل، وبالإبل والغنم فتركت [ (٤) ] هناك ترعى الشجر، ثم غدا ﷺ إلى المدينة في يوم الخميس السابع من ذي الحجة والأسرى معه، وأتى إلى السوق، فأمر بخدود فخدت [ (٥) ] ،

стр. 289

وحفر فيها هو وأصحابه، وجلس ومعه علية أصحابه، ودعا [ (١) ] برجال بني قريظة فكانوا يخرجون أرسالا تضرب أعناقهم. مقالة حيي بن أخطب عند قتله ولما جيء بعدو اللَّه حيي بن أخطب [بن سعيه بن ثعلبة بن عبيد بن كعب ابن الخزرج بن أبي حبيب بن النضير بن ناخوم من بني إسرائيل من سبط لاوي ابن يعقوب، ثم من ولد هارون بن عمران أخي موسى صلى اللَّه عليه] [ (٢) ] ، قال له رسول اللَّه ﷺ : ألم يمكّن اللَّه منك يا عدو اللَّه؟ فقال: بلى! واللَّه ما لمت نفسي في عداوتك، ولقد التمست العزّ في مظانّه، وأبى اللَّه إلا أن يمكّنك مني، قلقلت كلّ مقلقل، ولكنه من يخذل اللَّه يخذل. ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس! لا بأس بأمر اللَّه، قدر وكتاب، ملحمة كتبت على بني إسرائيل! فأمر فضربت عنقه. أمر رسول اللَّه ﷺ بالإحسان إلى الأسرى ثم أتى بعزّال [ (٣) ] بن سموأل، ونباش بن قيس، فضربت أعناقهما، وقد جابذ [ (٤) ] نباش الّذي جاء به، حتى قاتله ودق أنفه فأرعفه، فقال ﷺ للذي جاء به: لم صنعت به هذا؟ أما كان السيف كفاية! ثم قال: أحسنوا إسارهم، وقيّلوهم واسقوهم، لا تجمعوا عليهم حر الشمس وحرّ السلاح. وكان يوما صائفا، فقيّلوهم وسقوهم وأطعموهم، فلما أبردوا راح رسول اللَّه ﷺ فقتل من بقي منهم. إسلام رفاعة بن سموأل وسألت أم المنذر سلمى بنت قيس بن عمرو بن عبيد بن مالك بن عدي

стр. 290

ابن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصارية رسول اللَّه ﷺ في رفعة بن سموأل فقال: هو لك؟ فأسلم. كراهة بعض الأوس قتل قريظة، ثم تفريق الأسرى في الأوس وجاء سعد بن عبادة والحباب بن المنذر فقالا: يا رسول اللَّه، إن الأوس قد كرهت قتل بني قريظة لمكان حلفهم. فقال سعد بن معاذ: ما كرهه من الأوس أحد فيه خير، فمن كرهه فلا أرضاه اللَّه. فقام أسيد بن حضير فقال: يا رسول اللَّه، لا تبقينّ دار من دور الأوس إلا فرقتهم فيها. ففرقهم في دور الأنصار فقتلوهم. وضرب رسول اللَّه عنق كعب بن أسد بين يديه. قتل بنانة اليهودية وسببه وأمر ببنانة امرأة الحكم القرظي- وهي من السبي- فقتلت، لأنها ألقت من حصن الزبير بن باطا رحّي [ (١) ] بإشارة زوجها على نفر من المسلمين كانوا يستظلون في فيئه، فشدخت رأس خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة ابن امرئ القيس بن مالك الأغر، فمات. قتل كل من أنبت، وبكاء نساء يهود وأمر رسول اللَّه ﷺ بقتل كل من أنبت منهم، وترك من لم ينبت، وتمادى القتل فيهم إلى الليل فقتلوا على شعل السعف، ثم ردّ عليهم التراب في الخنادق. وكان من شك فيه منهم أن يكون بلغ، نظر إلى مؤتزره: فإن كان أنبت قتل، وإلا ترك في السبي. وكانوا ستمائة، [وقيل: ما بين الستمائة إلى السبعمائة. وقيل: كانوا سبعمائة وخمسين] ، ولما قتلوا صاحت نساءهم وشقّت جيوبها، ونشرت شعورها، وضربت خدودها، وملأت المدينة.

стр. 291

خبر الزبير بن باطا وسأل ثابت بن قيس بن شماس رسول اللَّه ﷺ في الزبير بن باطا فقال: هو لك. فلم يرض بالحياة وطلب أن يلحقوه بأحبته، فضرب الزبير بن العوام عنقه. وطلب ثابت بن قيس أهله وولده فردّوا إليه إلى الحلقة، فكانوا مع آل ثابت بن قيس. إسلام ريحانة بنت زيد وأخذ رسول اللَّه ﷺ ريحانة بنت زيد لنفسه صفيا وعزلها حتى تسلم، فما زال بها [ثعلبة بن سعية] [ (١) ] حتى أسلمت، فبعثها إلى بيت أم المنذر سلمى بنت قيس حتى حاضت ثم طهرت. فجاءها وخيّرها: أيعتقها ويتزوجها أو تكون في ملكه يطؤها بالملك؟ فاختارت أن تكون في ملكه، وقيل: أعتقها وتزوجها. بيع المتاع وقسمة الفيء وأمر بالمتاع فبيع في من يزيد، وبيع السبي، وقسمت النخل أسهما، وكانت الخيل ستا وثلاثين فرسا، فأسهم: للفرس سهمان، ولصاحبه سهم، وللراجل سهم. وقاد رسول اللَّه ﷺ ثلاثة أفراس فلم يضرب إلا سهما واحدا. وأسهم لخلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو، وقد قتل تحت الحصن: طرحت عليه رحى، فشدخته شدخا شديدا. وأسهم لأبي سنان بن محصن [واسمه وهب بن عبد اللَّه، ويقال: عبد اللَّه بن وهب، ويقال: عامر، ولا يصحّ، ويقال: اسمه وهب بن محصن بن حرثان بن قيس بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، وعلى هذا فهو أخو عكاشة بن محصن، وهو أصح ما قيل فيه. وبات ورسول اللَّه ﷺ يحاصرهم، وكان يقاتل مع المسلمين. وكان المسلمون ثلاثة [ (٢) ] آلاف، فكانت سهمان الخيل والرجال على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهما: للفرس سهمان ولصاحبه سهم. وأسهم يومئذ على الأموال فجزئت خمسة أجزاء، وكتب في سهم منها للَّه، فخرجت السهمان، وكذلك الرثّة [ (٣) ] والإبل والغنم والسبي،

стр. 292

ثم فضّ أربعة أسهم على الناس. ترك فيء رسول اللَّه ﷺ للنساء وأخذ [ (١) ] فيء رسول اللَّه ﷺ النساء اللاتي حضرت القتال ولم يسهم لهن، وهن: صفية بنت عبد المطلب، وأم عمارة، وأم سليط، وأم العلاء الأنصارية، والسميراء بنت قيس الأنصارية، وأم سعد بن معاذ، وهي: كبشة بنت رافع بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج. أمر السبي ولما بيعت السبايا والذرية بعث رسول اللَّه ﷺ بطائفة إلى الشام مع سعد بن عبادة [ (٢) ] ، يبيعهم ويشتري بهم سلاحا وخيلا. واشترى عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ﵄ طائفة. فكان يوجد عند العجائز المال ولا يوجد عند الشّواب، فربح عثمان مالا كثيرا لأنه صار في سهم العجائز. ويقال: لما قسم ﷺ جعل الشواب على حدة، والعجائز على حدة، وخيّر عبد الرحمن وعثمان فأخذ عثمان العجائز. واشترى أبو الشحم اليهودي امرأتين- مع كل واحدة ثلاثة أطفال- بخمسين ومائة دينار، وجعل يقول: ألستم على دين يهود؟ فتقول المرأتان: لا نفارق دين قومنا حتى نموت عليه، وهن يبكين. وكان السبي ألفا من النساء والصبيان، فأخرج رسول اللَّه ﷺ خمسه قبل بيع المغنم، فجزأ السبي خمسة أجزاء: فأخذ خمسا، فكان يعتق منه ويهب منه، ويخدم منه من أراد، وكذلك صنع بما أصاب من رثتهم: قسمت قبل أن تباع. وكذلك النخل عزل خمسة، وكل ذلك يسهم عليه خمسة أجزاء ويكتب في سهم منها [للَّه] [ (٣) ] ، ثم يخرج السهم، فحيث طار سهمه أخذه ولم يتخير. وصار الخمس إلى محمية بن جزء الزّبيدي، وهو الّذي قسم المغنم بين المسلمين.

стр. 293

النهي عن التفريق بين النساء والولد حتى يبلغوا ونهى رسول اللَّه ﷺ أن يفرّق في القسم والبيع بين النساء والذرية، وقال: لا يفرّق بين الأم وولدها حتى يبلغوا، فقيل: يا رسول اللَّه! وما بلوغهم؟ قال: تحيض الجارية ويحتلم الغلام. وكان يفرق يومئذ بين الأختين إذا بلغتا، وبين الأم وابنتها إذا بلغت. وكانت الأم وولدها الصغار تباع من المشركين من العرب، ومن يهود المدينة وتيماء وخيبر، يخرجون بهم. وإذا كان الولد صغيرا ليس معه أم لم يبع من المشركين ولا من يهود إلا من المسلمين. فكانت أموال بني قريظة أول فيء وقع فيه السهمان والخمس. موت سعد بن معاذ، وبكاء أمه، وحزن رسول اللَّه ﷺ على سعد ثم دفنه ولما حكم سعد بن معاذ ﵁ في بني قريظة، رجع إلى خيمة رفيدة بنت سعد الأسلمية- وكان قد كوى جرحه بالنار فانتفخت يده، وسال الدم فحمّه أخرى فانتفخت يده، فسأل اللَّه أن يبقيه حتى يقاتل بني قريظة- فانفجر جرحه ومات بعد ما عاده النبي ﷺ فحمل إلى منزله. وغسّله الحارث بن أوس ابن معاذ، وأسيد بن حضير، وسلمة بن سلامة بن وقش بحضرة رسول اللَّه ﷺ ، وأم سعد تبكي وتقول: [ويل أم سعد سعدا ... صرامة وحدّا وسؤددا ومجدا ... وفارسا معدّا سدّ به مسدّا ... يقدها ما قدّا] [ (١) ] فقال رسول اللَّه ﷺ : كل البواكي يكذبن إلا أم سعد. ثم كفّن في ثلاثة أثواب وحمل في سرير. فحمل رسول اللَّه ﷺ [جنازته] [ (٢) ] وهو بين عمودي سريره حتى رفع من داره إلى أن خرج، ومشى أمام جنازته، ثم صلى عليه ونزل في قبره أربعة نفر: الحارث بن أوس بن معاذ، وأسيد بن حضير، وأبو نائلة،

стр. 294

وسلمة بن سلامة، ورسول اللَّه ﷺ واقف على قدميه على قبره. ولما وضع في لحده تغير وجهه وسبح ثلاثا، فسبح المسلمون ثلاثا حتى ارتج البقيع [ (١) ] ، ثم كبر ثلاثا وكبر أصحابه حتى ارتج البقيع، فسئل عن ذلك فقال: تضايق على صاحبكم قبره، وضم ضمة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد، ثم فرّج اللَّه عنه. وجاءت أم سعد تنظر إليه في اللحد وقالت: احتسبك عند اللَّه. وعزّاها [ (٢) ] رسول اللَّه ﷺ على قبره. وجلس ناحية والمسلمون يردون تراب القبر حتى سوّي ورشّ الماء عليه، ثم وقف ﷺ فدعا، ثم انصرف. بلوغ خبر قريظة إلى يهود بني النضير وسار حسيل بن نويرة الأشجعي يومين حتى قدم خيبر، فأعلم سلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، ويهود بني النضير، ويهود خيبر بأن رسول اللَّه ﷺ قد قتل مقاتلة قريظة صبرا بالسيف، وسبي النساء والذرية، فقال سلام بن مشكم- وكانت له رئاسة بني النضير بعد يوم بعاث [ (٣) ]-: هذا كله عمل حيي بن أخطب، لا قامت يهودية بالحجاز أبدا! وصاح نساؤهن وأقمن المآتم، وفزعت اليهود إلى سلام ليروا رأيه. فأشار عليهم يسيروا معه، ويهود تيماء وفدك ووادي القرى- ولا يجلبوا معهم أحدا من العرب- حتى يغزوا محمدا في عقر داره، فوافقوا على ذلك. زواجه ﷺ زينب بنت جحش وفي هذه السنة الخامسة تزوج رسول اللَّه ﷺ زينب بنت جحش، في قول طائفة. فرض الحج وفيها فرض الحج، وقيل: سنة ست، وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة ثمان، وقيل غير ذلك.

стр. 295

سرية عبد اللَّه بن أنيس إلى سفيان ابن خالد بن نبيح الهزلي ثم كانت سرية عبد اللَّه بن أنيس بن أسعد [ (١) ] بن حرام بن حبيب بن مالك ابن غنم بن كعب بن تيم بن نفاثة بن إياس [ (٢) ] بن يربوع بن البرك بن وبرة [ويعرف بالجهني وليس بجهني، ولكنه من وبر قضاعة وجهينة أيضا من قضاعة] [ (٣) ]- إلى سفيان بن خالد بن نبيح الهزلي، ثم اللحياني. خروجه إليه وسببه خرج إليه يوم الاثنين لخمس خلون من المحرّم على رأس أربعة وخمسين شهرا [ (٤) ] ، فغاب اثنتي عشرة ليلة وقدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم. وقد بلغ رسول اللَّه ﷺ أن سفيان بن خالد بن نبيح الهزلي ثم اللحياني نزل عرنة وما حولها في ناس فجمع لحربه، وضوى إليه بشر كثير من أفناء العرب. فبعث عبد اللَّه بن أنيس وحده ليقتله، وقال له: انتسب إلى خزاعة. صفة ابن نبيح (فقال عبد اللَّه بن أنيس: يا رسول اللَّه، انعته لي حتى أعرفه) [ (٥) ] ، قال: إذا رأيته هبته، وفرقت منه، وذكرت الشيطان، وآية (ما بينك وبينه) [ (٦) ] أن تجد له قشعريرة إذا رأيته، وأذن له أن يقول ما بدا له، وكان أنيس [ (٧) ] لا يهاب

стр. 296

الرجال. فأخذ سيفه وخرج، حتى (إذا) [ (١) ] كان ببطن عرنة لقي سفيان يمشي: ووراءه الأحابيش، فهابه، وعرفه بالنّعت الّذي نعت له رسول اللَّه ﷺ . وقد دخل وقت العصر، فصلى وهو يمشي يومئ إيماء برأسه، فلما دنا منه قال: من الرجل؟ قال: رجل من خزاعة، سمعت لجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك. ومشى معه يحادثه وينشده، وقال: عجبا لما أحدث محمد من هذا الدين المحدث، فارق الآباء وسفه أحلامهم! فقال سفيان: لم يلق محمد أحدا يشبهني! حتى انتهى إلى خبائه وتفرّق عنه أصحابه. فقال: هلمّ يا أخا خزاعة. قتل سفيان بن خالد فدنا منه وجلس عنده حتى نام الناس، فقتله وأخذ رأسه واختفى في غار، والخيل تطلبه في كل وجه، ثم سار الليل وتوارى في النهار إلى أن قدم المدينة ورسول اللَّه ﷺ في المسجد فقال: أفلح الوجه! قال: أفلح وجهك يا رسول اللَّه! ووضع الرأس بين يديه، وأخبره الخبر، فدفع إليه عصا وقال: تخصّر [ (٢) ] بهذه في الجنة، فإن المتخصّرين [ (٢) ] في الجنة قليل، وكانت عنده حتى أدرجت في أكفانه بعد موته. غزوة القرطاء ثم كانت غزوة القرطاء من بني بكر [ (٣) ] بن كلاب، بناحية ضريّة بالبكرات، وبين ضرية والمدينة سبع ليال. خرج فيها محمد بن مسلمة لعشر خلون من المحرم، فغاب تسع عشرة ليلة، وقدم لليلة بقيت من المحرم. وكان في ثلاثين رجلا، فسار الليل وكمن [ (٤) ] النهار [حتى إذا] [ (٥) ] كان بالشّربّة [ (٦) ] لقي ظعنا من محارب، فأغار عليهم. وقتل نفرا منهم وفرّ سائرهم، واستاق نعما وشاء، ومضى. وقدّم عباد ابن بشر عينا لينظر بني بكر بن كلاب. فلما أتاه بخبرهم شنّ الغارة عليهم، وقتل منهم عشرة، واستاق النّعم، والشاء، وقدم المدينة، وهي خمسون ومائة بعير،

стр. 297

وثلاثة آلاف شاة، فخمّس رسول اللَّه ﷺ وقسم ما بقي، فعدّل الجزور بعشر من الغنم. غزوة بني لحيان ثم كانت غزوة بني لحيان بن هذيل بن مدركة، بناحية عسفان [ (١) ] . خرج فيها رسول اللَّه ﷺ لهلال ربيع الأول سنة ست في مائتي رجل، ومعهم عشرون فرسا، يريد بني لحيان ليأخذ بثأر أصحاب الرجيع، فعسكر من ناحية الجزف في أول نهاره، وأظهر أنه يريد الشأم، ثم راح مبردا حتى انتهى إلى حيث كان مصاب عاصم بن ثابت وأصحابه بين أمج وعسفان ببطن عران [ (٢) ] ، وبينها وبين عسفان خمسة أميال. وقد هرب بنو لحيان، فأقام يوما أو يومين وبث السرايا فلم يقدر على أحد. فأتى عسفان في مائتي راكب من أصحابه، ثم بعث فارسين حتى بلغا كراع الغميم ثم كرّا. وقال الواقدي [ (٣) ] : بعث أبا بكر ﵁ في عشرة فوارس فبلغ كراع الغميم ورجع. ولم يلق أحدا. فقال ﷺ : إن هذا يبلغ قريشا فيذعرهم، ويخافون أن نكون نريدهم. وكان خبيب بن عديّ يومئذ في أيديهم، فخافوا أن يكون قد جاء ليخلّصه. وعاد رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة، وقد غاب أربع عشرة ليلة وكان يخلفه على المدينة ابن أم مكتوم. دعاء رسول اللَّه ﷺ وقال في منصرفه إلى المدينة: آئبون تائبون عابدون، لربنا حامدون. اللَّهمّ أنت الصاحب في السفر، والخليفة على الأهل، اللَّهمّ إنّي أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال. اللَّهمّ بلغنا بلاغا صالحا يبلغ إلى خير، مغفرة منك ورضوانا، وهذا أوّل ما قال هذا الدعاء [ (٤) ] . وصحّح جماعة أن غزوة بني لحيان هذه كانت بعد قريظة بستة أشهر، وأنها كانت في جمادى الأولى. وصحح ابن حزم أنها في الخامسة.

стр. 298

غزوة الغابة وكانت غزوة الغابة. ويقال: غزاة ذي قرة [ويقال: قرد بضمتين] ، وهو ماء على بريد من المدينة، في ربيع الأول. وقال ابن عبد البر [ (١) ] : كانت بعد لحيان بليال. وقال البخاري: كانت قبل خيبر بثلاثة أيام [ (٢) ] ، وفي مسلم نحوه [ (٣) ] ، وفيه نظر لإجماع أهل السّير على خلافه [ (٤) ] . سببها وسببها: أن لقاح رسول اللَّه ﷺ وكانت عشرين لقحة [ (٥) ] : منها ما أصاب في ذات الرقاع: ومنها ما قدم به محمد بن مسلمة من نجد- وكانت ترعى البيضاء فقربوها إلى الغابة، وكان الراعي يؤوب بلبنها كل ليلة عند المغرب. فاستأذن أبو ذر جندب بن جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل بن صعير بن حرام بن غفار الغفاريّ، رسول اللَّه ﷺ في الخروج إلى لقاحه، فقال: إني أخاف عليك من هذه الضاحية أن تغير [ (٦) ] عليك، ونحن لا نأمن عيينة بن حصن وذويه. وهو في طرف من أطرافهم، فلما ألح عليه أبو ذر ﵁ قال: لكأنّي بك قد قتل ابنك وأخذت امرأتك، وجئت تتوكأ على عصاك. ليلة السرح فلما كانت ليلة السرح، جعلت سبحة فرس المقداد بن عمرو لا تقرّ ضربا

стр. 299

بيديها وصهيلا، فيقول أبو معبد: واللَّه إن لها لشأنا! فينظر آريّها [ (١) ] فإذا هو مملوء علفا. فيقول: عطشى! فيعرض الماء عليها فلا تريده، فلما طلع الفجر أسرجها ولبس سلاحه وخرج، حتى صلى مع رسول اللَّه ﷺ الصبح فلم ير شيئا. ودخل النبي ﷺ بيته، ورجع المقداد إلى بيته، وفرسه لا تقرّ، فوضع سرجه وسلاحه واضطجع. فأتاه آت فقال: إن الخيل قد صبّح بها [ (٢) ] !. غارة ابن عيينة على السرح وكانت لقاح رسول اللَّه ﷺ قد روّحت وعطّنت وحلبت عتمتها [ (٣) ] ، وأحدق عبد الرحمن بن عيينة بن حصن في أربعين فارسا من بني عبد اللَّه بن غطفان، [وذكر ابن الكلبي أن الّذي أغار على سرح المدينة عبد اللَّه بن عيينة بن حصن] . وهم نيام. فأشرف لهم ابن أبي ذرّ فقتلوه وساقوا اللقاح. فجاء أبو ذر إلى النبي ﷺ فأخبره فتبسّم. خبر سلمة بن الأكوع وكان سلمة بن عمرو [بن] [ (٤) ] الأكوع-[واسمه سنان] [ (٤) ] بن عبد اللَّه ابن قشير بن خزيمة بن مالك بن سلامان بن أسلم بن أفصى الأسلمي قد غدا إلى الغابة للقاح رسول اللَّه ﷺ [بفرس لطلحة بن عبد اللَّه] [ (٥) ] لأن يبلّغه [ (٦) ] لبنها، فلقي غلام عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكان في إبله فأخطئوا مكانها، فأخبره أن لقاح رسول اللَّه ﷺ قد أغار عليها ابن عيينة في أربعين فارسا. وأنهم رأوا إمدادا بعد ذلك أمدّ به ابن عيينة، فرجع سلمة إلى المدينة وصرخ على ثنية الوداع بأعلى صوته! يا صباحاه! ثلاثا، ويقال نادى: الفزع الفزع! ثلاثا.

стр. 300

ووقف على فرسه حتى طلع رسول اللَّه ﷺ في الحديد مقنّعا، فوقف واقفا. [و قيل: ركب فرسا عريا لأبي طلحة يقال له مندوب، فلما انصرف قال: إن وجدناه لبحرا ] [ (١) ] . نداء الفزع ليلة السرح [ونودي يا خيل اللَّه اركبي! وكان أول ما نودي بها] [ (٢) ] ، فكان [ (٣) ] أول من أقبل إليه المقداد بن عمرو وعليه السلاح شاهرا سيفه. فعقد له لواء على رمحه وقال: امض حتى تلحقك الخيول، إنا على أثرك. فخرج حتى أدرك أخريات العدو، فظفر له بفرس. وأدرك مسعدة بن حكمة بن مالك بن حذيفة بن بدر الفزاريّ فتطاعنا برمحيهما، ثم فرّ مسعدة. فنصب مقداد اللواء، ولحقه أبو قتادة- معلما بعمامة صفراء على فرس له- فتسايرا ساعة، فاستحث أبو قتادة فرسه حتى غاب، وقد أدرك مسعدة فقتله. وخرج سلمة بن الأكوع على رجليه يعدو، يسبق الخيل، حتى لحق العدو فرماهم بالنبل والخيل تكر عليه وهو يقول: خذها وأنا ابن الأكوع ... اليوم يوم الرّضّع [حتى انتهى إلى ذي قرد وقد استنفذ منهم جميع اللقاح وثلاثين بردة، قال سلمة:. وصول رسول اللَّه ﷺ إلى ذي قرد فلحقنا] [ (٤) ] رسول اللَّه ﷺ والخيول عشاء، وكانوا ثمانية أفراس، وكان

стр. 301

المقداد أمير الفرسان [وقيل: بن أميرهم سعد بن زيد الأشهلي] [ (١) ] . فقال سلمة: يا رسول اللَّه! إن القوم عطاش، وليس لهم ماء دون أحساء كذا وكذا، فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما بين أيديهم من السرح، وأخذت بأعناق القوم! فقال: ملكت فأسجح [ (٢) ] ! ثم قال: [إنهم الآن] [ (٣) ] ليقرون [ (٤) ] في غطفان. وذهب الصريخ إلى بني عمرو بن عوف فجاءت الأمداد، فلم تزل الخيل تأتي، والرجال على أقدامهم، و [على] [ (٥) ] الإبل، والقوم يعتقبون البعير والحمار، حتى انتهوا إلى رسول اللَّه ﷺ بذي قرد، فاستنقذوا عشر لقاح- منها جمل أبي جهل- وأفلت القوم بعشر [ (٦) ] . ذكر القتلى وكانت راية رسول اللَّه ﷺ العقاب يحملها سعد، وكان قد أدرك محرز، نضلة بن عبد اللَّه بن مرّة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة- القوم بهيفا [ (٧) ] ، فطاعنهم ساعة [ (٨) ] بالرمح فقتله مسعدة بن حكمة. وأقبل عباد بن بشر

стр. 302

على أوبار بن عمرو بن أوبار [ (١) ] وقاتله، فقتله عباد، وقيل: بل قتله عكاشة بن محصن. دعاء رسول اللَّه ﷺ لأبي قتادة ودعا رسول اللَّه ﷺ لأبي قتادة لما أدركه فقال: اللَّهمّ بارك له في شعره، وبشره. وقال: أفلح وجهك! فقال: ووجهك يا رسول اللَّه! ثم قال: قتلت مسعدة؟ قال: نعم! قال: ما هذا بوجهك؟ قال: سهم رميت به يا رسول اللَّه! قال: فادن مني! فدنا منه فبصق عليه فما ضرب عليه قطّ ولا قاح [ (٢) ] فمات أبو قتادة، وهو ابن سبعين سنة، وكأنه ابن خمس عشرة [ (٣) ] سنة، وأعطاه رسول اللَّه ﷺ يومئذ فرس مسعدة وسلاحه وقال: بارك اللَّه لك فيه. أصحاب الخيل واستعمل ﷺ يومئذ على الخيل سعد بن زيد الأشهليّ وقدّمه أمامه، فلحق القوم وناوشهم ساعة: هو والمقداد بن عمرو، ومعاذ بن ماعص، وأبو قتادة، وسلمة بن الأكوع، فحمل سعد على حبيب بن عيينة بن حصن فقتله وأخذ فرسه، وقيل: قتل حبيب بن عيينة المقداد. وكان شعار المسلمين يومئذ: أمت أمت. صلاة الخوف وصلى رسول اللَّه ﷺ يومئذ صلاة الخوف: فقام إلى القبلة وصفّ طائفة خلفه، وطائفة مواجهة العدو، فصلى بالطائفة التي خلفه ركعة وسجدتين ثم انصرفوا. وقاموا مقام أصحابهم، وأقبل الآخرون فصلى بهم ركعة وسجدتين وسلّم، فكان لرسول اللَّه ﷺ ركعتان، ولكل رجل من الطائفتين ركعة.

стр. 303

تاريخ الغزوة وكانت غزاة ابن عيينة ليلة الأربعاء لثلاث خلون من ربيع الأول سنة ست. فخرج ﷺ يوم الأربعاء، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وأقام بذي قرد يوما وليلة. وقسم في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونها، وكانوا خمسمائة، ويقال: كانوا سبعمائة. حراسة المدينة وإمداد سعد بن عبادة المسلمين وأقام سعد بن عبادة- في ثلاثمائة من قومه- يحرسون المدينة خمس ليال حتى رجع ﷺ ليلة الاثنين. وأمدّ المسلمين سعد بن عبادة ﵁ بأحمال تمر، وبعشر جزائر بذي قرد: وبعث بذلك مع ابنه قيس بن سعد، فقال رسول اللَّه ﷺ : يا قيس! بعثك أبوك فارسا، وقرى المجاهدين، وحرس المدينة من العدو! اللَّهمّ ارحم سعدا وآل سعد! ثم قال: نعم المرء سعد بن عبادة! فقالت الأنصار: يا رسول اللَّه، هو بيننا وسيدنا وابن سيدنا. كانوا يطعمون في المحل [ (١) ] ، ويحملون الكل [ (٢) ] ، ويقرون الضيف، ويعطون في النائبة، ويحملون عن العشيرة [ (٣) ] . فقال: خيار الناس في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا في الدين. الرجوع إلى المدينة وخبر امرأة أبي ذر ورجع ﷺ إلى المدينة ليلة الاثنين وقد غاب عنها خمس ليال. فأقبلت امرأة أبي ذر على ناقته القصواء. - وكانت في السرح- فدخلت عليه فأخبرته من أخبار الناس، ثم قالت: يا رسول اللَّه! إني نذرت إن نجاني اللَّه عليها أن أنحرها فآكل من كبدها وسنامها! فتبسم وقال: بئس ما جزيتها! أن حملك اللَّه عليها ونجاك [بها] [ (٤) ] ثم تنحرينها! إنه لا نذر في معصية اللَّه ولا فيما لا تملكين، إنما هي ناقة من إبلي، فارجعي إلى أهلك على بركة اللَّه.

стр. 304

خبر الهدية وقيل لرسول اللَّه ﷺ : هذه لقحتك السمراء على بابك، فخرج مستبشرا، فإذا رأسها بيد ابن أخي عيينة بن حصن، فلما نظر عرفها، فقال: أيم بك [ (١) ] ؟ فقال: يا رسول اللَّه! أهديت إليك هذه اللقحة، فتبسم وقبضها منه، وأمر له بثلاثة أواقي فضة، فتسخط، فصلى ﵇ الظهر وصعد المنبر فحمد اللَّه، ثم قال: إن الرجل أهدى لي الناقة من إبلي، أعرفها كما أعرف بعض أهلي ثم أثيبه عليها، فيظل يتسخط عليّ! ولقد هممت ألا أقبل هدية إلا من قريشي أو أنصاري. وفي رواية [ (٢) ] : أو ثقفي أو دوسي. بعض تاريخ الغزوة ووقع في صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع في هذه القصة قال: فرجعنا إلى المدينة فلم نلبث إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر. وذهب قوم إلى غزوة المريسيع كانت في شعبان، بعد غزوة الغابة هذه [ (٣) ] . يا خيل اللَّه اركبي وفي غزوة الغابة نودي عند ما جاء الفزع: يا خيل اللَّه اركبي: ولم يكن يقال قبلها. سرية عكاشة بن محصن إلى الغمر ثم كانت سرية عكاشة بن محصن بن حرثان بن قيس بن مرة بن كبير بن غنم ابن دودان بن أسد بن خزيمة- الأسدي- إلى الغمر: وهو ماء لبني أسد على ليلتين من قيد [ (٤) ] في ربيع الأول سنة ست. فخرج في أربعين رجلا يغذ السير، فنذر به القوم فهربوا، وانتهى إلى علياء بلادهم فلم يلق أحدا. وبث سراياه فظفروا

стр. 305

بنعم فاستاقوا مائتي بعير وعادوا. سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة ثم كانت سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة- موضع بينه وبين المدينة أربعة وعشرين ميلا- يريد بني ثعلبة وبني عوال من ثعلبة [ (١) ] : وهم مائة رجل، في ربيع الأول، فسار في عشرة حتى وردوا ليلا وناموا، فأحاط بهم المائة رجل من بني ثعلبة ففزعوا، وراموهم ساعة بالنبل، ثم حملت الأعراب بالرماح عليهم فقتلوهم، وسقط محمد بن مسلمة جريحا، فحمل بعد ذلك إلى المدينة. سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة ثم كانت سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة في شهر ربيع الآخر سنة ست. خرج في ليلة السبت ومعه أربعون رجلا، فغاب ليلتين، وكانت بلاد بني ثعلبة وأنمار قد أجدبت، فتتبع بنو محارب وثعلبة وأنمار سحابة وقعت بالمراض إلى تغلمين، [والمراض على ستة وثلاثين ميلا من المدينة] ، وأجمعوا أن يغيروا على سرح المدينة ببطن هيفاء [ (٢) ] : [موضع على سبعة أميال من المدينة] . فبعث رسول اللَّه ﷺ أبا عبيدة ﵁ بمن معه بعد ما صلوا صلاة المغرب: فمشوا ليلهم حتى وافوا ذا القصة مع عماية الصبح [ (٣) ] ، فأغاروا على القوم فأعجزوهم هربا، وأخذوا رجلا، واستاقوا نعما، ووجدوا رثة من متاع، وعادوا، فخمس رسول اللَّه ﷺ الغنيمة، وقسم باقيها. وأسلم الرجل وترك لحاله. سرية زيد بن حارثة إلى العيص وكانت سرية زيد بن حارثة ﵁ إلى العيص: على أربع ليال من المدينة، في جمادى الأولى منها، ومعه سبعون ومائة راكب، ليأخذوا عيرا لقريش قد أخذت طريق العراق. ودليلها فرات بن حيان العجليّ. فظفر بها زيد، وأسر أبا العاص بن الربيع، والمغيرة بن معاوية بن أبي العاص، ووجد فضة كثيرة لصفوان

стр. 306

ابن أمية. وقدم المدينة، فأجازت زينب [بنت رسول اللَّه] [ (١) ] ﵍ زوجها أبا العاص. إسلام أبي العاص زوج زينب بنت رسول اللَّه ﷺ فقال رسول اللَّه ﷺ : المؤمنون يد على من سواهم، يجير عليهم أدناهم، وقد أجرنا من أجارت: ورد عليه كل ما أخذ من المال. فعاد إلى مكة وأدى إلى كل ذي حقّ حقه، وأسلم. ثم قدم المدينة مهاجرا، فرد رسول اللَّه ﷺ عليه زينب بذلك النكاح. إفلات المغيرة بن معاوية من أسر عائشة ﵂ وأفلت المغيرة بن معاوية فتوجه إلى مكة، فأخذه خوات بن جبير أسيرا- وكان في سبعة نفر مع سعد بن أبي وقاص- فدخلوا به المدينة بعد العصر، فقال رسول اللَّه ﷺ لعائشة ﵂: احتفظي عليك بهذا الأسير، وخرج. فلهت عائشة مع امرأة بالحديث، فخرج وما شعرت به. خبر دعاء رسول اللَّه ﷺ على عائشة ﵂ فدخل النبي ﷺ فلم يره وسألها، فقالت: غفلت عنه، وكان هاهنا آنفا! فقال: قطع اللَّه يدك. وخرج فصاح بالناس، فخرجوا في طلبه حتى أخذوه وأتوا به. فدخل ﷺ على عائشة وهي تقلّب يدها فقال: مالك؟ قالت: انظر كيف تقطع يدي! قد دعوت عليّ بدعوتك! فاستقبل ﷺ القبلة ورفع يديه ثم قال: اللَّهمّ إنما أنا بشر أغضب وآسف كما يغضب البشر، فأيما مؤمن أو مؤمنة دعوت عليه فاجعلها له رحمة [ (٢) ] . سرية زيد بن حارثة إلى الطرف وكانت سرية زيد بن حارثة إلى الطّرف- ماء على ستة وثلاثين ميلا من المدينة، بناحية نخل من طريق العراق- في جمادى الآخرة منها، ومعه خمسة عشر

стр. 307

رجلا يريد بني ثعلبة، فأصاب لهم نعما وشاء. وقدم من غير قتال بعشرين بعيرا، ثم غاب أربع ليال. سرية زيد بن حارثة إلى حسمي وسببها وكانت سرية زيد أيضا إلى حسمي وراء وادي القرى، في جمادى الآخرة هذا. وسببها أن دحية الكلبي أقبل من عند قيصر ملك الروم بجائزة وكسوة، فلقيه بحسمي الهنيد بن عارض وابنه عارض بن الهنيد في جمع من جذام، فأخذوا ما معه. ودخل المدينة بسمل [ (١) ] ثوب، [ويقال: بل نفر إليه النعمان بن أبي جعال في نفر من بني الضّبيب فخلص له متاعه بعد حرب] . فبعث رسول اللَّه ﷺ زيدا على خمسمائة رجل ومعه دحية، فكان يسير ليلا ويكمن نهارا، حتى هجم مع الصبح على الهنيد وابنه فقتلهما، واستاق ألف بعير وخمسة آلاف شاة، ومائة ما بين امرأة وصبيّ. فأدركه بنو الضّبيب- وقد كانوا أسلموا وقرءوا من القرآن- وحدّثوه أن يرد عليهم ما أخذ. ثم قدم زيد بن رفاعة الجذامي في نفر من قومه على رسول اللَّه ﷺ المدينة، فذكر له ما صنع زيد بن حارثة، ورضوا بأخذ ما أصاب لهم من الأهل والمال، وأغضوا عمّن قتل. فبعث معهم علي بن أبي طالب ﵁ ومعه سيفه أمارة- ليردّ عليهم زيد ما أخذ منهم- فردّ جميع ذلك بعد ما فرّقه فيمن معه، وقد وطئوا النساء. سرية عبد الرحمن بن عوف إلى كلب بدومة الجندل يدعوهم إلى الإسلام وكانت سرية عبد الرحمن بن عوف ﵁ إلى كلب بدومة الجندل في شعبان منها [ (٢) ] ، ليدعوا كلبا إلى الإسلام، ومعه سبعمائة رجل. فأقعده بين يديه، ونقض عمامته بيده الكريمة، ﷺ ، ثم عمّمه بعمامة سوداء وأرخى بين كتيفيه منها، ثم قال: هكذا فاعتم يا ابن عوف! ثم قال ﷺ : أغد باسم اللَّه وفي سبيل اللَّه. فقاتل من كفر باللَّه. لا تغلّ ولا تغدر ولا تقتل وليدا.

стр. 308

الخمس المهلكات ثم بسط يده فقال: يا أيها الناس! اتقوا خمسا قبل أن تحلّ بكم: ما نقض [ (١) ] مكيال قوم إلا أخذهم اللَّه بالسنين [ (٢) ] ونقص من الثمرات لعلّهم يرجعون، وما نكث قوم عهدهم إلا سلّط اللَّه عليهم عدوهم، وما منع قوم الزكاة إلا أمسك اللَّه عنهم قطر السماء: ولولا البهائم لم يسقوا، وما ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط اللَّه عليهم الطاعون، وما حكم قوم بغير آي القرآن إلا ألبسهم شيعا [ (٣) ] وأذاق بعضهم بأس بعض. إسلام الأصبغ ملك كلب، وزواج عبد الرحمن ابن عوف تماضر ابنته فسار عبد الرحمن بن عوف حتى قدم دومة الجندل، ودعا أهلها ثلاثة أيام إلى الإسلام وهم يأبون إلا محاربته. ثم أسلم الأصبغ بن عمرو بن ثعلبة بن حصن ابن ضمضم الكلبي: وكان نصرانيا وهو رأس القوم، فكتب عبد الرحمن بن عوف بذلك إلى رسول اللَّه ﷺ مع رافع بن مكيث، وأنه أراد أن يتزوج فيهم، فكتب إليه أن تزوج تماضر ابنة الأصبغ، فتزوجها، فهي أول كلبية تزوجها قرشيّ، فولدت له أبا سلمة، [العقية] [ (٤) ] . [وهي أخت النعمان بن المنذر لأمّه] . وأقبل بعد ما فرض الجزية على من أقام على دينه. سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر ثم كانت سرية علي بن أبي طالب ﵁ إلى بني سعد بن بكر [ (٥) ]

стр. 309

وكانوا بفدك [ (١) ] في شعبان منها، ومعه مائة رجل. وقد أجمعوا [يعني بني سعد ابن بكر] [ (٢) ] على أن يمدوا يهود خيبر. فسار ليلا وكمن نهارا، حتى [إذا] [ (٢) ] انتهى إلى ماء بين خيبر وفدك يقال له: الهمج، وجد عينا لبني سعد قد بعثوه إلى خيبر- لتجعل لهم يهود من ثمرها كما جعلوا لغيرهم، حتى يقدموا عليهم- فدلهم على القوم بعد ما أمّنوه. فسار عليّ حتى أغار على نعمهم وضمّها، وفرّت رعاتها فأنذرت القوم. وقد تجمّعوا مائتي رجل، وعليهم وبر بن عليم [ (٣) ] ، فتفرقوا. وانتهى عليّ بمن معه فلم ير منهم أحدا، وساق النّعم: وهي خمسمائة بعير وألفا شاة، فعزل الخمس وصفىّ رسول اللَّه ﷺ لقوحا تدعى (الحفذة) [ (٤) ] ، ثم قسم ما بقي، وقدم المدينة. سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة [ (٥) ] ، وسببها ثم كانت سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة فاطمة بنت ربيعة بن بدر الفزارية، بناحية وادي القرى: على سبع ليال من المدينة، في رمضان سنة ست، وسببها أن زيدا خرج في تجارة إلى الشام، [ومعه بضائع لأصحاب النبي ﷺ ] [ (٦) ] ، فخرج عليه- دوين وادي القرى- ناس من بني بدر من فزارة فضربوه، ومن معه حتى ظنوا أنهم قتلوه، وأخذوا ما كان معه، ثم تحامل حتى قدم المدينة. فبعثه رسول اللَّه ﷺ في سرية إلى بني فزارة، فكان يكمن نهاره ويسير ليله، ونذرت بهم بنو بدر فاستعدّوا، فلما كان زيد ومن معه على مسيرة ليلة أخطأ بهم دليلهم الطريق، حتى صبحوا القوم فأحاطوا بهم، فقتل سلمة بن الأكوع رجلا منهم، وأخذ [سلمة بن] [ (٧) ] سلامة بن وقش، [ويقال: بل سلمة بن الأكوع، واسم

стр. 310

الأكوع سنان] ، جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر وأمّها أمّ قرفة: فاطمة بنت ربيعة بن بدر، وغنموا. ثم قدموا المدينة، فقرع زيد بن حارثة الباب، فقام إليه رسول اللَّه ﷺ يجرّ ثوبه عريانا حتى اعتنقه وقبّله، وساءله، فأخبره بما ظفّره اللَّه. وقتل في هذه السرية عبد اللَّه بن مسعدة، وقيس بن النعمان بن مسعدة بن حكمة بن مالك [بن حذيفة] [ (١) ] بن بدر، أحد بني قرفة. وأم قرفة قتلها قيس ابن المحسر [اليعمري] [ (٢) ] قتلا عنيفا: ربط بين رجليها حبلا، ثم ربطها بين بعيرين [ثم زجرهما فذهبا فقطعاها] [ (٣) ] وهي عجوز كبيرة. فأمر رسول اللَّه ﷺ برأسها فدير به في المدينة ليعلم قتلها، ويصدق قول رسول اللَّه ﷺ في قوله لقريش: «أرأيتم إن قتلت أمّ قرفة؟ فيقولون: أيكون ذلك؟» وكان زوجها مالك بن حذيفة ابن بدر. وأخذ رسول اللَّه ﷺ من سلمة بن الأكوع ابنة أم قرفة، فوهبها لحزن ابن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وهي مشركة وهو مشرك، فولدت له عبد الرحمن بن حزن، وكانت جميلة. سرية عبد اللَّه بن رواحة إلى أسير بن زارم اليهودي بخيبر ثم كانت سرية أميرها عبد اللَّه بن رواحة إلى أسير بن زارم [ (٤) ] بخيبر، وكان من يهود، في شوال سنة ست. وكان قد بعثه رسول اللَّه ﷺ قبل ذلك في رمضان في ثلاثة نفر ينظر إلى خيبر وما تكلم به يهود، فوعى ذلك وعاد بعد إقامة ثلاثة أيام، فقدم لليال بقين منه، فأخبر رسول اللَّه ﷺ بما ندبه إليه. خبر أسير بن زارم وكان أسير قد تأمّر على يهود بعد أبي رافع، فقام فيهم يريد حرب رسول اللَّه ﷺ ، وسار في غطفان فجمعها ليسير إلى المدينة، فقدم بخبره خارجة بن حثيل

стр. 311

الأشجعي [ (١) ] . فندب رسول اللَّه ﷺ الناس، فانتدب له ثلاثون رجلا، واستعمل عليهم عبد اللَّه بن رواحة ﵁. فقدموا خيبر، وبعثوا إلى أسير فأمّنهم حتى يأتوه [ (٢) ] ، فيما جاءوا فيه، فأتوه وقالوا له: إن رسول اللَّه قد بعثنا إليك أن تخرج إليه فيستعملك على خيبر ويحسن إليك. فطمع في ذلك، وخرج في ثلاثين من يهود، ثم ندم في أثناء الطريق حتى عرف ذلك منه. غدرة لليهودي وهمّ بعبد اللَّه بن أنيس- وكان فيمن خرج مع ابن رواحة- ففطن عبد اللَّه بغدره وبادر ليقتله، فشجّه أسير ثم قتل. ومالوا على أصحابه فقتلوهم كلهم، إلا رجلا واحدا فرّ منهم، ولم يصب أحد من المسلمين. وقدموا المدينة- وقد خرج رسول اللَّه ﷺ يتحسب أخبارهم- فحدثوه الحديث، فقال: نجاكم اللَّه من القوم الظالمين- ونفث في شجة عبد اللَّه بن أنيس فلم تفح [ (٣) ] بعد ذلك ولم تؤذه، وكان العظم قد نقّل. ومسح على وجهه ودعا له، وقطع له قطعة من عصاه فقال: أمسك هذه علامة بيني وبينك يوم القيامة أعرفك بها، فإنك تأتي يوم القيامة متخصّرا. فجعلت معه في قبره تلي جلده، ويروى أن النبي ﷺ كان قد قال له: يا عبد اللَّه! لا أرى أسير بن زارم! أي اقتله. سرية كرز بن جابر ثم كانت سرية كرز بن جابر بن حسل بن لاحب بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر بن مالك القرشيّ الفهريّ- لما أغير على لقاح النبي ﷺ بذي الجدر- في شوال سنة ست- وهي على ستة أميال من المدينة، وذلك أن نفرا من عرينة ثمانية قدموا على النبي ﷺ [فأسلموا، واستوبئوا المدينة. وطحلوا، فأمر بهم رسول اللَّه ﷺ [ (٤) ]] إلى لقاحه- وكان سرح المسلمين بذي الجدر ناحية

стр. 312

قباء قريبا من عير ترعى هناك- فكانوا فيها حتى [ (١) ] صحوا وسمنوا- وكانوا استأذنوه أن يشربوا من ألبانها وأبوالها فأذن لهم- فغدوا على اللقاح فاستاقوها، فيدركهم يسار مولى النبي ﷺ ومعه نفر فقاتلهم، فأخذوه فقطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، وانطلقوا بالسرح. فأقبلت امرأة من بني عمرو بن عوف على حمار لها حتى تمرّ بيسار فتجده تحت شجرة، فلما رأته وما به رجعت إلى قومها فأخبرتهم، فخرجوا نحو يسار حتى جاءوا به إلى قباء ميتا. فبعث رسول اللَّه ﷺ في إثرهم عشرين فارسا، واستعمل عليهم كرز بن جابر الفهري، فخرجوا في طلبهم حتى أدركهم الليل فباتوا بالحرّة، وأصبحوا لا يدرون أين يسلكون، فإذا هم بامرأة تحمل كتف بعير فأخذوها، فقالوا: ما هذا معك؟ قالت: مررت بقوم قد نحروا بعيرا فأعطوني هذا. ودلتهم على موضعهم فأتوهم. فأحاطوا بهم وأسروهم جميعهم. عقاب الأسرى وربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قدموا بهم المدينة- وقد خرج رسول اللَّه ﷺ إلى الغابة [ (٢) ]- فأتوه بهم. فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمل [ (٣) ] أعينهم، وصلبوا بالزّغابة. النهي عن المثلة فنزلت هذه الآية: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ [ (٤) ] فلم تسمل بعد ذلك عين، ولا بعث ﷺ بعد ذلك بعثا إلا نهاهم عن المثلة. وروى جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده: لم يقطع رسول اللَّه ﷺ لسانا قط، ولم يسمل عينا ولم يزد على قطع اليد والرجل.

стр. 313

اللقاح ولما ظفر المسلمون باللقاح خلّفوا عليها سلمة بن الأكوع ومعه أبو رهم الغفاريّ. وكانت خمسة عشرة لقحة غزارا. فلما أقبل النبي ﷺ من الزّغابة إذا اللقاح على باب المسجد تحان [ (١) ] ، فلما نظر إليها تفقد منها لقحة يقال لها الحنّاء، وقد نحرها القوم، فردها إلى ذي الجدر فكانت هناك، وكان لبنها يروح به سلمة ابن الأكوع إلى رسول اللَّه ﷺ ، كل ليلة وطب [ (٢) ] لبن. عمرة الحديبيّة ثم كانت عمرة الحديبيّة [على مقربة مكة] [ (٣) ] . وذلك أن رسول اللَّه ﷺ رأى في النوم أنه دخل البيت وحلق رأسه، وأخذ مفتاح البيت، وعرّف مع المعرّفين [ (٤) ] ، فاستنفر أصحابه إلى العمرة، فأسرعوا وتهيأوا للخروج. إسلام بسر بن سفيان وشراؤه الهدي لرسول اللَّه ﷺ وقدم عليه بسر بن سفيان بن عمرو بن عويمر الخزاعيّ في ليال من شوال مسلما، فقال له: يا بسر! لا تبرح حتى تخرج معنا، فإنا إن شاء اللَّه معتمرون. فأقام وابتاع بدنا لرسول اللَّه ﷺ ، فكان يبعث بها إلى ذي الجدر حتى حضر خروجه، فأمر بها فجلبت إلى المدينة، وسلمها إلى ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر بن دارم بن عمرو بن واثلة بن سهم [ (٥) ] بن مازن بن سلامان بن أسلم بن أفصى الأسلمي ليقدمها إلى ذي الحليفة. سلاح المسلمين وهديهم وخرج المسلمون لا يشكون في الفتح- للرؤيا المذكورة-، وليس معهم

стр. 314

سلاح إلا السيوف في القرب. وساق قوم الهدي [ (١) ] : منهم أبو بكر، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد اللَّه، وسعد بن عبادة، رضوان اللَّه عليهم. كلام عمر في أمر السلاح وقال عمر بن الخطاب ﵁: أتخشى يا رسول اللَّه علينا من أبي سفيان ابن حرب وأصحابه ولم تأخذ للحرب عدتها؟ فقال: ما أدري، ولست أحب أحمل السلاح معتمرا. وقال سعد بن عبادة ﵁: لو حملنا يا رسول اللَّه السلاح معنا، فإن رأينا من القوم ريبا كنا معدين لهم! فقال ﷺ : لست أحمل السلاح، إنما خرجت معتمرا. يوم الخروج واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم. وخرج من المدينة يوم الاثنين لهلال ذي القعدة. هذا هو الصحيح، وإليه ذهب الزهري، وقتادة، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، والواقدي [ (٢) ] ، واختلف فيه على عروة بن الزبير، فعنه: خرج رسول اللَّه ﷺ إلى الحديبيّة في رمضان، وكانت الحديبيّة في شوال [ (٣) ] . وعنه أنها كانت في ذي القعدة من سنة ست. بدء الجهاز للعمرة قال الواقدي: فاغتسل في بيته، ولبس ثوبين من نسج صحار [ (٤) ] ، وركب راحلته القصواء من عند بابه، وخرج المسلمون. فصلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بالبدن فجلّلت [ (٥) ] ، ثم أشعر [ (٦) ] منها عدة- وهي موجهات إلى القبلة- في

стр. 315

الشق الأيمن. إشعار الهدي وتقليده ثم أمر ناجية بن جندب بإشعار ما بقي، وقلد [ (١) ] نعلا نعلا، وهي سبعون بدنة: منها جمل أبي جهل الّذي غنمه يوم بدر. وأشعر المسلمون بدنهم، وقلدوا النعال في رقابها. وبعث بسر بن سفيان عينا له، وقدم عباد بن بشر طليعة في عشرين فرسا، ويقال: أميرهم سعد بن زيد الأشهلي. إحرام رسول اللَّه ﷺ من ذي الحليفة ثم صلى ركعتين وركب من باب المسجد بذي الحليفة [ (٢) ] ، فلما انبعثت به راحلته مستقبلة القبلة أحرم فلبى: «لبيك اللَّهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» . وأحرم عامة الناس بإحرامه. عدد المسلمين وسلك طريق البيداء [ (٣) ] ، وخرج معه من المسلمين ألف وستمائة، ويقال: ألف وأربعمائة، ويقال: ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون رجلا، ويقال: ألف وثلاثمائة [ (٤) ] . عدد النساء وأربع نسوة: أم سلمة أم المؤمنين، وأم عمارة، وأم منيع- أسماء بنت عمرو ابن عدي [بن سنان بن نابي] [ (٥) ] بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصارية، وأم عامر الأشهلية، وقال بعضهم: كانوا سبعمائة. قال ابن حزم:

стр. 316

وهذا وهم شديد البتة، قال: والصحيح بلا شك ما بين ألف وثلاثمائة إلى ألف وخمسمائة. مقالة بني بكر ومزينة وجهينة ومر فيما بين مكة والمدينة بالأعراب بني بكر ومزينة وجهينة فاستنفرهم، فتشاغلوا بأبنائهم وأموالهم، وقالوا فيما بينهم: أيريد محمد أن يغزو بنا [ (١) ] إلى قوم معدّ في الكراع والسلاح؟ وإنما محمد وأصحابه أكلة جزور [ (٢) ] ! لن يرجع محمد وأصحابه من سفرهم هذا أبدا! قوم لا سلاح معهم ولا عدد!. هدية بني نهد ثم قدم ناجية بن جندب مع الهدي في فتيان من أسلم، ومعهم هدي للمسلمين. ولقي بالروحاء طائفة من بني نهد، فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، وبعثوا إليه بلبن من نعمهم فقال: لا أقبل هدية من مشرك. رد هدية المشركين وردّه، فابتاعه المسلمون منهم. وابتاعوا ثلاثة أضب [ (٣) ] فأكل منها قوم أجلّة. وسأل المحرمون رسول اللَّه ﷺ عنها فقال: كلوا، فكلّ صيد البر لكم حلال في الإحرام تأكلونه إلا ما صدتم أو صيد لكم. الصيد في الحرم ورأى أبو قتادة بالأبواء حمارا وحشيا- وكان محلا [ (٤) ] فحمل عليه فقتله، فأكل منه رسول اللَّه ﷺ . وجاءه يومئذ الصّعب بن جثامة بن قيس الليثيّ بحمار وحشيّ أهداه له فردّه، وقال: إنا لم نرده إلا أنا حرم.

стр. 317

هدية إيماء بن رحضة وأهدي له إيماء بن رحضة بن خربة الغفاريّ مائة شاة وبعيرين يحملان لبنا: بعث بهما مع ابنه خفاف بن إيماء ففرق ذلك وقال: بارك اللَّه فيكم. وأهدي له من ودان لياء [وهو حب أبيض كالحمص] وعتر [ (١) ] وضغابيس [ (٢) ] ، فجعل يأكل الضغابيس والعتر وأعجبه، وأدخل منه على أمّ سلمة. خبر كعب الّذي آذاه القمل وهو محرم ورأى بالأبواء كعب بن عجرة بن أمية بن عدي بن عبيد بن الحارث البلوي ورأسه يتهافت قملا وهو محرم، فقال: هل تؤذيك هوامّك يا كعب؟ قال: نعم يا رسول اللَّه! قال: فاحلق رأسك. وفيه نزلت: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [ (٣) ] ، فأمره رسول اللَّه ﷺ أن يذبح شاة، أو يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستين مسكينا: لكل مسكين مدّين، أي ذلك فعل أجزأه. ويقال: إن كعب بن عجرة أهدي بقرة قلدها وأشعرها. ما عطب من الهدي وعطب [ (٤) ] من ناجية بن جندب بعير من الهدي، فجاء بالأبواء إلى رسول اللَّه ﷺ وأخبره، فقال: أنحرها [ (٥) ] ، وأصبغ قلائدها في دمها، ولا تأكل أنت ولا أحد من أهل رفقتك منها، وخلّ بين الناس وبينها. نزول الجحفة ولما نزل الجحفة لم يجد بها ماء، فبعث رجلا في الروايا إلى الخرّار، فرجع

стр. 318

بها وقال: يا رسول اللَّه! ما أستطيع أن أمضي رعبا! فبعث رجلا آخر بالروايا، فرجع وذكر كما ذكر الأول: فبعث آخر وخرج السقاء معه، فاستقوا وأتوا بالماء. ثم أمر بشجرة يقم [ (١) ] ما تحتها. خطبة رسول اللَّه ﷺ وخطب الناس فقال: إني كائن لكم فرطا [ (٢) ] ، وقد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم [ (٣) ] تضلوا: كتاب اللَّه وسنة نبيه. بلاغ خبر المسلمين إلى أهل مكة وخروجهم إليهم وبلغ أهل مكة خروج رسول اللَّه ﷺ فراعهم ذلك، وتشاوروا. ثم قدّموا عكرمة بن أبي جهل- ويقال: خالد بن الوليد- على مائتي فارس إلى كراع الغميم، واستنفروا من أطاعهم من الأحابيش، وأجلبت ثقيف معهم: ووضعوا العيون على الجبال، وهم عشرة رجال يوحي بعضهم إلى بعض بالصوت: فعل محمد كذا كذا، حتى ينتهي ذلك إلى قريش ببلدح [ (٤) ] . وخرجوا إلى بلدح وضربوا بها القباب والأبنية، ومعهم النساء والصبيان، فعسكروا هناك، وقد أجمعوا على منع رسول اللَّه ﷺ من دخول مكة ومحاربته. إجماع قريش على منع المسلمين من دخول مكة، ومشورة المسلمين ورجع بسر بن سفيان من مكة وقد علم خبر القوم، فلقي رسول اللَّه ﷺ من وراء عسفان وأخبره الخبر. واستشار رسول اللَّه ﷺ [ (٥) ] الناس: هل يمضي لوجهته ويقاتل من صدّه عن البيت أو يخالف الذين استنفروا إلى أهليهم فيصيبهم؟

стр. 319

فأشار أبو بكر ﵁ أن يمضوا لوجوههم، ويقاتلوا من صدهم. وقال المقداد بن عمرو: يا رسول اللَّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون» ولكن: «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما [ (١) ] مقاتلون» . واللَّه يا رسول اللَّه! لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك ما بقي منا رجل. وقال أسيد بن الحضير: يا رسول اللَّه! نرى أن نصمد لما خرجنا له، فمن صدنا قاتلناه. فقال: إنا لم نخرج لقتال أحد، إنما خرجنا عمارا. بديل بن ورقاء وخبر قريش ولقيه بديل بن ورقاء بن عبد العزى بن ربيعة بن جرى بن عامر بن مازن ابن عدي بن عمرو بن ربيعة [وهو الحي] [ (٢) ] الخزاعي- في نفر من خزاعة، منهم الحليس بن علقمة الحارثي، من بني الحارث بن عبد مناة، فقال: يا محمد! لقد اغتررت بقتال قومك حلائب [ (٣) ] العرب، واللَّه ما أرى معك أحدا له وجه، مع أني أراكم قوما لا سلاح معكم! فقال أبو بكر ﵁: عضضت ببظر اللات! فقال بديل: أما واللَّه لولا يد لك عندي لأجبتك، فو اللَّه ما أتهم أنا ولا قومي ألا أكون أحب أن يظهر محمد. إني رأيت قريشا مقاتلتك عن ذراريها وأموالها، قد خرجوا إلى بلدح فاضطربوا [ (٤) ] الأبنية، معهم العوذ المطافيل [ (٥) ] ، وترافدوا على الطعام [ (٦) ] يطعمون الخزير [ (٧) ] من جاءهم، يتقوون به على حربك، فر رأيك [ (٨) ] . وكانت قريش قد ترافدوا وجمعوا أموالا يطعمون بها من ضوى إليهم من الأحابيش. وكان يطعم في أربعة أمكنة: في دار الندوة لجماعتهم، وكان صفوان ابن أمية، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وحويطب بن عبد العزى، كل منهم يطعم في داره.

стр. 320

دنو خالد بن الوليد في المشركين للقاء المسلمين ودنا خالد بن الوليد في خيله حتى نظر إلى المسلمين، فصفّ خيله فيما بينهم وبين القبلة، فقدم رسول اللَّه ﷺ عباد بن بشر في خيله، فقام بإزائه وصف أصحابه. وحانت صلاة الظهر، فأذن بلال وأقام، فصلى رسول اللَّه ﷺ بأصحابه مستقبل القبلة وهم خلفه، يركع بهم ويسجد. ثم قاموا، فكانوا على ما كانوا عليه من التعبئة. فقال خالد بن الوليد: قد كانوا على غرة، لو كنّا حملنا عليهم أصبنا منهم! ولكن تأتي الساعة صلاة هي أحب إليهم من أنفسهم وأبنائهم!. صلاة الخوف فنزل جبريل ﵇ بين الظهر والعصر بهذه الآية: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً [ (١) ] فحانت العصر، فأذن بلال وأقام، فقام رسول اللَّه ﷺ مواجها للقبلة والعدو أمامه فكبر وكبّر الصفان جميعا، ثم ركع فركع الصفان جميعا، ثم سجد فسجد الصف الّذي يليه، وقام الآخرون يحرسونه. فلما قضى رسول اللَّه ﷺ السجود بالصف الأول، قام وقاموا معه، وسجد الصف المؤخر السجدتين، ثم استأخر الصفّ الّذي يلونه، وتقدم الصف المؤخر فكانوا يلون رسول اللَّه ﷺ ، فقاموا جميعا. ثم ركع ﷺ فركع الصفان جميعا ثم سجد وسجد الصف الّذي يلونه، وقام الصف المؤخر يحرسونه مقبلين على العدو. فلما رفع رأسه من السجدتين، سجد الصف المؤخر السجدتين اللتين بقيتا عليهم، واستوى ﷺ جالسا فتشهد ثم سلّم.
следующие страницы →