стр. 3676
← Сира следующие страницы →
Сира · id 1524
إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع
المقريزي
Полный текст (6 146 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3677
اللَّه ﵎ عنها، وهي التي غسلتها مع على بن أبى طالب رضى اللَّه ﵎ عنه، ومع أسماء بنت عميس.
فصل في ذكر مرضعة إبراهيم ابن رسول اللَّه ﷺ
قال البلاذري: وتنافست [نساء] الأنصار في إبراهيم [ابن رسول اللَّه ﷺ ] ، أيهم تحضنه وترضعه، حتى جاءت أم بردة [ (١) ] ، وهي كبشة بنت المنذر ابن زيد بن لبيد بن خراش، من بنى النجار، فدفعه إليها لترضعه.
وزوج أم بردة البراء بن أوس بن خالد، من بنى مبذول بن عمرو بن غنيم بن مازن بن النجار [ (٢) ] فكان إبراهيم في بنى مازن، إلا أن أمه كانت تأتى به- ثم يعاد إلى منزل ظئره- أم بردة، وكان رسول اللَّه ﷺ يأتى أم بردة فيقيل عندها، وتخرج إليه إبراهيم فيحمله.
стр. 3678
قال: وأعطى رسول اللَّه ﷺ أم بردة قطعة من نخل. قال: وتوفى إبراهيم.
فصل في ذكر من كان يضحك رسول اللَّه ﷺ
اعلم أن عبد اللَّه بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد [أو سعيد] بن سهم. أبو حذافة القرشيّ السهمىّ، أحد المهاجرين الأولين، كانت فيه دعابة معروفة [ (١) ] .
ذكر الزبير بن بكار قال: حدثني عن الجبار بن سعد، عن عبد اللَّه بن وهب عن الليث، عن سعد، قال: بلغني أنه حلّ حزام راحلة رسول اللَّه ﷺ في بعض أسفاره، حتى كاد رسول اللَّه ﷺ يقع. قال ابن وهب: قلت لليث:
ليضحكه؟ قال، كانت فيه دعابة.
стр. 3679
قال الزبير: هكذا قال ابن وهب، عن الليث: حلّ حزام راحلة رسول اللَّه ﷺ ، ولم يكن لابن وهب علم بلسان العرب، وإنما تقول العرب لحزام الراحلة: غرطة، إذا ركب بها على رحل، فإن ركب بها على جمل فهي بطان، وإن ركب بها على فرس فهي حزام، وإن ركب بها على رحل أنثى فهو وضين [ (١) ] .
قلت- أي المقريزي-: هكذا نقل أبو عمر يوسف بن عبد اللَّه بن عبد البرّ [ (٢) ] .
وقد خرج الحاكم في (المستدرك) [ (٣) ] من حديث يحيى بن بكير قال أنبأنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن عمرو ابن الحكم ابن ثوبان، عن أبى سعيد الخدريّ، رضى اللَّه ﵎ عنه، قال: بعث رسول اللَّه ﷺ علقمة بن محرز على بعث، فلما بلغنا راس مغزانا أذن لطائفة من الجيش، وأمر عليهم عبد اللَّه بن حذافة بن قيس السهمي، وكان من أهل بدر، وكانت فيه دعابة، فإنه كان يحل رحل ناقة رسول اللَّه ﷺ في بعض أسفاره ليضحكه بذلك وكان الروم قد أسروه في زمن عمر بن الخطاب رضى اللَّه ﵎ عنه، فأرادوه على الكفر، فعصمه اللَّه حتى أنجاه اللَّه ﵎ منهم.
стр. 3680
وقال الزبير بن بكار في كتاب (نسب قريش) : وعبد اللَّه بن حذافة كان من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وهو رسوله بكتابه إلى كسرى، وهو الّذي أمره أيام التشريق أن ينادى في الناس: إنها أيام أكل وشرب.
قال ابن عبد البر: ومن دعابة عبد اللَّه بن حذافة أن رسول اللَّه ﷺ أمّره على سرية، فأمرهم أن يجمعوا حطبا ويوقدوا نارا، فلما أوقدوها، أمرهم بالتقحم فيها، فأبوا، فقال لهم: ألم يأمركم رسول اللَّه ﷺ بطاعتي؟ وقال: من أطاع أميرى فقد أطاعنى؟ فقالوا: ما آمنا باللَّه واتبعنا رسول اللَّه إلا لننجو من النار. فصوّب رسول اللَّه ﷺ فعلهم وقال: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
قال اللَّه تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ (١) ] :
وهو حديث صحيح الإسناد مشهور [ (٢) ] .
قال الواقدي [ (٣) ] : حدثني موسى بن محمد، عن أبيه، وإسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن أبيه- زاد أحدهما على صاحبة- قالا: بلغ رسول اللَّه ﷺ أن ناسا من الحبشة تراءاهم أهل الشعيبة- ساحل بناحية مكة- في مراكب، فبلغ النبي ﷺ ، فبعث علقمة بن مجزر المدلجي في ثلاثمائة رجل، حتى انتهى إلى جزيرة في البحر، فخاض إليهم فهربوا منه، ثم انصرف، فلما كان ببعض المنازل استأذنه بعض الجيش في الانصراف حيث لم يلقوا كيدا.
فأذن لهم، وأمرّ عليهم عبد اللَّه بن حذافة السهمىّ- وكانت فيه دعابة- فنزلنا ببعض الطريق، وأوقد القوم نارا يصطلون عليها ويصنعون الطعام، فقال: عزمت عليكم ألا تواثبتم في هذه النار! فقام بعض القوم فتحاجزوا حتى ظن أنهم واثبون فيها، فقال: اجلسوا، إنما كنت أضحك معكم! فذكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ
فقال: من أمركم بمعصية فلا تطيعوه!
стр. 3681
وخرج البخاري [ (١) ] ومسلم [ (٢) ] هذا الحديث من حديث الأعمش. عن سعد ابن عبيدة، عن أبى عبد الرحمن، عن عليّ قال: بعث رسول اللَّه ﷺ سرية،
стр. 3682
وأستعمل عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه في شيء فقال: أجمعوا لي حطبا، فجمعوا له، ثم قال: أوقدوا نارا، فأوقدوا ثم قال: ألم يأمركم رسول اللَّه ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى.
قال: فنظر بعضهم إلى بعض! فقالوا: انما فررنا إلى رسول اللَّه ﷺ من النار، فكانوا كذلك، وسكن غضبه، وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنّبيّ ﷺ ، فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف
واللفظ لمسلم.
[قال: وحدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا وكيع، وأبو معاوية بهذا الإسناد نحوه] .
وقال البخاري في حديثه: فلما هموا بالدخول [فقاموا] ينظر بعضهم إلى بعض، فقال بعضهم: إنما تبعنا النبي ﷺ فرارا من النار! أفندخلها؟
فبينما هم كذلك.... الحديث. وقال في آخره: ما خرجوا منها أبدا ذكره في كتاب الأحكام، وذكره مسلم في كتاب الإمارة، وقال البخاري في كتاب المغازي، في سرية عبد اللَّه بن حذافة السهمىّ وعلقمة بن مجزر المدلجي- ويقال لها: سرية الأنصاري- وذكر حديث الأعمش بنحو مما تقدم أو قريبا منه.
стр. 3683
وذكره مسلم [ (١) ] وذكره النسائي [ (٢) ] أيضا من حديث شعبة عن زبيد عن سعد بن عبيدة، عن أبى عبد الرحمن، عن على رضى اللَّه ﵎ عنه قال: إن رسول اللَّه ﷺ بعث جيشا وأمّر عليه رجلا، فأوقدوا نارا، وقال:
ادخلوها، فأراد ناس أن يدخلوها، وقال الآخرون: إنما فررنا منها، فذكروا ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: لو دخلوها لم يزالوا فيها إلى يوم القيامة، وقال للآخرين قولا حسنا، وقال لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف. اللفظ لمسلم.
وقال فيه البخاري: وقال للآخرين: لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف. ولم يذكر: قولا حسنا. وقال النسائي في آخره: وقال للآخرين خيرا.
стр. 3684
ولعمر بن عمرو بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن غنم بن مالك بن النجار ويقال فيه: نعيمان- قال ابن الكلبي: كان النبي ﷺ إذا نظر إلى نعيمان لم يتمالك نفسه أن يضحك، فأشترى نعيمان يوما بعيرا ينحره ولم يعط ثمنه، فجاء صاحبه يشكوه إلى النبي ﷺ [فقال] اذهبوا بنا نطلبه، فوجده، فقال النبي ﷺ : هذا نعمان لصاحب البعير، فقال نعمان: لا جرم، لا يغرم البعير عندك، فغرمه عنه النبي ﷺ .
أمه فطيمة الكاهنة.
وقال ابن عبد البر: شهد العقبة الآخرة. وهو من السبعين فيها، في قول ابن إسحاق، وشهد بدرا والمشاهد كلها. رضى اللَّه ﵎ عنه [ (١) ] .
стр. 3685
_________
[ () ] وأخرج الزبير قصة البعير بسياق آخر من طريق ربيعة بن عثمان، قال: دخل أعرابى على النبي ﷺ وسلّم وسلم، وأناخ ناقته بفنائه، فقال بعض الصحابة للنعيمان الأنصاري: لو عقرتها فأكلناها، فإنا قد قرمنا، إلى اللحم. ففعل، فخرج الأعرابي وصاح: وا عقراه يا محمد. فخرج النبي ﷺ ، فقال: من فعل هذا؟ فقالوا: النعيمان، فاتبعه يسأل عنه حتى وجده قد دخل دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، واستخفى تحت سرب لها فوقه جريد، فأشار رجل إلى النبي ﷺ وآله وسلّم حيث هو، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: الذين دلوك عليّ يا رسول اللَّه، هم الذين أمرونى. قال: فجعل يمسح التراب عن وجهه ويضحك ثم غرمها للإعرابى.
وقال الزبير أيضا: حدثني عمى، عن جدي، قال: كان مخرمة بن نوفل قد بلغ مائة وخمس عشرة سنة، فقام في المسجد يريد أن يبول فصاح به الناس: المسجد! المسجد! فأخذ نعيمان بن عمرو بيده وتنحى به ثم أجلسه في ناحية أخرى، فقال له: بل هاهنا. قال: فصاح به الناس. فقال ويحكم: فمن أتى به إلى هذا الموضع؟ قالوا: النعيمان. قال: أما إن للَّه على إن ظفرت به أن أضربه بعصاي هذه ضربة تبلغ منه ما بلغت. فبلغ ذلك نعيمان، فمكث ما شاء اللَّه، ثم أتاه يوما وعثمان قائم يصلى في ناحية المسجد، فقال لمخرمة: هل لك في نعيمان؟ قال: عم. قال: فأخذ بيده حتى أوقفه على عثمان، وكان إذا صلى لا يلتفت، فقال:
دونك هذا نعيمان، فجمع بيده بعصاه فضرب عثمان فشجه، فصاحوا به: ضربت أمير المؤمنين.... فذكر بقية القصة.
وقال عبد الرازق: أنبأنا معمر، عن أيوب، عن محمد بن سيرين- أن ناسا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ نزلوا بماء، وكان النعيمان بن عمرو يقول لأهل الماء: يكون كذا وكذا، فيأتونه باللبن والطعام، فيرسله إلى أصحابه، فبلغ أبا بكر خبره، فقال: أرانى آكل من كهانة النعيمان منذ اليوم، فاستقاء ما في بطنه.
قلت: وقد استقاء أ [وبكر ما أكل من جهة كهانة عبد كان يخدمه، أخرجها البخاري، وهي غير هذه القصة، فإن فيها أنه قال: كنت تكهنت لهم في الجاهلية. له ترجمة (الإصابة) :
٦/ ٤٦٣- ٤٦٦، ترجمة رقم (٨٧٩٤) ، (الاستيعاب) : ٤/ ١٥٠٣، ترجمة رقم (٢٦٢١) .
стр. 3686
فصل في ذكر بناء رسول اللَّه ﷺ مسجده وبيوته
اعلم أن لرسول اللَّه ﷺ بالمدينة مسجدين بناهما، أحدهما مسجد قباء، والآخر مسجده، الّذي بنى حجر نسائه بجواره، وهو المعروف المشهور، الّذي تشد إليه الرحال، ومثابة الناس، عربهم وعجمهم، من أقطار الأرض في كل عام، حيث قبره المقدس ﷺ وكانت في المدينة فيما ذكر البلاذري تسعه مساجد، وكانوا يصلون فيها ويجتمعون مع رسول اللَّه ﷺ .
أما مسجد قباء
فقال البلاذري: وكان من يقدم رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة، بعد أبى سلمة بن عبد الأسد، ومن نزلوا عليه بقباء [ (١) ] ، بنوا مسجدا يصلون فيه،
стр. 3687
والصلاة يومئذ إلى بيت المقدس، فجعلوا قبلته إلى ناحية بيت المقدس، فلما قدم رسول اللَّه ﷺ صلى بهم فيه.
وقال [الوزير الفقيه أبى عبيد، عبد اللَّه بن عبد العزيز البكري الأندلسى [ (١) ]] في (معجم ما استعجم [من أسماء البلاد والمواضع] ) : من العرب من يذكره ويصرفه، ومنهم من يؤنثه ولا يصرفه.
وذكر ابن زبالة: أنها إنما سميت قباء ببئر كانت تسمى قباء، يتطيرون منها فسموها قباء.
وقال ابن إسحاق [ (٢) ] فأقام رسول اللَّه ﷺ بقباء في بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس.
وقيل: أقام اثنين وعشرين ليله حكاه يحى. وفي (صحيحه) : أقام فيهم أربعة عشرة ليلة.
قال ابن إسحاق [ (٣) ] : وأسس مسجده، ثم أخرجه اللَّه تعالى من بين أظهرهم يوم الجمعة، وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك، فيقال: أقام ثلاثا وعشرين ليلة، ويقال: بضع عشرة ليلة.
وقال موسى بن عقبة: ومكث رسول اللَّه ﷺ في بنى عمرو بن عوف ثلاث ليال. ويقول بعض الناس: بل مكث أكثر من ذلك، وأخذ فيهم مسجدا وأسسه، وهو الّذي ذكر في القرآن الكريم أنه أسس على التقوى [ (٤) ] .
وقال أبو القاسم السهيليّ: وذكر ابن أبى خيثمة أن رسول اللَّه ﷺ أسسه كان هو أول من وضع حجرا في قبلته، ثم جاء أبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه بحجر فوضعه، ثم جاء عمر رضى اللَّه ﵎ عنه بحجر
стр. 3688
فوضعه إلى حجر أبى بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، ثم أخذ الناس في البنيان.
وعن الشموس بنت النعمان [ (١) ] قالت: كان رسول اللَّه ﷺ حين بنى مسجد قباء، أتى بالحجر قد صهره إلى بطنه فيضعه، فيأتى الرجل يريد أن يقله فلا يستطيع، حتى يأمره أن يدعه ويأخذ غيره صهره وأصهره إذا ألصقه بالشيء، ومنه اشتقاق الصهر في القرابة [ (٢) ] .
стр. 3689
قال: وهذا المسجد في الإسلام، وفي أهله نزلت: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [ (١) ] : فهو على هذا هو المسجد الّذي أسس على التقوى، وإن كان
قد روى أبو سعيد الخدريّ رضى اللَّه ﵎ عنه أن رسول اللَّه ﷺ سئل عن المسجد الّذي أسس على التقوى فقال: مسجدي هذا. وفي رواية أخرى قال: وفي الآخر خير كثير.
وقد قال لبني عمرو بن عوف حين نزلت: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى [ (٢) ] : ما الطهور الّذي من اللَّه به عليكم؟ فذكروا له الاستنجاء بالماء بعد الاستجمار بالحجارة، فقال: هو ذاكم فعليكموه. وليس بين الحديثين تعارض، كلاهما أسس على التقوى، غير أنه قوله سبحانه: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [ (٣) ] يقتضي مسجد قباء، لأن تأسيسه كان من أول يوم من حلول رسول اللَّه ﷺ دار هجرته، والبلد الّذي هو مهاجره. قلت: حديث أبى سعيد الخدريّ رضى اللَّه ﵎ عنه. الّذي أشار إليه أبو القاسم السهيليّ خرجه مسلم [ (٤) ] من طريق يحيى بن سعيد عن حميد الخراط قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: مر بى عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدريّ، قال: فقلت:
كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الّذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفا من حصباء، فضرب به الأرض، ثم قال: هو مسجدكم هذا، لمسجد المدينة قال:
فقلت: اشهد أنى سمعت أباك هكذا ذكره.
وذكره من طريق حاتم بن إسماعيل، عن حميد، عن أبى سلمة عن أبى سعيد، عن النبي ﷺ بمثله. ولم يذكر عبد الرحمن بن أبى سعيد في الإسناد [ (٥) ] ذكره في كتاب الحج.
стр. 3690
وخرجه الترمذي [ (١) ] من طريق قتيبة بن حاتم بن إسماعيل، عن أنيس ابن أبى نجيح، عن أبيه، عن أبى سعيد الخدريّ رضى اللَّه ﵎ عنه. قال الترمذي: من بنى حدده، ورجل من بنى عمرو بن عوف، في المسجد الّذي أسس على التقوى: فقال الخدريّ: هو مسجد رسول اللَّه ﷺ في ذلك، فقال: هذا هو، يعنى مسجده وفي ذلك خير كثير
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه النسائي [ (٢) ] من حديث قتيبة بن سعيد قال: انبأنا الليث عن عمران بن أبى أنس، عن ابن أبى سعيد الخدريّ رضى اللَّه ﵎ عنه قال: تمارى رجلان في المسجد الّذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول اللَّه ﷺ فقال رسول اللَّه ﷺ : هو مسجدي هذا.
стр. 3691
وخرجه الترمذي [ (١) ] من هذا الطريق وقال: حديث حسن صحيح غريب من حديث عمران بن أبى أنس. ذكره في التفسير.
وقال القاضي عياض: وروى أن النبي ﷺ سئل أي مسجد هو قال:
مسجدي هذا. وهو قول ابن المسيب، وزيد بن ثابت وابن عمر، ومالك بن أنس، وغيرهم.
وعن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما أنه مسجد قباء.
وخرج الدارقطنيّ [ (٢) ] من حديث عتبة بن أبى حكيم، عن طلحة بن نافع رضى اللَّه ﵎ عنه، أنه حدثه قال: حدثني أبو أيوب، وجابر بن عبد اللَّه، وأنس بن مالك، رضى اللَّه ﵎ عنهم، عن رسول اللَّه ﷺ في هذا، الآية: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ فقال: يا معشر الأنصار، إن اللَّه قد أثنى عليكم خيرا في الطهور، فما طهوركم؟ قالوا: يا رسول اللَّه، نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، فقال رسول اللَّه ﷺ : فهل مع ذلك غير؟ قالوا: لا، غير أن أحدنا إذا خرج من الغائط، أحب أن يستنجى بالماء، قال: هو ذاك فعليكموه.
стр. 3692
وذكر السهيليّ: أن عمار بن ياسر هو الّذي أشار على رسول اللَّه ﷺ ببناء مسجد قباء، وهو الّذي جمع الحجارة له، فلما أسسه رسول اللَّه ﷺ [اعتنى] ببنائه عمار.
وكذلك ذكره ابن إسحاق، في رواية يونس بن بكير عنه.
وقال الحاكم [ (١) ] : قدم رسول اللَّه ﷺ أول من قدمها ضحى، فقال عمار ابن ياسر: ما لرسول اللَّه ﷺ يريد أن نجعل له مكانا إذا استيقظ من قائلتنا استظل فيه، فجمع عمار بن ياسر حجارة فبنى مسجد قباء، فهو أول ما بنى.
وقال عمر بن شبة عن الواقدي، عن أفلح بن سعيد عن ابن كعب القرظي قال: قدم رسول اللَّه ﷺ قباء وقد بنى أصحابه مسجدا يصلون فيه الى بيت المقدس، فلما قدم صلى بهم إليه، ولم يحدث في المسجد شيئا.
وعن مسلم بن حماد، عن ابن ونيس، قال: بنى رسول اللَّه ﷺ مسجد قباء، وقدم القبلة إلى موضعها اليوم. وقال عمار الذهبي: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن ما بين الصومعة الى القبلة زاده عثمان بن عفان رضى اللَّه ﵎ عنه.
وقال حماد بن سلمة عن أبى جعفر الخطميّ، أن عبد اللَّه بن رواحة كان يقول وهم بينون مسجد قباء:
أفلح من يعالج المساجدا
فقال رسول اللَّه ﷺ : المساجدا، فقال عبد اللَّه:
ويقرأ القرآن قائما وقاعدا
فقال رسول الله ﷺ : قاعدا، فقال عبد اللَّه:
ولا يبيت عنه الليل راقدا
فقال رسول اللَّه ﷺ : راقدا.
وقال عمر بن شبة أنبأنا عفان قال: أنبأنا حماد بن زيد، قال: انبأنا أيوب عن سعيد بن جبير، أن بنى عمرو بن عوف ابتنوا مسجدا، وأرسلوا إلى
стр. 3693
رسول اللَّه ﷺ . فدعوه ليصلي فيهم، ففعل، وأتاهم فصلى فيه، فحسدتهم اخوتهم بنو عوف فقالوا: لنبنى مسجدا، وندعو النبي ﷺ فيصلي فيه كما يصلى في مسجد إخوتنا، ولعل أبا عامر يصلى فيه. وكان بالشام، فابتنوا مسجدا، وأرسلوا إلى النبي ﷺ ليصلي فيه فقام ليأتيهم. فأنزل اللَّه ﵎ القرآن:
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ* لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ* أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ (١) ] حدثنا موسى بن إسماعيل قال: أنبأنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان موضع مسجد قباء لامرأة يقال لها لبة. كانت تربط حمارا لها فيه، فابتنى سعد بن خيثمة مسجدا، فقال أهل مسجد الضرار: نحن نصلي في مربط حمار لبة؟ لا، لعمرو اللَّه، لكنا نبنى مسجد الضرار نحن نصلي فيه حتى يجيء أبو عامر فيؤمنا فيه، وكان أبو عامر فر من اللَّه ورسوله ولحق بمكة، ثم لحق بعد ذلك بالشام، فتنصر، فمات بها فأنزل اللَّه:
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [ (٢) ] .
стр. 3694
وفي الصحيحين [ (١) ] عن ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يزور قباء راكبا وماشيا.
وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما قال: كان رسول اللَّه ﷺ يأتي قباء كل سبت، ولم تزل الصحابة تزوره وتعظمه. ولما بنى عمر بن عبد العزيز المسجد النبوي، بنى مسجد قباء ووسعه، فذكر خبر ذلك هنا إن شاء اللَّه تعالى.
قال أبو غسان: طول مسجد قباء وعرضه سواء، وهو ست وستون ذراعا، وطول ذرعه في السماء تسعة عشر ذراعا، وطول رحبته التي في جوفه خمسون ذراعا، وعرضها سبعة أذرع وشبر في تسعة أذرع، وفيه ثلاثة أبواب، وثلاثة وثلاثون أسطوانة، ومواضع القناديل أربعة عشر قنديلا.
قال الحمامي: بين مسجد قباء ومسجد النبي ﷺ ميلان ونصف.
[و] وذكر ابن زبالة أن مسجد قباء على سبع أساطين، وكانت لها درجة فيه يؤذن فيها، يقال لها النعامة، حتى زاد فيه الوليد بن عبد الملك بن مروان بعد ذلك.
وإن سعد بن عبيد [ (٢) ] بن قيس بن النعمان بن عمرو بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف، كان يصلى في مسجد قباء في عهد
стр. 3695
رسول اللَّه ﷺ ، وفي زمان أبى بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، حتى توفى زمان عمر بن الخطاب رضى اللَّه ﵎ عنه، فأمر عمر رضى اللَّه ﵎ عنه مجمع بن جارية [ (١) ] أن يصلى بهم بعد أن رده وقال له: كنت إمام مسجد الضرار، فقال: يا أمير المؤمنين، كنت غلاما حدثا، وكنت أرى أن أمرهم على أحسن ذلك، وقدمونى لما معى من القرآن، وكان قد جمع
стр. 3696
القرآن في زمن النبي ﷺ إلا سورة أو سورتين، فأمره رضى اللَّه ﵎ عنهم فصلى بهم.
وأما مسجد رسول اللَّه ﷺ
فإنه وما يليه من جهة المشرق، دار بنى غنم بن مالك بن النجار، ويقال:
كان جدارا محددا بلا سقف، بناه أسعد، وكان يصلى فيه. وجمع الجمعة بأصحابه. وقيل: إن مصعب بن عمير كان يصلى فيه.
خرج البخاري [ (١) ] ومسلم [ (٢) ] وأبو داود [ (٣) ] ، من حديث عبد الوارث، عن أبى التياح، عن أنس بن مالك رضى اللَّه ﵎ عنه. قال: قدم رسول
стр. 3697
_________
[ () ] بهذا الإسناد مطولا في أبواب المساجد من أوائل كتاب الصلاة، والغرض منه هنا ما اقتصر عليه من قولهم لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه فإن ظاهره أنهم تصدقوا بالأرض للَّه ، فقبل النبي ﷺ ذلك، ففيه دليل لما ترجم له، وأما ما ذكره الواقدي أن أبا بكر دفع ثمن الأرض لمالكها منهم وقدره عشرة دنانير فإن ثبت ذلك كانت الحجة للترجمة من جهة تقرير النبي ﷺ على ذلك ولم ينكر قولهم ذلك، فلو كان وقف المشاع لا يجوز لأنكر عليهم وبين لهم الحكم، واستدل بهذه القصة على أن الحكم المسجد يثبت للبناء إذا وقع بصورة المسجد ولو لم يصرح الباني بذلك، ومن بعض المالكية إن أذن فيه ثبت له حكم المسجد، ومن الحنفية إن أذن للجماعة بالصلاة فيه ثبت والمسألة مشهورة، ولا يثبت عند الجمهور إلا إن صرح الباني بالوقفية أو ذكر صيغة محتملة ونوى معها. وجزم بعض الشافعية بمثل ما نقل عن الحنفية لكن في الموات خاصة، والحق أنه ليس في حديث الباب ما يدل لإثبات ذلك ولا نفيه واللَّه أعلم.
قوله «لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه» أي لا نطلب ثمنه من أحد لكن هو مصروف إلى اللَّه، فالاستثناء على هذا التقدير منقطع، أو التقدير لا نطلب ثمنه إلا مصروفا إلى اللَّه، فهو متصل (المرجع السابق) : ٧/ ٣٣٧- ٣٣٨، كتاب مناقب الأنصار، باب (٤٦) مقدم النبي ﷺ وأصحابه المدينة حديث رقم (٣٩٣٢) قوله: (بحائطكم) أي بستانكم وقد تقدم في الباب قبله أنه كان مربدا، فعله كان أولا حائطا ثم خرب فصار مربدا، ويؤيده قوله: «إنه كان فيه نخل وخرب» وقيل: كان بعضه بستانا وبعضه مربدا، وقد تقدم في الباب الّذي قبله تسمية صاحبي المكان المذكور ووقع عند موسى بن عقبة عن الزهري أنه اشتراه منهما بعشرة دنانير، وزاد الواقدي أن أبا بكر دفعها لهما عنه، قوله «خرب» بكسر المعجمة وفتح الراء والموحدة، وتقدم توجيه آخر في أوائل الصلاة بفتح أوله وكسر ثانيه، قال الخطابي: أكثر الرواة بالفتح ثم الكسر، حدثناه الخيام بالكسر ثم الفتح، ثم حكى احتمالات: منها الخرب بضم أوله وسكون ثانيه قال: هي الخروق المستديرة في الأرض، والجرف بكسر الجيم وفتح الراء بعدها فاء ما تجرفه السيول تأكله من الأرض، والحدب بالمهملة وبالدال المهملة أيضا المرتفع من الأرض، قال وهذا لائق بقوله: «فسويت» لأنه إنما يسوى المكان المحدوب، وكذا الّذي جرفته السيول، وأما الخراب فيبني ويعمر دون أن يصلح ويسوى. قلت: وما المانع من تسوية الخراب بأنه ما يزال ما بقي منه ويسوى أرضه، ولا ينبغي الا لنفاث إلى هذه الاحتمالات مع توجيه الرواية الصحيحة.
стр. 3698
_________
[ () ] قوله. فأمر رسول اللَّه ﷺ بقبور المشركين فنبشت، قال ابن بطال: لم أجد في نبش قبور المشركين لتتخذ مسجدا نصا عن أحد من العلماء نعم اختلفوا هل تنبش بطلب المال؟
فأجازه الجمهور ومنعه الأوزاعي وهذا الحديث حجة للجواز، لأن المشرك لا حرمة له حيا ولا ميتا، وقد تقدم في المساجد البحث فيما يتعلق بها.
قوله: «وبالنخل فقطع» هو محمول على أنه لم يكن يثمر لكن دعت الحاجة إليه لذلك.
قوله: «فصفوا النخل» أي موضع النخل وقوله: «عضادتيه» بكسر المهملة وتخفيف المعجمة تثنية عضادة، وهي الخشبة التي على كتف الباب، ولكل باب عضادتان، وأعضاء كل شيء ما يشد حوانيه.
قوله: «يرتجزون» أي يقولون رجزا، وهو ضرب من الشعر على الصحيح.
وقوله: «فانصر الأنصار والمهاجرة» كذا رواه أبو داود بهذا اللفظ، وسبق ما فيه في أبواب المساجد، واحتج من أجاز بيع المالك بهذه القصة لأن المساومة وقعت مع غير الغلامين وأجيب باحتمال أنهما كان من بنى النجار فساومهما وأشرك معهما في المساومة عمها الّذي كانا في حجرة كما تقدم في الحديث الثاني عشر (فتح الباري) .
[ (٢) ] مسلم بشرح النووي: ٥/ ١٠، كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب (١) اقتناء مسجد النبي ﷺ ، حديث رقم (٥٢٤) ، وفي هذا الحديث جواز الارتجاز وقول الأشعار، في حال الأعمال الثقال ونحوها لتثبيت النفوس وتسهيل الأعمال والمشي عليهما (شرح النووي) .
[ (٣) ] (سنن أبى داود) : ١/ ٣٠٢، كتاب الصلاة، باب (١٢) في بناء المسجد، حديث رقم (٤٥٣) ، وقال الخطابي في (معالم السنن) : فيه من الفقه أن المقابر إذا نبشت ونقل ترابها ولم يبق هناك نجاسة تخالط أرضها فإن الصلاة فيها جائزة، وإنما نهى ﷺ عن الصلاة في المقبرة إذا كان قد خالط ترابها صديد الموتى ودمائهم فإذا نقلت عنها، زال ذلك الاسم وعاد حكم الأرض إلى الطهارة.
وفيه من العلم أنه أباح نبش قبور الكفار عند الحاجة إليه. وقد روى عنه ﷺ أنه أمر أصحابه بنبش قبر أبى رغال في طريقه إلى الطائف، وذكر لهم أنه دفن معه غصن من ذهب فابتدروه فأخرجوه. وفي أمره بنبش قبور المشركين بعد ما جعل أربابها تلك البقعة لرسول اللَّه ﷺ ، دليل على أن الأرض التي يدفن فيها الميت باقية على ملك أوليائه. وكذلك ثيابه التي يكفن فيها، وان النباش سارق من حرز في ملك ولو كان موضع القبر وكفن الميت مبقّى على
стр. 3699
اللَّه ﷺ المدينة، فنزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشر ليلة، ثم أرسل إلى بنى النجار، فجاءوا متقلدين سيوفهم.
قال أنس رضى اللَّه ﵎ عنه: وكأنى انظر إلى رسول اللَّه ﷺ على راحلته، وأبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه ردفه. وملأ بنى النجار حوله، حتى ألقى بفناء بنى أيوب رضى اللَّه ﵎ عنه.
وذكر ابن إسحاق في (التهذيب) أن [أبا] أيوب كان يتبع بناء النبي ﷺ ، وتبع هذا اسمه بناء.
حدثنا سعد قال: قال أنس رضى اللَّه ﵎ عنه: كان رسول اللَّه ﷺ يصلى حيث أدركته الصلاة، ويصلى في مرابض الغنم ثم أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى بنى النجار، فجاءوا، فقال: يا بنى النجار، ثامنونى بحائطكم هذا، قالوا: لا واللَّه، لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه.
وظاهر هذا أنهم لم يأخذوا ثمنه.
وفي (طبقات ابن سعد) ، عن الواقدي: أنه ﷺ اشتراه من ابني عفراء بعشرة دنانير ذهبا، دفعها أبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه. ونقل ابن عقبة أن أسعد مات قبل أن يبنى المسجد، فابتاعه النبي ﷺ من وليهما.
وعن أبى معشر: اشتراه أبو أيوب منهما، فأعطاه رسول اللَّه ﷺ فبناه مسجدا.
قال أنس رضى اللَّه ﵎ عنه: كان فيه ما أقول لكم: كان فيه نخل، وقبور المشركين، خرب، فأمر رسول اللَّه ﷺ بالنخل فقطع وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت [قد صنعوا] النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادته حجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون. ورسول اللَّه ﷺ معهم ويقولون:
стр. 3700
اللَّهمّ لا خير إلا خير الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة
ذكره البخاري في باب نبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد، وذكره في كتاب الهجرة بهذا السند، إلا أنه قال: فانصر الأنصار والمهاجرة. وذكره في آخر كتاب الحج، في باب حرم المدينة، وفي باب بنيان المسجد [ (١) ] .
وقال أبو سعيد الخدريّ رضى اللَّه ﵎ عنه: كان سقف المسجد من جريد النخل، وأمر عمر رضى اللَّه ﵎ عنه ببناء مسجد فقال: اكفوا الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس.
وأورد حديث صالح بن كيسان: أنبأنا نافع أن عبد اللَّه أخبره أن المسجد كان على عهد رسول اللَّه ﷺ مبينا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده عسب النخل.
قال موسى بن عقبة: والمسجد يومئذ سقفه من جريد النخل، وخوص لبن على السقف، كثير الطين، إذا كان المطر يملأ المسجد طينا، وإنما هو كهيئة العريش، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهد رسول اللَّه ﷺ ، باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبا، ثم عمره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جدره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج. وأخرجه أبو داود.
وخرج أبو داود [ (٢) ] أيضا من حديث عمر بن سليم الباهلي، عن أبى الوليد، قال: سألت ابن عمر عن الحصا الّذي في المسجد فقال: مطرنا ذات ليلة فأصبحت الأرض مبتلة، فجعل الرجل يجيء بالحصى في ثوبه فيبسطه تحته، فلما قضى رسول اللَّه ﷺ الصلاة قال: أحسن هذا.
وخرجه قاسم بن أصبغ بهذا السند، ولفظه: حدثني أبو الوليد، قال: قلت لابن عمر: بدؤ هذا الحصا في المسجد؟ قال: نعم، مطرنا من الليل،
стр. 3701
فخرجت لصلاة الغداة، وكان الرجل يمر على البطحاء فيجعل في ثوبه من الحصباء، فيصلي عليه، فلما رأى رسول اللَّه ﷺ ذلك قال: ما أحسن هذا البساط!
وكان ذلك بدؤه.
قلت: عمر بن سليم الباهلي، البصري، يروى عن الحسن، وأبى غالب صاحب أبى أمامة، وقتادة، وغيرهم. ويروى عنه: زيد بن الخطاب، وكثير بن هشام، ومسلم بن إبراهيم، وسهل بن عامر، وآخرون. خرج له أبو داود، وابن ماجة، وقال ابن أبى حاتم: صدوق، وأبو الوليد هذا مجهول.
قال أبو حاتم: هو مولى عبد اللَّه بن رواحة [ (١) ] .
ويقال: أن رسول اللَّه ﷺ أمر يخضب المسجد، فمات قبل ذلك، فخضبه عمر بن الخطاب رضى اللَّه ﵎ عنه، وزاد فيه، دار العباس، رضى اللَّه ﵎ عنه.
وقال ابن إسحاق [ (٢) ] : فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة، قال: حدثني رجال من قومي، من أصحاب رسول اللَّه ﷺ قالوا: سمعنا بمخرج رسول اللَّه ﷺ من مكة، وتوكفنا [ (٣) ] قدومه، كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرّتنا، ننتظر رسول اللَّه ﷺ ، فو اللَّه ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلا دخلنا، وذلك في أيام حارة.
حتى إذا كان اليوم الّذي قدم فيه رسول اللَّه ﷺ ، جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا، وقدم رسول اللَّه ﷺ حين دخلنا البيوت، فكان أول من رآه رجل من اليهود، وقد رأى ما كنا نصنع، وأنا ننتظر قدوم رسول اللَّه ﷺ علينا، فصرح بأعلى صوته: يا بنى قيلة! هذا جدكم قد جاء!.
стр. 3702
قال: فخرجنا إلى رسول اللَّه ﷺ ، وهو في ظل نخلة، ومعه أبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه في مثل سنه، وأكثر [الناس] لم يكن رأى رسول اللَّه ﷺ قبل ذلك..
وركبه الناس ولا يعرفونه من أبى بكر حتى زال الظل عن رسول اللَّه ﷺ ، فقام أبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك [ (١) ] .
قال ابن إسحاق: فنزل رسول اللَّه ﷺ فيما يذكرون على كلثوم بن هدم، أخى بنى عمرو بن عوف، ثم أحد بنى عبيد، ويقال: بل نزل على سعد بن خيثمة.
ويقول من تذكر: انه نزل على كلثوم بن هدم، وإنما كان رسول اللَّه ﷺ إذا خرج من منزل كلثوم بن هدم، جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة.
قال ابن إسحاق [ (٢) ] : فأقام رسول اللَّه ﷺ بقباء في بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس. وأسس مسجده، ثم أخرجه اللَّه تعالى من بين أظهرهم يوم الجمعة، فأدركت رسول اللَّه ﷺ الجمعة في بنى سالم بن عوف، فصلاها، فكانت أول جمعة بالمدينة صلاها بالمدينة.
فأتاه عتبان بن مالك، وعباس بن عبادة بن نضلة، في رجال من بنى سالم بن عوف، فقالوا: يا رسول اللَّه! أقسم عندنا في العدد والعدة والمنعة، قال: خلوا سبيلها فإنّها مأمورة لنا فيه، فخلوا سبيلها.
فذكره إلى أن قال: فانطلقت حتى جاءت دار بنى مالك بن النجار، وبركت على باب مسجده ﷺ ، وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين من بنى النجار، ثم من بنى مالك، في حجر معاذ بن عفراء سهل وسهيل ابني عمرو.
стр. 3703
فلما بركت [ (١) ] ورسول اللَّه ﷺ عليها لم ينزل وثبت، فسارت غير بعيد ورسول اللَّه ﷺ ، واضع لها زمامها لا يثنيها به ثم التفتت إلى خلفها، فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه، ثم تحلحلت وزمت، وألقت بجرانها فنزل نها رسول اللَّه ﷺ فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رضى اللَّه ﵎ عنه رحله فوضعه في بيته، فنزل عليه رسول اللَّه ﷺ [ (٢) ] .
وسأل عن المربد، لمن هو؟ فقال له معاذ ابن عفراء: هو يا رسول اللَّه لسهل وسهيل ابني عمرو، وهما يتيمان لي، وسأرضيهما منه، فاتخذه مسجدا، فأمر به رسول اللَّه ﷺ أن يبنى [ (٣) ] .
ونزل رسول اللَّه ﷺ على أبى أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه، فعمل فيه رسول اللَّه ﷺ ليرغب المسلمين في العمل فيه، فيعمل فيه المهاجرون والأنصار، ودأبوا فيه. فقال قائل من المسلمين:
لئن قعدنا والنبي يعمل ... لذاك منا العمل المضلل
وارتجز المسلمون وهم بينونة، يقولون:
لا عيش إلا عيش الآخرة ... اللَّهمّ ارحم الأنصار والمهاجرة
فدخل عمار بن ياسر رضى اللَّه ﵎ عنه وقد أثقلوه باللبن، فقال: يا رسول اللَّه ﷺ ! قتلوني، يحملون عليّ ما لا يحملون، قالت أم سلمة رضى اللَّه ﵎ عنها: فرأيت رسول اللَّه ﷺ ينفض وفرته بيده، وكان رجلا جعدا وهو يقول: ويح ابن سمية! ليسوا بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية [ (٤) ] .
وارتجز عليّ بن أبى طالب رضى اللَّه ﵎ عنه يومئذ:
стр. 3704
لا يستوي من يعمر المساجدا ... يدأب فيها [ (١) ] قائما وقاعدا
ومن بريء عن العباد مكائدا [ (٢) ]
فأخذهما عمار وجعل يرتجزهما.
قال ابن إسحاق: وأقام رسول اللَّه ﷺ في بيت أبى أيوب حتى بنى له مسجده ومساكنه، ثم انتقل إلى مساكنه من بيت أبى أيوب [ (٣) ] .
قال فأقام بالمدينة إذ قدمها شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة الداخلة، حتى بنى له فيها مسجده ومساكنه.
وقال موسى بن عقبة: عن ابن شهاب: وكان المسجد مربدا للتمر لغلامين يتيمين من بنى النجار، في حجر أسعد بن زرارة لسهل وسهيل ابني عمرو. وزعموا أنه كان رجال من المسلمين يصلون في ذلك المربد، قبل قدوم رسول اللَّه ﷺ ، ويقال: بل اشتراه رسول اللَّه ﷺ منهما، فابتناه مسجدا، فطفق هو وأصحابه ينقلون اللبن ويقولون- وهو ينقل اللبن مع أصحابه-:
هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبرّ ربّنا وأطهر
ويقول:
اللَّهمّ لا خير إلا خير الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة
وقال البلاذري: وكان مربدا ليتيمين في حجر أسعد بن زرارة [ (٤) ] وفيه جدار كان أسعد بناه تجاه بيت المقدس، وكان يصلى إليه بمن أسلم قبل قدوم مصعب بن عمير، ثم صلى بهم إليه مصعب.
стр. 3705
ويقال: إن أسعد صلى بهم قبل قدوم مصعب وبعده، إلى قدوم المهاجرين والأنصار، لأن مصعب لم يزد على تعليمهم القرآن.
وذكر محمد بن سعد عن الواقدي، أن النبي ﷺ اشتراه من ابني عفراء بعشرة دنانير ذهبا، دفعها أبو بكر الصديق رضى اللَّه ﵎ عنه.
وروى أبو بكر بن أبى الدنيا، من حديث الحسين بن حماد، والصبى، قال: أنبأنا عبد الرحيم بن سليمان، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، قال: لما بنى رسول اللَّه ﷺ المسجد، وأعانه عليه أصحابه، وهو معهم يتناول اللبن حتى اغبر صدره، فقال: ابنوا عريشا كعريش موسى، فقلت للحسن: ما عريش موسى؟ قال: إذا رفع يده بلغ العريش، يعنى السقف.
وقال ملازم بن عمرو [ (١) ] : أنبأنا عبد اللَّه بن زيد، عن قيس بن طلق.
عن أبيه طلق بن على قال: بنيت مع رسول اللَّه ﷺ مسجد المدينة، فكان يقول: الثمامي من الطين، فإنه من أحسنكم له بناء.
стр. 3706
وقد ذكر أبو عبد اللَّه محمد بن الحسين بن أبى إسحاق بن زبالة، أن النبي ﷺ بنى مسجده مرتين: بناه حين قدم أقل من مائة في مائة، فلما فتح اللَّه تعالى عليه خيبر، بناه وزاد عليه مثله في الدور، وضرب الحجرات، ما بينه وبين القبلة والمشرق إلى الشام، ولم يضربها في غربية.
وقد ذكر غير واحد أن المسجد النبوي بنى باللبن، وجعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، وباب يقال له باب الرحمة، وباب يدخل منه ﵇، وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائتي ذراع.
وقال السهيليّ: وبنى مسجد رسول اللَّه ﷺ ، وسقف بالجريد، وجعلت قبلته من اللبن إلى بيت المقدس، ويقال: بل من حجارة منضودة بعضها على بعض، وجعلت عمده من جريد النخل، فتخرب في خلافة عمر رضى اللَّه ﵎ عنه، فجدده، فلما كانت [خلافة] عثمان رضى اللَّه ﵎ عنه بناه بالحجارة المنقوشة بالقصة، وسقفه بالساج، وجعل قبلته من الحجارة إلى بيت المقدس، فلما كانت أيام بنى العباس، بناه محمد بن أبى جعفر المهدي، وزاد فيه، وذلك في سنة ستين ومائة، ثم زاد فيه المأمون بن الرشيد في سنة ثنتين ومائتين، وأتقن بنيانه.
***
стр. 3707
بسم اللَّه الرحمن الرحيم وصلى اللَّه على سيدنا محمد وسلّم وصحبه وسلم [ (١) ]
فصل في ذكر من بنى لرسول اللَّه ﷺ مسجده
خرج الإمام أحمد من طريق ملازم بن عمر، حدثنا سراج عن عقبة وعبد اللَّه بن بدير، أن قيس بن طلق حدثهم أن أباه طلق بن على رضى اللَّه ﵎ عنه قال: بنيت المسجد مع رسول اللَّه ﷺ ، فكان يقول: قرب اليمامي من الطين، فإنه أحسنكم له مسا وأشدكم منكبا [ (٢) ] .
وخرجه الطبراني في (الكبير) من حديث مسدّد، حدثنا ملازم، حدثنا عبد اللَّه بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه، قال: بنيت مع النبي ﷺ المسجد.
وله عنده طرق آخر.
وخرجه الإمام أحمد من حديث أيوب عن قيس، عن أبيه قال: جئت إلى النبي ﷺ وأصحابه يبنون، قال: فكان لم يعجبه عملهم، قال: فأخذت
стр. 3708
المسحاة فخلطت بها الطين، قال: فكأنه أعجبه أخذى المسحاة وعملي، فقال ﷺ : دعوا الحنفي والطين، فإنه أضبطكم للطين.
وقال البزار: حدثنا أحمد بن داود، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أبو مالك النخعي، عن سفيان بن أبى حبيبة، عن أبى أوفى، قال: لما توفيت امرأته جعل يقول: احملوا وارغبوا في حملها، فإنّها كانت تحمل ومواليها بالليل حجارة المسجد الّذي أسس على التقوى وكنا نحمل بالليل حجرين.
وطلق بن على بن طلق [ (١) ] بن عمرو، ويقال: طلق بن على بن قيس ابن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن عبد العزيز بن سخيم بن مرة بن الدؤل بن حنيفة، السحمىّ، الحنفىّ، اليمامي، أبو على. ويقال: طلق بن يمامة، وهو والد قيس بن طلق اليمامي، وقد ابتنى في المسجد، وروى أحاديثا، فحدث عنه ابنه قيس، وبنته خلدة، وعبد اللَّه بن بدر، وعدة من أهل اليمامة.
وأما بيوته ﷺ
فإنّها كانت تسعة بعضها من جريد مطين بالطين وعليها جريد وبعضها من حجارة مرصوفة بعضها على بعض مسقفة بالجريد أيضا.
وخرج البخاري في (الأدب المفرد) من طريق حداث بن السائب قال:
سمعت الحسن يقول: كنت أدخل بيوت أزواج النبي ﷺ في خلافة عثمان رضى اللَّه ﵎ عنه فأتناول سقفها بيدي [ (٢) ] .
стр. 3709
وخرج من طريق عبد اللَّه، قال: أنبأنا داود بن قيس قال: رأيت الحضورات من جريد النخل يغشى من خارج نطوح الشعر وأظن عرض البيت من باب حضوره، قال: رأيت البيت نحوا من ست أذرع أو سبع أذرع وأحجز البيت الداخل عشرة أذرع وأظن سمكة بين الثماني والتسع، ووقفت عند باب عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها فإذا هو مستقبل المغرب.
ومن طريق إبراهيم بن المنذر، أنبأنا محمد بن أبى فديك رأى حجر أزواج النبي ﷺ من جريد مستورة بمسوح الشعر، فسألته عن بيت عائشة
стр. 3710
رضى اللَّه ﵎ عنها فقال: كان بابه مواجه الشام، فقلت: مصراع كان أو مصرعين؟ قال: كان بابا واحدا، قلت من أي شيء؟ قال من عرر.
ومن طريق مالك بن إسماعيل حدثنا المطلب بن زياد، حدثنا أبو بكر بن عبد اللَّه الأصبهاني، محمد بن مالك بن المنتصر بن أنس رضى اللَّه ﵎ عنه قال: إن أبواب النبي ﷺ كانت تقرع، الاطاشى أي لا خلف لها ولما توفى أزواجه رضى اللَّه ﵎ عنهن، خلط البيوت والحجر بالمسجد وذلك في زمن الوليد بن عبد الملك بن مروان، فلما ورد كتابه بذلك فج أهل المدينة بالبكاء كيوم وفاته ﷺ .
وقال محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمر الواقدي. قال: سألت مالك ابن أبى الرجال أين كانت منازل أزواج رسول اللَّه ﷺ ؟ فأخبرني عن أبيه عن أمه أنها كانت كلها في الشق الأيسر إذا قمت إلى الصلاة إلى وجه الإمام في وجهه المنبر.
ولما توفيت زينب بنت خزيمة رضى اللَّه ﵎ عنها، أدخلت أم سلمة رضى اللَّه ﵎ عنها بينها في بيتها.
قال الواقدي: كانت لحارثة بن النعمان منازل قرب المسجد وحوله، فكلما أحدث رسول اللَّه ﷺ أهلا، تحول له حارثة عن منزله، حتى صارت منازله كلها لرسول اللَّه ﷺ وأزواجه.
قال ابن سعد [ (١) ] : وأوصت سودة ببيتها لعائشة رضى اللَّه ﵎ عنهما، وباع أولياء صفية بنت حيي بيتها من معاوية رضى اللَّه ﵎ عنهما، بمائة ألف وثمانين ألفا، وقيل: بمائتي ألف، وشرط لها سكناه حياتها، وحمل إليها المال، فما قامت من محلها، يعنى قسمته.
وقيل: بل اشتراه ابن الزبير من عائشة رضى اللَّه ﵎ عنهما بعث إليها خمسة أحمال تحمل المال، وشرط لها سكناها حياتها، ففرقت المال،
стр. 3711
فقيل لها: لو خبأت منه درهما [تشترى به لحما [ (١) ]] ؟ قالت: لو ذكرتموني لفعلت.
وتركت حفصة بيتها، فورثه ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهم، فلم تأخذ له ثمنا. فأدخل في المسجد.
قال ابن سعد [ (٢) ] : فقال عبد اللَّه بن زيد الهذلي: رأيت منازل أزواج رسول اللَّه ﷺ حين هدمها عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة، في خلافة الوليد بن عبد الملك، وزادها في المسجد، كانت بيوتا من لبن ولها حجز من جريد، عددت تسعة أبيات. بحجزها، ورأيت بيت أم سلمة رضى اللَّه ﵎ عنها وحجرتها من لبن، فقال ابن ابنتها: لما غزا رسول اللَّه ﷺ دومة الجندل، بنت أم سلمة حجرتها بلبن، فلما قدم قال: ما هذا البنيان؟ فقالت:
أردت أن أكف أبصار الناس، فقال: إن شر ما ذهب فيه مال المسلم البنيان.
وقال عطاء الخراساني [ (٣) ] أدركت حجر أزواج النبي ﷺ من جريد النخل، على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت كتاب الوليد يقرأ، يأمر بإدخال
стр. 3712
حجر أزواج رسول اللَّه ﷺ في مسجد رسول اللَّه، فما رأيت يوما أكثر باكيا من ذلك اليوم، فسمعت سعيد بن المسيب، يومئذ يقول: واللَّه لوددت أنهم تركوها على حالها، يبيت ناس من أهل المدينة، ويقدم القادم من الآفاق فيرى ما اكتفى به رسول اللَّه ﷺ في حياته، فيكون ذلك مما يزهّد الناس في التكاثر والمفاخرة.
فصل في ذكر منبر رسول اللَّه ﷺ
اعلم ان المنبر النبوي عمل من طرفاء الغابة في سنة ثمان من الهجرة، وقيل في سنة سبع، وأن امرأة أنصارية من بنى ساعدة، أمرت غلامها حسنا ويقال إبراهيم، فصنعه، وقيل: بل هي امرأة من الأنصار، وقيل: بل صنعه
стр. 3713
غلام العباس بن عبد المطلب رضى اللَّه ﵎ عنه واسمه صباح [ (١) ] ويقال: كلاب [ (٢) ] .
وفي رواية: فأرسله إلى أثلة في الغابة، فقطعها، ثم عملها درجتين ومجلسا، ثم جاء بالمنبر فوضعه موضعه.
وقيل كان المنبر من أثلة قريب المسجد، وقيل: إنما عمله تميم الداريّ [ (٣) ] رضى اللَّه ﵎ عنه، وقيل: عمله غلام سعيد بن العاص، واسمه ناقول [ (٤) ] وقيل: عمله غلام لرجل من بنى مخزوم، ويقال: إنما عمله يا قوم باني الكعبة لقريش [ (٥) ] .
стр. 3714
وكان ﷺ يجلس على المنبر، ويضع رجليه على الدرجة الثانية، فلما ولى أبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، قام على الدرجة الثانية، ووضع رجليه على الدرجة السفلى، فلما ولى عمر رضى اللَّه ﵎ عنه، قام على الدرجة السفلى، ووضع رجليه على الأرض إذا قعد، فلما ولى عثمان رضى اللَّه ﵎ عنه، فعل ذلك ستة سنين من خلافته، ثم علا إلى موضع النبي ﷺ وكسا المنبر قبطية، وكان أول من كساه، فسرقتها امرأة، فأتى بها، فقال لها: سرقت؟ قولي: لا، فاعترفت، فقطعها، وكساه معاوية ابن [أبى] سفيان بعد عثمان رضى اللَّه ﵎ عنه لما حج، ثم كساه عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه ﵎ عنهما، فسرقتها امرأة، فقطعها كما قطع عثمان رضى اللَّه ﵎ عنه وكساه الخلفاء من بعده.
وكان طول المنبر ذراعان في السماء وثلاثة أصابع، وعرضه ذراع راجح، وطول صدره، وهو مسند النبي ﷺ ذراع وطول رمانتى المنبر اللتين كان يمسكهما بيديه الكريمتين إذا جلس شبر وإصبعان، وعدد درجاته ثلاث بالمقعد، وفيه خمسة أعواد من جوانبه الثلاثة.
فلما كان في خلافة معاوية رضى اللَّه ﵎ عنه، زاد مروان ابن الحكم وهو على المدينة في المنبر من أسفله ست درجات، ورفعوه عليها، فصار المنبر تسع درجات بالمجلس، فصار طوله بعد الزيادة أربعة أذرع، ومن أسفل عتبته إلى أعلاه تسعة أذرع وشبر.
ثم تعاقب المنبر النبوي على طول الزمان، فجدده بعض خلائف بنى العباس منبرا، واتخذ من بقايا أعواد المنبر النبوي أمساطا للتبرك بها، فلم يزل المنبر المجدد حتى أحرق ليلة حريق المسجد أول ليلة من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة، فبعث المظفر يوسف صاحب اليمن منبرا في سنة ست وستين، فخطب عليه مائة واثنتان وثلاثون سنة إلى أن بعث الظاهر برقوق من مصر منبرا في سنة سبع وتسعين وسبعمائة.
[خرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللَّه القارئ القرشي الإسكندراني، حدثنا أبو حازم بن دينار، قال: إن رجالا أبو سهل رضى اللَّه
стр. 3715
تبارك وتعالى عنه، كانت تسعة، بعضها من جريد، مطين بالطين، وسقفها من جريد، وبعضها من حجارة مرصوصة بعضها على بعض، مسقفة بالجريد أيضا [ (١) ]] .
وخرج البخاري في (الأدب المفرد) من [طريق] حديث ابن السائب قال: سمعت الحسن يقول: كنت أدخل بيوت أزواج النبي ﷺ ، في خلافة عثمان رضى اللَّه ﵎ عنه فأتناول سقفها بيدي.
وخرج من طريق عبد اللَّه قال: أنبأنا داود بن قيس قال: رأيت الحجرات من جريد النخل، مغشى من خارج مسوح الشعر، وأظن عرض البيت من باب الحجرة، قال: باب البيت نحوا من ست أذرع أو سبع أذرع.
وأحرز البيت الداخل عشر أذرع، وأظن سمكه بين الثمان والتسع، ووقفت عند باب عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها، فإذا هو مستقبل المغرب.
ومن طريق إبراهيم بن المنذر، حدثنا محمد بن أبى فديك عن محمد بن هلال، أنه رأى حجر أزواج النبي ﷺ من جريد بمسوح الشعر، فسألته عن بيت عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها، فقال: كان بابه مواجه الشام، فقلت:
مصراعا كان أو مصراعين؟ قال: كان بابا واحدا، فلت: من أي شيء؟ قال عن عرعر.
ومن طريق مالك بن إسماعيل- وقد امتاروا في المنبر مم عوده؟ - فسألوه عن ذلك، فقال: واللَّه إني لأعرف مما هو، ولقد رأيته أول يوم صنع، وأول يوم جلس إليه رسول اللَّه ﷺ ، أرسل رسول اللَّه ﷺ إلى فلانة- امرأة قد سماها سهل رضى اللَّه ﵎ عنها- مري غلامك النجار أن يعمل أعوادا أجلس عليهم إذا كلمت الناس، فأمرته بعملها من طرفاء الغاية ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول اللَّه ﷺ فأمرها فوضعت هاهنا، ثم رأيت رسول اللَّه