غزية أو غزيلة، وقيل: غفارية، وقول الماوردي في نسبتها يدل على أنها عامرية، فقال: قيل: إنها أم شريك بنت عوف بن عمرو بن جابر بن صباب.
وقيل: هي بنت وردان بن عوف بن عمرو بن عامر، وقد قيل أيضا:
هي ليلى بنت الخطيم، وقيل: فاطمة بنت شريح [ (١) ] .
стр. 3817
_________
[ () ] بد منه، ثم رفع، ثم عاد فتناولته، فإذا هو دلو ماء، فشربت منه قليلا ثم نزع منى، ثم عاد فتناولته فشربت منه قليلا، ثم رفع، ثم عاد أيضا، ثم رفع فصنع ذلك مرارا حتى رويت، ثم أفضت سائره على جسدي وثيابي. فلما استيقظوا فإذا هم بأثر الماء، ورأوني حسنة الهيئة، فقالوا لي: انحللت، فأخذت سقاءنا فشربت منه. فقلت: لا، واللَّه ما فعلت ذلك، كان من الأمر كذا وكذا، فقالوا: لئن كنت صادقة فدينك خير من ديننا، فنظروا إلى الأسقية فوجدوها كما تركوها، وأسلموا بعد ذلك.
وأقبلت إلى النبي ﷺ ووهبت نفسها له بغير مهر، فقبلها ودخل عليها، فلما رأى عليها كبرة طلقها.
وأخرج أبو موسى أيضا من وجه آخر عن الكلبي عن أبى صالح، عن ابن عباس- شبيهة بالقصة التي في الخبر المرسل، وحاصله أنه اختلف على الكلبي في سياق القصة، ويتحصل منها- إن كان ذلك محفوظا- أن قصة الدلو وقعت لأم شريك ثلاث مرات، قال ابن الأثير: استدل أبو نعيم بهذه القصة على أن العامرية هي الدوسية.
قلت: فعلى هذا يلزم منه أن تكون نسبتها إلى بنى عامر، من طريق المجاز، مع أنه يحتمل العكس بأن تكون قريشية عامرية، فتزوجت في دوس فنسبت إليهم.
وأخرج الحميدي في مسندة، من رواية مجالد، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس- أن النبي ﷺ قال لها: اعتدى عند أم شريك بنت أبى العكر،
وهذا يخالف ما تقدم أنها زوج أبى العكر، ويمكن الجمع بأن تكون كنية والدها وزوجها اتفقتا أو تصحفت بنت بالموحدة والنون من بيت بالموحدة والتحتانية، وبيت الرجل يطلق على زوجته، فتنفق الروايتان.
وجاء عن أم شريك ثلاثة أحاديث مسندة، ولم تنسب في بعضها، ونسب في بعضها مع اختلاف في الرواية في النسبة الأولى،
أخرجه مسلم في الفتن، والترمذي في المناقب، من رواية الزبير، عن جابر، عن أم شريك، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : يتفرق الناس من الدجال قالت أم شريك: يا رسول اللَّه، فأين العرب يومئذ؟ قال: هم قليل.
وأخرج ابن ماجة من حديث أبى أمامة عن النبي ﷺ في ذكر الدجال، قال: ترجف المدينة ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، ويدعى ذلك اليوم يوم الحلام.
قالت أم شريك بنت أبى العكر: يا رسول اللَّه، فأين العرب يومئذ؟ قال: هم يومئذ قليل،
ذكره في حديث طويل.
стр. 3818
وفي الصحيحين [ (١) ] من حديث عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها، كانت خولة [بنت حكيم] [ (٢) ] من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول اللَّه ﷺ ، فقالت
стр. 3819
_________
[ () ] وأخرجه البخاري أيضا في كتاب التفسير، باب (٧) تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ، حديث رقم (٤٧٨٨) ، عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول اللَّه ﷺ وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل اللَّه تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك.
قال الحافظ في (الفتح) وحكى الواحدي عن المفسرين أن هذه الآية نزلت عقب نزول آية التخيير، وذلك أن التخيير لما وقع أشفق بعض الأزواج أن يطلقهن وقوله: وهبن أنفسهن هذا ظاهر في أن الواهبة أكثر من واحدة.
وعند ابن أبى حاتم من حديث عائشة: التي وهبت نفسها للنّبيّ ﷺ هي خولة بنت حكيم، ومن طريق الشعبي قال: من الواهبات أم شريك. وأخرجه النسائي من طريق عروة. وعند أبى عبيدة معمر بن المثنى أن من الواهبات فاطمة بنت شريح. وقيل: إن ليلى بنت الحطيم ممن وهبت نفسها له ومنهن زينب بنت خزيمة، جاء عن الشعبي وليس بثابت، وخولة بنت حكيم وهو في هذا الصحيح، ومن طريق قتادة عن ابن عباس قال: التي وهبت نفسها للنّبيّ ﷺ هي ميمونة بنت الحارث، وهذا منقطع. وأورده من وجه آخر مرسل وإسناده ضعيف.
قوله: (ما أرى ربك إلا يسارع في هواك) أي ما أرى اللَّه إلا موجدا لما تريد بلا تأخير، منزلا لما تحب وتختار. وقوله: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ أي تؤخرن بغير قسم، وهذا قول الجمهور، وأخرجه الطبري عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وأبى رزين وغيرهم، وأخرج الطبري أيضا عن الشعبي في قوله: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ قال: كن نساء وهبن أنفسهن للنّبيّ ﷺ ، فدخل ببعضهن وأرجا بعضهن لم ينكحهن، وهذا شاذ، والمحفوظ أنه لم يدخل بأحد من الواهبات كما تقدم.
وقيل: المراد بقوله: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ أنه كان هم بطلاق بعضهن، فقلن له: لا تطلقنا واقسم لنا ما شئت، فكان يقسم لبعضهن قسما مستويا، وهن اللاتي آواهن، ويقسم للباقي ما شاء وهن اللاتي أرجاهن.
فحاصل ما نقل في تأويل تُرْجِي أقوال: أحدها: تطلق وتمسك، ثانيها: تعتزل من شئت منهن بغير طلاق وتقسم لغيرها، ثالثها: تقبل من شئت من الواهبات وترد من شئت.
стр. 3820
_________
[ () ] وحديث الباب يؤيد هذا والّذي قبله، واللفظ محتمل للأقوال الثلاثة. وظاهر ما حكته عائشة من استئذانه أنه لم يرج أحدا منهن، بمعنى أنه لم يعتزل، وهو قول الزهري: «ما أعلم أنه أرجا أحدا من نسائه» أخرجه ابن أبى حاتم، وعن قتادة أطلق له أن يقسم كيف شاء فلم يقسم إلا بالسوية. (فتح الباري) : ٨/ ٦٧٣- ٦٧٥.
(باب هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد) أي فيحل له نكاحها بذلك، وهذا يتناول صورتين:
إحداهما: مجرد الهبة من غير ذكر مهر، والثانية: العقد بلفظ الهبة. فالصورة الأولى ذهب الجمهور إلى بطلان النكاح، وأجازه الحنفية والأوزاعي، ولكن قالوا: يجب مهر المثل، وقال الأوزاعي: إن تزوج بلفظ الهبة وشرط أن لا مهر لم يصح النكاح. وحجة الجمهور قوله تعالى: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فعدوا ذلك من خصائصه ﷺ وأنه يتزوج بلفظ الهبة بغير مهر في الحال ولا في المآل، وأجاب المجيزون عن ذلك بأن المراد أن الواهبة تختص به لا مطلق الهبة.
والصورة الثانية ذهب الشافعية وطائفة إلى أن النكاح لا يصح إلا بلفظ النكاح أو التزويج، لأنهما الصريحان اللذان ورد بهما القرآن والحديث، وذهب الأكثر إلى أنه يصح بالكنايات، واحتج الطحاوي لهم بالقياس على الطلاق فإنه يجوز بصرائحه وبكناياته مع القصد.
قوله: (حدثنا هشام) هو ابن عروة عن أبيه (قال: كانت خولة) هذا مرسل، لأن عروة لم يدرك زمن القصة، لكن السياق يشعر بأنه حمله عن عائشة. وقد ذكر المصنف عقب هذه الطريق رواية من صرح فيه بذكر عائشة تعليقا.
قوله: (بنت حكيم) أي ابن أمية بن الأوقص السلمية، وكانت زوج عثمان بن مظعون، وهي من السابقات إلى الإسلام، وأمها من بنى أمية.
قوله: (فقالت عائشة: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها) وفي رواية محمد بن بشر الموصولة عن عائشة أنها كانت تعير اللائي وهبن أنفسهن.
قوله: فلما نزلك: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ في رواية عبدة بن سليمان: فأنزل اللَّه ترجى وهذا أظهر في أن نزول الآية بهذا السبب، قال القرطبي: حملت عائشة على هذا التقبيح الغيرة التي طبعت عليها النساء وإلا فقد علمت ان اللَّه أباح لنبيه ذلك وان جميع النساء لو ملكن لرقهن لكان قليلا.
قوله: (ما أرى ربك إلا يسارع في هواك) في رواية محمد بن بشر «إني لأرى ربك يسارع لك في هواك «أي في رضاك، قال القرطبي: هذا قول أبرزه الدلال والغقيرة، وهو من نوع قولها: ما أحمدكما ولا أحمد إلا اللَّه، وإلا فإضافة الهوى إلى النبي ﷺ لا تحمل على ظاهره، لأنه لا ينطق عن الهوى ولا يفعل بالهوى، لو قالت: إلى مرضاتك لكان أليق، ولكن الغيرة يغتفر لأجلها إطلاق مثل ذلك. (فتح الباري) : ٩/ ٢٠٤- ٢٠٥.
[ (٢) ] زيادة للسياق من (البخاري) .
стр. 3821
عائشة: أما تستحي المرأة تهب نفسها للرجل؟ فلما نزلت: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ قالت: يا رسول اللَّه! ما أرى ربك إلا يسارع في هواك! وهذا يدل على أن معنى قوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ أي تؤخر من تشاء من الواهبات، فلا تقبل هبتها، وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ أي بقبول هبتها. وقد قيل خلاف ذلك.
وعند القاضي أبى عبد اللَّه محمد بن سلامة القضاعي، أنه ﷺ إنما خص بإباحة الموهوبة له خاصة، وهو أن يتزوجها بلفظ الهبة، وإباحة النكاح بغير مهر، ولا يستقر عليه إلا بالدخول، وإن هذا مما خص به دون الأنبياء من قبله، ودون أمته، تشريفا له، وتعظيما لشأنه ﷺ .
الثالثة: إذا رغب ﷺ في نكاح امرأة
فإن كانت خليه فعليها الإجابة على الصحيح ويحرم على غيره، وخطبتها وإن كانت ذات زوج وجب على زوجها طلاقها لينكحها على الصحيح لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [ (١) ] كذلك استدل بها. الماوردي، واستدل الغزالي في (الوسيط) ، لوجوب التطليق بقصة زيد، وهي مشهورة.
خرج البخاري [ (٢) ] في كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء، من حديث حماد بن زيد، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك رضى اللَّه تبارك
стр. 3822
_________
[ () ] شيئا لكتم هذه) ظاهره أنه موصول بالسند المذكور، لكن أخرجه الترمذي والنسائي وابن خزيمة والإسماعيلي عنه نزلت: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ في شأن زينب بنت جحش
وكان زيد يشكو وهمّ بطلاقها يستأمر النبي ﷺ فقال له «أمسك عليك زوجك واتّق اللَّه»
وهذا القدر هو المذكور في آخر الحديث هنا بلفظ «وعن ثابت وتخفى في نفسك» إلخ، ويستفاد منه أنه موصول بالسند المذكور وليس بمعلق، وأما قوله «لو كان كاتما» إلخ، فلم أره في غير هذا الموضع موصولا عن أنس، وذكر ابن التين عن الداوديّ أنه نسب قوله «لو كان كاتما لكتم قصة زينب» إلى عائشة، قال وعن غيرها» لكتم عبس وتولى» ، قلت: قد ذكرت في تفسير سورة الأحزاب حديث عائشة قالت «لو كان رسول اللَّه ﷺ كاتما شيئا من الوحي» الحديث، وأنه أخرجه مسلم والترمذي ثم وجدته في مسند الفردوس من وجه آخر عن عائشة من لفظه ﷺ «لو كنت كاتما شيئا من الوحي» الحديث، واقتصر عياض في الشفاء على نسبتها إلى عائشة والحسن البصري وأغفل حديث أنس هذا وهو عند البخاري.
قوله: (قال فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ إلى قولها- وزوجني اللَّه من فوق سبع سماوات) أخرجه الإسماعيلي من طريق حازم بن الفضل عن حماد بهذا السند بلفظ «نزلت في زينب جحش فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها» وكانت تفخر على نساء النبي ﷺ وكانت تقول إن اللَّه أنكحن في السماء» وزاد الإسماعيلي من طريق الفريايى وأبى قتيبة عن عيسى «أنتن أنكحكن آباؤكن» وهذا الإطلاق محمول على البعض، وإلا فالمحقق أن التي زوجها أبوها منهن عائشة وحفصة فقط، وفي سودة وزينب بنت خزيمة وجويرية احتمال، وأما أم سلمة وأم حبيبة وصفية وميمونة فلم يزوج واحدة منهن أبوها، ووقع عند ابن سعد من وجه آخر عن أنس بلفظ «قالت زينب يا رسول اللَّه إني لست كأحد من نسائك، ليست منهم امرأة إلا زوجها أبوها أو أخوها أو أهلها غيري» وسنده ضعيف ومن وجه آخر موصول عن أم سلمة «قالت زينب ما أنا كأحد من نساء النبي إنهن زوجن بالمهور زوجهن الأولياء، وأنا زوجني اللَّه ورسوله ﷺ وأنزل اللَّه في الكتاب» . وفي مرسل الشعبي» قالت زينب يا رسول اللَّه أنا أعظم نسائك عليك حقا، أنا خيرهن منكحا وأكرمهن سفيرا وأقربهن رحما فزوجنيك الرحمن من فوق عرشه، وكان جبريل هو السفير بذلك، وأنا ابنة عمتك وليس لك من نسائك قريبة غيري» أخرجه الطبري وأبو القاسم الطحاوي في (كتاب الحجة والتبيان) له.
стр. 3823
وتعالى عنه قال: جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي ﷺ يقول: اتّق اللَّه وأمسك عليك زوجك.
قال أنس: لو كان رسول اللَّه ﷺ كاتما شيئا لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ ، تقول: زوجكم أهاليكن وزوجي اللَّه تعالى من فوق سبع سماوات، وعن ثابت وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ نزلت في شأن زينب وزيد بن حارثة.
стр. 3824
وخرج الترمذي [ (١) ] من حديث داود بن أبى هند، عن الشعبي، عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها قالت: لو كان رسول اللَّه ﷺ كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ [الأحزاب:
٣٧] يعنى: بالإسلام وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ: بالعتق فأعتقته أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ، وَتَخْشَى النَّاسَ، وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا فإن رسول اللَّه ﷺ لما تزوجها، قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل اللَّه تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠] وكان رسول اللَّه ﷺ تبناه وهو صغير، فلبث حتى صار رجلا، يقال له: زيد ابن محمد، فأنزل اللَّه تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ فلان مولى فلان، وفلان أخو فلان هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ يعنى: أعدل عند اللَّه.
وعن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها: لو كان النبي ﷺ كاتما شيئا لكتم هذه الآية: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ. وهذا الحديث لم يرد بطوله [ (٢) ] .
стр. 3825
خرج عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، في قوله: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ، قال: أنعم اللَّه عليه بالإسلام، وأنعم النبي ﷺ بالعتق، أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ،
قال قتادة: جاء زيد بن حارثة للنّبيّ ﷺ فقال: إن زينب اشتد عليّ لسانها، وأنا أريد أن أطلقها، فقال له النبي ﷺ : اتّق اللَّه وأمسك عليك زوجك،
قال: والنبي ﷺ يحب أن يطلقها، ويخشى قالة الناس: أن أمره بطلاقها. فأنزل اللَّه تعالى: اتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً.
قال قتادة: طلقها زيد زَوَّجْناكَها.
قال معمر: وأخبرنى من سمع الحسن يقول: ما نزلت على النبي ﷺ آية أشد منها، قوله: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ، لو كان كاتما شيئا من الوحي كتمها.
قال: وكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ فتقول: أما أنتن فزوجكن آباؤكن، وأما أنا فزوجني رب العرش [ (١) ] .
وذكر الحاكم في (مستدركه) ، عن محمد بن عمر الواقدي قال:
حدثني عمر بن عثمان الحجى، عن أبيه قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وكانت زينب بنت جحش ممن هاجر مع رسول اللَّه ﷺ وكانت امرأة جميلة، فخطبها رسول اللَّه ﷺ على زيد بن حارثة، فقالت: يا رسول اللَّه لا أرضاه لنفسي، وأنا أيم قريش، قال: فإنّي قد رضيته لك، فتزوجها زيد بن حارثة.
قال الواقدي: فحدثني عبد اللَّه بن عامر الأسلمي، عن محمد بن يحى قال: جاء رسول اللَّه ﷺ بيت زيد بن حارثة يطلبه، وكان زيد إنما يقال له:
زيد بن محمد، فربما فقده رسول اللَّه ﷺ الساعة فيقول: أين زيد. فجاء منزله يطلبه فلم يجده فتقوم إليه زينب فقول له: هنا يا رسول اللَّه.
فولى يهمهم بشيء لا يكاد يفهم عنه، إلا سبحان اللَّه العظيم، سبحان مصرف القلوب.
стр. 3826
فجاء زيد إلى منزله: فأخبرته امرأته أن رسول اللَّه ﷺ أتى منزله، فقال زيد: ألا قلت له يدخل؟ قالت: قد عرضت قولك عليه وأبى. قال:
فسمعتيه يقول شيئا؟ قالت سمعته حين ولى يكلم بكلام لا أفهمه، وسمعته يقول: سبحان اللَّه العظيم، سبحان مصرف القلوب.
قال: فخرج زيد حتى أتى رسول اللَّه فقال: يا رسول اللَّه، بلغني أنك جئت منزلي، فهلا دخلت؟ بأبي أنت وأمى يا رسول اللَّه، لعل زينب أعجبتك! أفأفارقها؟ فيقول رسول اللَّه ﷺ : أمسك عليك زوجك، فما استطاع زيد إليها سبيلا بعد ذلك، ويأتى رسول اللَّه فيخبره، فيقول: أمسك عليك زوجك، فيقول: يا رسول اللَّه! أفأفارقها؟ فيقول رسول اللَّه ﷺ : احبس عليك زوجك.
ففارقها زيد، واعتزلها، وحلت. قالت: فبينما رسول اللَّه ﷺ جالس يتحدث مع عائشة، إذ أخذت رسول اللَّه ﷺ غمية، ثم سرى عنه، وهو يتبسم وهو يقول: من يذهب إلى زينب يبشرها أن اللَّه زوجنيها من السماء، وتلا: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ القصة كلها.
قالت عائشة: فأخذت ما قرب وما بعد، لما كان بلغني من جمالها، وأخرى هي أعظم الأمور وأشرفها، ما صنع اللَّه لها، وزوجها اللَّه من السماء، وقالت عائشة: هي تفخر علينا بهذا.
قالت عائشة: فخرجت سلمى خادم رسول اللَّه ﷺ تشتد، فحدثتها بذلك، فأعطتها أوضاحا لها.
وذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في (تفسيره) ، عن ابن وهب قال: قال ابن زيد: كان النبي ﷺ قد زوج زينب ابنة جحش ابنة عمته، زيد بن حارثة، فخرج رسول اللَّه ﷺ يوما يريده، وعلى الباب ستر من شعر، فرفعت الريح الستر، فانكشف وهي في حجرتها حاسرة، فوقع إعجابها في قلبه، فلما وقع ذلك كرهت إلى الآخر.
قال: فجاء فقال: يا رسول اللَّه! إني أريد أن أفارق صاحبتي، قال:
مالك؟ أرابك منها شيء؟ قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه. ما رابني منها شيء، ولا رأيت إلا خيرا.
стр. 3827
فقال له رسول اللَّه ﷺ : أمسك عليك زوجك واتّق اللَّه، فذلك قول اللَّه تعالى ذكره: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ، تخفى في نفسك إن فارقها تزوجتها.
وله من طريق سفيان بن عيينة، عن على بن زيد بن جدعان، عن على بن الحسين، رضى اللَّه ﵎ عنهما، قال: كان اللَّه تعالى أعلم نبيه ﷺ أن زينب ستكون من أزواجه، فلما جاء زيد يشكوها، قال ﷺ : اتّق اللَّه وأمسك عليك زوجك قال اللَّه تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ.
وليس في قصة زيد هذه ما يدل على وجوب الطلاق على المتزوج، ومن تأمل ذلك تبين له ما ذكرت، واللَّه تعالى أعلم.
ولم يذكر هذه الخصوصية ابن القاصّ، ولا الشيخ أبو حامد، ولا البيهقي، ويمكن أن يستدل لوجوب إجابة المرأة، أنها لو خالفت أمره ﷺ كانت عاصية، وقطع في (التنبيه) بتحريم خطبة من رغب ﷺ في نكاحها.
ويرد عليه ما أخرجه الحاكم [ (١) ] وغيره، من حديث إسرائيل عن السدي، عن أبى صالح، عن أم هانئ. قالت: خطبنى رسول اللَّه ﷺ فاعتذرت إليه، فعذرني، وأنزل اللَّه تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ إلى قوله: اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ. قالت: فلم أكن أحل له، لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء.
وقال الغزالي: ولعل الشرفية- يعنى في تحرير من رغب فيها على زوجها من جانب الزوج- امتحان إيمانه بتكليفه النزول عن أهله، فإن النبي ﷺ قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله، وماله، ووالده، والناس أجمعين. وقوله ﷺ : لا يكمل إيمان أحدكم حتى يكون اللَّه ورسوله أحب إليه
стр. 3828
مما سواهما. خرجه مسلم [ (١) ]
يحققه قول اللَّه تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ (٢) ] .
стр. 3829
قال: ومن جانبه ﷺ ابتلاؤه بالبيئة البشرية، ومنعه من خائنة العين، ومن الإضمار الّذي يخالف الإظهار، ولا شيء أدعى إلى غض البصر، وحفظه من لمحاته الاتفاقية من هذا التكلف.
وقد تعقب هذا الكلام بأن ابتلاءه ﷺ ليس هو من إيجاب الطلاق على الزوج، إنما هو من وقوع هذه النظرة الاتفاقية. قوله: ومنعه من خائنة الأعين، فقد شرح خائنة العين، وليس في اللمحة الواقعة شيء من خائنة الأعين، قوله: من لمحاته الاتفاقية، كلام لا دليل عليه من الآية، في هذه القصة، ولا من الأحاديث.
قال الغزالي: وهذا مما يورده الفقهاء في صنف التخفيف، وعندي أن ذلك في غاية التشديد، إذ لو كلف بذلك آحاد الناس، لما فتحوا أعينهم في الشوارع والطرقات، خوفا من ذلك، وذلك قالت عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها: لو كان رسول اللَّه ﷺ يخفى آية، لأخفى هذه الآية.
واعترض عليه ابو عمرو بن الصلاح فقال: لم يوفق في مخالفته للأصحاب في ذلك. قال: واصل ما ذكره أنه لم يكتف في حقه ﷺ بالنهى والتحريم، زاجرا عن مسارقة النظر، وحاملا له على غض البصر عن نساء غيره، حتى شدد عليه بتكليف لو كلف به غيره لما فتحوا أعينهم في الطرقات، وهذا غير لائق بمنزلته الرفيعة. وزعم أن هذا الحكم في حقه ﷺ في غاية التشديد، واللَّه تعالى يقول في ذلك: ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ [ (١) ] .
وأما قول عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها، فذاك لأمر أجود، هو إظهار ما دار بينه وبين مولاه، وعتابه عليه. وأجيب عنه بأن الغزالي رحمه اللَّه تعالى، لم يقل أن النهى في حقه ﷺ ليس كافيا في الانتهاء، وإنما جعل ذلك كفا، وحافظا عن وقوع النظر الاتفاقي، الّذي لا يتعلق به نهى، فإذا علم أنه إذا وقع ذلك، وقعت منه المرأة موقعا، وجب على زوجها مفارقتها، احتاج إلى زيادة التحفظ في ذلك.
стр. 3830
والّذي كلف أخفى ما في النفس، مع إبداء اللَّه تعالى ما به، فإن كثيرا من المباحات الشرعية يستحى الإنسان من فعلها، ويمتنع منها. قوله تعالى:
ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ، فيه رفع الإثم، لا نفى الحياء من الشيء.
ويمكن أن يقال: لا تنافى بين ما ذكره الغزالي، وبين ما ذكره الفقهاء، لأن الفقهاء ذكروه في التخفيف، لكون المرأة تحل له بتزويج اللَّه تعالى، بخلاف غيره، فإنه يحتاج إلى خطبة، ومهر، وغير ذلك.
وأما الّذي ذكره هو، فهو غض البصر، وحفظه عن لمحاته الاتفاقية، وقد تقدم أنه لا دليل له عليه، وإن ادعى أنه يستفاد من قوله تعالى: وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ منع.
والحق في المسألة: ما روى عن على بن الحسين رضى اللَّه ﵎ عنهما، أن اللَّه تعالى كان أوحى إلى نبيه ﷺ أن زيدا سيطلق زينب، ويتزوجها، فلما استشاره زيد في طلاقها قال له: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ فهذا هو الّذي أخفاه [ (١) ] .
وقال غيره: وخشي قول الناس أن يتزوج زوجة ولده، ومن تأمل أحاديث القصة تبين له هذا الّذي قلته. فإن قيل: ما الجواب عما خرجه البخاري من حديث ابن عيينة، سمع ابن المنكدر، سمعت عروة بن الزبير عن عائشة، وخرجه مسلم، وأبو داود من حديث سفيان عن ابن المنكدر، عن عروة، عن عائشة،
وخرجه مسلم من حديث سفيان، وهو ابن عيينة عن ابن المنكدر، سمع عروة بن الزبير يقول: حدثتني عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها، أن رجلا استأذن على النبي ﷺ فقال: ائذنوا له، فلبئس ابن العشيرة- أو بئس رجل العشيرة- فلما دخل عليه، ألان له القول!! قالت عائشة: فقلت يا
стр. 3831
رسول اللَّه! قلت له الّذي قلت، ثم ألنت له القول؟ قال: يا عائشة، إن شر الناس منزلة عند اللَّه يوم القيامة، من ودعه أو تركه الناس اتقاء فحشه. اللفظ لمسلم [ (١) ] . ذكره في كتاب البر والصلة.
стр. 3832
_________
[ () ] المعجمة وفتح أوله ظهور الأسنان، وأكثر ما يطلق عند الضحك، والاسم الكشرة كالعشرة قال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول وذلك من أقوى أسباب الألفة. وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلظ، لأن المداراة مندوب إليها والمداهنة محرمة، والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الّذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة هي الرّفق بالجاهل في التعليم وبالفاسق في النهى عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك. ثم ذكر حديثين تقدما: أحدهما:
حديث عائشة «استأذن على النبي ﷺ رجل فقال: ائذنوا له فبئس ابن العشيرة»
وقد تقدم بيان موضع شرحه في «باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد» والنكتة في إيراده هنا التلميح إلى ما وقع في بعض الطرق بلفظ المداراة وهو عند الحارث بن أبى أسامة من حديث صفوان بن عسال نحو
حديث عائشة وفيه: «وقال:
إنه منافق أسس داريه عن نفاقه، وأخشى أن يفسد على غيره» .
والثاني: حديث المسور بن مخرمة «قدمت على النبي ﷺ أقبية» وفيه قصة أبيه مخرمة ووقع في هذه الطريق «وكان في خلقه شيء» وقد رمز البخاري بإيراده عقب لحديث الّذي قبله بأنه المبهم فيه كل أشرت إلى ذلك قبل،
ووقع في رواية مسروق عن عائشة «مر رجل برسول اللَّه ﷺ فقال: بئس عبد اللَّه وأخو العشيرة، ثم دخل عليه فرأيته أقبل عليه بوجهه كان له عنده منزلة. أخرجه النسائي،
وشرح ابن بطال الحديث على ان المذكور كان منافقا، وأن النبي ﷺ كان مأمورا بالحكم بما ظهر، لا بما يعلمه في نفس الأمر وأطال في تقرير ذلك ولم يقل أحد في المبهم في حديث عائشة أنه كان منافقا لا مخرمة بن نوفل ولا عيينة بن حصن، وإنما قيل في مخرمة ما قيل لما كان في خلقه من الشدة فكان لذلك في لسانه بذاءة، وأما عيينة فكان إسلامه ضعيفا وكان مع ذلك اهوج فكان مطاعا في قومه كما تقدم واللَّه أعلم. وقوله في هذه الرواية: «فلما جاءه قال خبأت هذا لك» وفي رواية الكشميهني» قد خبأت» وقوله: «قال أيوب» هو موصول بالسند المذكور، قوله: «بثوبه وأنه يريه إياه» والمعنى أشار أيوب بثوبه ليرى الحاضرين كيفية ما فعل النبي ﷺ عند كلامه مع مخرمة، ولفظ القول يطلق ويراد به الفعل، قوله: «رواه حماد بن زيد عن أيوب» تقدم موصولا في «باب فرض الخمس» وصورته مرسل أيضا.
стр. 3833
وخرجه من طريق عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر عن ابن المنكدر في هذا الإسناد مثل معناه، غير أنه قال: بئس أخو القوم وابن العشيرة.
هذا، وقد اتفقوا على الشك في قوله:
«من ودعه أو تركه الناس»
وقال فيه البخاري: بئس أخو العشيرة، أو ابن العشيرة، وقال: ألان له الكلام
وقال: إن شر الناس من تركه أو ودعه، لم يذكر منزلة عند اللَّه يوم القيامة، وترجم عليه: باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب.
وذكره أبو داود في الأدب، في باب حسن العشرة. وخرجه البخاري أيضا في باب المداراة مع الناس، من حديث سفيان عن ابن المنكدر، وحدثه عروة بن الزبير، أن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها، أخبرته أنه استاذن على النبي ﷺ رجل فقال: ائذنوا له، فبئس ابن العشيرة- أو بئس أخو العشيرة- فلما دخل ألان له في الكلام، فقلت: يا رسول اللَّه! قد قلت ما قلت، ثم ألنت له في الكلام؟ فقال: أي عائشة، إن شر الناس منزلة عند اللَّه من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه.
وخرجه في باب لم يكن النبي ﷺ فاحشا، من طريق روح بن القاسم، عن محمد بن المنكدر، وعن عروة عن عائشة أن رجلا استأذن على النبي ﷺ ، فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلق النبي ﷺ في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول اللَّه! حين رأيت الرجل قلت له: كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال يا عائشة، متى عهدتني فحاشا؟ إن شر الناس عند اللَّه منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه.
وخرجه أبو داود في باب حسن العشرة، من حديث حماد، عن محمد ابن عمرو عن أبى سلمة، عن عائشة، أن رجلا استأذن على النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : بئس أخو العشيرة، فلما دخل انبسط عليه، فقال: يا عائشة، إن اللَّه لا يحب الفاحش المتفحش.
قيل: الّذي منع منه ﷺ هو أن يظهر بلفظه لمن يخاطبه شيئا، وهو يريد خلافه، وأما لين الكلام لهذا الرجل فإنه ﷺ فعله حقيقة من أجل شره،
стр. 3834
ونبه بما قاله في غيبته على صفته ليحذر منها أمته، أو ليعامل من هو بحاله مثل ما عامله به ﷺ ، وهذا من قبيل الدفع بالتي هي أحسن.
وبهذا أيضا يجاب عن
قوله ﷺ لأبى بصير: مسعر حرب لو وجد أعوانا [ (١) ]
ويجاب أيضا عما
خرجه أبو داود في باب من ليست له غيبة، من حديث الجريريّ، عن أبى عبد اللَّه الجشمي، قال: حدثنا جندب قال: جاء أعرابى فأناخ راحلته، ثم عقلها، ثم دخل المسجد، فصلى خلف رسول اللَّه ﷺ ، فلما سلم رسول اللَّه ﷺ أتى راحلته فأطلقها، ثم ركب، ثم نادى: اللَّهمّ ارحمني ومحمدا ولا تشرك في رحمتنا أحدا، فقال النبي ﷺ ، أتقولون هو أضل أم بعيره؟ ألم تسمعوا إلى ما قال؟ قالوا: بلى [ (٢) ] .
ويؤيده ما خرجه قاسم بن أصبغ، من طريق بقية، قال: حدثنا الربيع ابن بدر، عن أبان، عن أنس رضى اللَّه ﵎ عنه قال: قال النبي ﷺ من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له [ (٣) ] ، قول البخاري في باب المداراة مع الناس،
ويذكر عن أبى الدرداء: إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتعلنهم [ (٤) ] .
***
стр. 3835
الرابعة: في انعقاد نكاحه ﷺ بلا ولى ولا شهود
وفيه وجهان:
أحدهما: لا ينعقد بعموم
قوله ﷺ لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل،
وأصحهما يباح له ذلك، ودليله ما
خرجه مسلم من حديث حماد بن سلمة قال:
حدثنا ثابت عن أنس قال: كنت رديف أبى طلحة يوم خيبر، وقدمي تمس قدم النبي ﷺ قال: فأتيناهم حين بزغت الشمس، وقد اخرجوا مواشيهم، وخرجوا بفئوسهم ومكاتلهم، فقالوا محمدا والخميس، وقال رسول اللَّه ﷺ خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين
قال وهزمهم اللَّه ووقعت في سهم دحية جارية جميلة فاشتراها رسول اللَّه ﷺ بسبعة أرؤس، ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها وتهيئها، قال واحسبها كذا قال، وتعتد في بيتها، وهي صفية بنت حيي، قال فجعل رسول اللَّه ﷺ وليمتها التمر والأقط والسمن قال:
فحصبت الأرض أفاحيص، وجيء بالأنطاع فوضعت بها، وجاء بالأقط والثمن، فشبع الناس، قال: وقال الناس: لا ندري أتزوجها أم اتخذها أم ولد، قالوا: إن حجبها فهي امرأته، وأن لم يحجبها فهي أم ولد. فلما أراد أن يركب حجبها فقعدت على عجز البعير فعرفوا أنها قد تزوجها ... الحديث.
وأخرج البخاري والنسائي نحو هذه القصة من حديث إسماعيل بن جعفر، عن حميد عن أنس، قال: أقام النبي ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاثا، يبنى على بصفية بنت حيي، فدعوت المسلمين الى وليمة، فما كان فيها من خبز ولا لحم، أمر بالأنطاع فألقى فيها من التمر والأقط والثمن، وكانت وليمته، فقال المسلمون: أحدى أمهات المؤمنين أو مما ملكت يمينه؟.
فقالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطأها خلفه الحجاب بينها وبين الناس.
ذكره البخاري في باب بناء العروس في السفر، وفي باب اتخاذ السراري، ومن أعتق جارية ثم تزوجها، وذكره النسائي في باب البناء في السفر.
стр. 3836
ووجه الدلالة من هذا الحديث أنه ﷺ لو عقد على صفية بولي وشهود لعلم ذلك الصحابة، لا سيما عند من يشترط الإعلان في النكاح، فلما لم يكن عنده من العلم بحالها أن ضرب الحجاب عليها، دلّ ذلك دلالة واضحة على أنه ﷺ بنى عليها من غير أن يعقد له عليها ولى، ولا حضر شهود بينهما بذلك، فإن اعتبار الولي في عقد النكاح إنما هو للمحافظة على الكفاء ولا مرية في أن رسول اللَّه ﷺ فوق الأكفاء كلهم، وهكذا اعتبار الشهود في النكاح إنما هو خشية الجحود، وقد نزه اللَّه تعالى رسوله ﷺ عن نسبة ذلك إليه.
فلو فرضنا جحود المرأة، لم يرجع إلى قولها، بل قال العراقي في (شرح المهذب) : تكون كافرة بتكذيبه ﷺ .
واستدل أيضا بقصة زينب في تزويجه ﷺ بها، لكن هذا الخلاف في غير زينب، فإن زينب نصوا على أن اللَّه تعالى زوجها نبيه ﷺ من فوق سبعة أرقعة، وقد نبه عليه النووي في (شرح مسلم) ، في باب زواج زينب بنت جحش رضى اللَّه ﵎ عنها.
وذكر القضاعي هذه الخصوصية في ما خصّ به النبي ﷺ دون الأنبياء قبله. وقال الشيخ أبو حامد [الغزالي] : الخلاف في المسألة مبنية على أن النكاح الآن محكوم عليه هنا إنما هو نفى ماهية النكاح عند انتفاء ذلك فتنتفي تلك الماهية أيضا في حقه ﷺ عمل بهذا الحديث، ولم يأت لفظ عام للأشخاص حتى نقول قد دخل فيهم فلا وجه له يكن في هذا الحديث ولقويت له حجة المنع، لكن قصة صفية دليل واضح فتأمله.
***
стр. 3837
الخامسة: هل كان يباح له ﷺ التزويج في الإحرام
أشبه وحجمه النووي في أصل الروضة. وثانيها لا يباح كغيرة ودليل الجواز حديث ابن عباس تزوج ميمونة وهو محرم، رواه عن ابن عباس عن عكرمة وسعيد بن جبير وجابر بن زيد أبو الشعثاء ومجاهد وعطاء بن رباح.
خرج البخاري من طريق مالك بن إسماعيل بن عتبة أنبأنا عمر وجابر ابن زيد أن ابن عباس أخبره أن النبي ﷺ تزوج وهو محرم فحدثت به الزهري فقال أخبرنى يزيد بن الأصم أنه نكحها وهو حلال وله من حديث عمرو بن دينار وعن جابر بن زيد أبى الشعثاء عن ابن عباس قال: تزوج رسول اللَّه ﷺ ميمونة وهو محرم.
وخرج في كتاب الحج والنسائي من حديث الأوزاعي، حدثني عطاء بن رباح عن ابن عباس أن النبي ﷺ نكح ميمونة وهو محرم وترجم عليه البخاري باب ترويج المحرم.
وخرج البخاري في عمرة القضاء من حديث عكرمة عن ابن عباس ان النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم.
وخرج ابن ماجة من طريق ابن إسحاق عن أبى نجيح وأبان بن صالح عن عطاء ومجاهد عن ابن عباس: تزوج النبي ﷺ ميمونة في عمرة القضاء.
وللطبراني في (الأوسط) من طريق حماد بن سلمة عن حميد عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهما محرمان وقال: لم يروه عن جميل إلا حماد، وتفرد به الحسن وبلال ورواه ابن شاهين من طريق سعيد عن قتادة عن كرمة عن ابن عباس.
وكذلك ورواه البيهقي من طريق الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم.
وخرج الدار قطنى والعقيلي والطحاوي في (المشكل) من طريق أبى صالح عن أبى هريرة أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وفي إسناده خالد بن عبد الرحمن قال العقيلي: ليس بذاك وقال الرافعي: ونكاح ميمونة في أكثر الروايات جرى وهو حلال وقال ابن عبد البر: لا أعلم من الصحابة روى أن
стр. 3838
الرسول ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم إلا ابن عباس وتعقب عليه بحديث أبى هريرة المذكور وبحديث عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها، وله في طرق، الأول أخرجه البزار والطحاوي وابن حبان من طريق أبى عوانه [بسنده] عن مسروق عن عائشة وهذا إسناد صحيح.
الثاني أخرجه النسائي والبيهقي من طريق عمر بن على الفلاس عن أبى عاصم عن عثمان بن الأسود عن بن أبى مليكة عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها أن رسول اللَّه ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. قال عمرو:
قلت لأبى عاصم: أنت أمليت علينا هذا، ليس فيه عائشة، قال: دع عائشة حتى انظر.
قال عمرو الفلاس: فقمت انظر، أحق ما تقول؟ قال أبو عاصم:
فنظرت فيه، فوجدته مرسلا.
وقال ابن أبى شيبة [ (١) ] : أخبرنا عيسى بن يونس، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم.
وروى ابن سعد [ (٢) ] من طريق الشعبي ومجاهد مثله، والظاهر أن هؤلاء أخذوه عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما.
ويدل على ذلك ما رواه النسائي [ (٣) ] من طريق يحيى عن ابن جريج، عن عطاء عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما، أن النبي ﷺ نكح ميمونة وهو محرم.
وقد روت ميمونة، وأبو رافع، وجابر، وصفية بنت شيبة، وابن عباس، أن النبي ﷺ تزوج ميمونة رضى اللَّه ﵎ عنها حلالا.
стр. 3839
أخرج مسلم [ (١) ] من حديث يحيى بن آدم قال: حدثنا جرير بن حازم، حدثنا أبو فزارة، عن يزيد بن الأصم، حدثتني ميمونة بنت الحارث، أن رسول اللَّه ﷺ تزوجها وهو حلال. قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما.
وخرجه أبو داود من حديث حماد، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمونة بنت مهران، عن يزيد بن الأصم، عن أخت ميمونة، عن ميمونة، قالت:
تزوجني رسول اللَّه ﷺ ونحن حلال بسرف. ذكره في كتاب الحج، وخرجه الترمذي [ (٢) ] وابن ماجة [ (٣) ] .
***
стр. 3840
السادسة: هل كان يجب عليه ﷺ أن يقسم بين نسائه رضى اللَّه ﵎ عنهنّ ؟
على وجهين:
أحدهما: لا يجب عليه. وقال أبو سعيد الاصطخرى، والماوردي، وطائفه، وصححه الغزالي في (الخلاصة) ، وعليه القسم في الوجهين.
والثاني: أنه يجب، وصححه الشيخ أبو حامد، والعراقيون، وتابعهم البغوي، وهو في ظاهر نصه في (الأم) .
ومأخذ الخلاف في هذه المسائل وأخواتها، أن الزوجات في حقه ﷺ كالسرارى في حق غيره، أو كالزوجات، وفيه وجهان: فإن جعلناهن كالسرارى لم يشترط الولي ولا الشهود، وانعقد نكاحه في الإحرام، وبلفظ الهبة، ولم ينحصر عدد منكوحاته ولا طلاقه، ولا يجب عليه القسم، وإن جعلناهن كالزوجات انعكس الحكم.
واحتج من لم ير القسم واجبا، وإنما كان يتطوع به، لأن في وجوبه عليه ﷺ شغلا عن لوازم الرسالة، ولقوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ [ (١) ] ... الآية، أي تبعد من تشاء فلا تقسم لها، وتقرب من تشاء وتقسم لها.
ولما خرجه مسلم [ (٢) ] من حديث شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس رضى اللَّه ﵎ عنه، أن رسول اللَّه ﷺ كان يطوف على نسائه في غسل واحد.
стр. 3841
وخرجه الترمذي [ (١) ] من حديث سفيان عن معمر، عن قتادة، عن أنس رضى اللَّه ﵎ عنه أن النبي ﷺ بمثله، وقال: حديث أنس حديث
стр. 3842
حسن صحيح، [أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد وهو قول غير واحد من أهل العلم، منهم الحسن البصري: أن لا بأس أن يعود قبل أن يتوضأ] [ (١) ] ، وقد روى محمد بن يوسف هذا عن سفيان فقال: عن أبى عروة، عن أبى الخطاب عن أنس، وأبو عروة وهو: معمر بن راشد، وأبو الخطاب:
قتادة بن دعامة. [قال أبو عيسى: ورواه بعضهم عن محمد بن يوسف عن سفيان عن ابن أبى عروة، عن أبى الخطاب، وهو خطأ، والصحيح: عن أبى عروة] .
وخرجه أبو داود [ (٢) ] من حديث إسماعيل، قال: أنبأنا حميد الطويل، عن أنس رضى اللَّه ﵎ عنه أن رسول اللَّه ﷺ طاف على نسائه في غسل واحد قال أبو داود: هكذا رواه هشام بن زيد، عن أنس ومعمر، عن قتادة.
وخرج البخاري [ (٣) ] والنسائي [ (٤) ] من حديث عبد الأعلى بن حماد، قال:
حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد عن قتادة، أن أنس بن مالك حدثهم أن
стр. 3843
نبي اللَّه ﷺ كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وله يومئذ تسع نسوة.
ذكره البخاري في كتاب الغسل، وفي كتاب النكاح. وذكره النسائي في أول كتاب النكاح، وفي كتاب العشرة.
وللبخاريّ [ (١) ] من حديث هشام عن قتادة، قال: أنبأنا أنس بن مالك قال:
كان النبي ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن
стр. 3844
إحدى عشرة، قلت لأنس: وكان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين. وقال سعيد: عن قتادة، أن أنس حدثهم: تسع نسوة. ذكره في باب إذا جامع ثم عاود. ومن دار على نسائه في غسل واحد.
وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ: إن اللَّه تعالى خصّ نبيه ﷺ بأشياء في النكاح، منها أنه أعطاه ساعة لا يكون لأزواجه فيها حقّ يدخل فيها على جميع أزواجه، فيحصل ما يريد منهن، وفي كتاب مسلم أن تلك الساعة بعد العصر، فلو اشتغل كانت بعد المغرب أو غيره، فلذلك كان النبي ﷺ يدور على نسائه في الليل والنهار، وهذا كله بناء على وجوب القسم عليه.
والّذي يظهر من أحاديث الوجوب، منها ما خرجه مسلم [ (١) ] من حديث سليمان بن المغيرة قال: «كان للنّبيّ ﷺ تسع نسوة، فكان إذا قسم بينهن لا ينهى إلى المرأة الأولى [إلا] في تسع فكن يجتمعن كل ليله في بيت التي يأتيها، فكان في بيت عائشة، فجاءت زينب، فمد يده إليها، فقالت: هذه زينب، فكف النبي ﷺ يده، فتقاولتا حتى استحثتا، وأقيمت الصلاة، فمر أبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه على ذلك، فسمع أصواتهما، فقال: اخرج يا رسول اللَّه إلى الصلاة، واحث في أفواههنّ التراب، فخرج رسول اللَّه ﷺ فقالت عائشة: الآن
стр. 3845
يقضى رسول اللَّه ﷺ صلاته فيجيء أبو بكر فيفعل بى ويفعل، فلما قضى النبي ﷺ صلاته أتاها أبو بكر فقال لها قولا شديدا وقال: أتصنعين هذا؟.
وفيها ما أخرجه البخاري [ (١) ] من طريق زهير عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها، أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي ﷺ يقسم لعائشة يومها ويوم سودة.
وخرجه مسلم [ (٢) ] من حديث جرير عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها، قالت: يا رسول اللَّه قد جعلت يومى منك لعائشة فكان رسول اللَّه ﷺ يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة.
[ومنها ما خرجه البخاري [ (٣) ] ومسلم [ (٤) ]] [ (٥) ] من حديث ابن جريح، أخبرنى عطاء قال حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة زوج النبي ﷺ بسرف
стр. 3846
فقال ابن عباس: هذه زوج النبي ﷺ فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوا ولا تزلزلوا وأرفقوا فإنه كان عند رسول اللَّه ﷺ تسع نسوة فكان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة. قال عطاء: التي لا يقسم لها صفية بنت حيي بن أخطب، وقال البخاري: فلا تزعزعوها ولا تزلزلوها.
ومنها ما خرجه مسلم [ (١) ] ، أبو داود [ (٢) ] من حديث سفيان، عن محمد ابن أبى بكر عن عبد الملك بن أبى بكر بن عبد الرحمن أن رسول اللَّه ﷺ حين
стр. 3847
تزوج أم سلمة وأصبحت عنده قال لها: ليس بك على أهلك هوان إن شئت سبعت وأن شئت ثلثت ثم درت، قالت: ثلث.
وخرجه مسلم [ (١) ] أيضا من حديث عبد الملك بن أبى بكر عن أبى بكر ابن عبد الرحمن أن رسول اللَّه ﷺ حين تزوج أم سلمة، أقام عندها ثلاثة، وقال: إنه ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي.
وله من حديث سليمان بن بلال، عن عبد الرحمن بن حميد، عن عبد الملك بن أبى بكر عن أبى بكر بن عبد الرحمن أن رسول اللَّه ﷺ حين تزوج أم سلمة فدخل عليها فأراد أن يخرج أخذت بثوبه، فقال رسول اللَّه ﷺ أن شئت زدتك وحاسبتك به للبكر سبع وللثيب ثلاث. [ (٢) ]
ومنها ما
أخرجه البخاري [ (٣) ] من حديث هشام بن عروة، أخبرنى أبى عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها أن رسول اللَّه ﷺ كان يسأل في مرضه الّذي مات فيه: أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟ يريد يوم عائشة: فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان حتى مات عندها. قالت: عائشة: فمات في اليوم
стр. 3848
الّذي كان يدور عليّ فيه في بيتي، فقبضه اللَّه وإن رأسه لبين نحري وسحري [ (١) ] ، وخالط ريقي ريقه.
وخرجه مسلم [ (٢) ] ، ولفظه: عن عائشة قالت: إن كان رسول اللَّه ﷺ ليتفقد يقول: أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا؟ استبطاء ليوم عائشة، قالت: فلما كان يومى قبضه اللَّه بين سحري ونحري.
وفيها ما أخرجه البخاري [ (٣) ] من حديث الزهري، عن عروة عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها، غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي ﷺ تبتغي بذلك رضا رسول اللَّه ﷺ .
وخرج البخاري [ (٤) ] ومسلم [ (٥) ] من حديث ابن أبى ملكية، عن القاسم، عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها، أن النبي ﷺ كان إذا أراد سفرا
стр. 3849
أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لعائشة وحفصة، وكان النبي ﷺ إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث معها، فقالت حفصة: إلا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك تنظرين وانظر، فقالت: بلى، فركبت، فجاء النبي ﷺ إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلم عليها، ثم سار حتى نزلوا وافتقدته عائشة، فلما نزلوا جعلت رجليها بين الإذخر، وتقول: رب سلط عليّ عقربا أو حية تلدغني، ولا أستطيع أن أقول له شيئا.
ومنها ما
خرجه أبو داود [ (١) ] والترمذي [ (٢) ] والنسائي [ (٣) ] ، وقاسم بن أصبغ، من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبى قلابة، عن عبد اللَّه بن زيد،
стр. 3850
عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها، قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يقسم فيعدل ويقول: اللَّهمّ هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك.
قال أبو داود: يعنى القلب.
ومنها ما
أخرجه مسلم [ (١) ] من حديث عبد اللَّه بن وهب، قال ابن جريج، عن عبد اللَّه بن كثير بن المطلب أنه سمع محمد بن قيس يقول سمعت عائشة
стр. 3851
تحدث فقالت: ألا أحدثكم عن النبي ﷺ وسلم وعنى قلنا بلى وحدثني من سمع حجاجا الأعور واللفظ له قال: حدثنا حجاج بن محمد حدثنا ابن جريج أخبرنى عبد اللَّه رجل من قريش عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يوما: ألا أحدثكم عنى وعن أمى قال: فظننا أنه يريد أمه التي ولدته. قال:
قالت عائشة: ألا أحدثكم عنى وعن رسول اللَّه ﷺ ؟ قلنا بلى قال: قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي ﷺ فيها عندي انقلب فوضع ردائه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت، فأخذ ردائه رويدا، وابتعد رويدا، وفتح الباب، فخرج ثم أجأثه رويدا فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، وأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت، فسبقته فليس لا أن اضطجعت فدخل فقال مالك: يا عائش حشيا رابية، قالت:
قلت لا شيء: قال: لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير؟ قالت: قلت يا
стр. 3852
رسول اللَّه بأبي أنت وأمى فأخبرته قال: فأنت السواد الّذي رأيت أمامى قلت:
نعم فلهدنى في صدري لهده أوجعتني ثم قال أظننت أن يحيف اللَّه عليك ورسوله؟ قالت: مهما يكتم الناس يعلمه اللَّه، نعم قال: فإن جبريل ﵇ أتانى حين رأيت فناداني فأخفاه منك فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك، وقد وضعت ثيابك وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشى فقال إن ربك يأمرك أن تأتى أهل البقيع فتستغفر لهم قالت: قلت:
كيف أقول لهم يا رسول اللَّه؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم اللَّه المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء اللَّه بكم للاحقون.
وأخرجه النسائي [ (١) ] أيضا من طريق حجاج الأعور، عن ابن جريج، قال: أخبرنى عبد اللَّه بن أبى مليكة، أنه سمع محمد بن قيس بن مخرمة يقول:
سمعت عائشة
تحدث قلت: ألا أحدثكم عنى وعن رسول اللَّه ﷺ ؟ قلنا: بلى الحديث بطوله.
هذا الحديث لعائشة، أظننت أن يحيف اللَّه عليك ورسوله، واضح في الدلالة وضوحا أكثر من غيره. وأما الآية، فقد اختلف في تأويل قوله تعالى:
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ فقال قوم: عنى بقوله:
تُرْجِي: تؤخر، وبقوله: تُؤْوِي: تضم. فعن ابن عباس: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ يقول: تؤخر. وعن مجاهد: تعزل بغير طلاق من أزواجك من تشاء وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ تردها إليك.
وعن قتادة قال: فجعله من ذلك في حل أن يدع من يشاء منهن ويأتى من يشاء بغير قسم. وكان نبي اللَّه ﷺ يقسم.
وعن ابن زيد قال: لما أشفقن أن يطلقهن قلن: يا نبي اللَّه: اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت، فكان ممن أرجأ منهن سودة بنت زمعة، وجويرية،
стр. 3853
وصفية، وأم حبيبة، وميمونة، وكان ممن أوى إليه عائشة، وأم سلمة، وحفصة، وزينب.
وعن الضحاك: فما شاء صنع في القسمة بين النساء، أحل اللَّه ذلك.
وعن أبى رزين: وكان ممن أوى، عن عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة، فكان قسمه من ماله ونفسه سواء.
وكان ممن أرجأ: سودة، وجويرية، وصفية، وأم حبيبة، وميمونة، وكان يقسم لهن ما شاء، وكان إذا أراد أن يفارقهن فقلن: اقسم لنا من نفسك ما شئت، ودعنا على حالنا.
وقال آخرون: معنى ذلك تطلق، وتخلى سبيل من شئت من نسائك، وتمسك منهن من شئت فلا تطلق.
فعن ابن عباس أيضا، قوله: ترجى من تشاء منهن أمهات المؤمنين وتؤوي إليك من تشاء، يعنى نساء النبي ﷺ . ويعنى بالإرجاء، يقول: من شئت خليت سبيله منهن، ويعنى بالإيواء: من اجتبيت أمسك.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: تترك نكاح من شئت، وتنكح من شئت من نساء أمتك.
قال قتادة، عن الحسن: وكان النبي ﷺ إذا خطب امرأة لم يكن لرجل أن يخطبها حتى يتزوجها أو يتركها. قال الطبري: وقيل: إن ذلك إنما جعله اللَّه تعالى لنبيه، حين غار بعضهن على النبي ﷺ ، وطلبت بعضهن من النفقة زيادة على الّذي كان يعطيها، فأمره اللَّه تعالى أن يخيرهن بين الدنيا والآخرة، ويخلى سبيل من اختارت الحياة الدنيا وزينتها، ويمسك من [اختارت] اللَّه ورسوله، فلما اخترن اللَّه ورسوله، قيل لهن: أقررن الآن على الرضا باللَّه وبرسوله، قسم لكنّ رسول اللَّه ﷺ أو لم يقسم، أو قسم لبعضكن، ولم يقسم لبعضكن، وفضل بعضكن على بعضكن في النفقة، أو لم يفضل، سوى بينكن أو لم يسو، فإن الأمر في ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ ليس لكن في ذلك شيء.
وكان رسول اللَّه ﷺ فيما ذكر، مع ما جعل اللَّه تعالى له من ذلك، يسوى بينهن في القسم، إلا امرأة منهن أراد طلاقها، فرضيت بترك القسم لها.
стр. 3854
قال: وبنحو الّذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل: فذكر عن منصور، عن أبى رزين، قال: لما أراد النبي ﷺ أن يطلق أزواجه، قلن له: افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت، فأمره اللَّه تعالى، فأوى أربعا وأرجأ خمسا.
وذكر حديث هشام بن عروة عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها أنها قالت: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل، حتى أنزل اللَّه تعالى:
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ [ (١) ] ، فقالت: إن ربك ليسارع في هواك.
وذكر من طريق ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ [ (٢) ] قال: كان أزواجه تغايرن على النبي ﷺ ، فهجرهن شهرا، ثم نزل التخيير من اللَّه تعالى فيهن: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا* وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً* يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً* وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً* يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً* وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [ (٣) ] .
فخيرهن أن يخلى سبيلهن ويسرحهن، وبين إن يقمن أن أردن اللَّه ورسوله، على أنهن أمهات المؤمنين، لا ينكحن أبدا، وعلى أنه يؤوى إليه من يشاء منهن ممن وهبت نفسها له، حتى يكون هو يرفع رأسه إليها، ويرجى من يشاء، حتى يكون هو يرفع رأسه إليها، ومن ابتغى ممن هي عنده وعزل، فلا
стр. 3855
جناح عليه، ذلك أدنى أن تقر أعينهن، ولا يحزن، ويرضين، إذا علمن أنه من قضائي عليهنّ إيثار بعضهن على بعض، ذلك أدنى أن يرضين.
قال: ومن ابتغيت ممن عزلت من ابتغى أصابه، ومن عزله لم يصبه فخيرهن بين أن يرضين بهذا أو يفارقهن، فاخترن اللَّه ورسوله، إلا امرأة واحدة بدوية ذهبت، وكان على ذلك ﷺ ، وقد شرط اللَّه هذا الشرط، ما زال يعدل بينهن حتى لقي اللَّه تعالى.
واختار الطبري أن اللَّه تعالى جعل لنبيه ﷺ أن يرجئ من النساء اللاتي أحللن له من يشاء، ويؤوى منهن من يشاء، وأن الإرجاء والإيواء غير مقصور على من هن في نسائه يوم نزلت هذه الآية دون غيرهن ممن يستحدث إيواءها، وأرجاءها منهن.
وأن معنى الكلام: تؤخر من يشاء ممن وهبت نفسها لك، وأحلت لك نكاحها، فلا تقبلها، ولا تنكحها، وممن هي في حيالك، فلا تقربها، وتضم إليك من تشاء ممن وهبت نفسها لك، أو أردت من النساء اللاتي أحللن لك نكاحهن، فتقبلها أو تنكحها، وهي ممن في حيالك، فتجامعها إذا شئت، وتتركها إذا شئت بغير قسم.
وقال ابن القشيري في (تفسيره) : إن القسم كان واجبا ثم نسخ بهذه الآية، وتفسير الماوردي في الآية قولين:
أحدهما: عن مجاهد، أن معناها، تعزل ما شئت من أزواجك، فلا تأتيها، وتأتى من شئت.
والثاني: تؤخر من شئت من أزواجك، وتضم إليك من تشاء منهن، وهو قول قتادة، ونقله البخاري عن بن عباس. قال: الماوردي: واختلفوا، هل أرجأ رسول اللَّه ﷺ بعد نزول هذه الآية من نسائه أحدا أم لا؟ فالذي عليه