تحدث فقالت: ألا أحدثكم عن النبي ﷺ وسلم وعنى قلنا بلى وحدثني من سمع حجاجا الأعور واللفظ له قال: حدثنا حجاج بن محمد حدثنا ابن جريج أخبرنى عبد اللَّه رجل من قريش عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يوما: ألا أحدثكم عنى وعن أمى قال: فظننا أنه يريد أمه التي ولدته. قال:
قالت عائشة: ألا أحدثكم عنى وعن رسول اللَّه ﷺ ؟ قلنا بلى قال: قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي ﷺ فيها عندي انقلب فوضع ردائه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت، فأخذ ردائه رويدا، وابتعد رويدا، وفتح الباب، فخرج ثم أجأثه رويدا فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، وأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت، فسبقته فليس لا أن اضطجعت فدخل فقال مالك: يا عائش حشيا رابية، قالت:
قلت لا شيء: قال: لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير؟ قالت: قلت يا
стр. 3852
رسول اللَّه بأبي أنت وأمى فأخبرته قال: فأنت السواد الّذي رأيت أمامى قلت:
نعم فلهدنى في صدري لهده أوجعتني ثم قال أظننت أن يحيف اللَّه عليك ورسوله؟ قالت: مهما يكتم الناس يعلمه اللَّه، نعم قال: فإن جبريل ﵇ أتانى حين رأيت فناداني فأخفاه منك فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك، وقد وضعت ثيابك وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشى فقال إن ربك يأمرك أن تأتى أهل البقيع فتستغفر لهم قالت: قلت:
كيف أقول لهم يا رسول اللَّه؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم اللَّه المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء اللَّه بكم للاحقون.
وأخرجه النسائي [ (١) ] أيضا من طريق حجاج الأعور، عن ابن جريج، قال: أخبرنى عبد اللَّه بن أبى مليكة، أنه سمع محمد بن قيس بن مخرمة يقول:
سمعت عائشة
تحدث قلت: ألا أحدثكم عنى وعن رسول اللَّه ﷺ ؟ قلنا: بلى الحديث بطوله.
هذا الحديث لعائشة، أظننت أن يحيف اللَّه عليك ورسوله، واضح في الدلالة وضوحا أكثر من غيره. وأما الآية، فقد اختلف في تأويل قوله تعالى:
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ فقال قوم: عنى بقوله:
تُرْجِي: تؤخر، وبقوله: تُؤْوِي: تضم. فعن ابن عباس: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ يقول: تؤخر. وعن مجاهد: تعزل بغير طلاق من أزواجك من تشاء وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ تردها إليك.
وعن قتادة قال: فجعله من ذلك في حل أن يدع من يشاء منهن ويأتى من يشاء بغير قسم. وكان نبي اللَّه ﷺ يقسم.
وعن ابن زيد قال: لما أشفقن أن يطلقهن قلن: يا نبي اللَّه: اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت، فكان ممن أرجأ منهن سودة بنت زمعة، وجويرية،
стр. 3853
وصفية، وأم حبيبة، وميمونة، وكان ممن أوى إليه عائشة، وأم سلمة، وحفصة، وزينب.
وعن الضحاك: فما شاء صنع في القسمة بين النساء، أحل اللَّه ذلك.
وعن أبى رزين: وكان ممن أوى، عن عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة، فكان قسمه من ماله ونفسه سواء.
وكان ممن أرجأ: سودة، وجويرية، وصفية، وأم حبيبة، وميمونة، وكان يقسم لهن ما شاء، وكان إذا أراد أن يفارقهن فقلن: اقسم لنا من نفسك ما شئت، ودعنا على حالنا.
وقال آخرون: معنى ذلك تطلق، وتخلى سبيل من شئت من نسائك، وتمسك منهن من شئت فلا تطلق.
فعن ابن عباس أيضا، قوله: ترجى من تشاء منهن أمهات المؤمنين وتؤوي إليك من تشاء، يعنى نساء النبي ﷺ . ويعنى بالإرجاء، يقول: من شئت خليت سبيله منهن، ويعنى بالإيواء: من اجتبيت أمسك.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: تترك نكاح من شئت، وتنكح من شئت من نساء أمتك.
قال قتادة، عن الحسن: وكان النبي ﷺ إذا خطب امرأة لم يكن لرجل أن يخطبها حتى يتزوجها أو يتركها. قال الطبري: وقيل: إن ذلك إنما جعله اللَّه تعالى لنبيه، حين غار بعضهن على النبي ﷺ ، وطلبت بعضهن من النفقة زيادة على الّذي كان يعطيها، فأمره اللَّه تعالى أن يخيرهن بين الدنيا والآخرة، ويخلى سبيل من اختارت الحياة الدنيا وزينتها، ويمسك من [اختارت] اللَّه ورسوله، فلما اخترن اللَّه ورسوله، قيل لهن: أقررن الآن على الرضا باللَّه وبرسوله، قسم لكنّ رسول اللَّه ﷺ أو لم يقسم، أو قسم لبعضكن، ولم يقسم لبعضكن، وفضل بعضكن على بعضكن في النفقة، أو لم يفضل، سوى بينكن أو لم يسو، فإن الأمر في ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ ليس لكن في ذلك شيء.
وكان رسول اللَّه ﷺ فيما ذكر، مع ما جعل اللَّه تعالى له من ذلك، يسوى بينهن في القسم، إلا امرأة منهن أراد طلاقها، فرضيت بترك القسم لها.
стр. 3854
قال: وبنحو الّذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل: فذكر عن منصور، عن أبى رزين، قال: لما أراد النبي ﷺ أن يطلق أزواجه، قلن له: افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت، فأمره اللَّه تعالى، فأوى أربعا وأرجأ خمسا.
وذكر حديث هشام بن عروة عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها أنها قالت: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل، حتى أنزل اللَّه تعالى:
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ [ (١) ] ، فقالت: إن ربك ليسارع في هواك.
وذكر من طريق ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ [ (٢) ] قال: كان أزواجه تغايرن على النبي ﷺ ، فهجرهن شهرا، ثم نزل التخيير من اللَّه تعالى فيهن: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا* وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً* يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً* وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً* يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً* وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [ (٣) ] .
فخيرهن أن يخلى سبيلهن ويسرحهن، وبين إن يقمن أن أردن اللَّه ورسوله، على أنهن أمهات المؤمنين، لا ينكحن أبدا، وعلى أنه يؤوى إليه من يشاء منهن ممن وهبت نفسها له، حتى يكون هو يرفع رأسه إليها، ويرجى من يشاء، حتى يكون هو يرفع رأسه إليها، ومن ابتغى ممن هي عنده وعزل، فلا
стр. 3855
جناح عليه، ذلك أدنى أن تقر أعينهن، ولا يحزن، ويرضين، إذا علمن أنه من قضائي عليهنّ إيثار بعضهن على بعض، ذلك أدنى أن يرضين.
قال: ومن ابتغيت ممن عزلت من ابتغى أصابه، ومن عزله لم يصبه فخيرهن بين أن يرضين بهذا أو يفارقهن، فاخترن اللَّه ورسوله، إلا امرأة واحدة بدوية ذهبت، وكان على ذلك ﷺ ، وقد شرط اللَّه هذا الشرط، ما زال يعدل بينهن حتى لقي اللَّه تعالى.
واختار الطبري أن اللَّه تعالى جعل لنبيه ﷺ أن يرجئ من النساء اللاتي أحللن له من يشاء، ويؤوى منهن من يشاء، وأن الإرجاء والإيواء غير مقصور على من هن في نسائه يوم نزلت هذه الآية دون غيرهن ممن يستحدث إيواءها، وأرجاءها منهن.
وأن معنى الكلام: تؤخر من يشاء ممن وهبت نفسها لك، وأحلت لك نكاحها، فلا تقبلها، ولا تنكحها، وممن هي في حيالك، فلا تقربها، وتضم إليك من تشاء ممن وهبت نفسها لك، أو أردت من النساء اللاتي أحللن لك نكاحهن، فتقبلها أو تنكحها، وهي ممن في حيالك، فتجامعها إذا شئت، وتتركها إذا شئت بغير قسم.
وقال ابن القشيري في (تفسيره) : إن القسم كان واجبا ثم نسخ بهذه الآية، وتفسير الماوردي في الآية قولين:
أحدهما: عن مجاهد، أن معناها، تعزل ما شئت من أزواجك، فلا تأتيها، وتأتى من شئت.
والثاني: تؤخر من شئت من أزواجك، وتضم إليك من تشاء منهن، وهو قول قتادة، ونقله البخاري عن بن عباس. قال: الماوردي: واختلفوا، هل أرجأ رسول اللَّه ﷺ بعد نزول هذه الآية من نسائه أحدا أم لا؟ فالذي عليه
стр. 3856
الأكثرون: أنه ﷺ لم يرجئ، وأنه ﷺ مات عن تسع، وكان يقسم لثمان منهن، لأن سودة وهبت يومها لعائشة رضى اللَّه ﵎ عنهما. [ (١) ]
السابعة: في وجوب نفقات زوجاته ﷺ
فيه الوجهان السابقان في المهر والأصح الوجوب كما ذكره النووي في (الروضة) [ (٢) ] وعبارة الرافعي وجهان بناء على الخلاف في المهر. قال: في
стр. 3857
(المهمات) : وهذا البناء يشعر بترجيح عدم الوجوب وأنه الراجح في المهر واعترض على من بنى هذا على هذا بأن الخلاف في إيجاب المهر إنما هو في الواهبة، والمذهب أنه لا يحب كما تقدم.
وأما غير الواهبة فقد صدقهن كما وقع في القرآن الكريم قال تعالى:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ يعنى اللاتي تزوجهن بصداق وقال مجاهد: آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ قال: صدقاتهن. وقال ابن زيد: كان كل امرأة أتاها مهرا فقد أحلها اللَّه له ومما يدل على توهين الوجه الصائر إلى عدم الوجوب
قوله ﷺ : ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقه.
فإذا كان يحب أن ينفق مما ترك بعد وفاته فكيف في حياته؟.
***
стр. 3858
الثامنة: كان له ﷺ تزويج المرأة ممن شاء بغير إذنها وإذن وليها وتزويجها من نفسه وتولى الطرفين بغير إذن وليها إذا جعله اللَّه تعالى أولى بالمؤمنين من أنفسهم
قال الحناطى: ويحتمل أن يقال: كان لا يجوز إلا بإذنها ويؤيد قول الحناطى أنه ﷺ استأذن جويرية وطلب رضاها بنكاحه وأجيب عنه بأنه فعل ذلك تطبيبا لقلبها كقوله: والبكر تستأمر، ووقع في مطلب ابن الرفعة إن الرافعي حكى عن الحناطى أنه قال: يحتمل أن يقال: كان لا يجوز إلا بإذن وليها قال: ولم أر لذلك ذكرا في (الروضة) بل ذكر الخلاف المذكور في توليه الطرفين وإنما فيها حكايته في إذنها كما حكاه الرافعي فتنبه لذلك.
التاسعة: أن المرأة تحل له ﷺ بتزويج اللَّه تعالى
قال تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها [ (١) ] يقول تعالى:
فلما قضى زيد بن حارثة من زينب حاجته وهي الوطر، زوجناك زينب بعد ما طلقها زيد وبانت منه. وقيل: معنى زوجناكها أحللنا لك نكاحها، وكانت زينب تفخر على صواحباتها بذلك تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني اللَّه. من فوق سبع سماوات.
كما خرجه البخاري من حديث أنس وقال محمد بن عبد اللَّه بن جحش تفاخرت عائشة وزينب رضى اللَّه ﵎ عنهما، فقالت زينب: أنا الّذي نزل تزويجي وقال جرير عن مغيرة عن الشعبي كانت زينب تقول للنّبيّ ﷺ إني لأدل عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدل بهنّ: أن جدي وجدك واحد، وأنى أنكحنيك اللَّه من السماء، وأن السفير لجبريل.
стр. 3859
ومنع ذلك بعض أصحابنا وقال إنه ﷺ أنشأ عقدا على زينب، ومعنى زوجناكها أبحنا لك نكاحها. وعد القضاعي هذه الخصيصة مما خص بها النبي ﷺ دون الأنبياء من قبله.
العاشرة: كان يحل له ﷺ نكاح المعتدّة
على وجه حكاه البغوي والرافعي، ولفظ البغوي وقيل كانت تحل له نكاح المعتدة، وذكر في (التعليقة) ما ليس في (التهذيب) فقال: وإذا رغب في ذات زوج فإنه يحرم على زوجها إمساكها وتحل له بتزويج اللَّه على الأصح وكذا كانت تحل له بلا عدة على معنى أنه لا يجب عليها أيضا العدة.
وقال أبو خلف عوض بن أحمد الروياني في كتاب (المعتبر في تقليل المختصر) للجوينى بعد قول أبى محمد: وإذا رغب في نكاح امرأة منكوحه كان على زوجها طلاقها ثم كان له أن ينكحها من غير عدة، قال: وقوله: من غير عدة لم يوجد إلا في هذا الكتاب أو ما بنى عليه، وقال النووي في (الروضة) : القطع بالمنع [ (١) ] .
قال ابن الصلاح: وقال الغزالي: في (الخلاصة) : وهو غلط منكر، وددت محوه منه وتبع فيه صاحب (مختصر الجويني) ومنشؤه من تصحيف كلام أتى به المزني ﵀.
***
стр. 3860
الحادية عشرة: هل كان يحل له ﷺ الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها ؟
فيه وجهان في الرافعي عن ابن القطان بناء على أن المخاطب هل يدخل في الخطاب؟.
خرج البخاري [ (١) ] ومسلم [ (٢) ] من حديث مالك عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لا تجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها،
وله طرق عندهما، فالمعنى
стр. 3861
لا ينكح أحد، وهذا من الكلام في الخصائص بالاجتهاد دونه باطل، ولم يقع ذلك من النبي ﷺ ولم يذكره ابن القاص ولا القفال ولا غيرهما، وإنما نسبه الرافعي إلى خط بعض الناس فقال: رأيت بخط بعض المصنفين عن أبى الحسن القطان في أنه هل كان يجوز له الجمع بين المرأة وخالتها وعمتها إلى آخره.
الثانية عشرة: هل كان يحل له ﷺ الجمع بين الأختين ؟
فالقرآن والأحاديث الصحيحة صريحة بتحريم ذلك، قال تعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وهذا الخطاب يدخل فيه نبيه ﷺ .
وخرج البخاري [ (١) ] ومسلم [ (٢) ] والنسائي [ (٣) ] من حديث شعيب عن الزهري قال: أخبرنى عروة بن الزبير أن زينب ابنة أبى سلمة أخبرته أن أم حبيبة
стр. 3862
قالت: يا رسول اللَّه أنكح أختى بنت أبى سفيان، قال: وتحبين؟ قلت: نعم لست لك بمخلية. وأحب من شاركني في خير أختى، فقال النبي ﷺ إن ذلك لا يحل لي. قلت: يا رسول اللَّه. فو اللَّه إنا لنتحدث أنك تريد أن تنكح درة بنت أبى سلمة. قال: بنت أم سلمة؟ فقلت: نعم، قال: فو اللَّه لو لم تكن في حجري حلت لي، إنها لابنة أخى من الرضاعة، أرضعتنى وأبا سلمة ثويبة. فلا تعرضن عليّ بناتكن ولا أخواتكن.
وما ذكر الخباطى مغاير للقرآن وصحيح الحديث، هو خلاف الواقع أيضا.
***
стр. 3863
الثالثة عشرة: أنه ﷺ أعتق صفية وتزوج بها بأن جعل عتقها صداقها
خرج البخاري [ (١) ] في باب من جعل عتق الأمة صداقها من طريق حماد عن ثابت وشعيب بن الحبحاب عن أنس رضى اللَّه ﵎ عنه أن رسول اللَّه ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها.
وخرج في باب الوليمة ولو بشاة من طريق مسدد عن عبد الوارث عن شعيب عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ أعتق صفية وتزوجها وجعل عتقها صداقها وأولم عليها بحيس [ (٢) ] .
وخرجه في غزوة خيبر من حديث شعبة عن عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أنس بن مالك يقول سبى النبي ﷺ صفية فأعتقها فتزوجها فقال ثابت لأنس: ما أصدقها؟ قال أصدقها نفسها فأعتقها [ (٣) ] .
وخرجه مسلم [ (٤) ] من طريق حماد بن زيد بن ثابت ومن طريق أبى عوانه عن أبى عثمان عن أنس ومن طريق معاذ بن هشام قال حدثني أبى عن
стр. 3864
شعيب بن الحبحاب عن أنس ومن طريق سفيان ومن طريق معاذ بن هشام قال حدثني أبى عن شعيب بن الحبحاب عن أنس كلهم عن النبي ﷺ أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها وفي حديث معاذ عن أبيه تزوج صفية وأصدقها عتقها.
وأخرجه الترمذي [ (١) ] من حديث أبى عوانة وقال: حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول الشافعيّ وأحمد وإسحاق، وكره بعض أهل العلم أن يجعل عتقها صداقها حتى يجعل لها مهرا سوى العتق قال: والقول الأول أصح.
стр. 3865
وذكر البخاري في أول كتاب النكاح في باب اتخاذ السراري ومن أعتق جاريته ثم تزوجها، حديث أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران. الحديث، ثم قال: وقال أبو بكر عن أبى حصين عن أبى بردة عن أبيه عن النبي ﷺ أعتقها ثم أصدقها هكذا ذكره البخاري تعليقا.
وقد وصله البيهقي من هذا الطريق بلفظ: وإذا أعتق الرجل أمته ثم تزوجها بمهر جديد كان له أجران.
وذلك يدل على تحديد العقد بصداق غير عتق الأمة من رواية يحيى بن عبد الحميد الحماني، وهو ضعيف جدا عن أبى بكر بن عياش، وهو حديث مشهور من رواية الثقات وليس فيه بمهر جديد أصلا، اختلف أصحابنا في معنى أعتقها وجعل عتقها صداقها، فقيل: أعتقها بشرط أن ينكحها فلزمها الوفاء بخلاف غيره، وهذا يقتضي إنشاء عقد بعد ذلك، وهذا وجه ضعيف لأنه لم ينقل في رواية من الروايات فقيل: جعل نفس العتق صداقها وجاز له ذلك بخلاف غيره.
وهذا أورده الماوردي وهو الموافق لغالب الأحاديث، واختاره الغزالي ويشكل على هذا ما حكاه أبو عيسى الترمذي عن الشافعيّ أنه جوز ذلك لآحاد الناس، وهو وجه مشهور، وقيل أعتقها بلا عوض وتزوجها بلا مهر لا في الحال ولا فيما بعد وهذا يقتضي أن يكون بلا مهر، وسبقه إليه ابن الصلاح قال في (مشكله) : أنه أصح وأقرب إلى الحديث وحكى عن أبى إسحاق. قال في (مشكله) وقطع به البيهقي فقال: أعتقها مطلقا.
قال ابن الصلاح: فيكون معنى قوله: وجعل عتقها صداقها أنه لم يجعل لها شيئا غير العتق فحل كل الصداق وإن لم يكن صداقا وهو من قبيل قولهم الجوع زاد من لا زاد له وقيل أعتقها على شرط أن يتزوجها فوجب له عليها قيمتها فتزوجها به وهي مجهولة وليس لغيره أن يتزوج بصداق مجهول، حكاه الغزالي في (وسيطه) ، ولنا وجه في صحته: إصداق قيمة الأمة المعتقة المجهولة إذا أعتقها عليه بالنسبة إلينا وهو يرد على قول الغزالي في (وسيطه) ففيه خاصيه بالاتفاق إلا أن يكون القائل بالصحة في حق غيره ﷺ غير القائل
стр. 3866
بالاتفاق هنا. وقيل: بل أمهرها ﷺ جارية كما رواه البيهقي بإسناد غريب ولا يصح.
الرابعة عشرة: كان من خصائصه ﷺ الخلوة بالأجنبية
فإنه ﷺ معصوم، ويملك إربه عن زوجته، فكيف عن غيرها، ممن هو المنزه عنه؟ فإنه المبرأ عن كل فعل قبيح، وقول رفث.
خرج البخاري [ (١) ] ومسلم [ (٢) ] من حديث مالك عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى طلحة. عن أنس بن مالك رضى اللَّه ﵎ عنه، أنه سمعه يقول:
стр. 3867
كان رسول اللَّه ﷺ إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان [ (١) ] فتطعمه- وكانت تحت عبادة بن الصامت- فدخل يوما فأطعمته، فنام رسول اللَّه ﷺ ،
стр. 3868
ثم استيقظ يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول اللَّه؟ فقال: ناس من أمتى عرضوا على غزاة في سبيل اللَّه، يركبون ثيح هذا البحر ملوكا على الأسرة- أو مثل الملوك على الأسرة. فقلت: ادع اللَّه أن يجعلني منهم، قال:
стр. 3869
أنت من الأولين.
فركبت البحر زمن معاوية، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر، فهلكت.
ولمسلم [ (١) ] من حديث حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن حبان، عن أنس بن مالك، عن أم حرام وهي خالة أنس قالت: أتانا النبي ﷺ يوما فقال: عندنا فاستيقظ وهو يضحك فقلت ما يضحكك يا رسول اللَّه بأبي أنت وأمى، قال: أريت قوما من أمتى يركبون ظهر البحر كالملوك على الأسرة فقلت ادع اللَّه أن يجعلني منهم قال فإنك منهم. قالت: ثم نام فاستيقظ أيضا وهو يضحكك فسألته فقال مثل مقالته. فقلت: ادع اللَّه أن يجعلني منهم. قال: أنت من الأولين:
قال فتزوجها عبادة بن الصامت بعد فغزا في البحر فحملها معه فلما أن جاءت قربت لها بغلة فركبتها فصرعتها فاندقت عنقها.
стр. 3870
ولمسلم [ (١) ] من حديث همام، عن إسحاق بن عبد اللَّه، عن أنس قال: كان النبي ﷺ لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه، وإلا أم سليم، فإنه كان يدخل عليها، فقيل له في ذلك، فقال: إني أرحمها، قتل أخوها معى.
وقال ابن عبد البر: وأم حرام هذه خالة أنس بن مالك، أخت أم سليم بنت ملحان، أم أنس. قال: وأظنها أرضعت رسول اللَّه ﷺ ، إذ أم سليم جعلت أم حرام خالة له من الرضاعة، فلذلك كانت تفلى رأسه، وينام عندها، وكذلك كان ينام عند أم سليم، وتنال منه ما يجوز لذي المحرم أن يناله من محارمه.
ولا يشك مسلم أن أم حرام كانت من رسول اللَّه ﷺ المحرم، فلذلك كان منها ما ذكر منها بما ذكرنا في هذا الحديث.
وقد أخبرنا غير واحد من شيوخنا، عن أبى محمد عبد اللَّه بن محمد ابن على، أن محمد بن [يونس] أخبره، عن يحى بن إبراهيم بن مزين قال:
إنما استجاز رسول اللَّه ﷺ أن تفلى أم حرام رأسه، لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالته لآل أم عبد المطلب من هاشم، كانت من بنى النجار.
وقال يونس بن عبد الأعلى: قال لنا ابن وهب: أم حرام إحدى خالات النبي ﷺ من الرضاعة، فلهذا كان يقيل عندها، وينام في حجرها وتفلى رأسه.
قال أبو عمر بن عبد البر: أي ذلك كان، فأم حرام محرم من رسول اللَّه ﷺ .
قال مؤلفه ويؤيده ما ذهب إليه ابو عمر أنه وقع في صحيح البخاري من حديث هشام عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى طلحة، حدثني أن رسول اللَّه ﷺ بعث خاله أخا لأم سليم في سبعين راكبا.... الحديث.
стр. 3871
وهذا هو حرام بن ملحان، واسم ملحان مالك بن خالد بن زيد بن حرام ابن جندب بن عامر بن غانم بن مالك بن النجار، فانظر كيف قال فيه أنس انه قال النبي ﷺ ؟ وانه أخ أم سليم وما هي إلا خؤولة الرضاعة فتأمله.
قال ابن عبد البر: والدليل على ذلك، فذكر ما خرجه النسائي من حديث غشيم عن أبى الزبير، عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ ألا لا يبيتن رجل عند امرأة إلا أن يكون ناكحا أو ذا محرم.
وروى عمر بن الخطاب رضى اللَّه ﵎ عنه عن النبي ﷺ قال لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما.
وروى ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: لا يخلون رجلا بامرأة إلا تكون منه ذات محرم.
روى عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضى اللَّه ﵎ عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: لا يدخلن رجل على مغيبه إلا ومعه رجلا أو رجلان.
ومن طليق النسائي حديث الليث عن صويب بن أبى حبيب، عن أبى حيصر عن عقبة بن عامر رضى اللَّه ﵎ عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: أرأيت الحمو؟
قال: الحمو الموت.
قال ابن عبد البر: وهذه آثار ثابتة للنهى عن ذلك، ومحال أن يأتى رسول اللَّه ﷺ ما ينهى عنه.
وقال النووي: في باب فضل الغزو في البحر من (شرح مسلم) :
اتفق العلماء على أنها- يعنى أم حرام- كانت محرما له ﷺ ، واختلفوا في كيفية ذلك فقال ابن عبد البر وغيره: وكانت إحدى خالته ﷺ من الرضاعة، وقال أخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجده لأن عبد المطلب كانت أمه من بنى النجار وقد اعترض على النووي بعض من أدركناه، فقال: وما ذكره من الاتفاق على أنها كانت محرما له فيه نظر، ومن أحاط علما بنسب النبي ﷺ ونسب أم حرام علم أنها لا محرمية بينهما.
قال من ذكرناه أن النبي ﷺ معصوم، ويقال: كان من خصائصه الخلوة بالأجنبية وقد ادعاه بعض شيوخنا.
стр. 3872
قال مؤلفه ﵀: لم يرد النووي ﵀ بأن أم حرام كانت محرما لرسول اللَّه ﷺ من جهة النسب، فأنه من أعلم الناس بنسبيهما، وإنما أراد المحرمية الرضاعة التي حكاها ابن عبد البر وذهب إليها بلا شك.
وقال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي: سمعت بعض الحفاظ يقول: كانت أم سليم أخت آمنه بنت وهب أم رسول اللَّه ﷺ من الرضاعة وقال ابن العربيّ:
ويحتمل ان تكون ذلك قبل الحجاب، ورد بأنه كان بعد حجة الوداع.
وقال الحافظ شرف الدين عبد المؤمن الدمياطيّ ذهل من يزعم ان أم حرام إحدى خالات النبي ﷺ من الرضاعة أو من النسب، لأن أمهاته من النسب واللاتي أرضعته معلومات ليس فيهن أحدى من الأنصار البتة، سوى أم عبد المطلب وهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن عباس بن عامر بن غنم ابن النجار، وأم حرام بنت ملحان بن مالك بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر ابن غنم بن عدي بن النجار، فلا تجتمع أم حرام وهي سلمى إلا في عامر ابن غنم، جدهما الأعلى، وهذه خؤولة لا تثبت بها محرمية، لأنها خؤولة مجازيه، وهي كقوله ﷺ لسعد بن أبى وقاص: هذا أخا لي لكونه من بنى زهرة، وهم أقارب أمه وليس سعدا أخا لآمنة.
وإذا تقرر هذا
فقد ثبت في الصحيح انه ﷺ كان لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه، إلا على أم سليم فقيل له، فقال: إلى أرحمها قتل أخوها معى
يعنى حرام بن ملحان، فكان قتل ببئر معونة، قال على أنه ليس في الحديث ما يدل على الخلوة من أم حرام ولعل ذلك كان مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع، وهذا احتمال قوى إلا أنه لا يدفع الإشكال من أصله، لبقاء الملامسة في تفلية الرأس، وكذلك النوم في الحجر.
وأحسن الأجوبة: دعوى الخصوصية، ولا يردها كونها لا تثبت إلا بدليل، لأن الدليل على ذلك واضح، والحمد للَّه وحده.
***
стр. 3873
الخامسة عشرة: هل تزوج رسول اللَّه ﷺ بعائشة رضى اللَّه ﵎ عنها وهي بنت ست سنين أو سبع سنين كان من خصائصه ﷺ ؟ أو يجوز لأمته نكاح الصغيرة إذا زوجها أبوها ؟
قال ابن شبرمة فيما نقله عنه أبو محمد بن حزم: لا يجوز نكاح الأب ابنته صغيرة حتى تبلغ وتأذن ورأى أمر عائشة خصوصية للنّبيّ ﷺ كالموهوبة، ونكاح أكثر من أربع، ورد هذا بأن قول ابن شبرمة: بأن ادعاء الخصوصية يفتقر إلى دليل، وقد عدم في هذه المسألة.
وحكى ابن المنذر الإجماع على أن ذلك يجوز لكل أحد،
وقد خطب عمر بن الخطاب رضى اللَّه ﵎ عنه أم كلثوم إلى على رضى اللَّه ﵎ عنه فقال: إنها تصغر عن ذلك ثم زوجه،
وقال الشافعيّ: زوج ابن الزبير ابنته صفية، وزوج غير واحد من الصحابة.
***
стр. 3874
النوع الرابع: ما اختص به ﷺ من الفضائل والكرامات وهو قسمان:
القسم الأول: المتعلق بالنكاح وفيه المسائل
المسألة الأولى: أزواجه ﷺ اللاتي توفى عنهن محرمات على غيره أبدا
قال اللَّه تعالى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً [ (١) ] .
يقول تعالى: وما ينبغي لكم أن تؤذوا رسول اللَّه. وما يصح لكم ذلك وما ينبغي لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا، لأنهن أمهاتكم، ولا يحل للرجل أن يتزوج أمه.
قال ابن وهب، عن ابن زيد، قال: ربما بلغ النبي ﷺ ، أن الرجل يقول: لو أن النبي توفى، تزوجت فلانة من بعده، قال: فكان ذلك يؤذى النبي ﷺ فنزل القرآن: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً.
يقول: إن ذلكم رسول اللَّه، ونكاحكم أزواجه من بعده عند اللَّه عظيم الإثم.
وروى إسماعيل بن إسحاق، من طريق معمر، عن قتادة، أن رجلا قال: لو قبض رسول اللَّه، تزوجت عائشة! فأنزل اللَّه تعالى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ الآية. ونزلت: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [ (٢) ] .
стр. 3875
ونقل أبو نصر عبد الرحيم القشيري، عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما، قال: قال رجل من سادات قريش، من العشرة الذين كانوا مع النبي ﷺ : على حرام نفسه لو توفى رسول اللَّه ﷺ لتزوجت عائشة، وهي بنت عمتي.
قال ابن عطية: روى أنها نزلت بسبب بعض الصحابة، قال: لو مات رسول اللَّه ﷺ لتزوجت عائشة، فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ ، فنادى به هكذا كنى عنه ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما، ببعض الصحابة.
وحكى مكي عن معمر أنه قال: هو طلحة بن عبيد اللَّه، وكذا حكى النحاس عن معمر. قال ابن عطية: وهذا عندي لا يصح عن طلحة.
وروى أن رجلا من المنافقين قال حين تزوج رسول اللَّه ﷺ أم سلمة بعد أبى سلمة، وحفصة بعد خنيس بن حذافة: ما بال محمد يتزوج نساءنا؟
واللَّه لو مات لأحلنا السهام على نسائه، فنزلت الآية في هذا، فحرم اللَّه نكاح أزواجه من بعده، وجعل لهن حكم الأمهات، وهذا من خصائصه تمييزا لشرفه، وتنبيها على علو مرتبته.
قال القاضي: وأزواجه ﷺ اللاتي مات عنهن- لا يحل لأحد نكاحهن ومن استحل ذلك كافرا، لقوله تعالى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً.
وقد قيل: إن اللَّه تعالى إنما منع من التزويج بأزواج نبيه، لأنهن أزواجه في الجنة، فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها، كما تقدم عن حذيفة.
وذكر القضاعي أن ذلك مما خص به ﷺ دون الأنبياء وأمته، فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها.
وقيل: إنما منع من نكاحهن، لأنه ﷺ حي، ولهذا حكى الماوردي وجها: أنهن لا تجب عليهنّ عدة الوفاة، وفيمن فارقها في الحياة كالمستعيذة، والتي وجد بكشحها بياضا، ثلاثة أوجه:
أحدها: تحرمن أيضا، وهو المنصوص من الشافعيّ في (أحكام القرآن) لشمول الآية، والبعدية في قوله تعالى: من بعده عند هذا القائل لا تختص بما بعد الموت، بل هو أعم منه، فيكون التقدير: من بعد نكاحه.
стр. 3876
قال بعضهم: وحرمن لوجوب محبة رسول اللَّه ﷺ ، فإن من العادة أن زوج المرأة يكره زوجها الأول، قال في (الروضة) : وهذا أرجح، وقال ابن الصلاح: إنه أشبه بظاهر القرآن، وهو ظاهر بنص الشافعيّ.
قال: وقيل: إن وجه التفضيل يعنى الثالث أصح، وعبارة القضاعي تقتضي هذا الوجه أيضا، فإنه أطلق أن تساءه ﷺ حرمن على غيره، وجعل ذلك من خصائه دون غيره من الأنبياء.
وثانيها: لا يحرمن لإعراض النبي ﷺ عنها، وانقطاع الاعتناء بها، لأن في ذلك إضرارا بها، والبعدية على هذا مخصوصة بما بعد الموت.
وثالثها: تحرم المدخول بها فقط، وبه قال القاضي أبو حامد، وذكر الشيخ أبو حامد أنه الصحيح، وقال الرافعي في (الشرح الصغير) : إنه الأظهر، وصححه الماوردي، والغزالي أيضا، وقال الإمام: إنه الأعدل، وجزم به صاحب (الحاوي الصغير) ، ودليله ما روى داود عن عامر الشعبي به، أن بنى اللَّه ﷺ مات وقد ملك قتيلة ابنة الأشعث، ولم يجامعها، فتزوجها عكرمة بن أبى جهل بعد ذلك، فشق على أبى بكر رضى اللَّه ﵎ عنه مشقة شديدة، فقال له عمر رضى اللَّه ﵎ عنه: يا خليقة رسول اللَّه! إنها ليست من نسائه، إنه لم يخبرها رسول اللَّه، ولم يحجبها، وقد برأه اللَّه تعالى منها بالردة التي ارتدتها مع قومها. قال: فاطمأن أبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه وسكن.
وخرج الحاكم في (المستدرك) [ (١) ] ، عن أبى عبيدة، ومعمر بن المثنى، أن رسول اللَّه ﷺ تزوج حين قدم عليه وفد كندة، قتيلة بنت قيس، أخت الأشعث بن قيس، في سنة عشرة، ثم اشتكى في النصف من صفر، ثم قبض يوم الإثنين، ليومين مضيا من شهر ربيع الأول، ولم تكن قدمت عليه، ولا دخل بها، ووقت بعضهم وقت تزويجه إياها، فزعم أنه تزوجها قبل وفاته
стр. 3877
بشهر، وزعم آخرون أنه تزوجها في مرضه، وزعم آخرون أنه أوصى أن تخير قتيلة، فإن شاءت [أن يضرب عليها الحجاب، فتحرم على المؤمنين، ويجرى عليها ما يجرى على [ (١) ] أمهات المؤمنين، وإن شاءت أن تنكح من شاءت] فاختارت النكاح، وتزجها عكرمة بن أبى جهل بحضرموت، فبلغ ذلك أبا بكر رضى اللَّه ﵎ عنه فقال: لقد هممت أن أرحق عليها، فقال عمر بن الخطاب رضى اللَّه ﵎ عنه: ما هي من أمهات المؤمنين، ولا دخل بها النبي ﷺ ، ولا ضرب عليها الحجاب [وزعم بعضهم أنها ارتدت] ، فكف عنها.
وأورده أبو نعيم في كتاب (معرفة الصحابة) ، من طريق الشعبي مرسلا، واستدل به الماوردي في (الحاوي) ، فأورده كذلك.
وذكر الإمام الغزالي، والقاضي، أن الأشعث بن قيس نكح المستعيذة في زمن عمر بن الخطاب رضى اللَّه ﵎ عنه، فهم عمر رضى اللَّه ﵎ عنه برجمتها، فأخبر أنها لم تكن مدخولا بها، فكف عنها.
وذكر الماوردي أيضا وقال: فصار ذلك كالإجماع.
وقال القاضي أبو الطيب الطبري: أن الّذي تزوج المستعيذة المهاجر بن أبى أميه، ولم ينكر ذلك أحد، فدل ذلك على أنه إجماع.
وخرج الحاكم [ (٢) ] أيضا من طريق هشام بن محمد الكلبي، قال: وحدثني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما قال خلف على أسماء بنت النعمان المهاجر بن أبى أميه، فأراد عمر رضى اللَّه ﵎ عنه أن يعاقبها فقالت: واللَّه ما ضرب على الحجاب ولا سميت بأم المؤمنين، فكف عنها.
قال مؤلفه ﵀ إنما هذه هي أسماء ابنة النعمان الجوتية.
стр. 3878
ذكر هشام بن محمد أنها هي المستعيذة في حديث ذكره، وفي الأمة التي يفارقها ﷺ بالموت أو غيره بعد وطئها، وجهان في الرافعي وهما في (التهذيب) .
أحدهما: لا تحل لغيره، كالمنكوحه التي فارقها.
والثاني: لا تحرم، لأن مارية غير معدودة في أمهات المؤمنين والصواب أن محل الخلاف فيمن باعها ﷺ لا من مات عنها.
قال الماوردي: أن من مات عنها كمارية أم ولده إبراهيم ﵇ ثم حرم نكاحها وإن لم تسم أما للمؤمنين كالزوجات فنصفها بالرق وإن باعها فتحريمها على مشتريها وعلى سائر المسلمين وجهان كالمطلقة، ولزم في باب استبراء أم الولد بالتحريم وبالتعظيم من ذلك ثلاثة أوجه ثم الأوجه الثلاثة لغير المخيرات، وأما المخيرات فمن اختارت منهم الدنيا ففي حلها من أزواجه طريقان:
قال العراقيون يطرد الأوجه، وقطع أبو يعقوب الأبيوردي وآخرون بالحل لتحصل فائدة التخيير وهو التمكن من زينة الدنيا، وهذا ما اختاره الإمام، والغزالي وفعل الإيقاف عليه، ومن عهد ذلك فإن كانت لا تحل، ففي وجوه نفقتها من خمس الخمس وجهان:
أحدهما: يجب كما تحب نفقة اللواتي مات عنهن لتحريمهن.
والثاني: لا تجب لأنها غير واجبة في حياته فالأولى أن لا تجب بعد موته ولأنها مقطوعة العصمة بالطلاق.
***
стр. 3879
المسألة الثانية: أزواجه ﷺ أمهات المؤمنين
قال اللَّه تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ قال سعيد عن قتادة ليعظم بذلك حقهن، وفي قراءة أبى بن كعب بمصحفه: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم.
وقال ابن زيد: محرمات عليهم، وقال الشافعيّ في (المختصر) :
أمهاتهم في معنى دون معنى، وذلك أنه لا يحل نكاحهن بحال ولم تحرم بناته لو كن له لأنه ﷺ زوج بناته وهن أخوات المؤمنين وذكر نحوه في (الأم) .
وقال القرطبي في (التفسير) : شرف اللَّه تعالى أزواج نبيه ﷺ بأن جعلهن أمهات المؤمنين أي في وجوب التعظيم والمبرة والإجلال وحرمة النكاح على الرجال وحجبهن رضى اللَّه عنهن بخلاف الأمهات وقيل: لما كانت شفقتهن عليهم كشفقة الأمهات أنزلن منزلة الأمهات، وقد عد القضاعي هذه مما اختص به دون الأنبياء، وقد خولف في ذلك. وأزواجه أمهات المؤمنين سواء من ماتت تحته أو مات عنها وهي تحته.
وأعلم أن الأمومة ثلاثة أقسام مختلفة الأحكام: وهي أمومة الأولاد، ويثبت فيها جميع أحكام الأمومة، وأمومة أزواج النبي ﷺ لا تثبت إلا تحريم النكاح، وأمومة الرضاع وهي متوسطة بينهما. فإذا تقرر هذا فهنا أمور قد اختلف فيها، وهي: هل يجوز النظر إليهن؟ فيه وجهان أحدهما: هن محرم لا يحرم النظر إليهن لتحريم نكاحهن، والثاني: إن النظر إليهن محرم لأن تحريم نكاحهن إنما كان حفظا لحق الرسول ﷺ فيهن وكان من حفظ حقه تحريم النظر إليهن، ولأن عائشة كانت إذا أرادت دخول رجل عليها أمرت أختها أم كلثوم أن ترضعه ليصير ابن أخيها من الرضاعة فيصير محرما يستبيح النظر.
والمشهور المنع وبه جزم الرافعي، والأدلة على تحريم النظر إليهن كثيرة شهيرة منها قصة عائشة في أفلح أخى أبى القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب فأبت أن تأذن له فلما جاء رسول اللَّه ﷺ أخبرته بالذي صنعت فأمرنى أن على أنزله، لم يقل البخاري على وخرجاه من طرق.
стр. 3880
ومنها أحاديث نزول الحجاب، وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى ولا يثبت حكم الأمومة في جواز الخلوة والمسافرة، ولا في النفقة والميراث، وهل يقال بناتهن أخوات المؤمنين؟ نص الشافعيّ ﵀ في (المختصر) على جوازه، وحكى الرافعي وجها أن اسم الإخوة يطلق على بناتهن واسم الخؤوله يطلق على إخوتهن، وأخواتهن، لثبوت اسم الأمومة لهن وإن لم يوجب ذلك تحريم النكاح كما أن المسلمات كلهن أخوات المسلمين في الإسلام، ولا يوجب ذلك تحريم النكاح.
قال: وهذا ظاهر لفظ (المختصر) يشير إلى قوله: زوج بناته «وهن أخوات المؤمنين» ، لكن أكثر الأصحاب كما قال الماوردي: غلطوه فيه لأنه قال الشافعيّ في (أحكام القرآن) : وما زوج بناته وهن غير أخوات المؤمنين، وقيل: إن الكاتب حذف لفظة غير، وقيل: ما قاله المازني فيه صحيح وتقديره: قد زوج بناته أي زوجهن وهن أخوات المؤمنين وجزم القاضي يتخطئه المازني ومنع آخرون من ذلك بدليل أنه لا يحرم على المؤمنين التزوج ببناتهن أو أخواتهن وقد زوج ﷺ بناته من المؤمنين، فزوج عثمان، وعليا، ونكح الزبير أختا لعائشة، ونكح عبد الرحمن بن عوف حمنة أخت زينب، وكذا لا يقال آباؤهن وأمهاتهن أجداد وجدات المؤمنين بل يقتصر على ما ورد من ثبوت حكم الأمومة لهن في بعض الأحكام.
وهل يقال في إخوانهن أخوال المؤمنين؟ فيه نزاع في معاوية أنطلق عليه خال المؤمنين؟ فحكى القاضي حسين الخلاف في جواز تسميته خال المؤمنين، وحكى الرافعي وجها أن اسم الخؤوله ينطلق على إخوانهن وأخواتهن.
وذكر البيهقي من طريق شبابة، قال حدثني خارجة بن مصعب بن الكلبي عن أبى صالح، عن ابن عباس في هذه الآية عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً قال: كانت المودة التي جعل اللَّه بينهم
стр. 3881
تزوج النبي ﷺ أم حبيبة بنت أبى سفيان، فصارت أم المؤمنين وصار معاوية خال المؤمنين [ (١) ] .
قال البيهقي: كذا في رواية الكلبي وذهب علماؤنا إلى أن هذا الحكم لا يتعدى أزواج النبي ﷺ فهن أمهات المؤمنين في التحريم ولا يتعدى هذا التحريم إلى إخوتهن، ولا إلى إخوانهن، ولا إلى بناتهن، ومنع قوم من جواز تسمية معاوية خال المؤمنين بأن هذا أمر مبتدع لم يطلقه عليه إلا الغلاة في موالاته حتى إنهم زعموا أنه دعي بذلك في عهد النبي ﷺ وبالغوا في الإفك حتى نسبوه إلى انه من قول الرسول ﷺ وليس لذلك أصل، ولا عرف إطلاق ذلك في عصر الصحابة، والتابعين، فقد قتل محمد بن أبى بكر ولم يشنع أعداء معاوية إذ ذاك بأنه قتل خال المؤمنين، وثار عبد اللَّه بن الزبير بمكة على سويد بن معاوية ولم [يكثرت] بأنه ابن خالة المؤمنين، ولا دعاه به أحد من الصحابة، ولم يدع عبد اللَّه بن عمر بخال المؤمنين، ولا قيل قط لعبد الرحمن بن أبى بكر خال المؤمنين، ولا يمترى عامه أهل العلم في أن منزلة عائشة وحفصة رضى اللَّه ﵎ عنهما من رسول اللَّه ﷺ كانت أعظم من منزلة أم حبيبة بنت أبى سفيان رضى اللَّه ﵎ عنه ومع ذلك فلم يدع أحد من إخوتها بخال المؤمنين، فكيف يطلق على معاوية بن أبى سفيان رضى اللَّه ﵎ عنه خال المؤمنين؟ ومنزلته ومنزلة أبيه من رسول اللَّه ﷺ دون منزلة عبد اللَّه بن عمر ومكانة عبد اللَّه من العلم والورع والسابقة مكانة، وهذه عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها تقول وقد قالت لها امرأة يا أمه: لست لك بأم، إنما أنا أم رجالكم فعلمتنا بذلك معنى الأمومة تحريم نكاحهن وكذا لم ينقل أن
стр. 3882
أحدا قال لأسماء بنت أبى بكر رضى اللَّه ﵎ عنهما خالة المؤمنين، فقد قال الواحدي في تفسير قوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ أي في حرمة نكاحهن وهذه الأمومة تعود إلى حرمة نكاحهن لا غير، ألا ترى أنه لا يحل رؤيتهن، ولا يريد المؤمنين، ولا يردنهن، وليست كالأمهات في النفقة، والميراث، وفي (النكت) للماوردى: يعنى من مات عنها رسول اللَّه ﷺ أزواجه هن كالأمهات في شيئين.
أحدهما: تعظيم حقهن.
والثاني: تحريم نكاحهن، ولسنا كالأمهات في النفقة والميراث وهل كن أمهات المؤمنين من الرجال دون النساء؟ صححوا المنع، وهو قول عائشة.
وخرج البيهقي من طريق أبى عوانة، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها ان امرأة قالت لها يا أمه فقالت: لست لك بأم إنما أنا أم لرجالكم وهذا جار على الصحيح عند أصحابنا وغيرهم، وهذا تفريغ أن الجمع المذكر السالم هل يدخل فيه النساء [ (١) ] وهي مسأله منفردة في الأصول.
لكن وقع في (الرسالة) للإمام الشافعيّ في ترجمة ما نزل من القرآن عام الظاهر قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [ (٢) ] وقوله: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً [ (٣) ] فإنه قال ﵀ في آخر الكلام وهكذا التنزيل في الصوم والصلاة على البالغين العاقلين خص من لم يبلغ ومن بلغ، ولم يعقل، وخص الحيض في أيام حيضتهن فهذا يقتضي أنهن دخلن، وإلا لم يخرج من لم ينحصر وجب الاختصاص أن فائدة أمومتهن في حق الرجال منقوله في حق النساء.
стр. 3883
وحكى الماوردي في (تفسيره) خلافا في كونهن أمهات المؤمنات وحكاه القرطبي أيضا في (التفسير) : فقد قال ابن العربيّ: وهو الصحيح يعنى أنهن أمهات الرجال، فقط ثم قال القرطبي لا فائدة لاختصاص الحصر في الإباحة للرجال دون النساء والّذي يظهر لي أنهن أمهات الرجال والنساء تعظيما لحقهن على الرجال والنساء يدل عليه صدر الآية: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورة فيكون قوله: أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ عائد على الجميع ثم إن في مصحف أبى بن كعب: «وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم» .
وقرأ ابن عباس: «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب وأزواجه أمهاتهم وهذا كله يوهن ما رواه الشعبي عن مسروق، عن عائشة إن صح من جهة الترجيح، وإن لم يصح فسقط من جهة الاستدلال به في التخصيص وتعيينا على الأصل الّذي هو العموم الّذي يسبق إلى المفهوم واللَّه ﵎ أعلم.
وقد اختلف أيضا: هل يقال هو ﷺ أبو الرجال جميعا؟ قال الفريابي، عن سفيان، عن طلحة، عن عطاء، عن ابن عباس: أنه كان يقرأ هذه الآية النبي أولى بالمؤمنين وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم.
قال البغوي: وكان النبي ﷺ أبا الرجال والنساء جميعا، وقال الواحدي:
قال بعض أصحابنا لا يجوز أن يقال: هو أبو المؤمنين لقوله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ [ (١) ] وقال: ونص الشافعيّ على أنه يجوز أن يقال أبو المؤمنين أي في الحرمة، ومعنى الآية ليس أحد من رجالكم ولد صلبه لذا ذكره النووي في (الروضة) [ (٢) ] .
وفي القطعة التي شرحها من البخاري، وقال: (في المطلب) وفيه نظر لأن ذلك جمعه قوم، غير أن المعقول والشرع لا يرد بمثله إلا أن يراد به التنبيه على أنه تحريم.
стр. 3884
المسألة الثالثة: تفضيل زوجاته ﷺ [ (١) ]
هذا قال القاضي حسين في تعليقه أفضل نساء العالمين أزواجه.
ولفظ البغوي خير نساء هذه الأمة وغيرها، وهذا خلاف في مواضع.
أحدها: المفاضلة بينهن وبين مريم ابنة عمران.
والثاني: المفاضلة بين خديجة وعائشة رضى اللَّه ﵎ عنها.
والثالث: المفاضلة بين فاطمة وأمها خديجة ﵍.
والرابع: المفاضلة بين فاطمة وعائشة.
أما مريم
فخرج البخاري [ (٢) ] في المناقب من حديث عبدة عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: سمعت عبد اللَّه بن جعفر قال: سمعت عليا يقول:
стр. 3885
سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول خير نسائها مريم ابنة عمران، وخير نسائها خديجة وذكره في كتاب الأنبياء أيضا [ (١) ] .
стр. 3886
وخرجه مسلم [ (١) ] في المناقب من حديث أبى أسامة وابن نمير ووكيع وأبى معاوية وعبد بن سليمان كلهم عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: سمعت عبد اللَّه بن جعفر يقول سمعت عليا رضى اللَّه ﵎ عنه بالكوفة يقول:
стр. 3887
سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول خير نسائها مريم ابنه عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد، قال أبو كريب وأشار وكيع إلى السماء والأرض.
وخرج الحاكم [ (١) ] من طريق علياء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنه قال رسول اللَّه ﷺ أفضل نساء العالمين خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ومريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون.
قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا اللفظ.
وخرج البخاري [ (٢) ] في المناقب، وفي كتاب الأنبياء، وفي الأطعمة، من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة الجملي بسنده عن أبى موسى الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا اثنين:
امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، وفي بعض طرقه: كفضل عائشة بغير «إن» .
وخرجه مسلم في المناقب
وقد اختلف في نبوة مريم فإن قلنا بنبوتها فتعين تفضيلها على أمهات المؤمنين وإن قلنا: إنها لم تكن نبية فقد ثبت مما تقدم تفضيلها على من عاداها الأمر ذكر فلم يبق إلا المفاضلة بينها وبين خديجة.
قال القاضي عياض في
قوله: خير نسائها مريم خير نسائها خديجة
وأشار وكيع إلى السماء والأرض كأنه تفسير ضمير الهاء في نسائها أنه يريد الدنيا والأرض وذكره لهم يحتمل أن يريد أن كل واحدة خير نساء الأرض في وقتها أو أنهما من خير نسائهم أفضلهن وإن كانت المزايا تعد بينهما وبين غيرهما ممن هو خير النساء متفاضلة.
стр. 3888
وقوله: وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام
لسرعة إسخانه والاستلذاذ به وإشباعه وتقديمه على غيره من الأطعمة التي تقوم مقامه وليس هذا نص بتفضيلها على من ذكر من مريم وآسية ويحتمل مساويها أو مثلها قال مؤلفه ﵀: قد ثبت لمريم من الفضل ما لم يثبت لغيرها من النساء قال تعالى: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ أي اختارك وطهرك أي من الكفر أو من سائر الأنجاس، واصطفاك على العالمين وقال ﵇ ولم يكمل من النساء إلا مريم وخديجة، وكان الكمال هنا هو النبوة ويؤيده أن اللَّه أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إليها كسائر الأنبياء وكلمها روح القدس وطهرها ونفخ في درعها وسماها اللَّه الصديقة. وممن قال بنبوتها ابن وهب واختاره أبو إسحاق الزجاج وأبو بكر بن اللباء فقيه المغرب وأبو محمد بن أبى زيد وأبو المحاسن الفاسى.
وأما المفاضلة بين خديجة وعائشة رضى اللَّه ﵎ عنهما
ففيها ثلاثة أقوال ثالثها الوقف قال القاضي والمتولي: إن خديجة أفضل من عائشة واستدل أبو بكر بن داود لما سئل عن ذلك بأن عائشة أقرأها رسول اللَّه ﷺ السلام من جبريل، وخديجة أقرأها جبريل السلام على لسان محمد ﷺ فهي أفضل، قال فريق: بل عائشة أفضل لدوام صحبتها للنّبيّ ﷺ بعد النبوة وطول مدتها إلى موته
لقوله ﷺ : أريتك في المنام ثلاث ليال جائني ملك الموت في سرقة حرير فيقول هذه امرأتك فاكشف عن وجهها فإذا أنت هي
فأقول أن ذلك من عند اللَّه أمضه.
وخرجه في الصحيحين ووجه الدلالة منه
قوله هذه امرأتك
لأنها كانت حب رسول اللَّه ﷺ
وقال: فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام
وسأله عمرو بن العاص أي الناس أحب إليك قال عائشة:
إلى غير ذلك من فضائل كثيرة وأجيب بأنه ليس كسائر فضائل عائشة ما يبلغ قوله بخير نسائها خديجة وقوله أفضل نساء العالمين خديجة فإنه صريح في بابه فتأمله من
стр. 3889
انصرف علم أن لكل منهما فضائل تخصهم فخديجة كان تأثيرها في أول الإسلام وكانت تسلى رسول اللَّه ﷺ وتثبته وتسكنه فأدركت غرة الإسلام واحتملت الأذى في اللَّه ورسوله وكانت نصرتها للرسول في أعظم أوقات الحاجة فلها من النصرة والبذل ما ليس لغيرها، وعائشة تأثيرها في أخر الإسلام فلها من الفقه في الدين وتبليغه للأمة وانتفاع بنيها بما أدت إليهم من العلم ما ليس لغيرها.
فمن خصائص خديجة
أن اللَّه تعالى بعث السلام إليها مع جبريل فبلغها رسول اللَّه ﷺ ذلك وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب وكانت أول من آمن باللَّه ورسوله من هذه الأمة وأولاده كلهم منها ما عدا إبراهيم وهذه فضائل لم تكن لامرأة سواها.
ومن خصائص عائشة
إنها كانت أحب أزواج رسول اللَّه ﷺ ولم يتزوج بكرا غيرها وكان ينزل الوحي في بيتها دون غيرها ولما نزلت آية التخيير فخيرها فاختارت اللَّه ورسوله ما سبقت به بقية الأزواج وبرأها اللَّه مما رماها به أهل الإفك بعشر آيات تليت في المحاريب إلى يوم القيامة، وشهد لها بأنها من الطيبات ووعدها المغفرة والرزق الكريم وأخبر اللَّه تعالى أن ما قيل فيها من الإفك كان خيرا لها ولم يكن الّذي قيل فيها شرا لها، ولا عارا لها، ولا خافضا من شأنها، بل رفعها بذلك فأعلى قدرها، وعظم شأنها، وأحيا لها ذكرها، بالطيب والسراة من أهل الأرض والسماء.
***
стр. 3890
وأما المفاضلة بين فاطمة وأمها خديجة
فلم [نجد] فيها نقلا، وما منهما إلا من له فضائل مشهورة،
وقوله صلى اللَّه ﵎ عليه وعلى سلّم وسلم: «فاطمة بضعة منى» ،
فلا شرف أعلى منه إلا شرف أبيها المصطفى ﷺ .
أما المفاضلة بين فاطمة وعائشة
قال القاضي عياض في
قوله ﷺ وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام:
وليس فيه ما يشعر بتفضيلها على فاطمة إذ قد يكون تمثيل تفضيل فاطمة لو مثلها مما هو أرفع من هذا وبالجملة من هذا الحديث أن عائشة مفضلة على النساء تفضيلا كثيرا وليس فيه عموم جميع النساء.
وقوله ﷺ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة
أعم وأظهر في التفضيل.
وقال ابن دحية في كتاب (مرج البحرين) : ذكر بعض الرواة أن عائشة أفضل من فاطمة واستدل على ذلك بأنها عند على في الجنة وعائشة عند رسول اللَّه ﷺ ، قال وهذا لا يوجب التفضيل ثم أطال الرد عليها إلى أن قال سئل العالم الكبير أبو بكر بن داود بن على من أفضل خديجة أم فاطمة؟ فقالوا
أن رسول اللَّه ﷺ قال: أن فاطمة بضعة منى
ولا أعدل ببضعة من رسول اللَّه أحد.
قال السهيليّ: وهذا استقراء حسن وشهد لصحة هذا الاستقراء
أن أبا لبابة حين ارتبط نفسه وحلف ألا يحله إلا رسول اللَّه ﷺ فجاءت فاطمة رضى اللَّه ﵎ عنها تحله فأبى من أجل قسمة، فقال رسول اللَّه ﷺ : إنما فاطمة بضعة منى فحلته.
قال السهيليّ: هذا حديث يدل على أن من سبها فقد كفر وأن من صلى عليها فقد صلى على أبيها رسول اللَّه ﷺ .
***