بالحق، أضع سيفي علي عاتقي ثم أضرب به حتى ألقاك أو ألحق بك، قال:
أو لا أدلك علي خير من ذلك؟ تصبر حتى تلقاني» .
الجزء الثامن:
من الورقة رقم ١٤٦١ إلي الورقة ١٦٦٠ ويبدأ بقوله: «فخرج البخاري من حديث شعيب عن الزهري قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه بلغ معاوية» إلي قوله: «من يستعفف يعفه اللَّه، ومن يستغن يغنه اللَّه، فرجعت وقلت: لا أسأله فلانا أكثر قومي مالا، واللَّه تعالى أعلم» .
الجزء التاسع:
من الورقة رقم ١٦٦١ إلي الورقة ١٨٣٩ ويبدأ بقوله: «وأما إخباره ﷺ وابصة الأسدي بما جاء يسأله عنه قبل أن يسأله» ، إلى قوله: «وتم هذا الكتاب البديع المثال، البعيد المنال، البعيد المقال، بتمام هذا الجزء السادس وهو المسمى بإمتاع الأسماع بما للرسول ﷺ من الأنباء والأحوال والحفدة والمتاع» .
وتحتوي كل ورقة من ورقات هذه النسخة علي خمسة وثلاثين سطرا، بكل سطر منها حوالي تسعة عشر كلمة تقريبا، وهي مكتوبة بخط واضح نسبيا، كما أن أوائل الفصول أو رءوس الموضوعات مكتوبة بخط الثلث بحجم أكبر بحيث يشغل السطر منها قدر ما يشغله الثلاثة أسطر من تفاصيل الموضوع أو الخبر.
ومن الملاحظات الهامة عن هذه النسخة: تسهيل الهمزات في الناحية الإملائية، مثل «الملايكة وحينئذ» بدلا من «الملائكة وحينئذ» هذا بالإضافة إلي كتابة أسماء الأعلام بخط أكبر من الخط الآخر، كما أن الآيات القرآنية مكتوبة برواية ورش عن نافع ويتضح ذلك في الآيات التي يظهر لاختلافها عن رواية حفص أثر في الرسم، مثل: فتثبتوا بدلا من فَتَبَيَّنُوا* [الحجرات: ٦] وفي قوله تعالى فلا يخاف عقباها بدلا من وَلا يَخافُ عُقْباها [الشمس: ١٥] .
стр. 37
ثانيا: النسخة (ج)
وهذه النسخة مصورة عن النسخة المحفوظة بمكتبة غوطا برقم ٤٤٠، وهي مكتوبة بخط أصغر من الخط الّذي كتبت به النسخة (خ) ، وتحتوى الورقة منها على تسعة عشر سطرا بكل سطر منها حوالي سبعة عشر كلمة تقريبا، ويبدو أن هذه النشخة مقولة عن النسخة (خ) ، غير أن الناسخ كتب أوائل الفصول ورءوس الموضوعات وأسماء الأعلام بخطر كبير وبمداد أحمد، بدليل أنه لم يظهر في التصوير الفوتوغرافي، وقد قمنا باستكمالها من النسخة (خ) .
وتبدأ هذه النسخة (بفصل في موالي رسول اللَّه ﷺ ، وتنتهي بقوله:
(كان صفوان بن المعطل بن ربيعة بن خزاعيّ بن محارب بن مرة بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم الذكوانيّ أبو عمرو، على ساقة العسكر يلتقط من متاع المسلمين حتى يأتيهم به) .
وعدد ورقات هذه النسخة ٢٢٥ الورقة الأولى منها تقابل في النسخة (خ) الورقة رقم ٧١٨، والأخيرة منها تلقى مع نهاية الورقة رقم ٩٤٣ من النسخة (خ) .
ثالثا: الجزء المطبوع:
هذا الجزء عبارة عن (٥٥١) صفحة من القطع الكبير، يقابل في النسخة الخطية (خ) : من الصفحة الأولى وحتى السطر الثاني والعشرين من صفحة (١٧٩) وقد رمزنا إليه بالحرف (ط) ، أي أنه أقل من تسع الكتاب الأصلي، وقد تم طبع هذا الجزء عام ١٩٤١ م، بدار التأليف- القاهرة، علي نفقة السيدة قوت القلوب الدمر داشية، بتحقيق الأستاذ المرحوم محمود محمد شاكر.
ولم أهمل هذا الجهد الّذي قام به فضيلته، فلم يفتني الاستئناس بالجزء المطبوع، علي الرغم مما به من ملاحظات نوهت عنها في مكانها.
هذا بالإضافة إلي أنه اكتفى بنهاية السيرة النبويّة، واتخذ من وفاة النبي ﷺ نهاية للجزء الأول دون مراعاة التقسيم الأصلي للكتاب، سواء أجزاء
стр. 38
المؤلف، أو أجزاء تصوير المخطوطة، كما بيناه عند كلامنا عن [عدد أجزاء الكتاب] .
عدد أجزاء الكتاب:
يقول (حاجي خليفة) في (كشف الظنون) ج ١ ص ١٦٦ عن كتاب إمتاع الأسماع «وهو كتاب نفيس في ست مجلدات حدث به في مكة» ، وذلك ما نقله الناسخ علي صفحة العنوان من النسخة (خ) .
وقد لاحظنا من خلال الجزء المطبوع أن الصفحة من المخطوطة يتم طبعها في ثلاث صفحات من القطع الكبير، فلو قمنا بطبع الكتاب في ست مجلدات فإن المجلد الواحد قد يتجاوز الألف صفحة، وهذا أمر غير مقبول عمليا.
اسم الكتاب والمؤلف:
ظهر كتاب إمتاع الأسماع في كثير من كتب التصانيف والمؤلفات بأكثر من اسم، فضلا عن أن النسخة الخطية (ج) قد أثارت إشكالا علي صفحة العنوان منها حيث يقول ناسخها: «هذا كتاب إمتاع الأسماع للشيخ تقي الدين المقريزي» ويقول في زاوية أخرى من الصفحة ذاتها: «نقل العلقميّ أن كتاب الإمتاع لأبي حيان التوحيدي» ، وبخط آخر «ونقل الدميري أيضا أن الإمتاع لأبي حيان» ، وفي موضع آخر من ذات الصفحة: «لكن نقل الشمس الشامي في (سيرته) أن (الإمتاع) للمقريزي» .
ودفعا لهذا الإشكال فإننا نذكر ما أورده صاحب كشف الظنون بصفحة ١٦٦، ١٦٧ عن المؤلفات المشابهة أو المقاربة في الاسم لكتاب الإمتاع للمقريزي، وهي:
١- (إمتاع الأسماع والأبصار) - لأبي العباس أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني الشافعيّ المتوفى سنة ٩٢٣ هـ.
٢- (إمتاع الأسماع فيما للنّبيّ ﷺ من الحفدة والمتاع) - للشيخ تقي الدين أحمد بن علي المقريزي المؤرخ المتوفى سنة ٨٤٥ هـ، «وهو كتاب نفيس في ستة مجلدات حدث به في مكة» .
стр. 39
٣- (الإمتاع والمؤانسة) - للشيخ أبي حيان علي بن محمد التوحيدي المتوفى ٣٨٠ هـ.
٤- (الإمتاع بالأربعين المتباينة بشرط السماع) - للحافظ أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ.
٥- الامتاع في أحكام السماع- لكمال الدين أبي الفضل جعفر بن تغلب الأدفوي الشافعيّ المتوفى سنة ٧٤٩ هـ.
هذا بالإضافة إلي ما ذكره البغدادي في الجزء الأول من (هدية العارفين) ضمن مؤلفات المقريزي ص ١٢٧ باسم: (إمتاع الأسماع فيما للنّبيّ ﷺ من الحفدة والأتباع) .
والعمدة في تسمية هذا الكتاب، ما ذكره المقريزي نفسه في الصفحة الأولى والأخيرة من النسخة الخطية الكاملة للكتاب حيث يقول: «فقد سميته إمتاع الأسماع بما للرسول ﷺ من الأنباء والأحوال والحفدة والمتاع» .
стр. 40
منهج المقريزيّ في جمع مادة كتاب إمتاع الأسماع
اعتمد المقريزيّ في جمع مادة كتاب إمتاع الأسماع على النقول من المصادر الصحيحة بدء من الكتب الستة الصحيحة، وكتاب المستدرك للحاكم النيسابورىّ، ومسند الإمام أحمد، وموطأ الإمام مالك، واعتمد في تسجيل الدلائل والمعجزات على كتاب دلائل النبوة للبيهقي، ودلائل النبوة لأبي نعيم، فضلا عن مؤلفاته التي أشار إليها في (إمتاع الأسماع) ، وقام بحسم وشرح المسائل الفقهية العارضة في ثنايا الكتاب على مذهب الإمام الشافعيّ- رضى اللَّه ﵎ عنه-.
وكان ﵀ حريصا على التدرج في تدوين صحة الخبر أو الأثر مبتدئا بالأخبار والآثار ذات الأسانيد العالية ثم ينتقل إلى ما دونها من درجات الصحة حيث يقول في بعض عناوين الفصول: [إن صح الخبر] أو [إن ثبتت الرواية] هذا بالنسبة للمتن.
وأما بالنسية لسلسلة الرواة فإنه يدلي بدلوه جرحا أو تعديلا لرواة الحديث أو الأثر بقوله: [قال مؤلفه] ، وذلك بموضوعية شديدة وانحياز إلى الحق وقد ساعده على ذلك ثقافته الشمولية، وفكره الموسوعيّ في علم الحديث ورجاله، كما بينا ذلك في [الوظائف التي تولاها المقريزي] ، فضلا على مؤلفاته الجمة التي أشرنا إليها آنفا. ﵀ رحمة واسعة وجزاه عن السيرة النبويّة خير الجزاء.
стр. 41
منهج التحقيق
١- قمت بمقابلة النسخ المخطوطة والجزء المطبوع، مع اختيار النسخة (خ) كأم، معالجا لما وجدته من تصحيف أو تحريف أو سقط، مع تصويب النص.
٢- قمت بتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبويّة، وعزو الأقوال الواردة إلى أصحابها ما استطعت إلى ذلك سبيلا.
٣- قمت بشرح الألفاظ اللغوية الغامضة مبينا معناها تسهيلا للقارئ الكريم على استيعاب المعنى، مع مراجعة المراجع التي أشار إليها المقريزي في فقرات كتابه.
٤- وضعت بعض العناوين الجانبية للموضوعات التي لم يرد لها عنوان في الأصل مع مراجعة النصوص على مظانها من كتب المغازي والسير والتواريخ.
٥- عقبت على بعض المواضع بالقدر الّذي تدعو إلى الضرورة بما تقتضيه الأمانة العلمية، وتجنبت الإكثار من ذلك خشية التدخل في مسار الكتاب، والخروج به عن أهدافه من كثرة النقد والتزيد.
وبعد فإنني أقدم هذا الجهد المتواضع في خدمة السيرة النبويّة للقارئ الكريم، فله غنمه، وعليّ غرمه، فإن كان هناك توفيق فمن اللَّه ﵎ وإن تكن الأخرى فمن نفسي.
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ صدق اللَّه العظيم حدائق الزيتون- القاهرة في ليلة القدر ١٤١٩ هـ محمد عبد الحميد النميسي
стр. 42
مقدمة المؤلف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وصلى اللَّه على نبينا محمد الّذي منّ به على عباده المؤمنين، إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، وأرسله بالشرع العام، إلى جميع الأنام ليكون رحمة للعالمين، ونجاة لمن اتبعه من خزي الدنيا وليكون في الآخرة من الفائزين، فبلّغ ﷺ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وأعد لجهاد أعداء اللَّه تعالى الأسلحة والعتاد، وارتبط في سبيل اللَّه المسوّمة الجياد، لمحاربة من حادّ اللَّه ورسوله بنفسه تارة، وندب لهم آونة من صحابته من رضيه لذلك واختاره، حتى ظهر أمر اللَّه وهم كارهون، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد للَّه رب العالمين.
اللَّهمّ صل عليه من نبي كان يأكل الطيبات من الطعام، وينكح المبرءات من العيوب والآثام، ويستخدم الموالي من الأرقاء والأحرار، ويصرفهم في مهنته ومهماته الجليلات الأقدار، ويركب البغلة الراتعة ويلبس الحبرة والقباء [ (١) ] ، ويمشي منتعلا وحافيا من مسجده إلى نحو قباء [ (٢) ] ، ويدخر لأهله مما أفاء اللَّه عليه أقوات سنة كاملة، ويجعلها تحت أيديهم محرزة حاصلة، ويؤثر بقوته وثوبه أهل الحاجة والمساكين، ثقة منه بخير الرازقين، اللَّهمّ وابعثه مقاما محمودا يغبطه الأولون والآخرون، وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومتبعيه إلى يوم الدين يا رب العالمين.
وبعد، فغير جميل بمن تصدر للتدريس والإفتاء، وجلس للحكم بين الناس وفصل القضاء، أن يجهل من أحوال رسول اللَّه ﷺ ونسبه وجميل سيرته ورفيع منصبه، وما كان له من الأمور الذاتية والعرضية ما لا غنى [ (٣) ] لمن صدقه وآمن به عن معرفته، ولا بد لكل من اتسم بالعلم من درايته، فقد أدركنا وعاصرنا وصحبنا ورأينا كثيرا منهم [وهم] [ (٤) ] عن هذا النبأ العظيم معرضون، ولهذا النوع الشريف من العلم تاركون، وبه جاهلون، فجمعت في هذا المختصر من أحوال رسول اللَّه ﷺ جملة أرجو أن تكون إن شاء اللَّه كافية، ولمن وفقه- سبحانه- من
стр. 43
داء الجهل شافية، التقط كتابا جامعا وبابا من أمهات العلم مجموعا، كان له غنمه، وعلى مؤلفه غرمه، وكان له نفعه، [يحده] [ (١) ] ، مع تعرضه لمطاعن البغاة ولأغراض المنافسين، ومع عرضه عقله الكدود [ (٢) ] على العقول الفارغة، ومعانيه على الجهابذة [ (٣) ] وتحكيمه فيه المتأولين والحسدة، ومع ذلك فقد سميته «إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأحوال والحفدة والمتاع» ﷺ ، واللَّه أسأل التوفيق لديمة [ (٤) ] العمل بالسنة، ومرافقة الذين أنعم اللَّه عليهم في بحبوحة الجنة، بمنه وكرمه.
стр. 44
أسماؤه وكناه وألقابه
هو سيد ولد آدم أبو القاسم، وأبو إبراهيم، وأبو قثم [ (١) ] ، وأبو الأرامل:
(محمد رسول اللَّه ﷺ [ (٢) ] وأحمد، والماحي [ (٣) ] ، والحاشر [ (٤) ] ، والعاقب [ (٥) ] ، والمقفي، ونبي الرحمة، ونبي التوبة، ونبي الملاحم [ (٦) ] .
نسب أبيه
ابن عبد اللَّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر. (وهو قريش على الصحيح) [ (٧) ] ، ابن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد ابن عدنان [ (٨) ] ، النبي المصطفى، والرسول المجتبى، خيرة رب العالمين، وخاتم النبيين، وإمام المتقين، وسيد المرسلين، ﷺ [ (٩) ] .
стр. 45
نسب أمه
أم رسول اللَّه ﷺ آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب ابن مرة بن كعب [ (١) ] ، حملت به في شعب أبي طالب [ (٢) ] (وقيل عند الجمرة الكبرى، وقيل الوسطى) في ليلة رجب ليلة الجمعة [ (٣) ] ، وقيل حملت به في أيام التشريق.
مولده ﷺ
ولد محمد ﷺ بمكة في دار عرفت بدار ابن يوسف، من شعب بني هاشم، يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، وقيل لليلتين خلتا منه، وقيل ولد في ثالثة، وقيل في عاشرة، وقيل في ثامنة، وقيل ولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة مضت من رمضان حين طلع الفجر، وقد شذّ بذلك الزبير بن بكار، إلا أنه موافق لقوله: إن أمه ﷺ حملت به أيام التشريق، فيكون حملها مدة تسعة أشهر على
стр. 46
العادة الغالبة. وذلك عام الفيل، وقيل بعد قدوم الفيل مكة بخمسين يوما، وقيل بشهر، وقيل بأربعين يوما، وقيل قدوم الفيل للنصف من المحرم قبل مولد رسول اللَّه ﷺ بشهرين إلا أياما، وقيل ولد بعد الفيل بثمانية وخمسين يوما، وقيل بعده بعشر سنين، وقيل بعده بثلاثين عاما، وقيل قبل الفيل بخمس عشرة سنة، وقيل قبله بأربعين عاما، وقيل ولد يوم الفيل، وقيل ولد سنة ثلاث وعشرين للفيل، وقيل في صفر، وقيل يوم عاشوراء، وقيل في ربيع الآخر [ (١) ] .
والراجح أنه ولد عام الفيل في الثانية والأربعين من ملك كسرى أنوشروان ابن قباذ بن نيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد الخشن بن بهرام بن سابور ابن سابور ذي الأكتاف.
وكان على الحيرة يوم ولد ﷺ عمرو بن المنذر بن امرئ القيس وهو عمرو ابن هند، وذلك قبل ولاية النعمان بن المنذر المعروف بأبي قابوس على الحيرة بنحو من سبع عشرة، وهي سنة إحدى وثمانين وثمانمائة لغلبة الإسكندر بن فيلبس المجدوني على دارا، وهي سنة ألف وثلاثمائة وستة عشرة لابتداء ملك نصر، ووافق يوم مولده العشرين من نيسان، وولد بالغفر [ (٢) ] من المنازل وهو مولد الأنبياء، ويقال كان طالعة برج الأسد والقمر فيه.
صفة مولده ﷺ
وتركوا عليه جفنة كبيرة فانفلقت عنه فلقتين، فكان ذلك من مبادئ أمارات النبوة في نفسه الكريمة، ويقال ولد مختونا، مسرورا [ (٣) ] مقبوضة أصابع يده،
стр. 47
مشيرا بالسبابة كالمسبح بها، فأعجب ذلك جده عبد المطلب وقال: «ليكون لابني هذا شأن» . وقيل: إن جده ختنه يوم سابعه، وقيل: ختنه جبريل ﵇، وختم حين وضع الخاتم.
مدة حمله ﷺ
وكانت مدة الحمل به تسعة أشهر، وقيل: عشرة، وقيل: ثمانية، وقيل:
سبعة، وقيل: ستة. وعقّ [ (١) ] عنه بكبش يوم سابعه، وسماه محمدا [ (٢) ] .
стр. 48
موت أبيه
ومات عبد اللَّه بن عبد المطلب- ورسول اللَّه ﷺ حمل في بطن أمه- بالمدينة، وقيل: بالأبواء بين مكة والمدينة، والأول هو المشهور، وقيل: مات بعد ولادته بثمانية وعشرين يوما، وقيل: بسبعة أشهر، وقيل: بسنة، وقيل: بسنتين، وقيل: بشهرين، والأول أثبت.
رضاعه وإخوته في رضاعه
أرضعته أمه ﷺ سبعة أيام [ (١) ] ، ثم أرضعته «ثويبة» [ (٢) ] مولاة «أبي لهب»
стр. 49
بلبن ابنها «مسروح» أياما قلائل [ (١) ] وكانت أرضعت قبل رسول اللَّه ﷺ عمه «حمزة بن عبد المطلب» [ (٢) ] ، وأرضعت بعد رسول اللَّه ﷺ «أبا سلمة بن عبد
стр. 50
الأسد» [ (١) ] ، ثم بعد رضاعه من «ثويبة» أرضعته «أم كبشة» [ (٢) ] ، حليمة بنت أبي ذؤيب عبد اللَّه بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن قصية ابن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن السعدية» بلبن زوجها الحارث [ (٣) ] بن عبد العزى السعدي، وأرضعت معه ﷺ ابن عمه «أبا سفيان [ (٤) ] بن الحارث بن عبد
стр. 51
المطلب» أياما بلبن ابنها عبد اللَّه، ثم فطمته ﷺ بعد سنتين.
وكان حمزة بن عبد المطلب مسترضعا في بني سعد بن بكر فأرضعت أمه رسول اللَّه ﷺ يوما وهو عند أمه حليمة، وكان حمزة رضيع النبي ﷺ من وجهين، من جهة ثويبة ومن جهة السعدية، وكانت ابنتها الشيماء تحضنه معها.
وكان أخوه من الرضاعة عبد اللَّه بن الحارث، وهو الّذي شرب مع رسول اللَّه ﷺ ، وأنيسة بنت الحارث، والشيماء وهي حذافة [ (١) ] بنت الحارث [ (٢) ] .
مدة رضاعه
فأقام ﷺ عند حليمة في بني سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان نحوا من أربع سنين [ (٣) ] .
شق صدره
وشق فؤاده المقدس هناك ومليء حكمة وإيمانا بعد أن أخرج حظّ الشيطان منه،
стр. 52
وروى البخاري [ (١) ] في الصحيح: شق صدره ﷺ ليلة المعراج، وقد استشكله أبو محمد بن حزم [ (٢) ] . ويقال: إن جبريل ﵇ ختنه ﷺ لما طهر قلبه الشريف. ثم ردته حليمة بعد شق فؤاده إلى أمة آمنة وهو ابن خمس سنين وشهر، وقيل: ابن أربع سنين، وقيل: سنتين وشهر.
خروج آمنة وموتها
ثم خرجت به آمنة إلى المدينة تزور أخواله بها فماتت بالأبواء [ (٣) ] وهي راجعة إلى مكة، وله ﷺ ست سنين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، وقيل: وعمره أربع سنين، وقيل: ثمانية أعوام، والأول أثبت [ (٤) ] .
كفالة جده
فكفله بعد آمنة جده عبد المطلب بن هاشم وكان يرى من نشوئه ما يسره فيدنيه، حتى كان ﷺ يدخل عليه إذا خلا وإذا نام وجلس على فراشه، فإذا أراد بنو عبد المطلب منعه قال عبد المطلب: دعوا ابني، فإنه يؤنس ملكا [ (٥) ] .
стр. 53
رمده
ورمد ﵇ في سنة سبع من مولده فخرج به عبد المطلب إلى راهب فعالجه وأعطاه ما يعالج به وبشّر بنبوته [ (١) ] .
حضانة أم أيمن وموت جده وكفالة عمه
وحضنته بعد أمه أم أيمن بركة الحبشية مولاة أبيه، حتى مات عبد المطلب وله ﷺ من العمر ثماني سنين، وقد أوصى به إلى ابنه أبي طالب [ (٢) ] لأنه كان أخا عبد اللَّه لأمه، فكفله عمه أبو طالب بن عبد المطلب وحاطه أتم حياطة.
حليته وخلقه في صغره
وكان بنو أبي طالب يصبحون غمصا رمصا [ (٣) ] ويصبح ﷺ صقيلا دهينا [ (٤) ] ، وكان أبو طالب يقرب إلى الصبيان تصبيحهم أول البكرة فيجلسون وينهبون، ويكف رسول اللَّه ﷺ يده لا ينهب معهم، فلما رأى ذلك أبو طالب عزل له طعامه على حدة.
وكان ﷺ يصبح في أكثر أيامه فيأتي زمزم فيشرب منه شربة، فربما عرض عليه الغداء فيقول: لا أريده، أنا شبعان.
مخرجه الأول إلى الشام
وخرج به إلى الشام في تجارة وهو ﷺ ابن اثنتي عشرة سنة وشهرين وعشرة
стр. 54
أيام، وقيل ابن تسع سنين فبلغ به بصرى [ (١) ] ، وذلك فيما يقال لعشر خلون من ربيع الأول سنة ثلاث عشر للفيل. فرأى أبو طالب ومن معه من آيات نبوته ﷺ ما زاده في الوصاة به والحرص عليه: من تظليل الغمام له، وميل الشجرة بظلها عليه.
خبر بحيرا الراهب
وبشر به بحيرا الراهب (واسمه سرجس من عبد القيس) ، وأمر أبا طالب أن يرجع به لئلا تراه اليهود فيرمونه بسوء، فكانت هذه أول بشرى بنبوته، وهو لصغره غير واع إليها ولا متأهب لها، وقيل: خرج مع عمه وله تسع سنين، والأول أثبت [ (٢) ] .
أول أمره مع خديجة في التجارة
وكان حكيم بن حزام [ (٣) ] قد رأى رسول اللَّه ﷺ بسوق حباشة، واشترى منه بزّا من بز [ (٤) ] تهامة [ (٥) ] وقدم مكة. فذلك حين أرسلت خديجة إلى رسول اللَّه
стр. 55
صلّى اللَّه عليه وسلّم تدعوه أن يخرج في تجارة إلى سوق حباشة [ (١) ] . وبعثت معه غلامها ميسرة، فخرجا فابتاعا بزا من بز الجند [ (٢) ] وغيره مما فيها من التجارة، ورجعا إلى مكة فربحا ربحا حسنا، ويقال إن أبا طالب كلم خديجة حتى وكلت رسول اللَّه ﷺ بتجارتها.
مشاركته السائب في التجارة
وكان يشارك السائب بن أبي السائب صيفي بن عابد [ (٣) ] بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم، فلما كان يوم الفتح جاءه فقال ﵇: (مرحبا بأخي وشريكي، كان لا يداري ولا يماري)
ومعنى يداري: يشاحن ويخاصم صاحبه.
رعيه الغنم
وكان بعد ذلك يرعى غنما لأهل مكة على قراريط، قيل: كل شاة بقيراط، وقيل: قراريط موضع، ولم يرد بذلك القراريط من الفضة [ (٤) ] .
مشهده حرب الفجار [ (٥) ]
وشهد حرب الفجار الأيام سائرها إلا يوم نخلة، وكان يناول عمه- الزبير
стр. 56
بن عبد المطلب- النبل، وكان عمره ﷺ يومئذ عشرين سنة [ (١) ] ، وقيل: أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة [ (٢) ] .
مخرجه الثاني إلى الشام في تجارة خديجة
ثم أجر نفسه من خديجة- بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب [ابن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر] [ (٣) ]- سفرتين بقلوصين [ (٤) ] . وخرج ثانيا إلى الشام في تجارة ومعه غلامها ميسرة- لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة خمس وعشرين من الفيل- وقد بلغ خمسا وعشرين سنة- حتى أتى بصرى فرآه نسطور الراهب وبشر بنبوته ميسرة. ورأى ميسرة من شأنه ﷺ ما بهره فأخبر سيدته خديجة بما شاهد وبكلام الراهب [ (٥) ] ، فرغبت خديجة ﵂ إليه أن يتزوجها لما رجت في ذلك من الخير.
زواجه بخديجة
فتزوج بخديجة بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يوما في عقب صفر [و] سنّه ست وعشرين، (وقيل: كانت [ (٦) ] سنّه إحدى وعشرين سنة وقيل: ثلاثين، وقال ابن جريج: وله سبع وثلاثون سنة، وقال البرقي: سبع وعشرون سنة قد راهق الثلاثين، ولها من العمر أربعون سنة وعمره خمس وعشرون سنة، وقيل:
ثلاث وعشرون، والأول أثبت [ (٧) ] ) على اثنتي عشرة أوقية ونش [ (٨) ] ، وقيل:
стр. 57
عشرون بكرة [ (١) ] . وكان الّذي سفر بينهما نفيسة بنت منية أخت يعلي بن منية، وقيل: بل سفر بينهما ميسرة، وقيل: بل مولاة مولّدة. وكان الّذي زوّج خديجة من رسول اللَّه ﷺ عمها عمرو بن أسد بن عبد العزى وقال: محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب يخطب خديجة ابنة خويلد! هذا الفحل لا يقدح أنفه [ (٢) ] .
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، فيما يحسب حماد: أن رسول اللَّه ﷺ ذكر خديجة وكان أبوها يرغب عن أن يزوجه، فصنعت طعاما وشرابا ودعت أباها ونفرا من قريش فطعموا وشربوا حتى ثملوا، فقالت خديجة: إن محمد بن عبد اللَّه يخطبني فزوّجني إياه، فزوجها، فخلّقته [ (٣) ] وألبسته، وكذلك كانوا يفعلون بالآباء، فلما سري عنه سكره نظر فإذا هو مخلق وعليه حلة فقال: ما شأني؟ ما هذا؟! قالت: زوجتني محمد بن عبد اللَّه، فقال: أنا أزوج يتيم أبي طالب! لا لعمري، فقالت خديجة:
ألا تستحي! تريد أن تسفه نفسك عند قريش، تخبر الناس أنك كنت سكران.
فلم تزل به حتى رضي. وقد ردّ هذا القول بأن أباها توفي قبل الفجار [ (٤) ] .
شهوده حلف الفضول [ (٥) ]
وشهد ﷺ حلف الفضول مع عمومته في دار عبد اللَّه بن جدعان بن عمرو
стр. 58
ابن كعب [ (١) ] بن تميم بن مرة.
تحكيمه في أمر الحجر الأسود
وكان اللَّه تعالى قد صانه وحماه من صغره، وطهّره وبرّأه من دنس الجاهلية ومن كل عيب، ومنحه كل خلق جميل، حتى لم يكن يعرف بين قومه إلا بالأمين، لما شاهدوا من طهارته وصدق حديثه وأمانته، بحيث أنه لما بنيت الكعبة بعد هدم قريش لها في سنة خمس وثلاثين، وقيل: سنة خمس وعشرين من عمره ﷺ وذلك قبل المبعث بخمس عشرة سنة وبعد الفجار بخمس عشرة سنة- ووصلوا إلى موضع الحجر الأسود، اشتجروا فيمن يضع الحجر موضعه، [فأرادت [ (٢) ]] كل قبيلة رفعه إلى موضعه، واستعدوا للقتال وتحالفوا على الموت، ومكثوا على ذلك أربع ليال.
فأشار عليهم أبو أمية [ (٣) ] حذيفة بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم- وهو أسنّ قريش يومئذ- أن يجعلوا بينهم حكما أول من يدخل من باب المسجد،
فكان أول من دخل رسول اللَّه ﷺ ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين قد رضينا به، وأخبروه الخبر، فقال: [هلموا [ (٤) ]] لي ثوبا، فأتي بثوب- يقال إنه كساء أبيض من متاع الشام كان له ﷺ فأخذ الحجر الأسود فوضعه فيه بيده ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم أرفعوه جميعا، ففعلوا حتى بلغوا به موضعه فوضعه ﷺ بيده ثم بني عليه.
ويقال: كان الثوب الّذي وضع فيه الحجر للوليد بن المغيرة.
أول ما بدئ به من النبوة
ولما أراد اللَّه رحمة العباد، وكرامته ﷺ بإرساله إلى العالمين، كان أوّلا يرى
стр. 59
ويعاين من آثار فضل اللَّه أشياء: فشق في صغره بطنه واستخرج ما في قلبه من الغل والدنس، فكان يعاين الأمر معاينة ثم كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه فقال: السلام عليك يا رسول اللَّه. فكان يلتفت يمينا ويسارا فلا يرى أحدا [ (١) ] .
وكانت الأمم تتحدث بمبعثه وتخبر علماء كل أمة قومها بذلك. ثم كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح [ (٢) ] . فكان أول شيء رآه من النبوة في المنام بطنه طهّر وغسل ثم أعيد كما كان.
تحنثه بحراء وبدء الوحي
وحبّب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء كما كان يفعل ذلك متعبدو [ (٣) ] ذلك الزمان، فيقيم فيه الليالي ذوات العدد، ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها يتحنث [ (٤) ] بحراء ومعه خديجة، فيقال: إنه أول ما رأى جبريل ﵇ بأجياد [ (٥) ] فصرخ به: يا محمد يا محمد.
بعثته
ثم فجأة [ (٦) ] الحق وهو بغار حراء [ (٧) ] يوم الاثنين لثمان عشرة خلت من رمضان
стр. 60
وقيل: لأربع وعشرين ليلة مضت منه، وله من العمر أربعون سنة. وهذا مروي عن عبد اللَّه بن عباس [ (١) ] ، ...
стр. 61
وجبير بن مطعم [ (١) ] ، وقباث بن أشيم [ (٢) ] ، ...
_________
[ () ] وروايته عن عليّ، وسعد وعثمان، وأبي موسى، وعائشة، وأم شريك، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، وحكيم بن حزام، وعبد اللَّه بن عمرو، وأبيه المسيّب، وأبي سعيد، في «الصحيحين» .
وروايته عن حسان بن ثابت، وصفوان بن أمية، ومعمر بن عبد اللَّه، ومعاوية، وأم سلمة، في «صحيح مسلم» .
وروايته عن جبير بن مطعم، وجابر، وغيرهما في «صحيح البخاري» .
وروايته عن عمر، في «السنن الأربعة» .
وروى أيضا عن زيد بن ثابت، وسراقة بن مالك، وصهيب، والضحاك بن سفيان، وعبد الرحمن ابن عثمان التّيميّ، وروايته عن عتّاب بن أسيد في «السنن الأربعة» ، وهو مرسل.
وأرسل عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر الصديق، وكان زوج بنت أبي هريرة، وأعلم الناس بحديثه.
قال الحافظ الذهبيّ: وكان ممّن برّز في العلم والعمل، وقع لنا جملة من عالي حديثه.
أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق القرافي، أنبأنا الفتح بن عبد اللَّه الكاتب، أنبأنا محمد بن عمر الشافعيّ، ومحمد بن أحمد الطرائفي، ومحمد بن علي بن الداية، قالوا: أنبأنا أبو جعفر محمد بن أحمد ابن المسلمة، أنبأنا عبيد اللَّه بن عبد الرحمن الزّهريّ سنة ثمانين وثلاث مائة، أنبأنا جعفر بن محمد الفريابيّ، حدثنا إبراهيم بن الحجّاج السّامي، حدثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: «ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صام وإن صلى، وزعم أنّه مسلم: من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» .
هذا صحيح عال، فيه دليل على أن هذه الخصال من كبار الذنوب، أخرجه مسلم في الإيمان، باب خصال المنافق من كبار الذنوب.
أخرجه مسلم برقم (٥٩) ، (١١٠) في كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، وهذا الحديث مما عدّه جماعة من العلماء مشكلا، من حيث إن هذه الخصال توجد في المسلم المصدق الّذي ليس فيه شك، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقا بقلبه ولسانه، وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر، ولا هو منافق يخلد في النار، فإن إخوة يوسف ﷺ جمعوا هذه الخصال، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله، وهذا الحديث ليس فيه بحمد اللَّه تعالى إشكال، ولكن اختلف العلماء في معناه، فالذي قاله المحققون والأكثرون، وهو الصحيح المختار، أن معناه: أن هذه الخصال نفاق، وصاحبها شبيه المنافقين في هذه الخصال، ومتخلّق بأخلاقهم، فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدّثه، ووعده، وائتمنه من الناس، لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر، ولم يرد النبي ﷺ بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار.
وعن عبد العزيز بن المختار، عن عليّ بن زيد، حدثني سعيد بن المسيّب بن حزن، أن جدّه حزنا أتى النبي ﷺ فقال: «ما اسمك؟ قال: حزن، قال: بل أنت سهل» قال: يا رسول اللَّه، اسم سمّاني به أبواي وعرفت به في الناس، فسكت عنه النبي ﷺ ، قال سعيد: فما زلنا تعرف الحزونة فينا أهل البيت.
والحزن: ما غلظ من الأرض، وهو ضد السهل، واستعمل في الخلق، يقال: فلان حزون، أي
стр. 64
_________
[ () ] في خلقه غلظة وقساوة.
هذا حديث مرسل، ومراسيل سعيد محتجّ بها، لكن عليّ بن زيد ليس بالحجة، وأما
الحديث فمروي بإسناد صحيح، متصل، ولفظه: أن النبي ﷺ قال له: «ما اسمك؟ قال: حزن، قال: أنت سهل» ، فقال: لا أغيّر اسما سمّانيه أبي.
قال سعيد: فما زالت تلك الحزونة فينا بعد.
أخرجه البخاري في الأدب، باب اسم الحزن، قال ابن بطال: فيه أن الأمر بتحسين الأسماء، وبتغيير الاسم إلى أحسن منه ليس على الوجوب. وقال ابن التين: معنى قول ابن المسيب: «فما زالت فينا الحزونة» ، يريد امتناع التسهيل فيما يريدونه. وقال الداوديّ: يريد الصعوبة في أخلاقهم، فقد ذكر أهل النسب أن في ولده سوء خلق معروف فيهم لا يكاد ينعدم منهم، إلا أن سعيدا أفضى به ذلك إلى الغضب في اللَّه.
قال أحمد بن حنبل، وغير واحد: مرسلات سعيد بن المسيّب صحاح.
وقال قتادة، ومكحول، والزهري، وآخرون، واللفظ لقتادة: ما رأيت أعلم من سعيد بن المسيّب.
وقال عليّ بن المديني: لا أعلم في التابعين أحدا أوسع علما من ابن المسيّب، هو عندي أجلّ التابعين.
عبد الرحمن بن حرملة: سمعت ابن المسيّب يقول حججت أربعين حجّة.
قال يحيى بن سعيد الأنصاري: كان سعيد يكثر أن يقول في مجلسه: اللَّهمّ سلّم سلّم.
معن: سمعت مالكا يقول: قال سعيد بن المسيّب: إن كنت لأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد.
أبو إسحاق الشيبانيّ: عن بكير بن الأخنس، عن سعيد بن المسيّب، قال: سمعت عمر على المنبر وهو يقول: لا أجد أحدا جامع فلم يغتسل، أنزل أو لم ينزل، إلا عاقبته. رجاله ثقات.
وفيه حجّة لم يقول إن سعيدا رأى عمر وسمع منه، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) حديثا وقع له بإسناد صحيح لا مطعن فيه، فيه تصريح سعيد بسماعه من عمر.
قال الواقدي: حدثنا عبد اللَّه بن جعفر، وغيره من أصحابنا، قالوا: استعمل ابن الزّبير جابر ابن الأسود بن عوف الزّهريّ على المدينة، فدعا الناس إلى البيعة لابن الزبير، فقال سعيد بن المسيّب: لا، حتى يجتمع الناس، فضربه ستين سوطا، فبلغ ذلك ابن الزبير، فكتب إلى جابر يلومه ويقول: ما لنا ولسعيد، دعه.
وكان جابر بن الزبير قد تزوج الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة، فلما ضرب سعيد بن المسيب صاح به سعيد والسياط تأخذه: واللَّه ما ربّعت على كتاب اللَّه، وإنّك تزوجت الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة، وما هي إلا ليال فاصنع ما بدا لك، فسوف يأتيك ما تكره. فما مكث إلا يسيرا حتى قتل ابن الزّبير.
عن أبي عيسى الخراساني: عن ابن المسيّب، قال: لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم، لكيلا تحبط أعمالكم.
أنبأنا أبو نعيم، حدثنا القطيعيّ، حدثنا عبد اللَّه بن أحمد، حدثنا الحسن بن عبد العزيز، قال: كتب إلى ضمرة بن ربيعة عن إبراهيم بن عبد اللَّه الكناني، أن سعيد بن المسيّب زوّج ابنته بدرهمين.
قال الواقديّ: كان سعيد بن المسيّب من أعبر الناس للرؤيا، أخذ ذلك عن أسماء بنت أبي بكر الصديق، وأخذته أسماء عن أبيها، ثم ساق الواقديّ عدة منامات، منها:
حدثنا عبد اللَّه بن جعفر، عن عبيد اللَّه بن عبد الرحمن بن السائب، قال رجل لابن المسيّب: إنه رأى
стр. 65
وأنس بن مالك [ (١) ] ، وهو صحيح عند أهل السير والعلم بالأثر.
стр. 66
_________
[ () ] أمّهاتي يحثثنني على خدمة رسول اللَّه ﷺ ، فصحب أنس رسول اللَّه ﷺ أتمّ الصحبة، ولازمة أكمل الملازمة منذ هاجر، وإلى أن مات، وغزا معه غير مرة، وبايع تحت الشجرة.
لم يعدّه أصحاب المغازي في البدريين لكونه حضرها صبيا، ما قاتل، بلى بقي في رحال الجيش، فهذا وجه الجمع.
قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا أشبه بصلاة رسول اللَّه ﷺ من ابن أم سليم، يعني أنسا. وقال أنس ابن سيرين: كان أنس بن مالك أحسن الناس صلاة في الحضر والسّفر.
مسندة ألفان ومائتان وستة وثمانون، اتّفق له البخاري ومسلم على مائة وثمانين حديثا، وانفرد البخاري بثمانين حديثا. ومسلم بتسعين، وروى له الأربعة، وجملة مرويّاته (٢٢٨٦) حديثا.
قال أنس ﵁: خدمت رسول اللَّه ﷺ عشر سنين، فما ضربني، ولا سبّني، ولا عبس في وجهي، رواه الترمذي بأطول من هذا.
وقال رسول اللَّه ﷺ : اللَّهمّ أكثر ماله وولده،
قال أنس: واللَّه إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي يتعادون على نحو من مائة اليوم، قال بعضهم: بلغ مائة وثلاث سنين.
ذكر صلاح الدين الصّفديّ في (الوافي) ، أن عليّ بن زيد بن جدعان قال: كنت في دار الإمارة والحجّاج يعرض الناس أيام ابن الأشعث، فدخل أنس بن مالك، فلمّا دنا من الحجّاج قال الحجّاج:
يا خبثه! جوّال في الفتن، مرّة مع عليّ بن أبي طالب، ومرة مع ابن الزّبير، ومرة مع ابن الأشعث، واللَّه لأستأصلنّك كما تستأصل الصمغة، ولأجرّدنّك كما يجرّد الضّبّ! فقال له أنس: من يعني الأمير، أصلحه اللَّه؟ قال: إيّاك أعني، أصمّ اللَّه سمعك! فاسترجع أنس وشغل عنه، فخرج أنس وتبعته وقلت: ما منعك أن تجيبه؟ فقال: واللَّه لولا أني ذكرت كثرة ولدي، وخشيته عليهم، لأسمعته في مقامي هذا ما لا يستحسن لأحد من بعدي.
وكتب إلى عبد الملك: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، لعبد الملك أمير المؤمنين من أنس بن مالك خادم رسول اللَّه ﷺ وصاحبه. أما بعد، فإن الحجاج قال لي هجرا من القول وأسمعني نكرا، ولم أكن لما قال أهلا، إنه قال لي كذا وكذا، وإني أقسمت. بخدمتي لرسول اللَّه ﷺ عشر سنين كوامل: لولا صبية صغار ما باليت أيّة قتلة قتلت، وو الله، لو أن اليهود والنصارى أدركوا رجلا خدم نبيهم لأكرموه! فخذ لي على يده، وأعني عليه، والسلام.
فلما قرأ عبد الملك الكتاب استشاط غضبا، وكتب إلى الحجاج: أما بعد، فإنك عبد من ثقيف، طمحت بك الأمور، فعلوت فيها وطغيت، حتى عدوت قدرك، وتجاوزت طورك، يا ابن المستفرمة بعجم الزّبيب، لأغمزنك غمز الليث، ولأخبطنّك خبطة، ولأركضنك ركضة تودّ معها لو أنك رجعت في مخرجك من وجار أمك.
أما تذكر حال آبائك ومكاسبهم بالطائف، وحفرهم الأبار بأيديهم، ونقلهم الحجارة على ظهورهم؟
أم نسيت أجدادك في اللؤم والدناءة وخساسة الأصل، وقد بلغ أمير المؤمنين ما كان منك إلى أبي حمزة أنس بن مالك خادم رسول اللَّه ﷺ القريب، وصاحبه في المشهد والمغيب، جرأة منك على اللَّه ورسوله، وأمير المؤمنين والمسلمين، وإقداما على أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فعليك لعنة اللَّه من عبد أخفش العينين، أصكّ الرجلين، ممسوح الجاعرتين، لقد هممت أن أبعث إليك من يسحبك ظهرا لبطن حتى يأتي بك أبا
стр. 67
_________
[ () ] حمزة، فيحكم فيك بما يراه.
ولو علم أمير المؤمنين أنك اجترمت إليه جرما، أو انتهكت له عرضا غير ما كتب إليه، لفعل ذلك بك. فإذا قرأت كتابي هذا، فكن له أطوع من نعله، واعرف حقّه، وأكرمه وأهله، ولا تقصرنّ في شيء من حوائجه، فو اللَّه لو أن اليهود رأت رجلا خدم العزير، أو النّصارى رأت رجلا خدم المسيح، لوقّروه وعظّموه، فتبا لك، لقد اجترأت ونسيت العهد، وإياك أن يبلغني عنك خلاف ذلك، فأبعث إليك من يضربك بطنا لظهر، ويهتك سترك، ويشمت بك عدوك، والقه في منزله متنصّلا إليه ليكتب إليّ برضاه عنك! ولِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وكتب عبد الملك إلى أنس: لأبي حمزة أنس بن مالك، خادم رسول اللَّه ﷺ ، من عبد الملك، سلام عليك، أما بعد، فإنّي قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت في أمر الحجاج، وإني واللَّه ما سلطته عليك ولا على أمثالك. وقد كتبت إليه ما يبلغك، فإن عاد لمثلها فعرّفني حتى أحلّ به عقوبتي، وأذلّه بسطوتي، والسلام عليك.
ثم أرسل إلى إسماعيل بن عبد اللَّه بن أبي المهاجر، ودفع إليه الكتابين، وقال: اذهب إلى أنس والحجاج، وابدأ بأنس، وقل له: أمير المؤمنين يسلم عليك ويقول لك: قد كتبت إلى عبد بني ثقيف كتابا إذا قرأه كان أطوع لك من أمتك، واستعرض حوائجه، فركب إسماعيل البريد، فلما دفع الكتاب إلى الحجاج، جعل يقرأه ويتمعّر وجهه، ويرشح عرقا، ويقول: يغفر اللَّه لأمير المؤمنين! ثم قال: نمضي إلى أنس، فقال له: على رسلك، ثم مضي إلى أنس وقال له: يا أبا حمزة، قد فعل أمير المؤمنين معك ما فعل، وهو يقرأ عليك السلام، ويستعرض حوائجك.
فبكى أنس وقال: جزاه اللَّه خيرا، كان أعرف بحقي، وأبرّ بي من الحجاج. قال: وقد عزم الحجاج على المجيء إليك، فإن رأيت أن تتفضل عليه فأنت أولى بالتفضل.
فقام أنس ودخل إلى الحجاج إليه واعتنقه وأجلسه على سريره، وقال: يا أبا حمزة، عجلت عليّ بالملامة، وأغضبت أمير المؤمنين، وأخذ يعتذر إليه ويقول: قد علمت شعب أهل العراق، وما كان من ابنك مع ابن الجارود، ومن خروجك مع ابن الأشعث، فأردت أن يعلموا أني أسرع اليهم بالعقوبة إذ قلت لمثلك ما قلت.
فقال أنس: ما شكوت حتى بلغ مني الجهد، زعمت أننا الأشرار، واللَّه سمّانا الأنصار، وزعمت أننا أهل النفاق، ونحن الذين تبوّأنا الدار والإيمان، واللَّه يحكم بيننا وبينك، وما وكلتك إلى أمير المؤمنين إلا حيث لم يكن لي به قوة، ولا آوي إلى ركن شديد.
ودعا لعبد الملك وقال: إن رأيت خيرا حمدت، وإن رأيت شرّا صبرت، وباللَّه استعنت.
وكتب الحجاج إلى عبد الملك: أما بعد، فأصلح اللَّه أمير المؤمنين وأبقاه، ولا أعدمناه، وصلني الكتاب يذكر فيه شتمي وتعييري بما كان قبل نزول النعمة بي من أمير المؤمنين، ويذكر استطالتي على أنس، جرأة مني على أمير المؤمنين، وغرّة مني بمعرفة سطواته ونقماته، وأمير المؤمنين أعزّه اللَّه في قرابته من رسول اللَّه ﷺ أحقّ من أقالني عثرتي، وعفا عن جريمتي، ولم يعجّل عقوبتي، ورأيه العالي في تفريج كربتي، وتسكين روعتي، أقاله اللَّه العثرات: قد رأى إسماعيل بن أبي المهاجر خضوعي لأنس، وإعظامي إيّاه.... واعتذر إليه اعتذارا كثيرا.
стр. 68
وقيل: بعث وله من العمر ثلاث وأربعون سنة، وقيل: أربعون ويوم [ (١) ] ، وقيل: وعشرة أيام وقيل: وشهرين [ (٢) ] ، وقال ابن شهاب: بعث على رأس خمس عشرة سنة من بنيان الكعبة، فكان بين مبعثه وبين الفيل سبعون سنة.
قال إبراهيم بن المنذر: هذا وهم لا يشك فيه أحد من علمائنا، وذلك أن
стр. 69
رسول اللَّه ﷺ ولد عام الفيل لا يختلفون في ذلك، ونبّئ على رأس أربعين من الفيل، وذلك على رأس مائة وخمسين سنة من عام حجة الغدر [ (١) ] ولستّ عشرة سنة من ملك أبرويز، ويقال: بل لعشرين سنة مضت من ملك كسرى أبرويز بن هرمز بن أنوشروان، وعلى الحيرة إياس بن قبيصة الطائي عاملا للفرس على العرب ومعه النخيرجان [ (٢) ] الفارسيّ على رأس سنتين وأربعة أشهر من ملكهما، وعلى اليمن يومئذ باذان [ (٣) ] أبو مهران.
أول ما نزّل من القرآن
فعلم ﷺ من حينئذ أن اللَّه بعثه نبيا، وذلك أن جبريل ﵇ أتاه بغار حراء فقال له: اقرأ، قال: لست بقارئ، فغته [ (٤) ] حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله، فقال: اقرأ، قال: لست بقارئ، فعل ذلك به ثلاث مرات ثم قال:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [ (٥) ] فرجع بها ﷺ ترجف بوادره، فأخبر بذلك خديجة ﵂ وقال: قد خشيت على عقلي، فثبتته وقالت:
أبشر! كلا واللَّه لا يخزيك اللَّه أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل [ (٦) ] وتعين على نوائب الدهر- في أوصاف أخر جميلة عددتها من أخلاقه- تصديقا منها له وإعانة على الحق، فهي أول صدّيق له ﷺ .
وقيل: أول ما أنزل عليه من القرآن: البسملة وفاتحة الكتاب [ (٧) ] وقيل: هي مدنية. وقيل: لما فجأه الحق وأتاه جبريل قال له: يا محمد، أنت يا رسول
стр. 70
اللَّه [ (١) ] .
وقيل: أول ما أتى جبريل النبيّ ﷺ ليلة السبت وليلة الأحد، ثم ظهر له برسالة اللَّه يوم الاثنين لسبع عشر خلت من رمضان، فعلمه الوضوء والصلاة، وعلمه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.
فترة الوحي
والتحقيق أن جبريل ﵇ لما جاءه بغار حراء وأقرأه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ورجع إلى خديجة، مكث ما شاء اللَّه أن يمكث لا يرى شيئا وفتر عنه [ (٢) ] الوحي، فاغتم لذلك وذهب مرارا ليتردى من رءوس الجبال شوقا منه إلى ما عاين أول مرة من حلاوة مشاهدة وحي اللَّه إليه. فقيل: إن فترة الوحي كانت قريبا من سنتين، وقيل: كانت سنتين ونصفا، وفي تفسير عبد اللَّه بن عباس كانت أربعين يوما، وفي كتاب معاني القرآن للزجاج كانت خمسة عشر يوما، وفي تفسير مقاتل ثلاثة أيام، ورجّحه بعضهم وقال: ولعل هذا هو الأشبه بحاله عند ربه [ (٣) ] .
تتابع الوحي وبدء الدعوة
ثم تبدي له الملك بين السماء والأرض على كرسيّ، وثبته وبشره أنه رسول اللَّه حقا، فلما رآه فرق منه،
وذهب إلى خديجة ﵂ فقال: «زمّلوني ...
دثّروني ... » ،
فأنزل اللَّه تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ [ (٤) ] فكانت الحالة الأولى بغار حراء حالة نبوة وإيحاء، ثم أمره اللَّه تعالى في هذه الآية أن ينذر قومه ويدعوهم إلى اللَّه . فشمّر ﷺ عن ساق الاجتهاد، وقام في طاعة اللَّه أتم قيام، يدعو إلى اللَّه تعالى الصغير والكبير،
стр. 71
والحر والعبد، والرجال والنساء، والأسود والأحمر، فكان فيما قاله عروة بن الزبير، ومحمد بن شهاب، ومحمد بن إسحاق: من حين أتت النبوّة وأنزل عليه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [ (١) ] إلى أن كلّفه اللَّه الدعوة، وأمره بإظهارها فيما أنزل عليه من قوله: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [ (٢) ] وقوله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ (٣) ] ، وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [ (٤) ]- ثلاث سنين، لا يظهر الدعوة إلا للمختصين به، منهم خديجة وعلى وزيد وأبو بكر ﵃، فدعا ثلاث سنين مستخفيا، وقيل: دعا مستخفيا أربع سنين ثم أعلن الدعاء وصدع بالأمر.
إسلام خديجة
ويقال: إن اللَّه ابتعثه نبيا في يوم الاثنين لثمان مضين من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل، وقد مضى من مولده ﷺ أربعون سنة ويوم.
ويقال: علّمه جبريل ﵇ الوضوء والصلاة في يوم الثلاثاء وأقرأه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [ (١) ] فأتى خديجة ﵂ فأخبرها بما أكرمه اللَّه، وعلمها الوضوء والصلاة فصلت معه، فكانت أول خلق صلى معه.
إسلام أبي بكر
ثم استجاب له عباد اللَّه من كل قبيلة، فكان حائز قصب السبق: «أبو بكر عبد اللَّه بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب [ (٥) ] بن غالب القرشي التيمي ﵁» فآزره في دين اللَّه وصدقه فيما جاء به، ودعا معه إلى اللَّه على بصيرة، فاستجاب لأبي بكر ﵁ جماعة منهم:.
стр. 72
أوائل المسلمين
«عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي [ (١) ] القرشي الأموي» ، و «طلحة بن عبيد اللَّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة [ (٢) ] القرشي التيمي» و «سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب [ (٣) ] بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، و «الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصي [ (٤) ] الأسدي» ، و «عبد الرحمن ابن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث [ (٥) ] بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري» : فجاءهم رسول اللَّه ﷺ حتى استجابوا له بالإسلام وصلّوا، فصار المسلمون ثمانية نفر، أول من أسلم وصلى للَّه تعالى.
إسلام علي وزيد الحبّ
وأما «علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي» ، فلم يشرك باللَّه قط، وذلك أن اللَّه تعالى أراد به الخير فجعله في كفالة ابن عمه سيد المرسلين محمد ﷺ [ (٦) ] ، فعند ما أتى رسول اللَّه ﷺ الوحي، وأخبر خديجة ﵂ وصدقت، كانت هي وعلي بن أبي طالب، و «زيد بن حارثة بن شراحيل ابن عبد العزى بن امرئ القيس [ (٧) ] بن عامر بن عبد ودّ بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة الكلبي» حب رسول
стр. 73
اللَّه ﷺ يصلون معه. وكان ﷺ يخرج إلى الكعبة أول النهار فيصلي صلاة الضحى، وكانت صلاة لا تنكرها [ (١) ] قريش. وكان إذا صلى في سائر اليوم بعد ذلك قعد علي أو زيد ﵄ يرصدانه.
وكان ﷺ وأصحابه إذا جاء وقت العصر تفرقوا في الشعاب فرادى ومثنى، وكانوا يصلون الضحى والعصر، ثم نزلت الصلوات الخمس، وكانت الصلاة ركعتين ركعتين قبل الهجرة.
فلم يحتج عليّ ﵁ أن يدعى، ولا كان مشركا حتى يوحّد فيقال أسلم، بل كان- عند ما أوحى اللَّه إلى رسول اللَّه ﷺ عمره ثماني سنين، وقيل: سبع سنين، وقيل: إحدى عشر سنة. وكان مع رسول اللَّه ﷺ في منزله بين أهله كأحد أولاده يتبعه في جميع أحواله. وكان أبو بكر ﵁ أول من أسلم ممن له أهليّة الذبّ عن رسول اللَّه والحماية والمناصرة.
هذا هو التحقيق في المسألة لمن أنصف وترك الهوى من الفريقين، وقد قال عمر مولى غفرة [ (٢) ] : سئل محمد بن كعب [القرظي] [ (٣) ] عن أول من أسلم، على بن أبي طالب أو أبو بكر؟ فقال: سبحان اللَّه! عليّ أولهما إسلاما، وإنما اشتبه على الناس لأن عليا أول ما أسلم كان يخفي إسلامه من أبي طالب، وأسلم أبو بكر فأظهر إسلامه، فكان أبو بكر أول من أظهر إسلامه، وكان علي أولهما إسلاما، فاشتبه على الناس- وكذلك أسلمت خديجة وزيد بن حارثة [ (٤) ] .
إسلام ورقة بن نوفل
ثم أسلم القسّ ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وصدّق بما وجد من الوحي، وتمنى أن لو كان جذعا [ (٥) ] ، وذلك أول ما نزل الوحي.
стр. 74
إسلام الأرقم
ودخل من شرح اللَّه صدره للإسلام على بصيرة فأسلم الأرقم بن أبي الأرقم عبد مناف [ (١) ] بن أسد بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم سابع سبعة [ (٢) ] ، وقيل: بعد عشرة [ (٣) ] وفي داره كان النبي ﷺ مستخفيا من قريش، وكانت على الصفا، فأسلم فيها جماعة كثيرة.
إيذاء رسول اللَّه ﷺ
وكانت قريش لما بلغهم ما أكرم اللَّه به رسوله ﷺ من النبوة راعهم ذلك وكبر عليهم، ولم ينكروا عليه شيئا من أمره حتى عاب آلهتهم وسفّه أحلامهم، وذمّ آباءهم وأخبر أنهم في النار، فأبغضوه عند ذلك وعادوه، وتعرضوا لمن آمن به.
فأخذهم سفهاء أهل مكة بالأذى والعقوبة، وصان اللَّه رسوله ﷺ بعمه أبي طالب، لأنه كان شريفا في قومه مطاعا فيهم، نبيلا بينهم، لا يتجاسرون على مفاجأته بشيء في أمر رسول اللَّه ﷺ لما يعلمون من محبته له، وكان من حكمة اللَّه تعالى بقاء أبي طالب على دين قومه لما في ذلك من المصلحة.
إيذاء المسلمين
هذا، ورسول اللَّه ﷺ يدعو إلى اللَّه ليلا ونهارا وسرا وجهارا، لا يصده عن ذلك صادّ، ولا يرده عنه رادّ، ولا يأخذه في اللَّه لومة لائم. واشتد أذى المشركين على من آمن، وفتنوا جماعة منهم، حتى إنهم كانوا يضربونهم ويلقونهم في الحرّ، ويضعون الصخرة العظيمة على صدر أحدهم في الحر، وكان أحدهم إذا أطلق لا يستطيع أن يجلس لشدة الألم. ويقولون لأحدهم وهو يعذب في اللَّه: اللات إلهك من دون اللَّه؟ فيقول مكرها: نعم!، وحتى إن الجعل ليمرّ فيقولون: وهذا إلهك من دون اللَّه؟ فيقول: نعم!.
ومرّ الخبيث أبو جهل: «عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن
стр. 75
مخزوم بن يقظة بن مرة» بسميّة «أم عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين العبسيّ» وهي تعذب في اللَّه هي وزوجها ياسر بن عامر، وابنها عمار بن ياسر فطعنها بحربة في فرجها فقتلها [ (١) ] .
الذين أعتقهم أبو بكر من الموالي المعذبين
وكان أبو بكر ﵁ إذا مر بأحد الموالي وهو يعذب في اللَّه اشتراه من مواليه وأعتقه للَّه، فمن هؤلاء: بلال وأمه حمامة [ (٢) ] ، وعامر بن فهيرة، وأم عبس، ويقال: أم عبيس فتاة بني تيم بن مرة، (وهي أم عبيس بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف) ، وزنيرة (زنّيرة بكسر الزاي وتشديد النون مع كسرها على وزن فعّيلة، وقيل: بفتح الزاي وسكون النون ثم باء موحدة مفتوحة) ، وسمية بنت خبّاط [ (٣) ] (بباء موحدة، قاله ابن ماكولا) ، والنهدية وابنتها، وجارية لبني عدي كان عمر بن الخطاب ﵁ يعذبها على الإسلام قبل أن يسلم.
حتى قال له أبوه أبو قحافة: يا بني أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أعتقت قوما جلدا يمنعونك! فقال أبو بكر ﵁: إني أريد ما أريد [ (٤) ] فقال: نزلت فيه: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى* الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى [ (٥) ] إلى آخر السورة.
همّ قريش بقتله عند البيت
هذا وقد اشتد مكر قريش برسول اللَّه وهموا بقتله، فعرضوا على قومه ديته حتى يقتلوه، فحماه اللَّه برهطه من ذلك، فهموا أن يقتلوه في الزحمة [ (٦) ] بقول