والحر والعبد، والرجال والنساء، والأسود والأحمر، فكان فيما قاله عروة بن الزبير، ومحمد بن شهاب، ومحمد بن إسحاق: من حين أتت النبوّة وأنزل عليه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [ (١) ] إلى أن كلّفه اللَّه الدعوة، وأمره بإظهارها فيما أنزل عليه من قوله: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [ (٢) ] وقوله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ (٣) ] ، وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [ (٤) ]- ثلاث سنين، لا يظهر الدعوة إلا للمختصين به، منهم خديجة وعلى وزيد وأبو بكر ﵃، فدعا ثلاث سنين مستخفيا، وقيل: دعا مستخفيا أربع سنين ثم أعلن الدعاء وصدع بالأمر.
إسلام خديجة
ويقال: إن اللَّه ابتعثه نبيا في يوم الاثنين لثمان مضين من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل، وقد مضى من مولده ﷺ أربعون سنة ويوم.
ويقال: علّمه جبريل ﵇ الوضوء والصلاة في يوم الثلاثاء وأقرأه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [ (١) ] فأتى خديجة ﵂ فأخبرها بما أكرمه اللَّه، وعلمها الوضوء والصلاة فصلت معه، فكانت أول خلق صلى معه.
إسلام أبي بكر
ثم استجاب له عباد اللَّه من كل قبيلة، فكان حائز قصب السبق: «أبو بكر عبد اللَّه بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب [ (٥) ] بن غالب القرشي التيمي ﵁» فآزره في دين اللَّه وصدقه فيما جاء به، ودعا معه إلى اللَّه على بصيرة، فاستجاب لأبي بكر ﵁ جماعة منهم:.
стр. 72
أوائل المسلمين
«عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي [ (١) ] القرشي الأموي» ، و «طلحة بن عبيد اللَّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة [ (٢) ] القرشي التيمي» و «سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب [ (٣) ] بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، و «الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصي [ (٤) ] الأسدي» ، و «عبد الرحمن ابن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث [ (٥) ] بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري» : فجاءهم رسول اللَّه ﷺ حتى استجابوا له بالإسلام وصلّوا، فصار المسلمون ثمانية نفر، أول من أسلم وصلى للَّه تعالى.
إسلام علي وزيد الحبّ
وأما «علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي» ، فلم يشرك باللَّه قط، وذلك أن اللَّه تعالى أراد به الخير فجعله في كفالة ابن عمه سيد المرسلين محمد ﷺ [ (٦) ] ، فعند ما أتى رسول اللَّه ﷺ الوحي، وأخبر خديجة ﵂ وصدقت، كانت هي وعلي بن أبي طالب، و «زيد بن حارثة بن شراحيل ابن عبد العزى بن امرئ القيس [ (٧) ] بن عامر بن عبد ودّ بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة الكلبي» حب رسول
стр. 73
اللَّه ﷺ يصلون معه. وكان ﷺ يخرج إلى الكعبة أول النهار فيصلي صلاة الضحى، وكانت صلاة لا تنكرها [ (١) ] قريش. وكان إذا صلى في سائر اليوم بعد ذلك قعد علي أو زيد ﵄ يرصدانه.
وكان ﷺ وأصحابه إذا جاء وقت العصر تفرقوا في الشعاب فرادى ومثنى، وكانوا يصلون الضحى والعصر، ثم نزلت الصلوات الخمس، وكانت الصلاة ركعتين ركعتين قبل الهجرة.
فلم يحتج عليّ ﵁ أن يدعى، ولا كان مشركا حتى يوحّد فيقال أسلم، بل كان- عند ما أوحى اللَّه إلى رسول اللَّه ﷺ عمره ثماني سنين، وقيل: سبع سنين، وقيل: إحدى عشر سنة. وكان مع رسول اللَّه ﷺ في منزله بين أهله كأحد أولاده يتبعه في جميع أحواله. وكان أبو بكر ﵁ أول من أسلم ممن له أهليّة الذبّ عن رسول اللَّه والحماية والمناصرة.
هذا هو التحقيق في المسألة لمن أنصف وترك الهوى من الفريقين، وقد قال عمر مولى غفرة [ (٢) ] : سئل محمد بن كعب [القرظي] [ (٣) ] عن أول من أسلم، على بن أبي طالب أو أبو بكر؟ فقال: سبحان اللَّه! عليّ أولهما إسلاما، وإنما اشتبه على الناس لأن عليا أول ما أسلم كان يخفي إسلامه من أبي طالب، وأسلم أبو بكر فأظهر إسلامه، فكان أبو بكر أول من أظهر إسلامه، وكان علي أولهما إسلاما، فاشتبه على الناس- وكذلك أسلمت خديجة وزيد بن حارثة [ (٤) ] .
إسلام ورقة بن نوفل
ثم أسلم القسّ ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وصدّق بما وجد من الوحي، وتمنى أن لو كان جذعا [ (٥) ] ، وذلك أول ما نزل الوحي.
стр. 74
إسلام الأرقم
ودخل من شرح اللَّه صدره للإسلام على بصيرة فأسلم الأرقم بن أبي الأرقم عبد مناف [ (١) ] بن أسد بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم سابع سبعة [ (٢) ] ، وقيل: بعد عشرة [ (٣) ] وفي داره كان النبي ﷺ مستخفيا من قريش، وكانت على الصفا، فأسلم فيها جماعة كثيرة.
إيذاء رسول اللَّه ﷺ
وكانت قريش لما بلغهم ما أكرم اللَّه به رسوله ﷺ من النبوة راعهم ذلك وكبر عليهم، ولم ينكروا عليه شيئا من أمره حتى عاب آلهتهم وسفّه أحلامهم، وذمّ آباءهم وأخبر أنهم في النار، فأبغضوه عند ذلك وعادوه، وتعرضوا لمن آمن به.
فأخذهم سفهاء أهل مكة بالأذى والعقوبة، وصان اللَّه رسوله ﷺ بعمه أبي طالب، لأنه كان شريفا في قومه مطاعا فيهم، نبيلا بينهم، لا يتجاسرون على مفاجأته بشيء في أمر رسول اللَّه ﷺ لما يعلمون من محبته له، وكان من حكمة اللَّه تعالى بقاء أبي طالب على دين قومه لما في ذلك من المصلحة.
إيذاء المسلمين
هذا، ورسول اللَّه ﷺ يدعو إلى اللَّه ليلا ونهارا وسرا وجهارا، لا يصده عن ذلك صادّ، ولا يرده عنه رادّ، ولا يأخذه في اللَّه لومة لائم. واشتد أذى المشركين على من آمن، وفتنوا جماعة منهم، حتى إنهم كانوا يضربونهم ويلقونهم في الحرّ، ويضعون الصخرة العظيمة على صدر أحدهم في الحر، وكان أحدهم إذا أطلق لا يستطيع أن يجلس لشدة الألم. ويقولون لأحدهم وهو يعذب في اللَّه: اللات إلهك من دون اللَّه؟ فيقول مكرها: نعم!، وحتى إن الجعل ليمرّ فيقولون: وهذا إلهك من دون اللَّه؟ فيقول: نعم!.
ومرّ الخبيث أبو جهل: «عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن
стр. 75
مخزوم بن يقظة بن مرة» بسميّة «أم عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين العبسيّ» وهي تعذب في اللَّه هي وزوجها ياسر بن عامر، وابنها عمار بن ياسر فطعنها بحربة في فرجها فقتلها [ (١) ] .
الذين أعتقهم أبو بكر من الموالي المعذبين
وكان أبو بكر ﵁ إذا مر بأحد الموالي وهو يعذب في اللَّه اشتراه من مواليه وأعتقه للَّه، فمن هؤلاء: بلال وأمه حمامة [ (٢) ] ، وعامر بن فهيرة، وأم عبس، ويقال: أم عبيس فتاة بني تيم بن مرة، (وهي أم عبيس بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف) ، وزنيرة (زنّيرة بكسر الزاي وتشديد النون مع كسرها على وزن فعّيلة، وقيل: بفتح الزاي وسكون النون ثم باء موحدة مفتوحة) ، وسمية بنت خبّاط [ (٣) ] (بباء موحدة، قاله ابن ماكولا) ، والنهدية وابنتها، وجارية لبني عدي كان عمر بن الخطاب ﵁ يعذبها على الإسلام قبل أن يسلم.
حتى قال له أبوه أبو قحافة: يا بني أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أعتقت قوما جلدا يمنعونك! فقال أبو بكر ﵁: إني أريد ما أريد [ (٤) ] فقال: نزلت فيه: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى* الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى [ (٥) ] إلى آخر السورة.
همّ قريش بقتله عند البيت
هذا وقد اشتد مكر قريش برسول اللَّه وهموا بقتله، فعرضوا على قومه ديته حتى يقتلوه، فحماه اللَّه برهطه من ذلك، فهموا أن يقتلوه في الزحمة [ (٦) ] بقول
стр. 76
قبائل قريش كلها، وأحاطوا به وهو يطوف بالبيت ويصلى، حتى كادت أيديهم أن تخبط به أو تلتقي عليه، فصاح أبو بكر: أتقتلون رجلا أن يقول ربى اللَّه وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟
فقال: دعهم يا أبا بكر، فو الّذي نفسي بيده، إني بعثت إليهم بالذبح، فتفرجوا عنه. فكانت فتنة شديدة وزلزال شديد، فمن المسلمين من عصمه اللَّه ومنهم من افتتن.
أول من جهر بالقرآن ومن رجع عن الإسلام
ويقال: أول من جهر بالقرآن عبد اللَّه بن مسعود فضرب. ورجع عن الإسلام خمسة وهم: أبو قيس بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والعاص بن منبه بن الحجاج، والحارث بن زمعة بن الأسود، والوليد بن الوليد بن المغيرة.
الهجرة الأولى إلى الحبشة
فلما اشتد البلاء أذن اللَّه لهم في الهجرة إلى الحبشة، فكان أول من خرج من مكة فارا بدينه إلى الحبشة: عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول اللَّه ﷺ ، وتبعه الناس.
فخرج أحد عشر رجلا وأربع نسوة متسللين حتى انتهوا إلى الشعيبة [ (١) ] ، منهم الراكب والماشي، فوفّق لهم ساعة جاءوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار. وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدا، وذكر أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه: عن قبيصة بن ذؤيب أن أبا سلمة ابن عمة رسول اللَّه أول من هاجر بظعينته [ (٢) ] إلى أرض الحبشة.
وقيل: أول من هاجر إلى أرض الحبشة أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك، وذلك في رجب سنة خمس من المبعث، وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة، فأقاموا شعبان وشهر رمضان وبلغهم أن قريشا أسلمت، فعاد منهم قوم وتخلف منهم قوم. فلما قدم الذين قدموا إلى مكة بلغهم
стр. 77
أن إسلام أهل مكة كان باطلا، فدخلوا مكة في شوال سنة خمس من النبوة، وما منهم من أحد إلا بجوار أو مستخفيا.
وأقام المسلمون بمكة وهم في بلاء، فخرج جعفر بن أبي طالب ﵁ وجماعات- بلغ عددهم بمن خرج أولا اثنين وثلاثين- فآواهم أصحمة النجاشي ملك الحبشة وأكرمهم.
بعثة قريش لإرجاع المسلمين من الحبشة
فلما علمت قريش بذلك بعثت في أثرهم عبد اللَّه بن أبي ربيعة عمرو بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم، وعمرو بن العاص، بهدايا وتحف إلى النجاشي ليردهم عليهم فأبى ذلك، فشفعوا إليه بقواده فلم يجبهم إلى ما طلبوا فوشوا إليه أن هؤلاء يقولون في عيسى ﵇ قولا عظيما: يقولون إنه عبد.
فأحضر المسلمين إلى مجلسه وزعيمهم جعفر فقال: ما تقولون في عيسى؟
فتلا عليه جعفر سورة كهيعص [ (١) ] فلما فرغ أخذ النجاشيّ عودا من الأرض وقال: ما زاد هذا على ما في الإنجيل ولا هذا العود، ثم قال: اذهبوا فأنتم شيوم [ (٢) ] بأرضي من سبّكم غرّم، وقال لعمرو وعبد اللَّه: لو أعطيتموني دبرا من ذهب (يعني جبلا من ذهب) ما سلمتهم إليكما. ثم أمر فردت عليهما هداياهما ورجعا بشرّ خيبة [ (٣) ] .
стр. 78
_________
[ () ] الحق، أنهم لا يشهدون أن عيسى بن مريم إلها، ولا يسجدون لك إذا دخلوا عليك، فادفعهم إلينا فلنكفيكهم.
فلما قدم جعفر وأصحابه، وهم على ذلك من الحديث، وعمرو وعمارة عند النّجاشيّ، وجعفر وأصحابه على ذلك الحال، قال: فلما رأوا أن الرجلين قد سبقا ودخلا، صاح جعفر على الباب يستأذن حزب اللَّه، فسمعها النجاشيّ، فأذن لهم، فلما دخلوا وعمرو وعمارة عند النجاشيّ، قال: أيّكم صاح عند الباب؟ فقال جعفر: أنا هو، فأمره فعاد لها.
فلما دخلوا وسلّموا تسليم أهل الإيمان، ولم يسجدوا له، فقال عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد: ألم نبين لك خبر القوم، فلما سمع النجاشيّ ذلك أقبل عليهم، فقال: أخبروني أيها الرّهط ما جاء بكم؟
وما شأنكم؟ ولم أتيتموني ولستم بتجار ولا سؤّال؟ وما نبيكم الّذي خرج؟ وأخبروني ما لكم؟ لم لا تحيّوني كما يحييني من أتاني من أهل بلدكم؟ وأخبروني ما تقولون في عيسى ابن مريم؟
فقام جعفر بن أبي طالب- وكان خطيب القوم- فقال: إنما كلامي ثلاث كلمات، إن صدقت فصدقني، وإن كذبت فكذّبني، فأمر أحدا من هذين الرجلين فليتكلم ولينصت الآخر، قال عمرو: أنا أتكلم، قال النجاشيّ: أنت يا جعفر فتكلم قبله.
فقال جعفر: إنما كلامي ثلاث كلمات، سل هذا الرجل أعبيد نحن أبقنا من أربابنا؟ فقال النجاشيّ:
أعبيد هم يا عمرو؟ قال عمرو: بل أحرار كرام، قال جعفر: سل هذا الرجل هل أهرقنا دما بغير حقّه؟
فادفعنا إلى أهل الدم. فقال: هل أهرقوا دما بغير حقه؟ فقال: ولا قطرة واحدة من دم. ثم قال جعفر:
سل هذا الرجل أخذنا أموال الناس بالباطل؟ فعندنا قضاء؟ فقال النجاشيّ: يا عمرو، إن كان على هؤلاء قنطار من ذهب فهو عليّ. فقال عمرو: ولا قيراط، فقال النجاشي: ما تطالبونهم به؟ قال عمرو: فكنا نحن وهم على دين واحد، وأمر واحد، فتركوه ولزمناه.
فقال النجاشيّ: ما هذا الّذي كنتم عليه فتركتموه وتبعتم غيره؟
فقال جعفر: أما الّذي كنا عليه فدين الشيطان، وأمر الشيطان، نكفر باللَّه ونعبد الحجارة، وأما الّذي نحن عليه فدين اللَّه ، نخبرك أن اللَّه بعث إلينا رسولا كما بعث إلى الذين من قبلنا، فأتانا بالصدق والبر، ونهانا عن عبادة الأوثان، فصدّقناه وآمنا به واتبعناه، فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا، وأرادوا قتل النبي الصادق، وردّنا في عبادة الأوثان، ففررنا إليك بديننا ودمائنا، ولو أقرّنا قومنا لاستقررنا، فذلك خبرنا.
وأما شأن التحية: فقد حيّيناك بتحية رسول اللَّه ﷺ ، والّذي يحييّ به بعضنا بعضا،
أخبرنا رسول اللَّه ﷺ أن تحية أهل الجنة السلام
فحييناك بالسلام، وأما السجود، فمعاذ اللَّه أن نسجد إلا للَّه، وأن نعدلك به.
وأما في شأن عيسى ابن مريم: فإن اللَّه أنزل في كتابه على نبينا، أنه رسول قد خلت من قبله الرسل، ولدته الصديقة العذراء البتول الحصان، وهو روح اللَّه وكلمته ألقاها إلى مريم، وهذا شأن عيسى ابن مريم.
فلما سمع النجاشيّ قول جعفر أخذ بيده عودا، ثم قال لمن حوله: صدق هؤلاء النفر، وصدق نبيّهم، واللَّه ما يزيد عيسى ابن مريم على ما يقول هذا الرجل ولا وزن هذا العود، فقال لهم النجاشيّ: امكثوا فإنكم
стр. 79
وقد ذكر محمد بن إسحاق فيمن هاجر إلى الحبشة أبا موسى الأشعري، وأنكر ذلك الواقدي وغيره. وهذا ظاهر لا يخفى على من دون ابن إسحاق، فإن أبا موسى إنما هاجر من اليمن إلى الحبشة إلى عند جعفر، كما ثبت في الصحيح وغيره. وقد قيل إن قريشا بعثت عمرو بن العاص وعبد اللَّه بن أبي ربيعة بعد وقعة بدر، فلما
стр. 80
سمع رسول اللَّه ﷺ ببعث قريش عمرا وابن أبي [ (١) ] ربيعة، بعث عمرو بن أمية الضمريّ وكتب معه إلى النجاشي، فقرأ كتابه ثم دعا جعفر بن أبي طالب، فقرأ عليهم سورة مريم، فآمنوا.
هذا قول سعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير. وقال أبو الأسود عن عروة:
إن بعثتهم عمرو بن العاص كانت عند خروج المهاجرين إلى الحبشة، وكان بين خروج المهاجرين إلى الحبشة وبين وقعة بدر خمس سنين وأشهر. وقيل: كانت بعثتهم عمرو بن العاص مرتين، مرة مع عمارة بن الوليد [ (٢) ] ومرة مع عبد اللَّه بن أبي ربيعة بن المغيرة، قاله أبو نعيم الحافظ.
أعداء رسول اللَّه من قريش
هذا، ورسول اللَّه ﷺ مقيم بمكة يدعو إلى اللَّه، وكفار قريش تظهر حسده وتبدي صفحتها في عداوته وأذاه، وتخاصم وتجادل وتردّ من أراد الإسلام عنه.
وكان أشد قريش عداوة لرسول اللَّه ﷺ جيرانه، وهم: أبو جهل بن هشام بن المغيرة، وعمه أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة وهو ابن خال رسول اللَّه ﷺ ، والحارث بن قيس ابن عدي بن سعد بن سهم السهمي، والوليد بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم، وأميّة وأبىّ ابنا خلف بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص ابن كعب بن لؤيّ، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والعاص بن وائل بن هاشم [ (٣) ] ابن سعيد بن سهم السّهمي والد عمرو بن العاص، والنّضر بن الحارث بن علقمة ابن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار، ومنبّه ونبيه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة ابن سعيد [ (٤) ] بن سهم بن عمرو بن هصيص، وزهير بن أبي أمية حذيفة بن المغيرة، وهو ابن عمة [ (٥) ] رسول اللَّه ﷺ ، والعاص بن سعيد العاص بن أمية، وعدّى بن
стр. 81
الحمراء الخزاعيّ، وأبو البختري العاص بن هشام بن (الحارث) [ (١) ] بن أسد بن عبد العزى، وعقبة بن أبي معيط أبان بن أبي عمرو بن أمية، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزّى، وابن الأصداء [ (٢) ] الهذلي، والحكم بن أبي العاص بن أمية، وعتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، وشيبة بن ربيعة بن عبد شمس ابن عبد مناف، (وطعيمة بن عديّ) [ (٣) ] أخو مطعم بن عديّ، والحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف [ (٤) ] ، والحارث بن مالك (وقيل: عمرو، وهو ابن الطّلاطلة، وهي أمه) [ (٥) ] ابن عمرو بن الحارث (وهو غبشان) بن عبد عمر بن بوىّ بن ملكان [ (٦) ] ، وركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب [ (٧) ] ، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي.
وكان الذين تنتهي إليهم عداوة رسول اللَّه ﷺ : أبو جهل، وأبو لهب، وعقبة بن أبي (معيط) [ (٨) ] . وكان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب [ (٩) ] ، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، ذوي عداوة للنّبيّ ﷺ ، لكنهم لم يكونوا يفعلون كما فعل هؤلاء، فلما أسلم حمزة بن عبد المطلب، عرفت قريش أن رسول اللَّه ﷺ قد عزّ، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه.
стр. 82
إسلام عمر بن الخطاب
وأسلم عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزّى بن رباح بن عبد اللَّه بن قرط ابن رزاح بن عديّ بن كعب القرشي العدوي ﵁، ويقال: إنه أسلم بعد تسعة وأربعين رجلا وثلاث وعشرين امرأة، وقيل: أسلم بعد أربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة، وقيل: أسلم بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى وعشرين امرأة، وقيل: أسلم بعد ثلاثة وثلاثين رجلا، وكان إسلامه بعد هجرة الحبشة، وكان المسلمون لا يقدرون يصلون عند الكعبة.
عزّ الإسلام بعمر وحمزة
فلما أسلم عمر ﵁ قاتل قريشا حتى صلى عندها، وصلى معه المسلمون، وقد قووا بإسلامه وإسلام حمزة ﵄، وجهروا بالقرآن ولم يكونوا قبل ذلك يقدرون أن يجهروا به، ففشا الإسلام وكثر المسلمون.
أمر الصحيفة
وبلغ أهل مكة فعل النجاشي بالقادمين عليه وإكرامهم، فساء ذلك قريشا وائتمروا في أن يكتبوا بينهم كتابا يتعاقدون فيه ألا يناكحوا بني هاشم وبني المطلب ولا يبايعوهم ولا يكلموهم ولا يجالسوهم حتى يسلموا إليهم محمدا ﷺ .
وكتبوا بذلك صحيفة وختموا عليها ثلاثة خواتيم، وعلقوها في سقف الكعبة.
وقيل: بل كانت عند أمّ الجلاس مخرّبة [ (١) ] الحنظلية خالة أبي جهل، ذكره ابن سعد [ (٢) ] ، وعند ابن عقبة: كانت عند هشام بن عبد العزى. فيقال: كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هشام عبد مناف، ويقال: النّضر بن الحارث، ويقال: بغيض بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ، فدعا عليه رسول اللَّه ﷺ فشلت يده.
стр. 83
انحياز بني هاشم وبني المطلب إلى شعب أبي طالب
وانحازت بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم ليلة هلال المحرم سنة سبع من النبوة- إلا أبا لهب وولده. فإنّهم ظاهروا قريشا على بني هاشم- فصاروا في شعب أبي طالب محصورين مضيقا عليهم أشد التضييق نحوا من ثلاث سنين، وقد قطعوا عنهم الميرة [ (١) ] والمادة فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم حتى بلغهم الجهد، وكان حكيم بن حزام [ (٢) ] بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي تأتيه العير تحمل الحنطة من الشام فيقبلها [ (٣) ] الشّعب ثم يضرب أعجازها فتدخل عليهم فيأخذون ما عليها من الحنطة.
الهجرة الثانية إلى الحبشة
ثم هاجر المسلمون ثانيا إلى أرض الحبشة وعدتهم ثلاثة وثمانون رجلا- إن كان عمار بن ياسر فيهم-[ (٤) ] وثماني عشرة امرأة.
نقض الصحيفة
ثم سعى في نقض الصحيفة أقوام من قريش. وكان أحسنهم في ذلك بلاء هشام ابن عمرو (بن ربيعة) [ (٥) ] بن الحارث بن حبيّب بن جذيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ، مشى في ذلك إلى زهير بن أبي أمية، وإلى مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وإلى أبي البحتري بن هشام، وإلى زمعة بن الأسود بن المطلب ابن أسد، وكان سهل بن بيضاء [ (٦) ] الفهري هو الّذي مشى إليهم حتى اجتمعوا
стр. 84
عليه، واتّعدوا [ (١) ] خطم الحجون [ (٢) ] بأعلى مكة، وتعاهدوا هناك على القيام في نقض الصحيفة، وما زالوا حتى شقوها، فإذا الأرضة قد أكلتها إلا ما كان من «باسمك اللَّهمّ» . وكان رسول اللَّه ﷺ قد أخبر عمه أبا طالب بأن اللَّه قد أرسل على الصحيفة الأرضة فأكلت جميع ما فيها إلا ذكر اللَّه تعالى.
وعن موسى بن عقبة عن الزّهري أن النبي قال لعمه: إن الأرضة لم تترك اسما للَّه إلا لحسته، وبقي فيها ما كان من (جور) [ (٣) ] أو ظلم أو قطيعة رحم.
فلما خرج رسول اللَّه ﷺ ومن معه من الشعب كان له من العمر تسع وأربعون سنة، وكان خروجهم في السنة العاشرة، وقيل: مكثوا في الشعب سنتين، ويقال: إن رجوع من كان مهاجرا بالحبشة إلى مكة كان بعد الخروج من الشعب.
موت خديجة وأبي طالب (عام الحزن)
ومات عقيب ذلك أبو طالب وخديجة، فمات أبو طالب أوّل ذي القعدة، وقيل: في نصف شوال، ولرسول اللَّه من العمر تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوما، وماتت خديجة ﵂ قبله بخمسة وثلاثين يوما، وقيل:
كان بينهما خمسة وخمسون يوما، وقيل: ثلاثة أيام، وقيل: كان موتهما بعد الخروج من الشّعب بثمانية أشهر وأحد وعشرين يوما،
فعظمت المصيبة على رسول اللَّه ﷺ بموتهما وسمّاه «عام الحزن» وقال: ما نالت قريش مني شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب،
لأنه لم يكن في عشيرته وأعمامه- حاميا له ولا ذابا عنه- (غير أبي طالب) [ (٤) ] .
خروجه إلى الطائف
فخرج ومعه زيد بن حارثة إلى الطائف في شوال سنة عشر من النبوة يلتمس من ثقيف النصر لأنهم كانوا أخواله، فكلّم سادتهم، وهم: عبد ياليل ومسعود
стр. 85
وحبيب بنو عمر بن عمير، ودعاهم إلى نصره والقيام معه على من خالفه. فردّوا عليه ردا قبيحا، وأغروا به سفاءهم، فجعلوا يرمونه بالحجارة حتى إن رجلي رسول اللَّه ﷺ لتدميان، وزيد يقيه بنفسه حتى لقد شجّ في رأسه شجاجا، فرجع عنهم يريد مكة، حتى إذا كان بنخلة [ (١) ] قام يصلي من جوف الليل.
إسلام النفر من جنّ نصيبين
فمر به من جن نصيبين اليمن سبعة نفر فاستمعوا إليه (وهو يقرأ القرآن ثم ولّوا- بعد فراغه من صلاته) [ (٢) ]- إلى قومهم منذرين، قد آمنوا فأجابوا.
إقامته بنخلة
وأقام بخلة أياما،
فقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم مكة وهم أخرجوك؟ فقال: يا زيد، إن اللَّه جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن اللَّه ناصر دينه ومظهر نبيه.
ويقال: كان إيمان الجن برسول اللَّه ﷺ وله من العمر خمسون سنة وثلاثة أشهر، وذكر ابن إسحاق أن إسلام الجن قبل الهجرة بثلاث سنين.
عودته إلى مكة في جوار المطعم بن عديّ
ويقال: إن رسول اللَّه ﷺ لما عاد من الطائف وانتهى إلى حراء بعث رجلا من خزاعة إلى المطعم بن عدي ليجيره حتى يبلغ رسالة ربه فأجاره.
إسلام الطفيل الدوسيّ ذي النور
ودخل رسول اللَّه ﷺ مكة فأقام بها وجعل يدعو إلى اللَّه، فأسلم (الطفيل) [ (٣) ] بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم [ (٤) ] بن فهم الدوسيّ، ودعا له رسول اللَّه ﷺ أن يجعل اللَّه له آية، فجعل اللَّه له في وجهه
стр. 86
نورا، فقال: يا رسول اللَّه، أخشى أن يقولوا هذا مثلة، فدعا له فصار النور في سوطه، فهو المعروف بذي النور.
إسلام بيوت من دوس
ودعا الطفيل قومه دوسا إلى اللَّه، فأسلم بعضهم، وأقام في بلاده حتى قدم على) [ (١) ] رسول اللَّه ﷺ بعد فتح خيبر في نحو ثمانين بيتا.
الإسراء والمعراج وفرض الصلوات
(ثم أسري) [ (٢) ] برسول اللَّه ﷺ بجسده- على الصحيح من قول صحابة- من المسجد الحرام إلى بيت المقدس راكبا البراق صحبة جبريل عليه سلام، فنزل ثم (أمّ) [ (٣) ] بالأنبياء ﵈ ببيت المقدس فصلى بهم. ثم عرج تلك الليلة من هناك إلى السموات السبع ورأى بها الأنبياء على منازلهم، ثم عرج إلى سدرة المنتهى ورأى جبريل ﵇ على الصورة التي خلقه اللَّه بها، وفرضت) [ (٤) ] عليه الصلوات الخمس تلك الليلة.
وكان الإسراء في قول محمد بن شهاب الزّهري قبل الهجرة بثلاث سنين، قيل: بسنة واحدة، وقيل: وله من العمر إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر، قيل: كان الإسراء بين بيعتي الأنصار في العقبة، وقيل: كان بعد المبعث بخمسة عشر شهرا، وقال الحربي: كان ليلة سبعة وعشرين من ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة.
وعورض من قال: إنه كان قبل الهجرة بسنة، بأن خديجة صلت معه بلا خلاف، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، والصلاة إنما فرضت ليلة الإسراء، وأجيب بأن صلاة خديجة كانت غير المكتوبة، بدليل حديث مسلم [ (٥) ] أنه صلى ببيت المقدس ركعتين قبل أن يعرج إلى السماء، فتبين أن الصلاة كانت مشروعة
стр. 87
في الجملة، كما كان قيام الليل واجبا قبل الإسراء بلا خلاف، وفي رواية عن الزهري: كان بعد المبعث.
ومما يقوي قول الحربي أنه عين الليلة من الشهر من السنة، فإذا تعارض خبران أحدهما فصّل القصة والآخر أجملها، ترجحت رواية من فصّل بأنه أوعى لها.
وقال ابن إسحاق: أسري برسول اللَّه ﷺ وقد فشا الإسلام بمكة والقبائل، ويقال كان ليلة السبت لسبع عشر خلت من رمضان، قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا، وهو ﷺ نائم في بيته ظهرا. وقيل: كان ليلة سبع عشرة من ربيع الأول قبل الهجرة من شعب أبي طالب، وكانت سنّه ﷺ حين الإسراء اثنتين وخمسين سنة [ (١) ] .
وقيل- وقد حكي عن حذيفة وعائشة ومعاوية ﵃: إن الإسراء كان بروحه ﷺ ، وقيل: كان بجسده إلى بيت المقدس، ومن هناك إلى السموات بروحه. وقيل: أسري به وهو نائم في الحجر، وقيل: كان في بيت أم هانئ بنت أبي طالب، وفرضت الصلوات الخمس ركعتين ركعتين، وإنما كانت قبل الإسراء صلاة بالعشي، ثم صارت صلاة بالغداة وصلاة بالعشي ركعتين ركعتين.
فلم يرع برسول اللَّه ﷺ إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس من صبيحة ليلة الإسراء فصلى به الظهر، ولهذا سميت الأولى، ثم صلى بقية الخمس في أوقاتها فصارت بعد الإسراء خمسا ركعتين ركعتين حتى أتمت أربعا بعد الهجرة إلى المدينة بشهر. وقد اختلف أهل العلم: هل رأى محمد ﷺ ربه ليلة الإسراء أم لا؟ فلما أصبح ﷺ في قومه بمكة أخبرهم بما أراه اللَّه من آياته، فاشتد تكذيبهم له وأذاهم إياه واستضراؤهم عليه، وارتدّ جماعة ممن كان أسلم وسألوه أمارة، فأخبرهم بقدوم عير يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتى كادت الشمس أن تغرب، فدعا اللَّه فحبس الشمس حتى قدموا كما وصف، قال ابن إسحاق: ولم تحبس الشمس إلا له ذلك اليوم وليوشع بن نون.
стр. 88
عرض نفسه على القبائل
(ثم عرض) [ (١) ] نفسه على القبائل أيام الموسم ودعاهم إلى الإسلام، وهم:
بنو عامر، وغسّان، وبنو فزارة، وبنو مرّة، وبنو حنيفة، وبنو سليم، وبنو عبس، وبنو نصر، وثعلبة بن عكابة، وكندة، وكلب، وبنو الحارث بن كعب، وبنو عذرة، وقيس بن الخطيم [ (٢) ] ، وأبو الحيسر أنس بن أبي رافع [ (٣) ] . وقد اقتص الواقدي أخبار هذه القبائل قبيلة قبيلة، ويقال:
إنه ﷺ بدأ بكندة فدعاهم إلى الإسلام، ثم أتى كلبا، ثم بني حنيفة، ثم بني عامر، وجعل يقول: من رجل يحملني إلى قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي؟
هذا، وعمه أبو لهب وراءه يقول للناس: لا تسمعوا منه فإنه كذّاب! وكان أحياء العرب يتحامونه لما يسمعون من قريش فيه: إنه كاذب، إنه ساحر، إنه كاهن، إنه شاعر!! أكاذيب يقترفونه بها حسدا من عند أنفسهم وبغيا، فيصغي إليهم من لا تمييز له من أحياء العرب. وأما الألباء فإنّهم إذا سمعوا كلامه ﷺ وتفهّموه شهدوا بأن ما يقوله حقّ وصدق، وأن قومه يفترون عليه الكذب، فيسلمون.
أول أمر الأنصار
وكان مما صنع اللَّه للأنصار- وهم الأوس والخزرج- أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم بني قريظة والنّضير- يهود المدينة- أن نبيا مبعوث في هذا الزمان، ويتوعّدون الأوس والخزرج به إذا حاربوا فيقولون: إنا سنقتلكم معه قتل عاد وإرم.
وكانت الأنصار- وهم الأوس والخزرج- تحج البيت فيمن يحجه من العرب، فلما رأوا رسول اللَّه ﷺ يدعو الناس إلى اللَّه رأوا أمارات الصدق عليه لائحة، فقالوا: واللَّه هذا الّذي توعّدكم يهود به فلا تسبقنكم إليه.
стр. 89
سويد بن الصامت
وكان سويد بن الصامت [ (١) ] بن خالد بن عطية بن حبيب بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأوسي، وهو ابن خالة عبد المطلب بن هاشم: أمه ليلى بنت عمرو من بني عديّ بن النجار، وهي خالة عبد المطلب بن هاشم، قد قدم مكة فدعاه رسول اللَّه ﷺ وقرأ عليه القرآن، فلم يبعد منه ولم يجب، ثم قدم إلى المدينة فقتل في بعض حروبهم يوم بعاث [ (٢) ] .
إسلام إياس بن معاذ
ثم قدم أبو الحيسر أنس، وقيل: بشر بن رافع «مكة» في فتية من قومه بني عبد الأشهل يطلبون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، فأتاهم رسول اللَّه ﷺ ودعاهم إلى الإسلام، فقال منهم إياس بن معاذ- وكان شابا حدثا-:
يا قوم واللَّه خير مما جئنا له، فضرب أبو الحيسر وجهه وانتهره فسكت. وقام رسول اللَّه ﷺ ، وانصرف القوم إلى المدينة ولم يتمّ لهم حلف، فمات إياس مسلما فيما يقال [ (٣) ] .
أصحاب العقبة الأولى
ثم إن رسول اللَّه ﷺ لقي عند العقبة من منى في الموسم ستة نفر، كلهم من الخزرج، وهم يحلقون رءوسهم، فجلس إليهم فدعاهم إلى اللَّه وقرأ عليهم القرآن، فقال بعضهم لبعض: إنه النبي الّذي توعدكم [ (٤) ] به يهود فلا تسبقنّكم إليه، فاستجابوا للَّه ولرسوله وآمنوا وصدّقوا، وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة بن
стр. 90
عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، وعوف بن الحارث بن رفاعة ابن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم (ويقال له: عوف بن عفراء) ، ورافع ابن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق، وقطبة بن عامر بن حديدة (ويقال: قطبة بن عمرو بن حديدة) بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن الخزرج، وعقبة بن عامر بن نابي [ (١) ] بن حرام، وجابر بن عبد اللَّه رياب [ (٢) ] بن النعمان بن سنان بن عبيد بن عديّ بن غنم بن كعب بن سلمة، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا مبادرة إلى الخير.
إسلام الأنصار
ثم رجعوا إلى قومهم بالمدينة فذكروا لهم رسول اللَّه ﷺ ، ودعوهم إلى الإسلام، ففشا فيهم، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول اللَّه ﷺ .
أمر العقبة الثانية
فلما كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر- منهم تسعة من الخزرج، وهم: أسعد بن زرارة، وعوف بن عفراء، ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر، ومعاذ بن الحارث بن رفاعة (أخو عوف بن عفراء) ، وذكوان بن عبد القيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق، وعبادة بن الصامت ابن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، ويزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمارة (ويقال:
يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمارة من بني فران (بن بلي) [ (٣) ] ابن عمرو بن الحاف بن قضاعة وكنيته أبو عبد الرحمن- وثلاثة من الأوس، وهم:
أبو الهيثم مالك بن التيهان بن مالك بن عبيد بن عمرو بن عبد الأعلم (وكان يقال
стр. 91
لأبي الهيثم: ذو السيفين من أجل أنه كان يتقلد بسيفين في الحرب) ، وعويم بن ساعدة بن عائش بن قيس بن النعمان بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف ابن عمرو بن عوف، والبراء بن معرور [ (١) ] بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد ابن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة- فأسلموا.
بيعة العقبة الثانية
وقد كان معه ﷺ حينئذ أبو بكر وعلي ﵄، فبايعوه عند العقبة على الإسلام كبيعة النساء [ (٢) ] ، وذلك قبل أن يؤمر بالقتال فبعث معهم رسول اللَّه ﷺ مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدريّ [ (٣) ] ، ويقال: وعبد اللَّه بن أم مكتوم، ليعلّما من أسلم القرآن ويدعوا [ (٤) ] إلى اللَّه.
إسلام بني عبد الأشهل
فنزلا بالمدينة على أبي أمامة أسعد بن زرارة فخرج بهما إلى دار بني ظفر، واجتمع عليهما رجال ممن أسلم، فأتاهم أسيد بن حضير الكتائب بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، وسعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس ابن زيد بن عبد الأشهل، وهما سيّدا بني عبد الأشهل. فدعاهما مصعب إلى الإسلام فهداهما اللَّه وأسلما، ودعيا قومهما إلى اللَّه، فما أمسى في دار عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا وقد أسلموا- إلا الأصيرم عمرو بن ثابت بن وقش- فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد.
أول المهاجرين بالمدينة
ويقال: أول من قدم من المهاجرين المدينة مصعب بن عمير، ثم أتى بعده عمرو
стр. 92
ابن أم مكتوم [ (١) ] . ولم يزل مصعب بن عمير يدعو إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها عدّة مسلمون- إلا بني أمية بن زيد (وخطمة) ووائل وواقف، فإنّهم تأخر إسلامهم.
أول من جمّع بالمسلمين
وكان مصعب يؤمّ بمن أسلم، وجمع بهم يوما وهم أربعون نفسا في هزم حرة نقيع الخضمات [ (٢) ] ، وبهذا جزم أبو محمد بن حزم.
وعند ابن إسحاق: أن أول من جمع بهم أسعد بن زرارة، ثم عاد إلى مكة وأخبر رسول اللَّه ﷺ بمن أسلم، فسرّه ذلك.
بيعة العقبة الأخيرة
ثم كانت بيعة العقبة ثانيا وقد وافى الموسم خلق من الأنصار ما بين مشرك ومسلم، وزعيمهم البراء بن معرور. فتسلل منهم جماعة مستخفين لا يشعر بهم أحد، واجتمعوا برسول اللَّه ﷺ في ذي الحجة وواعدوه أوسط أيام التشريق بالعقبة وهم ثلاثة وسبعون [ (٣) ] رجلا وامرأتان هما: أم عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو [ (٤) ] وأسماء بنت عمر بن عدي بن نابي.
وجاءهم رسول اللَّه ﷺ ومعه عمه العباس، وهو على دين قومه، وأبو بكر وعليّ ﵄، فأوقف العباس عليا على فم الشّعب عينا له، وأوقف أبا بكر على فم الطريق الآخر عينا له، وتكلم العباس أولا يتوثق لرسول اللَّه ﷺ [فقال: يا معشر الخزرج، إن محمدا منا حيث علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، وهو في عز ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز
стр. 93
إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده. قالت الأنصار: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول اللَّه فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. فتكلم رسول اللَّه ﷺ فتلا] [ (١) ] القرآن ورغبهم في الإسلام، وشرط عليهم أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم. فأخذ البراء بن معرور بيد رسول اللَّه ﷺ وقال: والّذي بعثك لنمنعك مما نمنع منه أزرنا [ (٢) ] ، فبايعنا يا رسول اللَّه، فنحن واللَّه أهل الحرب. فاعترض الكلام أبو الهيثم بن تيهان فقال: يا رسول اللَّه إننا بيننا وبنى الناس حبالا وإنا قاطعوها، فهل عسيت [ (٣) ] إن أظهرك اللَّه أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
فتبسم ﷺ وقال: أنتم مني وأنا منكم، أسالم من سالمتم، وأحارب من حاربتم، في كلام آخر.
وتكلم العباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم ابن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، فأحسن ما شاء في شد العقد لرسول اللَّه ﷺ فقالوا: ابسط يدك. فبايعوه.
أول من بايع
وكان أوّلهم مبايعة أبو أمامة أسعد بن زرارة، وقيل: أو الهيثم بن التّيهان، وقيل: البراء بن معرور، وقيل: إن العباس بن عبد المطلب هو الّذي كان يأخذ عليهم البيعة. وكانت بيعتهم على أن يمنعوه ﷺ مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأزرهم [ (٤) ] .
أمر النقباء الاثني عشر
وأقام ﷺ منهم اثنى عشر نقيبا هم: أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك الأغرّ [ (٥) ] ، (وعبد اللَّه بن رواحة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة
стр. 94
ابن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج) [ (١) ] ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء بن معرور، وعبد اللَّه بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة [ (٢) ] (وهو والد جابر بن عبد اللَّه وقد أسلم ليلتئذ) ، وسعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي سلمة (ويقال ابن أبي حزيمة) بن ثعلبة ابن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج، والمنذر بن عمرو بن خنيس ابن حارثة بن لوازن بن عبد ودّ بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب ابن الخزرج، وعبادة بن الصامت، فهؤلاء تسعة من الخزرج. ومن الأوس ثلاثة:
أسيد بن الحضير، وسعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النحاط [ (٣) ] ابن كعب بن حارثة بن غنم بن السّلم [ (٤) ] بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس، ورفاعة بن عبد المنذر بن زنير [ (٥) ] بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف ابن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس (وهو أبو لبابة، وقيل اسمه مبشر [ (٦) ] بن عبد المنذر) ، ويقال: بل الثالث من الأوس: أبو الهيثم مالك بن التّيهان [ (٧) ] ، وكانت هذه البيعة على حرب الأحمر والأسود [ (٨) ] ،
فلما تمت بيعتهم استأذنوا رسول اللَّه ﷺ أن يميلوا على أهل منى بأسيافهم، فقال: لم نؤمر بذلك. فرجعوا وعادوا إلى المدينة.
بدء الهجرة إلى المدينة
واشتد الأذى على من بمكة من المسلمين فأذن لهم رسول اللَّه ﷺ في الهجرة
стр. 95
إلى المدينة، فبادروا إلى ذلك وتجهزوا إلى المدينة في خفاء [ (١) ] وستر وتسللوا، (فيقال: إنه كان بين أولهم وآخرهم أكثر من سنة) وجعلوا يترافدون [ (٢) ] بالمال والظهر ويترافقون. وكان من هاجر من قريش وحلفائهم (يستودع دوره وماله) [ (٣) ] رجلا من قومه، فمنهم من حفظ من أودعه، ومنهم من باع، فممن حفظ وديعته [ (٤) ] هشام بن الحارث بن حبيب، فمدحه حسان.
أوّل من هاجر بعد العقبة الأخيرة
وخرج أول الناس أبو سلمة عبد اللَّه بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم [ (٥) ] ، ومعه امرأته أم سلمة [ (٦) ] هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم، فاحتبست دونه ومنعت من اللحاق به، ثم هاجرت بعد سنة، وقيل: بل هاجر أبو سلمة ﵁ قبل العقبة الأخيرة. وقيل: أول من هاجر مصعب بن عمير [ (٧) ] ثم هاجر عمار بن ياسر، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وبلال، ثم هاجر عمر بن الخطاب في عشرين راكبا، ثم تلاحق المسلمون بالمدينة يخرجون من مكة أرسالا [ (٨) ] حتى لم يبق بمكة إلا رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب ﵄ أقاما بأمره لهما- وإلا من اعتقله المشركون كرها.
ائتمار قريش به ﷺ وخروجه واستخلافه عليا
فحذرت قريش خروج رسول اللَّه ﷺ واشتوروا بدار الندوة، وكانوا خمسة عشر رجلا، وقيل: كانوا مائة رجل، أيحسبوه في الحديد ويغلقوا عليه بابا؟ أو يخرجوه من مكة؟ أو يقتلوه؟ ثم اتفقوا على قتله. ويسمى اليوم الّذي اجتمعوا
стр. 96
فيه يوم الزحمة [ (١) ] ، فأعلمه اللَّه بذلك.
فلما كان العتمة اجتمعوا على باب رسول اللَّه ﷺ يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه. فلما رآهم ﷺ أمر عليا بن أبي طالب ﵁ أن ينام على فراشه ويتشح [ (٢) ] ببرده الحضرميّ الأخضر، وأن يؤدي ما عنده من الودائع والأمانات ونحو ذلك.
فقام عليّ مقامه ﵇ وغطي ببرد أخضر، فكان أول من شرى نفسه [ (٣) ] وفيه نزلت: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [ (٤) ] وخرج ﷺ وأخذ حفنة من تراب وجعله على رءوسهم وهو يتلو الآيات من:
يس* وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [ (٥) ] إلى قوله: فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [ (٥) ] . فطمس اللَّه تعالى أبصارهم فلم يروه، وانصرف. وهم ينظرون عليا فيقولون: إن محمدا لنائم، حتى أصبحوا، فقام علي من الفراش [ (٦) ] ، فعرفوه. وأنزل اللَّه تعالى في ذلك:
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [ (٧) ] ،
وسأل أولئك الرهط عليا ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ فقال: لا أدري،
أمرتموه بالخروج فخرج، فضربوه وأخرجوه إلى المسجد فحبسوه ساعة ثم (دخلوا عليه) [ (٨) ] فأدى أمانة رسول اللَّه ﷺ .
هجرة الرسول وأبي بكر
ولما خرج ﷺ أتى أبا بكر فأعلمه أنه يريد الهجرة. وقد جاء أنه أتى أبا بكر بالهاجرة [ (٩) ] وأمره أن يخرج من عنده، وأعلمه أن اللَّه قد أذن له في الخروج،
فقال أبو بكر ﵁: الصحبة يا رسول اللَّه؟ قال: الصحبة.
فبكى من
стр. 97
الفرح. فاستأجر عبد اللَّه بن أريقط الليثي من بني الدّئل من بني عبد بن عديّ، ليدلهما على الطريق. وخرجا من خوخة [ (١) ] في بيت أبي بكر، ومضيا إلى غار بجبل ثور، فلم يصعدا الغار حتى قطرت قدما رسول اللَّه ﷺ دما، لم يتعود الحفية ولا الرعية ولا الشقوة [ (٢) ] ، وعادت قدما أبي بكر كأنهما صفوان.
وعمّى اللَّه على قريش خبرها فلم يدروا أين ذهبوا. وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يريح [ (٣) ] عليهما غنمه، وكانت أسماء ابنة أبي بكر ﵂ تحمل لهما الزاد إلى الغار، وكان عبد اللَّه بن أبي بكر يتسمع لهما ما يقال عنهما بمكة ثم يأتيهما بذلك.
وجاءت قريش في طلبهما إلى ثور وما حوله، ومرّوا على باب الغار وحاذت أقدامهم رسول اللَّه ﷺ وأبا بكر ﵁، وقد نسج العنكبوت وعششت حمامتان على باب الغار، وذلك تأويل قوله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها [ (٤) ] .
وبكى أبو بكر ﵁ وقال: يا رسول اللَّه، لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لرآنا. فقال له: يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللَّه ثالثهما؟.
وعمّى اللَّه على قريش، وقد قفا [ (٥) ] كرز بن علقمة بن هلال بن جريبة [ (٦) ] بن عبد نهم [ (٧) ] بن حليل بن حبشيّة أثر النبي ﷺ حتى انتهى إلى الغار، فرأى عليه نسج العنكبوت، فقال: ها هنا انقطع الأثر، فلم يهتدوا إليهما، ورجعوا فنادوا بأعلى مكة وأسفلها: من قتل محمدا وأبا بكر فله مائة من الإبل.
ويقال: جعلوا لمن جاء بأحدهما أو قتله ديته، فلما مضت ثلاث لرسول اللَّه ﷺ وأبي بكر وهما في الغار أتاهما دليلهما، وقد سكن الطلب عنهما ومعهما بعيرهما، فأخذ رسول اللَّه ﷺ أحدهما من أبي بكر ﵁ بالثمن، وقد
стр. 98
كان أبو بكر قد أعدّهما قبل ذلك، وأعد جهازه وجهاز رسول اللَّه ﷺ منتظرا متى يأذن اللَّه لرسوله في الخروج، وعلف ناقتيه أربعة أشهر، فركب رسول اللَّه ﷺ الجدعاء.
وروي في حديث مرسل أن النبي ﷺ قال: مكثت مع صاحبي في الغار بضعة عشر يوما، ما لنا طعام إلا البرير (يعني الأراك) ،
وخرجا من الغار سحر ليلة الاثنين لأربع خلون من ربيع الأول، وقيل: أول يوم منه، وقيل: كانت هجرته في صفر، وسنه ﷺ ثلاث وخمسون سنة على الصحيح، وقيل: خمس وخمسون، وقيل: خمسون، ومعهما سفرة أتت بها أسماء ابنة أبي بكر. وكان خروجه من الغار في الصبح، فصلى ﵇ بأصحابه جماعة، فكان ﷺ أول من (جمع بالمسلمين في صلاة الفجر) [ (١) ] وساروا وقد أردف أبو بكر ﵁ عامر بن فهيرة، وسار عبد اللَّه بن أريقط أمامهما على راحلته حتى قالوا يوم الثلاثاء بقديد، وذلك بعد العقبة بشهرين وليال. وقال الحاكم [ (٢) ] : بثلاثة أشهر أو قريبا منها، وقال الليث: حدثني عقيل عن ابن شهاب [ (٣) ] أنه قال: كان بين ليلة العقبة وبين مهاجرة رسول اللَّه ﷺ ثلاثة أشهر أو قريب منها. كانت بيعة الأنصار رسول اللَّه ليلة العقبة في ذي الحجة، وكان عمره لما هاجر ثلاث وخمسون سنة.
خبر سراقة
ولما مروا بحيّ مدلج بصر بهم سراقة بن مالك بن جعشم بن مالك بن عمرو ابن تيم بن مدلج [ (٤) ] ، فركب جواده ليأخذهم، حتى إذا قرب من رسول اللَّه ﷺ
стр. 99
وسمع قراءته ساخت يدا فرسه في الأرض إلى بطنها، وكانت أرضا صلبه، وثار من تحتها مثل الدخان، فقال: ادع لي يا محمد ليخلصني اللَّه، ولك علي أن أراد عنك الطلب فدعا له، فتخلص فعاد يتبعهم، فدعا عليه الثانية، فساخت قوائم فرسه أشد من الأول. فقال: يا محمد، قد علمت أن هذا من دعائك عليّ، فادع لي ولك عهد اللَّه أن أردّ عنك الطلب، فدعا له فخلص،
وقرب من النبي ﷺ وقال: يا رسول اللَّه خذ سهما من كنانتي فإن إبلي بمكان كذا فخذ منها ما أحببت. فقال: لا حاجة لي في إبلك. فلما أراد أن يعود عنه قال: كيف بك يا سراقة إذا سوّرت بسواري كسرى! قال: كسرى بن هرمز! قال: نعم.
وسأل سراقة أن يكتب له رسول اللَّه ﷺ كتابا، فكتب له أبو بكر ﵁، ويقال: بل كتب له عامر بن فهيرة، في أديم [ (١) ] ورجع يقول للناس: قد كفيتم ما هاهنا، ويرد عنهم الطلب.
إسلام بريدة وقومه
ولقي رسول اللَّه ﷺ بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركب من قومه فيما بين مكة والمدينة وهم يريدون موقع سحابة [ (٢) ] فأسلموا بعد ما دعاهم إليه، واعتذروا بقلة اللبن معهم وقالوا: مواشينا شصص، أي جافّة [ (٣) ] وجاءوه [ (٤) ] بلبن فشربه وأبو بكر، ودعا لهم بالبركة.
стр. 100
خبر أم معبد
ولقي أيضا أوس بن حجر الأسلمي، فحمله ﷺ على جمل وبعث معه غلاما له يقال مسعود (بن هنيدة) [ (١) ] ليؤديه إلى المدينة. ومرّ رسول اللَّه ﷺ بخيمتي أم معبد عاتكة بنت خالد بن خليف [ (٢) ] بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس بن حرام بن حبشية بن كعب بن عمرو وهو أبو خزاعة، فقال [ (٣) ] عندها. وأراها اللَّه تعالى من آيات نبوته في الشاة- وحلبها لبنا كثيرا وهي حائل [ (٤) ] في سنة مجدبة- ما بهر عقلها. ويقال: إنها ذبحت لهم شاة وطبختها فأكلوا منها، وسفّرتهم منها بما وسعته سفرتهم [ (٥) ] وبقي عندها أكثر لحمها.
وقالت أم معبد: لقد بقيت الشاة التي مسح رسول اللَّه ﷺ ضرعها إلى عام الرمادة- وهي سنة ثماني عشرة من الهجرة- وكنا نحلبها صبوحا [ (٦) ] وغبوقا، وما في الأرض قليل ولا كثير [ (٧) ] .
стр. 101
_________
[ () ] فدعا رسول اللَّه ﷺ فمسح ضرعها بيده، وسمى اللَّه ، ودعا لها في شاتها، فتفاجّت عليه، ودرّت، واجترّت، فدعا بإناء يريض الرّهط، فحلب فيها ثجا، حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت، وسقي أصحابه حتى رووا، ثم شرب آخرهم ﷺ ثم أراضوا.
ثم حلب ثانيا بعد بدء، حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها وبايعها، ثم ارتحلوا عنها، فقال: ما لبثت إذ جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلا، مخّهنّ قليل، فلما رأى أبو معبد اللبن عجب وقال: من أين لك هذا؟ والشاة عازب حائل، ولا حلوبة في البيت، قالت: لا واللَّه، إلا أنه مرّ بنا رجل مبارك، من حاله كذا وكذا، فقال: صفيه لي يا أمّ معبد، قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره عطف، وفي صوته صهل، وفي عنقه سطح، وفي لحيته كثافة، أزجّ أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق، فصل لا نذر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم تحدّرن، ربعة، لا بائن من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، هو انظر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا معتد.
قال أبو معبد: هو واللَّه صاحب قريش الّذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا. فأصبح صوت بمكة عاليا، يسمعون ولا يدرون من صاحبه:
جزى اللَّه ربّ الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالهدى واهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد
فيال قصيّ ما زوى اللَّه عنهم ... به من فعال لا تجازي وسؤدد
ليهن بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلّبت ... عليه صريحا صرة الشاة مزبد
فغادرها رهنا لديها لحالب ... يردد في مصدر ثم مورد
فلما سمع حسّان بن ثابت الأنصاري الهاتف، شبّ يجاوب الهاتف وهو يقول:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيّهم ... وقدّس من يسري إليه ويغتدي
ترحّل عن قوم فضلّت عقولهم ... وحلّ على قوم بنور مجدد
هداهم بعد الضلالة ربّهم ... فأرشدهم، ومن يتبع الحق يرشد
وهل يستوي ضلّال قوم تسفّهوا ... عمايتهم، هاد به كل مهتدي
وقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلّت عليهم بأسعد
نبي يرى ما يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب اللَّه في كلّ مسجد
وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد
ليهن أبا بكر سعادة جدّه ... بصحبته، من يسعد اللَّه يسعد
ليهن بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
والأبيات باختلاف يسير في (ديوان حسان) ص ٣٧٦- ٣٧٧.
стр. 102
_________
[ () ] قال أبو أحمد بن بشر بن محمد: حدثنا عبد بن وهب قال: بلغني أن أم معبد هاجرت وأسلمت ولحقت برسول اللَّه ﷺ ، ورواه أبو أمية محمد بن إبراهيم بن بشر بن محمد مثله:
شرح غريب هذا الحديث:
البرزة من النساء: الجلدة، تظهر للناس ويجلس إليها القوم.
مرملين مسنتين: المرمل: الّذي قد نفد زاده، والمسنتين: هم الذين أصابتهم السّنة، وهي المجاعة.
قال أبو عبيد: إذا قال: يال فلان: فذلك في الاستغاثة بالفتح، ويال المسلمين، وإذا أراد التعجب والنداء قال: يال فلان بالكسرة.
كسر الخيمة: هو مؤخرها، وفيه لغتان: كسر وكسر، وقال بعضهم: الكسر هو في مقدمة الخيمة.
فتفاجّت عليه: فرّجت رجليها كما تفعل التي تحلب.
بريض الرهط: أي ينهنههم مما يجتريهم لكثرته إذا شربوه.
فحلب فيها ثجّا: يعني سيلا، وكذلك كل سيل، ومنه
قوله ﷺ وقد سئل عن الحج فقال: العجّ والثّجّ، فالعجّ: رفع الصوت بالتلبية، والثجّ سيل دماء الهدي.
أراضوا: أصل هذا في صبّ اللبن على اللبن، والمعنى: شرب لبن صبّ على لبن.
غادره عندها: تركه.
يسوق أعنزا تساوكن هزلا: التّساوك المشي الضعيف.
والشاة عازب: يعني قد عزبن عن البيت فخرجن إلى المرعى:
الحيّل: التي ليست بحوامل، جمع حائل.
ظاهر الوضاءة: يعني الجمال، والوضيء: الجميل.
والمتبلّج الوجه: الّذي فيه إضاءة ونور.
لم تعبه ثجلة: معناه عظم البطن، تقول: فليس هو كذلك.
لم تزر به صعلة: تريد صغر الرأس، يقال: رجل صعل.
وسيم قسيم: كلاهما هو الجمال.
في عينيه دعج: هو سواد الحدقة، يقال: رجل أدعج وامرأة دعجاء.
في أشفاره عطف: وكذلك كل مستطيل مسترسل.
في صوته صهل: وهو شبيه بالبحح، وليس بالشديد منه، ولكنه حسن، وبذلك توصف الظباء.
في عنقه سطع: هو الطول، يقال منه: رجل أسطع وامرأة سطعاء، وهذا مما يمدح به الناس.
والأزجّ: هو المقوس الحاجبين، وأما الأقرن: فهو الّذي التقى حاجباه بين عينيه.
منطقه لا نزر ولا هذر: فالنزر: القليل، والهذر: الكثير، تقول قصد بين ذلك.
لا تقتحمه عين من قصر: تقول: لا تزدريه فتنبذه، ولكن تقبله وتهابه.
محفود محشود: فالمحفود: المخدوم، قال تعالى: بَنِينَ وَحَفَدَةً، ومحشود: هو الّذي قد حشده أصحابه، وحفّوا حوله، وأطافوا به ﷺ .
وهذا الحديث أخرجه الحاكم في (المستدرك) ٣/ ٩، من طرق كلها عن حزام بن هشام بسنده وقال:
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ثم ذكر ما يستدل به على صحته وصدق رواته.
стр. 103
مقدمه إلى المدينة
وكان المهاجرون قد استبطئوا قدوم رسول اللَّه ﷺ ، وبلغ الأنصار مخرجه من مكة وقصده إياهم، وكانوا كل يوم يخرجون إلى الحرة ينتظرونه فإذا اشتد الحر عليهم رجعوا، فلما كان يوم الاثنين- الثاني عشر من ربيع الأول على رأس ثلاث عشرة سنة من المبعث- وافى رسول اللَّه ﷺ المدينة حين اشتد الضّحاء [ (١) ] ، ونزل إلى جانب الحرة وقد عاد المهاجرون والأنصار بعد ما انتظروه على عادتهم.
فكان بين المبعث إلى أول يوم من المحرم الّذي كانت الهجرة بعده اثنتا عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرون يوما، وذلك ثلاث وخمسون سنة تامة من أول عام الفيل.
وقيل: قدم ﷺ يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول، وقيل: خرج من الغار يوم الاثنين أول يوم من ربيع الأول ودخل المدينة يوم الجمعة لثنتى عشرة منه حين اشتد الضحاء، وقيل: دخل لهلال ربيع الأول، وقيل: يوم الاثنين لليلتين خلتا منه، وقال ابن شهاب للنصف منه، وذلك سنة أربع وخمسين من عام الفيل، وهو اليوم العشرون من أيلول سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة للإسكندر الأكبر (وهو الرابع من تير ماه) [ (٢) ] .
عمره يوم بعثته وهجرته
وقيل: أقام ﷺ بمكة بعد المبعث عشر سنين، منها خمس سنين يخفي ما جاء به، وخمس سنين يعلن بالدعاء إلى اللَّه تعالى. وقيل: بعث وله خمس وأربعون سنة فأقام بمكة عشرا وبالمدينة ثمانيا، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين، وهذا قول شاذ.
ولم يختلفوا أنه بعث على رأس أربعين سنة من عمره، وأنه أقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين، وإنما اختلفوا في إقامته بمكة بعد ما أوحي إليه، وأصح ذلك ما رواه سعيد بن جبير، وعكرمة، وعمرو بن دينار، وأبو جمرة نصر بن عمران الضبعي، عن ابن عباس أنه قال: مكث رسول اللَّه ﷺ ثلاث عشرة سنة [ (٣) ] ، ووافق ذلك ما رواه على بن الحسين عن أبيه عن عليّ مثل ذلك، فإن أصح ما قيل: أنه توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة.
стр. 104
أول من رآه من أهل المدينة
وكان أول من بصر برسول اللَّه ﷺ رجل من يهود كان على سطح أطم [ (١) ] له فنادى بأعلى صوته: يا بني قيلة [ (٢) ] ، هذا جدكم الّذي تنتظرون، فخرج الأنصار بالمهاجرين في سلاحهم، فلقوه وهو مع أبي بكر في ظل نخلة، وحيّوا رسول اللَّه ﷺ بتحية النبوة وقالوا: اركبا آمنين، فركب رسول اللَّه ﷺ [ (٣) ] وأبو بكر ﵁ وحفوا حولهما بالسلاح، فقيل في المدينة: جاء نبيّ اللَّه فاستشرفوا [ (٤) ] نبي اللَّه ﷺ ينظرون إليه، وأقبل يسير حتى نزل على أبي القيس (كلثوم) بن الهدم بن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك ابن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري، وقيل: بل نزل على سعد بن خيثمة، والأول أثبت.
فجاء المسلمون يسلمون عليه وأكثرهم لم يره بعد، فكان بعضهم يظنه أبا بكر. حتى قام أبو بكر ﵁ حين اشتد الحر يظلل على رسول اللَّه ﷺ بثوب، فتحقق الناس حينئذ رسول اللَّه ﷺ .
إقامته بقباء
وأقام في بني عمرو بن عوف الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس ثم خرج يوم الجمعة، ويقال: بل أقام (بقباء) [ (٥) ] في بني عمرو بن عوف ثلاثا وعشرين ليلة، ويقال: بل أقام بقباء أربع عشرة ليلة، ويقال: خمسا، ويقال: أربعا، ويقال:
ثلاثا فيما ذكر الدولابي.
إسلام عبد اللَّه بن سلام ومخيريق
وأسس حينئذ مسجد قباء، وأتاه عبد اللَّه بن سلام فأسلم (ثم أسلم) [ (٦) ]
стр. 105
مخيريق اليهودي [ (١) ] .
خبر ناقة رسول اللَّه
وركب بأمر اللَّه تعالى وسار على ناقته والناس معه عن يمينه وشماله قد حشدوا ولبسوا السلاح، وذلك ارتفاع النهار من يوم الجمعة،
فجعل كلما مر بقوم من الأنصار قالوا: هلم يا رسول اللَّه إلى القوة والمنفعة والثروة، فيقول لهم خيرا، ويقول: دعوها فإنّها مأمورة، وفي رواية: إنها مأمورة خلوا سبيلها
فلما أتى مسجد بني سالم جمّع بمن كان معه من المسلمين، وهم إذ ذاك مائة، وقيل: كانوا أربعين، وخطبهم، وهي أول جمعة أقامها ﷺ في الإسلام.
أول خطبة للرسول بالمدينة
وكانت أول خطبة خطبها أنه قام فيهم فحمد اللَّه، وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد أيها الناس، فقدموا لأنفسكم، تعلمن واللَّه ليصعقنّ [ (٢) ] أحدكم ثم ليدعنّ غنمه ليس لها راع، ثم ليقولنّ له ربه- ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فبلغك؟ وآتيتك مالا وأفضلت عليك؟ فما قدمت لنفسك؟ فلينظرنّ [ (٣) ] يمينا وشمالا فلا يرى شيئا، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشقة من تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.
والسلام على رسول اللَّه ورحمة اللَّه وبركاته.
منزله على أبي أيوب الأنصاري
ثم ركب ناقته فلم تزل سائرة به، وقد أرخى زمامها، حتى جاءت دار بني
стр. 106
النجار- موضع مسجده الآن- فبركت ثم نهضت وسارت قليلا ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأول.
وقيل: إن جبّار بن صخر من بني سلمة- وكان من صالحي المسلمين- جعل ينخسها لتقوم منافسة لبني النجار أن ينزل رسول اللَّه ﷺ عندهم فلم تقم، فنزل ﷺ عنها، وحمل أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف [ (١) ] بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري رحل رسول اللَّه ﷺ إلى منزله، وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلة رسول اللَّه ﷺ فكانت عنده.
أول ما أهدي إليه
وأول هدية أتته قصعة مثرودة خبزا وسمنا ولبنا جاءه بها زيد بن ثابت من عند أمه، فأكل وأصحابه. ثم جاءت قصعة سعد بن عبادة وفيها عراق [ (٢) ] لحم. فأقام في بيت أبي أيوب سبعة أشهر، وما كانت تخطئه جفنة سعد بن عبادة وجفنة أسعد ابن زرارة كل ليلة، وجعل بنو النجار يتناوبون حمل الطعام إليه [ (٣) ] مقامه في منزل أبي أيوب، وبعثت إليه أم زيد بن ثابت بثردة مروّاة سمنا ولبنا، ونزل أسامة بن زيد مع رسول اللَّه ﷺ في دار أبي أيوب.
مسجده وحجره
واشترى ﷺ موضع مسجده وكان مربدا [ (٤) ] لسهل وسهيل ابني عمرو- وكانا يتيمين في حجر أسعد بن زرارة- بعشرة دنانير، وفي الصحيح أن بني النجار بذلوه للَّه تعالى، فبناه مسجده المعروف الآن بالمدينة. وبنى الحجر لأزواجه بجانب المسجد وجعلها تسعا: بعضها مبني بحجارة قد رصّت، وسقفها من جريد مطين بطين، ولكل بيت حجرة، وكانت حجرته ﷺ أكسية من شعر مربوطة في خشب من عرعر [ (٥) ] .
стр. 107
منزل أبي بكر
ونزل أبو بكر ﵁ بالسّنح على خبيب بن إساف (ويقال: يساف) ابن عتبة بن عمرو بن خديج بن عامر بن جشم بن الحارث بن الخزرج (بن الأوس) [ (١) ] الأنصاري، وقيل: على خارجة بن زيد بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك الأغرّ.
مقدم عليّ ومنزله
وقدم علي ﵁ من مكة للنصف من ربيع الأول ورسول اللَّه بقباء لم يرم [ (٢) ] بعد وقدم معه صهيب. وذلك بعد ما أدى عليّ عن رسول اللَّه ﷺ الودائع التي كانت عنده، وبعد ما كان يسير الليل ويمكن النهار حتى تفطرت [ (٣) ] قدماه، فاعتنقه النبي ﷺ وبكى رحمة لما بقدميه من الورم، وتفل في يديه وأمرّهما على قدميه فلم يشتكهما بعد ذلك حتى قتل ﵁.
ونزل على كلثوم بن الهدم، وقيل: على امرأة، والراجح أنه نزل مع النبي ﷺ .
منزل عثمان
ونزل عثمان بن عفان برقية ابنة رسول اللَّه ﷺ في منزل سعد بن خيثمة، وكان ﷺ يأتيهم هنالك.
بعثة زيد بن حارثة إلى مكة
وبعث رسول اللَّه ﷺ زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة، ودفع إليهما بعيرين وخمسمائة درهم أخذها من أبي بكر يشتريان بها ما يحتاجان إليه.
وبعث أبو بكر معهما عبد اللَّه بن أريقط الديليّ ببعيرين أو ثلاثة، وكتب إلى عبد اللَّه بن أبي بكر أن يحمل أهله: أم رومان، وعائشة، وأسماء. فاشترى زيد
стр. 108
بالخمسمائة ثلاثة أبعرة بقديد [ (١) ] ، وقدم مكة فإذا طلحة بن عبيد اللَّه يريد الهجرة، فقدما المدينة على رسول اللَّه ﷺ بابنتيه: فاطمة، وأم كلثوم، وبزوجته سودة بنت زمعة، وبأسامة بن زيد، وأمه أم أيمن ﵃.
وكانت رقية ابنة رسول اللَّه ﷺ قد (هاجر) [ (٢) ] بها عثمان ﵂ قبل ذلك. وحبس أبو العاصي زوجته زينب بنت رسول اللَّه ﷺ . وخرج مع زيد وأبي رافع عبد اللَّه بن أبي بكر بعيال أبي بكر ﵁.
موادعة يهود
ووادع [ (٣) ] رسول اللَّه ﷺ من بالمدينة من يهود، وكتب بذلك كتابا، وأسلم حبرهم عبد اللَّه بن سلام بن الحارث، وكفر عامتهم وهم ثلاث فرق: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة.
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
وآخى رسول اللَّه ﷺ بين المهاجرين والأنصار- وقد أتت لهجرته ثمانية أشهر- فكانوا يتوارثون بهذا الإخاء في ابتداء الإسلام إرثا مقدّما على القرابة. وكان الذين آخى بينهم تسعين رجلا: خمسة وأربعين من المهاجرين، وخمسة وأربعين من الأنصار، ويقال: خمسين من هؤلاء وخمسين من هؤلاء، ويقال: إنه لم يبق من المهاجرين أحد إلا آخى بينه وبين أنصاريّ.
وقال ابن الجوزي: «وقد أحصيت جملة من آخى النبي بينهم، فكانوا مائة وستة وثمانين رجلا» ذكرهم في كتاب التلقيح [ (٤) ] ، وكانت المؤاخاة بعد مقدمه بخمسة أشهر، وقيل: بثمانية أشهر.
نسخ توارث المؤاخاة وفرض الزكاة
ثم نسخ التوارث بالمؤاخاة بعد بدر. ونزل تمام الصلاة أربعا بعد شهر من مقدم
стр. 109
رسول اللَّه ﷺ المدينة، فتمت صلاة المقيم أربعا بعد ما كانت ركعتين، وأقرت صلاة المسافر ركعتين، وفرضت الزكاة أيضا- رفقا بالمهاجرين ﵃ في هذا التاريخ، كما ذكره أبو محمد بن حزم، وقال بعضهم: إنه أعياه فرض الزكاة متى كان.
تحوله من بيت أبي أيوب إلى حجره
وتحول ﷺ من منزل أبي أيوب ﵁ إلى حجره لما فرغت، بعد إقامته عنده سبعة أشهر، وخط لأصحابه في كل أرض ليس لأحد، وفيما وهبت له الأنصار من خططها، وأقام قوم من المسلمين- لم يمكنهم البناء- بقباء على من [ (١) ] نزلوا عنده.
زواجه عائشة
وبنى بعائشة ﵂ بعد مقدمه بتسعة أشهر، وقيل: بثمانية أشهر، وقيل: بثمانية عشر شهرا في يوم الأربعاء من شوال، وقيل: في ذي القعدة، بالسنح في بيت أبي (بكر) [ (٢) ] .
الأذان للصلوات وتمام الصلاة
وأري عبد اللَّه بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه (الأذان للصلوات) [ (٢) ] ، وقيل:
كان ذلك في السنة الثانية.
وبعد شهر من مقدمه المدينة زيد في صلاة الحضر لاثنتي عشرة خلت من ربيع، قال الدولابي: يوم الثلاثاء، وقال السهيليّ: بعد الهجرة بعام أو نحوه.
فرض القتال
ولما استقر رسول اللَّه ﷺ بالمدينة بين أظهر الأنصار ﵃ وتكفلوا بنصره ومنعه من الأسود والأحمر، رمتهم العرب قاطبة عن قوس واحدة وتعرضوا لهم من كل جانب.
стр. 110
وكان اللَّه قد أذن للمسلمين في الجهاد بقوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [ (١) ] ، فلما صاروا إلى المدينة، وكانت لهم شوكة وعضد، كتب اللَّه عليهم الجهاد بقوله سبحانه: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ (٢) ] .
أول لواء عقد بعد فرض القتال
وكان أول لواء عقده رسول اللَّه ﷺ على رأس سبعة أشهر من مقدمه إلى المدينة- لعمه حمزة بن عبد المطلب على ثلاثين راكبا، شطرين: خمسة عشر من المهاجرين، وخمسة عشر من الأنصار، إلى ساحل البحر من ناحية العيص [ (٣) ] (وقيل: لم يبعث ﷺ أحدا من الأنصار حتى غزا بنفسه إلى بدر، وذلك أنه ظن أنهم لن ينصروه إلا في الدار، وهو الثّبت) [ (٤) ] .
سرية حمزة إلى سيف البحر
فبلغوا سيف البحر يعترضون عيرا لقريش قد جاءت من الشام تريد مكة، فيها أبو جهل في ثلاثمائة راكب. فالتقوا واصطفوا للقتال، فمشى بينهم مجدي بن عمر (الجهنيّ) [ (٥) ] حتى انصرف الفريقان بغير قتال، وعاد حمزة ﵁ بمن معه إلى رسول اللَّه ﷺ فأخبروه بما حجز بينهم مجديّ، وأنهم رأوا منه نصفة [ (٦) ] . (وقدم رهط مجدي على النبي ﷺ فكساهم وذكر مجدي بن عمرو فقال: إنه- ما علمت- ميمون النقيبة مبارك الأمر، أو قال: رشيد الأمر) .
وكان لواء حمزة أبيض، يحمله أبو مرثد كنّاز [ (٧) ] بن حصين، ويقال ابن حصن بن يربوع بن عمرو بن يربوع بن خرشة بن سعد بن طريف الغنوي.