وقال البيهقي [ (١) ] أخبرني أبو سعيد بن أبي عمرو قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا الشافعيّ، حدثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي اللَّه ﵎ عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل اللَّه.
قال الشافعيّ: ولما أتى كسرى بكتاب رسول اللَّه ﷺ مزقه، فقال رسول اللَّه ﷺ : مزق اللَّه ملكه، قال: وحفظنا إن قيصر أكرم كتاب رسول اللَّه ﷺ ووضعه في مسك فقال: النبي ﷺ ثبت اللَّه ملكه.
قال البيهقي: فخرجه مسلم في (الصحيح) [ (٢) ] من حديث ابن عيينة وخرجاه [ (٣) ] من وجه آخر عن الزهري، قال: كتابه وسيرد بطريقة عن قريب إن شاء اللَّه.
стр. 4517
قال الشافعيّ [ (١) ] : كانت قريش تنتاب الشام انتيابا كثيرا وكان كثير من معاشها منه، وتأتي العراق، فيقال لما دخلت في الإسلام وذكرت للنّبيّ ﷺ خوفها من انقطاع معاشها بالتجارة من الشام والعراق إذا فارقت الكفر ودخلت في الإسلام، مع خلاف ملك الشام والعراق لأهل الإسلام،
فقال النبي ﷺ : إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده. فلم يكن بأرض العراق كسرى يثبت له أمر بعده.
وقال: إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، فلم يكن بأرض الشام قيصر بعده،
وأجابهم على ما قالوا له وكان كما قال لهم ﷺ وقطع اللَّه الأكاسرة عن العراق وفارس، وقطع قيصر ومن قام بالأمر بعده عن الشام،
وقال النبي ﷺ في كسرى: مزّق ملكه فلم يبق للأكاسرة ملك، وقال في قيصر: ثبت ملكه
فثبت له ملك ببلاد الروم إلى اليوم وتنحى ملكه عن الشام وكل هذا مؤتفق يصدق بعضه بعضا.
قال كاتبه: يقال: إن كسرى أبرويز بن هرمز هذا خلع، وقيل بعد ما سهل، وقد مضى من الهجرة النبويّة أربع سنين وأربعه أشهر واثنان وعشرون يوما.
стр. 4518
قال الواقدي: فلبط عليه ابنه شيرويه فقتله ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى سنة سبع، وملك بعده ابنه شيرويه، واسمه قباذ بن أبرويز، ثمانية أشهر، وهلك في الطاعون لأشهر من السنة الخامسة من الهجرة بعد ما قتل من آخرته ثمانية عشر، وملك بعده ابنه أردشير بن شيرويه وله من العمر سبع سنين، وقتل بعد سنة وستة أشهر [ (١) ] ، وملك بعده شهر آران مقدم الفرس، ثم قتل، وأقيمت بعده بوران دخت بنت كسرى أبرويز شهر خرهان [ (٢) ] وقدم خالد بن الوليد رضي اللَّه ﵎ عنه بجيوش المسلمين في ولايتهما لاثنتي عشرة سنة مضت من الهجرة فهلكت بعد قدوم خالد بسبعة أشهر، وهلكت لأربعة أشهر من خلافة عمر ﵁، فكانت مدتها سنة وأربعة أشهر، وملك خشنشدة من بني عم أبرويز شهرا، وقيل: سنة [فأقيمت] [ (٣) ] بعده أزرميدخت ولم [يكن] [ (٣) ] من بيت الملك، وملك [بعدها] [ (٣) ] خرذاوخر ابن أبرويز وهو طفل فأقام شهرا واحدا وملك يزدجرد بن شهريار من أبرويز وعمره خمس عشرة سنة، ثم قنل بمرو سنة إحدى وثلاثين من الهجرة بعد ما أقام في المملكة تسع عشرة سنة، وقيل: عشرين سنة ولم يقم بعده ملك فارس وتمزقوا حتى فنوا ولم يعرف اليوم منهم أحد.
стр. 4519
وأما استجابة اللَّه تعالى دعاء رسول اللَّه ﷺ على المشركين وهزيمتهم يوم بدر
فخرج البيهقي من حديث سفيان عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي رضي اللَّه ﵎ عنه قال: جعل رسول اللَّه ﷺ يصلي ليلة بدر ويدعو ويقول: اللَّهمّ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد [ (١) ] .
وخرّج البخاري [ (٢) ] عن طريق سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس رضي اللَّه ﵎ عنهما أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً قال: هم واللَّه كفار قريش، قال عمرو: هم قريش، ومحمد ﷺ نعمة اللَّه وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ قال: النار يوم بدر. ذكره في المغازي،
وذكره في التفسير من طريق سفيان، عن عمرو عن وهب عن عبد اللَّه، عن أبي الطفيل أن ابن الكواء سأل عليا قال: من الذين بدلوا نعمة اللَّه كفرا؟ قال الأفجران، بنو أمية وبنو مخزوم كفيتهم يوم بدر.
وفي رواية لغير عبد الرزاق
стр. 4520
قال: هم كفار قريش الذين فروا يوم بدر. وقال يونس بن بكير [بسنده] :
حدثني يحيى بن عباد من عبد اللَّه بن الزبير: بين أول يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [ (١) ] وبين قول اللَّه تعالى: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا [ (٢) ] حبي اللَّه قريشا بالرفعة يوم بدر.
وقال الأعمش: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أخذتهم يوم بدر ريح عقيم، وقال مجاهد: عن أبي بن كعب في قوله: يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ [ (٣) ] قال، يوم بدر، وعن أبي هريرة في قوله تعالى: أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ [ (٤) ] قال: يوم بدر. وقال مجاهد: السيوف يوم بدر، وعن عبد اللَّه بن مسعود قال: فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً [ (٥) ] يوم بدر، وعن قتادة في قوله تعالى:
فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً قال أبي بن كعب هو القتل يوم بدر، وقال مغيرة عن إبراهيم: اللزوم يوم بدر، وعن مجاهد فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً قال: هزموا يوم بدر، وقال سعيد، عن ابن مسعود قال: اللزام القتل يوم بدر، وقال الضحال فقد كذبتم بقول الكفار: كذب رسول اللَّه ﷺ ثم أجابه ابن عبد اللَّه قد مضى اللزام كان اللزام يوم بدر وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى [ (٦) ] قال: يوم بدر، وعن ابن عباس وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ [ (٧) ] قال: يوم بدر لا ينفع الذين كفروا إيمانهم.
стр. 4521
وخرج أبو نعيم [ (١) ] من حديث معاوية بن صالح، عن على بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي اللَّه ﵎ عنه قال: أقبلت عير أهل مكة تريد الشام فبلغ أهل المدينة، فخرجوا ومعهم رسول اللَّه ﷺ يريدون العير فبلغ أهل مكة ذلك فأسرعوا السير إليها لكي لا يغلب عليها النبي ﷺ وأصحابه فسبقت العير رسول اللَّه ﷺ وكان اللَّه وعدهم إحدى الطائفتين، وكانوا إن بلغوا العير أحب إليهم، وأيسر شوكة، وأحضر مغنما، فلما سبقت العير وفاتت رسول اللَّه ﷺ ، وسار رسول اللَّه ﷺ بالمسلمين بينهم وبين الماء رسلة دعصة [ (٢) ] ، فأصحاب المسلمين ضعف شديد فألقى الشيطان في قلوبهم القنط ويوسوسهم:
تزعموا أنكم أولياء اللَّه وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلون مجنبين؟ فأمطر اللَّه عليهم مطرا شديدا فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب اللَّه رجز الشيطان وانتسق الرمل [ (٣) ] حين أصابه المطر ومشى الناس عليه والدواب فساروا إلى القوم وأمدّ اللَّه نبيه والمؤمنين بألف من الملائكة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة، قال: اصطف القوم قال أبو جهل: اللَّهمّ أولانا بالحق فانصره،
ورفع رسول اللَّه ﷺ يده فقال: اللَّهمّ إنك ان تهلك هذه العصابة لم تعبد في الأرض فقال جبريل: خذ قبضة من التراب، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم فما من المشتركين أحد إلا أصاب عينيه، ومخريه، وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين.
ومن حديث الأعمش [ (٤) ] ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، أو أبي عبيدة، عن عبد اللَّه قال لما كان يوم بدر قام رسول اللَّه ﷺ ثم قعد يدعو قال:
اللَّهمّ عهدك الّذي عهدت إليّ، اللَّهمّ وعدك الّذي وعدتني، اللَّهمّ إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد في الأرض أبدا.
стр. 4522
وخرج البخاري [ (١) ] من حديث عبد الوهاب ووهيب قالا: حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللَّه وتبارك وتعالى عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال وهو في قبته يوم بدر: اللَّهمّ أنشدك عهدك ووعدك اللَّهمّ إن تشأ لا تعبد بعد اليوم فأخذ أبو بكر رضي اللَّه ﵎ عنه بيده فقال: حسبك يا رسول اللَّه ألححت على ربك وهو يثب في الدرع، فخرج وهو يقول سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [ (٢) ] ذكره في كتاب التفسير في باب بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ [ (٣) ] وذكره في غزوة بدر [ (٤) ] .
وخرج مسلم [ (٥) ] والترمذي [ (٦) ] من حديث عكرمة بن عمار قال: حدثني سماك الحنفي. قال: سمعت ابن عباس يقول لما كان يوم بدر. ذكره مسلم في
стр. 4523
الجهاد وذكره الترمذي في التفسير. وخرجه مسلم [ (١) ] أيضا من حديث عكرمة بن عمار قال: أخبرني أبو زميل قال حدثني عبد اللَّه بن عباس قال لما كان يوم بدر نظر رسول اللَّه ﷺ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا فاستقبل نبي اللَّه ﷺ القبلة ثم مدّ يديه فجعل يهتف بربه: اللَّهمّ أنجز لي ما وعدتني اللَّهمّ آتني ما وعدتني، اللَّهمّ إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداءه
فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا بني اللَّه! كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل اللَّه تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [ (٢) ] فأمده اللَّه بالملائكة. وذكر الحديث.
وخرج البيهقي [ (٣) ] من حديث ابن مهدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب، عن عليّ رضي اللَّه ﵎ عنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر إلا رسول اللَّه ﷺ غير المقداد على فرس أبلق، ولقد رأيتنا وما فينا قائم إلا رسول اللَّه ﷺ تحت سمرة يصلي ويبكي حتى أصبح.
ومن حديث إسماعيل بن عوف عن عبد اللَّه بن أبي رافع، عن عبد اللَّه ابن محمد بن عمر بن على بن أبي طالب رضي اللَّه ﵎ عنه عن أبيه، عن جده، عن على بن أبي طالب رضي اللَّه ﵎ عنه قال: لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال ثم جئت مسرعا لأنظر إلى رسول اللَّه ﷺ ما فعل؟ فجئت فإذا هو ساجد يقول: يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم، لا يزيد
стр. 4524
عليها فرجعت إلى القتال ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك فلم يزل يقول ذلك حتى فتح اللَّه عليه.
ومن حديث يحيى، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد اللَّه، قال: ما سمعت مناشدا ينشد حقا له أشد من مناشدة محمد ﷺ يوم بدر، جعل يقول: اللَّهمّ إني أنشدك عهدك ووعدك اللَّهمّ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد، ثم التفت كأن شق وجهه القمر فقال: كأنما انظر إلى مصارع القوم عشية [ (١) ] .
وقال الواقدي: في غزوة بدر: ثم سار رسول اللَّه ﷺ حتى أتى الروحاء فحدثني عبد الملك بن عبد العزيز، عن أبان بن صالح، عن سعيد بن المسيب أن رسول اللَّه ﷺ لما رفع رأسه من الركعة الأخيرة من وتره لعن الكفرة وقال: اللَّهمّ لا تفلتن أبا جهل فرعون هذه الأمة، اللَّهمّ لا تفلتن زمعة ابن الأسود، اللَّهمّ واسخن عين أبي زمعة، وأعم بصر أبي زمعة، اللَّهمّ لا تفلتن لا يغلبن سهيلا، اللَّهمّ أنج سلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين.
قال: والوليد بن الوليد، لم يدع له يومئذ، أسر ببدر، ولكنه لما رجع إلى مكة بعد بدر أسلم، فأراد أن يخرج إلى المدينة، فجلس، فدعا له النبي ﷺ بعد ذلك. هكذا ذكر الواقدي هذا الحديث مرسلا [ (٢) ] .
قال: فحدثني محمد بن عبد اللَّه عن الزهري عن عروة بن الزبير ومحمد بن صالح، عن عاصم بن عمر، ويزيد بن رومان، قالا: لما رأى رسول اللَّه ﷺ قريشا تصوب من الوادي، وكان أول من طلع زمعة بن الأسود على فرس له يتبعه ابنه، فاستجال بفرسه يريد أن يتبوأ للقوم منزلا.
فقال رسول اللَّه ﷺ : اللَّهمّ إنك أنزلت عليّ الكتاب وأمرتني بالقتال، ووعدتني إحدى الطائفتين، وأنت لا تخلف الميعاد، اللَّهمّ إن هذه قريش قد أقبلت
стр. 4525
بخيلائها وفخرها تحادّك، وتكذّب رسولك، اللَّهمّ نصرك الّذي وعدتني، اللَّهمّ أحنهم الغداة [ (١) ] .
حدثني معمر بن راشد عن الزهري، عن عبد اللَّه بن ثعلبة بن صعير قال: واستفتح أبو جهل يوم بدر فقال: اللَّهمّ أقطعنا للرحم وأتانا بما لا يعلم فأحنه الغداة [ (٢) ] . فأنزل اللَّه ﵎: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [ (٣) ] الآية.
وحدثني عمر بن عقبه، عن سعيد مولى ابن عباس قال: سمعت ابن عباس رضي اللَّه ﵎ عنهما يقول: لما تواقف الناس أغمي على رسول اللَّه ﷺ ساعة ثم كشف عنه فبشر المؤمنين بجبريل في جند من الملائكة في ميمنة الناس، وميكائيل في جند آخر في ميسرة رسول اللَّه ﷺ وإسرافيل في جند آخر بألف [ (٤) ] .
стр. 4526
وأما تصديق اللَّه تعالى رسوله ﷺ في تعيينه مصارع المشركين ببدر
فخرج مسلم [ (١) ] من حديث عفان قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس رضي اللَّه ﵎ عنه، أن رسول اللَّه ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان قال: فتكلم أبو بكر رضي اللَّه ﵎ عنه فأعرض عنه ثم تكلم عمر رضي اللَّه ﵎ عنه فأعرض عنه، فقام سعد بن عباده رضي اللَّه ﵎ عنه فقال: إيانا تريد يا رسول اللَّه؟ والّذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا.
قال: فندب رسول اللَّه ﷺ الناس فانطلقوا حتى نزلوا بدرا ووردت عليهم روايا قريش وفيهم غلام أسود لبني الحجاج فأخذوه، وكان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يسألونه عن أبي سفيان فيقول: ما لي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأميّة بن خلف، فإذا ذلك ضربوه، فقال: نعم أنا أخبركم، هذا أبو سفيان، فإذا تركوه فسألوه فقال ما لي بأبي سفيان علم، ولكن أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في الناس، فإذا قال ذلك ضربوه، فقال: نعم، أنا أخبركم، هذا أبو سفيان، فإذا تركوه فسألوه فقال: ما لي بأبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في الناس،
فإذا قال هذا أيضا ضربوه، ورسول اللَّه ﷺ قائم ويصلي.
стр. 4527
فلما رأى ذلك انصرف، قال: والّذي نفسي بيده لتضربونه إذا صدقكم، وتتركونه إذا كذبكم قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : هذا مصرع فلان، قال:
ويضع يده علي الأرض، هاهنا وهاهنا، قال: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول اللَّه ﷺ .
وخرجه أبو داود [ (١) ] من حديث موسى بن إسماعيل عن حماد فذكره إلي أن، قال: وقال أنس قال رسول اللَّه ﷺ : هذا مصرع فلان غدا ووضع يده على الأرض وهذا مصرع فلان وفلان غدا ووضع يده على الأرض، فقال:
والّذي نفسي بيده ما جاوز واحد منهم عن موضع يد رسول اللَّه ﷺ فأمر بهم رسول اللَّه ﷺ فأخذ بأرجلهم فسحبوا في قليب بدر.
وخرج مسلم [ (٢) ] من حديث سليمان بن المغيرة حدثنا ثابت عن أنس قال، كنا مع عمر رضي اللَّه ﵎ عنه بين مكة والمدينة، قال:
فتراءينا الهلال- وكنت رجلا حديد البصر- فرأيته وليس أحد يزعم أنه رآه غيري قال: أقول لعمر رضي اللَّه ﵎ عنه: أما تراه؟ فجعل لا يراه.
قال: يقول عمر: بينا سأراه وأنا مستلق على فراشي ثم أنشأ يحدثنا عن أهل بدر
فقال: إن رسول اللَّه ﷺ كان يرينا مصارع القوم بالأمس يقول هذا مصرع فلان غدا إن شاء اللَّه. قال: فقال عمر رضي اللَّه ﵎ عنه: فو الّذي بعثه بالحق ما أخطئوا الحدود التي حدّ رسول اللَّه ﷺ قال: فجعلوا في بئر
стр. 4528
بعضهم على بعض، فانطلق رسول اللَّه ﷺ حتى انتهى إليهم فقال: يا فلان ابن فلان، ويا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعدكم اللَّه ورسوله حقا؟ فإنّي وجدت ما وعدني اللَّه حقا قال عمر: يا رسول اللَّه! كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟
قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردّوا عليّ شيئا.
وخرّج البيهقي [ (١) ] من طريق أبي نعيم قال: حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللَّه ﵎ عنهما قال: لما فرغ رسول اللَّه ﷺ من القتلى قيل له: عليك العير [ (٢) ] ليس دونها شيء فناداه العباس وهو في وثاقه: أنه لا يصلح لك قال: لأن اللَّه وعدك إحدى الطائفتين وقد أنجز ما وعدك.
стр. 4529
وأما تبرّؤ إبليس من قريش في يوم بدر
بعد ما زين لهم أن يخرجوا لقتال رسول اللَّه ﷺ وقال إني جار لكم فقال اللَّه ﵎:
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ ... إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ [ (١) ] فقوله: زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ هي ما كانوا فيه من الشرك باللَّه وعبادة الأصنام ومسيرهم إلى بدر، وعزمهم على قتال الرسول ﷺ ، وقوله: جارٌ لَكُمْ أي مجيركم من بني كنانة والفئتان جمعا المؤمنين والكافرين، وقيل: فئة المؤمنين وفئة الملائكة، نَكَصَ رجع على عقبيه في ضد إقباله، وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ مبالغة في الخذلان والانفصال عنهم، لم يكتف بالفعل حتى أكد ذلك بالقول أَرى ما لا تَرَوْنَ أي خرق العادة، ونزول الملائكة إِنِّي أَخافُ اللَّهَ قال قتادة، وابن الكلبي: معذرة كاذبة لم يخف اللَّه قط.
وقال الزجاج وغيره: بل خاف مما رأى أن يكون اليوم الّذي انظر اليه وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ قال ذلك بسطا لعذره عندهم وهو متحقق أن عقاب اللَّه شديد، ويحتمل أن يكون من كلام اللَّه تعالى، استأنفه تهديدا لإبليس ومن تابعه من مشركي قريش وغيرهم، واتفق الجمهور على أن هذا التزيين والنكوص والقول صدر حقيقة، وزعم الزمخشريّ جريا على عادته في بدعته أنه وسوس إليهم أنهم لا يغلبون، ولا يطاقون وأن نكوصه وتبرئه منهم هو بطلان كيده حين تزل جنود اللَّه، فيكون ما ذكر اللَّه يعبر عن إبليس على قوله: إنما هو على سبيل المجاز.
стр. 4530
ونقل عن الحسن أن ذلك كان على سبيل الوسوسة ولم يتمثل لهم، هذا مبني على ما أصّله المعتزلة من امتناع رؤية الجن أو امتناع وجودهم، والقرآن والسنة وآثار السلف يردون [ (١) ] ذلك، قال ابن إسحاق، وقد ذكر الحرب التي كانت بين قريش وبين بني بكر: وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال: لما أجمعت قريش المسير ذكرت الّذي بينها وبين بني بكر فكان يثنيهم فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة فقال: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم، فخرجوا سراعا.
ثم ذكر محمد بن إسحاق من رواية أبي محمد عبد الملك بن هشام وقعه بدر إلى أن قال: وعمير بن وهب أو الحارث بن هشام فذكر أحدهما رأى إبليس حين نكص على عقيبة يوم بدر فقال: أين سراقة؟ ومثل عدو اللَّه فذهب فأنزل اللَّه فيه.
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فذكر استخراج إبليس أباهم وتشبهه بسراقة بن مالك بن جعشم لهم حين ذكروا ما بينهم وبين بني بكر من عبد مناة بن كنانة في الحرب التي كانت بينهم بقول اللَّه فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ ونظر عدو اللَّه إلى جنود اللَّه من الملائكة قد أيّد اللَّه بهم رسوله ﷺ والمؤمنين على عدوهم نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ وصدق عدو اللَّه، رأى ما لم يروا وقال: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ فذكر لي أنهم كانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة لا ينكرونه، حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان نكص على عقبيه فأوردهم ثم أسلمهم [ (٢) ] .
стр. 4531
وقال يونس بن بكير عن إسحاق حدثني عبد اللَّه بن أبي بكر بن حزم عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة بعد ما أصيب بصره يقول: لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بصرى لأخبركم بالشعب الّذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أتمارى، فلما نزلت الملائكة ورآها إبليس وأوحى اللَّه إليهم أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا وتثبيتهم أن الملائكة تأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول أبشروا فإنّهم ليسوا بشيء كروا عليهم واللَّه معكم، كروا عليهم، فلما رأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم وهو في صورة سراقة، وأقبل أبو جهل يحرض أصحابه ويقول لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه، ثم قال: واللات والعزى لا نرجع حتى تقرن محمد وأصحابه في الجبال، فلا تقتلوهم، وخذوهم أخذا [ (١) ] .
وقال عثمان بن سعيد الدرامي: حدثنا عبد اللَّه بن صالح قال حدثني معاوية بن صالح عن على بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي اللَّه ﵎ عنه في قوله تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قال: أقبلت عير أهل مكة تريد الشام فبلغ أهل المدينة ذلك فخرجوا ومعهم رسول اللَّه ﷺ
стр. 4532
يريدون العير فبلغ ذلك أهل مكة فأسرعوا السير إليها لكي لا يغلب عليها النبي ﷺ وكان اللَّه تعالى وعدهم إحدى الطائفتين وكانوا أن يلقوا العير أحب إليهم وأيسر شوكة وأحضر مغنما، فلما سبقت العير وفاتت رسول اللَّه ﷺ بالمسلمين يريد القوم فكره القوم مسيرهم لشوكة القوم، فنزل النبي ﷺ والمسلمون وبينهم وبين الماء رملة دعصة فأصاب المسلمين ضعف شديد وألقى الشيطان في قلوبهم القنط، يوسوسهم: تزعمون أنكم أولياء اللَّه وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم كذلك فأمطر اللَّه عليهم مطرا شديدا فشرب المسلمون وتطهروا، فأذهب اللَّه عنهم رجز الشيطان وصار الرمل كذا [ (١) ] ، ذكر كلمة أخبر أنه أصابه المطر، ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم وأمدّ اللَّه نبيه والمؤمنين بألف من الملائكة وكان جبريل ﵇ في خمسمائة من الملائكة مجنبة وميكائيل ﵇ في خمسمائة مجنبة، وجاء إبليس لعنه اللَّه في جند من الشياطين معه، رأيته في صورة رجال بني مدلج والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم فقال الشيطان للمشركين:
لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما اصطفّ القوم قال أبو جهل: اللَّهمّ أولانا بالحق فانصره،
ورفع رسول اللَّه ﷺ يديه وقال: اللَّهمّ إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب، فأخذ قبضة من تراب فرمى بها وجوههم، فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين،
وأقبل فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده ثم ولّى مدبرا وشيعته، فقال رجل:
يا سراقة ألم تزعم أنك لنا جار؟ قال: إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ [ (٢) ] وذلك حين رأى الملائكة.
وذكره موسى بن عقبة في مغازيه في غزوة بدر إلى أن قال: وأقبل المشركون ومعهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي يحدثهم أن بني كنانة وراءه قد أقبلوا للنصر وقال: لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ
стр. 4533
[ (١) ] لما أخبرهم من مسير بني كنانة، وقال: وأنزل اللَّه تعالى:
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ [ (٢) ] هذه الآية والتي بعدها ثم ساق القصة ونزول الملائكة إلى أن قال: ونكص الشيطان على عقبيه حين رأى الملائكة وتبرأ من نصر أصحابه.
وقد ذكر ذلك الواقدي أيضا في (مغازيه) [ (٣) ] قال: فلما أجمعت قريش المسير وذكروا الّذي بينهم وبين بني بكر من العداوة وخافوهم على من تخلف وكان أشدهم خوفا عتبة بن ربيعة، وكان يقول: يا معشر قريش إنكم وإن ظفرتم بالذي تريدون فإنا لا نأمن على من تخلف إنما تخلف نساء وذرية، ومن لا طعم به فارتأوا رأيكم فتصور لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي فقال: يا معشر قريش قد عرفتم شرفي ومكاني في قومي، وأنا لكم جار أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه فطابت نفس عتبة فقال له أبو جهل: فما تريد؟
هذا سيد كنانة هو لنا جار على من تخلف. فقال عتبة: لا شيء أنا خارج.
ثم ذكر القصة وقال [ (٤) ] : فحدثني عمر بن عقبة عن سعيد مولى بن عباس قال: سمعت ابن عباس يقول: لما تواقف الناس أغمي على رسول اللَّه ﷺ ساعة ثم كشف عنه فبشر المؤمنين بجبريل في جند من الملائكة ميمنة الناس، وميكائيل في جند آخر في ميسرة رسول اللَّه ﷺ ، وإسرافيل في جند آخر بألف، وإبليس قد تصور في صورة سراقة بن جعشم يذمر المشركين ويخبرهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس فلما أبصر عدو اللَّه الملائكة نكص على عقبيه وقال:
إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ [ (٥) ] ، فتشبث به الحارث بن هشام وهو يرى أنه سراقة، لما سمع من كلامه، فضرب في صدر الحارث فسقط الحارث
стр. 4534
وانطلق إبليس لا يرى حتى وقع في البحر، فرفع يديه وقال: يا رب موعدك الّذي وعدتني.
وأقبل أبو جهل على أصحابه يحضهم على القتال، وقال: لا يغرنكم خذلان سراقة إياكم فإنما كان على ميعاد من محمد وأصحابه، سيعلم إذا رجعنا إلى قديد ما نصنع بقومه لا يهولنكم مقتل عتية وشيبة والوليد، فإنّهم عجلوا وبطروا حتى قاتلوا، وأيم اللَّه لا نرجع اليوم حتى نقرن محمد وأصحابه في الحبال، ولا ألفين أحدا منكم قتل منهم أحدا، ولكن خذوهم أخذا نعرفهم بالذي صنعوا لمفارقتهم دينكم ورغبتهم عما كان يعبد آباؤكم.
وحدثني أبو إسحاق بن محمد عن إسحاق بن عبد اللَّه عن عمر بن الحكم قال: نادى يومئذ نوفل بن خويلد بن العدوية: يا معشر قريش إن سراقة وقد عرفتم قومه وخذلانهم لكم في كل موطن فاصدقوا القوم الضرب فإنّي أعلم أن ابني ربيعة قد عجلا في مبارزتهما من يبارز.
وحدثني عبيد بن يحيى عن معاذ بن رافعة بن رافع عن أبيه قال: إن كنا لنسمع من إبليس خورا، ودعا بالويل والثبور، وتصور في صورة سراقة بن جعشم حتى هرب فاقتحم البحر ورفع يديه مدا يقول: يا رب ما وعدتني، ولقد كانت قريش بعد ذلك ثعير سراقة بما صنع يومئذ فيقول: واللَّه ما صنعت منه شيئا [ (١) ] .
وحدثني أبو إسحاق الأسلمي عن الحسن بن عبيد اللَّه بن حنين مولى بني العباس عن عمارة بن أكيمة الليثي قال: حدثني شيخ عرّاك من الحي كان يومئذ على الساحل مطلا على البحر، قال: سمعت صياحا: يا ويلاه! قد ملأ الوادي، يا حزناه، فنظرت فإذا سراقة بن جعشم فدنوت منه فقال مالك: فداك أبي وأمي؟ فلم يرجع إليّ شيئا، ثم أراه اقتحم البحر فرفع يديه مدا يقول:
يا رب ما وعدتني، فقلت في نفسي: جنّ وبيت اللَّه سراقة، وذلك حين زاغت الشمس وذلك عند انهزامهم يوم بدر [ (٢) ] .
стр. 4535
وقال الضحاك: جاءهم إبليس يومئذ برايته وجنوده وألقى في قلوبهم أنهم انهزموا وهم يقاتلون على دين آبائهم.
وخرج مالك [ (١) ] ﵀ في (الموطأ) عن إبراهيم بن أبي عبلة عن طلحة بن عبيد اللَّه بن كريز أن رسول اللَّه ﷺ قال ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر، ولا أحقر، ولا أدحر، ولا أغيظ منه، في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز اللَّه عن الذنوب العظام، إلا ما رأى يوم بدر فقيل: ما رأى يوم بدر يا رسول اللَّه؟ فقال أما إنه قد رأى جبريل يزع [ (٢) ] الملائكة.
قال أبو عمر بن عبد البر: هكذا هذا الحديث في (الموطأ) عند جماعة الرواة له عن مالك. ورواه أبو النضر إسماعيل بن إبراهيم العجليّ عن مالك، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن طلحة بن عبيد اللَّه بن كريز، عن أبيه ولم يقل في هذا الحديث: عن أبيه غيري وليس بشيء، وطلحة بن عبيد اللَّه بن كريز هذا خزاعيّ من أنفسهم، تابعي، مدني، ثقة سمع ابن عمر وغيره، قال البخاري: سمع أم الدرداء. قال أبو عمر: هذا حديث حسن في فضل شهود ذلك الموقف المبارك، قال ومعني هذا الحديث محفوظ من وجوه كثيرة واللَّه أعلم.
стр. 4536
وأما تصديق اللَّه تعالى الرسول ﷺ في إخباره بمكة لأبي جهل أنه يقتل فقتله اللَّه ببدر وأنجز وعده لرسوله
فخرج أبو نعيم [ (١) ] من حديث إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا عبد العزيز بن عمران، حدثنا سعيد بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر رضي اللَّه ﵎ عنه قال: قال أبو جهل بن هشام: إن محمدا يزعم أنكم إن لم تطيعوه كان لكم منه ذبح، فقال رسول اللَّه ﷺ : أنا أقول ذلك، فلما نظر إليه يوم بدر مقتولا قال: اللَّهمّ قد أنجزت لي ما وعدتني،
فوجه أبا سلمة بن عبد الأسد قبل أبي جهل، فقيل لابن مسعود رضي اللَّه ﵎ عنه: أنت قتلته؟ قال: بل اللَّه قتله، فقال أبو سلمة: فأنت قتلته؟ قال: نعم، فقال أبو سلمة: لو شاء لجعلك في كفه، قال ابن مسعود: فو اللَّه لقد قتلته وجردته، قال: فما علامته؟ قال: شامة سوداء ببطن فخذه اليسرى، فعرف أبو سلمة النعت، فقال جردته ولم تجرد قرشيا غيره،
وقد تقدم قوله ﷺ : اللَّهمّ عليك بأبي جهل بن هشام
ودعاؤه ﷺ على قوم آخرين، وقول ابن مسعود: فو الّذي بعث محمدا بالحق لقد رأيت الّذي سمى صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر.
وخرج البخاري [ (٢) ] ومسلم [ (٣) ] من حديث يوسف بن الماجشون، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم بن عوف، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف- رضي اللَّه ﵎ عنه- أنه قال: بينما أنا
стр. 4537
واقف في الصف يوم بدر نظرت عن يميني وعن شمالي فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانها فتمنيت أن لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟
قال: أخبرت أنه يسبّ رسول اللَّه ﷺ ! والّذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يومت الأعجل منا قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال لي مثلها فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يرفل إلى الناس.
وقال البخاري: يجول في الناس، فقلت: ألا تريان هذا صاحبكم الّذي تسألان عنه؟ قال: فابتدراه فضرباه بسيفهما حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول اللَّه ﷺ فأخبراه فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: هل مسحتما سيفيكما فقالا: لا فنظر في السيفين فقال كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء [ (١) ] ، ذكره البخاري في كتاب فرض الخمس في باب من لم يخمس الأسلاب.
وقال محمد بن إسحاق [ (٢) ] حدثني ثور بن يزيد عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس رضي اللَّه ﵎ عنهما وعبد اللَّه بن أبي بكر أيضا قد حدثني ذلك قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة: سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة [ (٣) ] وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه، فلما سمعتها جعلته من شأني، فصمدت نحوه فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه، فو اللَّه ما أشبهها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخه النوى حين تضرب بها، وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي فأجهضني القتال عنه، ولقد قاتلت عامة
стр. 4538
يومي وإني لأسحبها خلفي فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت حتى طرحتها، قال [ (١) ] : ثم عاش معاذ بعد ذلك حتى كان زمان عثمان رضي اللَّه ﵎ عنه، قال: ثم مرّ بأبي جهل معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته فتركته وبه رمق، وقاتل معوذ، فمر عبد اللَّه بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول اللَّه ﷺ أن يلتمس في القتلى،
قال: ولقد قال لهم رسول اللَّه ﷺ فيما بلغني-: انظروا إن خفي عليكم في القتلى إلى أثر جرح بركبته
فإنّي ازدحمت أنا وهو على مأدبة لعبد اللَّه بن جدعان ونحن غلمان، فكنت أسن منه بيسير، فدفعته فوقع على ركبتيه فجحش في إحداهما، جحشا لم يزل أثره [به] [ (٢) ] . قال عبد اللَّه بن مسعود: فوجدته بآخر رمق، فعرفته، فوضعت رجلي على عنقه، وقد كان ضبث بي مرة بمكة فآذاني [ولكزني] [ (٣) ] ثم قلت: هل أخزاك اللَّه أي عدو اللَّه؟ قال: وبماذا أخزاني عدا رجل قتلتموه، أخبرني لمن الدبرة؟ قلت اللَّه ورسوله أعلم،
وزعم رجال من بني مخزوم أن ابن مسعود كان يقول: قال لي: لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا، ثم احتززت رأسه ثم جئت به رسول اللَّه ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه، هذا رأس عدو اللَّه أبي جهل! فقال رسول اللَّه ﷺ : آللَّه الّذي لا إله غيره؟ قلت: نعم واللَّه الّذي لا إله غيره ثم ألقيت رأسه بين يديه، فحمد اللَّه [ (٤) ] معنا.
وخرج البخاري [ (٥) ] من حديث إسماعيل بن عليّة قال: حدثنا سليمان التميمي، حدثنا أنس رضي اللَّه ﵎ عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ يوم بدر: من ينظر ما يصنع أبو جهل
فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد فقال: أأنت أبو جهل؟ قال: وهل فوق رجل قتلتموه؟ قال
стр. 4539
سليمان أو قال: قتله قومه. قال: وقال أبو مجلز: قال أبو جهل «فلو غير أكار قتلني. وخرج من طريق إسماعيل أنبأنا قيس عن عبد اللَّه أنه أتى أبا جهل وبه رمق يوم بدر، فقال أبو جهل هل أعمد من رجل قتلتموه [ (١) ] .
ومن طريق زهير حدثنا سليمان أن أنسا حدثهم أن النبي ﷺ قال: من ينظر ما صنع أبو جهل؟
فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد قال: أنت أبو جهل؟ وقال أحمد بن يونس: عن زهير أنت أبو جهل؟ فأخذ بلحيته قال: وهل فوق رجل قتلتموه أو قتله قومه؟ [ (٢) ] . وخرجه مسلم [ (٣) ] من طريق ابن علية.
وخرج البيهقي [ (٤) ] من طريق غنام بن على قال: حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق، عن عبد اللَّه قال: انتهيت إلى أبي جهل وهو صريع وعليه بيضة، ومعه سيف جيد، ومعي سيف رث، فجعلت أنقف رأسه بسيفي وأذكر نقفا كان ينقف رأسي بمكة حتى ضعفت يدي فأخذت سيفه فرفع رأسه فقال على من كانت الدبرة؟ لنا أم علينا؟ أليست رويعينا بمكة؟
قال: فقتلته، ثم أتيت النبي ﷺ فقلت قتلت أبا جهل؟ قال: آللَّه الّذي لا إله إلا هو؟ فاستحلفني ثلاث مرات ثم قام معي إليهم فدعا عليهم.
ومن طريق أبي صالح قال: حدثنا أبو إسحاق الفراري، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود قال: أتيت النبي ﷺ يوم بدر فقلت أبا جهل، فقال اللَّه الّذي لا إله إلا هو؟ قلت اللَّه الّذي لا إله إلا هو، مرتين أو ثلاثا قال: اللَّه أكبر، الحمد للَّه الّذي صدق عده، ونصر عبده، وهزم
стр. 4540
الأحزاب وحده، ثم قال «انطلق فأرنيه فانطلقت فأريته فقال: هذا فرعون هذه الأمة [ (١) ] .
وقال الإمام أحمد [ (٢) ] حدثنا زهير عن أبي إسحاق عن أبي عبيده عن النبي ﷺ أنه قال: إن هذا فرعون أمتي، يعني أبا جهل.
وقال الواقدي [ (٣) ] : وقف رسول اللَّه ﷺ على مصرع ابني عفراء فقال يرحم اللَّه ابني عفراء فهما شركاء في قتل فرعون هذه الأمة ورأس أئمة الكفر، فقيل: يا رسول اللَّه ومن قتله معهما؟ قال: الملائكة وابن مسعود شرك في قتله.
قال الواقدي: قال رسول اللَّه ﷺ : الحمد اللَّه الّذي جعل خدّ أبي جهل الأسفل، وصرعة، وشفانا منه.
وذكر يونس بن بكير عن عنبة بن الأزهر، عن أبي إسحاق قال: لما جاء رسول اللَّه ﷺ البشير يوم بدر بقتل أبي جهل استحلفه ثلاث أيمان باللَّه الّذي لا إله إلا هو، لقد رأيته قتيلا فحلف له فخرّ رسول اللَّه ﷺ ساجدا وقد جاء أنه ﷺ صلي ركعتين.
стр. 4541
وأما إجابة اللَّه تعالى دعاء الرسول ﷺ على أمية بن خلف وقتله ببدر
فخرج البخاري [ (١) ] من حديث يوسف بن الماجشون عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده عبد الرحمن بن عوف رضي اللَّه ﵎ عنه قال: كاتبت أمية بن خلف كتابا بأن يحفظني في صاغيتى بمكة وأحفظه في صاغتيه بالمدينة، فلما ذكرت الرحمن قال: لا أعرف الرحمن، كاتبني باسمك الّذي كان في الجاهلية، فاكتبته عبد عمرو، فلما كان يوم بدر خرجت إلى جبل لأحرزه حين نام الناس فأبصره بلال فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار فقال أمية بن خلف: لا نجوت إن نجا أمية، فجمع معه فريق من الأنصار في آثارنا فلما خشيت أن يلحقونا، خلفت لهم ابنه لأشغلهم به فقتلوه، ثم أبوا حتى يتبعونا. وكان رجلا ثقيلا فلما أدركونا قلت له:
ابرك، فبرك، فألقيت عليه نفسي لأمنعه، فجللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه، وكان عبد الرحمن بن عوف يرينا ذلك الأثر في ظهر قدمه.
قال البخاري سمع يوسف صالحا وإبراهيم إياه ذكر البخاري هذا الحديث في كتاب الوكالة، وترجم عليه إذا وكل المسلم حربيا في دار الحرب أو في دار السلام جاز، وخرجه في غزوة بدر [ (٢) ] ، وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق [ (٣) ]
стр. 4542
قال: حدثني يحيى بن عباده بن عبد اللَّه بن الزبير عن أبيه، وحدثني صالح بن إبراهيم عن عبد الرحمن بنو عوف قالا: كان عبد الرحمن بن عوف يقول كان أمية بن خلف صديقا لي بمكة وكان اسمي عبد عمرو، فلما أسلمت سميت عبد الرحمن، فلقيني فقال: يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماك به أبوك؟ فأقول نعم هداني اللَّه للإسلام فسميت عبد الرحمن قال إني لا أعرف الرحمن أما أنت فلا تجيبني باسمك الأول وأما أنا فلا أدعوك باسمك الآخر فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به تجيبني، فقلت: يا أبا على فقل ما شئت، قال: فأنت عبد الإله، وكان إذا لقيني قال يا عبد الإله فلما كان يوم بدر وهزم الناس استلبت أدراعا فمررت بهم أحملهن فرآني أمية وهو قائم مع ابنه عليّ آخذ بيده فقال: يا عبد عمرو، فلم أجبه، فقال: يا عبد الإله فقلت: نعم، فقال: هل لك فىّ وفي ابني فنحن خير لك من الأدراع التي تحمل؟ فقلت: نعم هايم اللَّه [ (١) ] إذا فألقيت الأدراع فأخذت بيده وبيد ابنه فجعل يقول: ما رأيت كاليوم قط أما لكم حاجه في اللبن؟ يقول الفداء فو اللَّه إني لأمشي معهما إذ رآهما معي بلال فقال رأس الكفر أمية بن خلف: لا نجوت إن نجوت! فقلت: أي بلال أبأسيري، فقال لا نجوت إن نجا، فصرخ بأعلى صوته يا معشر الأنصار رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة وجعلت أذب عنهما وأقول أسيري إذ أخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فطرحها فصاح أمية صيحة واللَّه ما سمعت صيحة مثلها قط، فقلت: أنج بنفسك فو اللَّه ما أغني عنك شيئا ونجاة فهبروه واللَّه بأسيافهم، حتى فرغوا منه، وكان عبد الرحمن يقول يرحم اللَّه بلالا ذهبت أدراعي وفجعني بأسيريّ [ (٢) ] .
стр. 4543
وخرج أبو نعيم من طريق يحيى بن بكير قال: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد اللَّه بن مسعود أن سعد بن معاذ خرج معتمرا فنزل على أمية بن خلف وكان أمية إذا خرج إلي الشام نزل على سعد فقال له: أمهل حتى يسكن أو يهدأ الناس ثم تطوف بالبيت فبينا هو يطوف بالبيت إذا رآه أبو جهل فقال من ذا الّذي يطوف بالبيت؟ قال: أنا سعد بن معاذ، قال: تطوف بالبيت وقد آويتم محمدا وأصحابه؟ فقال له سعد: واللَّه لئن منعتني لأقطعن عليك متجرك من الشام، فجعل أمية يمسك سعدا ويقول: لا ترفع صوتك على أبي الحكم، فإنه سيّد أهل الوادي، فغضب سعد ودفع في صدر أمية وقال: دعنا عنك فقد سمعت محمدا ﷺ يزعم أنه قاتلك، قال: إياي؟ قال:
نعم، قال: فو اللَّه ما يكذب محمد، فلما رجع إلى أم صفوان قال لها: أما تعلمين ما قال أخي اليثربي؟ قالت فو اللَّه ما يكذب محمد فلما جاء الصريخ فخرجوا إلى بدر قالت له امرأته: أما تذكر ما قال أخوك اليثربي؟ فأراد أن يقعد فقال له أبو جهل- أخزاه اللَّه-: إنك من أشراف أهل الوادي فسر بنا يوما أو يومين فسار معهم فقتله اللَّه تعالى.
وقال الواقدي [ (١) ] : وكان عبد الرحمن بن عوف يقول إني لأجمع أدراعا يوم بدر بعد أن ولى الناس فإذا أمية بن خلف وكان لي صديقا في الجاهلية، وكان اسمي عبد عمرو فلما جاء الإسلام تسميت عبد الرحمن، فكان يلقاني فيقول: يا عبد عمرو، فلا أجيبه فيقول إني لا أقول لك عبد الرحمن إن مسيلمة باليمامة يسمى عبد الرحمن، فأنا لا أدعوك إليه، فكان يدعوني عبد الإله، فلما كان يوم بدر، [رأيته] كأنه [جمل] أورق ومعه ابنه [عليّ] ، فناداني: يا عبد عمرو، فأبيت أن أجيبه، [فنادى] : يا عبد الإله، فأجبته، فقال: أما لكم حاجة في اللبن نحن خير لك من أدراعك هذه، فقلت: امضيا، فجعلت أسوقهما أمامي وقد رأى أميه أنه قد أمن بعض الأمن فقال لي أمية: رأيت رجلا فيكم اليوم معلما في صدره ريش نعامة من هو؟ فقلت: حمزة بن عبد المطلب، فقال: ذاك الّذي فعل بنا الأفاعيل، ثم قال: فمن رجل دحداح قصير معلم
стр. 4544
حمراء؟ قلت: ذاك رجل من الأنصار بقال له سماك بن خرشة. فقال: وبذاك [أيضا] يا عبد الإله صرنا اليوم جزرا لكم! قال: فبينما هو معي أزجيه أمامي ومعه ابنه إذ بصر به بلال وهو بعجن عجينا له فترك العجين وجعل [يفتل] يديه من اليمين [العجين] [فتلا] وهو ينادي يا معشر الأنصار، أمية بن خلف رأس الكفر، لا نجوت إن نجا فأقبلوا كأنهم عوذ [ (١) ] حنت إلى أولادها، حتى طرح أمية على ظهره، واضطجعت عليه، وأقبل الحباب بن المنذر فأدخل سيفه فاقتطع أرنبه أنفه، فلما فقد أمية أنفه قال: إيه عنك أي خل بيني وبينهم. قال عبد الرحمن: فذكرت قول حسان*
أو عن ذلك الأنف جادع،
قال: ويقبل إليه خبيب بن يساف فضربه حتى قتله، وقد [ضرب] أمية خبيب بن يساف حتى قطع يده من المنكب، فأعادها النبي ﷺ بيده فالتحمت واستوت، وتزوج خبيب بعد ذلك ابنة أبيّ بن خلف فرأت تلك الضربة فقالت: لا يشلل اللَّه يد رجل فعل هذا، فقال خبيب وأنا واللَّه قد أوردته شعوب، فكان خبيب يحدث قال: فأضربه فوق العاتق فأقطع عاتقه حتى بلغت مؤتزره وعليه الدرع وأنا أقول: خذها وأنا ابن يساف، وأخذت سلاحه ودرعا مقطوعا فأقبل عليّ ابن أمية فيعرض له الحباب [فقطع] رجله [ (٢) ] .
وذكر الواقدي [ (٣) ] أن رفاعة بن رافع هو الّذي قتل أمية في خبر ذكره.
واللَّه ﵎ أعلم.
стр. 4545
وأما إنجاز اللَّه تعالى وعده للرسول ﷺ وقتله صناديد قريش وإلقاؤهم في القليب
فخرج مسلم [ (١) ] من طريق حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ ترك قتلى بدر ثلاثا ثم أتاهم فقام عليهم ثم ناداهم فقال: يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإنّي وجدت ما وعدني ربي حقا، فسمع عمر رضى اللَّه ﵎ عنه قول النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه كيف يسمعون؟ وأني يجيبون وقد جيفوا؟ قال: والّذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا، ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر.
وخرج مسلم [ (٢) ] من طريق روح بن عبادة قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة قال: لما كان يوم بدر وظهر عليهم نبي اللَّه ﷺ أمر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش، فألقوا في طوى من أطواء بدر. وساق الحديث بمعنى حديث ثابت عن أنس
وخرج البخاري [ (٣) ] حديث روح، حدثنا سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك، عن أبى طلحة أن نبي اللَّه ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش، فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا:
ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته حتى قام على شفير الركى، فجعل يناديهم
стр. 4546
بأسمائهم وأسماء آبائهم فلان بن فلان ويا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم اللَّه ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟
قال: فقال عمر رضي اللَّه ﵎ عنه: يا رسول اللَّه ما تكلم من أجساد ولا أرواح لها فقال النبي ﷺ والّذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم
قال قتادة: أحياهم اللَّه حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا [ (١) ] ، ونقيمة [ (٢) ] وحسرة وندما.
وقال الواقدي في (مغازيه) [ (٣) ] : قالوا: وأمر اللَّه رسول اللَّه ﷺ يوم بدر بالقلب أن تغور، ثم أمر بالقتلى فطرحوا فيها اللَّهمّ إلا أمية بن خلف فإنه كان مسمنا انتفخ من يومه فلما أرادوا أن يلقوه تزايل لحمه فقال النبي ﷺ : اتركوه ونظر رسول اللَّه ﷺ إلى عتبة يجر إلى القليب وكان رجلا جسيما في وجهه أثر الجدري تغير وجه ابنه أبي حذيفة، فقال له النبي ﷺ : يا أبا حذيفة كأنك ساءك ما أصاب أباك؟ قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه، ولكني رأت لأبي عقلا وشرفا، كنت أرجو أن يهديه اللَّه للإسلام فلما أخطأه ذلك، ورأيت ما أصابه غاظني قال أبو بكر رضي اللَّه ﵎ عنه: كان واللَّه يا رسول اللَّه أتقى في العشيرة من غيرة وقد كان كارها لوجهه، ولكن الحين ومصارع السوء.
فلما توافوا في القليب وقد كان رسول اللَّه ﷺ يطوف عليهم وهم مصرعون وأبو بكر رضي اللَّه ﵎ عنه يخبره بهم رجلا رجلا، ورسول اللَّه ﷺ بحمد اللَّه ويشكره ويقول: الحمد للَّه الّذي أنجز لي ما وعدني، فقد وعدني إحدى الطائفتين.
стр. 4547
قال: ثم وقف رسول اللَّه ﷺ على أهل القليب فناداهم رجلا رجلا:
يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، يا أمية بن خلف، يا أبا جهل بن هشام، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإنّي قد وجدت ما وعدني ربي حقا، بئس القوم كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس، قالوا: يا رسول اللَّه! تنادي قوما قد ماتوا؟ قال رسول اللَّه ﷺ : قد علموا أن ما وعدهم ربهم حقا.
стр. 4548
وأما تصديق اللَّه تعالى رسوله ﷺ في قتل عتبة بن أبي معيط بمكة والنبي ﷺ مهاجر بالمدينة فكان يقول بمكة فيه بيتين من شعر
فقال النبي ﷺ لما بلغه قوله اللَّهمّ أكبه لمنخره واصرعه،
فجمح به فرسه يوم بدر، فأخذه عبد اللَّه بن سلمه العجلاني فأمر به النبي ﷺ عاصم بن أبي الأقلح فضرب عنقه صبرا.
وقال الواقدي في (مغازيه) [ (١) ] وكان عقبه بن أبي معيط والنبي ﷺ مهاجر بالمدينة فكان يقول بمكة:
يا راكب الناقة القصواء هاجرنا ... عما قليل تراني راكب الفرس
أعلّ رمحي فيكم ثم أنهله ... والسيف يأخذ منكم كل ملتبس
فقال النبي ﷺ وبلغه قوله: اللَّهمّ أكبه لمنخره واصرعه،
فجمح به فرسه يوم بدر، فأخذه عبد اللَّه بن سلمه العجلاني فأمر به النبي ﷺ عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فضرب عنقه صبرا.
وخرج أبو نعيم [ (٢) ] من طريق محمد بن السائب عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي اللَّه ﵎ عنهما، قال: كان عقبة بن أبي معيط لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما فدعا عليه جبرانه أهل مكة كلهم، قال: وكان يكثر مجالسة النبي ﷺ ويعجبه حديثه، ويغلب عليه الشقاء، فقدم ذات يوم من سفره فصنع طعاما ودعا رسول اللَّه ﷺ إلى طعامه، فقال: ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه، قال: أطمعها يا ابن أخي قال: ما أنا بالذي أفعل حتى تقول فشهد بذلك، فطعم من طعامه فبلغ ذلك أبي بن خلف فأتاه فقال: أصبوت يا عقبة؟ - وكان خليله- فقال: لا واللَّه ما
стр. 4549
صبوت، ولكن دخل عليّ رجل فأبى أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم فشهدت له فطعم، قال: ما أنا بالذي أرضى عنك أبدا حتى تأتيه فتبزق في وجهه وتطأ على عنقه، قال: ففعل عقبة ذلك وأخذ رحما فألقاه بين كتفيه فقال له رسول اللَّه ﷺ لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف، فأسر عقبة يوم بدر فقتل صبرا،
ولم يقتل من الأسارى يومئذ غيره، قتله ثابت بن أبي الأقلح.
قال: ورواه جعفر أبي المغيرة رضي اللَّه ﵎ عنه، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللَّه ﵎ عنهما أن ابن أبي معيط كان يجلس مع النبي ﷺ بمكة لا يؤذيه، وكان رجلا حليما وكان يقيه من قريش، وكانت قريش إذا جلسوا معه آذوه وكان ابن أبيّ خلف غائب عنه بالشام فقالت قريش: صبأ ابن أبي معيط فقدم خليله من الشام ليلا، فقال لامرأته: ما فعل محمد فيما كان عليه؟ فقالت: هو أشد ما كان أمرا، فقال لها ما فعل خليلي؟
ابن أبي معيط؟ فحيّاه فلم يردّ عليه التحية، فقال: مالك لا ترد عليّ تحيتي؟
فقال: كيف أردّ عليك تحيتك وقد صبوت؟ قال: وقد فعلتها قريش؟ قال: نعم قال: يبرئ صدورهم إن أنا فعلت؟ قال: تأتيه على مجلسه فتبزق في وجهه وتشتمه بأخبث ما تعلم،
فلم يزد النبي ﷺ على أن مسح وجهه من البزاق، ثم التفتت إليه فقال: لئن وجدتك خارجا من جبال مكة لأضربن عنقك صبرا، فلما كان يوم بدر وخرج أصحابه، أبي أن يخرج، فقال له أصحابه: اخرج معنا فقال وعدني هذا الرجل إن أخذني خارجا من جبال مكة لضرب عنقي صبرا، فقالوا: لك جملا حمولا بدرك فإن كانت الهزيمة طرت، فخرج معهم، فلما هزم اللَّه المشركين وحل به جمله في جدد من الأرض، فأخذه رسول اللَّه ﷺ أسيرا في سبعين من قريش، فيهم العباس بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب، فجعل عليهم الفداء أربعين أوقية من ذهب، وجعل على العباس مائه أوقية، وعلى عقيل بن أبي طالب ثمانين أوقية، وقدم إليه ابن أبي معيط فقال:
أتقتلني من بين هؤلاء، وأنا أكبرهم سنا وأكثرهم مالا؟ قال: نعم بما بزقت في وجهي،
فأنزل اللَّه تعالى في ابن أبي معيط وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ
стр. 4550
يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا* يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا [ (١) ] .
فقال عباس: القرابة صنعت هذا، فو الّذي يحلف به العباس، لقد تركتني فقير قريش، وقد استودعت بنادق الذهب أم الفضل، ثم أقبلت إليّ فقلت لها: إن قتلت فقد تركتك غنية ما بقيت، وإن أرجع فلا يهمنك شيء، فقال: إني أشهد أن الّذي تقوله قد كان، وما اطلع عليه إلا اللَّه قال: فأنزل اللَّه تعالى على نبيه ﷺ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ [ (٢) ] الآية فقال العباس حين نزلت [ (٣) ] : لوددت أنك كنت أخذت مني أضعافها، فأتاني اللَّه خيرا منها [ (٤) ] .
стр. 4551
وأما إجابة دعوة النبي ﷺ في نوفل بن خويلد [ (١) ]
قال الواقدي في (مغازيه) [ (٢) ] فحدثني معمر عن الزهري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : اللَّهمّ اكفني نوفل بن خويلد، وأقبل نوفل يومئذ وهو مرعوب قد رأى قتل أصحابه، وكان في أول ما التقوا هم والمسلمون يصيح بصوت له زجل رافعا صوته: يا معشر قريش، إن هذا اليوم يوم العلاء والرفعة، فلما رأى قريشا قد انكشفت جعل يصيح بالأنصار: ما حاجتكم إلى دمائنا؟ أما ترون من تقتلون؟ أما لكم في اللبن من حاجة؟ فأسره جبار بن صخر فهو يسوقه أمامه، فجعل نوفل يقول لجبار- وقد رأى عليا رضي اللَّه ﵎ عنه مقبلا نحوه: يا أخا الأنصار، من هذا؟ واللات والعزى إني لأرى رجلا إنه ليريدني، قال: هذا عليّ بن أبي طالب، قال: ما رأيت كاليوم رجلا أسرع في قومه منه فيصمد له عليّ رضي اللَّه ﵎ عنه فيضربه فنشب سيف عليّ في جحفته ساعة، ثم نزعه فيضرب ساقيه ودرعه مشمرة فقطعهما، ثم أجهز عليه فقتله فقال رسول اللَّه ﷺ : من له علم بنوفل بن خويلد؟ فقال علي أنا قتلته قال: فكبر رسول اللَّه ﷺ وقال: الحمد للَّه الّذي أجاب دعوتي فيه.
стр. 4552
وأما إعلام النبي ﷺ عمه العباس بما كان بينه وبين امرأته أم الفضل، لم يطّلع عليه أحد
فخرج أبو نعيم [ (١) ] من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني الحسن بم عمارة عن الحكم عن مقسم، عن ابن عباس رضي اللَّه ﵎ عنه، قال: كان الّذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن سلمة، ويقال: كعب بن عمرو بن مالك بن عمرو بن عباد بن عمر بن تميم بن شداد بن عثمان بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي، وكان أبو اليسر رجلا مجموعا [ (٢) ] ، وكان العباس رجلا جسيما، فقال رسول اللَّه ﷺ : يا أبا اليسر كيف أسرت العباس؟
فقال: يا رسول اللَّه لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، وهيئته كذا وكذا فقال رسول اللَّه ﷺ : لقد أعانك عليه ملك كريم.
وذكر الكلبي أن عبيد بن أوس بن مالك بن سواد بن كعب وهو ظفر ابن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس أبا النعمان الأنصاري الظفري أسر العباس وعقيلا.
وقال ابن عبد البر [ (٣) ] : هو الّذي أسر عقيل بن أبي طالب ويقال: إنه أسر العباس ونوفلا وعقيلا فقرنهم في حبل وأتى بهم رسول اللَّه ﷺ فقال له رسول اللَّه ﷺ : لقد أعانك عليهم ملك كريم، وسماه رسول اللَّه ﷺ مقرنا،
وبنو سلمة يدّعون أن أبا اليسر كعب بن عمرو أسر العباس وكذلك قال ابن إسحاق.
стр. 4553
وخرج أبو نعيم [ (١) ] من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد اللَّه بن موسى، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن عليّ بن أبي طالب رضي اللَّه ﵎ عنه، وذكر وقعة بدر، قتلنا منهم سبعين وأسرنا سبعين، قال: فجاء رجل من الأنصار فصير بالعباس أسيرا، فقال العباس: يا رسول اللَّه إن هذا واللَّه ما أسرني لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق، وما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول اللَّه فقال رسول اللَّه ﷺ لقد أيّدك اللَّه بملك كريم.
ومن طريق عبد اللَّه بن المبارك قال: حدثني جرير بن حازم، عن على ابن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس رضي اللَّه ﵎ عنه قال: قلت لأبي: يا أبت كيف أسرك أبو اليسر ولو شئت لجعلته في كفك؟ قال:
يا بني! لا تقل ذلك لقد لقيني وهو أعظم في عيني من الحندمة [ (٢) ] .
ومن طريق محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء عن ابن عباس قال: لما نزلت يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى [ (٣) ] كان العباس يقول: في نزلت هذه الآية حين أخبرت رسول اللَّه ﷺ بإسلامي فسألته أن يحاسبني بالعشرين أوقية التي أخذت مني فأبى رسول اللَّه ﷺ ، وأعطاني بالعشرين أوقية عشرين عبدا كلهم تاجر بمال معه في يده معها أرجو مغفرة اللَّه ورحمته.
وعن الكلبي، عن أبي صالح، عن بن عباس، عن جابر، عن عبد اللَّه ابن دياب قال: قال العباس في نزلت هذه الآية حين ذكرت لرسول اللَّه ﷺ إسلامي فسألته أن يقاضيني بالعشرين الأوقية التي أخذت مني فأبي فعوضني اللَّه بها بعشرين عبدا كلهم تاجر يضرب بماله، ومعها أرجو رحمة اللَّه تعالى ومغفرته [ (٤) ] .
стр. 4554
قال ابن إسحاق: حدثني بعض أصحابنا عن مقسم، عن ابن عباس قال: كان الّذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو وكان أبو اليسر مجموعا وكان العباس رضي اللَّه ﵎ عنه رجلا جسيما فقال رسول اللَّه ﷺ للعباس: أفد نفسك وابني أخيك عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، وحليفك عتبة بن عمرو بن جحدم أخا بلحارث بن فهر، فإنك ذو مال، قال:
يا رسول اللَّه إني كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني، قال: اللَّه أعلم بإسلامك ولكن إن يك ما تقول حقا فاللَّه يجزيك به فأما ظاهر أمرك فكان علينا، فافد نفسك، وقد كان رسول اللَّه ﷺ أخذ منه عشرين أوقية من ذهب، فقال العباس: يا رسول اللَّه أحسبها من فدائي، قال: لا ذاك شيء أعطاناه اللَّه منك، قال: فإنه ليس لي مال قال: فأين المال الّذي وضعت بمكة حين خرجت من عند أم الفضل ابنة الحارث، وليس معكما أحد؟ ثم قلت: إن أصبت في سفري فللفضل كذا، ولعبد اللَّه كذا؟ قال: والّذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد غيري وغيرها، وإني لأعلم أنك رسول اللَّه، ففدى العباس نفسه وابني أخيه وحليفه.
وقال جرير عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر أسر سبعون فجعل رسول اللَّه ﷺ أربعين أوقية ذهب، وجعل على عمه العباس مائة، وعلى عقيل ثمانين، فقال العباس:
ألقرابة صنعت هذا؟ والّذي يحلف به العباس لقد تركتني فقير قريش ما بقيت، قال: كيف تكون فقير قريش وقد استودعت أم الفضل بنادق الذهب؟ ثم أقبلت إليّ فقلت لها: إن قتلت تركتك غنية وإن رجعت فلا يهمنك شيء،
فقال: إني أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أنك رسول اللَّه، ما أخبرك بهذا إلا اللَّه ، وأنزل اللَّه تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ (١) ] فقال حين نزلت: يا نبي اللَّه لوددت أنك كنت أخذت مني أضعافها، وآتاني اللَّه خيرا منها [ (٢) ] .
стр. 4555
وأما إخباره ﷺ عمير بن وهب بن خلف بن وهب ابن حذافة بن جمح الجمحيّ أبا أمية وهو المضرّب بما همّ به من قتله [رسول اللَّه ﷺ ]
فقال إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق [ (١) ] ، عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال: جلس عمير بن وهب الجمحيّ مع صفوان بن أمية بعد مصاب أهل بدر من قريش بيسير وهو في الحجر، وكان عمر بن وهب شيطانا من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول اللَّه ﷺ وأصحابه به ويلقون منه عنتا وهم بمكة، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى أصحاب بدر.
قال: فذكر أصحاب القليب ومصابهم فقال صفوان: واللَّه إن في العيش خير بعدهم، فقال له عمير: صدقت واللَّه أما واللَّه لولا دين عليّ ليس عندي قضاء له، وعيال أخشى عليهم الضّيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله فإن لي قبلهم علة: ابني أسير في أيديهم، فاغتنمها صفوان بن أمية فقال: عليّ دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي [أو اسيهم] ، لا يسعني شيء ويعجز، عنهم قال له عمير: فأكتم عليّ شأني [وشأنك] ، قال: أفعل.
ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له وسمّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة فبينا عمر ابن الخطاب رضي اللَّه ﵎ عنه في نفر من المسلمين في المسجد يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم اللَّه به، وما أراهم من عدوهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد متوشحا بالسيف، فقال: هذا الكلب عدو اللَّه عمير بن وهب، ما جاء إلا لشر، وهو الّذي حرّش بيننا وحزرنا [للقوم] يوم بدر.
ثم دخل على رسول اللَّه ﷺ فقال: يا نبي اللَّه! هذا عدو اللَّه عمير بن وهب قد جاء متوشحا بسيفه، قال: فأدخله عليّ، قال: فأقبل عمر حتى أخذ