وأما إجابة دعوة النبي ﷺ في نوفل بن خويلد [ (١) ]
قال الواقدي في (مغازيه) [ (٢) ] فحدثني معمر عن الزهري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : اللَّهمّ اكفني نوفل بن خويلد، وأقبل نوفل يومئذ وهو مرعوب قد رأى قتل أصحابه، وكان في أول ما التقوا هم والمسلمون يصيح بصوت له زجل رافعا صوته: يا معشر قريش، إن هذا اليوم يوم العلاء والرفعة، فلما رأى قريشا قد انكشفت جعل يصيح بالأنصار: ما حاجتكم إلى دمائنا؟ أما ترون من تقتلون؟ أما لكم في اللبن من حاجة؟ فأسره جبار بن صخر فهو يسوقه أمامه، فجعل نوفل يقول لجبار- وقد رأى عليا رضي اللَّه ﵎ عنه مقبلا نحوه: يا أخا الأنصار، من هذا؟ واللات والعزى إني لأرى رجلا إنه ليريدني، قال: هذا عليّ بن أبي طالب، قال: ما رأيت كاليوم رجلا أسرع في قومه منه فيصمد له عليّ رضي اللَّه ﵎ عنه فيضربه فنشب سيف عليّ في جحفته ساعة، ثم نزعه فيضرب ساقيه ودرعه مشمرة فقطعهما، ثم أجهز عليه فقتله فقال رسول اللَّه ﷺ : من له علم بنوفل بن خويلد؟ فقال علي أنا قتلته قال: فكبر رسول اللَّه ﷺ وقال: الحمد للَّه الّذي أجاب دعوتي فيه.
стр. 4552
وأما إعلام النبي ﷺ عمه العباس بما كان بينه وبين امرأته أم الفضل، لم يطّلع عليه أحد
فخرج أبو نعيم [ (١) ] من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني الحسن بم عمارة عن الحكم عن مقسم، عن ابن عباس رضي اللَّه ﵎ عنه، قال: كان الّذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن سلمة، ويقال: كعب بن عمرو بن مالك بن عمرو بن عباد بن عمر بن تميم بن شداد بن عثمان بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي، وكان أبو اليسر رجلا مجموعا [ (٢) ] ، وكان العباس رجلا جسيما، فقال رسول اللَّه ﷺ : يا أبا اليسر كيف أسرت العباس؟
فقال: يا رسول اللَّه لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، وهيئته كذا وكذا فقال رسول اللَّه ﷺ : لقد أعانك عليه ملك كريم.
وذكر الكلبي أن عبيد بن أوس بن مالك بن سواد بن كعب وهو ظفر ابن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس أبا النعمان الأنصاري الظفري أسر العباس وعقيلا.
وقال ابن عبد البر [ (٣) ] : هو الّذي أسر عقيل بن أبي طالب ويقال: إنه أسر العباس ونوفلا وعقيلا فقرنهم في حبل وأتى بهم رسول اللَّه ﷺ فقال له رسول اللَّه ﷺ : لقد أعانك عليهم ملك كريم، وسماه رسول اللَّه ﷺ مقرنا،
وبنو سلمة يدّعون أن أبا اليسر كعب بن عمرو أسر العباس وكذلك قال ابن إسحاق.
стр. 4553
وخرج أبو نعيم [ (١) ] من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد اللَّه بن موسى، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن عليّ بن أبي طالب رضي اللَّه ﵎ عنه، وذكر وقعة بدر، قتلنا منهم سبعين وأسرنا سبعين، قال: فجاء رجل من الأنصار فصير بالعباس أسيرا، فقال العباس: يا رسول اللَّه إن هذا واللَّه ما أسرني لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق، وما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول اللَّه فقال رسول اللَّه ﷺ لقد أيّدك اللَّه بملك كريم.
ومن طريق عبد اللَّه بن المبارك قال: حدثني جرير بن حازم، عن على ابن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس رضي اللَّه ﵎ عنه قال: قلت لأبي: يا أبت كيف أسرك أبو اليسر ولو شئت لجعلته في كفك؟ قال:
يا بني! لا تقل ذلك لقد لقيني وهو أعظم في عيني من الحندمة [ (٢) ] .
ومن طريق محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء عن ابن عباس قال: لما نزلت يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى [ (٣) ] كان العباس يقول: في نزلت هذه الآية حين أخبرت رسول اللَّه ﷺ بإسلامي فسألته أن يحاسبني بالعشرين أوقية التي أخذت مني فأبى رسول اللَّه ﷺ ، وأعطاني بالعشرين أوقية عشرين عبدا كلهم تاجر بمال معه في يده معها أرجو مغفرة اللَّه ورحمته.
وعن الكلبي، عن أبي صالح، عن بن عباس، عن جابر، عن عبد اللَّه ابن دياب قال: قال العباس في نزلت هذه الآية حين ذكرت لرسول اللَّه ﷺ إسلامي فسألته أن يقاضيني بالعشرين الأوقية التي أخذت مني فأبي فعوضني اللَّه بها بعشرين عبدا كلهم تاجر يضرب بماله، ومعها أرجو رحمة اللَّه تعالى ومغفرته [ (٤) ] .
стр. 4554
قال ابن إسحاق: حدثني بعض أصحابنا عن مقسم، عن ابن عباس قال: كان الّذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو وكان أبو اليسر مجموعا وكان العباس رضي اللَّه ﵎ عنه رجلا جسيما فقال رسول اللَّه ﷺ للعباس: أفد نفسك وابني أخيك عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، وحليفك عتبة بن عمرو بن جحدم أخا بلحارث بن فهر، فإنك ذو مال، قال:
يا رسول اللَّه إني كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني، قال: اللَّه أعلم بإسلامك ولكن إن يك ما تقول حقا فاللَّه يجزيك به فأما ظاهر أمرك فكان علينا، فافد نفسك، وقد كان رسول اللَّه ﷺ أخذ منه عشرين أوقية من ذهب، فقال العباس: يا رسول اللَّه أحسبها من فدائي، قال: لا ذاك شيء أعطاناه اللَّه منك، قال: فإنه ليس لي مال قال: فأين المال الّذي وضعت بمكة حين خرجت من عند أم الفضل ابنة الحارث، وليس معكما أحد؟ ثم قلت: إن أصبت في سفري فللفضل كذا، ولعبد اللَّه كذا؟ قال: والّذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد غيري وغيرها، وإني لأعلم أنك رسول اللَّه، ففدى العباس نفسه وابني أخيه وحليفه.
وقال جرير عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر أسر سبعون فجعل رسول اللَّه ﷺ أربعين أوقية ذهب، وجعل على عمه العباس مائة، وعلى عقيل ثمانين، فقال العباس:
ألقرابة صنعت هذا؟ والّذي يحلف به العباس لقد تركتني فقير قريش ما بقيت، قال: كيف تكون فقير قريش وقد استودعت أم الفضل بنادق الذهب؟ ثم أقبلت إليّ فقلت لها: إن قتلت تركتك غنية وإن رجعت فلا يهمنك شيء،
فقال: إني أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أنك رسول اللَّه، ما أخبرك بهذا إلا اللَّه ، وأنزل اللَّه تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ (١) ] فقال حين نزلت: يا نبي اللَّه لوددت أنك كنت أخذت مني أضعافها، وآتاني اللَّه خيرا منها [ (٢) ] .
стр. 4555
وأما إخباره ﷺ عمير بن وهب بن خلف بن وهب ابن حذافة بن جمح الجمحيّ أبا أمية وهو المضرّب بما همّ به من قتله [رسول اللَّه ﷺ ]
فقال إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق [ (١) ] ، عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال: جلس عمير بن وهب الجمحيّ مع صفوان بن أمية بعد مصاب أهل بدر من قريش بيسير وهو في الحجر، وكان عمر بن وهب شيطانا من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول اللَّه ﷺ وأصحابه به ويلقون منه عنتا وهم بمكة، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى أصحاب بدر.
قال: فذكر أصحاب القليب ومصابهم فقال صفوان: واللَّه إن في العيش خير بعدهم، فقال له عمير: صدقت واللَّه أما واللَّه لولا دين عليّ ليس عندي قضاء له، وعيال أخشى عليهم الضّيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله فإن لي قبلهم علة: ابني أسير في أيديهم، فاغتنمها صفوان بن أمية فقال: عليّ دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي [أو اسيهم] ، لا يسعني شيء ويعجز، عنهم قال له عمير: فأكتم عليّ شأني [وشأنك] ، قال: أفعل.
ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له وسمّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة فبينا عمر ابن الخطاب رضي اللَّه ﵎ عنه في نفر من المسلمين في المسجد يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم اللَّه به، وما أراهم من عدوهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد متوشحا بالسيف، فقال: هذا الكلب عدو اللَّه عمير بن وهب، ما جاء إلا لشر، وهو الّذي حرّش بيننا وحزرنا [للقوم] يوم بدر.
ثم دخل على رسول اللَّه ﷺ فقال: يا نبي اللَّه! هذا عدو اللَّه عمير بن وهب قد جاء متوشحا بسيفه، قال: فأدخله عليّ، قال: فأقبل عمر حتى أخذ
стр. 4556
بحمالة سيفه في عنقه فلبه بها، وقال لرجال ممن كان معه من الأنصار:
ادخلوا على رسول اللَّه فاجلسوا عنده، واحذروا [عليه من] هذا الخبيث، فإنه غير مأمون، ثم دخل به على رسول اللَّه ﷺ .
فلما رآه ﷺ وعمر رضي اللَّه ﵎ عنه آخذ بحمالة سيفه في عنقه قال: أرسله يا عمر، ادن يا عمير، فدنا ثم قال: انعموا صباحا- وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم- فقال رسول اللَّه ﷺ : قد أكرمنا اللَّه بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة، قال: أما واللَّه يا محمد إن كنت لحديث عهد بها، قال فما أقدمك؟ قال: جئتك لهذا الأسير الّذي في أيديكم، فأحسنوا فيه، قال: فما بال السيف في عنقك؟ قال: قبحها اللَّه من سيوف، وهل أغنت شيئا؟ قال: أصدقني ما الّذي جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك.
قال بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين عليّ وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك حتى تقتلني له، واللَّه حائل بينك وبين ذلك.
قال عمير: أشهد أنك رسول اللَّه، وقد كنا [يا رسول اللَّه] نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فو اللَّه إني لأعلم إنه ما أتاك به إلا اللَّه، فالحمد للَّه الّذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق، ثم تشهد بشهادة الحق، فقال رسول اللَّه ﷺ : فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره، قال:
ففعلوا.
ثم قال: يا رسول اللَّه، إني كنت جاهدا على إطفاء نور اللَّه، شديد الأذى لمن كان على دين اللَّه، وإني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة، فأدعوهم إلي اللَّه وإلى الإسلام، لعل اللَّه أن يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك.
قال: فأذن له رسول اللَّه ﷺ ، فلحق بمكة، وكان صفوان بن أمية حين خرج عمير بن وهب يقول لقريش: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عنه الركبان، حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه فحلف لا يكلمه أبدا ولا ينفعه بنفع أبدا، فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى
стр. 4557
الإسلام ويؤذي من خالفه إيذاء شديدا، وكان رجلا شهما منعيا، فأسلم على يديه ناس كثير، [فلما انقضى أمر بدر أنزل اللَّه فيه القرآن [سورة] الأنفال بأسرها] [ (١) ] .
وقد ذكر قصة عمير بن وهب موسى بن عقبه رحمه اللَّه تعالى وذكرها الواقدي في (مغازيه) [ (٢) ] فقال: ثم قال: حدثني محمد بن أبي حميد عن عبد اللَّه بن عمرو بن أمية قال: لما قدم عمير بن وهب في أهله ولم يقرب صفوان بن أمية فأظهر الإسلام ودعا إليه، فبلغ صفوان فقال: قد عرفت حين لم يبدأ بي قبل منزله أنه قد ارتكس، وحلف باللات والعزى لا أكلمه من رأسي أبدا ولا أنفعه ولا عياله بنافعة أبدا، فوقف عليه عمير وهو في الحجر فأعرض عنه، فقال عمير: أنت سيد من ساداتنا أرأيت الّذي كنا عليه من عبادة حجر والذبح له، أهذا دين؟ أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا عبده ورسوله، فلم يجبه صفوان بكلمة.
стр. 4558
وأما إخباره ﷺ قباث بن أشيم [ (١) ] بن عامر بن الملوّح الكناني ويقال الليثي- بما قاله في نفسه، وقد انهزم فيمن انهزم يوم بدر
فقال الواقدي في (مغازيه) [ (٢) ] : وكان قباث بن أشيم الكنانيّ يقول:
شهدت مع المشركين بدرا وإني لأنظر لقلة أصحاب محمد في عيني، وكثرة ما منعنا من الخيل والرجال، فانهزمت فيمن انهزم، فلقد رأيتني وإني لأنظر إلى المشركين في كل وجه وإني لأقول في نفسي: ما رأيت مثل هذا الأمر فرّ منه إلا النساء، وصاحبني رجل، فبينما هو يسير معي إذ لحقنا من خلفنا، فقلت لصاحبي: أبك نهوض؟ قال: لا واللَّه، ما هو بي، قال: وعقر فترفعت، فلقد صبحت غيقة قبل الشمس، كنت هاديا بالطريق ولم أسلك المحاج وخفت من الطلب فتنكيت عنها، فلقيني رجل من قومي بغيقة [ (٣) ] ، فقال: ما وراءك؟ قلت:
لا شيء! قتلنا، وأسرنا، وانهزمنا، فهل عنك من حملان؟ قال: فحملني على بعير، وزودني زادا حتى لقيت الطريق بالجحفة، ثم مضيت حتى دخلت مكة،
стр. 4559
وإني لأنظر إلى الحيسمان بن حابس الخزاعي بالغميم، فعرفت أنه تقدم ينعى قريشا بمكة، فلو أردت أن أسبقه لسبقته، فتكبت عنه حتى سبقني ببعض النهار، فقدمت وقد انتهى إلى مكة خبر قتلاهم وهم يلعنون الخزاعي ويقولون:
ما جاءنا بخير، فمكث بمكة، فلما كان بعد الخندق قلت: لو قدمت المدينة فنظرت ما يقول محمد،
وقد وقع في قلبي الإسلام فقدمت المدينة فسألت عن رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: هو ذاك في ظل المسجد مع ملأ من أصحابه، فأتيته، وأنا لا أعرفه من بينهم، فسلمت، فقال: يا قباث بن أشيم، أنت القائل يوم بدر ما رأيت مثل هذا الأمر فرّ منه إلا النساء؟ قلت: أشهد أنك رسول اللَّه وأن هذا الأمر ما خرج مني إلى أحد قط وما ترمرمت [ (١) ] به إلا شيئا حدثت به نفسي فلولا أنك نبي ما أطلعك اللَّه عليه، هلم حتى أبايعك. فعرض علي الإسلام فأسلمت.
стр. 4560
وأما قيام سهيل بن عمرو [ (١) ] والمقام الّذي خبّر به النبي ﷺ عمر بن الخطاب رضي اللَّه ﵎ عنه يوم بدر
فقال الواقدي [ (٢) ]﵀ ولما أسر سهيل بن عمرو يوم بدر، قال عمر رضي اللَّه ﵎ عنه: يا رسول اللَّه انزع ثنيته يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا أبدا، فقال رسول اللَّه ﷺ : لا أمثل به فيمثل اللَّه بي، وإن كنت نبيا، ولعله يقوم مقاما لا تكرهه،
فقام سهيل بن عمرو حين جاءه وفاة النبي ﷺ بخطبة أبي بكر رضي اللَّه ﵎ عنه حين بلغه كلام سهيل: أشهد أنك رسول اللَّه، يريد حيث
قال النبي ﷺ لعله يقوم مقاما لا تكرهه.
وقال أبو عمر بن عبد البر: [ (٣) ] سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ بن غالب القرشي العامري، يكنى أبا يزيد، كان أحد أشراف قريش وساداتهم في الجاهلية أسر يوم بدر كافرا، وكان خطيب قريش، فقال عمر رضي اللَّه ﵎ عنه:
يا رسول، اللَّه انزع ثنيته فلا يقوم عليك خطيبا أبدا، فقال ﷺ : دعه فعسى أن يقوم مقاما تحمده،
وكان الّذي أسره مالك بن الدخشم، فقدم مكرز بن حفص بن الأحنف العامري فقاطعهم في فدائه، وقال: ضعوا أرجلى في القيد حتى يأتي الفداء، ففعلوا ذلك.
وكان سهيل أعلم، أي مشقوق الشفة العليا، وهو الّذي جاء في الصلح يوم الحديبيّة، فقال رسول اللَّه ﷺ حين رآه: قد سهل أمركم،
وعقد مع رسول اللَّه ﷺ الصلح يؤمئذ وهو كان يتولى ذلك دون سائر قريش.
وكان المقام الّذي قام به في الإسلام الّذي
قاله رسول اللَّه ﷺ لعمر رضي اللَّه ﵎ عنه: دعه فعسى أن يقوم مقاما تحمده،
فكان مقامه ذلك أنه لما هاج أهل مكة عند وفاة النبي ﷺ ، وارتدّ من ارتد من العرب، قام سهيل بن
стр. 4561
عمرو خطيبا، فقال: واللَّه أعلم أن هذا الذين سيمتد امتداد الشمس في طلوعها إلى غروبها، فلا يغرنكم هذا من أنفسكم، يعنى أبا سفيان، فإنه ليعلم من هذا الأمر ما أعلم، ولكنه قد ختم على صدره حسد بنى هاشم، وأتى في خطبته بمثل ما جاء به أبو بكر رضي اللَّه ﵎ عنه بالمدينة، فكان ذلك معنى قول رسول اللَّه ﷺ فيه لعمر رضي اللَّه ﵎ عنه أعلم.
وقال أسد بن موسى عن سعيد بن عبد اللَّه الجمحيّ، عن عبد اللَّه بن عمير الليثي، عن أبيه قال: مات رسول اللَّه ﷺ وعلى مكة وعاملها عتاب بن أسيد، فلما بلغهم موت النبي ﷺ ضج أهل المسجد، فبلغ عتاب، فخرج حتى دخل شعبا من شعاب مكة، وسمع أهل مكة الضجيج، فوافى رجالهم إلى المسجد، فقال سهيل بن عمرو: أين عتاب؟ وجعل يستدل عليه، حتى أتى عليه الشعب، فقال: مالك؟ قال: مات رسول اللَّه ﷺ ! فقال: قم في الناس فتكلم، قال: لا أطيق الكلام مع موت رسول اللَّه ﷺ ، قال: فاخرج معي فأنا أكفيكه، فخرجا، حتى أتيا المسجد، فقام سهيل خطيبا فحمد اللَّه وأثنى عليه، وخطب مثل خطبه أبي بكر، لم يجزم منها شيئا
وكان النبي ﷺ قال لعمر بن الخطاب وسهيل في الأسرى يوم بدر: ما يدعوك إلى نزع ثناياه؟ دعه فعسى أن يقيمه اللَّه مقاما يسرك،
فكان ذلك المقام الّذي قال، وضبط عتاب عمله وما حوله.
وخرج البيهقي [ (١) ] من طريق سفيان، عن عمر، عن الحسن قال: قال عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- للنّبيّ ﷺ : يا رسول اللَّه دعني أنزع ثنية سهيل ابن عمرو، فلا يقوم خطيبا في قومه أبدا، فقال: دعها فلعلها أن تسرك يوما،
قال سفيان: فلما مات النبي ﷺ نفر منه أهل مكة فقام سهيل بن عمرو عند الكعبة فقال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، واللَّه حىّ لا يموت.
стр. 4562
قال البيهقي [ (١) ] ثم لحق سهيل في أيام عمر بالشام مرابطا في سبيل اللَّه حتى مات بها في طاعون عمواس.
وذكر ابن سعد أن سهيلا قال يومئذ: أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد اللَّه فإن اللَّه حي لا يموت، وقد نعى اللَّه نبيكم إليكم، وهو بين أظهركم، ونعاكم إلى أنفسكم، فهو الموت الّذي لا يبقى أحدا، ألم تعلموا أن اللَّه قال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [ (٢) ] وقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [ (٣) ] وقال: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [ (٤) ] ثم تلا: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ (٥) ] فاتقوا اللَّه واعتصموا بدينكم وتوكلوا على ربكم فإن دين اللَّه قائم وكلمة اللَّه تامة، وإن اللَّه تعالى ناصر من نصره، ومعز لدينه، وقد جمعكم اللَّه على خيركم.
فلما بلغ عمر كلام سهيل بمكة قال: أشهد أن محمدا رسول اللَّه وأن ما جاء به حق، هذا هو المقام الّذي تمنى رسول اللَّه ﷺ حين قال لي: لعله يقوم مقاما لا تكرهه [ (٦) ] .
стр. 4563
وأما دعاؤه ﷺ لمن خرج معه إلى بدر وإجابة اللَّه ﵎ دعاءه
فقال الواقدي [ (١) ] : حدثني أبو بكر بن إسماعيل، عن أبيه، عن سعد بن أبي وقاص- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: خرجنا إلى بدر مع رسول اللَّه ﷺ ومعنا سبعون بعيرا وكانوا يتعاقبون الثلاثة والأربعة والاثنان على بعير، وكنت أنا من أعظم أصحاب النبي ﷺ غناء، أرجلهم رجلة، وأرماهم بسهم، لم أركب خطوة ذاهبا ولا راجعا، وقال رسول اللَّه ﷺ حين فصل من بيوت السقيا: اللَّهمّ إنهم حفاة فاحملهم، وعراة فاكسهم، وجياع فأشبعهم، وعالة فأغنهم من فضلك.
قال: فما رجع أحد منهم يريد أن يركب إلا وجد ظهرا للرجل، البعير والبعيران، واكتسى من كان عاريا، وأصابوا طعاما من أزوادهم، وأصابوا فداء الأسرى.
وأما قتل كعب بن الأشرف اليهودي أحد بني النضير بسؤال رسول اللَّه ﷺ ربه تعالى أن يكفيه إياه بما شاء
فقال الواقدي في (مغازيه) [ (٢) ] : حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن رومان، ومعمر، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، وإبراهيم بن جعفر، عن أبيه عن جابر بن عبد اللَّه، فكل قد حدثني منه بطائفة، فكان الّذي اجتمعوا لنا عليه قالوا: إن ابن الأشرف كان شاعرا وكان يهجو النبي ﷺ وأصحابه، ويحرض عليهم كفار قريش في شعره.
وكان رسول اللَّه ﷺ قدم المدينة وأهلها أخلاط، منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة الإسلام، فيهم أهل الحلقة والحصون، ومنهم حلفاء للحيين
стр. 4564
جميعا، الأوس والخزرج، فأراد رسول اللَّه ﷺ حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم وموادعتهم، وكان الرجل يكون مسلما وأبوه مشركا، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة يؤذون رسول اللَّه ﷺ وأصحابه أذى شديدا، فأمر اللَّه نبيه ﷺ والمسلمين بالصبر على ذلك، والعفو عنهم، وفيهم أنزل اللَّه تعالى: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [ (١) ] وفيهم أنزل وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ (٢) ] .
فلما أبي ابن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي ﷺ وأذى المسلمين وقد بلغ منهم، فلما قدم زيد بن حارثة- رضي اللَّه ﵎ عنه- بالبشارة من بدر بقتل المشركين، وأسر من أسر منهم، ورأى الأسرى مقرنين كبت وذل، ثم قال لقومه: واللَّه لبطن الأرض خير لكم من ظهرها اليوم، هؤلاء سراة الناس قد قتلوا وأسروا، فما عندكم؟ قالوا: عداوته ما حيينا. قال وما أنتم وقد وطئ قومه وأصابهم؟ ولكني أخرج إلى قريش فأحضها وأبكى قتلاهم، فلعلهم ينتدبون، وأخرج معهم.
فخرج حتى قدم مكة ووضع رحله عند أبي وداعة بن ضميرة السهمىّ، فجعل يرثى قريشا يقول [ (٣) ] :
طحنت رحى بدر لتهلك أهلها ... ولمثل بدر تستهل وتدمع
قتلت سراة الناس حول حياضه ... لا تبعدوا إن الملوك تصرع
ويقول أقوام أذل بسخطهم ... إن ابن أشرف ظل كعبا يجزع
صدقوا فليت الأرض ساعة قتلوا ... ظلت تسيخ بأهلها وتصدع
كم قد أصيب بها من أبيض ماجد ... ذي بهجة يأوي إليه الضّيّع
стр. 4565
طلق الدين إذا الكواكب أخلفت ... حمال أثقال يسود ويربع
نبئت أن بني المغيرة كلهم ... خشعوا لقتل أبي الحكيم وجدّعوا
وابنا ربيعة عنده ومنبّه ... هل نال مثل المهلكين التبّع
[ (١) ]
صار الّذي أثر الحديث بطعنة ... أو عاش أمي مرعشا لا يسمع
نبئت أن الحارث بن هشام ... في الناس يبنى الصالحات ويجمع
ليزور يثرب بالجموع وإنما ... يحمي على الحب الكريم الأروع
نبئت أن بني كنانة كلهم ... خشعوا لقتل أبي الوليد وجدّعوا
قال فأجابه حسان بن ثابت رضي اللَّه ﵎ عنه وقليلا قال:
بكت عين كعب [ (٢) ] ثم علّ بعبرة ... منه وعاش مجدعا لا يسمع
ولقد رأيت ببطن بدر منهمو ... قتلى تسح لها العيون وتدمع
وفأبكي فقد أبكيت عبدا رافعا ... شبه الكليب للكليبة يتبع
ولقد شفى الرحمن منهم سيدا ... وأهان قوما قاتلوه وصرّعوا
ونجا وأفلت منهم من قلبه ... شعف يظل لخوفه يتصدع
[ (٣) ]
نجا وأفلت منهم متسرعا ... فلّ قليل هارب يتهزّع
[ (٤) ] ودعا رسول اللَّه ﷺ حسان بن ثابت، فأخبره بنزول كعب على من نزل، فقال حسان:
ألا أبلغا عني أسيدا رسالة ... فخالك عبد بالسراب مجرب
لعمرك ما أوفي أسيد بجاره ... ولا خالد ولا المفاضة زينب
وعتاب عبد غير موف بذمة ... كذوب شئون الرأس قرد مدرب
[ (٥) ]
стр. 4566
فلما بلغها [ (١) ] هجاؤه نبذت رحله وقالت: ما لنا ولهذا اليهودي؟ ألا ترى ما يصنعه بنا حسان؟ فتحول، فكلما تحول عند قوم دعا رسول اللَّه ﷺ حسانا، فقال: ابن الأشرف نزل على آل فلان فلا يزال يهجوهم حتى نبذ رحله، فلما لم يجد مأوى قدم المدينة
فلما بلغ النبي ﷺ قدوم ابن الأشرف قال: اكفني ابن الأشرف بما شئت في إعلانه الشر وقوله الأشعار، وقال رسول اللَّه ﷺ : من لي بابن الأشرف؟ فقد آذاني، فقال محمد بن مسلمة أنا له يا رسول اللَّه وأنا أقتله، قال فافعل فمكث محمد بن مسلمة: أياما لا يأكل، فدعاه رسول اللَّه ﷺ فقال: يا محمد، تركت الطعام والشراب؟ قال: يا رسول اللَّه قلت لك قولا فلا أدري أفي لك به أم لا قال رسول اللَّه ﷺ : إنما عليك الجهد، وقال رسول اللَّه ﷺ : أشاور سعد بن معاذ في أمره.
فاجتمع محمد بن مسلمة ونفر من الأوس، منهم عباد بن بشر وأبو نائلة سلكان بن سلامة وأبو عبس بن جبر، والحارث بن أوس، فقالوا: يا رسول اللَّه نحن نقتله، فأذن لنا فلنقتله فإنه لا بدّ لنا منه، قال: قولوا، فخرج أبو نائلة إليه فلما رآه كعب أنكر شأنه، وكاد يذعر، وخاف أن يكون وراءه كمين، فقال أبو نائلة: حدثت لنا حاجة إليك، قال وهو في نادي قومه وجماعتهم: أدن إليّ، فخبرني بحاجتك، وهو متغير اللون مرعوب وكان أبو نائلة ومحمد بن مسلمه أخويه من الرضاعة، فتحدثنا ساعة وتناشدا الأشعار وانبسط كعب وهو يقول بين ذلك: حاجتك وأبو نائلة يناشده الشعر، فقال كعب حاجتك، لعلك تحب أن يقوم من عندنا؟ فلما سمع ذلك القوم قاموا.
قال أبو نائلة: إني كرهت أن يتسمع القوم ذرو [ (٢) ] كلامنا فيظنون، كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء، حاربتنا العرب، ورمتنا عن قوس واحدة، وتقطعت السبل عنا حتى جهدت الأنفس، وضاعت العيال، أخذنا الصدقة، ولا نجد ما نأكل، فقال كعب: قد كنت واللَّه أحدثك بهذا يا ابن سلامة، إن الأمر سيصير إليه.
стр. 4567
وقال أبو نائلة: ومعي رجال على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك ثقة بهم، فنبتاع منك طعاما وتمرا وتحسن في ذلك إلينا، ونرهنك ما يكون لك فيه، قال كعب إما إن رفاقي تقصف تمرا من عجوة تغيب فيها الضرس، أما واللَّه يا أبا نائلة ما كنت أحب أني أرى هذه الخصاصة بك، وإن كنت من أكرم الناس عليّ، أنت أخي نازعتك الثدي.
قال سلكان اكتم عنا ما حدثتك من ذكر محمد، قال كعب: لا أذكر منه حرفا ثم قال كعب: يا أبا نائلة اصدقني ذات نفسك، ما الّذي تريدون في أمره؟
قال: خذلانه والتنحي عنه، قال: سررتني يا أبا نائلة فما الّذي ترهنونني، أترهنونني أبناءكم ونساءكم؟ قال: لقد أردت أن تفضحنا وتظهر أمرنا، ولكنا نرهنك من الحلقة ما ترضى به، قال كعب: إن في الحلقة لوفاء وإنما يقول ذلك سلكان لئلا ينكرهم إذا جاءوا في السلاح، فخرج أبو نائلة من عنده على ميعاد فأتى أصحابه وأجمعوا أمرهم على أن يأتوه إذا أمسى لميعاده،
ثم أتوا النبي ﷺ عشاء، فأخبروه فمشى معهم، حتى أتى البقيع [ (١) ] ، ثم وجههم، ثم قال:
امضوا على بركة اللَّه وعونه.
ويقال: وجههم بعد أن صلوا العشاء في ليلة مقمرة مثل النهار، ليلة أربعة عشرة من ربيع الأول، على رأس خمسة وعشرين شهرا.
قال: فمضوا حتى أتوا ابن الأشرف فلما انتتهوا إلى حصنه هتف به أبو نائلة، وكان ابن الأشرف حديث عهد بعرس، فأخذت امرأته بناحية ملحفته وقالت: أين تذهب؟ إنك رجل محارب، ولا ينزل مثلك في هذه الساعة، فقال:
ميعاد، إنما هو أخى أبو نائلة، واللَّه لو وجدني نائما ما أيقظني، ثم ضرب بيده الملحفة وهو يقول: لودعي الفتي لطعنة لأجاب، ثم نزل إليهم فحياهم، ثم جلسوا فتحدثوا ساعة حتى انبسط إليهم، ثم قالوا له: يا ابن الأشرف هل لك أن نتمشى إلى شرج العجوز [ (٢) ] فنتحدث فيه بقية ليلتنا؟ قال: فخرجوا يتماشون حتى وجهوا قبل الشرج فأدخل أبو نائلة يده في رأس كعب ثم قال: ويحك ما
стр. 4568
أطيب عطرك هذا يا ابن الأشرف! وإنما كان كعب يدهن بالمسك الفتيت بالماء والعنبر حتى يتلبد في صدغيه، وكان جعدا جميلا، ثم مشى ساعة فعاد بمثلها حتى اطمأن إليه، وسلت يداه في شعره، فأخذ بقرون رأسه وقال لأصحابه:
اقتلوا عدو اللَّه، فضربوه بأسيافهم، فالتفت عليه فلم تغن شيئا، ورد بعضها بعض ولحق بأبي نائلة.
قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا كان في سيفي فانتزعته فوضعته في سرته ثم تحاملت عليه فقططته [ (١) ] حتى انتهى إلى عانته، فصاح عدو اللَّه صيحة ما بقي أطم من آطام يهودي إلا أوقدت عليه نار فقال: ابن سنينة- يهودي من يهود بني حارثة وبينهما ثلاثة أميال- إني لأجد ريح دم بيثرب مسفوح وقد كان أصاب بعض القوم الحارث بن أوس بسيفه وهم يضربون كعبا، فكلمه في رجله فلما فرغوا احتزوا رأسه ثم حملوه معهم، ثم خرجوا يشتدون وهم يخافون من يهود الإرصاد، حتى أخذوا على بني أمية بن زيد، ثم على بني قريظة، وإن نيرانهم في الآطام لعاليه، ثم على بعاث، حتى إذا كانوا بحرة العريض نزف الحارث فأبطأ عليهم فناداهم: أقرئوا رسول اللَّه مني السلام، فعطفوا عليه حتى أتوا النبي ﷺ فلما بلغوا بقيع الغرقد كبروا، وقد قام رسول اللَّه ﷺ تلك الليلة يصلي، فلما سمع تكبيرهم بالبقيع كبر وعرف أنهم قد قتلوه.
ثم انتهوا يعدون حتى وجدوا رسول اللَّه ﷺ واقفا على باب المسجد، فقال: أفلحت الوجوه، فقالوا: ووجهك يا رسول اللَّه، ورموا برأسه بين يديه فحمد اللَّه على قتله،
ثم أتوا بصاحبهم الحارث فتفل في جرحه فلم يؤذه، فقال:
صرخت به ولم يجفل لصوتي ... ووافى طالعا من فوق قصر
فعدت فقال من هذا المنادي ... فقلت أخوك عباد بن بشر
فقال محمد أسرع إلينا ... فقد جئنا لتشكرنا وتقري
وترفدنا فقد جئنا سغابا ... بنصف الوسق من حب وتمر
وهذه درعنا رهنا فخذها ... لشهر إن وفي أو نصف شهر
стр. 4569
فقال معاشر سغبوا وجاعوا ... لقد عدموا الغني من غير فقر
وأقبل نحونا يهوي سريعا ... وقال لنا لقد جئتم لأمر
وفي أيماننا بيض حداد ... مجرية بها الكفار نفري
فعانقه ابن مسلمة المرادي ... به الكفان كالليث الهزبر
وشد بسيفه صلتا عليه ... فقطره أبو عبس بن جبر
وصلت وصاحباني فكان لما ... قتلناه الخبيث كذبح عتر
[ (١) ]
ومر برأسه نفر كرام ... هم ناهوك من صدق وبر
وكان اللَّه سادسا فأبنا ... بأفضل نعمة وأعز نصر
[ (٢) ]
قال فلما أصبح رسول اللَّه ﷺ من الليلة التي قتل فيها ابن الأشرف، قال رسول اللَّه ﷺ : من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه،
[فخافت اليهود] فلم يطلع عظيم من عظمائهم، ولم ينطقوا، وخافوا أن يبيتوا كما بيّت ابن الأشرف، وكان ابن سنينة من يهود بني حارثة، وكان حليفا لحويصة بن مسعود، وقد أسلم بعد. [فعدا محيّصة علي ابن سنية فقتله] .
فجعل حويصة يضرب محيصة وكان أسنّ منه، يقول: أي عدوّ اللَّه أقتله؟ واللَّه لرب شحم في بطنك من ماله، فقال محيصة: واللَّه لو أمرني بقتلك الّذي أمرني بقتله لقتلتك، قال واللَّه لو أمرك محمد أن تقتلني لقتلتني؟
قال: نعم قال حويصة إن دينا يبلغ هذا لدين معجب فأسلم حويّصة يومئذ، فقال محيصة:
يلوم ابن أمي لو أمرت بقتله ... لطبقت ذفراه بأبيض فاضب
حسام كلون الملح أخلص صقله ... متى ما تضرب به فليس بكاذب
ما سرني أني قتلت طائعا ... وما أن لي ما بين بصري ومأرب
ففزعت يهود ومن معها من المشركين، فجاءوه إلى النبي ﷺ حين أصبحوا، فقالوا: قد طرق صاحبنا الليلة وهو سيد من ساداتنا قتل غيلة من غير جرم ولا حدث علمناه، فقال ﷺ : لو قر كما قر غيره من هو على مثل
стр. 4570
رأيه ما اغتيل، ولكنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر، ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان له السيف.
ودعا رسول اللَّه ﷺ إلى أن يكتب بينهم كتابا ينتهون إلى ما فيه، فكتبوا بينهم وبينه كتابا [تحت العذق] في دار رملة بنت الحارث فحذرت يهود وخافت [وذلت] من يوم قتل ابن الأشرف [ (١) ] .
فحدثني إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال: قال مروان بن الحكم وهو على المدينة وعنده ابن يامين النضري: كيف كان قتل ابن الأشرف؟ قال ابن يامين:
كان غدرا، ومحمد بن مسلمة جالس شيخا كبيرا، فقال: يا مروان، أيغدر رسول اللَّه ﷺ [عندك] ؟ واللَّه [ما قتلناه إلا بأمر رسول اللَّه ﷺ ] واللَّه لا يؤويني وإياك سقف بيت إلا المسجد، وأما أنت يا ابن يامين فلله عليّ إن أفلت وقدرت عليك وفي يدي سيف إلا ضربت به رأسك! فكان ابن يامين لا ينزل في بني قريظة حتى يبعث له رسولا ينظر محمد بن مسلمة، فإن كان في بعض ضياعة نزل فقضى حاجته ثم صدر وإلا لم ينزل.
فبينا محمد بن مسلمة في جنازة وابن يامين بالبقيع فرأى محمد نعشا عليه جرائد رطبة لامرأة، فجاء فحله فقام إليه الناس فقالوا: يا أبا عبد الرحمن ما تصنع نحن نكفيك؟ فقام إليه فلم يزل يضربه بها جريدة جريدة حتى كسر ذلك الجريد على وجهه ورأسه حتى لم يترك فيه مصحا، ثم أرسله ولا طباخ به، ثم قال:
واللَّه لو قدرت على السيف لضربتك به [ (٢) ] .
وقال موسى بن عقبة وكان كعب بن الأشرف اليهودي أحد بني النضير- أو فيهم- قد آذى رسول اللَّه ﷺ بالهجاء، وركب إلى قريش فقدم عليهم فاستغواهم على رسول اللَّه ﷺ فقال: أناشدك اللَّه أديننا أحب إلى اللَّه أم دين محمد وأصحابه؟ وأينا أهدي في رأيك وأقرب إلى الحق؟ فإنا نطعم الجزور والكوماء [ (٣) ] ، ونسقي اللبن على الماء، ونطعم ما هبت السماء، فقال
стр. 4571
ابن الأشرف: أنتم أهدى منه سبيلا، ثم خرج مقبلا وقد أجمع رأى المشركين على قتال رسول اللَّه ﷺ من لنا بابن الأشرف؟ قد استعلن بعد عداوتنا وهجائنا خرج إلى قريش فجمعهم علينا قد أخبرني اللَّه بذلك ثم قدم على أخبث ما كان ينتظر قريشا أن تقدم فيقاتلنا معهم، ثم قرأ رسول اللَّه ﷺ علي المسلمين ما أنزل اللَّه فيه أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا وآيات في قريش معها،
وذكر لنا- واللَّه أعلم- أن رسول اللَّه ﷺ قال: اللَّهمّ اكفني ابن الأشرف بما شئت فقال له محمد بن مسلمة أنا يا رسول اللَّه أقتله، فقال رسول اللَّه ﷺ : نعم فقام محمد بن مسلمة منقلبا إلى أهله فلقى سلكان بن سلامة في المقبرة عامدا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال له محمد: إن رسول اللَّه ﷺ قد أمرني بقتل ابن الأشرف وأنت نديمه في الجاهلية، ولن يأمنن غيرك، فقال له سلكان: إن أمرني فعلت، فرجع معه ابن مسلمة إلى رسول اللَّه ﷺ فقال:
يا رسول اللَّه أمرت بقتل كعب بن الأشرف؟ قال: نعم قال سلكان: يا رسول اللَّه فاحللني فيما قلت لابن الأشرف فقال: أنت في حلّ مما قلت،
فخرج سلكان، ومحمد بن مسلمة، وعباد بن بشر، وسلمة بن ثابت، وأبو عبس بن جبر، حتى أتوه في ليلة مقمرة فتواروا في ظلال جذوع النخل، وخرج سلكان فصرخ:
يا كعب، فقال له كعب: من هذا؟ فقال له سلكان: هذا أبو ليلى يا أبا نائلة وكان كعب يكنى أبا نائلة، فقالت له امرأته: لا تنزل يا أبا نائلة إنه قاتلك، فقال ما كان أخي ليأتيني إلا بخير لو يدعى الفتى لطعنة أجاب، فخرج كعب، فلما فتح باب الرض قال من أنت؟ قال: أخوك، قال: فطأطئ لي رأسك، فطأطأ فعرفه، فنزل إليه فمشى به سلكان نحو القوم، وقال له سلكان: جعنا وأصابتنا شدة مع صاحبنا هذا، فجئتك لأن تحدث معك، ولأرهنك درعي في شعير، فقال له كعب قد حدثتكم أنكم ستلقون ذلك، ولكن نحن عندنا تمر وشعير وعبير، فأتونا، فقال: لعلنا أن نفعل، ثم أدخل سلكان يده في رأس كعب فشمها فقال:
ما أطيب عبيركم هذا! صنع ذلك مرة أو مرتين حتى أمّنه، ثم أخذ سلكان برأسه أخذة فصأه منها، فجأر واللَّه جأرة رفيعة وصاحت امرأته، وقال يا صباحاه، فعانقه سلكان وقال: اقتلوا عدوّ اللَّه، فلم يزالوا يتخلصون
стр. 4572
بأسيافهم حتى طعنه أحدهم في بطنه طعنة بالسيف، خرج مصرانه، وخلصوا إليه، فضربوه بأسيافهم، وكانوا في بعض ما يتخلصون إليه وسلكان معانقة، أصابوا عابد بن بشر في يده أو في رجله ولا يشعرون، وخرجوا يشتدون سراعا حتى إذا كانوا بجرف بعاث [ (١) ] فقدوا صحابهم، ونزفه الدم، فرجعوا فوجدوه من وراء الجرف، فاحتملوه حتى أتوا به أهلهم من ليلتهم، فقتل اللَّه ابن الأشرف، بعد أذيته اللَّه ورسوله، وهجائه إياه، وتأليبه قريشا، وإعلانه عليه قريشا بذلك.
وخرج البيهقي [ (٢) ] من طريق سفيان قال: حدثنا عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللَّه ﵎ عنهما قال: قدم حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف مكة على قريش فحالفوهم على قتال رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا لهم أنتم أهل العلم القديم وأهل الكتاب، فأخبرونا عنا وعن محمد، قالوا: ما أنتم وما محمد؟ قالوا نحن ننحر الكوماء ونسقي اللبن على الماء ونفك العناة ونسقي الحجيج، ونصل الأرحام، قالوا: فما محمد؟ قالوا: صنبور قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، قالوا: لا، بل أنتم خير منهم وأهدى سبيلا فأنزل اللَّه تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [ (٣) ] إلى آخر الآية، قال سفيان: وكان غفار أهل سلة [في الجاهلية [ (٤) ]] يعني سرقة.
стр. 4573
وخرج البخاري [ (١) ] من حديث سفيان قال عمرو: سمعت جابر بن عبد اللَّه- رضي اللَّه ﵎ عنه- يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : من لكعب ابن الأشرف فإنه قد أذى اللَّه ورسوله؟ فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول اللَّه أتحب أن أقتله؟ قال: نعم،
قال: فأذن لي أن أقول شيئا، قال، فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة وأنه قد عنانا، وأني قد أتيتك استسلفك، قال: وأيضا واللَّه لتملنه، قال: إنّا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى تنظر إلي أي شيء يصير أمره، وقد أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين فقال: أرهنوني، قال أي شيء تريد؟ قال: أرهنوني نساءكم! قال: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فأرهنوني أبنائكم، قال: كيف نرهنك
стр. 4574
أبناءنا فيسب أحدهم فيقال: رهن بوسق أو وسقين؟ هذا عار علينا ولكن نرهنك اللأمة، قال سفيان: يعني السّلاح، فواعده أن يأتيه فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة- فدعاهم إلى الحصن، فنزل إليهم فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة، وقال غير عمرو، قالت: أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم، قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لودعى إلى طعنة بليل لأجاب، قال: ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين وقال غير عمرو، أبو عبس بن حيبر والحارث بن أوس وعباد بن بشر. قال عمرو: جاء برجلين فقال إذا جاء فإنّي شام شعره فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم: قال:
فلما نزل وهو متوحش قال: إنا نجد منك ريح الطيب، قال: نعم، تحتي فلانة، هي أعطر نساء العرب، قال: فتأذن لي أن أشم منه؟ قال: نعم، فشمّ، فتناول فشم ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: فاستكمنت من رأسه ثم قال:
دونكم، قال: فقتلوه.
قال: ابن إسحاق [ (١) ] فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة، وسلكان بن سلامة بن وقش، وهو أبو نائلة، حدثني عبد الأشهل وكان أخا لكعب من الرضاعة، وعباد بن بشر بن وقش، وأبو عبس بن جبر، أخو بني حارثة.
قال ابن إسحاق: فحدثني ثور بن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللَّه ﵎ عنهما، قال بعثني معهم رسول اللَّه ﷺ إلى بقيع الغرقد، ثم وجههم قال: انطلقوا على اسم اللَّه، اللَّهمّ أعنهم.
قال مؤلفه: ولقتل كعب بن الأشرف طرق كثيرة، وقد تضمن أربعه أعلام من أعلام النبوة، وهي: إخبار رسول اللَّه ﷺ عن اللَّه تعالى بما كان من تحريض كعب قريشا بمكة على محاربة رسول اللَّه ﷺ ، ودعائه اللَّه تعالى بإعانة من بعثهم لقتله، وأعانهم اللَّه تعالى على ذلك إجابة لدعاء المصطفى ﷺ ، وثالثها دعاؤه ﷺ أن يكفيه كعبا فكفاه أمره، ثم نفثه ﷺ في جرح الحارث بن أوس فلم يؤذه.
стр. 4575
وأما كفاية اللَّه تعالى رسوله ﷺ دعثور بن الحارث إذ عزم على قتله وقد أمكنته الفرصة
فقال الواقدي في (مغازيه) [ (١) ] : حدثني محمد بن زياد بن أبي هنيدة، حدثنا زيد بن أبي عتاب، وحدثني عثمان بن الضحاك بن عثمان، وحدثني:
عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر عن عبيد اللَّه بن أبي بكر، فزاد بعضهم على بعض في الحديث، وغيرهم قد حدثنا أيضا، قالوا: بلغ رسول اللَّه ﷺ أن جمعا من بني ثعلبة ومحارب بذي أمرّ [ (٢) ] قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول اللَّه ﷺ ، جمعهم رجل منهم بقال له دعثور بن الحارث بن محارب، فندب رسول اللَّه ﷺ المسلمين وخرج في أربعمائة رجل وخمسين، ومعهم أفراس، فذكر الخبر إلى أن قال: وهربت منه الأعراب فوق الجبال وقبل ذلك ما قد غيبوا سرحهم في ذرى الجبال، فلم يلاق رسول اللَّه ﷺ أحدا، إلا أنه ينظر إليهم في رءوس الجبال، فنزل رسول اللَّه ﷺ ذا أمر وعسكر معسكره، فأصابهم مطر شديد فذهب رسول اللَّه ﷺ لحاجته فأصابه ذلك المطر فبلّ ثوبه، وقد جعل رسول اللَّه ﷺ وادي ذي أمرّ بينه وبين أصحابه، ثم نزع ثيابه فنشرها لتجف، وألقاها على شجرة ثم اضطجع تحتها والأعراب ينظرون كل ما يفعل، فقالت الأعراب لدعثور- وكان سيدها وأشجعها-: قد أمكنك محمد، وقد انفرد من أصحابه حيث إن غوّث بأصحابه لم يغث حتى تقتل، فاختار سيفا من سيوفهم صارما،
ثم أقبل مشتملا بالسيف حتى قام على رأس النبي ﷺ بالسيف مشهورا، فقال: يا محمد! من يمنعك مني اليوم؟ قال: اللَّه! وقال: ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه رسول اللَّه ﷺ وقام
стр. 4576
به على رأسه، فقال: من يمنعك منى اليوم؟ قال: لا أحد، قال: فأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، واللَّه لا أكثر عليك جمعا أبدا، فأعطاه رسول اللَّه ﷺ سيفه، ثم أقبل بوجهه فقال: أما واللَّه لأنت خير مني، قال: رسول اللَّه ﷺ أنا أحق بذلك منك،
فأتى قومه فقالوا: أين ما كنت تقول؟
وقد أمكنك والسيف في يدك؟ فقال: قد واللَّه كان ذلك، ولكني نظرت إلى رجل أبيض طويل دفع في صدري، فوقعت لظهري فعرفت أنه ملك، وشهدت أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، ولا أكثر عليه، وجعل يدعو قومه إلى الإسلام ونزلت هذه الآية فيه، وهي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [ (١) ] .. الآية، وكانت غيبة النبي ﷺ إحدى عشرة ليلة. [واستحلف النبي ﷺ على المدينة عثمان بن عفان رضي اللَّه ﵎ عنه] .
قال البيهقي: كذا قال الواقدي، وقد روي في غزوة ذات الرقاع [ (٢) ] قصة أخرى في الأعرابي الّذي قام على رأسه بالسيف وقال: من يمنعك مني؟ فإن كان الواقدي حفظ ما ذكر في هذه الغزوة فكأنهما قصتان. قال المؤلف ﵀: وذكر الواقدي قصة ثالثة في غزوة حنين [ (٣) ] سيأتي ذكرها إن شاء اللَّه تعالى، والحمد اللَّه رب العالمين.
стр. 4577
وأما إخباره ﷺ باستشهاد زيد بن صوحان العبديّ [ (١) ]
فخرج البيهقي [ (٢) ] من حديث الهذيل بن بلال المدائني الفزاري، عن عبد الرحمن بن مسعود العبديّ، عن على رضي اللَّه ﵎ عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة سبقه بعض أعضائه إلى الجنة فلينظر إلى زيد بن صوحان.
قال البيهقي: هذيل بن بلال غير قوي [ (٣) ] . قال المؤلف: قال ابن معين ليس بشيء وقال البخاري: سمع منه ابن مهدي وأبو داود. وقال النسائي:
ضعيف. وقال ابن عدي: وليس في حديثه حديث منكم.
وقال أبو عمر بن عبد البر: وروى من وجوه أن النبي ﷺ كان في مسير له فبينما هو يسير إذ هوّم فجعل يقول: زيد وما زيد، جندب وما جندب، فسئل عن ذلك فقال: رجلان من أمتي، أما أحدهما فتسبقه يده أو قال: بعض جسده إلى الجنة، ثم يتبعه سائر جسده، وأما الآخر فيضرب ضربة يفرق بها بين الحق والباطل.
قال أبو عمر: أصيبت يد زيد يوم جلولاء [ (٤) ] ثم قتل يوم الجمل مع عليّ رضي اللَّه ﵎ عنه، وجندب قاتل الساحر.
стр. 4578
وللبيهقي [ (١) ] من حديث إسحاق الأزرق قال: حدثنا عوف عن ابن سيرين قال: قال خالد بن الواشمة: لما فرغ من أصحاب الجمل ونزلت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- منزلها دخلت عليها فقلت: السلام عليك يا أم المؤمنين فقالت: من هذا؟ قلت: خالد بن الواشمة، قالت: ما فعل طلحة؟
قلت أصيب! قالت: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، ورحمه اللَّه، قالت ما فعل الزبير؟ قلت أصيب! قالت: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، يرحمه اللَّه، قلت: بل نحن للَّه وإنا إليه راجعون في زيد بن صوحان، قالت: وأصيب؟ قلت: نعم، قالت: إنا للَّه وإنا إليه راجعون- يرحمه اللَّه- فقلت: يا أم المؤمنين ذكرت طلحة فقلت: يرحمه اللَّه، وذكرت الزبير فقلت: يرحمه اللَّه، وذكرت زيدا فقلت: يرحمه اللَّه، وقد قتل بعضهم بعضا، واللَّه لا يجمعهم اللَّه في الجنة أبدا، قالت: أو لا تدري أن رحمة اللَّه واسعة وهو على كل شيء قدير؟
وخرجه من طريق إسحاق، حدثنا ابن عون عن ابن سيرين عن خالد بن الواشمة بنحوه [ (٢) ] .
وقال ابن عبد البر [ (٣) ] : روى إسماعيل بن عليه عن أيوب عن محمد بن سيرين قال أنبئت أن عائشة [أم المؤمنين] [ (٤) ]- رضي اللَّه ﵎ عنها- سمعت [كلام] [ (٥) ] خالد يوم الجمل فقالت: خالد بن الواشمة؟ قال: نعم، قالت: أنشدك اللَّه، أصادق أنت إن سألتك؟ قلت: نعم، وما يمنعني أن أفعل؟
قالت: ما فعل طلحة؟ قلت: قتل. قالت: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، قلت: بل
стр. 4579
نحن للَّه ونحن إليه راجعون على زيد وأصحاب زيد، قالت: زيد بن صوحان؟
قلت: نعم، قالت: له خير، فقلت: واللَّه لا يجمع بينهم في الجنة أبدا، قالت:
لا تقل [ (١) ] ، فإن رحمة اللَّه واسعة وهو على كل شيء قدير.
وأما إنذاره ﷺ بوقعة صفين
فخرّج البخاري [ (٢) ] من حديث شعيب، حدثنا أبو الزناد عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما [ (٣) ] واحدة وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول اللَّه، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن ويكثر الهرج وهو القتل وحتى يكثر فيكم المال [فيفيض] [ (٤) ] ، حتى يهم بهم صاحب [ (٥) ] المال من يقبل صدقته وحتى يعرضه فيقول الّذي يعرضه عليه: لا أرب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنت أجمعون، فذلك حين لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً [ (٦) ] أو لتقومنّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومنّ الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة
стр. 4580
وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه [ (١) ] ولتقومنّ الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها. هكذا ذكر البخاري هذا الحديث مجتمعا.
وذكره مسلم [ (٢) ] أو أكثره مفرقا في كتاب الفتن وغيره من كتابه، فخرج في كتاب الفتن من حديث عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه قال:
هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول اللَّه ﷺ فذكر أحاديث منها، وقال رسول اللَّه ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة.
وخرجة البخاري [ (٣) ] في كتاب استتابه المرتدين والمعاندين وقتالهم، من حديث سفيان، حدثنا أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال رسول اللَّه ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة. وخرجه في باب علامات النبوة في الإسلام [ (٤) ] من حديث شعيب عن الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان دعواهما واحدة.
ومن حديث عبد الرزاق [ (٥) ] أنبأنا معمر عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان فتكون بينهما مقتلة عظيمة،
стр. 4581
دعواهما واحدة، ولا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريبا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول اللَّه.
وخرج الحافظ أبو القاسم على بن الحسن بن هبة اللَّه بن عساكر من حديث عبد السلام عن حرب عن يزيد بن أبي خالد الدالاني، عن مالك بن الحويرث، عن أبي هريرة قال: بلغني أن رسول اللَّه ﷺ ، ذكر فتنة فقربها، قال: فأتيته بالبقيع وعنده أبو بكر، وعمر، وعليّ، وطلحة، والزبير، رضي اللَّه ﵎ عنهم، فقلت: يا رسول اللَّه بلغني أنك ذكرت.. قال: نعم، كيف أنتم إذا اقتتلت فئتان دينهما واحد، وحجمهما واحد، قال أبو بكر: أدركها يا رسول اللَّه؟ قال: لا، قال: اللَّه أكبر، قال عمر: أدركها يا رسول اللَّه؟
قال: لا، قال: الحمد للَّه، قال عثمان: أدركها يا رسول اللَّه؟ قال: نعم وبك يبتلون، وبك يقتتلون، قال عليّ: أدركها يا رسول اللَّه؟ قال: نعم، تقود الخيل بأزمتها.
وخرجه الحافظ أبو نعيم قال: حدثنا سليمان بن أحمد اللخمي، حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجده الحوطي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثنا ماعز التميمي قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه يقول خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في جنازة رجل من الأنصار وهو ينتظرها، قال: كيف لو رأيتم خيلين من الناس يقتتلان دعواهما واحدة وأصلهما واحد؟ قال: يكون هذا؟
قال: نعم، قال أبو بكر رضي اللَّه ﵎ عنه: أأدرك ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: لا، قال عمر رضي اللَّه ﵎ عنه: أفأدرك أنا ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: بك يبتلون، قال عليّ رضي اللَّه ﵎ عنه، أفأدرك أنا ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: أنت القائد لها والآخذ بزمامها.
وذكر البيهقي [ (١) ] من طريق يعقوب بن سفيان حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمرو، قال: كان أهل الشام ستين ألفا فقتل منهم عشرون ألفا، وكان أهل العراق مائة وعشرين ألفا قتل منهم عشرون ألفا.
стр. 4582
وأما إخباره ﷺ بأن عمار بن ياسر رضي اللَّه ﵎ عنه تقتله الفئة الباغية، فقتله أهل الشام بصفين
فخرج مسلم [ (١) ] من حديث محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن أبي مسلمة قال: سمعت أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد الخدريّ قال: أخبرني من هو خير مني، أن رسول اللَّه ﷺ قال لعمار بن ياسر حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه ويقول: بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية.
ومن حديث خالد بن الحارث والنضر بن شميل عن شعبة، عن أبي مسلمة بهذا الإسناد نحوه، غير أن في حديث النضر قال: أخبرني من هو خير مني أبو قتادة.
وفي حديث خالد بن الحرث قال: أراه يعني أبا قتادة. وفي حديث خالد ويقول: ويس أو يا ويس ابن سمية [ (٢) ] .
وخرج من حديث غندر وعبد الصمد بن عبد الوارث كلاهما قالا: حدثنا شعبه: قال: سمعت خالد الحذاء عن سعيد بن أبي الحسن والحسن، عن أمه عن أم سلمة رضي اللَّه ﵎ عنها أن رسول اللَّه ﷺ قال لعمار: تقتلك الفئة الباغية [ (٣) ] .
ومن حديث إسماعيل بن إبراهيم [ (٤) ] عن ابن عون، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : تقتل عمارا الفئة الباغية.
وخرج البخاري [ (٥) ] في كتاب الصلاة، في باب التعاون في بناء المسجد، من حديث مسدد قال: حدثنا عبد العزيز بن جمعان [ (٦) ] قال: حدثنا خالد الحذاء
стр. 4583
عن عكرمة قال: قال لي ابن عباس رضي اللَّه ﵎ عنهما ولابنه عليّ: انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا من حديثة، فانطلقنا، فإذا في حائط له يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى، ثم أنشأ يحدثنا، حتى أتى على ذكر بناء المسجد، فقال: كنا نحمل لبنة لبنة، وعمار يحمل لبنتين [لبنتين] [ (١) ] ، فرآه النبي ﷺ فينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار! قال: يقول عمار: أعوذ باللَّه من الفتن.
وخرجه في الجهاد [ (٢) ] من حديث عبد الوهاب، حدثنا خالد عن عكرمة أن ابن عباس قال له ولعليّ بن عبد اللَّه: ائتيا أبا سعيد فاسمعا من حديثه. فأتيناه وهو وأخوه في حائط لهما يسقيانه، فلما رآنا جاء فاحتبى وجلس فقال: كنا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة، وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين، فمر به النبي ﷺ ومسح عن رأسه الغبار، وقال: ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى اللَّه ويدعونه إلى النار!.
وخرج البيهقي [ (٣) ] من طريق يوسف الماجشون، عن أبيه، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن مولاة لعمار قالت: اشتكى عمار شكوى أرق منها فغشى عليه، فأفاق، ونحن نبكي حوله، فقال: ما تبكون،
стр. 4584
أتخشون أن أموت على فراشي؟ أخبرنى حبيبي ﷺ أنه تقتلني الفئة الباغية، وأن آخر أدمى من الدنيا مذقة من لبن.
ومن حديث أبي نعيم [ (١) ] ومحمد بن كثير قالا: حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت، عن البحتري أن عمار بن ياسر أتى بشربة من لبن فضحك، فقيل له ما يضحك؟ فقال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: آخر شراب أشربه حتى أموت.
وخرجه الحاكم [ (٢) ] وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وللبيهقي [ (٣) ] من حديث يعقوب بن سفيان قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البحتري قال: لما كان يوم صفين، واشتد الحرب قال عمار: ائتوني بشراب أشربه، ثم قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: آخر شراب تشربه من الدنيا شربة لبن، ثم تقدم فقتل.
وخرج الحاكم [ (٤) ] من طريق محمد بن عمر قال: حدثني عبد اللَّه بن أبي عبيدة عن أبيه، عن لؤلؤة مولاة أم الحكم ابنة عمار بن ياسر قالت: لما كان اليوم الّذي قتل فيه عمار والراية يحملها أبو هاشم بن عتبة، وقد قتل أصحاب عليّ رضي اللَّه ﵎ عنه ذلك اليوم حتى كان العصر، ثم تقدم عمار بن ياسر ورأى أبا هاشم تقدمه، وقد جنحت الشمس للغروب، ومع عمار ضيح من لبن ينتظر وجوب الشمس أن يفطر فقال حين وجبت الشمس وشرب الضيح: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول آخر زادك من الدنيا ضيح من لبن،
قال:
ثم اقترب فقاتل حين قتل وهو ابن أربع وتسعين سنة.
стр. 4585
قال ابن عمر [ (١) ] : وحدثني عبد اللَّه بن الحارث عن أبيه عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: شهد خزيمة بن ثابت رضي اللَّه ﵎ عنه يوم الجمل وهو لا يسلّ سيفا [وشهد صفين] [ (٢) ] فقال: أن لا أضل أبدا بقتل عمار، قال خزيمة: قد حانت له الضلالة ثم اقترب فقاتل حتى قتل.
وكان الّذي قتل عمار أبو غادية المزني، طعنه برمح فسقط، وكان يومئذ يقاتل وهو ابن أربع تسعين سنة، فلما وقع أكب عليه رجل آخر فاحتز رأسه فأقبلا يختصمان، كلاهما يقول: أنا قتلته، فقال عمرو بن العاص رضي اللَّه ﵎ عنه: واللَّه إن تختصمان إلا في النار، فسمعها منه معاوية رضي اللَّه ﵎ عنه، فلما انصرف الرجلان قال معاوية لعمرو:
وما رأيت مثل ما صنعت يوم بذلوا أنفسهم دوننا، نقول لهم: إنكم تختصمان في النار، فقال له عمرو: واللَّه ذاك، واللَّه إنك لتعلمه، ولوددت أني مت من قبل هذا بعشرين سنة. يقال: إن الّذي قتلة ابن الحارث وشريك بن سميّ اشتركا فيه.
وخرج الحاكم [ (٣) ] وأحمد [ (٤) ] من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أخبره قال: لما قتل عمار بن ياسر دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال: قتل عمار وقد سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: تقتله الفئة الباغية،
فقال له معاوية: أنحن قتلناه؟ إنما قتله عليّ وأصحابه، جاءوا به حتى ألقوه بين رماحنا، أو قال:
سيوفنا.
قال الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه بهذه السياقة.
стр. 4586
قال المؤلف- ﵀: إن كان عليّ رضي اللَّه ﵎ عنه هو الّذي قتل عمارا إلا أنه جاء به حتى قاتل فقتل، فقياسه أن يكون رسول اللَّه ﷺ هو الّذي قتل [حمزة] ، لأنه هو الّذي جاء به حتى قتل يوم أحد، ومعاذ اللَّه من ذلك، فما قتل عمارا إلا البغاة أهل الشام كما قتل حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء مشركو مكة.
وخرّج الحاكم [ (١) ] من حديث عطاء بن مسلم الحلبي قال: سمعت الأعمش يقول: قال أبو عبد الرحمن السلمي: شهدت صفين فكنا إذا تواعدنا دخل هؤلاء في عسكر هؤلاء، ودخل هؤلاء في عسكر هؤلاء، فرأيت أربعة يسيرون: معاوية بن أبي سفيان، وأبو الأعور السلمي، وعمرو بن العاص، وابنه، فسمعت عبد اللَّه بن عمرو يقول لأبيه عمرو: قد قتلنا هذا الرجل وقد قال رسول اللَّه ﷺ فيه ما قال! قال: أي رجل؟
قال عمار بن ياسر، أما تذكر يوم بني رسول اللَّه ﷺ المسجد فكنا نحمل لبنة لبنة، وعمار يحمل لبنتين لبنتين، وأنت ممن حضر، قال: أما إنك ستقتلك الفئة الباغية وأنت من أهل الجنة،
فدخل عمرو على معاوية فقال: قتلنا هذا الرجل وقد قال فيه رسول اللَّه ﷺ ما قال؟ فقال: اسكت فو اللَّه ما تزال ترحض في بولك! أنحن قتلناه؟ إنما قتله عليّ وأصحابه، جاءوا به حتى ألقوه بيننا.
قال المؤلف- ﵀: إني لأعجب كيف ذهل الحاكم أبو عبد اللَّه عن هذا الوهم؟ فإن عمرو بن العاص لم يحضر بناء مسجد رسول اللَّه ﷺ بلا خلاف، فإنه كان يوم بنائه على دين قومه، وإنما أسلم بعد ذلك بسنتين في سنة ثمان قبل الفتح، وقيل: أسلم بين الحديبيّة وخيبر، وقيل: أسلم عام خيبر، والصحيح أنه أسلم في صفر سنة ثمان قبل الفتح بستة أشهر، ولا خلاف في أن رسول اللَّه ﷺ بني مسجده عند قدومه إلى المدينة مهاجرا.
стр. 4587
وخرج أيضا من حديث ابن وهب قال: أخبرني إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده، سمعت عمار بن ياسر بصفين في اليوم الّذي قتل فيه وهو ينادي: أزلفت الجنة، وزوجت الحور العين، اليوم نلقي حبيبنا محمدا، عهد إليّ إن آخر زادك من الدنيا ضيح من لبن [ (١) ] . قال الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.
وخرج من حديث أبي أسامة، حدثنا مسلم بن عبد اللَّه الأعور عن حبة العرني قال: دخلنا مع أبي مسعود الأنصاري على حذيفة بن اليمان أساله عن الفتن فقال: دوروا مع كتاب اللَّه حيث دار، وانظروا الفئة التي فيها ابن سمية فاتبعوها فإنه يدور مع كتاب اللَّه حيث ما دار. قال: فقلنا له: ومن ابن سمية؟ قال: عمار بن ياسر فإنّي سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول له لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية، تشرب شربة ضياح تكون آخر رزقك من الدنيا
[ (٢) ] .
ولعبد الرزاق عن معمر، عن من سمع الحسن يحدث عن أبيه عن أم سلمة رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: كان رسول اللَّه ﷺ وأصحابه يبنون المسجد فجعل أصحاب النبي ﷺ يحمل كل رجل منهم لبنة [ويحمل عمار لبنتين] فقام إليه النبي ﷺ فمسح ظهره، وقال: ابن سمية لك أجران [ (٣) ] وللناس أجر، آخر زادك شربة من لبن وتقتلك الفئة الباغية.
وخرج البيهقي [ (٤) ] من حديث عمار الذّهني عن سالم بن أبي الجعد قال جاء رجل إلى عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه ﵎ عنه فقال: يا أبا عبد الرحمن! إن اللَّه قد أمّننا من أن يظلمنا، ولم يؤمننا من أن يفتننا، أرأيت إن أدركت فتنة؟ قال: عليك بكتاب اللَّه، قال: أرأيت إن كان كلهم يدعو إلى
стр. 4588
كتاب اللَّه؟ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: إذا اختلفت الناس كان ابن سمية مع الحق.
ومن طريق عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة قال: أخبرني عمرو بن دينار عن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة قال: قال عمر لعبد الرحمن بن عوف- رضي اللَّه ﵎ عنهما: أما علمت أنا كنا نقرأ:
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ [ (١) ] «في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله» قال: فقال عبد الرحمن ومتى ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا كان بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء [ (٢) ] .
وأما إخباره ﷺ بالحكمين اللذين حكما بين عليّ ومعاوية بعد صفّين
فخرج البيهقي [ (٣) ] من حديث قتيبة بن سعيد قال: حدثنا جرير عن زكريا بن يحيى [ (٤) ] ، عن عبد اللَّه بن يزيد، وحبيب بن يسار عن سويد بن غفلة قال: إني لأمشي مع عليّ رضي اللَّه ﵎ عنه بشطّ الفرات، فقال:
قال رسول اللَّه ﷺ : إن بني إسرائيل اختلفوا فلم يزل اختلافهم بينهم حتى بعثوا حكمين فضلّا وأضلّا، وأن هذه الأمة ستختلف، فلا يزال اختلافهم بينهم حتى
стр. 4589
بعثوا حكمين فضلا وأضلّا، وأن هذه الأمة ستختلف، فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمين، فضلّا وضلّ من اتبعهما [ (١) ] .
وفي (كتاب صفين) ، حدثنا عبد الرحمن المسعودي عن صفوان بن موسى البارقي عن سويد بن غفلة، قال: كنت أساير أبا موسى الأشعري على شاطئ الفرات فقال: يا سويد حدثني، فقلت: أحدثك وأنت صاحب رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: إن الفتن لم تزل ببني إسرائيل تخفضهم وترفعهم، حتى حكموا حكمين ضلا وضل من اتبعهما، وإن الفتن لم تزل بهذه الأمة تخفضهم وترفعهم، حتى يحكما حكمين يضلان ويضل من تبعهما،
قال سويد بن غفلة: فقلت: يا أبا موسى فلعل أحدهما، قال: فأخذ بأسفل ثوبه ثم قال: اللَّهمّ يوم يكون أبو موسي ذلك فلا تجعل له في السماء مصعدا ولا في الأرض مهبطا، فقال سويد: فما مات حتى رأيته أحدهما [ (٢) ] .
стр. 4590
وأما إخباره ﷺ بأن مارقة تمرق بين طائفتين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق فخرجوا على عليّ رضي اللَّه ﵎ اللَّه عنه وقتلهم فاقتضي ذلك أنه رضي اللَّه ﵎ عنه على الحق
فخرج مسلم [ (١) ] من حديث القاسم بن الفضل الحداني قال: حدثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ- رضي اللَّه ﵎ عنه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق.
وخرج من حديث أبي عوانه [ (٢) ] عن قتادة، عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : تكون في أمتي فرقتان فتخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق.
ومن حديث سفيان عن حبيب [ (٣) ] بن أبي ثابت عن الضحاك المشرقي عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبي ﷺ في حديث ذكر فيه قوما يخرجون على فرقة مختلفة يقتلهم أقرب الطائفتين من الحقّ.
وخرج البيهقي [ (٤) ] من طريق يعقوب بن سفيان الحميدي، حدثنا سفيان عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي قال: خطبنا الحسن بن على بالنخيلة حين صالح معاوية فقام فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: إن أكيس الكيس التّقي، وإن أعجز العجز الفجور، وإن هذا الأمر الّذي اختلفت فيه أنا ومعاوية حق أتركه لمعاوية