← Сира

Сира · id 1524

إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع

المقريزي

Полный текст (6 146 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

وذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن إسماعيل، عن الشعبي، قال سمعت ابن عمر يقول: ما صليت الضحى منذ أسلمت. وقال طاووس: أول من صلاها الأعراب. وروى عثمان: وما أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئا أحب إليّ منها. وحكى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، عن جماعة استحباب فعلها، وهو رواية عن أحمد. وخرّج الفريابي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال: كانوا يكرهون أن يديموا صلاة الضحى كهيئة المكتوبة، كانوا يصلون ويدعون، وذهبت طائفة إلى أنها إنما تفعل بسبب، وإن النبي ﷺ إنما فعلها لأجل الفتح، وقال أبو عمر بن عبد البر: وأما قول عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-: ما سبح رسول اللَّه سبحة الضحى قط، فما قلت لك إن من علم السنن علما خاصا يوجد عند بعض أهل العلم دون بعض، وليس أحد من الصحابة إلا وقد فاته من الحديث ما أحصاه غيره، إلا خاصة ممتنعة، وهذا ما لا يجهله إلا من لا عناية له بالعلم، وإنما حصل المتأخرون على علم داخله فليسوا في الحفظ كالمتقدمين، وإن كانوا قد حصل في كتب المقل منهم علم جماعة من العلماء، واللَّه ينور بالعلم قلب من يشاء. وقد روى عن النبي ﷺ أثار كثيرة حسان في صلاة الضحى منها حديث أم هانئ، فذكره من حديث أم هانئ بنت أبي طالب، ومن حديث ابن طهمان، عن أبي الزبير، عن عكرمة بن خالد، عن أم هانئ، وذكره من حديث أم هانئ بنت أبي طالب أنها قالت: قدم [ (١) ] رسول اللَّه ﷺ في الفتح- فتح مكة- فنزل بأعلى مكة، فصلى ثماني ركعات فقلت: يا رسول اللَّه! ما هذه الصلاة؟ قال: الضحى. قال أبو عمر الأسدي: إن أم هانئ قد علمت من صلاة الضحى ما لم تعلم عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-، من الأمور ما يقضي وعليه المداد، وهو الأصل.

стр. 4797

وقد روى إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، عن أم هانئ قالت: لما كان يوم الفتح اغتسل رسول اللَّه ﷺ فصلى ثماني ركعات فلم ير أحد صلاهن بعد، فهذه أم هانئ لم تعلم أن رسول اللَّه ﷺ صلاهن بعد. وذكر من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، قال: ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي ﷺ يوم فتح مكة اغتسل في بيتها وصلى ثماني ركعات فلم يره أحد صلاها من بعد، وابن ليلى من كبار التابعين. وذكر من حديث إسحاق بن راشد عن الزهريّ، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه ابن الحارث، عن أبيه قال: سمعته يقول: سألت وحرصت على أحد يحدثني أنه رآه ﷺ يصلى الضحى، فلم أجد غير أم هانئ، حدثتني أن رسول اللَّه ﷺ دخل عليها يوم فتح مكة، فأمر بماء فوضع له، فاغتسل ثم صلى في بيتها ثماني ركعات، تقول أم هانئ: لا أدري أقيامه أطول أم ركوعه؟ ولا أدري أركوعه أطول أم سجوده؟ غير أن ذلك مقارب يشبه بعضه بعضا. ورواه ابن عيينة، وعبد الكريم بن أبي أمية ويزيد بن أبي زياد عن عبد اللَّه بن الحارث قال: سألت عن صلاة الضحى في إمارة عثمان وأصحاب رسول اللَّه متوافرون، فلم أجد أحدا أثبت لي صلاة رسول اللَّه ﷺ الضحى إلا أم هانئ، وذكر الحديث. قال: فهذه الآثار كلها حجة لعائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-، في قولها [ (١) ] : ما سبح رسول اللَّه سبحة الضحى قط، لأن كثيرا من الصحابة قد شركها في علم ذلك، ومما يؤيد ذلك أيضا حديث سماك، قلت لجابر بن سمرة: أكنت [ (٢) ] تجالس رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم كثيرا، فكان لا يقوم من مصلاه الّذي صلى فيه الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام.

стр. 4798

وهذا حديث صحيح، رواه الترمذيّ وجماعة عن سماك، وذكر حديث عمر بن ذر، قال: سمعت مجاهد يقول: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي الضحى ركعتين وأربعا أو ستا. هذا حديث مرسل. وذكر حديث أحمد بن عبد اللَّه بن صالح، قال: حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا يونس، عن الزهريّ، عن محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك أن رسول اللَّه ﷺ صلى في بيته بسبحة الضحى فقاموا وراءه فصلوا [ (١) ] قال: وهذا حديث إنما حدث به عثمان بن عمر بن فارس، أو يونس بن يزيد على المعنى بتأويل تأوله، وإنما الحديث على حسب ما رواه مالك وغيره عن ابن شهاب. قال: والدليل على أنه لا يعرف في هذا الحديث ذكر صلاة الضحى، إنكار ابن شهاب لصلاة الضحى، فقد كان الزهريّ يعتنى بحديث عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- هذا، ويقول: إن رسول اللَّه ﷺ لم يصل الضحى قط، قال: وإنما كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يصلونها بالهواجر، أو قال: بالهجير، ولم يكن عبد الرحمن بن عوف، وعبد اللَّه بن مسعود، وعبد اللَّه بن عمر، يصلون الضحى ولا يعرفونها. قال الواقدي: عن عائشة في صلاة الضحى حديث منكر، رواه معمر عن قتادة عن معاذة العدوية، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: سألت عائشة كم كان رسول اللَّه ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: أربع ركعات ويزيد ما يشاء، وهذا عندي غير صحيح، وهو مردود بحديث ابن شهاب المذكور في هذا الباب. قال مؤلفه: وقد خرّج مسلم هذا الحديث من طريق يزيد الرشاقي، قال: حدثتني معاذة أنها سألت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-: كم

стр. 4799

كان رسول اللَّه ﷺ يصلي الضحى؟ فقالت: أربع ركعات ويزيد ما يشاء [ (١) ] ، وفي لفظ: ويزيد ما يشاء. وخرّجه من حديث معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة بهذا الإسناد مثله [ (٢) ] فهو إذا حديث صحيح، ونحوه حمله حينئذ على أنه ﷺ يصليها كذلك إذا صلاها، وقد قدم من مغيبه، جمعا بين الحديثين واللَّه- ﵎ أعلم. وخرّجه البيهقي [ (٣) ] من حديث على بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سلمة بن رجاء عن الشعثاء امرأة من بنى أسد، قال: دخلت على عبد اللَّه بن أبي أوفى فرأيته صلى الضحى ركعتين، فقالت له امرأته: إنك صليت ركعتين! فقال: رأيت رسول اللَّه ﷺ صلى الضحى ركعتين حين بشر بالفتح، وحين جيء برأس أبي جهل. ثالثها: هل كان الواجب عليه ﷺ إذا قلنا به أقل الضحى أو أكثرها؟ ففي رواية لأحمد: أمرت بركعتي الضحى، ولم تؤمروا بها؟. رابعها: هل كان الواجب عليه في الوتر أكثره أو أقله؟. خامسها: الأضحية في الحديث السالف وكلام أصحابنا المراد به الضحى كما قاله ابن الصلاح. وقال ابن سيده: وضحى بالشاة: ذبحها ضحى النحر، هذا هو الأصل، وقد تستعمل التضحية في جميع أوقات أيام النحر، والضحية ما ضحيت به، وهي الأضحى وجمعها أضاحي، يذكر ويؤنث، وقال يعقوب: سمى اليوم أضحى بجمع الأضحاء التي الشاة، والأضحية، كالضحية. انتهى.

стр. 4800

فإذا يقال: أضحى في الواحد والجمع، ويقال أيضا: وضحايا، وأضحية، وأضاحىّ وبالتشديد. وهذا التقرير قد يفهم منه أنه ﷺ كان الواجب عليه ضحايا في كل سنة، وتقل الإشادة به إلى وجوب ذلك في العوام. وفي قوله- تعالى-: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ [ (١) ] دليل على وجوب الأضحية على رسول اللَّه ﷺ لأن الإشارة في قوله- تعالى-: وَبِذلِكَ أُمِرْتُ إلى ما سبق من الصلاة، والنسك، والأضحية من النسك، فاقتضت الآية أنه ﷺ كان يؤديها، والأمر على الوجوب فهو خاص به، لا يتعدى إلى الأمة، وهذا أقعد من الاستدلال بالآية على وجوب الأضحية على الأمة فتأمله. وقد خرّج البخاريّ [ (٢) ] من حديث شعبة قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، سمعت أنس بن مالك- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: كان النبي ﷺ يضحى بكبشين وأنا أضحي بكبشين. وله من حديث شعبة حدثنا قتادة عن أنس، قال: ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين فرأيته واضعا قدمه على صفاحهما يسمي ويكبر فذبحهما بيده [ (٣) ] . وخرّجه مسلم [ (٤) ] ، ولفظه: ضحى رسول اللَّه ﷺ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما. وخرّج النسائي [ (٥) ] من حديث حفص عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: ضحى رسول اللَّه ﷺ بكبش أقرن فحيل يمشي في سواد، ويأكل في سواد، وينظر في سواد.

стр. 4801

وخرّجه الترمذيّ بهذا الإسناد مثله، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث حفص بن غياث. وخرّجه أبو داود [ (١) ] من حديث حفص ولفظه: كان رسول اللَّه ﷺ يضحى بكبش أقرن فحيل، ينظر في سواد، ويأكل في سواد. وخرّج أبو بكر البزار من حديث أبي عامر، قال: حدثنا زهير بن محمد عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن على بن حسين عن أبي رافع مولى رسول اللَّه ﷺ ، قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا ضحى اشترى كبشين، سمينين، أقرنين، أملحين، فإذا صلى وخطب أتى بأحدهما وهو في مصلاه فذبحه، ثم يقول: اللَّهمّ هذا عن أمتي جميعا، من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه ويقول: هذا عن محمد وآل محمد فيطعمهما جميعا المساكين، ويأكل هو وأهله ... الحديث. سادسها: أن الآمديّ وابن الحاجب، عدّا ركعتي الفجر من خصائصه ﷺ ، ولا خلاف كما في ذلك، ويشهد ما في حديث ابن عباس المتقدم، إلا أنه ضعيف.

стр. 4802

المسألة الرابعة: التهجد كان واجبا عليه فقال القفال: هو ما يصلى بالليل وإن قل، قال اللَّه- تعالى-: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ [ (١) ] أو زيادة على ثواب الفرائض بخلاف تهجد غيره، فإنه جائز للنقصان المتطرق إلى الفرائض، وهو ﷺ معصوم من تطرق الخلل إلى مفروضاته، فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. حكاه إمام الحرمين. وذكر البغويّ في (تفسيره) نحوه، وقال الحسن وغيره: ليس لأحد نافلة. إلا النبي ﷺ لأن فرائضه كاملة، وأما غيره فلا يخلو عن نقص، فنوافله تكمل فرائضه، وأسنده البيهقيّ في (دلائل النبوة) عن مجاهد وكذا ابن المنذر في (تفسيره) ، وحكى ابن المنذر أيضا عن الضحاك نحوه، وذكره سليمان بن حبان، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، وذكر محمد بن نصر المروزي، عن أبي إسحاق أنه- تعالى- قال: نافِلَةً لَكَ قال: ليس هي نافلة لأحد إلا النبي ﷺ . وعن مجاهد قال: النافلة للنّبيّ ﷺ خاصة من أجل أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما عمل من عمل سوى المكتوبة فهو له نافلة، من أجل أنه لا يعمل ذلك في كفارة الذنوب، فهي نوافل له وزيادة، فالناس يعملون ما سوى المكتوبات لذنوبهم في كفارتها، فليس للناس نوافل وإنما هي للنّبيّ ﷺ خاصة. وعن الحسن: لا تكون نافلة الليل إلا للنّبيّ ﷺ . وعن قتادة: نافِلَةً لَكَ قال: تطوعا وفضيلة لك. وخرّج من طريق وكيع: يعنى وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ قال محمد بن نصر: قد سمى ابن مسعود- رضي اللَّه ﵎ عنه- التطوع نوافل من الناس كلهم، لم يخص بذلك النبي ﷺ دون غيره، وهذا المعروف في اللغة، أن كل تطوع نافلة من الناس كلهم. واستدل الرافعي وغيره بحديث عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- أن رسول اللَّه ﷺ

стр. 4803

قال: ثلاث هن على فرض، وهن لكم سنة: الوتر، والسواك، وقيام الليل [ (١) ] . وهو حديث ضعيف، أخرجه البيهقي في (السنن) و (الخلافيات) من حديث موسى بن عبد الرحمن الصنعاني عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- أن رسول اللَّه ﷺ قال: ثلاث هن عليّ فرض وهن لكم سنّة: الوتر، والسواك، وقيام الليل. وموسى هذا هو موسى ابن عبد الرحمن الثقفي الصنعاني أبو محمد المفسّر. قال ابن عدي: منكر الحديث، وقد يقبل بابن جريح، عن عطاء، عن ابن عياش، وهذه الأحاديث بواطيل. وقال البيهقيّ: موسى هذا ضعيف جدا ولم يثبت في هذا إسناد. وقال الشيخ أبو حامد: إن الشافعيّ نص على أنه نسخ وجوب قيام الليل في حقه ﷺ ، كما نسخ في حق الأمة فإنه كان واجبا في ابتداء الإسلام على الأمة كافة. قال ابن الصلاح، والنووي في (الروضة) : وهذا هو الصحيح تشهد له الأحاديث. قال مؤلفه: قال الشافعيّ: سمعت من أثق خبره وعمله، يذكر أن اللَّه- أنزل فرضا في الصلاة، ثم نسخه بفرض غيره، ثم نسخ الثاني بالفرض في الصلوات الخمس، قال: كأنه يعنى قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا* نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا* أَوْ زِدْ عَلَيْهِ [ (٢) ] ، ثم نسخه في [آخر] السورة بقوله: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ [ (٣) ] فينسخ قيام الليل، أو نصفه، أو أقل، أو أكثر بما تقدم. قال: ويقال: نسخ ما وصفت في المزمل بقول اللَّه- تعالى-: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً

стр. 4804

وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ [ (١) ] فأعلمه أن صلاة الليل نافلة لا فريضة، والفرائض فيما ذكر من ليل ونهار، وقال: ففرائض الصلوات خمس، وما سواها تطوع. انتهى، فهذا ما أشار إليه الشيخ أبو حامد من نصّ الشافعيّ. وقال محمد بن نصير المروزي في كتاب (قيام الليل) وقد حكاها عن الشافعيّ: فذهب الشافعيّ في الحكاية التي حكاها وغيره، إلى أن اللَّه- تعالى- افترض قيام الليل في أول سورة المزمل على المقادير التي ذكرها، ثم نسخ ذلك في آخر السورة، وأوجب قراءة ما تيسر في قيام الليل فرضا، ثم نسخ فرض قراءة ما تيسر بالصلوات الخمس.

стр. 4805

وأما سائر الأخبار التي ذكرناها عن عائشة رضي اللَّه ﵎ عنها وابن عباس وغيرهما فإنّها دلت على أن آخر السورة نسخ أولها فصار قيام الليل تطوعا بعد فرضيته بنزول آخر السورة فذهبوا إلى أن قوله- تعالى-: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ [ (١) ] اختيار لا إيجاب فرض. قال محمد بن نصر: وهذا أولى القولين عندي بالصواب، وكيف يجوز أن تكون الصلوات الخمس مفروضات في أول الإسلام، والنبي ﷺ بمكة، فرضت عليه ليلة أسرى به، والأخبار التي ذكرناها تدل على أن قوله- تعالى-: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ إنما نزل بالمدينة، ونفس الآية تدل على ذلك؟ قوله: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ (٢) ] والقتال في سبيل اللَّه إنما كان بالمدينة، وكذلك قوله- تعالى-: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ* والزكاة إنما فرضت بالمدينة. وفي حديث جابر: أن النبي ﷺ بعثهم في الجيش وقد كان كتب عليهم قيام الليل، وبعثه الجيوش لم يكن إلا بعد قدوم النبي ﷺ المدينة، قال- تعالى-: ما تَيَسَّرَ*، يدل على أنه ندب واختيار وليس بفرض. انتهى. قال مؤلفه: وقال عمر بن نصر: لم يخف على الشافعيّ شيء مما قلت، وإنما أرادوا- واللَّه أعلم- أن هذه الآية نسخت بنزولها قيام الليل، أو بقول اللَّه- تعالى- فيها: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ، فتأمله تجده كذلك.

стр. 4806

وخرّج مسلم [ (١) ] من حديث سعيد، عن قتادة، عن زرارة، أن سعيد بن هشام بن عامر أراد أن يغزو في سبيل اللَّه فقدم المدينة، فأراد أن يبيع عقارا بها، فيجعله في السلاح والكراع، ويجاهد الروم حتى يموت، فلما قدم المدينة أتى أناسا من أهل المدينة، فنهوه عن ذلك، وأخبروه أن رهطا ستة أرادوا ذلك في حياة النبي ﷺ فنهاهم نبي اللَّه ﷺ وقال: أليس لكم فيّ أسوة؟. فلما حدثوه بذلك راجع امرأته وقد كان طلقها، وأشهد على رجعتها، فأتى ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- فسأله عن وتر رسول اللَّه ﷺ فقال ابن عباس: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: من؟ قال: عائشة، فأتها فاسألها، ثم ائتني فأخبرني بردها عليك، فانطلقت إليها فأتيت على حكيم بن أفلح فاستخلفته إليها، فقال: ما أنا بمقاربها لأني نهيتها إلى أن تقول في هاتين الشعبتين شيئا، فأبت فيهما إلا مضيا. قال: فأقسمت عليه، فجاء، فانطلقنا إلى عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-، فأستأذنا عليها، فأذنت لنا، فدخلنا عليها، فقالت: أحكيم؟ فعرفته، فقال: نعم، فقالت: من معك؟ قال: سعد بن هشام، ثم قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر، فترحمت عليه، وقالت: خيرا، قال قتادة: وكان أصيب يوم أحد، فقلت: [يا] أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول اللَّه ﷺ ، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق النبي ﷺ كان القرآن، فهممت أن أقوم ولا أسأل أحدا عن شيء من أمره [ (٢) ] ، ثم بدا لي، فقلت: أنبئيني عن قيام رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: ألست تقرأ: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [ (٣) ] ؟ قلت: بلى، قالت: فإن اللَّه- افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي اللَّه ﷺ وأصحابه حولا، وأمسك اللَّه- خاتمتها

стр. 4807

اثنى عشر شهرا في السماء، حتى أنزل اللَّه [ ] في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة. قال: قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن وتر رسول اللَّه ﷺ ، قالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه اللَّه ما يشاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك، ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات، لا يجلس إلا في الثامنة، فيذكر اللَّه، ويحمده، ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر اللَّه- ويحمده، ويدعوه، ثم يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلى ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن نبي اللَّه ﷺ وأخذ اللحم، أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول، فتلك تسع يا بني، وكان النبي ﷺ إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي اللَّه ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صلى ليلة إلى الصبح، ولا صام شهرا كاملا غير رمضان. قال: فانطلقت إلى ابن عباس فحدثته بحديثها فقال: صدقت، لو كنت أقربها أو أدخل عليها لأتيتها حتى تشافهني به، قال: قلت: لو علمت أنك لا تدخل عليها ما حدثتك حديثها. وخرّجه أيضا من حديث هشام، عن أبيه، عن قتادة، من حديث معمر عن قتادة، وأخرجه النسائي [ (١) ] من حديث سعيد عن قتادة مختصرا. وخرّج أبو داود [ (٢) ] من طريق يزيد النحويّ عن عكرمة، عن ابن عباس، قال في المزمل: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ [ (٣) ] نسختها الآية التي فيها: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [ (٤) ] وناشئة الليل:

стр. 4808

أوله، كانت صلاتهم أول الليل، يقول: هو أجدر أن تحصوا ما فرض اللَّه عليكم من قيامكم، وذلك أن الإنسان إذا نام لا يدري متى يستيقظ. وقوله- تعالى-: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [ (١) ] هو أجدر أن يفقه القول، وقوله- تعالى-: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا [ (٢) ] يقول فراغا طويلا. وخرّج من طريق وكيع [ (٣) ] ، عن مسعود، عن سماك الخثعميّ عن ابن عباس، قال: لما نزلت أول المزمل، كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين أولها وآخرها سنة. ترجم عليه باب نسخ قيام الليل والتيسير فيه. وذهب بعضهم إلى أن الناسخ قوله- تعالى-: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ وقوله- تعالى-: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ الآية، وأن ذلك ناسخ لقيام الليل في حق الأمة فقط، وفي هذا نظر، فإن الخطاب في أول السورة للنّبيّ ﷺ ، وقد شركته الأمة في ذلك، فالخطاب في آخرها يتوجه لمن يتوجه إليه الخطاب في أولها، وقد قيل: إنّ المنسوخ من قيام الليل ما كان مقدرا، وأما الواجب فهو باق لقوله- تعالى-: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وهذا بناء على أن المراد بالقراءة الصلاة، فسماها- تعالى- ببعض أجزائها، فتكون الآية كقوله- تعالى-: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ إذ لا بد من الهدى، فكذلك لا بد من صلاة الليل. وحديث عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-، المخرج في (الصحيحين) [ (٤) ] كان رسول اللَّه ﷺ إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه، قالت

стр. 4809

_________ [ () ] والفطور: الشقوق، انفطرت: انشقت، حديث رقم (١١٣٠) ، ومن كان في بلية ففرضه الصبر والشكر، وأما الصبر فواضح، وأما الشكر فالقيام بحق اللَّه- تعالى- عليه في تلك البلية، فإن للَّه على العبد عبودية في البلاء كما له عليه عبودية في النعماء. ثم الصبر على ثلاثة أقسام: صبر المعصية فلا يرتكبها، وصبر على الطاعة حتى يؤديها، وصبر على البلية فلا يشكو ربه فيها. والمرء لا بد له من واحدة من هذه الثلاث، فالصبر لازم له أبدا لا خروج له عنه، والصبر سبب في حصول كل كمال، وإلى ذلك أشار ﷺ بقوله في الحديث الأول: «إن الصبر خير ما أعطيه العبد» . وقال بعضهم: الصبر تارة يكون للَّه، وتارة يكون باللَّه، فالأول: الصابر لأمر اللَّه طلبا لمرضاته، فيصير على الطاعة، ويصير على المعصية، والثاني: المفوض للَّه بأن يبرأ من الحول والقوة، ويضيف ذلك إلى ربه. وزاد بعضهم: الصبر على اللَّه، وهو الرضا بالمقدور، فالصبر للَّه يتعلق بإلهيته ومحبته، والصبر به يتعلق بمشيئته وإرادته، والثالث: يرجع إلى القسمين الأولين عند التحقيق، فإنه لا يخرج عن الصبر على أحكامه الدينية، وهي أوامره ونواهيه، والصبر على ابتلائه وهو أحكامه الكونية. واللَّه- ﵎ أعلم. (فتح الباري) . وأخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب (١٨) إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، حديث رقم (٧٩) ، (٨٠) ، (٨١) . قال القاضي: الشكر معرفة إحسان المحسن والتحدث به، وسميت المجازاة على فعل الجميل شكرا لأنها تتضمن الثناء عليه، وشكر العبد للَّه- تعالى- اعترافه بنعمه، وثناؤه عليه، وتمام مواظبته على طاعته. وأما شكر اللَّه- تعالى- أفعال عباده فمجازاته إياهم عليها، وتضعيف ثوابها، وثناؤه بما أنعم به عليهم، فهو المعطي والمثنى سبحانه، والشكور من أسمائه مواظبته- بهذا المعنى، واللَّه- ﵎ أعلم. (شرح النووي) . وأخرجه الإمام أحمد في (المسند) : ٧/ ١٦٧، حديث رقم (٢٤٣٢٣) ، من حديث السيدة عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- (٥) ، (٦) راجع التعليق السابق. وفيه مشروعية الصلاة للشكر، وفيه أن الشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان، كما قال- تعالى-: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً قال القرطبي: ظن من سأله عن سبب تحمله المشقة في العبادة أنه ﷺ إنما يعبد اللَّه خوفا من الذنوب، وطلبا للمغفرة والرحمة، فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج إلى

стр. 4810

عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-: يا رسول اللَّه! أتصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا عائشة! أفلا أكون عبدا شكورا؟. وأخرجه مسلم من طريق ابن وهب عن صخر، عن أبي قسيط، عن عروة وأخرجاه من وجه آخر عن المغيرة بن شعبة، وهو من جملة ما يدل على عدم وجوب قيام الليل عليه ﷺ . وقال ابن عبد البر في كتاب (التمهيد) : وأوجب بعض التابعين قيام الليل فرضا، ولو كان كقدر حلب شاة، وهو عبيدة السلماني، وهو قول شاذ متروك لإجماع العلماء على أن قيام الليل منسوخ عن الناس بقوله- :

стр. 4811

عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ ... فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ والفرائض لا تثبت إلا بتقدير وتحصيل. وذكر محمد بن نصر المروزي في كتاب (قيام الليل) بسنده إلى أبي رجاء، قلت للحسن: ما تقول في رجل حدثنا القرآن كله عن ظهر قلب، ولا يقول به، إنما يصلي المكتوبة؟ فقال: لعن اللَّه ذاك إنما [القيام] للقرآن، قلت: قال اللَّه تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ قال: نعم ولو خمسين آية، ونقل أبو محمد بن حزم في (المحلى) [ (١) ] أن الخمسين [آية] تقول: إن الوتر فرض وإن تهجد الليل فرض.

стр. 4812

تنبيهات الأول: أن قبل قوله- تعالى-: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ [ (١) ] يقتضي أن التهجد غير واجب عليه ﷺ فإن النافلة غير الواجب. قال ابن سيده: العطية عن بدء، والنفل ما يفعله الإنسان مما لا يجب عليه. وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ قلنا بها أن النافلة فيها بمعنى الزيادة. ومنه قوله- تعالى-: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً [ (٢) ] ، وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا [ (٣) ] أن إسحاق ويعقوب زيادة، لأن إبراهيم ﵇ لما سأل اللَّه- سبحانه- ولدا بقوله: هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [ (٤) ] استحباب دعاءه ووهب له إسحاق، وزاده يعقوب بن إسحاق، من غير زيادة، فكان يعقوب نافلة لإبراهيم، عند الولد، قال ابن سيده: النافلة ولد، وهو من ذلك يعني من العطية امتدادا، فإذا تقرر أن النافلة الزيادة، ولا يأتونكم منا غير واجبة. وخرّج مسلم من طريق أبي بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل المزني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: هو خليل على جابر بن عبد اللَّه ... فذكر حديث جابر الطويل في الحج إلى أن قال جابر عن النبي ﷺ : لقد صلى بنا المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينها شيئا، ثم اضطجع رسول اللَّه ﷺ حتى طلع الفجر فصلى حين تبين له الصبح. الحديث، وهذا يدل على عدم وجوب الوتر والتهجد لأن الظاهر أنه ﷺ لم يفعلها تلك الليلة. وقد يجاب عن التهجد بأنه لعله إذ ذاك صار منسوخا في هذا الحديث وعلى ما جزم به الدارميّ.

стр. 4813

والّذي نص عليه الشافعيّ في (الأم) وغيره: أن السنة ترك التنفل بعد العشاء. كما يسن تركه بعد المغرب، وصرح به الماوردي، والقاضي حسين، وغيرهما، وأبعد البحلي فقال: إنه يأتي بسنة المغرب بعد العشاء ثم بسنة العشاء، ثم بالوتر، وهو مصادم للنص. الثاني: قال الرافعيّ: مقتضى الحديث المروي عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- الّذي سلف، وكلام الأئمة هنا كون الوتر غير التهجد المأمور به، وذلك مخالف لما مرّ في باب صلاة التطوع أنه يشبه أن يكون الوتر هو التهجد، ويعتضد به الوجه المذكور هناك عن رواية الروياني. قال وكان التغاير أظهر، وكذا قال في (تذييله على الشرح) : من أنه الأظهر وتبعه صاحب (الحاوي) . لكن خرّج البخاريّ [ (١) ] ومسلم [ (٢) ] وأبو داود [ (٣) ] والترمذي [ (٤) ] من حديث مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه سأل

стр. 4814

عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-، كيف كانت صلاة رسول اللَّه ﷺ في رمضان؟ قالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا، فلا تسل عن حسنهنّ وطولهنّ، ثم يصلى ثلاثا، قالت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-: فقلت: يا رسول اللَّه أتنام قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي. وهذا يدل على أن التهجد هو غير الوتر. وما خرّجه مسلم [ (١) ] وأبو داود [ (٢) ] والترمذي [ (٣) ] والنسائي [ (٤) ] من طريق هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: كان

стр. 4815

رسول اللَّه ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها. يقابل الحديث الأول، والّذي يلزم من كلامهم أن يكون كل وتر تهجدا، مأمورا به. ولفظ الشافعيّ- ﵀: وأوكد النوافل الوتر ويشبه أن يكون صلاة التهجد، والظاهر أن الوتر والتهجد يفرقان، فالوتر لا يعتبر في حقيقته أن يكون بعد النوم، بخلاف التهجد. قال ابن سيده: هجد يهجد هجودا، وأهجد نام، والهاجد والهجود المصلي بالليل، والجمع هجود وهجد. قال: وتهجد القوم، واستيقظوا للصلاة أو لغيرها، وقال الأزهري: المتهجد القائم لصلاة الليل من النوم، فكأنه قيل له متهجد لإلقائه الهجود عن نفسه، كما يقال للعابد: متحنث لإلقائه الحنث عن نفسه، فيمكن تأويل كلام الشافعيّ- رضي اللَّه ﵎ عنه- على أن يقال: إن الّذي يتبع الوتر في التأكيد هو التهجد. وذكر محمد بن نصر المزروي، عن الحجاج بن عمر بن غزية الأنصاري أنه قال: يحسب أحدكم أنه إذا قام من الليل فصلى حتى يصبح، أنه قد تهجد؟ إنما التهجد الصلاة بعد رقدة، ثم الصلاة بعد رقدة، ثم الصلاة بعد رقدة، ثم الصلاة بعد رقدة، قال: فتلك كانت صلاة رسول اللَّه ﷺ .

стр. 4816

المسألة الخامسة: صلاته ﷺ بالليل وكانت ثمانية أنواع: النوع الأول: أن يصلي ثنتي عشرة ركعة يسلم في كل ركعتين، ثم يصلي ركعة واحدة، ويسلم. وخرّج أبو داود [ (١) ] من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-، أن نبي اللَّه ﷺ كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين. النوع الثاني: أن يصلي ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين، ثم يصلي خمس ركعات متصلات لا يجلس إلا في آخرهن [ (٢) ] . خرّج النسائي [ (٣) ] وغيره من طريق عبدة بن سليمان، قال: حدثنا هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر بينهن بخمس ركعات لا يجلس في شيء من الخمس إلا في آخرهن، ثم يجلس ويسلم. النوع الثالث: أن يصلي عشر ركعات يسلم في آخر كل ركعتين، ثم يوتر بواحدة. خرّج مسلم [ (٤) ] من طريق ابن وهب قال: أخبرني وهب، أخبرني عمرو ابن الحارث عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين

стр. 4817

- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي في ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء- وهي التي تدعو الناس العتمة- إلى الفجر، إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين، ويوتر لواحدة، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبين له الفجر، وجاء المؤذن، قام، فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة. النوع الرابع: أن يصلي ثماني ركعات لا يجلس في شيء منهن جلوس تشهد إلا في آخرها، فإذا جلس في آخرهن وتشهد قام دون أن يسلم، فأتى بركعة واحدة، ثم يجلس ويتشهد ويسلم. خرّج مسلم [ (١) ] من حديث سعد بن هشام المتقدم، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- فيذكر اللَّه ويحمده، ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة ثم يقعد، فيذكر اللَّه- ، ويحمده، ويدعوه، ثم ينهض، ثم يسلم. الحديث. وخرّج النسائي [ (٢) ] من طريق حماد عن أبي حمزه، عن الحسن، عن سعد ابن هشام، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- أن النبي ﷺ كان يوتر بتسع ركعات يقعد في الثامنة، ثم يقوم فيركع ركعة. النوع الخامس: أن يصلي سبع ركعات لا يجلس ولا يتشهد إلا في آخر السادسة منهن، ثم يقوم دون تسليم، فيأتي بالسابعة، ثم يجلس ويتشهد ويسلم. خرّج النسائي [ (٣) ] من طريق معاذ بن هشام الدستوائي، حدثنا أبي عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام بن عامر، عن عائشة- رضي

стр. 4818

اللَّه ﵎ عنها- أن رسول اللَّه ﷺ لما كبر وضعف، أوتر بسبع ركعات لا يقعد إلا في السادسة، ثم ينهض، ولا يسلم، فيصلي السابعة، ثم يسلم تسليمة ... الحديث. النوع السادس: أن يصلي سبع ركعات لا يجلس جلوس تشهد إلا في آخرهن، جلس وتشهد وسلم. خرّج النسائي [ (١) ] من طريق سعيد، حدثنا قتادة عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، أن عائشة أم المؤمنين- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: لما أسنّ رسول اللَّه ﷺ وأخذه اللحم، صلى سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن، ثم يصلي ركعتين بعد أن يسلم. النوع السابع: أن يصلي خمس ركعات متصلات، لا يجلس ولا يتشهد إلا في آخرهن. خرّج النسائي [ (٢) ] من حديث سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن. النوع الثامن: أن يصلي ثلاث ركعات يجلس في الثانية، ثم يقوم دون أن يسلم، ويأتي بالثالثة، ثم يجلس، ويتشهد، ويسلم كصلاة المغرب. خرّج النسائي [ (٣) ] من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة ابن أوفى، عن سعد بن هشام، أن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- حدثته أن رسول اللَّه ﷺ كان لا يسلم في ركعتي الوتر. قال محمد بن نصر المروزي: فأما الوتر بثلاث ركعات فإنا لم نجد عن النبي ﷺ خبرا ثابتا مفسرا أنه أوتر بثلاث لم يسلم إلا في آخرهن كما وجدنا عنه أخبارا أنه ﷺ أوتر بثلاث، لا ذكر التسليم فيها. فذكر من طريق يونس عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- أن رسول اللَّه ﷺ كان يوتر بثلاث،

стр. 4819

يقرأ في الأولى ب- سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [ (١) ] وفي الثانية قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [ (٢) ] وفي الثالثة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ (٣) ] . قال مؤلفه: وذكر في الباب عن عمران بن حصين وعائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-، وعبد الرحمن بن أبزى، وأنس بن مالك- رضي اللَّه ﵎ عنه- أسند ذلك محمد بن نصر عنهم من طريق عديدة، ثم قال: فهذه أخبار منهم، تحتمل أن يكون النبي ﷺ قد سلم في الركعتين من هذه التي روى أنه أوتر بها، جائز أن يقال لمن صلى عشر ركعات يسلم بين كل ركعتين: فلا نصلي عشر ركعات، وكذلك إن لم يسلم إلا في آخرهن، جاز أن يقال: يصلي عشر ركعات، والأخبار المفسرة التي لا تحتمل إلا معنى واحدا أولى أن تتبع، ويحتج بها، غير أنا روينا عن النبي ﷺ أنه خيّر الموتر بين أن يوتر بخمس أو بثلاث، أو بواحدة. وروينا عن بعض أصحاب النبي ﷺ أنه أوتر بثلاث لم يسلم إلا في آخرهن، فالعمل بذلك جائز عندنا، والاختيار ما بينا. فأما الحديث الّذي حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- أن النبي ﷺ كان لا يسلم في ركعتي الوتر. وفي رواية قد أسندها أيضا: كان لا يسلم في الركعتين الأولين من الوتر قال: فهذا عندنا قد اختصره سعيد من الحديث الطويل الّذي ذكرناه، ولم يقل في هذا الحديث أن النبي ﷺ أوتر بثلاث لم يسلم في الركعتين الوتر، وصدق في ذلك الحديث، فكان يكون حجة لمن أوتر بثلاث بلا تسليمة في الركعتين، إنما قال: لم يسلم في ركعتي الوتر، وصدق في ذلك الحديث، أنه لم يسلم في

стр. 4820

الركعتين، ولا في الست، ولم يجلس أيضا في الركعتين، كما لم يسلم فيهما، واللَّه- ﵎ أعلم. وقال ابن عبد البر: وأهل العلم يقولون: إن الاضطراب عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- في أحاديثها في الحج، وأحاديثها في الرضاع، وأحاديثها في صلاة النبي ﷺ بالليل، وأحاديثها في قصر صلاة المسافر، ولم يأت ذلك إلا منها، لأن الذين يروون ذلك عنها حفاظ أثبات: القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، والأسود بن يزيد، ومسروق، ونظراؤهم، وقد أجمع العلماء على أن لا حد ولا شيئا مقدرا في صلاة الليل، وأنها نافلة، فمن شاء أطال فيها القيام، وقلت ركعاته، ومن شاء أكثر الركوع والسجود، واللَّه- ﵎ أعلم.

стр. 4821

المسألة السادسة: في السواك وكان واجبا عليه ﷺ على الصحيح واستدل له بحديث عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- المتقدم، وقد تبين ضعفه لكن خرّج أبو داود [ (١) ] والبيهقي [ (٢) ] في (سننهما) ، وابن خزيمة [ (٣) ] من حديث عبد اللَّه بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل، أن رسول اللَّه ﷺ أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر، فلما شقّ ذلك على رسول اللَّه ﷺ أمرنا بالسواك لكل صلاة ووضع عنه الوضوء إلا من حدث.

стр. 4822

وأخرجه الحاكم [ (١) ] في (مستدركه) وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرّجاه. وقد اختلف في هذا الحديث على ابن إسحاق، فقيل: عنه عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، وقيل: عن محمد بن طلحة، عن محمد بن يحيى، عن بن إسحاق، فالظاهر من هذا الحديث أنه أوجب عليه السواك، وهو الصحيح عند الأصحاب قاله النووي: ومال إلى قوله ابن الصلاح، ويؤيده ما خرّجه البيهقيّ [ (٢) ] من حديث أم سلمة مرفوعا: ما زال جبريل يوصيني بالسواك حتى خشيت على أضراسي. قال البخاريّ: هذا حديث حسن [ (٣) ] . قال عبد اللَّه بن وهب: حدثنا يحيى بن عبد اللَّه بن سالم، عن عمرو مولى المطلب، عن المطلب بن عبد اللَّه، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-، أن رسول اللَّه ﷺ قال: لقد لزمت السواك حتى تخوفت يتدردني. رواه البيهقي [ (٤) ] وفيه انقطاع بين المطلب وعائشة. وقال محمد بن يوسف الفريابي: قال ابن عيينة: سمعت أبا الحويرث الدرقي يذكر عن نافع بن جبير بن مطعم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لقد أمرت بالسواك حتى خفت أن يدردني. هكذا ذكره مرسلا، وحدثنا إسرائيل، وحدثنا

стр. 4823

أبو إسحاق عن التميمي واسمه أربدة قال: قلت لابن عباس: أرأيت السواك؟ فقال: ما زال يذكر النبي ﷺ حتى ظن أنه سينزل عليه فيه شيء. وخرّج الإمام أحمد [ (١) ] من طريق ليث عن أبي بردة عن أبي المليح بن أسامة عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول اللَّه ﷺ أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب عليّ. وخرّجه الطبراني في (المعجم الكبير) من طريقين مدارهما على ليث بن أبي سليم بن زنيم أبي بكر القرشي مولاهم. ضعفه ابن معين والنسائي. وخرّجه ابن ماجة [ (٢) ] من حديث أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب، ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك حتى خشيت أن يفرض عليّ وعلى أمتي، ولولا خشيت أن أشق على أمتي لفرضته عليهم، وإني لأستاك حتى أني تخشيت أن يدرد مقادم فمي إلا أن في سنده من تكلم فيه. وخرّج الإمام أحمد [ (٣) ] من طريق شريك عن أبي إسحاق عن التميمي، عن ابن عباس قال: قال: كان رسول اللَّه ﷺ يكثر السواك حتى رأينا أو خشينا أنه ينزل عليه. وخرّج الطبراني في (الأوسط) من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- بلفظ غير هذا. وخرّج البزار من طريق عمران بن خالد الخياط، عن ثابت عن أنس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : أمرت بالسواك حتى خشيت ادرادا وحتى خشيت على أمتي وأسناني.

стр. 4824

واستدل من رأى أن السواك لم يكن واجبا على النبي ﷺ وإنما كان مستحبا برواية أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب عليّ، وطرقها كلها معلولة فتأملها. تنبيه هل المراد بوجوب السواك في حقه ﷺ بالنسبة إلى الصلاة المفروضة؟ أو في النافلة أيضا؟ أو في الأحوال التي أكدها في حقنا؟ أو ما هو أعم من ذلك؟ وساق حديث عبد اللَّه بن حنظلة المتقدم أولا، يقول بوجوبه عليه مطلقا، وقال ابن الرفعة في (الكفاية) : إنه لم يصح أنه ﷺ فعل السواك إلا عند القيام إلى الصلاة، وعند تغيير الفم، ثم قال: فإن قلت: قد روى مسلم عن شريح بن هانئ سألت عائشة عن أي شيء كان يبدأ به النبي ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك [ (١) ] ولفظه كان يؤذن بالدوام، ثم أجاب يحتمل أن يكون فعل ذلك لأجل تغيير حصل في فمه، ثم استبعده بأن في رواية النسائي عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنه-، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي ركعتين، ثم ينصرف فيستاك.

стр. 4825

المسألة السابعة: مشاورة ذوي الأحلام في الأمور قال ابن سيده: وأشار عليه بأمر كذا، أمره به، وهي الشورى، والمشورة مفعلة، ولا تكون مفعولة لأنها مصدر، والمصادر لا تجيء على مثال مفعول، وإن جاءت على مثال مفعول، وكذلك المشورة، وشاور مشاورة وشوارا، واستشاره طلب منه المشورة. وقال الراغب [ (١) ] : والمشاورة واستخراج صائب الرأي عن الغير، واشتقاقه من شرت العسل وشورته إذا أظهرت ماله من الجري. قلت اختلف في مشاورة رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، هل كانت واجبة عليه، أو مستحبة؟ فالصحيح عند أصحابنا أنها كانت واجبة عليه لقوله- تعالى-: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ (٢) ] وظاهر الأمر الوجوب وذهب قوم إلى أنها كانت مستحبة، وقاسوا ذلك على غيره، وقالوا: الأمر للاستحباب من أجل استمالة قلوب أصحابه وحكى ذلك ابن القشيري عن نص الشافعيّ- ﵀، وأنه جعله كقوله ﷺ : والبكر تستأمر تطبيبا لقلبها، إلا أنه واجب، وهو قول الحسن، فإنه قال: قد [فعله حتى] يستن به من بعده. وفي رواية: لقد كان رسول اللَّه ﷺ غنيا عن المشاورة، ولكنه أراد أن يستن بذلك الحكام بعده. وقال الشافعيّ- ﵀: أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهريّ، قال: قال أبو هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه-: ما رأيت أحدا أكثر

стр. 4826

مشورة لأصحابه من رسول اللَّه ﷺ [ (١) ] . ورواه الإمام أحمد وعبد الرزاق، وفي (سنن البيهقيّ) ، وفي إسناده انقطاع. وروى أبو عبد الرحمن السلمي، من طريق محمد بن يزيد بن عبادة بن كثير، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما-، قال: لما نزلت هذه الآية: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ (٢) ] ، قال النبي ﷺ : إن اللَّه ورسوله غنيان عنها، ولكن جعلها رحمة في أمتي، فمن شاور منهم لم يعدم رشدا، ومن ترك المشورة منهم لم يعدم غيا، فعلى هذا لا تبقى المشورة من الخصائص. وقال الراغب: وقيل: كان سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم، فأمر اللَّه رسوله ﷺ بمشاورة أصحابه لئلا يثقل عليهم استبداده بالرأي دونهم، قال- تعالى-: فَإِذا عَزَمْتَ [ (٣) ] أي قطعت الرأي على شيء بعد الشورى فتوكل على اللَّه في إمضاء أمرك وقرئ: فَإِذا عَزَمْتَ [ (٤) ] بضم التاء أي عزمت لك على شيء فتوكل عليّ ولا تشاور بعد ذلك أحدا، والعزم ثبات الرأي على الأمر، نحو اجتماع الرأي، والتوكل على اللَّه الثقة به، والوقوف حيثما وقف، ونبه- تعالى- بقوله: فَبِما رَحْمَةٍ [ (٥) ] على نعمته علي النبي ﷺ أولا، وعلى أمته ثانيا، وأمر بالعفو عن تقصيرهم فيما يلزمهم له، وأن يستغفر لهم من ذلك، ثم أمره بإجراء نفسه أحدهم في الرأي، الّذي هو خاص بالإنسان، وقال- تعالى-: فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ (٦) ] أي فإن قاربتهم هذه المقاربة فليكن اعتمادك على اللَّه [وتوكلك عليه] ، ومشاورته ﷺ لأصحابه ليقتدي به غيره، وقيل: تطيبا لقلوبهم.

стр. 4827

وأما ما استشار فيه فهو الأمور الممكنات المتقاربة باختيار الفاعل قال جامعه: قال الماورديّ: واختلف فيما يشاور فيه، فقال قوم: في الحروب ومكايدة العدوّ خاصة، وقال آخرون: في أمور الدنيا دون الدين، وقال آخرون: في أمور الدين بينها لهم على علل الأحكام، وطريق الاجتهاد، وقال الثعلبي: اختلف في المعنى الّذي أمر اللَّه- تعالى- نبيه ﷺ بالمشاورة لهم فيه، مع كمال عقله، وجزالة رأيه، وتتابع الوحي عليه، ووجوب طاعته على أمته، فيما أحبوا أو كرهوا. فقيل: هو خاص في المعنى، وإن كان عاما في اللفظ، ومعنى الآية: ومشاورتهم فيما ليس عندك فيه من اللَّه- تعالى- عهد، يدل عليه قراءة ابن مسعود: «وشاورهم في بعض الأمر» ، وقال ابن الكلبي: ناظرهم لقاء العدو، ومكايد الحروب عند الغزو، وقال الراغب: وأما القصد بالاستشارة فتارة لاستضاءة المستشير برأي المستشار، أو لئلا يلزم إن استبد فيتفق وقوعه بخلاف إيراده، ولهذا قيل: الاستشارة حصن من الندامة، وأمن من الملامة، وتارة طلبا لهداية المستشار، إما لأن يبين له خطأ رأيه إن كان له رأي خطأ في ذلك الأمر، وإما أن لا يعتقد هو أو غيره أن الاستبداد فضيلة فيستبد رأيه فيما ربما يؤدي إلى فساد، وإما لإكرامه وتعظيمه، فإذا تقرر هذا فأمور النبي ﷺ لا تنفعك من أن يكون شيئا دنياويا، أو كان دينيا فمعلوم أن النبي ﷺ غير محتاج إلى الاستضاءة برأي غيره من البشر، لما أمده اللَّه- تعالى- به من النور الإلهي، وما كان ﷺ يستشيرهم في شيء من أصول الشريعة، ولكن ربما كان يستشيرهم في بعض فروعها، التي هي مسائل الاجتهاد، نحو ما روي أنه ﷺ استشارهم في شعار يرفع للصلاة، ومثل ذلك تشريف لهم أولا، وتنبيه على أن ما سبيله الاجتهاد فحقه الاستعانة فيه بالآراء الكثيرة الصحيحة، لينقدح منها الصواب.

стр. 4828

وأما ما كان من الأمور الدنياوية كالمساحة، والكتاب، والحساب فمعلوم أنه ﷺ كان مستعينا بغيره في كثير منها، بل صرح في ذلك بكونهم أعرف بها منه، فيما روى أنه لما ورد المدينة وجد أهلها يأبرون نخيلهم فقال: ما أرى أن ذلك ينفع فتركوه، فتبين نقص ثمارهم في تركه، فعاودوه، فقال: ما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به، وأنا أعلم بأمور آخرتكم [ (١) ] . واعترض العلامة شرف الدين أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن محمد المرسي، على الراغب في هذا المثال، فقال: هذا الأمر من الأمور التي لا يستشار فيها، لأنها راجعة إلى ما أجرى اللَّه- تعالى- العادة فيها، فمن لم يعلم جري العادة في أن الثمار إذ لم تؤبر يسقط ثمرها، فإن الإبار لا ينفع، ومن علم جري العادة فيها قال: إن ذلك نافع، وإذا كان كذلك فلا معنى للاستشارة في ذلك، وإنما ﷺ لما لم يعلم جري العادة في ذلك قال: ما أرى أن ذلك ينفع، ثم قال لهم: أنتم أعلم بأمر دنياكم، قلت: والراغب يبعد من الصواب، فإن منعه لهم من الثابت، إن لم يكن رأيا أشار به فإنه في معناه، بدليل أنه ﷺ رجع عن قوله الأول في المنع، وأقرهم على التأبير ولو لم يكن منعه لهم أشار به، لما رجع عنه. قال الراغب: وعلى هذا ما يتعلق بأمر الحرب، مثل تهييجها تارة، وتليينها أخرى، والمن والافتداء تارة [ (٢) ] ، ولذلك لما هم ﷺ بمصالحة عيينة بن حصن على ثلث ثمار المدينة، قيل له: إن كان ذلك بوحي فسمعا وطاعة، وإن

стр. 4829

كان برأي رأيته فليس ذلك بصواب، فترك رأيه لرأيهم، فثبت أن ما يتعلق بالأمور الدنيوية، فحال الرسول ﷺ وغيره فيه، سواء، والمشاورة فيه مستحسنة له ولغيره. قال المرسي: الأمور الممكنة على ضربين، منها ما جعل اللَّه- تعالى- فيه عادة مطردة تنخرم، فهذا مما لا يستشار فيه، بل من علم العادة كان أعلم ممن لا يعلمها. والضرب الثاني: ما كانت العادة فيه أكثر، ورأيه فيها أصوب، ألا ترى أن من حاول التجارة علم وقت رخصها، وغلائها، وما يصلح، فيستشار فيها لعلمه بالأكثر وقوعا من الصلاح فيها، ولهذا ينبغي أن يستشار أرباب كل فن في فنهم، والاستشارة لا تعدو هذا، واللَّه- ﵎ أعلم. قلت: صحيح ما أورده المرسيّ، ومع صحته فلا يمنع كون مصالحة النبي ﷺ عيينة أو همّه بمصالحته، كان رأيا من عند نفسه، بحسب ما رآه من مصلحة الناس، وهو مأخوذ من المشورة، فكأنه أشاد بهذا، بل الحديث مصرح به فتأمله [ (١) ] .

стр. 4830

المسألة الثامنة: كان يجب عليه ﷺ مصابرة العدو وإن كثر عددهم، والأمة إنما يلزمهم الثبات إذا لم يزد عدد الكفار على الضعف ولم يبوب البيهقيّ- ﵀ على هذه الخصوصية في (سننه) ، ولكن يستدل لذلك بقوله ﷺ لعروة في جملة كلامه لما خرج إليه يوم الحديبيّة: فإن أبوا فو اللَّه لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي، يريد ﷺ قريشا. ويستدل أيضا بما وقع في يوم أحد فإنه ﷺ أفرد في اثنى عشر رجلا أو نحوهم، والعدو إذ ذاك نحو ثلاثة آلاف، ومثل ذلك أنه ﷺ أفرد يوم حنين كما هو مشهور في السير ومرّ ذكره، وسيمر إن شاء اللَّه- تعالى-. ومن ذلك ما ذكره الماورديّ في كتاب (الحاوي) أنه ﷺ كان إذا بارز رجلا في الحرب لم يكفّ عنه قبل قتله. ومنه أنه ﷺ لم ينفر من الزحف وثبت بإزاء عدوّه وإن كثروا، ويمكن أن يستدل لذلك بأن الفرار والتولي من الزحف إنما هو تخوف القتل، وهو ﷺ معصوم من ذلك.

стр. 4831

المسألة التاسعة: كان يجب عليه ﷺ إذا رأى منكرا أن ينكره ويغيّره إنما يلزمه ذلك عند الإمكان ووجهه أن اللَّه- تعالى- وعده بالعصمة والحفظ، فقال- سبحانه-: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ (١) ] الآية. وقد ثبت في (الصحيحين) [ (٢) ] وغيرهما من حديث عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- أنها قالت: ما خيّر رسول اللَّه ﷺ في أمرين إلا أحب أيسرهما ما لم يكن إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول اللَّه ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة اللَّه، فينتقم للَّه بها. ووجوب تغيير المنكر سببه أنه ﷺ إذا مرّ عليه يظن جوازه، وقد قرر الآمديّ ذلك، فقال: وفرق ما إذا كان الفعل الصادر من كافر أو مسلم، فإن كان من كافر لم يدل على الجواز لما تقرر من كفره، وإن كان من مسلم فإن كان سبق منه تحريم ذلك الفعل، فسكوته يدل على النسخ، وإن لم يسبق، فيدلّ على الجواز، وأورد النووي في (الروضة) [ (٣) ] سؤالا، فقال: قد يقال: هذا ليس من الخصائص، بل كل مكلف يتمكن من إزالة المنكر يلزمه تغييره، ثم أجاب

стр. 4832

بأن المراد أنه لا يسقط عنه ﷺ للخوف، فإن معصوم بخلاف غيره، واللَّه- تعالى- أعلم. المسألة العاشرة: كان يجب عليه ﷺ قضاء دين من مات من المسلمين معسرا عند اتساع المال [ (١) ] خرّج البخاريّ في آخر كتاب الكفالة [ (٢) ] ، وفي آخر كتاب النفقات [ (٣) ] ، من طريق يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب. وخرّج مسلم في آخر كتاب الفرائض [ (٤) ] من طريق ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة

стр. 4833

- رضي اللَّه ﵎ عنه-، أن رسول اللَّه ﷺ كان يؤتى بالرجل عليه الدين فيسأل: هل ترك لدينه من قضاء؟ فإن حدّث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال: صلوا على صاحبكم، فلما فتح اللَّه- تعالى- الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلى قضاؤه، ومن ترك مالا فهو لورثته، قال البخاريّ: فمن توفى من المؤمنين فترك دينا فعليّ قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته. وخرّج البخاريّ في كتاب الفرائض [ (١) ] من طريق يونس عن ابن شهاب، حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلينا قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته. وخرّجه في باب الاستقراض [ (٢) ] ، ولفظه: ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ (٣) ] فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا

стр. 4834

فليأتني فأنا مولاه. وخرّجاه من طريق آخر، وحكى الإمام وجها أنه لم يكن واجبا عليه، بل كان يفعله تكرما. وبه جزم الماورديّ. وقال النووي في (شرح مسلم) [ (١) ] كان يقضيه من مال المصالح وقيل: من خالص ماله، وقال الإمام في (النهاية) : أشعر قوله ﷺ : من ترك ضياعا، أو دينا فعليّ بالوجوب عليه، ومن قال: كان ذلك تكرما فهو غير سديد، لأن وعده ﷺ حق وصدق، فلا يجوز تقدير خلافه. انتهى، على القول الأول: هل يجب ذلك على الأئمة بعده فيقومون به من مال المصالح؟ وجهان، وقد جاء في رواية قيل: يا رسول اللَّه وعلى كل إمام بعدك؟ قال: وعلى كل إمام بعدي حكاية الوجهين وفي الإطلاق نظر، لأن من استدان وبقي معسرا حتى مات، لم يقض دينه من بيت المال. واللَّه- تعالى- أعلم. المسألة الحادية عشر: كان يجب عليه ﷺ إذا رأى شيئا يعجبه أن يقول: لبيك إن العيش عيش الآخرة [ (٢) ] ذكره الرافعي بصيغة قيل، وجزم به ابن القاصّ في (تلخيصه) لكن لفظه فيه: كان إذا رأى شيئا يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة. وقال البيهقيّ في كتاب (السنن) [ (٣) ] كان إذا رأى شيئا يعجبه، ثم قال: هذه كلمة صدرت من رسول اللَّه ﷺ في أنعم حاله يوم حجه بعرفة، ثم ساقه بإسناده، وفي أشد حاله يوم الخندق، ثم ساقه بإسناده.

стр. 4835

خرّج البخاريّ من طريق قتيبة، حدثنا عبد العزيز، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: كنا مع النبي ﷺ في الخندق وهو يحفر ونحن ننقل التراب على أكتافنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والأنصار. ذكره في غزوة الخندق [ (١) ] كذلك، وذكره في كتاب المناقب [ (٢) ] ، وفي أول كتاب الرقاق [ (٣) ] ، ولفظه فيهما: اللَّهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة. وخرّجه مسلم [ (٤) ] من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعيد قال: جاءنا النبي ﷺ ونحن نحفر الخندق وننقل التراب على أكتافنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : اللَّهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والأنصار. وأخرجاه من حديث أنس، وفيه زيادة. وقال الشافعيّ: أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، أخبرني حميد الأعرج، عن مجاهد أنه قال: كان رسول اللَّه ﷺ يظهر التلبية: لبيك اللَّهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، قال: حتى إذا كان ذات يوم والناس منصرفون عنه كأنه أعجبه ما هو فيه، فزاد فيها: لبيك إن العيش عيش الآخرة. قال ابن جريج: وأحسب أن ذلك كان يوم عرفة. قال مؤلفه: ليس في هذين الحديثين ما يقتضي الوجوب، وغاية ما فيهما استحباب مثل ذلك، وقد قيل به في حق المكلفين، ومع هذا الحديث فقول مجاهد مرسل، وقول ابن جريج منقطع.
следующие страницы →