← Сира

Сира · id 1524

إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع

المقريزي

Полный текст (6 146 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

كجنان آل فارس، ذات نخيل وأعناب، وقال آخر: لن نؤمن لك حتى تسقط السماء علينا كسفا، أو تأتي بربك وملائكتك فنراهم، وقال عبد اللَّه بن أبي أميّة: لن تؤمن لك حتى نرى لك بيتا من ذهب يحدثه لك ربك، أو ترقى في السماء ثم لا نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب ونحن نراك فنقرأه فأنزل اللَّه تعالى حكاية قولهم، وقال: قال لهم: سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [ (١) ] وأسلم عبد اللَّه، وقتل يوم الطائف. والثابت أن عبد اللَّه قال هذا القول من بينهم، وكان خطيب القوم ومتكلمهم. والسائب بن أبي السائب صيفي بن عائذ بن عبد اللَّه بن عمران بن مخزوم ممن كان يعادي رسول اللَّه ﷺ ، وقتله الزبير- رضي اللَّه ﵎ عنه- ببدر. والأسود بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم وكان ممن يعادي رسول اللَّه ﷺ ، وكان حلف يوم بدر ليكسرن حوض النبي ﷺ فقاتل حتى وصل إلى الحوض فأدركه حمزة- رضي اللَّه تبارك وتعالي عنه- وهو يكسره فقتله، فاختلط دمه بالماء. وعديّ بن الحمراء الخزاعي، كان ممن يعادي رسول اللَّه ﷺ ولدغ وهو يريد بدرا فمات. والعاصي من سعيد بن العاصي بن أمية، قتل يوم بدر كافرا، وأبو البحتريّ العاصي بن هاشم بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ، كان أقلهم أذى لرسول اللَّه ﷺ على أنه كان يكذبه ويعيب ما جاء به، قتل يوم بدر كافرا وقيل: قتله عمير بن عامر المازنيّ، وفي أبي البحتريّ نزلت: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ (١) ] . الآية. خرج أبو نعيم من حديث محمد بن إسحاق قال: حدثني الأجلح، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون، عن عبد اللَّه بن مسعود- رضي اللَّه تبارك وتعالي عنه- أنه قال: بينا رسول اللَّه ﷺ في المسجد وأبو جهل بن هشام، وشيبة، وعتبة ابنا ربيعة، وعقبة بن معيط وأمية بن خلف، قال أبو إسحاق: ورجلان آخران لا أحفظ أسميهما، كانوا سبعة، وهم في الحجر، ورسول اللَّه ﷺ يصلي فلما سجد أطال السجود، فقال أبو جهل: أيكم يأتي جزور بني فلان فيأتينا بفرثها فيلقيه على ظهر محمد؟ فانطلق أشقاهم

стр. 5497

وأسفلهم عقبة بن أبي معيط، فأتي به فألقاه على كتفه، ورسول اللَّه (ص) ساجد، قال ابن مسعود: وأنا قائم لا أستطيع أن أتكلم، ليس عندي عشيرة تمنعني، فأنا أرهب، إذ سمعت فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ بذلك، فأقبلت حتى ألقت ذلك عن أبيها، ثم استقبلت قريشا فشتمتهم، فلم يرجعوا إليها شيئا، ورفع رسول اللَّه ﷺ رأسه كما كان يرفع عند تمام سجوده، فلما قضى صلاته قال: اللَّهمّ عليك بقريش، اللَّهمّ عليك بقريش، اللَّهمّ عليك بقريش، اللَّهمّ عليك بعقبة، وعتبة، وأبي جهل وشيبة، وذينك الرجلين، ثم خرج رسول اللَّه ﷺ من المسجد ولقيه أبو البختري ومع أبي البختري سوط. يتخصر به، فلما لقيه النبي ﷺ أنكر وجهه فأخذه فقال: تعالى، مالك؟ قال النبي ﷺ : خل عني، قال: على اللَّه أن لا أخلي عنك أو تخبرني ما شأنك فلقد أصابك شيء، فلما علم النبي ﷺ أنه غير مخل عنه أخبره فقال: إن أبا جهل أمر أن يطرح عليّ فرث، فقال أبو البختري: هلم إلى المسجد، فأبى فأخذه أبو البختري، فأدخله إلي المسجد، ثم أقبل علي أبي جهل، فقال: يا أبا الحكم أنت الّذي أمرت بمحمد فطرح عليه الفرث؟ قال: نعم، فرفع السوط فضرب رأسه، فثارت الرجال بعضها إلى بعض، فصاح أبو جهل فقال: ويحكم من له؟ إنما أراد محمد أن يلقى بيننا العداوة وينجو هو وأصحابه [ (١) ] . وعقبة بن أبي معيط [بن] [ (٢) ] زبان بن [أبى] [ (٢) ] عمرو بن أمية أبو

стр. 5498

الوليد، كان أشد الناس عداوة لرسول اللَّه ﷺ وأذى، فعمد إلى مكتل فحول فيه عذرة، ثم ألقاه على باب النبي ﷺ ونصرته طليب بن عمير بن وهب بن قصيّ بن كلاب، وأمه أروى بنت عبد المطلب فأخذ المكتل نفسه وضرب به رأسه، وأخذ باديته وتشبث به. ويروي: وتشبث به عقبة وذهب به إلى أمه أروي، فقال لها: ألا ترين إلى ابنك قد صار عرضا دون محمد، فقالت: ومن أولي منه بذلك؟ ابن خاله، أموالنا وأنفسنا دون محمد، وجعلت تقول: إن طليبا نصر ابن خاله وآساه في ذي دمه وماله، وجاء بسلا جزور فقذفه على ظهر رسول اللَّه ﷺ وهو ساجد عند الكعبة، حتى جاءت فاطمة فأخذته عن ظهره ﷺ . فلما كان يوم بدر أسر عقبة عبد اللَّه بن سلمة بن مالك العجلاني فأمر رسول اللَّه ﷺ عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فضرب عنقه كما تقدم ذكره. الأسود بن المطلب [ (١) ] بن أسد بن عبد العزى أبو زمعة زاد الراكب، كان من المستهزءين، وكان وأصحابه يتغامزون بالنبيّ ﷺ وأصحابه ويقولون: قد جاءكم ملوك الأرض ومن يغلب على كنوز كسرى وقيصر، ثم يحكون، ويصفرون، ويصفقون وكلم رسول اللَّه ﷺ بكلام شق عليه، فدعا عليه أن يعمي اللَّه بصره، ويثكله ولده. فخرج يستقبل ابنه وقد قدم من الشام فلما كان في بعض طريقه فجلس في ظل شجرة فجعل جبرائيل ﵇ يضرب وجهه وعينيه بورقة من ورقها، وبشوكها حتى عمي، وقيل: أومأ إلى عينيه فعمي فشغله عن رسول اللَّه ﷺ ، وقتل ابنه معه ببدر كافرا، قتله أبو دجانة وقتل ابن ابنه عتيب، قتله حمزة وعليّ اشتركا في قتله، وقتل ابن ابنه الحارث بن زمعة بن الأسود، قتله عليّ، وقيل: هو الحارث بن الأسود، والأول أصحّ، وهو القائل: أتبكي أن يضل لها بعير ... ويمنعها من النوم السهود وقال الواقدي: ومات الأسود بمكة وهم يتجهزون لأحد، وكان الأسود يجلس معه قوم من المشركين فيقولون: ما نرى ما جاء به محمد! ما هو إلا سجع كسجع الكهان، فنزلت فيهم: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [ (٢) ] وقيل: نزلت في أهل الكتاب وكانوا إذا سئلوا عن النبي ﷺ يقول بعضهم: ساحر، ويقول

стр. 5499

بعضهم: شاعر، ويقول بعضهم: مجنون، ويقول بعضهم: ساحر، ويتكذبون عليه، فيصدون الناس عنه، فأنزل اللَّه تعالى فيهم: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [ (١) ] ، يقول أثقال من يصدونه عن الإلسام. وذكر رسول اللَّه ﷺ عاقرا الناقة فقال: كان عزيزا منيعا كأبي زمعة الأسود بن المطلب فيكم. وابنه زمعة بن الأسود وابن الأصداء الهذليّ، كان يؤذي النبي ﷺ ويقول له: إنما يعلمك أهل الكتاب بأساطيرهم، ويقول للناس: هو معلم مجنون، فدعا عليه رسول اللَّه ﷺ فإذا هو على جبل إذ اجتمعت عليه الأروى فنطحته حتى قتلته. والحكم بن أبي العاصي بن أمية [ (٢) ] ، كان مؤذيا لرسول اللَّه ﷺ ، وكان

стр. 5500

يمشى ذات يوم وهو خلفه، فخلج بأنفه وفمه فبقي على ذلك، وأظهر الإسلام يوم فتح مكة، وكان مغموصا عليه في دينه، فاطلع على رسول اللَّه ﷺ بالمدينة في بعض حجر نسائه، فخرج إليه يعيره فقال: من عدا يرى من هذه الودعة؟ لو أدركته لفقأت عينه، وغربة عن المدينة، فلم يزل خارجا منها إلى أن استخلف أمير المؤمنين عثمان بن عفان- رضي اللَّه ﵎ عنه- فرده وولده، ومات في خلافة عثمان، فضرب على قبره فسطاطا، وقال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت لمروان بن الحكم: إن اللعين أباك فارم عظامه ... إن ترم ترم مخلجا مجنونا يمسي [ (١) ] خميص البطن من عمل التقى ... ويظل من عمل الخبيث بطينا وعتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن الوليد، لقي رسول اللَّه فقال له: إن أردت الشرف شرفناك وإن كنت تريد المال أعطيناك منه

стр. 5501

ما تحب، فقال: يا أبا الوليد اسمع: فقرأ عليه حم [ (١) ] السجدة فقال: هذا كلام ما سمعت مثله، ثم التفت إلي جماعة قريش فقال: دعوه، وخلوا بينه وبين العرب، فليس بتارك أمره، وأتى رسول اللَّه ﷺ ابن أم مكتوم وعتبة يكلمه، وقد طمع فيه أن يسلم، فشغل عنه، فأنزل اللَّه تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى [ (٢) ] وقوله: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى [ (٣) ] يعني عتبة [ (٤) ] ويقال: بل الّذي شغل النبي ﷺ به عن ابن أم مكتوم قال له: علمني مما علمك اللَّه، فأقبل على أمية بن خلف وتركه، وقتل عتبة يوم بدر وله خمسون سنة، وكان أبو حذيفة بن عتبة [ (٥) ] مع رسول اللَّه ﷺ مسلما.

стр. 5502

وشيبة بن ربيعة بن عبد شمس [ (١) ] أبو هاشم، كان يجتمع مع قريش فيما يكيد به النبي ﷺ من الأذى، ولا يتعاطى ذلك بيده، وقتله عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف يوم بدر ووقف عليه حمزة وعليّ- رضي اللَّه تبارك عنهما- وكان شيبة أسنّ من عتبة بثلاث سنين وكان شيبة وعتبة متثاقلين عن الخروج لبدر حتى أتاهما أبو جهل فخرجا، ولما قتلوا ببدر قالوا: ومشى نساء قريش إلى هند بنت عتبة وهي أم معاوية بن أبي سفيان فقلن لها: ألا تبكين على أبيك وعمك وأخيك وأهل بيتك؟ فقالت: حلقي، أنا لا أبكيهم فيبلغ محمدا وأصحابه، فيشمتوا بنا، ونساء بني الخزرج! لا واللَّه، حتى أثأر من محمد وأصحابه، وحرمت على نفسها الدهن والكحل وقالت: واللَّه، لو أعلم أن الحزن يذهب من قلبي لبكيت، ثم قالت: للَّه عينا من رأى هلكا هلك رحالته ... يا رب بارك لي غدا في النايحات وباكيه كم غادروا يوم القليب غداة تلك الواعية ... من كل عيب في السنن إذا الكواكب جارية قد كنت أحذر ما أرى فاليوم حل جدار به ... يا رب قابله غدا يا ويح أم معاوية وأنس بن معير بن لودان بن سعد بن جمح، أخو أبي محذورة [ (٢) ] ومطعم

стр. 5503

بان عدي بن نوفل بن عبد مناف أبو وهيب [ (١) ] ، كان أقل أصحابه أذى للنّبيّ ﷺ ، لكنه كان ينكر عليه ما أنكروا، وهو الّذي قام بأمر بني هاشم وبني المطلب حتى خرجوا من الشعب، وأجاب النبي ﷺ كما رجع من الطائف حتى مات بالبيت، ومات في صفر سنة اثنين من الهجرة قبل بدر، وهو ابن بضع وتسعين سنة، ودفن بالحجون، وأقيم النوح عليه سنة، وقال رسول اللَّه ﷺ : لابنه جبير بن مطعم يوم بدر: لو كان أبوك حيا واستوهبني هؤلاء الأسرى أبوك لوهبتهم له، وشفعته فيهم. وطعيمة بن عدي بن نوفل بن المطلب، أبو الريان، وكان ممن يؤذي رسول اللَّه ﷺ فيبالغ في أذاه، ويشتمه، ويسمعه، ويكذبه، فأسر يوم بدر، وقتل صبرا كما تقدم [ (٢) ] والحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، فيه نزلت: وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا [ (٣) ] لكنه كان ممن أعان على نقض الصحيفة وقتل يوم بدر كافرا، قتله خبيب بن إساف [ (٤) ] .

стр. 5504

ومالك بن الطلاطلة بن عمرو بن عبسان، واسمه الحارث بن عمرو بن مزيقياء كان من المستهزءين وكان سفيها، فدعى عليه رسول اللَّه ﷺ واستعاذ باللَّه من شره فعصر جبريل ﵇ بطنه حتى خرج خلاه من بطنه فمات وقيل: بل أشار إليه فامتخض رأسه قبحا [ (١) ] ، وقتل به عمرو بن الطلاطلة، وهو باطل. وقيل: الحارث بن الطلاطلة وليس بشيء، وهم يغلطون بابن الغيطلة وابن الطلاطلة فيجعلون هذا ذلك، وذاك هذا. قاله ابن الكلبي [ (٢) ] . وقيل: إن المستهزءين ماتوا في وقت واحد، وما تقدم ذكره أثبت. وركانة الشديد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب، قدم من سفر له فأخبر خبر رسول اللَّه ﷺ فلقيه في بعض جبال مكة فقال: يا ابن أخى! قد بلغني عنك أمر وما كنت عندي بكذاب، فإن صرعتني علمت أنك صادق، فصرعه النبي ﷺ ثلاثا فأتى قريشا فقال: يا هؤلاء! صاحبكم ساحر فاسحروا به من شئتم. وقال هشام بن الكلبيّ [ (٣) ] : حدثني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك وتعالي عنهما- قال: لقي رسول اللَّه ﷺ ركانة بن عبد يزيد وكان أشد العرب لم يصرعه أحد قط، فدعاه إلى الإسلام فقال: واللَّه لا أسلم حتى تدعو هذه الشجرة- وكانت سمرة أو طلحة- فقال رسول ﷺ : أقبلي بإذن اللَّه، فأقبلت تخدّ الأرض خدا، فقال ركانة: ما رأيت كاليوم سحرا أعظم، فأمرها فلترجع، فقال: ارجعي بإذن اللَّه، فأقبلت تخذ الأرض خدا فقال: ويحك! أسلم، قال: إن صرعتني أسلمت، وإلا فغنمي لك، وإن

стр. 5505

صرعتك كففت عن هذا الأمر، فأخذه النبي ﷺ فصرعه ثلاثا، فقال: يا بن عم العود، فصرعه أيضا ثلاثا، فقال: أسلم، قال: لا، قال: فإنّي آخذ غنمك، قال: فما تقول لقريش؟ قال: أقول صارعته، فصرعته، فأخذت غنمه، قال: فضحتني وأخبتني! قال: فما أقول لهم؟ قال: قل: قامرته، قال: إذا أكذب؟ قال: ألست في كذب من حين تصبح إلى حين تمس؟ قال: خذ غنمك، قال: أنت واللَّه خير مني وأكرم، فقال النبي ﷺ : وأحق بذلك منك. وابن أبي وهب المخزوميّ، كان فمن يؤذي النبي ﷺ فقتل يوم الخندق وقيل: بقي إلى الفتح فهرب إلى اليمن وما هناك كافرا وهو أثبت [ (١) ] . ومن أعداء رسول اللَّه ﷺ عبد اللَّه بن شهاب بن عبد اللَّه بن الحارث بن زهرة الزهري وهو عبد اللَّه الأصفر، فإن أخاه ابن شهاب الأكبر من مهاجرة الحبشة، ومات بمكة قبل الهجرة [ (٢) ] ، وكان يسمى عبد الجان، فسماه رسول اللَّه ﷺ عبد اللَّه. وعتبة بن أبي وقاص [ (٣) ] ، ومالك بن أهيب بن عبد مناف، وعبد اللَّه بن شهاب الزهريّ [ (٤) ] ، وعمرو بن قمئة الأدمي من بني تميم بن غالب [ (٥) ] ، وعبد اللَّه بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وذلك أنه لما كان يوم أحد تعاقد هؤلاء مع أبيّ بن خلف على قتل رسول اللَّه ﷺ ، وأما عتبة بن أبي وقاص فرماه بأربعة أحجار، فكسر رباعيته اليمنى [السفلى] ، وشقّ شفته السفلى وأما ابن قمئة فكلم وجنتيه ﷺ وغيّب حلق

стр. 5506

المغفر [ (١) ] فيهما، وعلاه بالسيف، فلم يقطع، وسقط رسول اللَّه ﷺ فجحشت ركبته. وأما أبيّ بن خلف فشدّ بحربة فأعان اللَّه رسوله ﷺ فقتله، وأما عبد اللَّه بن حميد فأقبل يريد النبي ﷺ فشدّ عليه أبو دجانة رضي اللَّه ﵎ عنه فضربه، وقال: خذها وأنا ابن خرشة فقال النبي ﷺ : اللَّهمّ ارض عن ابن خرشة فإنّي عنه راض [ (٢) ] . قال الواقدي: دعا رسول اللَّه ﷺ على الذين تعاقدوا على قتله فقال: اللَّهمّ لا تحل على أحد منهم الحول، فمات عتبة من وجع أليم أصابه، فتعذب به، وأصيب ابن قمئة في المعركة، ويقال: إنه لما رمى مصعب بن عمير فقتله، قال: خلاها وأنا ابن قمئة، فقال رسول اللَّه ﷺ أقمأه اللَّه، فعهد إلى شاة ليحلبها بعد الوقعة فنطحته وهو معتقلها فقتلته، ووجد ميتا بين الجبال [ (٣) ] . ولم يذكر الواقدي منبه بن شهاب وكان ابن أبيّ وابن حميد ما قد ذكرنا، بعضهم يذكر أن عبد اللَّه بن حميد قتل يوم بدر والثابت أنه قتل يوم أحد. ذكره البلاذري، وقال: حدثني بعض قريش أن أفعى نهشت عبد اللَّه بن شهاب في طريقه إلى مكة فمات، قال: وسألت بني زهرة، عن خبره فأنكر أن يكون رسول اللَّه ﷺ دعا عليه، أو يكون شجّ رسول اللَّه ﷺ وقالوا: الّذي شجع في جبهته عبد اللَّه بن حميد الأسدي [ (٤) ]

стр. 5507

وأما المنافقون وكانوا من الخزرج والأوس قال ابن سيده: النفاق الدخول في الإسلام من وجه والخروج عنه من آخر مشتق من نافق اليربوع، إسلامية، وقد نافق منافقه ونفاقا [ (١) ] . قال اللَّه تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ [ (٢) ] فدل على أن المنافقين شر من كفر به، وأولادهم عقبة، وأبعدهم من الإثابة إليه، لأنه شرط عليهم في التوبة والإصلاح والاعتصام، ولم يشرط ذلك على غيرهم، ثم شرط الإخلاص، لأن النفاق ذنب القلب، والإخلاص توبة القلب، ثم قال: فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [ (٣) ] ولم يقل: فأولئك هم المؤمنون، ثم قال: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً [ (٤) ] ولم يقل: وسوف يؤتيهم اللَّه بعضها لهم وإعراضا عنهم وحيدا، فالكلام عن ذكرهم، وقال تعالى يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ [ (٥) ] فدل على خبثهم واستشرافهم بكل ما عرف من هرج علي الإسلام وأهله. خرج مسلم من حديث محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن قتادة، عن أبي نضرة، عن قيس بن عباد قال: قلنا لعمار: رأيت قتالكم أرأيا رأيتموه فإن الرأي يخطئ ويصيب، أو عهدا عهده إليكم رسول اللَّه ﷺ فقال: ما عهد إلينا رسول اللَّه ﷺ شيئا لم يعهده إلى الناس كافة، وقال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: إن في أمتي- قال شعبة وأحسبه قال حدثني حذيفة- وقال غندر: أراه

стр. 5508

قال في أمتي اثنا عشر منافقا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها، حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم [ (١) ] . وخرج من حديث الوليد بن جميع، حدثنا أبو الطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون من الناس، فقال: أنشدك باللَّه كم كان أصحاب العقبة؟ قال: فقال له القوم: أخبره إذا سألك، قال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد باللَّه أن اثني عشر منهم حرب للَّه ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة، قالوا: ما سمعنا منادي رسول اللَّه ﷺ ولا علمنا بما أراد القوم، وقد كان في حرة فمشى فقال: إن الماء قليل فلا يسبقني إليه أحد فوجد قوما قد سبقوه فلعنهم يومئذ [ (٢) ] . وقال الواقدي: حدثني يونس بن محمد، عن يعقوب بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، أنه قال له: هل كان الناس يعرفون أهل النفاق فيهم؟ فقال: نعم واللَّه، وإن كان الرجل ليعرفه من أبيه وأخيه وبني عمه- سمعت جدك قتادة بن النعمان يقول: تبعنا في دارنا قوم منا منافقون [ (٣) ] . وللبيهقي من حديث سفيان عن سلمة، عن عياض بن عياض، عن أبي، عن أبي مسعود قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ خطبة، فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: إن فيكم منافقين، فمن سميت فليقم، ثم قال: قم يا فلان، قم يا فلان قم يا فلان، حتى سمي ستة وثلاثين رجلا، ثم قال: إن فيكم أو منكم فاتقوا اللَّه، قال: فمر عمر على رجل ممن سمى مقنع قد كان يعرفه- قال مالك: قال: فحدثه بما قال رسول اللَّه ﷺ فقال: بعدا لك سائر اليوم [ (٤) ] .

стр. 5509

والمنافقون من الخزرج هم: عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول، وسلول بنت الحارث الخزاعية، أمه [وبها يعرف] ، وقيل: بل هي جدته وهو عبد اللَّه بن أبي بن مالك بن الحارث ابن عبيد اللَّه بن مالك بن سالم الجبليّ بن غنم بن عوف بن الخزرج وهو ابن رأس المنافقين القائل لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [ (١) ] ، وقد تقدمت عدة من أخباره في المريسيع وغيرها وروى الدارقطنيّ قال: إن رسول اللَّه ﷺ مر على جماعة فيهم عبد اللَّه بن أبي فسلم عليهم، ثم ولي، فقال: لقد عثا ابن أبي كبشة في هذه البلاد، فسمعها ابنه عبد اللَّه فاستأذن رسول اللَّه ﷺ في أن يأتيه برأس أبيه فقال ﷺ : ولكن برّ أباك، وأبو مالك جد بن قيس بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة [ (٢) ] وهو القائل لرسول اللَّه ﷺ وقد ندب الناس إلى غزوة تبوك وذكر بنو

стр. 5510

الأصفر-: ائذن لي ولا تفتني ببنات الأصفر، وقال [ (١) ] رسول اللَّه ﷺ لبني سلمة: من سيدكم يا بني سلمة؟ قالوا: الجدين ابن قيس إلا أن فيه بخلا، قال: وأي داء أدوى من البخل بل سيدكم بشر بن البراء بن معرور. وذكر الواقدي بإسناده من طريق أسيد بن أبي أسيد عن أبي قتادة الأنصاري- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: لما نزلنا علي الحديبيّة، والماء قليل، سمعت الجد بن قيس يقول: ما كان خروجنا إلي هؤلاء القوم بشيء؟ أنموت من العش من آخرنا؟ فقلت: لا تقل هذا. يا أبا عبد اللَّه، فلم خرجت؟ قال: خرجت مع قومي، قلت: فلم تخرج معتمرا؟ قال: لا واللَّه، ما أحرمت؟ قال أبو قتادة ولا نويت العمرة؟ قال: لا! فلما دعا رسول اللَّه ﷺ الرجل فنزل بالسهم، وتوضأ رسول اللَّه ﷺ في الدلو ومج فاه فيه، ثم رده في البئر، فجاشت البئر بالرواء. قال أبو قتادة: فرأيت الجد مادا رجليه على شفير البئر في الماء، فقلت أبا عبد اللَّه: أين ما قلت؟ قال: إنما كنت أمزح معك، لا تذكر لمحمد مما قلت شيئا. قال أبو قتادة: وقد كنت ذكرته قبل ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، قال: فغضب الجد وقال: بقينا مع صبيان من قومنا لا يعرفون لنا شرفا ولا سنا، لبطن الأرض اليوم خير من ظهرها! قال أبو قتادة: وقد كنت ذكرت قوله ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ : ابنه خير منه. قال أبو قتادة: فلقيني نفر من قومي فجعلوا يؤنبونني ويلومونني حين رفعت مقالته إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقلت لهم: بئس القوم أنتم! ويحكم» عن الجد بن قيس تذبون؟ قالوا: نعم، كبيرنا وسيدنا. فقلت: قد واللَّه طرح رسول اللَّه ﷺ سؤدده عن بني سلمة، وسوّد علينا بشر بن البراء بن معرور، وهدمنا المنامات التي كانت على باب الجد، وبنيناها على باب بشر بن البراء، فهو سيدنا إلى يوم القيامة.

стр. 5511

قال أبو قتادة: فلما دعا رسول اللَّه ﷺ إلى البيعة فر الجد بن قيس فدخل تحت بطن البعير، فخرجت أعدو، وأخذت بيد رجل كان يكلمني، فأخرجناه من تحت بطن البعير، فقلت: ويحك! ما أدخلك هاهنا؟ أفرارا مما نزل به روح القدس؟ قال: لا، ولكني رعبت وسمعت الهيعة [ (١) ] . قال الرجل: لا نضحت عنك [ (٢) ] أبدا، وما فيك خير. فلما مرض الجد بن قيس ونزل به الموت لزم أبو قتادة بيته فلم يخرج حتى مات ودفن، فقيل له في ذلك فقال: واللَّه ما كنت لأصلي عليه وقد سمعته يقول يوم الحديبيّة كذا وكذا، وقال في غزوة تبوك كذا وكذا، واستحييت من قومي يرونني خارجا ولا أشهده. ويقال: خرج أبو قتادة إلى ماله بالواديين فكان فيه حتى دفن، ومات الجد في خلافة عثمان- رضي اللَّه ﵎ عنه-[ (٣) ] . ومرارة بن [ (٤) ] الربيع وهو الّذي ضرب بيده على عاتق عبد اللَّه بن أبيّ، ثم قال: تمطي، والنعيم لنا من بعده كائن نقتل الواحد المفرد، فيكون الناس عامة بقتله مطمئنين، بدعاء رسول اللَّه ﷺ فقال له: ويحك ما حملك على أن تقول الّذي قلت؟ فقال: يا رسول اللَّه إن كنت قلت شيئا من ذلك إنك لعالم به، وما قلت شيئا من ذلك [ (٥) ] . وعبد اللَّه بن عيينة وهو الّذي قال لأصحابه: اشهدوا هذه الليلة تسلموا الدهر كله، فو اللَّه ما لكم أمر دون أن تقتلوا هذا الرجل، فدعاه رسول اللَّه ﷺ فقال: ويحك ما كان ينفعك من قتلي لو أني قتلت، فقال عدو اللَّه: يا نبي، اللَّه! واللَّه لا تزال بخير ما أعطاك اللَّه النصر على عدوك، إنما نحن باللَّه وبك فتركه رسول اللَّه ﷺ [ (٦) ] .

стр. 5512

وعدي بن ربيعة كان يؤذي رسول اللَّه ﷺ ورماه بقدر، وكان أعمى وابنه سويد بن عدي [ (١) ] . وقيس [ (٢) ] بن عمرو بن سهل بن ثعلبة بن الحارث بن زيد بن ثعلبة بن غنم ابن مالك بن النجار، هو جد يحيي بن سعيد [ (٣) ] ، وقال ابن حزم: يقال إنه كان من المنافقين ولم يصح، وتبعه زرارة. كان يدخل على رسول اللَّه ﷺ بالشعر. وزيد بن عمرو، وعقبة بن كريم بن خليف. وأبو قيس بن الأسلم أتي النبي ﷺ في السنة الأولى من الهجرة فقال: ما أحسن ما يقول ويدعو إليه، وسأنظر في أمري وأعود إليك، ولقيه ابن أبيّ فقال له: كرهت واللَّه حرب الخزرج، فقال: لا أسلم، فمات في ذي الحجة سنة إحدى. والمنافقون من الأوس هم الجلاس بن سويد بن الصامت قتل المجدر بن زياد البلوي يوم أحد كما تقدم ذكره، وكان الجلاس ممن تخلف في غزوة تبوك، ويقال: بل هو إلي قال: لا ينتهي حتى يرمي محمدا من العقبة، ولئن كان محمد وأصحابه خيرا منا إنا إذا لغنم وهو الراعي، ولا عقل لنا وهو العاقل، قال: لئن كان الرجل صادقا لنحن شر من الحمير، فبلغ النبي ﷺ ذلك، فحلف باللَّه إنه ما قاله، فأنزل اللَّه ﵎ فيه: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ [ (٤) ] الآية.

стр. 5513

قال ابن إسحاق: فزعموا أنه تاب فحسنت توبته حتى عرف منه الإسلام والخير، والحارث [ (١) ] بن سويد أخوه يقال: هو الّذي قتل المجذر بن زياد، فقتله رسول اللَّه ﷺ به. فإن الجلاس كان ممن تخلف عن غزاة تبوك، والقول الأول قول الكلبي، وكان أخوه خلاد [ (٢) ] بن سويد من فضلاء المسلمين، وعمرو بن

стр. 5514

حزم [ (١) ] ، وزوي بن الحارث ويقال روي بن الحارث من بني لوذان بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس وعثمان بن [ (٢) ] عامر، ونبتل بن الحارث بن قيس بن زيد بن ضبيعة ابن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوسي [ (٣) ] ، وفيه قال رسول اللَّه ﷺ : من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر

стр. 5515

إلى نبتل، وكان أدلم ثائر الشعر، أحمر العينين، أسفع الخدين، وكان ينقل حربة النبي ﷺ إلى المنافقين، وهو الّذي قال: إنما محمد أذن فأنزل اللَّه فيه وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ [ (١) ] الآية. والنبتل الصلب الشديد. وأخوه أبو سفيان بن الحارث بن قيس [ (٢) ] شهيد بدر وعبد اللَّه بن نبتل [ (٣) ] وهو الّذي كان ينقل حديث النبي ﷺ . قال الواقدي: وكان خارجة بن زيد بن ثابت يسقي الناس من الماء المبرد بالعسل، وكان أبو عبد اللَّه بن القراد [الزيادي] [ (٤) ] وهو فارس [.....] في خلافة عمر بن الخطاب- رضي اللَّه ﵎ عنه- فجاء ذات يوم وقد حضر رجل من ولد عبد اللَّه بن نبتل فجعل يهزأ به وكان القراد عظيم الرأس والأذنين له خلقة منكره، فقال له: من أنت يا فتى؟ قال: رجل من الأنصار، قال: مرحبا بالأنصار، من أنت منهم؟ قال: أنا فلان ابن الحارث بن عبد اللَّه ابن نبتل، فقال: أما جدك فلم ينصر، علمت ما نزل فيه من القرآن؟ أما يدري ما صنعت به يداه؟ فضحته واللَّه هي الفاضحة. وقيس بن زيد، قتل يوم أحد منافقا [ (٥) ] ، وقيل: خرج مع المسلمين، فلما

стр. 5516

التقى الناس عدا على أسيرين فقتلهما، ثم لحق بقريش. وأبو حبيبة بن الأزعر، وكان ممن بني في مسجد الضرار [ (١) ] . وثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عتبة [ (٢) ] ، قيل نزلت فيه لما منع الزكاة وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ [ (٣) ] . الآية. ومنع ذلك لأنه ممن شهد بدرا، ومعتب ويقال: عتاب بن أبي قشير وثعلبة. [ (٤) ] ومعتب هو الّذي قال، يوم أحد: لو كان لي من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا [ (٥) ] ، وهو القائل يوم الأحزاب: يعدنا محمد كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر على إتيان الغائط! عاهد إلا غرورا [ (٦) ] .

стр. 5517

ويقال: إن حمد بن قيس أو جدّ بن قيس القائل ذلك فأنزل اللَّه تعالي: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [ (١) ] . قال ابن هشام: مصعب بن قشير وثعلبة والحارث ابنا حاطب من أهل بدر ليسوا من المنافقين فيما ذكر لي من أثق به من أهل العلم [ (٢) ] . وقد نسب ابن إسحاق ثعلبة والحارث بن أمية بن زيد في أسماء أهل بدر [ (٣) ] . ورافع بن زيد، وفيه وفي معتب ونفر من أصحابهما نزلت: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ [ (٤) ] ، وكان خصماؤهم دعوهم في خصومتهم إلي النبي ﷺ فأبوا ذلك وقالوا: نتحاكم إلى كعب بن الأشرف، فسماه رسول اللَّه ﷺ طاغوتا [ (٥) ] ، ويقال: إنهم دعوهم إلى الكاهن.

стр. 5518

وجارية بن عامر وبنوه، يزيد، وزيد، ومجمع، وهم ممن اتخذ مسجد الضرار، وكان مجمع بن جارية لم يكن منافقا، ويقال: إنه منافق، ثم صحّ إسلامه، وعنى بالقرآن حتى حفظه، وقال النقاش: حسن إسلامهم مجمع وبعثه عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- إلى الكوفة، فعلمهم القرآن فتعلم منهم عبد اللَّه بن مسعود- رضي اللَّه ﵎ عنه- بقية القرآن [ (١) ] . ومربع بن فيظي [ (٢) ] ، القائل للنّبيّ ﷺ حين أجاز في حائطه وقد خرج إلى أحد: لا أحلّ لك يا محمد، إن كنت نبيا أن تمر في حائطي! وأخذ في يده حفنة من تراب، ثم قال: واللَّه لو أعلم أني لا أصيب بهذا التراب غيرك [ (٣) ] لرميتك به، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول اللَّه ﷺ : دعوه فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصر. [ (٤) ] وأخوه أوس بن قيظي [ (٥) ] ، وهو القائل يوم الخندق: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ [ (٦) ] فأذن لنا في المقام، ويقال: قائل ذلك معتب بن قشير،، ومربع هذا عم عرانة بن أوس بن قيظي الجواد، وهو ممن بنى مسجد الضرار من داره، ويقال: إن الّذي أخرجه من داره وديعة بن حزام، ورافع وبشر ابنا زيد

стр. 5519

وقيس بن رفاعة الشاعر [ (١) ] ، وكان يختلف هو والضحاك بن خليفة [ (٢) ] بن ثعلبة بن عديّ بن كعب بن عبد الأشهل [إلى بيت شويكر اليهودي] [ (٣) ] فأصاب عينه قنديل فذهبت [ (٤) ] . وحاطب بن أمية بن رافع بن سويد [ (٥) ] الّذي قيل لابنه- وحمل جريحا-: أبشر بالجنة، فقال: يا ابن حاطب، أبشر بالجنة، فقال حاطب: جنّة من حرمل، لا يغرنك هؤلاء يا بنيّ. وبشير بن أبيرق الظفري [ (٦) ] وهو أبو طعمة، واسم الأبيرق الحارث بن

стр. 5520

عمرو بن حارثة بن الهيثم بن ظفر- واسم ظفر كعب- قال: سرق ابن أبيرق أدرعا من حديد، ثم رمى بها رجلا بريئا، فجاء قومه إلى النبي ﷺ فعزروه عنده، فأنزل اللَّه- فيه قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً إلى قوله تعالى: وَساءَتْ مَصِيراً [ (١) ] فلما أنزل فيه هذه الآية لحق بالمشركين ومكث بمكة، ثم بعث على قوم بينهم فسرق متاعهم فألقى اللَّه عليه صخرة فشدخته وكانت قبره، ويروي أن الحائط سقط عليه بالطائف وقتل بخيبر، وروى محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الظفري عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق: بشر، وبشير ومبشر [ (٢) ] ، وكان بشر منافقا يهجو أصحاب النبي ﷺ ، ثم سحله بعض العرب، فإذا سمعه أصحاب رسول اللَّه ﷺ قالوا: واللَّه ما قاله إلا الخبيث بشر فقال: أو كلما قال الغواة قصيدة ... أصموا إليها وقالوا ابن الأبيرق قالها [ (٣) ] قال: فابتاع رفاعة بن زيد بن زيد بن عامر حملا من درمك من ضابطة قدمت من الشام، وإنما كان طعام الناس بالمدينة الشعير والتمر وكان الموسر منهم يبتاع من الدرمك [ (٤) ] ما يخص به نفسه، فجعل عمر ذلك الدرمك في

стр. 5521

مشربة وفيها درعان وسيفان وما يصلحها، فعدى عليه من بحث بالليل فنقب المشربة وأخد الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني فقال: يا ابن أخي تعلم أنه قد عدي علينا في ليلتنا، فذهبت بطعامنا وسلاحنا؟ قال: فتحسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق واستوطروا في أبيرق في هذه الليلة، ولا نرى ذلك الأمر طعامنا، قال: وجعل بنو أبيرق ونحن نبحث ونسأل في الدار يقولون: واللَّه ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل بن الحارث بن عروة بن عبد بن رزاح بن ظفر، رجل منا له صلاح وإسلام- فلما سمع لبيد اخترط سيفه، وقال: أنا أسرق؟ فو اللَّه ليخالطنكم هذا السيف أو لتبيننّ هذه السرقة قالوا: إليك عنا أيها الرجل، فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمى: يا ابن أخى، لو أتيت رسول اللَّه ﷺ فذكرت ذلك له. قال قتادة: فأتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمى رفاعة بن زيد فنقّبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه فليردّوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال النبيّ ﷺ سآمر في ذلك، فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له: أشير بن عروة، فكلموه في ذلك، واجتمع في ذلك ناس من أهل الدار فقالوا: يا رسول اللَّه، إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت. قال قتادة: فأتيت رسول اللَّه ﷺ فكلمته فقال: عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينة. قال: فرجعت ولوددت أنى خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول اللَّه ﷺ في ذلك. فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخى ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول اللَّه ﷺ فقال: اللَّه المستعان، فلم يلبث أن نزل القرآن: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً [ (١) ] بني أبيرق وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ فما قلت لقتادة إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً* وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً* يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً* ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا*

стр. 5522

وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً [ (١) ] أي لو استغفروا اللَّه لغفر لهم وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً* وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً - قولهم للبيد- وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً* لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [ (٢) ] . فلما نزل القرآن أتي رسول اللَّه ﷺ بالسلاح فردّه إلى رفاعة فقال قتادة لما أتيت عمي بالسلاح- وكان شيخا قد عشا أو عسا [ (٣) ]- الشك من أبي عيسى- في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولا، فلما أتيته قال: يا ابن أخي هو في سبيل اللَّه، فعرفت أن إسلامه كان صحيحا، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية فأنزل اللَّه تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً* إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً [ (٤) ] . فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر، فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت به فرمت به في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي شعر حسان ما كنت تأتينى بخير [ (٥) ] . قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعلم أحدا أسنده غير محمد بن سلمة الحرانيّ. وروى يونس بن بكير وغير واحد هذا الحديث، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلا، لم يذكروا فيه عن أبيه عن جده. وقتادة بن النعمان هو أخو أبي سعيد الخدريّ لأمه. وأبو سعيد اسمه

стр. 5523

سعد بن مالك بن سنان] [ (١) ] . والضّحاك بن خليفة الأشهليّ [ (٢) ] ، وفرحان حليف بني ظفر لا يعرف نسبه

стр. 5524

ويكنى أبا الغيراق، رمي يوم أحد [ (١) ] . وزرارة بن عمير العبدري، ويقال أبو زيد [ (٢) ] بن عمير، وقيل: قاسط بن شريح العبدري وقطع يد صؤاب الحبشيّ مولى بني عبد الدار. ثم رماه فقتله وكان قزمان قد امتنع من الخزرج يوم أحد حتى عيّرته النساء وقلن: إنما أنت امرأة! فأخذ سيفه وقوسه، وقاتل حيّة

стр. 5525

وأنفة لقومه، وجعل يقول: قاتلوا معشر الأوس عن أحسابكم، فالموت خير من العار والفرار! وكان النبي ﷺ يقول: قزمان في النار، فأثبت يوم أحد، فحمل إلى دار بين ظفر، فقيل له: أبشر أبا الفيراق بالجنة! فقد أبليت اليوم وأصابك ما ترى، فقال: أي جنة؟ واللَّه ما قاتلت إلا حمية لقومي، فلما اشتدّ به الوجع أخرج سهما من كنانته فقطع به رواهش يده فقتل نفسه، وفيه يقول ﷺ : إن اللَّه ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر [ (١) ] . وأبو عامر [عبد] [ (٢) ] عمرو بن صيفي [بن مالك] [ (٢) ] بن نعمان بن ضبيعة بن زيد [ (٣) ] وقيل: هو أبو عامر عمر بن صيفي بن زيد بن أمية بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف من الأوس. وقال مكي: أصله من الروم، كان يناظر أهل الكتاب، ويميل إلى النصرانية، ويتبع الرهبانية ويألفهم، ويكثر الشخوص إلى الشام، فسمي الراهب، فلما ظهر أمر رسول اللَّه ﷺ حسده، ففرّ إلى مكة وقاتل مع قريش يوم أحد، فسماه رسول اللَّه ﷺ أبا عامر الفاسق، فلما فتحت مكة لحق بهرقل هاربا إلى الروم بالشام، فمات هناك فتخاصم في ميراثه كنانة بن عبد ياليل الثقفيّ، وكان ممن حسد رسول اللَّه ﷺ فشخص إلى الشام.

стр. 5526

وعلقمة بن علاثة [ (١) ] ، وكان بالشام أيضا وكان مسلما، ويقال: بل كان مشركا، ثم إنه أسلم، فحكم صاحب الروم بدمشق بسرار، أي لعامر ولكنانة ابن عبد ياليل لأنه من أهل المدر، وحرمه علقمة لأنه بدوي. وقال الهيثم بن عدي: كان أبو عامر يهم بالنّبوّة فلما ظهر أمر رسول اللَّه ﷺ وهاجر وحسده، فهرب إلي مكة فقاتل، ثم أتى الشام. وقال الواقدي [ (٢) ] : هرب أبو عامر إلى مكة، وكان يقاتل مع المشركين، فلما فتحت مكة هرب إلى الطائف، فلما أسلموا هرب إلى الشام، فدفع ميراثه إلى كنانة بن عبد ياليل الثقفي [ (٣) ] ، وكان ممن هرب أيضا. وذكر ابن إسحاق أن أبا عامر أتى رسول اللَّه ﷺ حين قدم المدينة قبل أن يخرج إلى مكة فقال: ما هذا الدين الّذي بعث به؟ فقال: جئت بالحنفية دين إبراهيم قال: فأنا عليها، قال رسول اللَّه ﷺ : إنك لست عليها؟ قال: بلى أدخلت يا محمد في الحنيفية ما ليس فيها قال: ما فعلت ولكن جئت بها بيضاء نقية، قال الكاذب، أماته اللَّه طريدا غريبا وحيدا- يعرض برسول اللَّه-: أي أنك جئت بها كذلك، قال رسول اللَّه ﷺ : أجل فمن كذب فعل اللَّه تعالى

стр. 5527

ذلك به فكان هو ذلك عدو اللَّه، خرج إلى مكة فلما افتتح رسول اللَّه ﷺ مكة خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام فمات بها سنة تسع، وقيل: سنة عشر من الهجرة، طريدا وحيدا غريبا [ (١) ] وابنه حنظلة العبد استشهد يوم أحد- رضي اللَّه ﵎ عنه-[ (٢) ] وذكر المعتمر بن سليمان، عن أبيه- وقد ذكر حديث الهجرة- قال: فلما عدنا المدينة لقي أبا عامر وهو يسيح في الأرض وهو الراهب، وكان يدعى الراهب من شدة تعبده وتألهه، فقال لرسول اللَّه ﷺ من أنت؟ قال: أنا رسول اللَّه، فقال يا محمد لقد حدّثت عنك قبل أن أراك حديثا ما أدري لعله سيكون كذلك! فقال رسول اللَّه ﷺ : ما هو؟ قال: حدّثت أنك تفرق بين الاثنين، ولي ابن يقال له حنظلة، فهبه لي ولا تفرق بيني وبينه، فقال رسول اللَّه ﷺ : أنا لست كذلك، ولكن جئتك يا أبا عامر وقومك بالهدى، والبصيرة من

стр. 5528

العمى، فقال له أبو عامر: ليس كما تقول، فادع اللَّه على الكذاب، فقال رسول اللَّه ﷺ : أمات اللَّه الكذاب ضالا ذليلا تائها في الأرض. وقال حماد بن زيد: أخبرنا أيوب بن سعيد بن جبير بن بني عمرو بن عوف، ابتنوا مسجدا فصلّى بهم فيه رسول اللَّه ﷺ فحسدهم إخوتهم بنو غنم ابن عوف فقالوا: لو بنينا أيضا مسجدا وبعثنا إلى رسول اللَّه ﷺ فصلّى بنا فيه كما صلّى في مسجد أصحابنا، ولعلّ أبا عامر أن يمر بنا إذا أتى من الشام فيصلّي بنا فيه كما صلّى في مسجد أصحابنا، فلما قام رسول اللَّه ﷺ لينطلق إليه أتاه الوحي فنزل فيهم: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ (١) ] قال: هو أبو عامر. وقال حماد بن سلمة عن هشام بن عروة، عن أبيه: أنه قال في هذه الآية وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ قال: كان سعيد بن حسمة بنى مسجدا فينا وكان موضعه لليلة تربط فيه حمارها فقال: أهل مسجدا النفاق أنحن نسجد في موضع يربط فيه حمار له؟ لا ولكننا نتخذ مسجدا نصلي فيه حتى يجيئنا أبو عامر فيصلي بنا فيه، وكان أبو عامر قد فرّ من اللَّه ورسوله إلى أهل مكة ثم لحق بالشام فتنصّر، فأنزل اللَّه تعالى فيه: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ [ (١) ] يعني أبا عامر، فبعث رسول اللَّه ﷺ لما نزل القرآن إلى ذلك المسجد قالوا: حفره قوم من المنافقين، مسجد رسول اللَّه ﷺ فجعلوا يضحكون، ويلعبون، ويهربون، فأمر رسول اللَّه ﷺ بإخراجهم.

стр. 5529

طرد المنافقين من المسجد [ (١) ] فقام أبو أيوب إلي قيس بن عمر بن قيس فجرّ برجله حتى أخرجه من المسجد، وقام عمارة بن حزم إلي زيد بن عمرو وكان طويل اللحية فأخذ بلحيته فقاده بها قودا عميقا حتى أخرجه، وقام رجل من بني عمرو بن عوف إلى زويّ بن الحارث فأخرجوا جميعا (المرجع السابق: ٥٦، (البداية والنهاية) ٣/ ٢٩٢) . ووديعة بن ثابت أحد بني عمرو بن عوف ممن بني مسجد الضرار، وهو الّذي قال: إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ فأنزل اللَّه فيه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ

стр. 5530

لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [ (١) ] الآية. وعبد اللَّه بن أبيّ، وهؤلاء النفر هم الذين كانوا ينتسبون إلى بني النضير حين حاصرهم رسول اللَّه أن اثبتوا، فنزل فيهم: لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [ (٢) ] إلى قوله تعالى: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ [ (٣) ] ، ولم يكن في بني عبد الأشهل منافق ولا منافقة، إلا أن الضحاك بن خليفة بن ثعلبة [ (٤) ] أحد بني كعب [ (٥) ] كان كاتبهم بذلك. وأما اليهود من هاد يهود، إذا رجع، فسموا يهود لأنهم رجعوا عن الحق ويقال أيضا: هاد يهود. إذا رجع إلى الحق ومنه: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ [ (٦) ] ويقال: سموا يهود لأنهم نسبوا إلى اليهود الناعور وقيل: لأنهم يهودون يوم السبت، أي يسكنون من هود القوم إذا هدوا فإنّهم كانوا أهل يثرب،

стр. 5531

ويثرب [ (١) ] اسم رجل من العماليق، وكانوا يسمون المنازل التي ينزلونها بأسمائهم وهو يثرب بن قانية بن مهلائيل بن إرم بن عوض بن عبيل بن إرم بن سام بن نوح. وقيل: يثرب بن قائن بن عبيل بن مهلائيل بن عوض بن عملاق بن لاوذ بن إرم، فلما أقبلت العماليق من مكة أخرجت عبيل من يثرب وأنزلتهم الجحفة فجاءهم سيل فأجحفهم فسميت الجحفة بذلك وفي ذلك يقول رجل منهم: عيني جودا على عبيل ... وهل يرجع ما فات فيضها بانسجام عمرو يثربا وليس بها ... تعود ولا صارخ ولا ذو وسام عرسوا إليها بمجرى معين ... ثم حقوا النخيل بالأجسام ويقال سميت يثرب بيثرب بن قائن بن عبيل بن مهلائيل بن عوض بن عملاق لاوى بن إرم فلما كانت أيام بني إسرائيل، جعلت العماليق تغير عليهم من أرض الحجاز ومساكنهم يومئذ يثرب والجحفة إلى مكّة، وكانوا أهل عزّ ومنعة وشديدة وكان ساكنو يثرب منهم بنو هنب وبنو سعد، وبنو الأزرق، وبنو مطروق، فشكت بنو إسرائيل ذلك إلى موسى ﵇، فوجه اليهم جيشا وأمّر عليهم أن يقتلوهم، ولا يبقوا منهم أحدا، وكان ملك العماليق آنذاك الأرقم بن أبى الأرقم، يقوم

стр. 5532

ما بين تيماء [ (١) ] إلي فدك، ولهم بها نخل كثير وزرع فسأل بنو إسرائيل وواقعوا لهم وتركوا منهم ابن ملك لهم كان غلاما حسنا فرقوا له ثم رجعوا إلي الشام، وقد مات موسى ﵇ فقالت بنو إسرائيل لهم: قد عصيتم وخالفتم الآباء فقالوا نرجع إلي البلاد التي غلبنا عليها فنكون بها، فرجعوا إلي يثرب فاستوطنوها وتناسلوا بها، إلي أن نزلت عليهم الأوس والخزرج بعد سيل العرم كما تقدم ذكره عند ذكر الأنصار. ويقال: بل كان نزولهم أولا من نواحي العالية [ (٢) ] ، وانحدر بها الآطام والأموال والمزارع، فلبثوا في نواحيه زمانا طويلا حتى ظهرت الروم على بني إسرائيل وخرج بنو قريظة، والنضير، وبنو هذيل من يثرب ونزلوا الغابة [ (٣) ] ثم تحولوا عنها لوبائها إلى عدة مواضع من نواحي يثرب والحدم [ (٤) ] . ويقال: بل كان نزول اليهود بيثرب حين وطئ بخت نصّر بلادهم بالشام وخرب بيت المقدس، فحينئذ لحق من لحق منهم بالحجاز، كقريظة، والنضير، وسكنوا خيبر، ويثرب، حتى قدمت الأوس والخزرج عليهم، وكانت لهم معهم حروب ظهرت عليهم اليهود كما مر ذكره، فلما هاجر رسول اللَّه ﷺ حاربته

стр. 5533

اليهود وعادته، وحمله من كان منهم بالمدينة وخيبر، إنما هم قريظة، والنضير، وبنو القينقاع، وهذيل، إلا أن في الأوس والخزرج من تهوّد وكان من نسائهم من ستنذر إذا ولدت إن عاش ولدها أن تهوّده لأن اليهود كانوا عندهم أهل علم وكتاب في هؤلاء الأبناء الذين تهودوا، ونزلت فيهم: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [ (١) ] حين أراد آباؤهم إكراههم على الإسلام. قال ابن إسحاق: ونصبت عند ذلك أحبار يهود لرسول اللَّه ﷺ العداوة بغيا، وحسدا، وضغنا، لما خصّ اللَّه تعالي العرب من أخذه رسوله ﷺ منهم وانضاف إليهم من رجال من الأوس والخزرج ممن كان عسا على جاهليته، فكانوا أهل نفاق على دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالبعث، إلا أن الإسلام قهرهم بظهوره واجتماع قومهم عليه، فظهروا بالإسلام، واتخذوه جنّة من القتل، ونافقوا في السر، وكان هواهم مع يهود لتكذيبهم النبي ﷺ وجحودهم الإسلام، وكانت أحبار يهود هم الذين يسألون رسول اللَّه ﷺ ويتعنتونه، ويأتونه باللبس ليلبسوا الحق بالباطل، فكان القرآن ينزل فيهم فيما يسألون عنه، إلا قليلا من المسائل في الحلال والحرام، وكان المسلمون يسألون عنها. فمن بني النضير حيي بن أخطب وأخوه وأبو ياسر بن أخطب وجدي بن أخطب، وفيهم وفي نظرائهم، نزل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ

стр. 5534

[ (١) ] إلي قوله: عَذابٌ عَظِيمٌ وسلامة بن مشكم نزل عليه أبو سفيان بن حرب وقال فيه أشعارا: سقاني فرواني عقارا سلامة ... على ظمأ مني سلام بن مشكم كذلك أبو عمرو يجود وداره ... بيثرب مأوى كل أبيض حصرم وامرأة سلام هذا هي زينب بنت الحارث التي أهدت إلى رسول اللَّه ﷺ شاة مسمومة. وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق. والربيع بن أبي الربيع بن أبي الحقيق وسلام بن أبى الحقيق. وكعب بن الأشرف الطائي، من بنى نبهان حليف بني النضير وأمه عقيلة بنت أبى الحقيق، وكان أبوه أصاب دما في قومه، فأتى المدينة، وكان كعب طوالا جسيما ذا بطن وهامة ضخمة، وهو الّذي قال يوم بدر: بطن الأرض خير من ظهرها، هؤلاء ملوك الناس وسراتهم يعني قريشا قد أصيبوا، وخرج إلي مكة فنزل علي أبي وداعة بن صبرة وجعل يهجوا المسلمين، ورثى قتلي بدر، فأمر رسول اللَّه ﷺ حسان بن ثابت بهجاء من نزل كعب عنده حتى رجع المدينة. وحجاج ومجدي ابنا عمرو، حليفا كعب بن الأشرف، وأبو رافع سعد بن حنيف كان متعوذا بالإسلام، وكان أعور، قتله المسلمون بخيبر، ورفاعة بن قيس، وفنحاص، سمع قول اللَّه تعالى: وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [ (٢) ] فقال: أراني أغنى من ربّ محمد حين استقرض منا فنزلت فيه: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا [ (٣) ] ومحمود بن دحية، وعمرو بن جحاش، وعزيز بن أبي عزيز، ونباش بن قيس، وسعية بن عمرو، ونعمان بن أوفى، ومسكين بن أبى مسكين، وزيد بن الحارث، ورافع بن خارجة، وأسير بن زارم، ويقال: ابن رام، كان يحرض على النبي ﷺ ويبسط لسانه فيه، ثم أتي خيبر، فبعث رسول اللَّه ﷺ من قتله وعدة من اليهود معه.

стр. 5535

ومخيريق أسلم وقاتل مع النبي ﷺ يوم أحد وأعطاه ماله فوقفه ويقال: إنه من بني قينقاع. ومن بني قينقاع كنانة بن صوير أو يقال: صوريا، وزيد بن اللصيت. قال الوقدى: كان يهوديا فأسلم فنافق، وكان فيه خبث اليهود وغشهم وكان مظاهرا لأهل النفاق وهو الّذي قال: زعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وقد ضلت ناقته فليس يدرى أين هي! فدله اللَّه عليها فوجدها وقد تعلق خطامها بشجرة، ويقال: إنه تاب من النفاق، وكان خارجة بن زيد بن ثابت ينكر توبته ويقول: لم يزل فسلا حتى مات. وسويد وداعي كانا منافقين يتعوذان بالإسلام، ومالك بن أبي نوفل، كان متعوذا بالإسلام، ينقل أخبار النبي ﷺ إلى يهود وهو حبر من أحبارهم!! ومن بني قريظة الزبير بن باطا بن وهب، وكعب بن أسد، وهو صاحب عقد بني قريظة الّذي نقض عام الأحزاب. وعزّال بن شموأل، وسهل، ويقال: شمويل بن زيد، ووهب بن زيد، وعدي بن زيد، وكردم بن كعب وأسامة بن حبيب، وقتل كردم ابن قيس حليف كعب بن الأشرف، ورافع بن رميلة، وكان متعوذا بالإسلام، وهو الّذي قال النبي ﷺ فيه يوم مات: لقد مات اليوم منافق عظيم النفاق. ولبيد بن أعصم، كان يتعاطى السحر، وهو الّذي سحر النبي ﷺ متعوذا بالإسلام، ورفاعة بن زيد بن التابوت ومعاوية بن التابوت وفيه قال رسول اللَّه ﷺ : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه، لأنه كان نذر أن يقذّر المنبر، أو قذّره، والحارث بن عوف، وشعبة بن عمرو البصري. ومن بني حارثة ومن بنى حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس بن شيبة: كنانة بن صوريا.
следующие страницы →