← Сира

Сира · id 1524

إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع

المقريزي

Полный текст (6 146 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

عليه بحكمه من الاستتابة وتوابعها؟ قلنا: نحن وإن أثبتنا له حكم الكافر في القتل فلا يقطع عليه بذلك لإقراره بالتوحيد والنبوة، وإنكاره ما شهد به عليه أو زعمه أن ذلك كان منه ذهلا ومعصية، وأنه مقلع عن ذلك نادم عليه ولا يمتنع إثبات بعض أحكام الكفر على شخص وإن لم تثبت له خصائصه كقتل تارك الصلاة. وأما من علم أنه سبه معتقدا لاستحلاله، فلا شك في كفره بذلك، وكذلك إن كان سبه في نفسه كفر كتكذيبه، أو تكفيره، ونحوه، فهذا مما لا إشكال فيه، ويقتل وإن تاب منه، لأنا لا نقبل توبته ونقتله بعد التوبة حدا، لقوله ومتقدم كفره، وأمره بعد إلى اللَّه تعالى المطلع على صحة إقلاعه، العالم بسره وكذلك من لم يظهر إلى التوبة واعترف بما شهد به عليه، وصمم عليه، فهذا كافر بقوله وباستحلاله، هتك حرمة اللَّه تعالى وحرمة نبيه ﷺ يقتل كافرا بلا خلاف، فعلى هذه التقصيلات يؤخذ كلام العلماء ونزل مختلف عبارتهم في الاحتجاج عليها وأخذ اختلافهم في الموارثة وغيرها على ترتيبها، يتضح لك مقاصدهم، إن شاء اللَّه تعالى. حكى ابن القصار أنه إجماع من الصحابة- رضي اللَّه ﵎ عنهم- على تصويب قول عمر في الاستتابة ولم ينكره واحد منهم، وهو قول عثمان، وعلي وابن مسعود، وبه قال عطاء بن أبي رباح، والنخعي، والثوري ومالك، وأصحابه والأوزاعيّ والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وذهب طاووس، وعبيد بن عمير، والحسن في إحدى الروايتين عنه، أنه لا يستتاب، وقاله عبد العزيز بن أبي شيبة، وذكره معاذ، وأنكر سحنون عن معاذ، وحكاه الطحاوي عن أبي يوسف، وهو قول أهل الظاهر. قالوا: وتنفعه توبته عند اللَّه تعالى ولكن لا ندرأ القتل عنه لقوله ﷺ : من بدل دينه: فاقتلوه، وحكى أيضا عن عطاء أنه إن كان ممن ولد في الإسلام لم يستتب، ويستتاب الإسلامي، وجمهور العلماء على أن المرتد والمرتدة في ذلك سواء روى عن عليّ لا تقتل المرتدة وتسترق، وقال عطاء وقتادة، وروي عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما-: لا تقتل النساء في الردة،

стр. 5567

وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: والحر والعبد والذكر والأنثى في ذلك سواء. وأما مدتها: فمذهب الجمهور، وروى عن ابن عمر أنه يستتاب ثلاثة أيام يحبس فيها، وقد اختلف فيه عن عمر وهو أحد قولي الشافعيّ، وقول أحمد وإسحاق، واستحسنه مالك. وقال لا يأتي الاستظهار إلا بخير، وليس عليه جماعة الناس. قال ابن أبي زيد: يزيد في الاستتابة ثلاثا، وقال مالك أيضا: الّذي آخذ به في المرتد قول ابن عمر يحبس ثلاثة أيام ويعرض عليه كل يوم فإن تاب وإلا قتل، وقال ابن القصار: في تأخيره ثلاثا روايتان عن مالك: هل ذلك واجب أو مستحب؟ واستحسن الاستتابة والاستيناء ثلاثا أصحاب الرأي، وروى عن أبي بكر الصديق- رضي اللَّه ﵎ عنه- أنه استتاب امرأة فلم تتب فقتلها، وقال الشافعيّ مرة: إن لم يتب مكانه وإلا قتل، واستحسنه المزني وقال الزهري: يدعى إلى الإسلام ثلاث مرات، فإن أبى قتل، وروى عن علي: يستتاب شهرين، وقال النخعي: يستتاب أبدا وبه أخذ الثوري ما رجيت توبته، وحكى ابن القصار عن أبي حنيفة أنه يستتاب ثلاث مرات، فإن أبى ضربت عنقه، واختلف على هذا، هل يهدد أو يشدد عليه أيام الاستتابة ليتوب أم لا؟ فقال مالك: ما علمت في الاستتابة تجويعا ولا تعطيشا ويؤتى من الطعام بما لا يضره. قال أصبغ: وأي المواضع حبس فيها من السجون مع الناس أو وحده إذا استوثق منه سواء، ويوقف ماله إذا أخيف أن يتلفه على المسلمين ويطعم منه ويسقى، وكذلك يستتاب أبدا كلما رجع وارتد. وهو قول الشافعيّ وأحمد. وقاله ابن القاسم، وقال إسحاق: يقتل في الرابعة. وقال أصحاب الرأي: وإن لم يتب في الرابعة قتل دون استتابة، وإن تاب ضرب ضربا وجيعا. ولم يخرج من السجن حتى يظهر عليه خشوع التوبة. قال ابن المنذر: ولا نعلم أحدا أوجب على المرتد في المرة الأولى أدبا إذا رجع وهو على مذهب مالك والشافعيّ والكوفي.

стр. 5568

قال القاضي عياض: هذا، وحكم من ثبت عليه بما شهد عليه ذلك بما يجب ثبوته من إقرار أو عدول لم يدفع منهم فأما من لم تتم الشهادة عليه بما شهد عليه الواحد أو اللفيف من الناس، أو ثبت قوله، لكن احتمل ولم يكن صريحا وكذلك إن من تاب على القول بقبول توبته، فهذا يدرأ عنه القتل، ويتسلط عليه اجتهاد الإمام بقدر شهرة حاله، وقوة الشهادة عليه وضعفها، وكره السماع عنه، وصورة حاله من التهمة في الدين والتميز بالسفه والمجون، فمن قوى أمره أذاقه من شديد النكال من التضييق في السجن، والشد في القيود، إلى الغاية التي منتهى طاقته، مما لا يمنعه القيام لضرورته ولا يقعده عن صلاته، وهو حكم كل من وجب عليه القتل. قال القابسي في مثل هذا: ومن كان أقصى أمره القتل فعاق عائق أشكل في القتل لم ينبغ أن يطلق من السجن ويستطال سجنه، ولو كان فيه من المدة ما عسى أن يقيم، ويحمل عليه من القيد ما يطيق، وقال في مثلها مما أشكل أمره، فشد في القيود شدا ويضيق عليه في السجن حتى ينظر فيما يجب عليه فقال في مسأله أخرى مثلهما: ولا يهراق الدم إلا بالأمر الواضح، وفي الأدب بالسوط، والسجن، نكال للسفهاء، ويعاقب عقوبة شديدة فأما إن لم يشهد عليه سوى شاهدين، فأثبت من عدولهما أو جرحهما، ما أسقطهما عنه، ولم يسمع ذلك من غيرهما، فأمره أخف، لسقوط الحكم عنه، وكأنه لم يشهد عليه إلا أن يكون ممن يليق به ذلك ويكون الشاهدان من أهل التبريز فأسقطهما بعداوة فهو وإن لم ينفذ الحكم عليه بشهادتهما، فلا يدفع الظن صدقها، للحاكم هنا في تنكيله موضع اجتهاد، واللَّه ولى الإرشاد.

стр. 5569

فصل في حكم الذميّ إذا صرح بسب النبي ﷺ أو عرّض أو استخفّ بقدره قال القاضي عياض: أما الذمّيّ إذ صرّح بسبّه أو عرض أو استخف بقدره، أو وصفه ﷺ بغير الوجه الّذي كفر به فلا خلاف عندنا في قتله إن لم يسلم، لأنا لم نعطه العهد على هذا، وهو قول عامة العلماء إلا أبا حنيفة، والثوري، وأتباعهما من أهل الكوفة، فإنّهم قالوا: لا يقتل لأن ما هو عليه من الشرك أعظم، ولكن يؤدب ويعذر. واستدل بعض شيوخنا على قتله بقوله تعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ [ (١) ] . ويستدل أيضا بقتل النبيّ ﷺ لابن الأشرف وأشباهه، ولأنا لم نعاهدهم ولم نعطهم الذمة على هذا ولا يجوز لنا أن نفعل ذلك معهم، فإذا أتوا ما لم يعطوا عليه العهد ولا الذمة، فقد نقضوا ذمتهم، وصاروا كفارا أهل حرب يقتلون لكفرهم. وأيضا فإن ذمتهم لا تسقط، حدود الإسلام عنهم، من القطع في سرقة أموالهم والقتل لمن قتلوه منهم وإن كان ذلك حلالا عندهم فكذلك سبهم للنّبيّ ﷺ يقتلون به وردت لأصحابنا ظواهر تقتضي الخلاف إذا ذكره الذمي بالوجه الّذي كفر به ستقف عليها من كلام ابن القاسم وابن سحنون بعد. وحكى أبو المصعب الخلاف فيها عن أصحابه المدنيين، واختلفوا إذا سبه ثم أسلم فقيل: يسقط إسلامه قتله، لأن الإسلام يجب ما قبله، بخلاف المسلم إذا سبه ثم تاب لأنا نعلم باطنه الكافر في بغضه له، وتنقصه بقلبه، لكنا منعناه من إظهاره، فلم يزدنا ما أظهر إلا مخالفة للأمر ونقضا للعهد، فإذا

стр. 5570

رجع عن ذنبه الأول إلى الإسلام سقط ما قبله. قال اللَّه تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ [ (١) ] والمسلم بخلافه إذ كان ظننا بباطنه حكم بظاهره وخلاف ما بدا منه الآن، فلم يقبل بعد رجوعه، ولا استنمنا الي باطنه إذ قد بدت سرائره وما ثبت عليه من الأحكام باقية عليه لم يسقطها شيء. وقيل: لا يسقط إسلام الذمي الساب قتله لأنه حق للنّبيّ ﷺ وجب عليه لانتهاكه حرمته وقصده إلحاق النقيصة والمعرة به فلم يكن رجوعه إلي الإسلام بالذي يسقطه كما وجب عليه من حقوق المسلمين من قبل إسلامه من قتل وقذف، وإذا كنا لا نقبل توبة المسلم فإن لا نقبل توبة الكافر أولي. قال مالك في كتاب ابن حبيب (المبسوط) وابن القاسم وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ فيمن شتم نبينا ﷺ من أهل الذمة أو أحدا من الأنبياء ﵈: قتل إلا أن يسلم وقاله ابن القاسم في (العتبية) وعند محمد وابن سحنون وقال سحنون وأصبغ: لا يقال له أسلم ولا تسلم ولكن إن أسلم فذلك له توبة. وفي كتاب محمد أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سب رسول اللَّه ﷺ أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب وروي لنا عن مالك: إلا أن يسلم الكافر. وقد روى ابن وهب عن ابن عمر أن راهبا تناول النبي ﷺ فقال ابن عمر: فهلا قتلتموه؟ وروى عيسى عن ابن القاسم في ذميّ قال: إن محمدا لم يرسل إلينا إنما أرسل إليكم وإنما نبينا موسى أو عيسى ونحو هذا لا شيء عليهم لأن اللَّه تعالى أقرهم على مثله. وأما إن سبه فقال: ليس بنبي، أو لم يرسل أو لم ينزل عليه قرآن وإنما هو شيء تقوله أو نحو هذا فيقتل. قال ابن القاسم: وإذا قال النصراني ديننا خير من دينكم إنما دينكم دين الحمير ونحو هذا من القبيح، أو سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمد رسول اللَّه فقال: كذلك يعطيكم اللَّه، ففي هذا الأدب الموجع والسجن الطويل. قال: وأما إن شتم النبي ﷺ شتما يعرف فإنه يقتل إلا أن يسلم، قاله مالك غير مرة، ولم يقل: يستتاب.

стр. 5571

قال ابن القاسم: ومحمل قوله عندي إن أسلم طائعا. وقال ابن سحنون في سؤالات سليمان بن سالم في اليهودي يقول للمؤذن إذا تشهد: كذبت، يعاقب العقوبة الموجعة مع السجن الطويل. وفي (النوادر) من رواية سحنون عنه: من شتم الأنبياء من اليهود والنصارى بغير الوجه الّذي به كفروا ضربت عنقه إلا أن يسلم. قال محمد بن سحنون: فإن قيل: لم قتلت في سب النبي ﷺ ومن دينه سبه وتكذيبه؟ قيل: لأنا لم نعطهم العهد على ذلك، ولا علي قتلنا، وأخذ أموالنا، فإذا قتل واحدا منا قتلناه، وإن كان من دينه استحلاله فكذلك إظهاره لسب نبينا ﷺ . قال سحنون: كمال بذل لنا أهل الحرب الجزية على إقرارهم على سبه لم يجز لنا ذلك في قول قائل، كذلك ينتقض عهد من سب منهم، ويحل لنا دمه، وكما لم يحصن الإسلام من سبه من القتل كذلك لا تحصنه الذمة. قال القاضي أبو الفضل: ما ذكره ابن سحنون عن نفسه وعن أبيه مخالف لقول ابن القاسم فيما خفف عقوبتهم فيه مما به كفروا فتأمله ويدل على أنه خلاف ما روى عن المدنيين في ذلك، فحكى أبو المصعب الزهري قال: أتيت بنصرانيّ قال: والّذي اصطفي عيسى على محمد فاختلف عليه فيه فضربته حتى قتلته أو عاش يوما وليلة وأمرت من جرّ برجله، وطرح علي مزبلة فأكلته الكلاب. وسئل أبو المصعب عن نصرانيّ قال: عيسى خلق محمدا فقال: يقتل وقال ابن القاسم: سألنا مالكا عن نصراني بمصر شهد عليه أنه قال: مسكين محمد! يخبركم أنه في الجنة! ما له لم ينفع نفسه؟ إذ كانت الكلاب تأكل ساقيه؟ لو قتلوه استراح منه الناس. قال مالك: أري أن تضرب عنقه، قال ولقد كدت أن لا أتكلم فيها بشيء، ثم رأيت أنه لا يسعني الصمت. قال ابن كنانة في (المبسوطة) : من شتم النبي ﷺ من اليهود والنصارى فأري للإمام أن يحرقه بالنار وإن شاء قتله، ثم حرق جثته، وإن شاء أحرقه بالنار حيا إذا تهافتوا في سبه. ولقد كتب إلي مالك من مصر وذكروا مسألة ابن القاسم المتقدمة قال:

стр. 5572

فأمرني مالك فكتبت بأن يقتل وتضرب عنقه، فكتبت، ثم قلت: يا أبا عبد اللَّه واكتب: ثم يحرق بالنار، فقال: إنه لحقيق بذلك، وما أولاده به كتبته بيدي بين يديه فما أنكره ولا عابه ونفذت الصحيفة بذلك، فقتل وحرق. وأفتي عبيد اللَّه بن يحيي وابن لبابة في جماعة من سلف أصحابنا الأندلسيين بقتل نصرانية استهلت بنفي الربوبية ونبوة عيسى للَّه وتكذيب محمد في النبوة وبقبول إسلامها ودرء القتل عنها به، قال غير واحد من المتأخرين منهم القابسي وابن الكاتب وقال أبو القاسم بن الجلاب في كتابه: من سب اللَّه ورسوله من مسلم أو كافر قتل ولا يستتاب. وحكي القاضي أبو محمد في الذمي يسب ثم يسلم روايتين في درء، القتل عنه بإسلامه، وقال ابن سحنون: وحد القذف وشبهه من حقوق العباد لا يسقطه عن الذمي إسلامه وانما يسقط عنه بإسلامه حدود اللَّه، فأما حد القذف فحق للعباد كان ذلك لنبي أو غيره، فأوجب على الذميّ إذا قذف النبي ﷺ ثم أسلم حد القذف ولكن انظر ماذا يجب عليه، هل حد القذف في حق النبي ﷺ وهو القتل لزيادة حرمة النبي ﷺ على غيره؟ أم هل يسقط القتل بإسلامه ويحد ثمانين؟ فتأمله. فصل في ميراث من قتل في سب النبي ﷺ وغسله والصلاة عليه اختلف العلماء في ميراث من قتل بسب النبي ﷺ فذهب سحنون إلي أنه لجماعة المسلمين من قبل أن شتم النبي ﷺ كفر يشبه كفر الزنديق. وقال أصبغ: ميراثه لورثته من المسلمين ان كان مستسرا بذلك. وإن كان مظهرا له مستهلا به، فميراثه للمسلمين، ويقتل على كل حال ولا يستتاب. قال أبو الحسن القابسي: إن قتل وهو منكر للشهادة عليه فالحكم في ميراثه على ما أظهر من إقراره يعني لورثته والقتل حد ثبت عليه ليس من الميراث في شيء وكذلك لو أقر بالسب وأظهر التوبة لقتل إذ هو حده وحكمه في ميراثه،

стр. 5573

وسائر أحكامه حكم الإسلام، ولو أقر بالسب وتمادى عليه وأبى التوبة منه فقتل على ذلك كان كافرا، وميراثه للمسلمين، ولا يغسل، ولا يصلّى عليه، ولا يكفن وتستر عورته ويوارى كما يفعل بالكفار. وقول الشيخ أبى الحسن في المجاهر المتمادي بين لا يمكن الخلاف فيه لأنه كافر، مرتد، غير تائب، ولا مقلع، وهو مثل قول أصبغ وكذلك في كتاب ابن سحنون في الزنديق: يتمادى على قوله، ومثله لابن القاسم في (العتبية) ولجماعة من أصحاب مالك في كتاب ابن حبيب فيمن أعلن كفره مثله قال ابن القاسم: وحكمه حكم المرتد، لا ترثه ورثته من المسلمين، ولا من أهل الدين الّذي ارتد إليه، ولا يجوز وصاياه، ولا عتقه، وقاله أصبغ، قبل ذلك أو مات عليه. وقال أبو محمد بن أبى زيد وإنما يختلف في ميراث الزنديق الّذي يستهل بالتوبة فلا تقبل منه، فأما المتمادي فلا خلاف أنه لا يورث. وقال أبو محمد فيمن سب اللَّه تعالى ثم مات ولم تعدل عليه بينة أو لم تقبل إنه يصلّى عليه وروى أصبغ عن ابن القاسم في كتاب ابن حبيب فيمن كذب برسول اللَّه ﷺ أو أعلن دينا مما يفارق به الإسلام إن ميراثه للمسلمين وقال بقول مالك إن ميراث المرتد للمسلمين ولا ترثه ورثته ربيعة والشافعيّ وأبو ثور وابن ليلى واختلف فيه عن أحمد. وقال على بن أبي طالب- رضي اللَّه ﵎ عنه- وابن مسعود، وابن المسيب، والحسن، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز، والحكم والأوزاعي، والليث وإسحق، وأبو حنيفة: يرث ورثته من المسلمين. وقيل: ذلك فيما كسبه قبل ارتداده، وما كسبه في الارتداد فللمسلمين. وتفصيل أبي الحسن في باقي جوابه حسن بين، وهو على رأى أصبغ، وخلاف قول سحنون، واختلافهما على قولي مالك في ميراث الزنديق، فمرة ورثه ورثته من المسلمين قامت عليه بذلك بينة فأنكرها، أو اعترف بذلك وأظهر التوبة، وقاله أصبغ، ومحمد بن مسلمة، وغير واحد من أصحابه لأنه مظهر للإسلام بإنكاره أو توبته، وحكمه حكم المنافقين الذين كانوا على عهد

стр. 5574

رسول اللَّه ﷺ . وروى ابن نافع عنه في (العتبية) وكتاب محمد أن ميراثه لجماعة المسلمين لأن ماله تبع لدمه، وقال به أيضا جماعة من أصحابه. وقاله أشهب، والمغيرة، وعبد الملك، ومحمد، وسحنون، وذهب ابن قاسم في (العتبية) إلي أنه إن اعترف بما شهد عليه به وتاب فقتل فلا يورث، وإن لم يقر حتى مات أو قتل ورث. قال: وكذلك كل من أسرّ كفرا فإنّهم يتوارثون بوراثة الإسلام، وسئل أبو القاسم بن الكاتب عن النصراني يسب النبي ﷺ فيقتل، هل يرثه أهل دينه أم المسلمون؟ فأجاب: إنه للمسلمين ليس على جهة الميراث لأنه لا توارث بين أهل ملتين، ولكن لأنه من فيئهم لنقضه العهد. هذا معنى قوله واختصاره. فصل في حكم من سب اللَّه تعالى وملائكته وأنبياءه وكتبه وآل النبي ﷺ وأزواجه وصحبه قال القاضي عياض: لا خلاف أن سابّ اللَّه تعالى من المسلمين كافر، حلال الدم، واختلف في استتابته، فقال ابن القاسم في المبسوط. وفي كتاب ابن سحنون ومحمد ورواها ابن القاسم عن مالك في كتاب إسحاق بن يحي: من سب اللَّه تعالى من المسلمين قتل ولم يستتب الا أن يكون افتراء على اللَّه بارتداده إلى دين دان به وأظهره فيستتاب وإن لم يظهره لم يستتب. وقال في (المبسوطة) مطرف وعبد الملك مثله وقال المخزومي ومحمد بن مسلمة وابن أبي حازم لا يقتل المسلم بالسب حتى يستتاب وكذلك اليهودي والنصراني فإن تابوا قبل منهم وإن لم يتوبوا قتلوا، ولا بد من الاستتابة وذلك كله كالردة وهو الّذي حكاه القاضي ابن نصر عن المذهب. وأفتي أبو محمد بن أبي زيد فيما حكي عنه في رجل لعن رجلا ولعن اللَّه، فقال: إنما أردت أن ألعن الشيطان فزل لساني فقال: يقتل بظاهر كفره ولا يقبل عذره، وأما فيما بينه وبين اللَّه تعالى فمعذور، واختلف فقهاء قرطبة في مسألة هارون بن حبيب

стр. 5575

أخي عبد الملك الفقيه، وكان ضيق الصدر كثير التبرم، وكان قد شهد عليه بشهادات منها أنه قال استقلاله من مرض: لقيت في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجب هذا كله، فأفتى إبراهيم بن حسين بن خالد بقتله وإن ضمّن قوله تجوير للَّه تعالى وتظلم منه والتعريض فيه كالتصريح. وأفتى أخوه عبد الملك بن حبيب وإبراهيم بن حسين بن عاصم وسعيد بن سليمان القاضي بطرح القتل عنه إلا أن القاضي رأى عليه التثقيل في الحبس والشدة في الأدب لاحتمال كلامه وصرفه إلي التشكي، فوجه من قال في ساب اللَّه بالاستتابة أنه كفر وردة محضة، لم يتعلق بها حق لغير اللَّه فأشبه قصد الكفر بغير سب اللَّه، وإظهار الانتقال إلى دين آخر من الأديان المخالفة للإسلام. ووجه ترك استتباته أنه لما ظهر منه ذلك بعد إظهار الإسلام قبل اتهمناه وظننا أن لسانه لم ينطق به إلا وهو معتقد له إذ لا يتساهل في هذا أحد فحكم له بحكم الزنديق ولم تقبل توبته، وإذا انتقل من دين إلي دين آخر وأظهر السب بمعنى الارتداد فهذا قد أعلم أنه خلع ربقة الإسلام من عنقه بخلاف الأول المستمسك به، وحكم هذا حكم المرتد يستتاب علي مشهور مذاهب أكثر العلماء، وهو مذهب مالك وأصحابه، على ما بيناه قبل وذكرنا الخلاف في فصوله. وأما من أضاف إلي اللَّه تعالى ما لا يليق به ليس علي طريق السب ولا الردة وقصد الكفر ولكن على طريق التأويل والاجتهاد والخطأ المفضي إلى الهوى ولبدعة من تشبيه أو نعت بجارحة أو نفي صفة كمال فهذا مما اختلف السلف والخلف في تكفير قائله ومعتقده. واختلف قول مالك وأصحابه في ذلك ولم يختلفوا في قتالهم إذا تحيزوا فئة وأنهم يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا وإنما اختلفوا في المنفرد منهم فأكثر قول مالك وأصحابه ترك القول بتكفيرهم وترك قتلهم والمبالغة في عقوبتهم وإطالة سجنهم حتى يظر إقلاعهم وتستبين توبتهم كما فعل عمر ﵁ بصبيغ. وهذا قول محمد بن المواز في الخوارج وعبد الملك بن الماجشون وقول سحنون في جميع أهل الأهواء وبه فسر قول مالك في الموطأ وما رواه عن عمر

стр. 5576

ابن عبد العزيز وجده وعمه من قولهم. في القدرية يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا، وقال عيسى بن القاسم في أهل الأهواء من الإباضية والقدرية وشبههم ممن خالف الجماعة من أهل البدع والتحريف لتأويل كتاب اللَّه: يستتابون أظهروا ذلك أو أسروه، فإن تابوا وإلا قتلوا وميراثهم لورثتهم. وقال مثله أيضا ابن القاسم في كتاب محمد في أهل القدر وغيرهم قال: واستتابتهم أن يقال لهم اتركوا ما أنتم عليه ومثله في المبسوط في الإباضية والقدرية وسائر أهل البدع قال: وهم مسلمون، وإنما قتلوا لرأيهم السوء وبهذا عمل عمر بن عبد العزيز. قال ابن القاسم: من قال إن اللَّه لم يكلم موسى تكليما استتيب، فإن تاب وإلا قتل، وابن حبيب وغيره من أصحابنا يرى تكفيرهم وتكفير أمثالهم من الخوارج والقدرية والمرجئة. وقد روي أيضا عن سحنون مثله فيمن قال: ليس للَّه كلام، أنه كافر، واختلفت الروايات عن مالك فأطلق في رواية الشاميين أبي مسهر ومروان بن محمد الطاطري الكفر عليهم وقد شوور في زواج القدري فقال: لا تزوجه، قال اللَّه تعالي: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وروي عنه أيضا: أهل الأهواء كلهم كفار: وقال: من وصف شيئا من ذات اللَّه تعالى وأشار إلي شيء من جسده يد أو سمع أو بصر قطع ذلك منه، شبه اللَّه بنفسه. وقال فيمن قال: القرآن مخلوق فاقتلوه، وقال أيضا في رواية ابن نافع: يجلد ويوجع ضربا ويحبس حتى يتوب، وفي رواية بشر بن بكر التنيسي عنه يقتل ولا تقبل توبته. قال القاضي أبو عبد اللَّه البرنكاني والقاضي أبو عبد اللَّه التستري من أئمة العراقيين: جوابه مختلف، قتل المستبصر الداعية وعلى هذا الخلاف اختلف قوله في إعادة الصلاة خلفهم، وحكي ابن المنذر عن الشافعيّ: لا يستتاب القدريّ، وأكثر أقوال السلف تكفيرهم، وممن قال به الليث وابن عيينة وابن لهيعة، وروي عنهم ذلك فيمن قال بخلق القرآن، وقال ابن المبارك والأودي ووكيع وحفص بن غياث وأبو إسحاق الفزاري وهشيم وعلي بن عاصم في آخرين وهو من قول أكثر المحدثين والفقهاء والمتكلمين فيهم.

стр. 5577

فصل في ذكر مرض رسول اللَّه ﷺ ووفاته خرج مسلم من حديث يزيد عن أبى بردة، عن أبي موسى- رضي اللَّه ﵎ عنه- عن النبي ﷺ قال: إن اللَّه إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره، ذكره في المناقب. وقال المعتمر بن سليمان، عن أبيه سليمان في كتاب (مغازي رسول اللَّه ﷺ ثم قدم رسول اللَّه ﷺ يعني من حجة الوداع فأقام بقية ذي الحجة والمحرم واثنين وعشرين ليلة من صفر ثم مرض مرضه الّذي توفي فيه وبدأ وجعه ﷺ عند وليدة له يقال لها ريحانة كانت من سبي اليهود وكان أول يوم مرض فيه ﷺ يوم السبت اشتد به وجعه يومه وليلته ثم أصبح فأذن المؤذن بالصلاة ثم ثوب فلما رأى المسلمون أن نبي اللَّه ﷺ لا يخرج أمروا مؤذنا فدخل عليه فإذا رسول اللَّه ﷺ شديد الوصب فقال الصلاة يا رسول اللَّه فقال ﷺ : لا أستطيع الصلاة خارجا، وسأله من على الباب فأخبره من كان عليه فقال رسول اللَّه ﷺ : مر عمر بن الخطاب فليصل بالناس. فخرج بلال المؤذن وهو يبكي فقال له المسلمون: ما وراءك يا بلال؟ فقال إن رسول اللَّه ﷺ لا يستطيع الصلاة خارجا فبكى بكاء شديدا وقال. لعمر ابن الخطاب إن رسول اللَّه ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس، قال: ما كنت لأتقدم بين يدي أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- وأبدا فادخل على نبي اللَّه ﷺ فأخبره أن أبا بكر رضي اللَّه ﵎ عنه وبالذي قال عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال ﷺ : نعم ما رأى مر أبا بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فليصل بالناس فخرج إلى أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فأمره فصلّى أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- بالناس ثمانية أيام واشتد برسول اللَّه ﷺ وجعه في تلك الأيام فدخل عليه العباس بن عبد المطلب عمه- رضي اللَّه تبارك وتعالي عنه- وقد أغمي عليه فقال العباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- لأزواج النبي ﷺ وسلّم لو لددتنه! قلن: إنا لا نجترئ على ذلك وأخذ العباس- رضي اللَّه تبارك

стр. 5578

وتعالى عنه- فلده. فأفاق رسول اللَّه ﷺ فقال: من لدني؟ فقد أقسمت ليلدن إلا أن يكون العباس فإنكم لددتمونى وأنا صائم، قلن: إن العباس هو لدك، قال ﷺ وما حملكم على اللدود وما خفتن علي؟ قالوا: خفنا عليك ذات الجنب، قال: إن اللَّه تعالى لم يكن ليسلطه علي فيجاف رسول اللَّه ﷺ من وجعه ذلك يومه، فخرج من العدد هو اليوم العاشر الّذي مات فيه ﷺ فصلّى بالناس صلاة الغداة ورأى المؤمنون أنه قد برأ ففرحوا به فرحا شديدا ثم جلس في مصلاه يحدثهم ويقول: لعن اللَّه أقواما اتخذوا قبورهم مساجدهم يعني اليهود والنصارى وحدثهم حتى أضحى ثم أقام ﷺ إلى بيته فلم يتفرق الناس من مجلسهم حتى سمعوا صياح النساء وهن يقلن الماء الماء، ترين أنه قد غشي قلبه، وابتدر المسلمون الباب فسبقهم العباس ﷺ فدخل وأغلق الباب دونهم فلم يلبث إلى أن خرج إلى الناس فنعى رسول اللَّه ﷺ لهم نفسه فقالوا: يا عباس ما أدراك منه؟ قال: أدركته وهو يقول جلال ربي الرفيع قد بلغت، ثم قضي، فكان هذا آخر شيء تكلم به رسول اللَّه ﷺ وكانت وفاته ﷺ يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه المدينة فقال رجل من أصحاب رسول اللَّه ﷺ : كيف يموت رسول اللَّه ﷺ ولم يظهر على الدين؟ إنما أغمي على رسول اللَّه ﷺ ، فأتوا الباب فقالوا: لا تدفنوه فإنه حي، فخرج العباس ﷺ فقال: أيها الناس هل عند أحد منكم عهد من رسول اللَّه ﷺ في شأن وفاته؟ قالوا: قال العباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- أحمد اللَّه أنا أشهد أن رسول اللَّه ﷺ قد ذاق الموت ولقد أخبره اللَّه تعالى بذلك وهو بين أظهركم فقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [ (١) ] . فعرف الناس أن رسول اللَّه ﷺ قد توفي فخلوا بينه وبين أهله فغسلوه وكفنوه فقال بعضهم: ادفنوه عند المقام في مصلاه فقال العباس- رضي اللَّه ﵎ عنه-: إنما عهدكم برسول اللَّه ﷺ قبل أن يموت بساعة وهو يقول:

стр. 5579

لعن اللَّه قوما اتخذوا قبورهم مساجدا وإنما ذكر ذلك لكم رسول اللَّه ﷺ لكيلا تدفنوه في مصلاه، فقالوا: فيدفن إذا بالبقيع، قال العباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- لعمر: واللَّه لا ندفنه بالبقيع قالوا: لم؟ قال لأنه لا يزال عبدا وأمره يعود إلى بيت رسول اللَّه ﷺ فتأتيه سيدة فتحتجه قالوا: فأين ندفنه قال- رضي اللَّه ﵎ عنه-: حيث نزع اللَّه نفسه، ففعلوا فلما فرغوا من غسله وتكفينه وضعوه حيث توفى، فصلّى الناس عليه يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ودفن الأربعاء، وكانت صلاة الناس عليه ﷺ بغير إمام فبدأ المهاجرون فجعلوا يدخلون البيت ما وسع منهم فيصلون عليه ﷺ ويستغفرون له بغير إمام ثم يخرجون ويدخل آخرون فيفعلون مثل ذلك فلما فرغ المهاجرون دخلت الأنصار ففعلوا مثل ما فعل المهاجرون، ثم نساء المهاجرين ثم نساء الأنصار بعد، ولما أخذوا في دفنه صاحت الأنصار وقالوا: اجعل لنا نصيبا من رسول اللَّه ﷺ عند موته فإنا قد كنا منه بمنزلة في حياته، ففعلوا فأدخلوا أوس بن خولي من الأنصار من بني الحبلي فكان فيمن دفن رسول اللَّه ﷺ . قال المعتمر بن سليمان سمعت أبى يقول ما لا أحصي: ما أعلم بعد القرآن كتابا أصح من هذه السيرة واللَّه تعالى أعلم. ذكر سيف بن عمر التميمي في كتاب (الردة) عن علي- رضي اللَّه تبارك وتعالي عنه- قال: قدم النبي ﷺ لسبع بقين من ذي الحجة أو ثمان فوجد صداعا يوم قدم وفترة وقدم عليه في أول يومه ذلك خلع من البحرين من ربيعة وقدم وافدهم في أثره بالسلم فوافق النبي ﷺ وقد ندب الناس إليهم فوضع البعث وأمضى عمرو بن العاص- رضي اللَّه ﵎ عنه- إلى عثمان إلى صفر بن الجليدى يدعوه فمضى عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- دعوة النبي ﷺ من ذلك الصداع وتلك الفترة لأيام بقين من ذي الحجة وكان المتحلل من الشعر. عن الشعبي عن نفر من أصحاب النبي ﷺ قالوا: قدم النبي ﷺ مرجعه من حجته فتخلل به السير فما زال مجلوطا حتى استقر به الوجع وقام به خطيبا

стр. 5580

في آخر يوم من ذي الحجة فقال: ألا ما تتركوا في جزيرة العرب دينين، انبذوا إلى كل ذي دين خالف الإسلام أن يخرجوا من جزيرة العرب: ألا لعن اللَّه الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ويتخذون آبارهن معاطن، إن أهل الكتاب خالفوا أنبيائهم واتخذوا قبورهم مساجد، وآبارهم معاطن فلا تضلوا عن سنتي به. ذكر نعي النبي ﷺ وإنذاره بذلك قبل موته ﵇ اعلم أن رسول اللَّه ﷺ لما أنزل اللَّه تعالى عليه إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [ (١) ] كانت علامة لاقتراب، أجله وعارضه جبريل ﵊ بالقرآن في ذلك العام مرتين فكانت علامة أخرى لأجله وخيره اللَّه تعالى بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، فكانت علامة أخرى لآخر أجله، إلى غير ذلك. فأما نزول إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فخرج البخاري في غزوة الفتح [ (٢) ] من طريق موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان عمر

стр. 5581

_________ [ () ] على العباد، والتواب من الناس التائب من الذنب، حديث رقم (٤٩٧٠) هو كلام الفراء في موضعين. قوله: «كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر» أي من شهد بدرا من المهاجرين والأنصار، وكانت عادة عمر إذا جلس للناس أن يدخلوا عليه على قدر منازلهم في السابقة، وكان ربما أدخل مع أهل المدينة من ليس منهم إذا كان فيه مزية تجبر ما فاته من ذلك. قوله: «فكأن بعضهم وجد» أي غضب. ولفظ «وجد» الماضي يستعمل بالاشتراك بمعنى الغضب والحب والغنى واللقاء، سواء كان الّذي يلقى ضالة أو مطلوبا أو إنسانا أو غير ذلك. قوله: «لم تدخل هذا معا، ولنا أبناء مثله» ؟ ولابن سعد من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير «كان أناس من المهاجرين وجدوا على عمر في إدنائه ابن عباس» وفي تاريخ محمد بن عثمان بن أبي شيبة من طريق عاصم بن كليب عن أبيه نحوه وزاد «كان عمر أمره أن لا يتكلم حتى يتكلموا، فسألهم عن شيء فلم يجيبوا. وأجابه ابن عباس، فقال عمر: أعجزتم أن تكونوا مثل هذا الغلام؟ ثم قال: إني كنت نهيتك أن تتكلم، فتكلم الآن معهم «وو هذا القائل الّذي عبر هنا بقوله: «بعضهم» هو عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد العشرة كما وقع مصرحا به عند المصنف في علامات النبوة من طريق شعبة عن أبي شعبة عن أبي بشر بهذا الإسناد كان عمر يدني ابن عباس، فقال له عبد الرحمن بن عوف: إن لنا أبناء مثله، وأراد بقوله: «مثله» أي في مثل سنه، لا في مثل فضله وقرابته من النبي ﷺ ولكن لا أعرف لعبد الرحمن بن عوف ولدا في مثل سن ابن عباس، فإن أكبر أولاده محمد وبه كان يكنى، لكنه مات صغيرا وأدرك عمر من أولاده إبراهيم بن عبد الرحمن، ويقال: إنه ولد في عهد النبي ﷺ إن كان كذلك لم يدرك من الحياة النبويّة إلا سنة أو سنتين. لأن أباه تزوج أمه بعد فتح مكة فهو أصغر من ابن عباس بأكثر من عشر سنين، فلعله أراد بالمثلية غير السن، أو أراد بقوله: «لنا» من كان له ولد في مثل سن ابن عباس من البدريين إذ ذلك غير المتكلم. قوله: «فقال: إنه من حيث علمتم» . في غزوة الفتح من هذا الوجه بلفظ إنه أنتم علمتم «وفي رواية شعبه» إنه من حيث نعلم» وأشار بذلك إلى قرابته من النبي ﷺ أو إلى معرفته وفطنته. وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: قال المهاجرون العمر: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ قال: ذلكم فتى الكهول، إن له لسانا سئولا وقلبا عقولا. وأخرج الخرائطي في (مكارم الأخلاق) من طريق الشعبي، والزبير بن بكار من طريق عطاء بن يسار قالا: قال العباس لابنه: إن هذا الرجل يعني عمر- يدنيك، فلا تفشين له سرا، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا يسمع منك كذبا. وفي رواية عطاء بدل الثالثة: «ولا تبتدئه بشيء حتى يسألك عنه» . قوله: «فدعا ذات يوم فأدخله معهم» في رواية للكشميهني «فدعاه» ، وفي غزوة الفتح: «فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم» . قوله: «فما رئيت» بضم الراء وكسر الهمزة، وفي غزوة الفتح من رواية المستملي: «فما أريته» بتقديم الهمزة والمعني واحد.

стр. 5582

يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حديث علمتم، فدعا ذات يوم فأدخله معهم، فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم. قال: ما تقولون في قوله اللَّه تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد اللَّه ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا. فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس.

стр. 5583

وخرج البيهقي من طريق عباد بن العوام، عن هلال بن حباب، عن عكرمة، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- قال: لما نزلت: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ دعا رسول اللَّه ﷺ فاطمة- رضي اللَّه ﵎ عنهما- فقال: إنه قد نعيت إلي نفسي. فبكت، ثم ضحكت، قالت: وأخبرني أنه نعي إليه نفسه فبكيت، فقال ﷺ لي: اصبري فإنك أول أهلي لحاقا بي فضحكت [ (١) ] وقال سيف بن عمر: حدثنا محمد بن عون عن يحيى بن معمر الوسقي، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- قال: أنزل اللَّه علي نبيه ﷺ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فنعى إليه نفسه فيها، والفتح فتح مكة والنصر على العرب قاطبة ورأينا الناس يدخلون في دين اللَّه أفواجا وذلك أن الهجرة انقطعت إلى المدينة بعد الفتح، وكانت القبيلة بأسرها تسلم ويقيم مكانها وكان دخولهم قبل ذلك الرجل بعد الرجل والعدة بعد ولاتهم فنقلت فإذا كان ذلك فسبح وأكثروا حمد اللَّه تعالى واستغفروه للأموات من أمتك والأحياء إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً لمن تاب منهم، ففعل صلوات اللَّه وسلامه عليه فأكثروا قال حدثني عطية بن الحارث عن أبي أيوب، عن علي- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: كان رسول اللَّه ﷺ يكثر الدعاء للأحياء والأموات ويكثر الاستغفار للأموات ولا سيما من استشهد قبل الفتح حتى إذا حج حجة التمام، فهي حجة الإسلام، زادني ذلك وعرف أن الأمر قد أظله، فكان في ذلك

стр. 5584

منصرفه من حجته كالرجل الّذي ينذر الغارة ويقول: اسم اسم صبحتم أو مسيتم ويأتي البقيع كل خميس ويستغفر لأهله. وقال سيف عن عطية عن الضحاك. عن ابن عبّاس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- قال: كان اللَّه قد عهد إلى نبيه ﷺ أنه متوفيه على حين فراغة من الّذي نعته به، وأمره أن ينعي إلى أمته نفسه بعزته لكيلا يفتتنوا من بعده فقرأ عليهم إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وقص عليهم رؤيا رآها أن القمر ولي إليه ثم رفع وقال لهم غداة عرفات: إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا. وعن محمد بن كريب، عن أمية، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- قد نعى لنا نبي اللَّه ﷺ نفسه مرارا لو علمنا عنه، فكره أن يفجعنا فلم نعرف ما ذاك حتى كان من أمره حين أنزل اللَّه تعالى عليه إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وحين قال: إني رأيت بأن القمر ولي لي بامرأتين فركبته ثم رفعت إلي السماء حين قال: إني لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا أبدا وقوله ﷺ على المنبر: إن عبدا خيره اللَّه تعالى أن يكون ملكا مخلدا في الدنيا ما بقيت، ثم الجنة وبين ما عنده. فاختار ما عند اللَّه . وقال سيف: عن الوليد بن عبد اللَّه عن أبيه، عن ابن مسعود- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: آخر من بعث النبي ﷺ إلى الملوك عمرو بن العاص- رضي اللَّه ﵎ عنه- منصرفه من حجته وكان كتاب رسول اللَّه ﷺ ذلك آخر حجة أصبح بها علي من يليه إلي من وراءه حتى يجاز عليه فتمت حجة اللَّه وكمل الدين فأوضح النبي ﷺ شأن موته عند تكامل الأحكام فأدرج الأمور إدراجا وما ندري لم ذلك حتى وقع الأمر. وخرج البيهقي من طريق راشد بن سعد، عن عاصم بن حميد السكونيّ أن معاذ بن جبل ﷺ راكب ورسول اللَّه ﷺ يمشي تحت راحلته، فلما فرغ، قال ﷺ : يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري. فبكى معاذ- رضي اللَّه ﵎ عنه- فقال ﷺ : البكاء أو إن البكاء من الشيطان [ (١) ] .

стр. 5585

وأما نعيه نفسه ﷺ إلى ابنته فاطمة رضي اللَّه ﵎ عنها بأنه عارضه جبريل ﵊ القرآن مرتين فخرج البخاري في علامات النبوة في الإسلام من طريق زكريا، عن فراس الشعبي، عن مسروق، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قال أقبلت فاطمة- رضي اللَّه ﵎ عنها- تمشي كأن مشيتها مشي النبي ﷺ فقال النبي ﷺ مرحبا يا ابنتي، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم أسر إليها حديثا فبكت فقال لها: لا تبكين؟ ثم أسر إليها حديثا فضحكت، فقالت ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن: فسألتها عما قال فقالت- رضي اللَّه ﵎ عنها: ما كنت لأفشي سر رسول اللَّه ﷺ حتى قبض النبي ﷺ فسألتها فقالت اسر إلي أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضي العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي وأنك أول أهل بيتي لحاقا بى، فبكيت. فقال ﷺ : أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة! أو نساء المؤمنين فضحكت لذلك [ (١) ] وخرجه مسلم من حديث زكريا عن فراس بنحوه أو قريب منه [ (٢) ] وأخرجاه من حديث أبي عوانة، عن فراس، عن عامر عن مسروق قال: حدثتني عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: إنا أزواج النبي ﷺ عنده لم يغادر منهن واحدة فأقبلت فاطمة- رضي اللَّه ﵎ عنها- تمشي ما تخطىء مشيتها من مشية رسول اللَّه ﷺ شيئا. وقال البخاري لا واللَّه ما تخطئ مشيتها من مشية رسول اللَّه ﷺ ، فلما رآها رحب بها فقال: مرحبا يا بنيتي، ثم أجلسها عن يمينه أو شماله، ثم سارها فبكت بكاء شديدا فلما رأى جزعها سارها الثانية فضحكت فقلت لها: خصك رسول اللَّه ﷺ من بين نسائه بالسرار،

стр. 5586

ثم أنت تبكين، فلما قام رسول اللَّه ﷺ سألتها: ما قال لك رسول اللَّه ﷺ قالت: ما كنت أفشي على رسول ﷺ سرّه قالت: فلما توفي رسول اللَّه ﷺ قلت؟ لها عزمت عليك بمالي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول اللَّه ﷺ فقالت: أما الآن فنعم: أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل ﵇ كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة، وإنه عارضه الآن مرتين. وقال البخاري: وإنه قد عارضني به العام مرتين وإني لا أري الأجل إلا قد اقترب فاتقى اللَّه تعالى واصبري فإنه نعم السلف أنا لك، قالت: فبكيت بكائي الّذي رأيت، فلما رأي جزعي سارني في الثانية فقال: ﷺ يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة؟ قالت- رضي اللَّه ﵎ عنها-: فضحكت ضحكي الّذي رأيت [ (١) ] . أخّر عند البخاري: هذه الأمة، وقال فيه: فقلت لها أيّا من نسائه خصك رسول اللَّه ﷺ بالسر بيننا ثم أتيت تبكين؟ وقال فيه مسلم: في كل سنة مرة أو مرتين. وخرجه النسائي [ (٢) ] وقال فيه: فجاءت فاطمة- رضي اللَّه ﵎ عنها- تمشي ولا واللَّه أن تخطي مشيتها من مشية رسول اللَّه ﷺ حتى انتهت إليه فقال ﷺ : مرحبا يا بنيتي. أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان [ (٣) ] في باب من ناجى بين يدي الناس ومن لم يخبر بسر صاحبه، فإذا مات أخبر به. وخرج في باب علامات النبوة في الإسلام (سبق تخريجه) وفي آخر المغازي (المرجع السابق: ٨/ ١٧١، كتاب المغازي، باب (٨٤) مرض النبي ﷺ ووفاته، حديث رقم (٤٤٣٣- ٤٤٣٤) .) وفي باب مرض النبي ﷺ ووفاته، من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عروة عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: دعا النبي ﷺ فاطمة ابنته- رضي اللَّه ﵎ عنها- في شكواه الّذي قبض فيه ﷺ فسارّها بشيء

стр. 5587

فبكيت، ثم دعاها فسارها بشيء فضحكت، فسألنا عن ذلك فقالت: سارني النبي ﷺ أنه يقبض في وجعه الّذي توفي فيه فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت. وخرجه البيهقي من طريق سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا يونس بن يزيد قال: حدثنا ابن غزية، عن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان، أن فاطمة بنت الحسين، حدثته أن عائشة، حدثتها أنها كانت تقول: إن رسول اللَّه ﷺ قال في مرضه الّذي قبض فيه لفاطمة: يا بنية أحني علي، فأحنت عليه، فناجاها ساعة، ثم انكشفت عنه، وهي تبكي وعائشة حاضرة ثم قال رسول اللَّه بعد ذلك بساعة: أحني علي بنية فأحنت عليه فناجاها ساعة، ثم انكشفت تضحك. قال: فقالت عائشة. أي بنية أخبرينى ماذا

стр. 5588

ناجاك أبوك؟ قالت فاطمة، أوشكت رأيته ناجاني على حال سر! وظننت أني أخبر بسره وهو حي! قال: فشق ذلك على عائشة أن يكون سرا دونها. فلما قبضه اللَّه إليه، قالت عائشة لفاطمة: ألا تخبريني بذلك الخبر؟ قالت: أما الآن، فنعم، ناجاني في المرة الأولى، فأخبرني أن جبريل كان يعارضه بالقرآن في كل عام مرة، وأنه عارضني بالقرآن العام مرتين. وأخبرنى أنه لم يكن نبي كان بعده إلا عاش بعده نصف عمر الّذي كان قبله، وأخبرنى أن عيسى ابن مريم ﵇، عاش عشرين ومائة سنة، فلا أراني إلا ذاهبا على رأس الستين، فأبكاني ذلك. وقال: يا بنية إنه ليس أحد من نساء المسلمين أعظم رزية منكم، فلا تكوني من أدنى امرأة صبرا- وناجاني في المرة الآخرة. فأخبرني أني أول أهله لحوقا به. وقال: إنك سيدة نساء أهل الجنة. إلا ما كان من البتول مريم بنت عمران، فضحكت لذلك [ (١) ] . خرجه مسلم في المناقب قال البيهقي: كذا في هذه الرواية [ (٢) ] وقد روى عن ابن المسيب قال: إن عيسى ابن مريم ﵇ حين رفع إلى السماء كان ابن ثلاث وثلاثين سنة، وعن وهب بن منبه اثنان وثلاثون سنة، فإن صح قول ابن المسيب ووهب فالمراد من الحديث واللَّه أعلم بما يبقى في الأرض بعد نزوله من السماء. قال المؤلف: هذا حديث حسن فإنه متن رواية يحيي بن أيوب أبي زكريا العلاف المصري، قال النسائي: صالح ورواه يحيى عن سعيد بن أبي مريم عن سعد بن الحكم بن محمد بن سالم الجمحيّ أبو محمد الحافظ الثقة الفقيه ورواه ابن أبي مريم، عن نافع بن يزيد الكلاعي بن يزيد قال أحمد بن صالح كان من ثقات الناس وعمارة بن غزية بن الحارث بن عمرو الأنصاري ومعه أحمد وأبو زرعة.

стр. 5589

وأما إخباره ﷺ بما خيره اللَّه تعالى بين الدنيا والآخرة فخرج البيهقي من طريق يونس بن بكير وإبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق قال حدثني عبد اللَّه بن عمر بن ربيعة عن عبيد مولى الحكم عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص عن أبي مويهبة [ (١) ] مولى رسول اللَّه ﷺ قال: أنبهنى رسول اللَّه ﷺ من الليل فقال: يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع فخرجت معه حتى أتينا البقيع فرفع يديه فاستغفر لهؤلاء ثم قال: ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها الآخرة شر من الأولى: يا أبا مويهبة إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا، والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة، فقلت يا رسول اللَّه بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا، والخلد فيها، ثم الجنة، فقال ﷺ : يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة، ثم انصرف رسول اللَّه ﷺ فلما أصبح ابتدئ بوجعه الّذي قبضه اللَّه تعالي فيه [ (٢) ] وذكره الواقدي من حديث معمر وجماعة قالوا: قالت عائشة رضي اللَّه ﵎ عنها: وثب رسول اللَّه ﷺ من مضجعه من جوف الليل فقلت: أين بأبي وأمي أي رسول اللَّه قال: أمرت أن أستغفر لأهل البقيع، فخرج حتى جاء البقيع فاستغفر لهم ليلا طويلا ثم قال. ليهنكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع بعضها بعضا، يتبع آخرها أولها الآخرة شر من الأولى ثم قال: يا أبا مويهبة، إني قد أعطيت خزائن الدنيا والخلد، ثم الجنة فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة فقلت: بأبي وأمي، فخذ خزائن الدنيا والخلد، ثم الجنة فقال: يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة، ثم انصرف، وذلك ليلة الأربعاء، فأصبح ﷺ محموما لليلتين بقيتا من صفر، وتوفي ﷺ يوم الاثنين لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأول.

стр. 5590

وقد خرج الحاكم حديث أبي مويهبة من طريق إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق كما تقدم، وقال: صحيح علي شرط مسلم إلا أنه عجيب بهذا الإسناد [ (١) ] وخرج البيهقي من حديث عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : نصرت بالرعب، وأعطيت الخزائن، وخيرت بين أن أبقي حتى أري ما يفتح علي أمتي وبين التعجيل، فاخترت التعجيل. قال: هذا مرسل وهو شاهد لحديث أبي مويهبة [ (٢) ] وخرج سيف عن مبشر بن الفضيل، عن عبيد بن حنين، عن أبي مويهبة قال: أهبني رسول اللَّه ﷺ في المحرم مرجعه من حجته، وما أدرى أما مضى من الليل أكثر أو ما بقي منه فقلت: أين تريد بأبي وأمي؟ فقال: يا أبا مويهبة انطلق فإنّي قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع، قال: فخرج وخرجت معه حتى إذا جاءه استغفر لهم طويلا قائما وقاعدا، ثم قال: إني قد أعطيت خزائن الدنيا والخلد فيها فخيرت بين ذلك والجنة، وبين لقاء ربي قال: قلت والجنة. قال: قلت بأبي أنت وأمي، خذ خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة قال: لا واللَّه يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي والجنة. قال: ثم وجع رسول اللَّه ﷺ واشتكى بعد ذلك بأيام.

стр. 5591

وخرج البخاري [ (١) ] ومسلم [ (٢) ] والترمذي [ (٣) ] ، من حديث مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبد اللَّه عن عبيد- يعني ابن حنين- عن أبى سعيد الخدريّ ﷺ : أن رسول اللَّه ﷺ جلس علي المنبر فقال: إن عبدا خيره اللَّه بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده، فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. فعجبنا له. وقال الناس: انظروا إلي هذا الشيخ يخبر رسول اللَّه ﷺ عن عبد خيره اللَّه بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. فعجبنا له. وقال الناس: انظروا إلي هذا الشيخ يخبر رسول اللَّه ﷺ عن عبد خيره اللَّه بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا فكان رسول اللَّه ﷺ هو المخيّر، وكان أبو بكر هو أعلمنا به. وقال رسول اللَّه ﷺ : إن من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر خليلا، إلا خلة الإسلام، لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر.

стр. 5592

_________ [ () ] «مصعب بن عمير» ثم توجه باقي الصحابة شيئا فشيئا كما سيأتي في الباب الّذي يليه. ثم لما توجه النبي ﷺ واستقر بها خرج من بقي من المسلمين، وكان المشركون يمنعون من قدروا على منعه منهم، فكان أكثرهم يخرج سرا إلى أنه لم يبق منهم بمكة إلا من غلب على أمره من المستضعفين ثم ذكر المصنف في الباب أحاديث: الأول والثاني. قوله: «وقال عبد اللَّه بن زيد وأبو هريرة عن النبي ﷺ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار أما حديث عبد اللَّه بن زيد فيأتي موصولا في غزوة حنين، وأما حديث أبي هريرة فتقدم موصولا في مناقب الأنصار. وقوله: «من الأنصار» أي من كان أنصاريا صرفا فما كان لي مانع من الإقامة بمكة كنت اتصفت بصفة الهجرة، والمهاجر لا يقيم بالبلد الّذي هاجر منها مستوطنا، فينبغي أن يحصل لكم الطمأنينة بأني لا أتحول عنكم، وذلك أنه إنما قال لهم ذلك في جواب قولهم: أما الرجل فقد أحب الإقامة بمدينته، وسيأتي لذلك مزيد في غزوة حنين إن شاء اللَّه تعالى. وقوله: «فذهب وهلي» بفتح الواو والهاء أي ظني، يقال: وهل بالفتح يهل بالكسر وهلا بالسكون إذا ظن شيئا فتبين الأمر بخلافه، وقوله: «أو هجر» بفتح الهاء والجيم بلد معروف من البحرين وهي من مساكن عبد القيس، وقد سبقوا غيرهم من القرى إلى الإسلام كما سبق بيانه في كتاب الإيمان. ووقع في بعض نسخ أبي ذر «أو الهجر» بزيادة ألف ولام والأول أشهر، وزعم بعض الشراح أن المراد بهجر هنا قرية قريبة من المدينة، وهو خطأ فإن الّذي يناسب أن يهاجر إليه لا بد وأن يكون بلدا كبيرا كثير الأهل وهذه القرية التي قيل إنها كانت قرب المدينة يقال لها هجر لا يعرفها أحد، وإنما زعم ذلك بعض الناس في قوله: «قلال هجر» إن المراد بها قرية كانت قرب المدينة كان يصنع بها القلال، وزعم آخرون بأن المراد بها هجر التي بالبحرين كانت القلال كانت تعمل بها وتجلب إلي المدينة وعملت بالمدينة على مثالها، وأفاد ياقوت أن هجر أيضا بلد باليمن، فهذا أولي بالتردد بينها وبين اليمامة لأن اليمامة بين مكة واليمن، وقوله: «فإذا هي المدينة يثرب» كان ذلك قبل أن يسميها ﷺ طيبة، ووقع عند البيهقي من حديث صهيب رفعه «أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرتين، فإما أن تكون هجر أو يثرب» ولم يذكر اليمامة، وللترمذي من حديث جرير قال: قال رسول اللَّه ﷺ «إن اللَّه تعالى أوحى إلى أي هؤلاء الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك: المدينة أو البحرين أو قنسرين» لأن قنسرين من أرض الشام من جهة حلب، وهي بكسر القاف وفتح النون الثقيلة بعدها مهملة ساكنة، بخلاف اليمامة فإنّها إلى جهة اليمن، إلا أن يحمل على اختلاف فإن الأول جرى على مقتضى الرؤيا التي أريها، والثاني بخبر بالوحي، فيحتمل أن يكون أري أولا ثم خير ثانيا فاختار المدينة. الحديث الرابع: حديث خباب «هاجرنا مع النبي ﷺ بإذنه، وإلا فلم يرافق النبي ﷺ سوى أبي بكر وعامر بن فهيرة كما تقدم، وقد أعاد المصنف هذا الحديث في هذا الباب، وستأتي الإشارة إليه بعد بضعة عشر حديثا، وسيأتي شرح هذا الحديث مستوفى في كتاب الرقاق، ومضى شيء منه في كتاب الجنائز. الحديث الخامس: حديث عمر «الأعمال بالنيات» أورده مختصرا، وقدم تقدم شرحه مستوفى في أول.

стр. 5593

_________ [ () ] الكتاب، ويحيى هو ابن سعيد الأنصاري، وهو الّذي لا يثبت هذا الحديث إلا من طريقه. قوله: «حدثني إسحاق بن يزيد الدمشقيّ» هو إسحاق بن إبراهيم بن يزيد الفراديسي الدمشقيّ أبو النضر، نسبة هنا إلى جده، وكذلك في الزكاة وفي الجهاد، وجزم بأنه الفراديسى الكلاباذي وآخرون، وتفرد الباجي فأفرده بترجمة ونسبه خراسانيا، ولم يعرف من حاله على شيء، وقول الجماعة أولى. قوله: «عن عبدة بن أبي لبابة» بضم اللام والموحدتين الأولى خفيفة الأسدي كوفي نزل دمشق وكنيته أبو القاسم، ولا يعرف اسم أبيه. قال الأوزاعي: لم يقدم علينا من العراق أفضل منه. قوله: «إن عبد اللَّه بن عمر كان يقول لا هجرة بعد الفتح» هذا موقوف، وسيأتي شرحه في الّذي بعده. قوله: «كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلخ» أشارت عائشة إلى بيان مشروعية الهجرة وأن سببها خوف الفتنة، والحكم يدور مع علته، فمقتضاه أن من قدر على عبادة اللَّه في أي موضع اتفق لم تجب عليه الهجرة منه وإلا وجبت، ومن ثم قال الماوردي: إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار الإسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة مما يترجى من دخول غيره في الإسلام، وتقدمت الإشارة إلى ذلك في أوائل الجهاد في «باب وجوب النفير» في الجمع بين حديث ابن عباس «لا هجرة بعد الفتح» وحديث عبد اللَّه بن السعدي «لا تنقطع الهجرة» . وقال الخطابي: كانت الهجرة أي إلى النبي ﷺ في أول الإسلام مطلوبة، ثم افترضت لما هاجر إلي المدينة إلى حضرته للقتال معه وتعلم شرائع الدين، وقد أكد اللَّه ذلك في عدة آيات حتى قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا فلما فتحت مكة ودخل الناس في الإسلام من جميع القبائل سقطت الهجرة الواجبة وبقي الاستحباب. وقال البغوي في (شرح السنة) » : يحتمل الجمع بينهما بطريق أخرى بقوله: «لا هجرة بعد الفتح» أي من مكة إلى المدينة، وقوله: «لا تنقطع» أي من دار الكفر فذلك حق من أسلم إلي دار الإسلام، قال: ويحتمل وجها آخر وهو أن قوله: لا هجرة أي إلى النبي ﷺ حيث كان بنية عدم الرجوع إلى الوطن المهاجر منه إلا بإذن، وقوله: «لا تنقطع» أي هجرة من هاجر على غير هذا الوصف من الأعراب ونحوهم. قلت: الّذي يظهر أن المراد بالشق الأول وهو المنفي ما ذكره في الاحتمال الأخير، وبالشق الآخر المثبت ما ذكره في الاحتمال الّذي قبله، وقد أفصح ابن عمر بالمراد فيما أخرجه الإسماعيلي بلفظ «انقطعت الهجرة بعد الفتح إلي رسول اللَّه ﷺ ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار» أي ما دام في الدنيا دار كفر، فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشي أن يفتن عن دينه، ومفهومه أنه لو قدر أن يبقى في الدنيا دار كفر أن الهجرة تنقطع لانقطاع موجبها واللَّه أعلم. وأطلق ابن التين أن الهجرة من مكة إلي المدينة كانت واجبة وأن من أقام بمكة بعد هجرة النبي ﷺ إلي المدينة بغير عذر كان كافرا، وهو إطلاق مردود، واللَّه أعلم. قوله: «فمكث بمكة ثلاث عشرة» هذا أصح مما أخرجه أحمد عن يحيى بن سعيد عن هشام بن حسان بهذا الإسناد قال: «أنزل علي النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وأربعين، فمكث بمكة عشرة» وأصح مما أخرجه.

стр. 5594

_________ [ () ] مسلم من وجه آخر عن ابن عباس «أن إقامة النبي ﷺ بمكة كانت خمس عشرة سنة» وقد تقدم بيان ذلك في كتاب المبعث، وسيأتي بقية الكلام عليه في الوفاة إن شاء اللَّه تعالى. وقوله هنا: «فهاجر عشر سنين» أي أقام مهاجرا عشر سنين، وهو كقوله تعالى: فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ. وقوله: «فقال الناس انظروا إلى هذا الشيخ» في حديث ابن عباس عند البلاذري في نحو هذا القصة «فقال له أبو سعيد الخدريّ: يا أبا بكر ما يبكيك» فذكر الحديث. [ (٢) ] (مسلم بشرح النووي) : ١٥/ ١٥٨- ١٥٩، كتاب فضائل الصحابة، باب (١) من فضائل أبي بكر الصديق، حديث رقم (٢٣٨٢) . قال القاضي: أصل الخلة الافتقار والانقطاع، فخليل اللَّه تعالى المنقطع إليه، وقيل: لقصره حاجته على اللَّه تعالى، وقيل: الخلة الاختصاص، وقيل الاصطفاء وسمى إبراهيم ﵇ خليلا، لأنه والى في اللَّه تعالى وعادى فيه، وقيل: سمي به لانه تخلق بأخلاق حسنة وخلال كريمة. وخلة اللَّه تعالى له نصرة، وجعله إماما لمن بعده. وقال ابن فورك: الخلة صفاء المودة بتخلل الإسار، وقيل أصلها المحبة. وقيل: الخليل من لا يتسع قلبه لغير خليله. ومعنى الحديث: أن حبّ اللَّه تعالى لم يبق في قلبه موضعا لغيره. قال القاضي: وجاء في أحاديث أنه ﷺ قال: إلا أنا وحبيب اللَّه، فاختلف المتكلمون، هل المحبة أرفع من الخلة؟ أم الخلة أرفع من المحبة؟ أم هما سواء؟ فقالت طائفة: هما بمعنى، فلا يكون الحبيب إلا خليلا، ولا يكون الخليل إلا حبيبا، وقيل: الحبيب أرفع، لأنها صفة نبينا ﷺ ، وقيل: الخليل أرفع، وقد ثبتت خلة نبينا ﷺ للَّه تعالى بهذا الحديث ونفى أن يكون له خليل غيره. [ (٣) ] (سنن الترمذي) : ٥/ ٥٦٨، كتاب المناقب، باب (١٥) بدون ترجمة، حديث رقم (٣٦٦٠) وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. والخوخة: باب صغير كالنافذة الكبيرة، وتكون بين بيتين، ينصب عليها باب عن التطرق إليها في خوخات إلا من أبوابها إلا لحاجة مهمة. (تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي) : ١٠/ ١٠٠، أبواب المناقب، باب (٥١) ، حديث رقم (٣٩٠٤) .

стр. 5595

ذكر مرض النبي ﷺ ووفاته ﵇ ابتدأ به ﷺ صداع في أواخر صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة. وقال الواقدي: وحدثني أبو معمر عن محمد بن قيس قال: اشتكى ﷺ يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر سنة إحدى عشرة في بيت زينب بنت جحش- رضي اللَّه ﵎ عنها- شكوى شديدة حتى قيل هو مجنوب يعني ذات الجنب واجتمع إليه نساؤه كلهن، اشتكى ثلاثة عشرة وتوفي ﷺ في يوم الاثنين لليلتين مضيتا من ربيع الأول سنة إحدى عشرة. قالوا: بدئ يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر، وتوفى ﷺ يوم الاثنين لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأول وهو الثّبت عندنا. وحدثني معمر عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: بدئ رسول اللَّه ﷺ في بيت ميمونة زوجته- رضي اللَّه ﵎ عنها- وخرج البخاري من حديث يحيي بن أبي زكريا، أخبرنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال: سمعت القاسم بن محمد قال: قالت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-: وا رأساه. فقال رسول اللَّه ﷺ : ذلك لو كان وأنا حيّ فأستغفر لك وأدعو لك، فقالت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- وا ثكلياه، واللَّه إني لأظنك تحب موتي، ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسا ببعض أزواجك! فقال رسول اللَّه ﷺ : بل أنا وا رأساه، لقد همت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- وابنه فأعهد أن يقول القائلون، أو يتمنى المتمنون ثم قلت: يأبى اللَّه ويدفع المؤمنون، أو يدفع اللَّه ويأبى المؤمنون. ذكره في كتاب المرضى [ (١) ] .

стр. 5596

خرج النسائي من حديث محمد بن مسلمة، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: رجع رسول اللَّه ﷺ من جنازة وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول: وا رأساه فقال ﷺ أنا وا رأساه، ثم قال ﷺ : وما ضرك لو مت قبلك فغسلتك وكفنتك وصليت عليك، ثم دفنتك، قالت: لكأنّي بك لو فعلت ذلك ثم رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك! فتبسم رسول اللَّه ﷺ ثم بدئ في مرضه الّذي مات فيه. وخرجه أيضا من طريق محمد بن مسلمة عن بن إسحاق عن يعقوب عن الزهري، وعن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن عروة ابن الزبير، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: رجع النبي ﷺ ذات يوم من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول: وا رأساه قال ﷺ : بل أنا يا عائشة وا رأساه. ثم قال ﷺ : واللَّه ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنك وصليت عليك ثم دفنتك؟ قالت: لكأنّي بك واللَّه لو فعلت ذلك قد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك فتبسم النبي ﷺ ثم بدئ بوجعه الّذي مات به، يعنى فيه. ورواه من حديث إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: دخل علي رسول اللَّه ﷺ

стр. 5597

_________ [ () ] أشار إلى أن مطلق الشكوى لا يمنع ردا على من زعم من الصوفية أن الدعاء بكشف البلاء يقدح في الرضا والتسليم، فنبه على أن الطلب من اللَّه ليس ممنوعا، بل فيه زيادة عبادة، لما ثبت مثل ذلك عن الصوم وأثنى اللَّه عليه بذلك وأثبت له اسم الصبر مع ذلك، وقد روينا في قصة أيوب لما طال بلاؤه ورفضه القريب والبعيد، غير رجلين من إخوانه، فقال أحدهما لصاحبه: لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، فبلغ ذلك أيوب- يعني فجزع من قوله- ودعا ربه فكشف ما به» . وعند ابن أبي حاتم من طريق عبد اللَّه بن عبيد بن نمير موقوفا عليه نحوه وقال فيه «فجزع من قولهما جزعا شديدا ثم قال: بعزتك لا أرفع رأسي حتى كشف عنه» . فكأنما رد البخاري أن الّذي يجوز من شكوى المريض ما كان على الطريق من اللَّه، أو على غير طريق التسخط للقدر والتضجر، واللَّه أعلم. قال القرطبي: اختلف الناس في هذا الباب، والتحقيق أن الألم لا يقدر أحد على رفعه، والنفوس مجبولة على وجدان ذلك فلا يستطاع تغييرها عما جبلت عليه، وإنما كلف العبد أن لا يقع منه في حال المصيبة ما له سبيل إلى تركه كالمبالغة في التأوه والجزع الزائد كان من فعل ذلك خرج عن معاني أهل الصبر، وأما مجرد التشكي فليس مذموما حتى يحصل التسخط للمقدور، وقد اتفقوا على كراهة شكوى العبد ربه، وشكواه إنما هو ذكره للناس على سبيل التضجر، واللَّه أعلم. وروى أحمد في «الزهد» عن طاوس أنه قال: أنين المريض شكوى، وجزم أبو طالب وابن الصباغ وجماعة من الشافعية أن أنين المريض وتأوهه مكروه، وتعقبه النووي فقال: هذا ضعيف أو باطل، فإن المكروه ما ثبت فيه نهى مقصود، وهذا لم يثبت فيه ذلك. ثم احتج بحديث عائشة في الباب، ثم قال: فلعلهم أرادوا بالكراهة خلاف الأولى، فإنه لا شك أن اشتغاله بالذكر أولى أهـ. ولعلهم أخذوه بالمعنى من كون كثرته تدل على ضعف اليقين، وتشعر بالتسخيط للقضاء وتورث شماتة الأعداء. وأما إخبار المريض صديقه أو طبيبه عن حاله فلا بأس به اتفاقا. قوله: «حدثنا يحيى بن يحيى أبو زكريا» هو النيسابورىّ الإمام المشهور وليس له في البخاري سوى مواضع يسيرة في الزكاة والوكالة والتفسير والأحلام، وأكثر عنه مسلم، ويقال إنه تفرد بهذا الإسناد وإن أحمد كان يتمنى لو أمكنه الخروج إلى نيسابور ليسمع منه هذا الحديث، ولكن أخرجه أبو نعيم في «المستخرج» من وجهين آخرين عن سليمان بن بلال. قوله: «وا رأساه» هو تفجع على الرأس لشدة ما وقع به من ألم الصداع، وعند أحمد والنسائي وابن ماجة من طريق عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة عن عائشة «رجع رسول اللَّه (ص) من جنازة من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول: وا رأساه» . قوله: «ذاك لو كان حي» ذاك بكسر الكاف إشارة إلى ما يستلزم المرض من الموت، أي لو مت وأنا حي، ويرشد إليه جواب عائشة، وقد وقع مصرحا به في رواية عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة ولفظه. قوله: «ذاك لو كان حي» ذاك بكسر الكاف إشارة إلى ما يستلزم المرض من الموت، أي لو مت وأنا حي، ويرشد إليه جواب عائشة، وقد وقع صرحا به في رواية عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة ولفظه. «ثم قال: ما ضرك لو مت قبلي فكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك» وقولها «وا ثكلياه» بضم المثلثة.

стр. 5598

_________ [ () ] وسكون الكاف وفتح اللام وبكسرها مع التحتانية الخفيفة وبعد الألف هاء للندبة، وأصل الثكل فقد الولد أو من يعز على الفاقد، وليست حقيقته هنا مراده، بل هو كلام كان يجرى على ألسنتهم عند حصول المصيبة أو توقعها. وقولها واللَّه إني لأظنك تحب موتى كأنها أخذت ذلك من قوله لها: «لو مت قبلي» ، وقولها: «لو كان ذلك» في رواية الكشمهيني «ذاك» بغير لام أي موتها لظللت آخر يومك معرسا «العين والمهملة وتشديد الراء المكسورة وسكون العين والتخفيف، يقال: أعرس، بنى على زوجته، ثم استعمل في كل جماع، والأول أشهر، فإن التعريس النزول بليل. ووقع في رواية عبيد اللَّه «لكأنّي بك واللَّه لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست ببعض نسائك. قالت: فتبسم رسول اللَّه ﷺ . وقولها: بل «بل أنا وا رأساه» هي كلمة إضراب، والمعنى: دعي ذكر ما تجدينه من وجع رأسك واشتغلي بي وزاد في رواية عبيد اللَّه ثم بدئ في وجعه الّذي مات فيه ﷺ . قوله: «لقد هممت أو أردت» شك من الراويّ، ووقع في رواية أبي نعيم «أو وددت» بدل «أردت» . وقوله: «أن أرسل إلى أبي بكر وابنه» كذلك للأكثر بالواو وألف الوصل والموحدة والنون، ووقع في رواية مسلم: «وابنه» ولفظ «أو» التي للشك أو للتخير، وفي أخرى «أو آتيه» بهمزة ممدوة بعدها مثناة مكسورة ثم تحتانية ساكنة من الإتيان لمعنى المجيء، والصواب الأول، ونقل عياض عن بعض المحدثين تصويبها وخطأه. وقال: ويوضح الصواب قولها في الحديث الآخر عند مسلم «ادعي لي أباك وأخاك» وأيضا فإن مجيئه إلي أبي بكر كان متعسرا لأنه عجز عن حضور الصلاة مع قرب مكانها من بيته. قلت: في هذا التعليل نظر، لأن سياق الحديث يشعر بأن ذلك كان في ابتداء مرضه ﷺ وقد استمر يصلي بهم وهو مريض ويدور على نسائه حتى عجز عن ذلك وانقطع في بيت عائشة. ويحتمل أن يكون قوله ﷺ : «لقد هممت إلخ» وقع بعد المفاوضة التي وقعت بينه وبين عائشة بمدة، وإن كان ظاهر الحديث بخلافه. ويؤيد أيضا ما في الأصل أن المقام كان مقام استمالة قلب عائشة، فكأنه يقول: كما أن الأمر يفوض لأبيك فإن ذلك يقع بحضور أخيك، هذا إن كان المرد العهد بالخلافة، وهو ظاهر السياق كما سيأتي تقريره في كتاب الأحكام إن شاء اللَّه تعالى، وإن كان لغيره بالخلافة، وهو ظاهر السياق، كما وإن كان لغير ذلك فلعله أراد إحضار بعض مآربها حتى لو احتاج إلي قضاء حاجة أو الإرسال إلى أحد لوجد من يبادر لذلك. قوله: فأعهد أي أوصي. قوله: أن يقول القائلون أي لئلا يقول، أو كراهة أن يقول. قوله: «أو يتمنى المتمنون» بضم النون جمع متمني بكسرها، وأصل الجمع المتمنيون فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فاجتمعت كسرة النون بعدها الواو فضمت النون، وفي الحديث ما طبعت عليه المرأة من الغيرة، وفيه مداعبة الرجل أهله، والإفضاء إليهم بما يستره عن غيرهم، وفيه أن ذكر الوجع ليس بشكاية، فكم من ساكت وهو ساخط، وكم من شاك وهو راض، فالمعول في ذلكم على عمل القلب لا على نطق اللسان.

стр. 5599

في اليوم الّذي بدئ فيه، فقلت: وا رأساه فقال ﷺ : وددت أن ذلك كان وأنا حي فهيأتك ودفنك، فقلت: كأني بك ذلك اليوم عروسا ببعض نسائك! قال ﷺ : بل أنا وا رأساه، أدعو إلي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا، فإنّي أخاف أن يقول قائل أو يتمنى متمن ويأبى اللَّه والمؤمنون إلا أبا بكر [ (١) ] . وخرج البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثني يعقوب بن عتبة ابن المغيرة بن الأخنس، عن الزهري، عن عبيد اللَّه ابن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعد، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: دخل عليّ رسول اللَّه ﷺ وهو يصدع وأنا أشتكي رأسي فقلت: وا رأساه، فقال ﷺ بل أنا واللَّه يا عائشة وا رأساه، ثم قال رسول اللَّه ﷺ وما عليك لو مت قبلي فوليت أمرك وصليت عليك وواريتك؟ فقلت: واللَّه إني لأحسب أنه لو كان ذلك، لقد خلوت ببعض نسائك في بيتي آخر النهار فأعرست بها، فضحك رسول اللَّه ﷺ ثم تمادى برسول اللَّه ﷺ وجعه، فاستقر برسول اللَّه ﷺ وهو يدور على نسائه في بيت ميمونة- رضي اللَّه ﵎ عنها- فاجتمع إليه أهله، فقال العباس- رضي اللَّه ﵎ عنه: إنا لنرى برسول اللَّه ﷺ ذات الجنب فهلموا فلنلده، فلدوه، وأفاق رسول اللَّه ﷺ فقال: من فعل هذا؟ قالوا: عمك العباس، تخوف أن يكون بك ذات الجنب، فقال رسول اللَّه ﷺ : إنها من الشيطان، وما كان اللَّه تعالى ليسلطه عليّ، لا يبقى في البيت أحد إلا لددتموه إلا عمي العباس- رضي اللَّه ﵎ عنه-، فلدّ أهل البيت كلهم حتى ميمونة- رضي اللَّه ﵎ عنها-، وإنها لصائمة يومئذ، وذلك بعين رسول اللَّه ﷺ ، ثم أستأذن رسول اللَّه ﷺ نسائه أن يمرض في بيتي، فخرج ﷺ إلى بيتي فهو ﷺ بين العباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- وبين رجل آخر لم تسمه قدماه تخطان الأرض إلى بيت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-، قال عبيد اللَّه: فحدثت هذا الحديث ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- فقال: تدري من الرجل الآخر الّذي كان مع العباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- قلت: لا

стр. 5600

قال: هو عليّ بن أبي طالب- رضي اللَّه ﵎ عنه. وقال سيف: عن سعيد عن عبد اللَّه بن أبي مليكة، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: اشتكى رسول اللَّه ﷺ وجعه الّذي ألمه في ليلة صفر واشتكيت في تلك الليلة شكوى فجاءني النبي ﷺ وأنا في صرة أنادي: وا عماه، وا رأساه، عاصبا ﷺ رأسه يعودني، فقال ﷺ : لقد طرقني يا عائشة طارق من صداع فما برح بي، ولكن وجهك صوري فكيف بحديثك؟ قالت: والّذي بعث محمدا ﷺ بالحق لقد فزعت فزعة طار عني ما أحذرني حتى ما أخشى منه شيئا، وقربت إليه فالتزمته وأنا أقول: وا ويلاه، فقال: وأخبراه، لا تدعى بالويل، وأقبل يمازحني حتى سكنني وإنه لمثبت، وفزع الناس بضحكي فأقبلوا فقال النبي ﷺ : إليكم فإنه لم يحدث إلا خيرا، فتراجع الناس ولزمه النسوة ودرن معه دورة ثم استأذنهن في بيتي، فأذن له. وقال سيف: عن محمد بن إسحاق، عن الزهريّ ويزيد بن رومان وأبي بكر بن عبد اللَّه: أن الّذي كان ابتدئ به رسول اللَّه ﷺ من وجعه الّذي لزمه أن دخل على عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- وهو ﷺ يجد صداعا فوجدها بصداع وتقول: وا رأساه، فقال ﷺ : بل أنا واللَّه يا عائشة وا رأساه فو اللَّه لقد طاوعني ما لقد ولدت أن استطار، فسكنني ﷺ بالمزاح عليّ بحسم منه فقال ﷺ : ما ضرك يا عائشة لو مت قبلي فأقوم عليك وأصلّى عليك؟ فقالت له: لكأنّي بك قد فعلت وأعرست مع نسائك في آخر ذلك اليوم! فتبسم رسول اللَّه ﷺ ثم تمادى به وجعه وهو ﷺ في ذلك يدور على نسائه حتى استقر برسول اللَّه ﷺ وهو في بيت ميمونة- رضي اللَّه ﵎ عنها-. قالت: فلما رأوا ما به اجتمع رأي من في البيت علي أن يلدّوه وتخوفوا أن يكون به ذات الجنب، ففعلوا، ثم فرج عن رسول اللَّه ﷺ وقد لدوّه، فقال ﷺ من صنع بى هذا؟ فهبنه، واعتللن بالعباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- فاتخذ جميع من في البيت العباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- سببا، ولم يكن له في ذلك رأي، فقالوا: يا رسول اللَّه: عمك العباس-

стр. 5601

رضي اللَّه ﵎ عنه- أمر بذلك، وتخوفنا أن يكون ذلك ذات الجنب فقال ﷺ : إنها من الشيطان ولم يكن اللَّه- يسلطه علي ولكن هذا عمل النساء، لا يبقى في البيت أحد إلا لد إلا عمي العباس فلدوا كلهم ولدت ميمونة- رضي اللَّه ﵎ عنها- وكانت صائمة لقول رسول اللَّه ﷺ ثم خرج رسول اللَّه ﷺ إلي بيت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها وكان يومها بين العباس وعلي- رضي اللَّه ﵎ عنه- والفضل- رضي اللَّه تبارك وتعاله عنه- ممسك بظهره ورجلاه ﷺ تخطان في الأرض حتى دخل على عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- فلم يزل عندها مغلوبا لا يقدر على الخروج، وغير مغلوب وهو لا يقدر على الخروج من بيتها إلى غيره. وقال سيف: عن سعيد بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه أبي مليكة، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: كره رسول اللَّه ﷺ ما صنع به في بيت ميمونة- رضي اللَّه ﵎ عنها- فقالت: غدا في بيت عائشة فهل تطبن إلى المقام في بيت إحداكن حتى يقضي اللَّه تعالى في قضاءه؟ فقلن: نعم فأتاني في بيتي وفي يومي، وكان آخر أيامه يومي، كان ﷺ يدور علينا. وقال الواقدي: حدثني عاصم بن عبد اللَّه بن عمرو بن الحكم قال: قام رسول اللَّه ﷺ في بيت ميمونة- رضي اللَّه ﵎ عنها- سبعة أيام يبعث إلى نسائه أسماء بنت عميس- رضي اللَّه ﵎ عنها- يقول: إن رسول اللَّه ﷺ يشق عليه أن يدور عليكن فأحللنه فكن يحللنه. وحدثني إبراهيم بن سعد، عن أبيه قال: كانت فاطمة- رضي اللَّه ﵎ عنها- بنت رسول اللَّه ﷺ تدور على نسائه وتقول: أحللنه فيحللنه. وحدثني ابن أبي سبرة عن يحيى بن سهل، عن أبي جعفر قال: كان رسول اللَّه ﷺ يحمل في ثوب ويطاف به على نسائه، وذلك أن زينب بنت جحش- رضي اللَّه ﵎ عنها- كلمته في ذلك فقال ﷺ : فأنا أدور عليكن، فكان ﷺ يحمل في ثوب ويحمل جوانبه الأربع، يحمله أبو رافع مولاه وأبو مويهبة، وشقران، وثوبان، - رضي اللَّه ﵎ عنهم

стр. 5602

حتى يقسم لهن كما يقسم، فجعل ﷺ يقول: أين أنا غدا؟ فيقولون: عند فلانة فعرف أزواجه أنه يريد عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- فقلن: يا رسول اللَّه قد وهبنا أيامنا لأختنا عائشة. قال سيف: عن سبط، عن نعيم بن أبي هند، عن شقيق بن سلمة، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-، قالت: لما اشتكى رسول اللَّه ﷺ جعل يدور بين نسائه ويتحامل، فقال ﷺ يوما لهن وهن مجتمعات عنده: قد ترين ما أصابنى من الشكوى وهو يستند علي أن أدور بينكن فلو أذنتن لي في بيت إحداكن حتى أعلم ما يصنع اللَّه تعالى، فقالت إحداهن: أي نبي اللَّه، قد أذناك وعرفنا البيت الّذي تريد، فتحول إليه فالزمه، فإنا لو قدرنا أن نفديك بأنفسنا فديناك وسررناك، فقال: فأي بيت هو؟ قالت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها: لا تعدل به فتحول إلي بيتي. وقال سيف: عن هشام بن عروة، عن أبيه أن النبي ﷺ كان يقول في وجعه وهو يدور على نسائه: أين أنا غدا؟ فنقول: عند فلانة، فإذا كان الغد قال: أين أنا غدا؟ فما زال ذلك من قوله كل يوم حتى قيل: عند عائشة في اليوم الّذي استأذن نساءه فيه في المقام في بيت إحداهن، ففرح حتى عرف القوم فيه ألحقه. وقال سيف، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث قال: إن النبي ﷺ قال وهو في مرضه، وهو عند نسائه: أين أنا غدا؟ قالوا عند فلانة، ثم سأل ﷺ أيضا فقال: أين أنا غدا؟ فكذلك حتى قال بعض نسائه: إنما يريد يوم بنت أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنهما- فأذن له، قلن له: يا رسول اللَّه إنما نحن أخوات فأنت في حل، قال ﷺ : أجل، فسر بذلك. قال الواقدي: فحدثني عاصم بن عبد اللَّه عن عمرو بن الحكم قال: فنقل ﷺ إلى بيت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- يوم الأربعاء الآخر حتى توفي، فأقام ﷺ في بيتها، قال: وقالوا: لما مرض رسول اللَّه ﷺ أخذته بحة شديدة مع حمى معظمة.

стр. 5603

وقال سيف: عن الوليد بن كعب عن أبيه، عن علي- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: طلب أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- إلى النبي ﷺ أن يمرضه فقال، ﷺ : يا أبا بكر، هو ابتلاء لأهلي أن يمرضوني، وقد وقع أجرك على اللَّه، فوليت تمريضه ما دام الرجال يدخلون عليه، فلما ارتفعوا خاليته والنسوة. وقال البخاري: وقال يونس عن الزهري: قال عروة: قالت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-: كان النبي ﷺ يقول في مرضه الّذي مات فيه: يا عائشة! ما أزال أجد ألم الطعام الّذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم [ (١) ] . وخرج البيهقي من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرة، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه قال: لأن أحلف تسعا أن رسول اللَّه ﷺ قتل قتلا أحب إليّ من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل. وذلك أن اللَّه تعالى اتخذه نبيا واتخذه شهيدا. [ (٢) ] وقال سيف: حدثني سعيد بن عبد اللَّه، عن ابن أبي مليكة عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: دخلت أم شريك على النبي ﷺ وهو يجد غما ونفسا فقال: يا أم بشر هذا أوان وجدت انقطاع أبهرى من الأكلة التي أكلتها أنا وأبوك يوم خيبر. قالت: وكانت امرأة من أهل خيبر أتتهما بشاة مصلية مسمومة، فأهوى أبوها إلى اللقمة ونهش النبي ﷺ الذراع، فقالت الذراع: لا تأكل فإنّي مسمومة، فرمي بها وتعقبه منها ما تعقب. وقال الواقدي: فحدثني معمر ومالك عن الزهري، عن عروة، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ على

стр. 5604

نفسه بالمعوذات، فلما مرض وثقل كنت أقرأها في يديه وأمسح بهما جسده وألتمس بذلك بركة يديه، ودخلت عليه في مرضه أم بشر بنت البراء بن معرور فقالت: يا رسول اللَّه ما وجدت مثل هذه الحمى التي عليك على أحد! فقال ﷺ وما كان اللَّه تعالى ليسلطها على رسوله إنها همزة من الشيطان، ولكنها من الأكلة التي أكلت أنا وابنك بخيبر من الشاة، كان يصيبني منها عداد مرة فكان هذا أوان انقطاع أبهري، فمات رسول اللَّه ﷺ شهيدا. وخرج البخاري [ (١) ] من حديث الليث قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود قال: إن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لما ثقل رسول اللَّه ﷺ واشتد به وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذن له فخرج وهو بين الرجلين تخط رجلاه في الأرض بين العباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر، قال عبيد اللَّه: فأخبرت عبد اللَّه بالذي قالت عائشة، فقال لي عبد اللَّه بن عباس: هل تدري من الرجل الآخر الّذي لم تسم عائشة؟ قال: قلت: لا، قال ابن عباس: هو علي، وكانت عائشة زوج النبي ﷺ تحدث أن رسول اللَّه ﷺ لما دخل بيتي واشتد به وجعه قال: أهريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أو كيتهن، لعلي أعهد إلى الناس، وأجلسناه في مخضب لحفصة زوجة النبي ﷺ ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن. قالت: ثم خرج ﷺ إلى الناس فصلى بهم وخطبهم. وأخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، قال: إن عائشة وعبد اللَّه بن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- قالا: لما نزل برسول اللَّه ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: لعنة اللَّه على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا. وأخبرني عبيد اللَّه أن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: لقد راجعت رسول اللَّه ﷺ في ذلك وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا يقوم مقامه أبدا، وإلا كنت أرى أنه لن

стр. 5605

يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول اللَّه ﷺ عن أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- هكذا ذكر البخاري هذا الحديث في باب مرض النبي ﷺ [ (١) ] . قال الواقدي: حدثني معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: ان رسول اللَّه ﷺ بعد أن دخل بيتها واشتد وجعه قال: أهريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد الى الناس قالت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-: فأجلسناه في مخضب لحفصة- رضي اللَّه ﵎ عنها- مثل الأيرن من صفر وطفقنا نصب عليه تلك القرب حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن، ثم خرج ﷺ إلى الناس فصلى بهم وخطبهم، قالوا: وكانت تلك القرب من بئر أبي أيوب الأنصاري- رضي اللَّه ﵎ عنه-. وخرج البيهقي حديث: «وإن اللَّه خير عبدا» ، ثم قال: وهذا الّذي رواه أبو سعيد الخدريّ وأبو يعلي الأنصاري- رضي اللَّه ﵎ عنهما- في خطبة النبي ﷺ ، إنما كان ذلك حين خرج في مرضه بعد ما اغتسل ليعهد الي الناس والّذي يدل على ذلك فذكر ما خرجه البخاري من حديث وهب بن جرير حدثنا أبي قال: سمعت يعلي بن حكيم يحدث عن عكرمة، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما-، قال: خرج رسول اللَّه ﷺ في مرضه الّذي مات فيه عاصبا رأسه بخرقة، فصعد على المنبر فحمد اللَّه تعالى وأثنى عليه ثم قال: إنه ليس من الناس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي
следующие страницы →