رضي اللَّه ﵎ عنه- أمر بذلك، وتخوفنا أن يكون ذلك ذات الجنب فقال ﷺ : إنها من الشيطان ولم يكن اللَّه- يسلطه علي ولكن هذا عمل النساء، لا يبقى في البيت أحد إلا لد إلا عمي العباس
فلدوا كلهم ولدت ميمونة- رضي اللَّه ﵎ عنها- وكانت صائمة لقول رسول اللَّه ﷺ ثم خرج رسول اللَّه ﷺ إلي بيت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها وكان يومها بين العباس وعلي- رضي اللَّه ﵎ عنه- والفضل- رضي اللَّه تبارك وتعاله عنه- ممسك بظهره ورجلاه ﷺ تخطان في الأرض حتى دخل على عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- فلم يزل عندها مغلوبا لا يقدر على الخروج، وغير مغلوب وهو لا يقدر على الخروج من بيتها إلى غيره.
وقال سيف: عن سعيد بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه أبي مليكة، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: كره رسول اللَّه ﷺ ما صنع به في بيت ميمونة- رضي اللَّه ﵎ عنها- فقالت: غدا في بيت عائشة فهل تطبن إلى المقام في بيت إحداكن حتى يقضي اللَّه تعالى في قضاءه؟ فقلن:
نعم فأتاني في بيتي وفي يومي، وكان آخر أيامه يومي، كان ﷺ يدور علينا.
وقال الواقدي: حدثني عاصم بن عبد اللَّه بن عمرو بن الحكم قال: قام رسول اللَّه ﷺ في بيت ميمونة- رضي اللَّه ﵎ عنها- سبعة أيام يبعث إلى نسائه أسماء بنت عميس- رضي اللَّه ﵎ عنها- يقول:
إن رسول اللَّه ﷺ يشق عليه أن يدور عليكن فأحللنه فكن يحللنه.
وحدثني إبراهيم بن سعد، عن أبيه قال: كانت فاطمة- رضي اللَّه ﵎ عنها- بنت رسول اللَّه ﷺ تدور على نسائه وتقول: أحللنه فيحللنه.
وحدثني ابن أبي سبرة عن يحيى بن سهل، عن أبي جعفر قال: كان رسول اللَّه ﷺ يحمل في ثوب ويطاف به على نسائه، وذلك أن زينب بنت جحش- رضي اللَّه ﵎ عنها- كلمته في ذلك فقال ﷺ : فأنا أدور عليكن، فكان ﷺ يحمل في ثوب ويحمل جوانبه الأربع، يحمله أبو رافع مولاه وأبو مويهبة، وشقران، وثوبان، - رضي اللَّه ﵎ عنهم
стр. 5602
حتى يقسم لهن كما يقسم، فجعل ﷺ يقول: أين أنا غدا؟ فيقولون: عند فلانة فعرف أزواجه أنه يريد عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- فقلن:
يا رسول اللَّه قد وهبنا أيامنا لأختنا عائشة.
قال سيف: عن سبط، عن نعيم بن أبي هند، عن شقيق بن سلمة، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-، قالت: لما اشتكى رسول اللَّه ﷺ جعل يدور بين نسائه ويتحامل، فقال ﷺ يوما لهن وهن مجتمعات عنده: قد ترين ما أصابنى من الشكوى وهو يستند علي أن أدور بينكن فلو أذنتن لي في بيت إحداكن حتى أعلم ما يصنع اللَّه تعالى، فقالت إحداهن: أي نبي اللَّه، قد أذناك وعرفنا البيت الّذي تريد، فتحول إليه فالزمه، فإنا لو قدرنا أن نفديك بأنفسنا فديناك وسررناك، فقال: فأي بيت هو؟ قالت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها: لا تعدل به فتحول إلي بيتي.
وقال سيف: عن هشام بن عروة، عن أبيه أن النبي ﷺ كان يقول في وجعه وهو يدور على نسائه: أين أنا غدا؟ فنقول: عند فلانة، فإذا كان الغد قال: أين أنا غدا؟ فما زال ذلك من قوله كل يوم حتى قيل: عند عائشة في اليوم الّذي استأذن نساءه فيه في المقام في بيت إحداهن، ففرح حتى عرف القوم فيه ألحقه.
وقال سيف، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث قال: إن النبي ﷺ قال وهو في مرضه، وهو عند نسائه: أين أنا غدا؟ قالوا عند فلانة، ثم سأل ﷺ أيضا فقال: أين أنا غدا؟ فكذلك حتى قال بعض نسائه:
إنما يريد يوم بنت أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنهما- فأذن له، قلن له: يا رسول اللَّه إنما نحن أخوات فأنت في حل، قال ﷺ : أجل، فسر بذلك.
قال الواقدي: فحدثني عاصم بن عبد اللَّه عن عمرو بن الحكم قال: فنقل ﷺ إلى بيت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- يوم الأربعاء الآخر حتى توفي، فأقام ﷺ في بيتها، قال: وقالوا: لما مرض رسول اللَّه ﷺ أخذته بحة شديدة مع حمى معظمة.
стр. 5603
وقال سيف: عن الوليد بن كعب عن أبيه، عن علي- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: طلب أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- إلى النبي ﷺ أن يمرضه فقال، ﷺ : يا أبا بكر، هو ابتلاء لأهلي أن يمرضوني، وقد وقع أجرك على اللَّه، فوليت تمريضه ما دام الرجال يدخلون عليه، فلما ارتفعوا خاليته والنسوة.
وقال البخاري: وقال يونس عن الزهري: قال عروة: قالت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-: كان النبي ﷺ يقول في مرضه الّذي مات فيه: يا عائشة! ما أزال أجد ألم الطعام الّذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم [ (١) ] .
وخرج البيهقي من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرة، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه قال: لأن أحلف تسعا أن رسول اللَّه ﷺ قتل قتلا أحب إليّ من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل. وذلك أن اللَّه تعالى اتخذه نبيا واتخذه شهيدا. [ (٢) ]
وقال سيف: حدثني سعيد بن عبد اللَّه، عن ابن أبي مليكة عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: دخلت أم شريك على النبي ﷺ وهو يجد غما ونفسا فقال: يا أم بشر هذا أوان وجدت انقطاع أبهرى من الأكلة التي أكلتها أنا وأبوك يوم خيبر. قالت: وكانت امرأة من أهل خيبر أتتهما بشاة مصلية مسمومة، فأهوى أبوها إلى اللقمة ونهش النبي ﷺ الذراع، فقالت الذراع: لا تأكل فإنّي مسمومة، فرمي بها وتعقبه منها ما تعقب.
وقال الواقدي: فحدثني معمر ومالك عن الزهري، عن عروة، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ على
стр. 5604
نفسه بالمعوذات، فلما مرض وثقل كنت أقرأها في يديه وأمسح بهما جسده وألتمس بذلك بركة يديه، ودخلت عليه في مرضه أم بشر بنت البراء بن معرور فقالت: يا رسول اللَّه ما وجدت مثل هذه الحمى التي عليك على أحد! فقال ﷺ وما كان اللَّه تعالى ليسلطها على رسوله إنها همزة من الشيطان، ولكنها من الأكلة التي أكلت أنا وابنك بخيبر من الشاة، كان يصيبني منها عداد مرة فكان هذا أوان انقطاع أبهري، فمات رسول اللَّه ﷺ شهيدا.
وخرج البخاري [ (١) ] من حديث الليث قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود قال: إن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لما ثقل رسول اللَّه ﷺ واشتد به وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذن له فخرج وهو بين الرجلين تخط رجلاه في الأرض بين العباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر، قال عبيد اللَّه: فأخبرت عبد اللَّه بالذي قالت عائشة، فقال لي عبد اللَّه بن عباس: هل تدري من الرجل الآخر الّذي لم تسم عائشة؟ قال: قلت: لا، قال ابن عباس: هو علي، وكانت عائشة زوج النبي ﷺ تحدث أن رسول اللَّه ﷺ لما دخل بيتي واشتد به وجعه قال: أهريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أو كيتهن، لعلي أعهد إلى الناس، وأجلسناه في مخضب لحفصة زوجة النبي ﷺ ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن. قالت: ثم خرج ﷺ إلى الناس فصلى بهم وخطبهم.
وأخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، قال: إن عائشة وعبد اللَّه بن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- قالا: لما نزل برسول اللَّه ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك:
لعنة اللَّه على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا.
وأخبرني عبيد اللَّه أن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت:
لقد راجعت رسول اللَّه ﷺ في ذلك وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا يقوم مقامه أبدا، وإلا كنت أرى أنه لن
стр. 5605
يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول اللَّه ﷺ عن أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- هكذا ذكر البخاري هذا الحديث في باب مرض النبي ﷺ [ (١) ] .
قال الواقدي: حدثني معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: ان رسول اللَّه ﷺ بعد أن دخل بيتها واشتد وجعه قال: أهريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد الى الناس قالت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-: فأجلسناه في مخضب لحفصة- رضي اللَّه ﵎ عنها- مثل الأيرن من صفر وطفقنا نصب عليه تلك القرب حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن، ثم خرج ﷺ إلى الناس فصلى بهم وخطبهم، قالوا: وكانت تلك القرب من بئر أبي أيوب الأنصاري- رضي اللَّه ﵎ عنه-.
وخرج البيهقي حديث: «وإن اللَّه خير عبدا» ، ثم قال: وهذا الّذي رواه أبو سعيد الخدريّ وأبو يعلي الأنصاري- رضي اللَّه ﵎ عنهما- في خطبة النبي ﷺ ، إنما كان ذلك حين خرج في مرضه بعد ما اغتسل ليعهد الي الناس والّذي يدل على ذلك فذكر ما
خرجه البخاري من حديث وهب بن جرير حدثنا أبي قال: سمعت يعلي بن حكيم يحدث عن عكرمة، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما-، قال: خرج رسول اللَّه ﷺ في مرضه الّذي مات فيه عاصبا رأسه بخرقة، فصعد على المنبر فحمد اللَّه تعالى وأثنى عليه ثم قال: إنه ليس من الناس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي
стр. 5606
قحافة- رضي اللَّه ﵎ عنه- ولو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه-، ذكره في كتاب الصلاة، في باب الخوخة والممر في المسجد [ (١) ] . وخرجه في المناقب مختصرا من حديث وهيب، حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما-[ (٢) ] .
وخرج النسائي من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عبد اللَّه بن الحارث، قال: قال لي خبّاب: إنه سمع النبي ﷺ قبل أن يتوفى يقول: قد كان إخوة وأصدقاء فأراني أبرأ إلي كل خليل من خلّته، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، وإن ربي اتخذني خليلا، كما اتخذ أبي إبراهيم خليلا، ألا ولا تتخذوا القبور مساجد، فإنّي أنهاكم عن ذلك، ذكره في تفسير سورة النساء.
قال البيهقيّ: وفي هذه الخطبة، قال: فذكر ما خرجه البخاري في علامات النبوة في الإسلام من حديث أبي نعيم، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان بن حنظلة الغسيل حدثنا، عكرمة، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما-، قال: خرج رسول اللَّه ﷺ في مرضه الّذي مات فيه في ملحفة قد عصب بعصابة دسماء حتى جلس على المنبر، فحمد اللَّه تعالى وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الناس يكثرون ويقل الأنصار، حتى يكونوا في الناس كالملح في الطعام فمن ولي منكم شيئا يضرّ فيه قوما وينفع آخرين فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، فكان آخر مجلس جلس فيه النبي ﷺ [ (٣) ] .
وذكر من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن أيوب بن بشير قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال في مرضه: أفيضوا عليّ سبع قرب
стр. 5607
من سبع آبار شتّى، حتى أخرج وأعهد إلي الناس، ففعلوا، فجلس على المنبر فكان أول ما ذكر بعد حمد اللَّه تعالى والثناء على أصحاب أحد، فاستغفر لهم ودعا لهم، ثم قال: يا معشر المهاجرين، إنكم قد أصبحتم تزيدون والأنصار علي هيئتها لا يزيدون، وإنهم عيبتي التي آويت إليها، فأكرموا كريمهم، وتجاوزوا عن مسيئهم، ثم قال ﷺ : أيها الناس إن عبدا من عباد اللَّه تعالى قد خيّره اللَّه تعالى بين الدنيا وبين ما عند اللَّه تعالى فاختار ما عند اللَّه ففهمها أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- من بين الناس فبكى، ثم قال: نفديك بأنفسنا وآبائنا فقال رسول اللَّه ﷺ : على رسلك يا أبا بكر، انظروا إلى هذه البيوت الشارعة في المسجد فسدوها، الا ما كان من بيت أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ فإنّي لا أعلم أحدا أفضل عندي يدا في الصحبة منه [ (١) ]
قال البيهقي: هذا وإن كان مرسلا ففيه ما في حديث ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- من تاريخ هذه الخطبة وأنها كانت بعد ما اغتسل ليعهد إلي الناس، وينعي نفسه إليهم.
وخرج من طريق الواقدي. قال حدثني فروة بن زبيد طوسا، عن عائشة بنت سعد، عن أم ذرّة، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: خرج رسول اللَّه ﷺ عاصبا رأسه بخرقة، فلما استوى علي المنبر أحدق الناس بالمنبر واستكفوا، فقال: والّذي نفسي بيده إني لقائم على الحوض ساعة، ثم تشهّد فلما قضي تشهده، كان أول ما تكلم به أن استغفر للشهداء الذين قتلوا بأحد، ثم قال ﷺ : إن عبدا من عباد اللَّه تعالى خيّر بين الدنيا وبين ما عند اللَّه ، فاختار العبد ما عند اللَّه تعالى، فبكى أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فعجبنا لبكائه. وقال: بأبي وأمي، نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا، فكان رسول اللَّه ﷺ هو المخيّر وكان أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- أعلمنا برسول اللَّه ﷺ فجعل رسول اللَّه ﷺ يقول: على رسلك. [ (١) ]
وخرجه الواقدي عن عروة به، قال في آخره: قال عمر- رضي اللَّه تبارك
стр. 5608
وتعالى عنه- يا رسول اللَّه دعني افتح كوّة فأنظر إليك حين تخرج إلى الصلاة فقال ﷺ : لا.
وقال سيف: عن محمد بن إسحاق، [ (١) ] عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نغسّله من سبع قرب من سبع آبار، ففعلنا ذلك وصببنا عليه فوجد رسول اللَّه ﷺ راحة فخرج يصلى بالناس واستغفر لأهل أحد ودعا لهم، وأوصى بالأنصار فقال: أما بعد، يا معشر المهاجرين فإنكم تزيدون، وأصبحت الأنصار على هيئتها التي هي عليها اليوم، إلا أن الأنصار عيبتي التي آويت إليها، فأكرموا كريمهم، وتجاوزوا عن مسيئهم، ثم قال: إن عبدا من عباد اللَّه تعالى خيّره ما بين الدنيا وبين ما عند اللَّه ، فاختار ما عند اللَّه تعالى فبكى أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- وظنّ أنه يريد نفسه، فقال النبي ﷺ : على رسلك يا أبا بكر، سدوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فإنّي لا أعلم امرأ أفضل عندي في الصحبة من أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه-
وقال سيف: حدثني سعيد بن عبد اللَّه بن أبي مليكة، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: إن رسول اللَّه ﷺ رفع يومئذ صوته حتى أسمع من وراء المسجد، فقال: أيها الناس، سعرت النار، وأقبلت فتن كقطع الليل المظلم وإنها آكلة من وجدت على رأس خمس وثلاثين سنة، إلا من تمسّك بالثقلين من كتاب اللَّه تعالى وسنتي وإني لم أحلّ إلا ما أحل القرآن ولم أحرّم إلا ما حرّم القرآن، والمسلمون شهود اللَّه فيما لم يكن فيه كتاب ولا سنة فما حسنوه فحسن وما قبحوه فقبيح، فالزموا الجماعة والطاعة، فأما الجماعة فالسنة، وأما الطاعة فالعصمة، ثم دخل رسول اللَّه ﷺ بيته وقال: مروا أبا بكر يصلي بالناس.
وقال الواقدي: قالت أم ذرّة: فسمعت أبا سعيد- رضي اللَّه تبارك
стр. 5609
وتعالى عنه- يقول: خرج رسول اللَّه ﷺ يومئذ مشتملا قد طرح طرفي ثوبه على عاتقه عاصبا رأسه بعصابة، وقال بعد التشهد: يا معشر المهاجرين إنكم أصبحتم تزيدون، وأصبحت الأنصار لا تزيد علي هيئتها التي هي عليها اليوم وإن الأنصار عيبتي التي أويت إليها فاحفظوني فيهم، فأكرموا كريمهم، وأقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم.
قال: واعترض رجل فقال يا رسول اللَّه: ما بال أبواب أمرت فيها أن تفتح وأبواب أمرت بها أن تغلق؟ فقال ﷺ ما فتحتها ولا أوصدتها عن أمرى.
وخرج البيهقي من حديث معن بن عيسى القزاز عن الحارث بن عبد الملك ابن عبد اللَّه بن إياس الليثي، عن القاسم بن يزيد بن عبد اللَّه بن قسيط، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهم- قال: أتانى رسول اللَّه ﷺ وهو يوعك وعكا شديدا وقد عصب رأسه فقال: خذ بيدي يا فضل، قال: فأخذت بيده حتى قعد على المنبر ثم قال ﷺ : ناد في الناس يا فضل، فناديت: الصلاة جامعة، قال: فاجتمعوا فقام رسول اللَّه ﷺ خطيبا.
فقال: أما بعد، أيها الناس، وإنه قد دنا مني حقوق من بين أظهركم، ولن تروني في هذا المقام فيكم، وقد كنت أرى أن غيره غير مغن عني حتى أقومه فيكم ألا فمن كنت جلدت له ظهرا، فهذا ظهري فليستقد منه ومن كنت أخذت له مالا، فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد، ولا يقولن قائل: أخاف الشحناء من قبل رسول اللَّه ﷺ ، ألا وإن الشحناء ليست من شأني ولا من خلقي، وإن من أحبكم إليّ من أخذ حقا إن كان له عليّ وحللني، فلقيت اللَّه تعالى وليست عندي لأحد مظلمة [ (١) ] .
قال: فقام رجل فيهم: فقال: يا رسول اللَّه! لي عندك ثلاثة دراهم فقال ﷺ : أما أنا فلا أكذّب قائلا ولا مستحلفه على يمين، فيم كانت لك عندي؟ قال: أما تذكر أنه مرّ بك سائل فأمرتني فأعطيته ثلاثة دراهم؟ قال
стр. 5610
صلى اللَّه عليه وسلم أعطه يا فضل. قال: قال: فأمر به فجلس [ (١) ] .
ثم عاد رسول اللَّه ﷺ في مقالته الأولى، ثم قال أيها الناس من كان عنده من الغلول شيء فليرده، فقام إليه رجل فقال: يا رسول اللَّه! عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل اللَّه، قال ﷺ : ولم غللتها؟ قال: كنت إليها محتاجا فقال ﷺ خذها منه يا فضل [ (٢) ] .
ثم عاد رسول اللَّه ﷺ في مقالته الأولى وقال: أيها الناس من أحس من نفسه شيئا فليقم أدعو اللَّه ذكره له، قال: فقام إليه رجل فقال: يا رسول اللَّه: إني لمنافق، وإني لكذوب، وإني لنؤوم، فقال عمر بن الخطاب- رضي اللَّه ﵎ عنه- ويحك أيها الرجل! لقد سترك اللَّه تعالى، لو سترت على نفسك. فقال رسول اللَّه ﷺ فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة اللَّهمّ ارزقه صدقا، وإيمانا، وأذهب عنه النوم إذا شاء، ثم قال رسول اللَّه ﷺ عمر معى، وأنا مع عمر، والحق بعدي مع عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه ... [ (٣) ] .
وقال سيف: حدثني سعيد بن عبد اللَّه، عن أبيه قال: لما رأت الأنصار أن رسول اللَّه ﷺ يزداد ثقلا أطافوا بالمسجد فدخل العباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- على النبي ﷺ فاعلمه بمكانهم ثم دخل عليه الفضل- رضي اللَّه ﵎ عنه- فأعلمه بمثل ذلك، فمد يده فقال: هنا فيتناولوه، فقال: وما يقولون؟ قال: يقولون نخشى أن تموت وفضائح نسائهم لاجتماع رجالهم إلي النبي ﷺ فثار النبي ﷺ فخرج متوكئا على علي- رضي اللَّه ﵎ عنه- والفضل والعباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- أمامه والنبي ﷺ معصوب الرأس يخط برجله حتى جلس على أسفل مرقاه من المنبر وثاب الناس إليه فحمد اللَّه تعالى وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس بلغني أنكم تخافون عليّ الموت كافة استنكارا منكم للموت وما تنكرون من موت.
стр. 5611
نبيكم؟ ألم أنع لكم وتنعي لكم أنفسكم؟ هل خلد نبي قبلي ممن بعث إليه فأخلد فيكم؟ ألا إني لاحق وإنكم لاحقون به، وإني أوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرا وأوصى المهاجرين فيما بينهم، وإن اللَّه قال: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [ (١) ] إلي آخرها، وإن الأمور تجري بإذن اللَّه تعالى، فلا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله فإن اللَّه لا يعجل بعجلة أحد، ومن غالب اللَّه غلبه، ومن خادع اللَّه خدعه فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ [ (٢) ] وأوصيكم بالأنصار خيرا فإنّهم الذين يتبوءوا الدار والإيمان، أن تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم الثمار؟ ألم يتوسعوا عليكم في الديار؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة؟ ألا فمن إن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، ألا ولا تستأثروا عليهم، ألا وأنا فرط لكم وأنتم لاحقون بي، ألا وإن موعدكم الحوض حين أعرض مما بين، بصري الشام، وصنعاء اليمن، فصب فيه ميزاب الكعبة، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وألين من الزبد، وأحلى من الشهد، من يشرب منه لم يظمأ أبدا، حصباؤه اللؤلؤ، وبطحاؤه في مسك، من حرمه في الموقف غدا حرم الخير كلّه، ألا فمن أحب أن يرد عليّ غدا فليكفف يده ولسانه إلا مما ينبغي.
فقال العباس- رضي اللَّه ﵎ عنه-: يا نبيّ اللَّه، أوص بقريش، فقال: إنما أوصى بهذا الأمر قريشا، الناس تبع لقريش من أبرهم وفاجرهم فاستوصوا، إن قريشا بالناس خيرا، يا أيها الناس، إن الذنوب تغير النعم، وتبدل القسم، وإذا برّ الناس برّهم أئمتهم، وإذا فجروا عقوهم. قال اللَّه : وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [ (٣) ] .
стр. 5612
ذكر إرادة الرسول ﷺ أن يكتب كتابا لأصحابه وقد اشتد به الوجع
خرج البخاري [ (١) ] ومسلم [ (٢) ] والنسائي [ (٣) ] من حديث عبد الرزاق قال:
أنبأنا معمر عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة عن ابن عباس قال لما حضر رسول اللَّه ﷺ وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده، قال عمر:
إن النبي ﷺ غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب اللَّه، واختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول اللَّه ﷺ كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر: فلما أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي ﷺ قال قوموا عني. قال عبيد اللَّه: فكان ابن عباس يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول اللَّه ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولغطهم.
لفظهم فيه متقارب
وذكر البخاري في كتاب المرض، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنه [ (٤) ] ، وفي آخر المغازي، وذكره مسلم في الوصايا، وأخرجه البخاري في كتاب العلم [ (٥) ] في باب كتابة العلم من حديث يونس عن الزهري
стр. 5613
قال: لما اشتد بالنبيّ ﷺ وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. قال عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه: إن النبي ﷺ غلبه الوجع وعندنا كتاب اللَّه حسبنا، فاختلفوا وأكثروا اللغط: قال ﷺ قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع، فخرج ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنه يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول اللَّه ﷺ وبين كتابه.
وخرج البخاري ومسلم من حديث سفيان. بن عيينة، عن سليمان بن أبي مسلم أنه سمع سعيد بن جبير. قال: إنه سمع ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- يقول: يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى بلى دمعه، فقال: ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي أبدا فتنازعوا وما ينبغي عند نبي تنازع، وقالوا: ما شأنه أهجر؟ استفهموه، فقال ﷺ دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه فأمرهم بثلاث:
فقال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، والثالثة إما أن سكت عليها وإما أن
стр. 5614
قالها فنسيتها. قال سفيان: هذا من قول سليمان. اللفظ للبخاريّ. ذكره في كتاب الجزية، وذكره مسلم في كتاب الوصايا ولم يقل فكيف؟ ولا قال: مما تدعوا إليه. وقال: لا تضلوا بعدي، وقال: أوصيكم بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب. وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجزهم، قال: وسكت عن الثالثة أو قال: فأنسيتها، ولم يقل: قول سفيان.
وذكره البخاري في آخر المغازي [ (١) ] من حديث ابن عيينة، عن سليمان الأحول بهذا الإسناد. ولم يقل: في هذا، ثم بكي حتى بلّ دمعه الحصى، ولا قال: يكتب، وقال: لن تضلوا بعده، وقال: أوصاهم. بثلاث، وقال:
سكت عن الثالثة، أو قال: فنسيتها. وذكره في كتاب الجهاد. [ (٢) ]
وخرجه النسائي [ (٣) ] من حديث سفيان قال: سمعت سليمان يحدث، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: يوم الخميس. وما يوم الخميس، ثم جعل تسيل دموعه على خديه كأنها نظام اللؤلؤ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
ائتوني بكتف والدواة واللوح أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا. قالوا: إن رسول اللَّه ﷺ هجر [ (٤) ] .
وقال الإمام أحمد حدثنا معاوية، [ (٥) ] حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي عن ابن أبي مليكة. عن عائشة قالت: لما ثقل رسول اللَّه ﷺ قال رسول اللَّه ﷺ لعبد الرحمن بن أبي بكر: ائتني بكتف أو لوح حتى أكتب لأبى بكر كتابا لا يختلف عليه، فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال: أبى اللَّه والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر.
وقال الواقدي: قال ابن عباس: يوم الخميس، وما يوم الخميس؟ ثم
стр. 5615
بكى حتى بل دمعه الحصى، قيل: وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول اللَّه ﷺ وجعه فقال: ائتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدة أبدا فتنازعوا ولا ينبغي التنازع عند النبي ﷺ فقال بعضهم: ما له؟
أهجر؟ فقال عمر بن الخطاب- رضي اللَّه ﵎ عنده. قال:
دعوني فما أنا فيه خير مما تألونني، فأوصاهم بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما تروني أجيزهم، وأنفذوا جيش أسامة- رضي اللَّه ﵎ عنه- قوموا.
وكان ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- يقول: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول اللَّه ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم [ (١) ] .
وقال سيف: عن محمد بن عبيد اللَّه وعبد الملك بن جرير، عن عطاء، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- وعن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه عن أبيه قال: كان ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- يقول لما كانت ليلة الخميس وما يوم الخميس، وما يوم الخميس، قال ليلة الخميس وما ليلة الخميس؟ قلت: ليلة الخميس وما ليلة الخميس ويوم الخميس؟ ثم سكت وإذا ذكر الخميس قلت: وما ذاك؟ فقال: هي الليلة التي ثقل فيها رسول اللَّه ﷺ ثقلا ثقل مثله، وهو اليوم التي ثقل فيه رسول اللَّه ﷺ قال: ائتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتابا لا تختلفون بعده.
وأغمي عليه فدعا العباس بالدواة والصحيفة، فقال رجل من أهل البيت:
رسول اللَّه هجر، فأناق، فقال يا رسول اللَّه إلا نأتيك بالصحيفة التي طلبت والدواة لتكتب لها فيها ما لا نختلف بعده؟
فقال: الآن بعد ما قلتم يهجر؟ فلم نفعل، فأنا مقنع على ما فاته من ذلك.
ورواه عن أبى الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه- رضي اللَّه ﵎ عنهما- مثل ذلك قال: وكان ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما-
стр. 5616
يقول: ما ضياع ما ضيع من إضاعة الرأى.
قال سيف: عن وائل بن داود، عن يزيد النهي، عن النبي قال: لتؤتونى بكتف وداوة، أكتب لأبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- كتابا لا يختلف عليه معه اثنان من بعدي فأتي بهما قال ﷺ : ألا معاذ اللَّه لأبي بكر من ذلك، ومعاذ اللَّه أن تختلفوا على أبي بكر.
قال البيهقي رحمة اللَّه: وإنما قصد عمر بن الخطاب- رضي اللَّه ﵎ عنه- بما قال في التخفيف على رسول اللَّه ﷺ حين رآه قد غلب عليه الوجع، ولو كان ما يريد النبي ﷺ أن يكتب لهم شيئا مفروضا، لا يستغنون عنه أم يتركه باختلافهم ولغطهم لقول اللَّه : بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [ (١) ] كما لم يترك تبليغ غيره بمخالفة من خالفه، ومعاداة من عاداه، وإنما أراد فيما حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله أن يكتب استخلاف أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- ثم ترك كتابته اعتمادا على ما علم من تقدير اللَّه تعالى ذلك كما هم به في ابتداء مرضه حين قال: وا رأساه، ثم بدا له ﷺ أن لا يكتب،
وقال: يأبى اللَّه والمؤمنون إلا أبا بكر،
ثم نبه أمته على خلافته باستخلافه إياه في الصلاة حين عجز عن حضورها، وإن كان المراد به رفع الخلاف في الدين، قال عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه-: علم أن اللَّه تعالى قد أكمل دينه بقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ (٢) ] وعلم انه لا يحدث واقعه إلى يوم القيامة إلا وفي كتاب اللَّه تعالى وسنة رسوله ﷺ بيانها، نصا ودلالة وفي نصّ رسول اللَّه ﷺ على جميع ذلك في مرض موته مع شدة وعكه، مما يشق عليه، فرأى عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- الاقتصار على ما سبق بيانه نصا أو دلالة، تخفيفا على رسول اللَّه ﷺ ولكيلا تزول فضيلة أهل العلم بالاجتهاد في الاستنباط وإلحاق الفروع بالأصول، بما دلّ الكتاب والسنة عليه، وفيما سبق من
قوله ﷺ : إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد،
دليل على أنه وكل بيان بعض
стр. 5617
الأحكام إلى اجتهاد العلماء، وأنه أحرز من أصاب منهم الأجرين الموعودين:
أحدهما بالاجتهاد والآخر بإصابة العين بما عليها من الدلالة في الكتاب والسنة وإنه أحرز من اجتهد فأخطأ أجرا واحدا باجتهاده، ورفع إثم الخطأ عنه وذلك في أحكام الشريعة التي لم يأت بيانها نصا، وإنما ورد خفيا [ (١) ] .
فأما مسائل الأصول فقد ورد بيانها جليا، فلا عذر لمن خالف بيانه لما فيه من فضيلة العلماء بالاجتهاد وإلحاق الفروع بالأصول، بالدلالة مع طلب التخفيف على صاحب الشريعة، وفي ترك رسول اللَّه ﷺ الإنكار فيما قال دليل واضح على استصوابه رأيه [ (٢) ] [وباللَّه التوفيق] [ (٣) ] .
стр. 5618
ذكر أمر رسول اللَّه ﷺ حين اشتد به الوجع أبا بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- أن يصلي بالناس
خرج البخاري من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود قال: كنا عند عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- فذكرنا المواظبة على الصلاة والتعظيم لها، قالت: لما مرض رسول اللَّه ﷺ مرضه الّذي مات فيه فحضرت الصلاة فأذن، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس! فقيل له: إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، وأعاد فأعادوا، فقال الثالثة فقال: إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس، فخرج أبو بكر يصلي فوجد النبي ﷺ من نفسه خفّة فخرج يهادي بين رجلين، كأني انظر رجليه تخطان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي ﷺ أن مكانك، ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه. قيل للأعمش: وكان النبي ﷺ يصلي وأبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- يصلي بصلاته والناس بصلاة أبي بكر؟ فقال برأسه: نعم، ذكره في باب حدّ المريض أن يشهد الجماعة [ (١) ] .
وخرج أبو داود عن شعبه عن الأعمش بعضه وزاد أبو معاوية: جلس عن يسار أبى بكر، فكان أبو بكر يصلى قائما.
وخرج البخاري ومسلم من حديث الأعمش عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: لما ثقل رسول اللَّه ﷺ جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت: فقلت لحفصة- رضي اللَّه ﵎ عنها-: قولي له: إن أبا بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- رجل أسيف وأنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه-؟ فقالت له، فقال رسول اللَّه ﷺ :
стр. 5619
إنكن لأنتن صواحب يوسف! مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت: فأمروا أبا بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فليصلى بالناس قالت: فلما دخل في الصلاة وجد رسول اللَّه ﷺ من نفسه خفة، فقام يهادي بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- حسّه ذهب يتأخر، فأومأ إليه رسول اللَّه ﷺ : قم مكانك، فجاء رسول اللَّه ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه-.
قالت: وكان رسول اللَّه ﷺ يصلي بالناس جالسا وأبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- قائما يقتدي أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- بصلاة النبي ﷺ ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر [ (١) ] .
وقال البخاري: فكان أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- يقتدي بصلاة النبي ﷺ ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- وقال البخاري: فكان أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- قائما، وكان رسول اللَّه ﷺ يصلي قاعدا يقتدي أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- بصلاة رسول اللَّه ﷺ والناس يقتدون بصلاة أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- ترجم عليه باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم
قال:
ويذكر عن النبي ﷺ : ائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم [ (٢) ]
وخرج مسلم من حديث ابن مسهر وعيسى بن يونس، كلاهما عن الأعمش بهذا الإسناد ونحوه في حديثهما: لما مرض رسول اللَّه ﷺ مرضه الّذي توفي فيه وفي حديث ابن مسهر فأتي رسول اللَّه ﷺ حتى أجلس إلي جنبه وكان النبي ﷺ يصلي بالناس وأبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- يسمعهم التكبير، وفي حديث عيسى: فجلس رسول اللَّه ﷺ يصلى وأبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- يسمعهم التكبير وفي حديث عيسى: فجلس رسول اللَّه ﷺ يصلي وأبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- جنبه وأبو بكر- رضي اللَّه ﵎
стр. 5620
عنه- يسمع الناس [ (١) ]
وخرجه البخاري من حديث الأعمشي عن إبراهيم عن الأسود. عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: لما مرض النبي ﷺ مرضه الّذي مات فيه أتاه بلال يؤذنه بالصلاة فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس قلت: إن أبا بكر رجل أسيف إن يقم مقامك يبكي فلا يقدر على القراءة فقال: مروا أبا بكر فليصل، فقلت مثله، فقال في الثالثة أو الرابعة: إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل، فصلى وخرج النبي ﷺ يهادى بين رجلين كأني انظر إليه يخط برجليه الأرض، فلما رآه أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- ذهب يتأخر، فأشار إليه أن صل فتأخر أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ وقعد النبي ﷺ إلي جنبه وأبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- يسمع الناس التكبير. ترجم عليه باب من أسمع الناس تكبير الإمام. [ (٢) ]
وخرج البخاري ومسلم من حديث زائدة عن موسى بن أبي عائشة فقلت:
ألا تحدثيني عن مرض رسول اللَّه ﷺ ؟ قالت: بلى، ثقل رسول اللَّه ﷺ فقال:
أصلّي الناس؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك قال: ضعوا لي ماء في المخضب قالت: ففعلنا، فاغتسل ﷺ ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال ﷺ أصلّي الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول اللَّه، فقال ﷺ : ضعوا لي ماء في المخضب، فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال ﷺ : أصلي الناس؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول اللَّه، والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول اللَّه ﷺ لصلاة العشاء الآخرة. قالت: فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلى أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ بأن يصلي بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول اللَّه ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- وكان رجلا رقيقا يا عمر- صل بالناس، فقال له عمر
стр. 5621
أنت أحق بذلك: فصلى أبو بكر في تلك الأيام. ثم إن رسول اللَّه ﷺ وجد من نفسه خفة، فخرج بين رجلين- أحدهما العباس لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي ﷺ بأن لا يتأخر، قال لهم: أجلساني إلى جنبه فأجلساه إلى جنب أبي بكر، فجعل أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- يصلي وهو يأتم بصلاة النبي ﷺ والناس بصلاة أبي بكر، والنبي ﷺ قاعد.
قال عبيد اللَّه: فدخلت علي عبد اللَّه بن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- عن مرض النبي ﷺ ؟ قال: هات، فعرضت عليه حديثها فما أنكر منه شيئا غير أنه قال:
أسمّت لك الرجل الّذي كان مع العباس؟ قلت: لا، قال: هو عليّ. ألفاظهما فيه متقاربة ذكره البخاري في باب إنما جعل الإمام ليؤتم به [ (١) ] وأخرجه النسائي من حديث عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا زائدة، عن موسى بن أبي عائشة إلى آخره بنحوه، ذكره في باب الائتمام بالإمام يصلي قاعدا، وقال: بعضه عن موسي بن أبي عائشة [ (٢) ] .
وخرّج البخاري من حديث هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري قال:
أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه قال: لما ثقل النبي ﷺ واشتد وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذن له، فخرج بين رجلين يخط رجلاه الأرض، وكان بين العباس وبين رجل آخر. قال عبيد اللَّه: فذكرت لابن عباس ما قالت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- فقال لي: وهل تدري من الرجل الّذي لم تسم عائشة؟ قلت: لا، قال: هو علي بن أبي طالب- رضي اللَّه ﵎ عنه- ذكره في باب حدّ المريض أن يشهد الجماعة وذكره مختصرا في كتاب الخمس، في باب ما جاء في بيوت أزواج النبي ﷺ .
стр. 5622
وخرجه مسلم [ (١) ] من طريق عبد الرزاق، قال الزهري: وأخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة أن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- أخبرته قالت: أول ما اشتكى رسول اللَّه ﷺ في بيت ميمونة- رضي اللَّه ﵎ عنها- فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيتها فأذن له، قالت: خرج ويدا له على الفضل بن العباس ويدا له على رجل آخر، وهو يخط برجله في الأرض فقال عبيد اللَّه: فحدّث به ابن عباس فقال: أتدري من الرجل الّذي لم تسمّ عائشة؟ هو عليّ- رضي اللَّه ﵎ عنه-.
وخرجه أيضا من حديث الليث عن عقيل بن خالد قال: ابن شهاب أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لما ثقل رسول اللَّه ﷺ فاشتد به وجعه واستأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذن له، فخرج بين رجلين يخط رجلاه في الأرض بين عباس بن عبد المطلب- رضي اللَّه ﵎ عنه- وبين رجل آخر، قال عبيد اللَّه:
فأخبرت عبد اللَّه بالذي قالت عائشة، قال أتدري من الرجل الآخر؟ قلت: لا، قال ابن عباس: هو علي- رضي اللَّه ﵎ عنه-[ (٢) ]
قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي: كانت مدة مرض النبي ﷺ اثني عشر يوما، وقيل: أربعة عشر يوما، وكان ﷺ يخرج إلى الصلاة إلا أنه انقطع ثلاثة أيام فقال ﷺ :
مروا أبا بكر فليصل بالناس [ (٣) ] .
قال الواقدي: حدثني بن أبي سبرة عن أيوب بن عبد الرحمن، عن أبي صعصعة عن عباد بن تميم قال: صلى أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- بالناس إلى أن توفي رسول اللَّه ﷺ سبع عشرة صلاة.
وحدثني بن أبي سبرة، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عكرمة قال: صلى بهم أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- ثلاثا يعني ثلاثة أيام.
قال سيف: عن طلحة بن عمرو الحضرميّ، عن عبد اللَّه بن أبي نجيح
стр. 5623
ومحد بن شريك عن عبد اللَّه بن أبي مليكة، عن عبد اللَّه بن زمعة قال: جاء بلال- رضي اللَّه ﵎ عنه- في أول ربيع الأول فأذن بالصلاة فقال رسول اللَّه ﷺ مروا أبا بكر يصلي بالناس، فخرجت فلم أر بالباب إلا عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- في رجال ليس فيهم أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فقلت: قم يا عمر فصل بالناس، فقام عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فكبر وكان رجلا صيتا، فلما سمع رسول اللَّه ﷺ صوته بالتكبير قال: أين أبو بكر؟ يأبى اللَّه ذلك والمسلمون ثلاث مرات، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس فقالت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-: يا رسول اللَّه: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قام في مقامك غلب عليه البكاء، فقال ﷺ إنكن صواحب يوسف! مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت: فصلى أبو بكر بعد الصلاة التي صلى عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- وكان عمر يقول:
لعبد اللَّه بن زمعة بعد ذلك: ويحك ماذا صنعت بي واللَّه لولا أني ظننت أن رسول اللَّه ﷺ أمرك ما فعلت، فيقول عبد اللَّه: إني لم أر أحدا أولى بذلك منك.
وقال سيف: عن عبد اللَّه بن الوليد، عن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عمر عن أبيه عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- نحوا من ذلك، وقالت عائشة: ما قلت ولا أردت صرف ذلك عن أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- إلا رغبا به عن الدنيا، ولما في الولاية من المخاطرة والهلكة إلا ما سلّم اللَّه، وخشيت أيضا أن لا يكون الناس يحبون رجلا قام في مقام النبي ﷺ وهو حيّ أبدا إلا أن يشاء اللَّه يحسدونه ويبغون عليه ويتشاءمون به فإذا الأمر أمر اللَّه والقضاء قضاؤه، وعصمه اللَّه من كل ما تخوفت من أمر الدنيا والدين وسلمت من كل ما تخوفت من أمر الدنيا والناس مما كنت أخاف.
قال سيف: عن سلمة بن نبيط عن نعيم بن أبي هند، عن شقيق، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: لما تحول النبي إلى صلاة الصبح فأفاق ﷺ وقال: هل صلى الناس بعد؟ فقلت: أذّن بلال وهو بالباب ينتظرك أن تخرج فتصلي بالناس، قال ﷺ : فمروا بلالا فليقم ومروا أبا بكر
стр. 5624
فليصل بالناس، فقلت: رقة الصديق ووجده بك ما قد علمت، فمتى يقم مقامك لا يستطيع أن يمضي في صلاته، وأغمي عليه وأفاق، فقال: هل صلى الناس بعد؟ فقال مثل ما قال وأغمي عليه، فقلت لحفصة- رضي اللَّه ﵎ عنها- وهي إلى جنبي: قد رددت أمر النبي ﷺ مرتين وأنا أخاف أن أغضبه فأجبته هذه المرة واشتدي بأبيك فإنه أرفق لذلك، فأفاق النبي ﷺ فقال:
أصلي الناس بعد؟ فقالت حفصة: يا رسول اللَّه إن من رقة أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- ووجده بك ما قد علمت، ومتى يقم في مقامك لا يستطيع أن يمضي في صلاته، فلو أمرت عمر فصلى بالناس فغضب ﷺ وقال: دعينى منكن، فإنكنّ صواحب يوسف، وأمر بلالا- رضي اللَّه ﵎ عنه- أن يقيم، وأمر أبا بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- أن يصلي بالناس، فصلى بالناس، وكان ﷺ يؤذنه بلال- رضي اللَّه ﵎ عنه- لكل صلاة فإن قدر على الخروج وإلا أمر أبا بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فيصلي بالناس. وقال عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: قلت: يا أمّ المؤمنين كم صلى أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنها- بالناس؟ فقالت: اثنى عشر يوما، لا تأتي الصلاة إلا جاء بلال- رضي اللَّه ﵎ عنه- إلى الباب يؤذن بها رسول اللَّه ﷺ ، فيقول:
مروا أبا بكر فليصل بالناس إلا أن يجد خفة فيخرج، فقلت: فهل صلى خلفه النبي ﷺ قالت: نعم قاعدا ما دام لا يقدر على القيام.
قال سيف: عن محمد بن إسحاق عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: لم يصلّ النبي ﷺ خلف أحد من أمته صلاة تامة إلا خلف أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- وصلى ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف- رضي اللَّه ﵎ عنه- ركعة.
قال سيف: عن هلال بن عامر، عن رافع بن عمر عن أبيه قال: حج النبي ﷺ سنة عشر، ثم رجع فأقام بقية ذي الحجة والمحرم ثم اشتكى في صفر فلما ثقل عن الخروج أمر أبا بكر أن يقوم مقامه وكان يصلى بالناس، وكان النبي ﷺ ربما خرج بعد ما يدخل أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- في
стр. 5625
الصلاة خلفه ولم يقل النبي ﷺ خلف أحد من أمته غيره إلا ركعة صلاها في سفر خلف عبد الرحمن بن عوف- رضي اللَّه ﵎ عنه-.
ذكر آخر صلاة صلاها رسول اللَّه ﷺ من أولها إلى آخرها، وأول صلاة أمر أبا بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- أن يصليها بالناس، والصلاة التي حضرها حين وجد من نفسه خفة، وصلاة أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- بهم فيما بينهما أياما
خرج البخاري ومسلم من حديث مالك، عن ابن شهاب عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- قال: إن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً [ (١) ] فقالت: يا بنىّ لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت رسول اللَّه ﷺ يقرأ بها في المغرب. ذكره البخاري في باب القراءة في المغرب [ (٢) ] .
وخرجه مسلم أيضا من حديث سفيان ويونس ومعمر وصالح وابن كيسان عن الزهري بهذا الإسناد، وزاد صالح: ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه اللَّه .
وذكره البخاري في آخر كتاب المغازي في أول باب مرض النبي ﷺ
стр. 5626
ووفاته، من حديث الليث عن عقيل عن ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه ابن عتبة، عن ابن عباس عن أم الفضل بنت الحارث قالت: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفا، ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه [ (١) ] .
وخرج البيهقي من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عن عتبة عن ابن عباس، عن أمه أم الفضل- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: خرج إلينا رسول اللَّه ﷺ وهو عاصب رأسه في مرضه فصلى بنا المغرب فقرأ بالمرسلات، فما صلى بعدها حتى لقي اللَّه .
ثم ذكر البيهقي حديث موسى بن أبي عائشة عن عبيد اللَّه، عن عبد اللَّه قال: دخلت على عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول اللَّه ﷺ وطوله؟ قال في هذه الرواية الصحيحة: إن النبي ﷺ تقدم في تلك الصلاة، وعلق أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- صلاته بصلاته، وكذلك رواه الأسود بن يزيد، وابن أخيها عروة بن الزبير، كذلك رواه الأثرم عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما-.
ثم ذكر من طريق شبابه بن سوار، قال حدثنا شعبة عن نعيم بن أبي هند عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنه- قالت: صلى رسول اللَّه ﷺ في مرضه الّذي مات فيه خلف أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- قاعدا.
وذكر من طريق مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة. عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: إن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر.
ومن طريق هشيم قال: أخبرنا يونس عن الحسن قال: وأخبرنا حميد عن أنس بن مالك- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: إن رسول اللَّه ﷺ خرج وأبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- يصلي بالناس، فجلس ﷺ إلى جنبه وهو في بردة قد خالف بين طرفيها، فصلى بصلاته.
стр. 5627
ومن طريق ابن أبي مريم قال: أخبرني حميد أنه سمع أنسا- رضي اللَّه ﵎ عنه- يقول: آخر صلاة صلاها النبي مع القوم في ثوب واحد ملتحفا به خلف أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه-.
كذا قاله محمد بن جعفر بن أبي كثير ورواه سليمان بن بلال، عن حميد عن ثابت البناني، حدثه عن أنس بن مالك- رضي اللَّه ﵎ عنه- وكذلك قاله يحيى بن أيوب عن حميد، عن ثابت قال: حدثه عن أنس- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: إن رسول اللَّه ﷺ صلى خلف أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- في ثوب واحد برد مخالفا بين طرفيه، فلما أراد أن يقوم قال: ادع لي أسامة بن زيد فجاء، فاسند ظهره إلى نحره، فكانت آخر صلاة صلاها.
قال البيهقي وفي هذه دلالة على أن هذه الصلاة التي صلاها خلف أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- كانت صلاة الصبح فإنّها أخر صلاة صلاها، وهي التي دعا أسامه بن زيد- رضي اللَّه ﵎ عنه- حين فرغ منها فأوصاه في مسيره بما ذكره أهل المغازي.
قال: فالذي تدل عليه هذه الروايات مع ما تقدم أن النبي ﷺ خلفه في تلك الأيام التي كان يصلى بالناس مرة وصلى أبو بكر خلفه مرة، وعلى هذا حملها الشافعيّ رحمه اللَّه تعالى.
وفي مغازي موسى بن عقبة وغيره، بيان الصلاة التي صلاها رسول اللَّه ﷺ بعضها خلف أبى بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- وهي صلاة الصبح، من يوم الاثنين.
стр. 5628
فصل فيما جاء في آخر صلاة صلاها رسول اللَّه ﷺ بالناس، من أولها إلى آخرها، وأول صلاة أمر أبا بكر الصديق أن يصليها بالناس، والصلاة التي حضرها ﷺ حين وجد من نفسه خفة، وصلاة أبي بكر رضي اللَّه ﵎ عنه بهم فيما بينهما أياما
قال البيهقيّ: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، وأبو القاسم الحسن بن محمد ابن حبيب من أصله قالا: حدثنا أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه الصفار إملاء، قال: حدثنا عبيد بن شريك، قال: حدثنا يحيى بن عبد اللَّه بن بكير، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- عن أم الفضل بنت الحارث، أنها قالت:
سمعت رسول اللَّه ﷺ يقرأ في المغرب ب وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً [ (١) ]
ما صلى لنا بعدها، حتى قبضه اللَّه، قال البيهقيّ: رواه البخاريّ في الصحيح عن ابن بكير.
وأخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، قال: حدثنا يوسف بن بهلول، قال:
حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد اللَّه ابن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن عباس، عن أم الفضل، قالت: خرج إلينا رسول اللَّه ﷺ وهو عاصب رأسه في مرضه، فصلى بنا المغرب فقرأ ب وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فما صلى بعدها حتى لقي اللَّه ﵎.
قال البيهقي: وإنما أرادت واللَّه- ﵎ عنه أعلم- بالناس مبتدأ بها، فإنما توفي ﷺ نهارا. [ (٢) ]
стр. 5629
قال البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا زائدة بن قدامة، قال: حدثنا موسي بن أبي عائشة، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، قال: دخلت على عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالت: بلي ثقل رسول اللَّه ﷺ فقال: أصلى بالناس؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول اللَّه فقال ﷺ ضعوا لي ماء في المخضب، قالت: ففعلنا، فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول اللَّه، فقال: ضعوا لي ماء في المخضب. قالت: فعلنا، فاغتسل ثم ذهب لينوء، فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول اللَّه فقال: ضعوا لي ماء في المخضب. قالت ففعلنا، فاغتسل، ثم ذهب لينوء، فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا، وهم ينتظرونك، والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول اللَّه ﷺ صلاة العشاء قالت: فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلى أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- يصلى الناس، فقالت: فأتاه الرسول فقال: إن رسول اللَّه ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس فقالت: فأتاه الرسول فقال: إن رسول اللَّه ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس. فقالت: فأتاه الرسول فقال: إن رسول اللَّه ﷺ يأمرك أن تصلى بالناس. فقال أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه وكان رجلا رقيقا: يا عمر صل بالناس، فقال له عمر: أنت أحق بذلك مني قالت:
فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام ثم إن رسول اللَّه ﷺ وجد من نفسه خفة، فخرج بين رجلين أحدهما العباس، لصلاة الظهر، وأبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه يصلي بالناس. قالت: فما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي ﷺ أن لا يتأخر، وقال لهما: أجلسانى إلى جنبه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر، قالت: فجعل أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- يصلي وهو قائم بصلاة رسول اللَّه ﷺ والناس يصلون بصلاة بصلاة أبى بكر، والنبي ﷺ قاعد. قال عبيد اللَّه: فدخلت على عبد اللَّه بن عباس، فقلت: ألا أعرض
стр. 5630
عليك ما حدثتني عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- عن مرض رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: هات، فعرضت عليه حديثها. فما أنكر منه شيئا، غير أنه قال:، سمّت لك الرجل الآخر الّذي كان مع العباس؟ قال: لا. قلت: هو عليّ- رضي اللَّه ﵎ عنه- رواه البخاري ومسلم في الصحيح، عن أحمد بن يونس.
قال البيهقيّ: وفي هذه الرواية الصحيحة، أن النبي ﷺ تقدم في تلك الصلاة، وعلّق أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- صلاته بصلاته.
وكذلك رواه الأسود بن يزيد، وابن أختها عروة بن الزبير، وكذلك رواه الأرقم بن شرحبيل، عن عبد اللَّه بن عباس.
وقد أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين العلويّ، قال: أخبرنا أبو حامد ابن الشرقيّ، قال حدثنا إبراهيم بن عبد اللَّه، قال: حدثنا شبابة بن سوار، قال: حدثنا شعبة، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-: قالت: صلى رسول اللَّه ﷺ في مرضه الّذي مات فيه خلف أبى بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- قاعدا وكذلك روى عن الأسود، عن عائشة في إحدى الرواتين عن الأعمش.
قال البيهقيّ: أخبرنا أبو الحسن بن الفضل بن القطّان ببغداد، قال:
أخبرنا عبد اللَّه بن جعفر درستويه، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال:
حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا شعبة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-: أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر. وكذلك روى حميد، عن أنس بن مالك، ويونس عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلا.
قال البيهقيّ: أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد المقرئ، قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق، قال: حدثنا يوسف بن يعقوب، قال: أخبرنا أبو الربيع قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، قال: وأخبرنا حميد عن أنس بن مالك، أن رسول اللَّه ﷺ خرج وأبو بكر يصلي بالناس، فجلس إلى جنبه وهو في بردة قد خالف بين طرفيها، فصلى بصلاته.
وأخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد، قال:
стр. 5631
حدثنا عبيد بن شريك، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي مريم، قال: حدثنا محمد ابن جعفر، قال: أخبرنا حميد، أنه سمع أنسا يقول: آخر صلاة صلاها النبي ﷺ مع القوم في ثوب واحد، ملتحفا به خلف أبى بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- كذا قاله محمد بن جعفر بن أبي كثير. ورواه سليمان بن بلال عن حميد عن ثابت البنانيّ، عن أنس بن مالك- رضي اللَّه ﵎ عنه- وكذلك قاله يحيى بن أيوب عن حميد.
أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسي بن الفضل، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، قال: حدثنا حميد الطويل، عن ثابت البنانيّ، حدثه عن أنس بن مالك- رضي اللَّه ﵎ عنه- أن رسول اللَّه ﷺ صلى خلف أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- في ثوب واحد، برد مخالفا بين طرفيه. فلما أراد أن يقوم قال: ادع لي أسامه بن زيد، فجاء فأسند ظهره إلي نحره. فكانت آخر صلاة صلاها.
وفي هذا دلالة على هذه الصلاة، هي التي صلاها خلف أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- كانت صلاة الصبح. فإنّها آخر صلاة صلاها، وهي التي دعا أسامة بن زيد حين فرغ منها، فأوصاه في مسيره بما ذكره أهل المغازي.
قال البيهقي: فالذي تدل عليه هذه الروايات مع ما تقدم، أن النبي ﷺ صلي خلفه في تلك الأيام التي كان يصلي بالناس مرة، وصلى أبو بكر خلفه مرة وعلى هذا حملها الشافعيّ- ﵀ في مغازي موسى بن عقبة وغيره، بيان الصلاة التي صلي رسول اللَّه ﷺ بعضها خلف أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- وهي صلاة الصبح من يوم الاثنين.
وفيما روينا عن عبيد اللَّه عن عائشة، وابن عباس بيان الصلاة التي صلاها أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- خلفه بعد ما افتتحها بالناس وهي صلاة الظهر من يوم السبت، أو الأحد فلا يتنافيان [ (١) ] واللَّه تعالى أعلم. [ (٢) ]
стр. 5632
ذكر تقرير النبي ﷺ أبا بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- في آخر صلاة صلاها بالناس في حياته،
وإشارته ﷺ إليهم قائما بها خلفه وارتضائه ﷺ صنعهم وذلك في صلاة الفجر يوم الاثنين، وهو اليوم الّذي توفّي فيه وقول من زعم أنه ﷺ خرج فصلى منها ركعة خلف أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- بعد ما أمره بالتقديم ثم صلى لنفسه أخرى خرج البخاريّ من حديث أبى اليمان، قال: أخبرنا شعيب عن الزهريّ، قال: أخبرنى أنس بن مالك- رضي اللَّه ﵎ عنه- وكان تبع النبي ﷺ وخادمه وصحبه قال: إن أبا بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- كان يصلى لهم في وجع النبي ﷺ الّذي توفّي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين- وهم صفوف في الصلاة- فكشف النبي ﷺ ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف- ثم تبسّم يضحك. فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي ﷺ فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن النبي ﷺ خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النبي ﷺ أن أتموا صلاتكم. وأرخى الستر، فتوفّي رسول اللَّه من يومه. ذكره في باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة [ (١) ] .
وخرجه مسلم من حديث صالح بن كيسان عن ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك- رضي اللَّه ﵎ عنه- كان يصلي في وجع رسول اللَّه ﷺ الّذي توفى فيه، فذكره بنحوه أو قريب منه، وخرجه من حديث سفيان بن
стр. 5633
عيينة، عن معمر عن الزهري.
وأخرج البخاري من حديث أبي معمر حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز عن أنس- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: لم يخرج إلينا نبي اللَّه ﷺ ثلاثا وأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنهما- يتقدم بالحجاب فلما وضح لنا وجه النبي ﷺ حين وضح لنا قال:
فأومأ نبي اللَّه ﷺ بيده إلى أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- أن يتقدم، وأرخى النبي ﷺ الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات [ (١) ] ، لفظهما فيه متقارب.
قال البيهقي: فهذان عدلان شهدا بذلك على أنس بن مالك- رضي اللَّه ﵎ عنه- وقد روى عبد اللَّه بن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- ما يؤكد رواية أنس- رضي اللَّه ﵎ عنه- ويشهد لها بالصحة [ (٢) ] .
فذكر ما خرجه مسلم [ (٣) ] وأبو داود [ (٤) ] والنسائي [ (٥) ] من حديث سفيان بن عيينة قال: أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- قال: كشف رسول اللَّه ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فقال: أيها الناس إنه لم يبق من مبشّرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا. فأما
стр. 5634
_________
[ () ] عن سليمان هذا من ورع مسلم وباهر علمه لأن في رواية اثنين عن سفيان بن عيينة أنه قال: أخبرني سليمان بن سحيم وسفيان معروف بالتدليس وفي رواية أبي بكر عن سفيان عن سليمان فنبه مسلم على اختلاف الرواة في عبارة سفيان.
قوله: كشف الستارة، هي بكسر السين وهي الستر الّذي يكون على باب البيت والدار.
قوله ﷺ نهيت أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء.
فقمن أن يستجاب لكم.
وفي حديث علي رضى اللَّه ﵎ عنه نهاني رسول اللَّه ﷺ أن أقرأ راكعا أو ساجدا فيه النهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود
وإنما وظيفة الركوع التسبيح ووظيفة السجود التسبيح والدعاء فلو قرأ في ركوع أو سجود غير الفاتحة كره، ولم تبطل صلاته وإن قرأ الفاتحة ففيه وجهان لأصحابنا:
أصحهما أنه كغير الفاتحة ولا تبطل صلاته، والثاني يحرم وتبطل صلاته هذا إذا كان عمدا، فإن قرأ سهوا لم يكره سواء قرأ عمدا أو سهوا يسجد للسهو عند الشافعيّ، رحمه اللَّه تعالى.
قوله ﷺ : «فأما الركوع فعظموا فيه الرب»
أي سبحوه ونزهوه ومجدوه وقد ذكر مسلم بعد هذا الأذكار التي تقال في الركوع والسجود واستحب الشافعيّ رحمه اللَّه تعالى وغيره من العلماء أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى، ويكرر كل واحدة منها ثلاث مرات، ويضم إليه ما جاء في حديث علي رضى اللَّه ﵎ عنه ذكره مسلم بعد هذا: اللَّهمّ لك ركعت، اللَّهمّ لك سجدت ... إلي آخره، وإنما يستحب الجمع بينهما لغير الإمام وللإمام الّذي يعلم أن المأمومين يؤثرون التطويل، فإن شك لم يزد على التسبيح، ولو اقتصر الإمام والمنفرد على تسبيحه واحدة فقال: سبحان اللَّه حصل أصل سنة التسبيح لكن ترك كمالها وأفضلها.
واعلم أن التسبيح في الركوع والسجود سنة غير واجب، هذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعيّ رحمهم اللَّه تعالى، والجمهور، وأوجبه أحمد رحمه اللَّه تعالى، وطائفة من أئمة الحديث، لظاهر الحديث في الأمر به،
ولقوله ﷺ صلوا كما رأيتموني أصلي. وهو في صحيح البخاري
وأجاب الجمهور بأنه محمول على الاستحباب واحتجوا بحديث المسيء صلاته، فان النبي ﷺ لم يأمره به، ولو وجب لأمره به، فإن قيل: فلم يأمره بالنية والتشهد والسلام؟ فقد سبق جوابه عند شرحه.
وقوله ﷺ : فقمن هو بفتح القاف وفتح الميم وكسرها لغتان مشهورتان فمن فتح فهو عنده مصدر لا يثنى ولا يجمع، ومن كسر فهو وصف يثنى ويجمع وفيه لغة ثالثة: قمين بزيادة ياء وفتح القاف وكسر الميم ومعناه: حقيق وجدير.
وفيه الحث على الدعاء في السجود فيستحب أن يجمع في سجوده بين الدعاء والتسبيح وستأتي الأحاديث فيه.
قوله «ورأسه معصوب» فيه عصب الرأس عند وجعه. قوله «عبد اللَّه بن حنين» هو بضم الحاء
стр. 5635
الركوع فعظموا فيه الرّب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء. فقمن أن يستجاب لكم.
وخرّج مسلم من حديث يحيي عن أيوب، حدثنا إسماعيل بن جعفر قال:
أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن معبد عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- عن أبيه، عن عبيد اللَّه بن عياض- رضي اللَّه ﵎ عنهما- قال: كشف رسول اللَّه ﷺ الستر ورأسه معصوب في مرضه الّذي مات فيه فقال: اللَّهمّ هل بلغت؟ ثلاث مرات، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا. يراها العبد الصالح أو ترى له. ثم ذكر بمثل حديث سفيان.
وخرجه النسائي من حديث علي بن حجر: حدثنا إسماعيل، وهو ابن جعفر، حدثنا سليمان، وهو ابن سحيم بهذا الإسناد كما قال مسلم، ثم قال بعد ذلك: ألا وإني نهيت عن القراءة في الركوع والسجود، فإذا ركعتم فعظموا اللَّه تعالى وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء فإنه قمن أن يستجاب لكم [ (١) ] .
قال البيهقيّ: والّذي يدل عليه حديث أم الفضل بنت الحارث، ثم حديث عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن عائشة وابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهم-، ثم حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: إن أبا بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- صلى بالناس صلاة العشاء الآخرة، ليلة الجمعة. ثم صلى بهم خمس صلوات
стр. 5636
يوم الجمعة، ثم خمس صلوات يوم السبت، ثم خمس صلوات يوم الأحد، ثم صلى بهم صلاة الصبح يوم الاثنين، وتوفي النبي ﷺ من ذلك اليوم، وكان قد خرج فيما بين ذلك حين وجد من نفسه خفة لصلاة الظهر، إما يوم السبت، وإما يوم الأحد، بعد ما افتتح أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- صلاته بهم، فافتتح صلاته، وعلقوا صلاتهم بصلاته، وهو قاعد، وهم قيام وصلى مرة أخرى خلف أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- في رواية نعيم بن أبي هند ومن تابعه، فيكون جمله ما صلّى بهم أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- في حياة رسول اللَّه ﷺ معهما ما افتتحها قبل خروجه سبع عشرة صلاة.
ثم ذكر من طريق الحسين بن الفرج، قال: حدثنا الواقدي قال: سألت أبا بكر بن أبي سبرة: كم صلى أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- بالناس؟ قال: سبع عشرة صلاة. قلت: من أخبرك؟ قال: أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ .
قال البيهقيّ: وقد ذهب موسى بن عقبة، في مغازيه إلي أن النبي ﷺ في صلاة الصبح من يوم الاثنين، حتى وقف إلي جنب أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فصلى خلفه ركعة، فلما سلم أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- أتم رسول اللَّه ﷺ الركعة الآخرة. وكذلك هو في مغازي أبي الأسود عن عروة.
وذلك يوافق ما رويناه عن حميد، عن ثابت، عن أنس- رضي اللَّه ﵎ عنه- في صلاة النبي ﷺ خلف أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- ورواية نعيم بن أبي هند وغيره في حديث عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-، ولا ينافي ما روينا عن الزهري وغيره عن أنس- رضي اللَّه ﵎ عنه-.
ويكون الأمر فيه محمولا على أنه رآهم وهم صفوف خلف أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- في الركعة الأولى من صلاة الصبح، فقال ما حكي هو وابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما-، ثم خرج فأدرك معه الركعة الآخرة، أو خرج فصلى، ثم قال ما حكيا، فنقلا بعض الخبر ونقل
стр. 5637
غيرهما ما تركاه، كما نقل أحدهما فيما رواه ما ترك صاحبه.
ثم ذكر من طريق محمد بن عتاب العبديّ، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن موسى بن عقبة قال: قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة يعني من حجة الوداع، فعاش بالمدينة حين قدمها بعد صدرة المحرم واشتكى في صفر، فوعك أشدّ الوعك، واجتمع إليه نساؤه كلهن يمرضنه، وقال نساؤه: يا رسول اللَّه إنه ليأخذك وعك ما وجدنا مثله على أحد قط غيرك. فقال رسول اللَّه ﷺ : كما يعظم لنا الأجر، كذلك يشتد علينا البلاء.
واشتد عليه الوعك أياما وهو ينحاز إلى الصلوات حتى غلب فجاءه المؤذن، فأذنه بالصلاة فنهض فلم يستطع من الضعف، ونساؤه حوله، فقال للمؤذن: اذهب إلي أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فأمره فليصل بالناس فقالت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنه- عنها: يا رسول اللَّه ﷺ إن أبا بكر رجل رقيق: وإنه إن قام في مقامك بكى فأمر عمر بن الخطاب- رضي اللَّه ﵎ عنه- فليصل بالناس، فقال ﷺ : مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت: فعدت، فقال ﷺ : مروا أبا بكر فليصل بالناس، إنكن صواحب يوسف.
قالت فصمت عنه، فلم يزل أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- يصلي بالناس، حتى كانت ليلة الاثنين من شهر ربيع الأول فأقلع عن رسول اللَّه ﷺ الوعك، وأصبح مفيقا، فغدا إلى صلاة الصبح يتوكأ على الفضل بن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما-، وغلام له يدعى ثوبان، ورسول اللَّه ﷺ بينهما، وقد سجد الناس مع أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- من صلاة الصبح، وهو قائم في الأخرى.
فتخلص رسول اللَّه ﷺ الصفوف يفرجون له، حتى قام إلى جنب أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فاستأخر أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- عن رسول اللَّه ﷺ فأخذ رسول اللَّه بثوبه، فقدمه في مصلاه- رضي اللَّه ﵎ عنه- فصفا جميعا، ورسول اللَّه ﷺ جالس، وأبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- قائم يقرأ القرآن، فلما قضى أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- قراءته قام رسول اللَّه ﷺ فركع معه الركعة الآخرة، ثم جلس
стр. 5638
أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- حين قضى سجوده يتشهد والناس جلوس فلما سلم، أتم رسول اللَّه ﷺ الركعة الآخرة، ثم انصرف إلى جذع من جذوع المسجد، والمسجد يومئذ سقفه من جريد وخوص، ليس على السقف كثير طين، وإذا كان المطر امتلأ المسجد طينا، إنما هو كهيئة العريش.
وكان أسامة بن زيد- رضي اللَّه ﵎ عنه- قد تجهز للغزو، وخرج في نقله إلى الجرف، فأقام تلك الأيام بشكوى رسول اللَّه ﷺ ، وكان رسول اللَّه ﷺ قد أمره على جيش عامتهم المهاجرون، فيهم عمر بن الخطاب- رضي اللَّه ﵎ عنه- وأمره رسول اللَّه ﷺ يغير على مؤتة، وعلى جانب فلسطين حيث أصيب زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن رواحة- رضي اللَّه ﵎ عنهم- فجلس رسول اللَّه ﷺ إلى ذلك الجذع، واجتمع إليه المسلمون يسلمون عليه، ويدعون له بالعافية، ودعا رسول اللَّه ﷺ أسامة بن زيد- رضي اللَّه ﵎ عنه-.
فقال: أغد على بركة اللَّه، والنصر والعافية، ثم أغر حيث أمرتك أن تغير، قال أسامة بن زيد- رضي اللَّه ﵎ عنه-: يا رسول اللَّه قد أصبحت مفيقا وأرجو أن يكون اللَّه قد عافاك، فأذن لي فأمكث حتى يشفيك اللَّه، فإنّي إن خرجت وأنت على هذه الحال، خرجت وفي نفسي منك قرحة، وأكره أن أسأل عنك الناس.
فسكت عنه رسول اللَّه ﷺ ، وقام فدخل بيت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- ودخل أبو بكر على ابنته عائشة فقال: قد أصبح رسول اللَّه ﷺ مفيقا وأرجو أن يكون اللَّه قد شفاه، ثم ركب فلحق بأهله بالسنح وهنالك كانت امرأته حبيبة بنت خارجة بن أبي زهير بن أخي بني الحارث بن الخزرج، وانقلبت كل امرأة من نساء رسول اللَّه ﷺ إلى بيتها.
وذلك يوم الاثنين، ووعك رسول اللَّه ﷺ حين وجع واشتد الوعك واجتمع إليه نساؤه، وأخذ بالموت، فلم يزل كذلك حتى زاغت الشمس من يوم الاثنين يغمى عليه الساعة ثم يفيق ثم يشخص بصره إلى السماء، فيقول في الرفيق الأعلى مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ
стр. 5639
وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [ (١) ] قال ذلك- زعموا مرارا- كلما أفاق من غشيته فظن النسوة أن الملك خيره بين الدنيا والجنة فيختار رسول اللَّه ﷺ الجنة وما عند اللَّه تعالى من حسن الثواب.
واشتد برسول اللَّه ﷺ الوجع، فأرسلت فاطمة إلى عليّ بن أبي طالب- رضى اللَّه ﵎ عنهما، وأرسلت حفصة إلى عمر بن الخطاب- رضي اللَّه ﵎ وأرسلت كل امرأة إلى حميمها، فلم يرجعوا حتى توفي رسول اللَّه ﷺ على صدر عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- في يومها، يوم الاثنين حين زاغت الشمس، لهلال شهر ربيع الأول.
وذكر من طريق ابن لهيعة، فحدثنا أبو الأسود عن عروة قال: صدر رسول اللَّه ﷺ عن حجة التمام، فقدم المدينة، فاشتكى في صفر، ووعك أشد الوعك، فذكر معنى ما روينا عن موسى بن عقبة.
ومن طريق يونس، عن ابن إسحاق قال: حدثنا ابن أبي مليكة، قال: صلى أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- بالناس صلاة الصبح، فجاءه رسول اللَّه ﷺ فجلس إلى جنب أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فصلى وهو عاصب رأسه، فلما فرغ من الصلاة، أقبل رسول اللَّه ﷺ على الناس رافعا صوته، حتى خرج من باب المسجد يقول: أيها الناس! سعرت النار، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم.
قال البيهقي من طريق سليمان بن بلال، عن أبى عبد العزيز الزبيدي، عن مصعب بن محمد بن شرحبيل، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- عن رسول اللَّه ﷺ قالت: كشف رسول اللَّه ﷺ سترا أو فتح بابا لا أدرى أيهما، قال مصعب فنظر إلى الناس وراء عنه أبى بكر- رضي اللَّه ﵎ يصلون فحمد اللَّه تعالى وسرّ بالذي رأى منه، وقال: الحمد للَّه، ما من نبي يتوفاه اللَّه تعالى حتى يؤمه رجل من أمته، أيها الناس أيما عبد من أمتى أصيب بمصيبتى من بعدي، فليتعزى بمصيبته عن مصيبته التي يصاب بها من بعدي، فإن أحدا من أمتي
стр. 5640
لن يصاب بمصيبة بعدي، أشد من مصيبته بي.
قال البيهقي: معني أول هذا الحديث موجود فيما روينا عن أنس بن مالك وابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهم- وأما آخر الحديث فلم أجد له شاهدا صحيحا واللَّه تعالى أعلم [ (١) ] .
وقال الواقدي: حدثني سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن ابن أبي مليكة عن عبيد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ما هلك نبي حتى يؤمه رجل من أمته، فلما كان يوم الاثنين صلى أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ بالناس الصبح وكان لا يلتفت، فأقبل رسول اللَّه ﷺ حتى جلس إلى جنب أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فصلى بصلاة أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فلما قضى صلاته جلس رسول اللَّه ﷺ وعليه خميصة له فقال: إنكم واللَّه لا تمسكون عليّ بشيء إني لا أحلّ إلا ما أحلّ اللَّه تعالى في كتابه، يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية بنت عبد المطلب، اعملا لما عند اللَّه تعالى، لا أملك لكما من اللَّه شيئا.
وقال: حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: لما كانت ليلة الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول جاء رسول اللَّه ﷺ وجعا فلم يبق امرأة ولا رجل إلا أصبح في المسجد لوجع رسول اللَّه ﷺ فأتاه المؤذن يؤذنه بالصلاة صلاة الصبح فقال ﷺ : قل لأبي بكر يصلى بالناس فكبر أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- في صلاته فكشف رسول اللَّه ﷺ الستر فرأى الناس يصلون فقال: إن اللَّه جعل قرة عيني في الصلاة، وأصبح ﷺ يوم الاثنين مفيقا، فخرج يتوكأ على الفضل بن العباس وثوبان غلامه- رضي اللَّه ﵎ عنهما-، حتى دخل المسجد وذكر الحديث.
وقال سيف: عن محمد بن إسحاق عن الزهري، عن أنس بن مالك- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: خرج النبي ﷺ صبيحة اثنتي عشرة عاصبا رأسه ما رأيته قط وأبو بكر في الصلاة، فلما رآه الناس ذهبوا