← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1526

الجامع في العلل والفوائد

ماهر الفحل

Полный текст (2 498 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

البحث أنَّه أسقط وساطة بينه وبين شيخه ويكون الساقط ضعيفاً، ثم بعد جمع الطرق ومعرفة ضعف الضعيف يتبين خطؤه في متن الحديث. مثاله: روى ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَبُلْ قائماً». أخرجه: ابن حبان (١٤٢٣) بهذا الإسناد. وقال: «أخاف أنَّ ابن جريج لم يسمعْ من نافع هذا الخبر». علق الحافظ ابن حجر في " إتحاف المهرة " ٩/ ١٥٥ (١٠٧٦٦) على هذا القول بقوله: «قلت: وهو كذلك فقد رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر. وابن أبي المخارق ضعيف. ورواه عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر موقوفاً، وهو الصواب» (١). وهذا الحديث ظاهره الصحة لكون رجاله ثقات لولا عنعنة ابن جريج وهو مدلس. وقد تحققتْ مخاوف ابن حبان؛ إذ صرّح ابن جريج بمن أسقط، حيث رواه عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: رآني رسولُ الله ﷺ أبولُ قائماً، فقال: «يا عُمرُ لا تبلْ قائماً» فما بلتُ قائماً بعد. أخرجه: عبد الرزاق كما في " إتحاف المهرة " ٩/ ١٥٥ (١٠٧٦٦)، وابن ماجه (٣٠٨)، وأبو عوانة ٤/ ٢٥ (٥٨٩٨)، وابن عدي في " الكامل " ٧/ ٤٠، والحاكم ١/ ١٨٥، والبيهقي ١/ ١٠٢ من طريق ابن جريج، عن عبد الكريم. قال البيهقي: «وعبد الكريم بن أبي المخارق ضعيف». وعلقه الترمذي عقب (١٢) وقال: «وإنَّما رفع هذا الحديث عبد الكريم ابن

стр. 212

أبي المخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعّفه أيوب السَّختياني وتكلم فيه». وعبد الكريم بن أبي المخارق، قال عنه ابن معين في " تاريخه " (٦٨١) برواية الدارمي: «ليس بشيء»، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٤٠١): «متروك الحديث»، وذكره الدارقطني في " الضعفاء والمتروكون " (٣٦١). قال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ١/ ٤٥: «هذا إسناد ضعيف، عبد الكريم متفق على تضعيفه، وقد تفرّد بهذا الخبر وعارضه خبر عبيد الله بن عمر العمري الثقة المأمون المجمع على ثقته، ولا يغتر بتصحيح ابن حبان (١) هذا الخبر من طريق هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر». وخبر عبيد الله بن عمر المشار إليه أخرجه: ابن أبي شيبة (١٣٣٢)، والبزار (١٤٩)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٤/ ٢٦٨ وفي ط. العلمية (٦٦٧٨) من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: ما بلتُ قائماً منذُ أسلمتُ. موقوفاً. وذكره الترمذي معلقاً عقب (١٢) وقال: «وهذا أصح من حديث عبد الكريم». إذن فالصواب في الحديث الوقف، والرفع خطأ أخطأ فيه عبد الكريم، ورواية ابن حبان فيها تدليس ابن جريج (٢). وللشيخ محمد ناصر الدين الألباني رأيٌ آخر في إعلال هذا الحديث؛ إذ

стр. 213

إنَّه أعل حديث ابن جريج بما روي عن عبد الله بن عمر أنَّه رأى عبد الله بن دينار بال قائماً، فقد قال الشيخ ﵀ في " الضعيفة " (٩٣٤) معقّباً على كلام البوصيري: «ولم أعرف حديث عبيد الله الذي أشار إليه … لكن الظاهر أنَّه يعني مثل حديث عبد الله بن دينار أنَّه رأى عبد الله بن عمر بال قائماً. أخرجه البيهقي ١/ ١٠٢ وقال: وهذا يضعف حديث عبد الكريم، وقد روينا البول قائماً عن عمر وعلي وسهل بن سعد وأنس بن مالك … ، ثم وقفت على حديث عبيد الله العمري في "مصنَّف" ابن أبي شيبة ١/ ١٢٤ طبع الهند (١)، ومسند البزار (٣١ زوائده) (٢) فإذا هو لا يعارض حديث الترجمة كما ادعى البوصيري فإنَّه رواه عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: ما بلتُ قائماً منذ أسلمت. وإسناده صحيح فالأولى المعارضة بأثر عبد الله بن دينار المتقدم عن ابن عمر على اعتبار أنَّه هو الذي روي الحديث عنه كما هو ظاهر، ثم بما روى ابن أبي شيبة أيضاً قبيل الموضع المشار إلى صفحته آنفاً من طريق أخرى عن زيد، قال: رأيت عمر بال قائماً، وزيد هذا هو ابن وهب الكوفي، وهو ثقة كسائر من دونه فالإسناد صحيح أيضاً، ولعل هذا وقع من عمر ﵁ بعد قوله المتقدم، وبعد ما تبين له أنَّه لا شيء في البول قائماً». قلت: الذي تميل إليه النفس هو الإعلال بما أعله به البوصيري إنَّما هو عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر. فالإعلال برواية عبيد الله بن عمر أجود؛ لاتحاد المخرج وهو نافع. لكن يبقى الاستشكال وهو أنَّ ابن جريج في روايته التي دلّس فيها عبد الكريم وهي التي أخرجها ابن حبان قصر الحديث المرفوع إلى ابن عمر، ولم يجعله من مسند أبيه، فالله أعلم وما ذهب إليه العلامة الألباني ينفع في قوة إعلال الحديث، وأنَّ الحديث المرفوع حديث فائدةٌ. انظر: "إتحاف المهرة" ٩/ ١٤٨ (١٠٧٤٥) و ٩/ ١٥٥ (١٠٧٦٦) و ١٢/ ٢٦٠ (١٥٥٣٧) و (١٥٥٣٨).

стр. 214

مثال آخر: روى أبو إسحاقَ السَّبيعيُّ، عن فَرْوةَ (١) بن نوفَلٍ الأشجعيِّ، عن أبيه، قالَ: دفعَ إليَّ النَّبيُّ ﷺ ابنةَ أمِّ سلمةَ، وقال: «إنَّما أنتَ ظِئْري (٢)» قالَ: فمكثَ ما شاء اللهُ، ثم أتيتهُ فقال: «ما فعلتِ الجاريةُ - أو الجويريةُ-؟» قال: قلتُ: عند أمِّها، فقال: «فمجيءُ ما جئتَ؟» قال: قلتُ: تعلِّمني ما أقول عند منامي، فقال: «اقرأْ عند منامكَ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾» قالَ: «ثُمَّ نمْ على خاتمتها، فإنَّها براءةٌ منَ الشِّركِ» (٣). أخرجه: أبو عبيد في " فضائل القرآن " (١ - ٤٥)، وابن الجعد في "مسنده " (٢٦٥٤) ط. الفلاح و (٢٥٦٠) ط. العلمية، وابن أبي شيبة (٢٦٩٣٨) و (٢٩٧٩٤)، وأحمد ٣٩/ ٤٨٨ (٢٤٠٠٩/ ٤٩) استدراكات ط. الرسالة، والدارميُّ (٣٤٢٧)، والبخاريُّ في "التاريخ الكبير" ٨/ ٤ (٢٣٧٢)، وأبو داود (٥٠٥٥)، والنَّسائيُّ في " الكبرى " (١٠٦٣٧) و (١١٧٠٩) ط. العلمية و (١٠٥٦٩) و (١١٦٤٥) ط. الرسالة وفي " عمل اليوم والليلة "، له (٨٠١)، وابن قانع في " معجم الصحابة " (١٧٩٩)، وابن حبان (٧٩٠) و (٥٥٢٦) و (٥٥٤٦)، وابن السُّنيِّ في " عمل اليوم والليلة " (٦٩١)، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (٦٤٦٨)، والحاكم ٢/ ٥٣٨، والبيهقيُّ في " شعب الإيمان" (٢٥٢٠) ط. العلمية و (٢٢٨٩) ط. الرشد، والخطيب في " الأسماء المبهمة ": ٣٠٨، وابن الأثير في " أسد الغابة " ٥/ ٣٤٨ من طريق زهير بن معاوية. وأخرجه: أحمد ٥/ ٤٥٦ وفي ٣٩/ ٣٨٨ (٢٤٠٠٩/ ٥٠) استدراكات ط.

стр. 215

الرسالة، والترمذيُّ (٣٤٠٣) (م)، والنَّسائيُّ في " الكبرى " (١٠٦٣٨) ط. العلمية و (١٠٥٧٠) ط. الرسالة وفي " عمل اليوم والليلة "، له (٨٠٢)، وابن الأعرابي في " معجم شيوخه " (١١٨٢)، والحاكم ١/ ٥٦٥، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٢٥٢١) ط. العلمية و (٢٢٩٠) ط. الرشد من طريق إسرائيل (١). وأخرجه: ابن حبان (٥٥٢٥) من طريق زيد بن أبي أنيسة (٢). وأخرجه: ابن قانع في " معجم الصحابة " (١٧٩٨) من طريق شريك، وأبي مريم (٣)، ومحمد بن أبان (٤) (مقرونين). وأخرجه: ابن قانع في " معجم الصحابة " عقب (١٧٩٩)، والطبراني في "الدعاء" ٢٧٨) من طريق أشعث بن سوار (٥). سبعتهم: (زهير، وإسرائيل، وزيد، وشريك، وأبو مريم، ومحمد، وأشعث) عن أبي إسحاق السَّبيعيِّ، بالإسناد المتقدم. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه». قلت: رجال الحديث ثقات، إلا أنَّ فيه أبا إسحاق السَّبيعيَّ وهو مدلس، قال ابن حبان في " الثقات " ٥/ ١٧٧: «وكان مدلساً»، وقال العلائي في "جامع التحصيل ": ٢٤٥ (٥٧٦): «تقدم أنَّه مكثر من التدليس»، وقال سبط ابن العجمي في " التبيين ": ١٦٠ (٥٨): «مشهور به» أي بالتدليس، وقال

стр. 216

العراقي في كتاب " المدلسين ": ٧٧ (٤٧): «مشهور بالتدليس»، وقال الحافظ ابن حجر في " طبقات المدلسين ": ٤٢/ (٩١): «مشهور بالتدليس .. وصفه النَّسائيُّ وغيره بالتدليس (١)». وانظر: " تحفة الأشراف " ٨/ ٣٠١ (١١٧١٨). زيادة على عنعنة أبي إسحاق، فقد اخْتُلِفَ عليه اختلافاً واسعاً فروي عنه عن فروة بن نوفل، عن أبيه، به كما تقدم. ورواه عنه سفيان الثوريُّ. إذ أخرجه: النَّسائيُّ في " الكبرى " (١٠٦٤٠) ط. العلمية و (١٠٥٧٢) ط. الرسالة وفي " عمل اليوم والليلة "، له (٨٠٤) من طريق عبد الله بن المبارك. وأخرجه: أحمد ٣٩/ ٤٨٩ (٢٤٠٠٩/ ٥١) استدراكات ط. الرسالة، والبيهقي في "شعب الإيمان " (٢٥١٩) ط. العلمية و (٢٢٨٨) ط. الرشد من طريق أبي أحمد الزبيريِّ. وأخرجه: أحمد ٣٩/ ٤٨٩ (٢٤٠٠٩/ ٥٢) استدراكات ط. الرسالة عن عبد الرزاق. وأخرجه: أحمد ٣٩/ ٤٨٩ (٢٤٠٠٩/ ٥٣) عن يحيى بن آدم. أربعتهم: (ابن المبارك، وأبو أحمد، وعبد الرزاق، ويحيى بن آدم) عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن فروة بن نوفل (٢)، به مرسلاً. وخالفهم مخلد بن يزيد. إذ أخرجه: النَّسائيُّ في " الكبرى " (١٠٦٣٩) ط. العلمية و (١٠٥٧١) ط. الرسالة وفي " عمل اليوم والليلة "، له (٨٠٣) من طريق مخلد بن يزيد (٣)، عن سفيان الثوريِّ، عن أبي إسحاق، عن فروة الأشجعيِّ (٤)، عن ظئرٍ لرسول الله ﷺ ، به.

стр. 217

وهذه رواية شاذة، والصواب رواية الجماعة عن سفيان؛ لأنهم أكثر عدداً وحفظاً من مخلد بن يزيد، قال الترمذيُّ عقب (٣٤٠٣) (م): «وقد اضطرب أصحاب أبي إسحاق في هذا الحديث»، وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب": ٧١٧ (٢٥٦٧): «مختلف فيه، مضطرب الإسناد، لا يثبت». قلت: ووجه الاضطراب فيه أنَّ زهيراً وإسرائيل ومن تابعهما قد رووا الحديث عن أبي إسحاق موصولاً، في حين رواه الثوريُّ وهو أتقن أصحاب أبي إسحاق (١) مرسلاً. وتعقب الحافظ ابن حجر ابن عبد البر فقال في " الإصابة " ٥/ ٣٦٩ (٨٨٣١): «وزعم ابن عبد البر بأنَّه حديث مضطرب، وليس كما قال، بل الرواية التي فيها (عن أبيه) أرجح، وهي الموصولة، رواته ثقات، فلا يضرّه مخالفة (٢) مَنْ أرسله، وشرط الاضطراب أنْ تتساوى الوجوه في الاختلاف، وأما إذا تفاوتت فالحكم للراجح بلا خلاف». قلت: حتى لو فرضنا أنَّ الحديث خالٍ من الاضطراب، فإنَّ فيه عنعنة أبي إسحاق السبيعي وهو مدلس كما مر تبيان هذا الأمر. وبعد مراجعة جميع طرق الحديث لم أقف على تصريحه بالسماع من شيخه. وقد روي الحديث من طرق أخرى عن أبي إسحاق. إذ أخرجه: الترمذيُّ (٣٤٠٣) من طريق أبي داود الطيالسيِّ، قال: أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن رجل، عن فروة بن نوفل: أنَّه أتى النَّبيَّ ﷺ … فذكره (٣).

стр. 218

قال الترمذيُّ عقب الحديث: «وروى زهير هذا الحديث عن أبي إسحاق، عن فروة بن نوفل، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ ، نحوه، وهذا أشبه وأصح من حديث شعبة»، وقال المزيُّ في " تحفة الأشراف " ٨/ ٣٠٢ (١١٧١٨): «رواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن رجل، عن فروة بن نوفل: أنَّه أتى النَّبيَّ ﷺ … فذكره، والأول أصحُ» يعني حديث زهير. وهذا الطريق لو صح لاقتضى أنْ يكون فروة صحابياً، وليس كذلك. ولعل الناظر يظن أنَّ شعبة تابع سفيان الثوري، وليس كذلك أيضاً؛ لأن طريق شعبة فيه زيادة رجل مبهم، فلا يصح أن يكون متابعاً لطريق سفيان، وإن اشتركا في الإرسال إلا أنَّ الطريقين مختلفان. وأخرج الحديث أيضاً الحارث بن أبي أسامة كما في " بغية الباحث " (١٠٥٣)، وأبو يعلى (١٥٩٦)، ومن طريقه ابن حبان في " الثقات " ٣/ ٣٣٠ - ٣٣١ من طريق عبد العزيز بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن فروة، قال: قال لي رسول الله ﷺ .. فذكره. قال ابن حبان عقبه: «القلب يميل إلى أنَّ هذه اللفظة ليست بمحفوظة من ذكر صحبة رسول الله ﷺ ، وإنا نذكره في كتاب التابعين أيضاً؛ لأنَّ ذلك الموضع به أشبه، وعبد العزيز بن مسلم القَسْملي، ربما أوهم فأفحش». وقال الحافظ ابن حجر في " النكت الظراف " (المطبوع مع تحفة الأشراف) (١) (١١٧١٨): «أقرّ المؤلف - يعني: المزي- هذا الحديث ولم يتعقبه، وهو يوهم ثبوت صحبة فروة، وليس كذلك» ثم ذكر كلام ابن حبان السالف وتعقبه، فقال: «واللفظة ثابتة، وإنَّما سقط من رواية عبد العزيز قوله: (عن أبيه) فإنَّ ذلك محفوظ عنه، وهو صحابيٌّ باتفاق .. وكان ينبغي للمؤلف أنْ ينبه على ذلك».

стр. 219

وانظر: " تحفة الأشراف " ٧/ ٤٩٠ (١١٠٢٥). وروي الحديث بإسناد آخر. إذ أخرجه: النَّسائيُّ في " الكبرى " (١٠٦٣٦) ط. العلمية و (١٠٥٦٨) ط. الرسالة وفي "عمل اليوم والليلة"، له (٨٠٠) من طريق سعيد بن سليمان، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن فروة، عن جبلة، قال: سألتُ رسول الله ﷺ … فذكره. وأخرجه: الطبراني في " الكبير " (٢١٩٥) وفي" الأوسط"، له (١٩٦٨) ط. العلمية و (١٩٨٩) ط. الحديث من طريق محمد بن الطفيل، قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن جبلة بن حارثة … فأسقط من السند (فروة) وهي رواية منكرة بلا ريب؛ إذ المحفوظ من طريق شريك ذكر فروة ابن نوفل. وقد أخرج الحديث الإمام أحمد كما في " تفسير ابن كثير": ٢٠٤١ قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن فروة بن نوفل، عن الحارث بن جبلة. ولعل هذا خطأ وقع في نسخة ابن كثير من المسند، إذ إنَّ الموجود في كتب تراجم الصحابة جبلة بن حارثة، وكذا هو في مصادر التخريج كما تقدم. أو قد يكون الوهم من شريك؛ لأنه خالف أصحاب أبي إسحاق في مخرج الحديث، أو يكون الوهم من أبي إسحاق باعتبار اضطرابه في هذا الحديث. وهذا الطريق ضعيف؛ لأنَّ شريكاً خالف أصحاب أبي إسحاق كما أنَّه قد اخْتُلِف عليه، إذ رواه موافقاً لزهير وإسرائيل مرةً، ورواه هنا مخالفاً الجميع وجعل الحديث عن جبلة بن حارثة. إلا أنَّ العجيب أنَّ الحافظ ابن حجر قد صحح هذا الطريق؛ إذ قال في "الإصابة" ١/ ٣٣٦ (١٠٧٢): «وله في النَّسائيِّ حديث متصل صحيح الإسناد، من رواية أبي إسحاق، عن فروة، عن جبلة بن حارثة، في القول عند النوم … »، لكن الحافظ رجع وقال في موضع آخر من " الإصابة " ٤/ ٣٤١ (٦٩٧٩): «وخالف الجميع شريك بن عبد الله القاضي، فقال: عن أبي إسحاق، عن جبلة بن حارثة، أخرجه النَّسائيُّ من رواية سعيد بن سليمان، عنه».

стр. 220

أقول: سعيد بن سليمان رواه عن شريك بإثبات فروة في السند، أما الرواية التي عناها الحافظ فهي رواية محمد بن الطفيل، وذِكْر جبلة بن حارثة لا أعلم لشريك متابعاً له عليه، والطرق التي تقدمت عن أبي إسحاق تبين ذلك. وانظر: " تحفة الأشراف " ٢/ ٥٤٨ (٣١٨٣). وروي هذا الحديث من طريق مروان بن معاوية، عن أبي مالك الأشجعي، عن عبد الرحمان بن نوفل الأشجعي، عن أبيه. إذ أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٦٩٣٩) و (٢٩٧٩٦)، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (١٣٠٤)، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (٦٤٦٩) من طريق مروان بن معاوية، بهذا الإسناد. قال الترمذي عقب (٣٤٠٣) (م): «وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه، قد رواه عبد الرحمان بن نوفل، عن أبيه، عن النبي ﷺ وعبد الرحمان أخو فروة بن نوفل». وهذا إسناد ضعيف؛ فيه عبد الرحمان بن نوفل، ذكره البخاريُّ في "التاريخ الكبير " ٥/ ٢٢١ (١١٣٤)، وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٥/ ٣٥٦ (١٣٩٢) ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً. ولم يوثّقه أحد، إلا أنَّ ابن حبان ذكره في " الثقات " ٥/ ١١٢ على عادته في توثيق المجاهيل، وذكره العجلي في " معرفة الثقات " (١٠٨٣) وقال: «كوفي تابعي ثقة». ولكن هذا الطريق فيه بعض من بشارات القبول فإنه من رواية الأبناء عن الآباء، إذن فهذا الحديث من موروث عبد الرحمان عن أهل بيته مما يقتضي أنه حفظه، وعبد الرحمان تابعه أخوه فروة. وللحديث شواهد لا يفرح بها، فقد ورد من حديث ابن عباس ﵄. إذ أخرجه: أبو يعلى كما في "إتحاف الخيرة المهرة" ٦/ ٣٠٦ (٥٩٠٥)، وابن عدي في " الكامل " ٢/ ٥٢٨، والطبراني في " الكبير " (١٢٩٩٣)، وأبو نعيم في " الحلية " ٤/ ٩٦ من طريق جبارة بن مغلس، قال: حدثنا حجاج بن

стр. 221

تميم، عن ميمون، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أدُلكم على كلمةٍ تُنْجيكم منَ الإشراكِ بالله؟ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ عند منامكم». وهذا إسناد معلول بعلتين: الأولى: جبارة بن مغلس، قال عنه النَّسائيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (١٠١): «ضعيف»، وقال ابن حبان في "المجروحين " ١/ ٢٢١: «كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، أفسده يحيى الحماني … »، وقال الدارقطني كما في" سؤالات البرقاني " (٧١): «متروك»، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد"١٠/ ١٢١: «وفيه جبارة بن المغلس وهو ضعيف جداً». أما العلة الثانية: فهي ضعف الحجاج بن تميم الجزري، قال عنه النَّسائيُّ فيما نقله المزيُّ في " تهذيب الكمال " ٢/ ٥٨ (١٠٩٨): «ليس بثقة»، وقال الذهبيُّ في " ميزان الاعتدال " ١/ ٤٦١ (١٧٢٨): «وأحاديثه تدل على أنَّه واهٍ». وعلى هذا الكلام في حجاج بن تميم فقد تكلم أهل العلم في روايته عن ميمون بن مهران؛ إذ قال ابن عدي في " الكامل " ٢/ ٥٢٨: «روايته عنه ليست بالمستقيمة». وقد توبع الحجاج بن تميم. أخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٧/ ٣٠٠ من طريق شيبان، عن محمد ابن زياد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس. وهذا إسناد موضوع؛ فيه محمد بن زياد، قال عنه أحمد في " الجامع في العلل" ٢/ ١٩٩ (١٨٥٤): «كذابٌ، خبيثٌ، أعور، يضع الحديث»، وقال البخاريُّ في " التاريخ الكبير " ١/ ٨٧ (٢٦٦): «كان محمد بن زياد يُتهم بوضع الحديث»، وقال النَّسائيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (٥٤٧): «متروك الحديث»، وقال ابن عدي في "الكامل " ٧/ ٢٩٧: «كان كذاباً خبيثاً». وروي من حديث خباب بن الأرتّ ﵁. أخرجه: البزار كما في " كشف الأستار " (٣١١٣)، والطبراني في

стр. 222

"الكبير " (٣٧٠٨) من طريق شريك وجابر الجعفيِّ، عن معقل الزبيديِّ، عن عباد أبي الأخضر، عن خباب، عن نبي الله ﷺ : أنَّه لم يأتِ فراشه قط إلا قرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ حتى يختم. وهذا إسناد ضعيف جداً فيه علتان: الأولى: جابر الجعفي، قال عنه يحيى بن معين في " تاريخه " (١٣٥٦) برواية الدوريِّ: «ليس بشيء»، وبه أعله الهيثميُّ في " مجمع الزوائد " ١٠/ ١٢١ قال: «وفيه جابر الجعفيُّ وهو ضعيف». والثانية: شريك، وهو سيئ الحفظ، وقد تقدمت ترجمته. وروي من حديث أنس بن مالك ﵁. أخرجه: البيهقيُّ في " شعب الإيمان " (٢٥٢٢) ط. العلمية و (٢٢٩١) ط. الرشد من طريق شيبان، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ: «اقرأ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ عند منامك، فإنَّها براءة من الشرك». وقال عقبه: «هو بهذا الإسناد منكر؛ وإنما يعرف بالإسناد الأول - يعني: إسناد إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن فروة بن نوفل، عن أبيه -». وقد يعنعن المدلِّس في حديث، ثم بعد البحث والتفتيش نجده قد أسقط واسطة دلسها ثم تبين من خلال البحث علل أخرى حصلت في تلك الرواية، مثاله ما روى أبو إسحاق السَّبيعيُّ، عن شُرَيحِ بن النُّعمان الصائديِّ - وهو الهمْداني- عن عليِّ بن أبي طالب، قالَ: أمرنا رسولُ اللهِ ﷺ أنْ نستشرف العينَ والأذنَ، وأنْ لا نُضحّي بمقابلة ولا مدابرةٍ، ولا شَرْقاء، ولا خَرْقاء (١). هذا الحديث اختلف فيه على أبي إسحاق في سنده. فقد أخرجه: أحمد ١/ ١٠٨ و ١٤٩، وأبو داود (٢٨٠٤)، والنَّسائيُّ ٧/ ٢١٦ - ٢١٧ وفي " الكبرى "، له (٤٤٦٣) ط. العلمية و (٤٤٤٧) ط. الرسالة،

стр. 223

والطحاوي في " شرح المعاني " ٤/ ١٦٩ وفي ط. العلمية (٦٠٥٦)، والبيهقي ٩/ ٢٧٥، والمزي في " تهذيب الكمال " ٣/ ٣٨١ (٢٧١٣) من طريق زهير. وأخرجه: أحمد ١/ ١٢٨، والدارميُّ (١٩٥٢)، والبخاري في " التاريخ الكبير " ٤/ ١٩٤ (٢٦١٤)، والترمذي (١٤٩٨) (م)، والحاكم ٤/ ٢٢٤، والبيهقي ٩/ ٢٧٥، والبغوي (١١٢١) من طريق إسرائيل. وأخرجه: أحمد ١/ ١٢٨ من طريق علي بن صالح (١). وأخرجه: أحمد ١/ ٨٠، ومن طريقه الضياء في " المختارة " ٢/ ١١٤ (٤٨٨). وأخرجه: ابن ماجه (٣١٤٢)، والنَّسائيُّ ٧/ ٢١٧ وفي "الكبرى"، له (٤٤٦٤) ط. العلمية و (٤٤٤٨) ط. الرسالة، وابن الجارود (٩٠٦)، والطحاوي في "شرح المعاني" ٤/ ١٦٩ وفي ط. العلمية (٦٠٥٨)، والحاكم ٤/ ٢٢٤ من طريق أبي بكر بن عياش. وأخرجه: الترمذي (١٤٩٨) من طريق شريك. وأخرجه: النَّسائيُّ ٧/ ٢١٧ وفي " الكبرى "، له (٤٤٦٥) ط. العلمية و (٤٤٤٩) ط. الرسالة، والطحاوي في " شرح المعاني " ٤/ ١٦٩ وفي ط. العلمية (٦٠٥٥)، والخطيب في " تلخيص المتشابه " (٩٠١) من طريق زياد بن خيثمة. وأخرجه: النَّسائيُّ ٧/ ٢١٦ وفي " الكبرى "، له (٤٤٦٢) ط. العلمية و (٤٤٤٦) ط. الرسالة من طريق زكريا بن أبي زائدة. سبعتهم: (زهير، وإسرائيل، وعلي، وأبو بكر، وشريك، وزياد، وزكريا) عن أبي إسحاق، عن شريح بن النعمان (٢)، به. وقد جاء في رواية إسرائيل من الزيادة، قال أبو إسحاق: «المقابلة: ما قطع طرف إذنها، والمدابرة: ما قطع من جانب الأذن، والشرقاء: المشقوقة، والخرقاء: المثقوبة».

стр. 224

وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تصحيح هذه الرواية، فقال الترمذي عقب الحديث: «هذا حديث حسن صحيح». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح أسانيده كلها ولم يخرجاه؛ وأظنه لزيادة ذكرها قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق على أنَّهما لم يحتجا بقيس». فمتابعة هؤلاء الرواة بعضهم لبعض مما يقوي هذا الحديث، إلا أنَّ العبرة فيمن بعدهم، فالملحوظ: أنَّ أبا إسحاق لم يصرحْ ولا بطريق من هذه الطرق بسماعه من شيخه، وكما هو معروف فإنَّه مشهورٌ بالتدليس. وقد جاء في غير الطرق التي قدمناها أنَّ أبا إسحاق لم يسمع هذا الحديث من شريح. فقد أخرجه: البخاريُّ في " التاريخ الكبير " ٤/ ١٩٤ (٢٦١٤) من طريق أبي وكيع. وأخرجه: ابن أبي حاتم في " العلل " (١٦٠٦) عن أبيه أنَّه قال: رأيتُ في كتاب عمر بن علي بن أبي بكر الكندي، عن أبيه، عن الجراح بن الضحاك الكندي. وأخرجه: الدارقطني في " المؤتلف والمختلف ": ١٢٧٩، والحاكم ٤/ ٢٢٤، وابن حزم في " المحلى " ٨/ ٩ من طريق قيس بن الربيع. ثلاثتهم: (أبو وكيع الجراح بن مليح، والجراح بن الضحاك، وقيس بن الربيع) عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أشوع، عن شريح بن النعمان، عن عليٍّ، به. فزاد هؤلاء في الإسناد: «سعيد بن أشوع» ومما يؤكد أنَّ الإسناد هكذا هو المحفوظ، ما جاء في رواية قيس بن الربيع أنَّه قال: «قلت لأبي إسحاق: سمعته من شريح؟ قال: حدثني به ابن أشوع عنه»، فهذا أبو إسحاق قد صرّح بالسماع في هذه الرواية فترجحت على الرواية المتقدمة. وقد ذهب أهل العلم إلى ترجيح رواية ابن أشوع، فقال أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في " العلل " (١٦٠٦): «وهذا أشبه»، وقال الدارقطني في "العلل " ٣/ ٢٣٨ عقب (٣٨٠): «ولم يسمعْ هذا الحديث أبو إسحاق من شريح»، وقال

стр. 225

المزي في " تهذيب الكمال " ٣/ ٣٨١ (٢٧١٣): «وقيل: إنَّ أبا إسحاق لم يسمع منه إنَّما سمع من ابن أشوع عنه». قلت: والناظر في كلام الحاكم سيجد أنَّ صاحبي الصحيحين عزفا عن تخريجه لعنعنة أبي إسحاق. وأنَّ إسناده منقطع، والصواب ذكر ابن أشوع فيه، وابن أشوع ثقة (١)، وعلى هذا فيكون الإسناد الثاني متصلاً، إلا أنَّ الحديث معلول بغير هذا بعلتين: الأولى: أنَّ أبا إسحاق قد خالف من هو أوثق منه. فقد أخرجه: الدارقطني في " العلل " ٣/ ٢٣٩ (٣٨٠) وفي " المؤتلف والمختلف"، له: ١٢٧٨ - ١٢٧٩ من طريق سفيان، قال: حدثني ابن أشوع، عن شريح بن النعمان، قال: كنتُ عند عليٍّ فسأله رجل عن الأضحية، فقال: لا مدابرة، ولا مقابلة، ولا شرقاء، سليمة العينِ والأذنِ. ووجه المخالفة أنَّ سفيان رواه موقوفاً على عليٍّ ﵁، في حين أنَّ أبا إسحاق رفعه، كما ذهب بعض الأئمة إلى ترجيح الموقوف، فقد قال البخاري في "التاريخ الكبير" ٤/ ١٩٤ (٢٦١٤): «لم يثبت رفعه»، وقال الدارقطني في " العلل " ٣/ ٢٣٩ قبيل (٣٨١): «ويشبه أنْ يكون القول قول الثوري، والله أعلم». وأما العلة الثانية: فهي حال شريح، فقد قال عنه ابن سعد في "الطبقات" ٦/ ٢٤٥: «وكان قليل الحديث»، وقال ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٤/ ٣٠٧ (١٤٦٠): «سألت أبي: عن شريح بن النعمان الصائدي وهبيرة بن يريم، قال: ما أقربهما، قلت: يحتج بحديثهما؟ قال: لا، هما شبيهان بالمجهولين»، وذكره ابن حبان في " الثقات" ٤/ ٣٥٣، وقال ابن حجر في "تهذيب التهذيب " ٤/ ٣٠١: «روى له الأربعة حديثاً واحداً في الأضحية»،

стр. 226

وقال الذهبي في " الكاشف " (٢٢٦٨): «وثّق» (١) وقال في " المغني "، له (٢٧٥٩): «قويُّ الأمر»، وذكره ابن شاهين في " تاريخ أسماء الثقات " (٥٣٤) وقال: «كان رجل صدق» (٢). وبعد هذه الترجمة يتبين أنَّه لم يُؤْثَر توثيقهُ عن أحد من الأعلام سوى ما ذكره ابن حبان في " ثقاته "، وهذا لا يعوّل عليه، وأما بقية أقوال أهل العلم فإنَّها متأرجحة بين مضعِّف كما هو عند أبي حاتم، وموثِّق كما عند ابن حبان والذهبي، ولا شك في رجحان المجرِّح على اعتبار أنَّه جرح مفسَّر، فسره أبو حاتم، والقاعدة تقول: «الجرح المفسَّر مقدمٌ على التعديل». بانَ الآن ضعف هذا الطريق. وانظر: " تحفة الأشراف " ٧/ ٤٧ (١٠١٢٥)، " وإتحاف المهرة " ١١/ ٤١٧ (١٤٣٢٩)، " وأطراف المسند " ٤/ ٤١٨ (٦٢٦٣). وقد روي هذا الحديث عن أبي إسحاق بإسناد آخر. فأخرجه: عبد الله بن أحمد في " زياداته " على " مسند أبيه " ١/ ١٣٢، والطبراني في " الأوسط " (٧٩٧٣) كلتا الطبعتين من طريق محمد بن بكار، عن أبي وكيع الجراح بن مليح، عن أبي إسحاق الهمداني، عن هبيرة بن يريم، عن عليِّ بن أبي طالب، قال: أَمرنا رسولُ اللهِ ﷺ أنْ نستشرفَ العينَ والأذنَ فصاعداً. قال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن أبي إسحاق، عن هبيرة إلا أبو وكيع، تفرد به: محمد بن بكار. ورواه الناس: عن أبي إسحاق، عن شريح ابن النعمان». وهذا الإسناد فيه ما فيه فإنَّه طريق الجراح، والذي وافقه فيه الجراح بن الضحاك وقيس بن الربيع، ونظرة فاحصة للإسنادين تبين أنَّ محمد بن بكار جعله عن أبي إسحاق، عن هبيرة، والصواب: أبو إسحاق، عن سعيد بن أشوع، كما مر في الطرق المتقدمة.

стр. 227

وانظر: " إتحاف المهرة " ١١/ ٦٥٣ (١٤٨٠٧)، و" أطراف المسند " ٤/ ٤٨٦ (٦٤٢٤). وقد روي هذا الحديث عن عليٍّ ﵁ من غير هذا الطريق. فأخرجه: الطيالسي (١٦٠)، وعبد الرزاق (١٣٤٣٧)، وأحمد ١/ ٩٥ و ١٠٥ و ١٢٥ و ١٥٢، والدارمي (١٩٥١)، وابن ماجه (٣١٤٣)، والترمذي (١٥٠٣)، والبزار (٧٥٣) و (٧٥٤)، والنسائي ٧/ ٢١٧ وفي "الكبرى "، له (٤٤٦٦) ط. العلمية و (٤٤٥٠) ط. الرسالة، وابن خزيمة (٢٩١٤) و (٢٩١٥) بتحقيقي، وأبو يعلى (٦١٥) و (٣٣٣)، والطحاوي في " شرح المعاني " ٤/ ١٦٩ وفي ط. العلمية (٦٠٥٩) و (٦٠٦٠)، وابن حبان (٥٩٢٠)، والطبراني في " الأوسط " (٩٣٩١) كلتا الطبعتين، والحاكم ١/ ٤٦٨ و ٤/ ٢٢٤ - ٢٢٥ و ٢٢٥، والبيهقي ٩/ ٢٧٥، والخطيب في " تاريخ بغداد " ٩/ ٣ وفي ط. الغرب ١٠/ ١٣٢ من طرق عن سلمة بن كُهيل، عن حجيَّة - وهو ابن عدي - قال: سألَ رجلٌ علياً عن البقرةِ، فقالَ: عنْ سبعةٍ، فقالَ: مكسورةُ القرنِ؟ فقال: لا يضركَ، قال: العرجاءُ؟ قالَ: إذا بلغتَ المنسكَ فاذبحْ، أمرنا رسولُ الله ﷺ أنْ نستشرف العينَ والأذنَ (١). وهذا إسناد لين؛ من أجل حُجيَّة بن عديٍّ، فقد قال عنه أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في "الجرح والتعديل" ٣/ ٣١١ (١٤٠٠): «شيخ لا يحتجّ بحديثه، شبيه بالمجهول، شبيهاً بشريح بن النعمان الصائدي، وهبيرة بن يريم»، فتعقّبه الذهبيُّ في " الميزان " ١/ ٤٦٦ (١٧٥٩) فقال: «روى عنه الحكم وسلمة بن كهيل وأبو إسحاق، وهو صدوقٌ إنْ شاء الله، قد قال فيه العجلي: ثقة (٢)»، وقال عنه ابن سعد في " الطبقات " ٦/ ٢٤٦: «وكان معروفاً وليس بذاك» (٣). قلت: وقعتْ في أسانيد هذا الحديث أُطروفةٌ، فإنَّ أبا حاتم رمى شريح

стр. 228

ابن النعمان، وحجية بن عدي وهبيرة بن يريم بالجهالة، فإذا الثلاثة يجتمعون ليرووا حديثاً واحداً. والعجب أنَّ أبا حاتم نوقش في الرواة الثلاثة. قلت: فبضرب هذه الروايات بعضها ببعض يتبين أنَّ رواية أبي إسحاق فيها إدراج فقوله: «أنْ نستشرفَ العين» هو الجزء المرفوع منه، وأما بقية الحديث فإنَّه موقوفٌ على عليٍّ، والله أعلم. وانظر: " تحفة الأشراف " ٧/ ٢١ (١٠٠٦٤)، و " إتحاف المهرة " ١١/ ٣٣٥ (١٤١٤٥)، و " أطراف المسند " ٤/ ٣٩٥ (٦١٩٧). ومما أُعل بتدليس الإسناد، مع أمور شائكة في إسناده. حَدِيْث همام بن يحيى (١)، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا دخلَ الخلاءَ وضعَ خاتمه». رَوَاهُ أبو داود (٢)، وابن ماجه (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥)، وابن حبان (٦)، والحاكم (٧)، والبيهقي (٨). وقد اختلفت أحكام أهل العلم في هذا الحديث فقَالَ أبو داود عقب الْحَدِيْث: «هَذَا حَدِيْث منكر، وإنَّما يعرف عن

стр. 229

ابن جريج، عن زياد بن سعد (١)، عن الزهري، عن أنس، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتخذ خاتماً من وَرِقٍ ثُمَّ ألقاه، والوهم فِيْهِ من همام، وَلَمْ يروه إلا همام» (٢). وقَالَ النسائي عقب تخريجه: «هَذَا حَدِيْث غَيْر محفوظ» (٣)، في حين قال أبو الطيب: «قال موسى بن هارون: لا أدفع أنْ يكونا حديثين، ومال ابن حبان إليه فصححهما معاً، ويشهد له أنَّ ابن سعد أخرج بهذا السند: أنَّ أنساً نقش في خاتمه محمد رسول الله، فكان إذا أراد الخلاء وضعه، لا سيما وهمام لم ينفرد بل تابعه عليه يحيى بن المتوكل، عن ابن جريج» (٤). أقول: الاستدلال بالموقوفات والمقاطيع لتقوية المرفوعات ليس من صنيع أهل الحديث بل إنَّ الموقوف يكون علة للمرفوع. وناقش الحافظ أحكام المصححين والمضعفين بما لا مزيد عليه فقال: «وقد نوزع أبو داود في حكمه عليه بالنكارة مع أنَّ رجاله من رجال الصحيح، والجواب: إنَّ أبا داود حكم عليه بكونه منكراً؛ لأنَّ هماماً تفرد به عن ابن جريج، وهما وإنْ كانا من رجال الصحيح، فإن الشيخين لم يخرجا من رواية همام، عن ابن جريج شيئاً؛ لأنَّ أخذه عنه كان لما كان ابن جريج بالبصرة، والذين سمعوا من ابن جريج بالبصرة في حديثهم خلل من قبله، والخلل في هذا الحديث من جهة أنَّ ابن جريج دلسه عن الزهري، بإسقاط الواسطة، وهو زياد بن سعد، ووهم همام في لفظه على ما جزم به أبو داود وغيره، وهذا وجه حكمه عليه بكونه منكراً، وحكم النسائي عليه بكونه غير محفوظ أصوب فإنَّه شاذ في الحقيقة (٥) ..

стр. 230

على أنَّ للنظر مجالاً في تصحيح حديث همام؛ لأنَّه مبنيٌ على أنَّ أصله حديث الزهري، عن أنس في اتخاذ الخاتم، ولا مانع أنْ يكون هذا متنٌ آخر غير ذلك المتن، وقد مال ابن حبان فصححهما جميعاً، ولا علة له عندي إلا تدليس ابن جريج، فإنْ وجد عنه التصريح بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته في نقدي، والله أعلم» (١). أقول: الحديث الَّذِيْ عناه أبو داود أخرجه: أحمد (٢)، ومسلم (٣)، وأبو عوانة (٤)، وابن حبان (٥)، وأبو الشيخ (٦) من طريق ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس بألفاظ مختلفة والمعنى واحد: «أنَّه أبصر في يد رَسُوْل الله ﷺ خاتماً من وَرِق يوماً واحداً، فصنع الناس خواتيمهم من وَرِق. قَالَ: فطرحَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ خاتمهُ، فطرحَ الناسُ خواتيمهم». وقد يقول قائل: إنَّ نسبة الوهم فِيْهِ إلى همام فيها نظر، ووجهة النظر فيه: إنَّ توهيم همام في متن الْحَدِيْث وإسناده إنما يتجه فِيْمَا لَوْ صحت دعوى تفرده ومخالفته متناً وإسناداً، ولكننا نجد أنَّ هماماً متابع عَلَيْهِ متناً وإسناداً، فَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِم (٧) - ومن طريقه البيهقي (٨) - وأخرجه البغوي (٩) من طريق

стр. 231

يحيى بن المتوكل البصري (١)، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، بِهِ مرفوعاً. فنقول: أما يحيى بن المتوكل، فقد ذكره البخاري في " التاريخ الكبير " ٨/ ١٨٧ (٣١٠٨)، وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٩/ ٢٣٤ (٧٨٩) ولم يذكراه بجرح ولا تعديل، ويكنى أبا بكر، وذكره ابن حبان وقال: «كان راوياً لابن جريج .. كان يخطئ» (٢)، قَالَ العراقي: «ولا يقدح فِيْهِ قَوْل ابن معين: لا أعرفه، فَقَدْ عرفه غيره، وروى عَنْهُ نحو من عشرين نفساً» (٣). فمن هَذَا يظهر أنَّ حال يحيى يصلح للمتابعة والاعتضاد، ولاسيما قَدْ نص العلماء عَلَى عدم اشتراط أعلى مراتب الثقة في المُتابِع (٤). أما قَوْل ابن معين: «لا أعرفه»، فأراد بِهِ غَيْر المتبادر إلى الذهن وَهُوَ جهالة العين، فَقَدْ

стр. 232

عنى جهالة الحال (١) ولذا قَالَ العراقي - كَمَا نقلناه آنفاً -: «قَدْ عرفه غيره». وبهذا تظهر صحة متابعة يحيى بن المتوكل لهمام، غير أنَّ أهل العلم ضعفوا هذه المتابعة، إذ قال البيهقي عقبه: «وهذا شاهد ضعيف والله أعلم» وقال الحافظ ابن حجر: «وأما متابعة يحيى بن المتوكل له، عن ابن جريج، فقد تفيد، لكن قول يحيى بن معين: لا أعرفه أراد جهالة عدالته لا جهالة عينه فلا يعترض عليه بكونه روى عنه جماعة فإنَّ مجرد روايتهم عنه لا تستلزم معرفة حاله، وأما ذكر ابن حبان له في " الثقات "، فإنَّه قال فيه مع ذلك: كان يخطئ، وذلك مما يتوقف به عن قبول أفراده» (٢). ويبدو أنَّ الخطأ في هَذَا الْحَدِيْث من ابن جريج، ولاسيما أنَّ ابن المتوكل وهماماً بصريان (٣)، وَقَدْ نص العلماء عَلَى أنَّ رِوَايَة البصريين عن ابن جريج فِيْهَا خلل من جهة ابن جريج لا من جهة أهل البصرة (٤). وبيانه: أنَّ ابن جريج دلّس للبصريين الوساطة بينه وبين الزهري، وَهُوَ زياد بن سعد، وصرّح بِهِ لغيرهم. كَمَا أنَّه - وعند تحديثه لأهل البصرة - لَمْ يَكُنْ متقناً لحفظ الْمَتْن فأخطأ فِيْهِ. فانحصر الخطأ في تدليس ابن جريج، ولهذا نجد الحافظ ابن حجر يقول: «ولا علة لَهُ عندي إلا تدليس ابن جريج، فإن وجد عَنْهُ التصريح بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته في نقدي» (٥). غير أنَّ قول الحافظ يعترض عليه بأنَّه أجاب عن الوهم في السند ولم يبين ما في المتن من خلل. وقد تكلم بعض أهل العلم في رواية ابن جريج، عن الزهري، فقَالَ ابن معين: «ليس بشيء في الزهري» (٦). ونقل ابن محرز عن ابن معين أنَّه قَالَ:

стр. 233

«كَانَ يحيى بن سعيد لا يوثقه في الزهري» (١). وقد بين الأئمة سبب هذا الضعف، فَقَالَ أبو زرعة الرازي: «أخبرني بعض أصحابنا، عن قريش بن أنس (٢)، عن ابن جريج، قَالَ: ما سَمِعْتُ من الزهري شيئاً، إنما أعطاني الزهري جزءاً فكتبته وأجازه» (٣). وَقَالَ يحيى بن سعيد القطان: «كَانَ ابن جريج لا يصحح أنه سَمِعَ من الزهري شَيْئاً. قَالَ - يعني: الفلاس (٤) - فجهدت بِهِ في حَدِيْث «إن ناساً من اليهود غزوا مع رَسُوْل الله ﷺ فأسهم لَهُمْ»، فَلَمْ يصحح أنه سَمِعَ من الزهري» (٥). فإن كان هذا هو سبب تضعيف رواية ابن جريج عن الزهري فسوف يكون هذا القول مرجوحاً؛ لأنَّ هذا الذي ذكره ابن جريج، يكون تحمله عنه إجازة، وهي إحدى صيغ التحمل الجيدة. وإنْ كان غير ذلك فيحيى بن معين أدرى بما يقول، على أنَّ الجماعة قد أخرجوا له عن الزهري. وقد روي الحديث من طرق عن أنس أعني من غير طريق الزهري. فرَوَاهُ ثابت عن أنس بن مالك: أنَّ النَّبِيّ ﷺ صنع خاتماً من وَرِق، فنقش فِيْهِ: مُحَمَّد رَسُوْل الله، ثُمَّ قَالَ: «لا تنقشوا عَلَيْهِ». الْحَدِيْث أخرجه: معمر (٦)، وأحمد (٧)، والترمذي (٨)، وأبو الشيخ (٩)،

стр. 234

والبيهقي (١)، والبغوي (٢). ورواه عَبْد العزيز بن صهيب (٣)، عن أنس بن مالك: أن رَسُوْل الله ﷺ اتخذ خاتماً من فضة، ونقش فِيْهِ: مُحَمَّد رَسُوْل الله، وَقَالَ: «إنِّي اتَّخذْتُ خاتماً مِنْ وَرِق وَنَقَشْتُ فِيْهِ: مُحَمَّد رَسُوْل الله، فلا يَنْقُشَنَّ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِهِ». أخرجه: ابن سعد (٤)، وابن أبي شيبة (٥)، وأحمد (٦)، والبخاري (٧)، ومسلم (٨)، وابن ماجه (٩)، والنسائي (١٠)، وأبو يعلى (١١)، وأبو

стр. 235

عوانة (١)، وابن حبان (٢)، وأبو الشيخ (٣)، وأبو نعيم (٤)، والبيهقي (٥). ورواه قتادة عن أنس بن مالك، قَالَ: «لما أراد النَّبِيُّ ﷺ أنْ يكتبَ إلى الرومِ، قِيْلَ لَهُ: إنَّهم لنْ يقرؤا كتابكَ إذا لَمْ يَكُنْ مختوماً، فاتخذَ خاتماً منْ فضةٍ ونقشَهُ: مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ، فكأنّما أنظر إلى بياضه في يده». الْحَدِيْث أخرجه: ابن سعد (٦)، وابن الجعد (٧)، وأحمد (٨)، والبخاري (٩)، ومسلم (١٠)، وأبو داود (١١)، والترمذي (١٢)،

стр. 236

والنسائي (١)، وأبو يعلى (٢)، وأبو عوانة (٣)، والطحاوي (٤)، وابن حبان (٥)، والطبراني (٦)، وأبو الشيخ (٧)، والبيهقي (٨)، والبغوي (٩). ورواه ثمامة (١٠) بن عَبْد الله، عن أنس بن مالك: «أنَّ أبا بكر (١١) ﵁ لما

стр. 237

استخلف بعثه إلى البحرين وكتب لَهُ هَذَا الكتاب وختمه بخاتم النَّبِيّ ﷺ ، وَكَانَ نقش الخاتم ثلاثة أسطر: مُحَمَّد سطر، ورسول سطر، والله سطر». أخرجه: ابن سعد (١)، والبخاري (٢)، والترمذي (٣)، والطحاوي (٤)، وابن حبان (٥)، وأبو الشيخ (٦)، والبيهقي (٧)، والبغوي (٨). ورواه حميد (٩) الطويل، عن أنس بن مالك: «أنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ خاتمه من فضة وَكَانَ فصه مِنْهُ». أخرجه: ابن سعد (١٠)، والحميدي (١١)، وأحمد (١٢)، والبخاري (١٣)،

стр. 238

وأبو داود (١)، والترمذي (٢)، والنسائي (٣)، وأبو يعلى (٤)، وابن حبان (٥)، وأبو الشَّيْخ (٦)، والبغوي (٧)، والبيهقي (٨). ورواه أبان بن أبي عياش، عن أنس بن مالك: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ اصطنعَ خاتماً كله منْ فضةٍ وَقَالَ: «لا يصنعُ أحدٌ عَلَى صفته». أخرجه: ابن سعد (٩). فكل هَذِهِ الروايات عن أنس ليس فِيْهَا: أنَّ رَسُوْل الله ﷺ طرح خاتم الوَرِق. أما رِوَايَة الزهري عن أنس، فإنَّ لها طرقاً أخرى غير ما تقدم، إِذْ رَوَاهُ إبراهيم (١٠) بن سعد (١١)،

стр. 239

وشعيب بن أبي حمزة (١)، ومحمد بن عَبْد الله (٢)، ثلاثتهم عن الزهري، عن أنس بن مالك: «أنَّه أبصرَ في يدِ رَسُوْل الله ﷺ خاتماً منْ وَرِق يوماً واحداً، قال: فصنعَ الناسُ الخواتم من وَرِق، فلبسوه، فطرح النَّبِيُّ ﷺ خاتمه، فطرح الناس خواتيمهم». وهذا لفظ رِوَايَة مُسْلِم. وخالفهم يونس، فرواه عن الزهري، عن أنس: «أنَّ رَسُوْل الله ﷺ اتخذَ خاتماً منْ وَرِق، وله فصٌ حبشيٌّ ونقشه: مُحَمَّد رَسُوْل الله». وجاء في بعض الروايات: كَانَ يجعل فصه مِمَّا يلي كفه. واختلف عَلَى يونس في رِوَايَة هَذَا الْحَدِيْث، فرواه عَبْد الله بن وهب (٣)، وعثمان (٤) بن عمر (٥)، عن يونس، عن الزهري، عن أنس بلفظ: «أنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ اتخذَ خاتماً منْ وَرِق لَهُ فصٌ حبشيٌّ ونقشه: مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ الله».

стр. 240

ورواه سليمان (١) بن بلال (٢)، وطلحة (٣) بن يحيى (٤)، عن يونس، عن الزهري، عن أنس: «أنَّ رَسُوْل الله ﷺ لبس خاتم فضة في يمينه، فِيْهِ فص حبشي، كَانَ يجعل فصه مِمَّا يلي كفه»، في حين تفرد الليث (٥)، عن يونس، عن الزهري، عن أنس، بنحو رِوَايَة إبراهيم بن سعد ومن تابعه. وَقَدْ جمع ابن حجر (٦) بعض أقوال العلماء في التوفيق بَيْنَ الروايتين: الأول: أنَّ رَسُوْل الله ﷺ اتخذ خاتماً من وَرِق عَلَى لون من الألوان، وكره أنْ يتخذ أحد مثله، فلما اتخذوا مثله رماه ثُمَّ بعد أنْ رموا خواتيمهم اتخذ خاتماً آخر ونقشه ليختم بِهِ، وهو قول الإسماعيلي (٧).

стр. 241

الثاني: أنه اتخذ الخاتم للزينة، فلما تبعه الناس عَلَى ذَلِكَ ألقاه وألقوا بَعْدَ ذَلِكَ خواتيمهم، فلما احتاج إلى ختم اتخذ خاتماً آخر. الثالث: أنَّه لما طرح خاتم الذهب اتخذ مكانه خاتم الفضة؛ لأنَّهُ لا يستغني عن الختم عَلَى كتبه، فيكون طرح الخاتم الَّذِي في رِوَايَة الزهري يقصد بِهِ خاتم الذهب، فَقَدْ جعله الموصوف -أي خاتم الذهب- في قوله: «فطرح خاتمه فطرحوا خواتيمهم» وَهُوَ قَوْل المهلب والنووي (١) والكرماني (٢)، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: «وهذا يشاع لَوْ جاء الكلام مجملاً»، وأشار إلى أنَّ رِوَايَة الزهري لا تحتمل هَذَا التأويل (٣). الثاني: تدليس الأسماء أو الشيوخ: وَهُوَ أن يأتي باسم شيخه أَوْ كنيته عَلَى خلاف المشهور بِهِ؛ تعمية لأمره وتوعيراً للوقوف عَلَى حاله (٤). وحكمه أخف من السابق، وفي هَذَا النوع تضييع للمروي عَنْهُ وللمروي وتوعير لطريق مَعْرِفَة حالهما. ثُمَّ إنَّ الحال في كراهيته يختلف بحسب الغرض الحامل عَلَيْهِ، إِذْ إنَّ من يدلس هَذَا التدليس قَدْ يحمله كون شيخه الَّذِيْ غيّر سمته غَيْر ثقة، أو أصغر من الرَّاوِي عَنْهُ، أو متأخر الوفاة قَدْ شاركه في السَّمَاع مِنْهُ جَمَاعَة دونه، أو كونه كثير الرِّوَايَة عَنْهُ فلا يحب تكرار شخص عَلَى صورة واحدة. وأبواب أسماء الرواة وكناهم وألقابهم في كتب مصطلح الحديث أحق بهذا النوع من التدليس؛ لأنَّه لا علاقة له بالاتصال والانقطاع.

стр. 242

وقد يدلس الراوي تدليس الشيوخ، فيموه اسم شيخه، ويعسر على الباحث معرفة شيخه المدلَّس، مثاله ما روى أبو إسحاق السَّبيعيُّ، عن المغيرة ابن عبد الله الجدلي، عن ابن عمر أنَّه قال: مَنْ قَرأَ في ليلةٍ عشرَ آياتٍ لمْ يُكتبْ من الغافلينَ. أخرجه: ابن أبي شيبة (٣٠٥٨٩)، والدارمي (٣٤٤٥) من طريق أبي إسحاق بهذا الإسناد. هذا الحديث اضطرب فيه أبو إسحاق، فرواه على ثلاثة أوجه أولها الطريق الذي قدمناه. والثاني: أخرجه: سعيد بن منصور (٢٤) (التفسير) من طريق أبي إسحاق، عن رجل، عن ابن عمر. والثالث: أخرجه: ابن الضريس في "فضائل القرآن" (٦٣) من طريقه، عمن سمع ابن عمر. ولقائل أنْ يقول: إنَّ المبهم الذي جاء في روايتيَ سعيد بن منصور وابن الضريس قد بَيَّنَتْهُ روايتا ابن أبي شيبة والدارمي، يعني: أنَّ المبهم هو المغيرة بن عبد الله الجدلي. فنقول عند ذلك: يعل الحديث بعلتين: الأولى: أنَّ أبا إسحاق مدلسٌ، ولم يصرحْ بالسماع. والثانية: أنَّ المغيرة لم أعثر له على ترجمة بنسب الجدلي، وقد تكون هذه الشخصية وليدة تدليس أبي إسحاق، قال الذهبي في " الموقظة ": ٥٠: « .. وقد يؤدي تدليس الأسماء إلى جهالة الراوي الثقة، فَيُرَدُّ خَبرُهُ الصحيح، فهذه مفسدة .. »، وقد يكون هو المغيرة بن عبد الله اليشكري؛ لأنَّ أبا إسحاق يروي عنه (١)، وحتى لو صح هذا الاحتمال، فإنَّ الحديث يبقى معلولاً بعنعنة أبي إسحاق.

стр. 243

وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه مرفوعاً. أخرجه: الحاكم ١/ ٥٥٥ - ٥٥٦ من طريق عبد الله بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عمر ﵁، عن رسول الله ﷺ ، قال: «مَنْ قرأ عشرَ آياتٍ في ليلةٍ لم يُكتبْ من الغافلينَ، ومَنْ قرأَ مئةَ آيةٍ كُتِبَ منَ القانتينَ». قال الذهبي في "التلخيص": «إسناده واهٍ» (١). قلت: ولعل سبب وهاء هذا السند عبد الله بن زياد بن سمعان مولى أم سلمة، فقد نقل ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٥/ ٧١ (٢٧٩) عن عبد الرحمان بن القاسم أنَّه قال: سألتُ مالكاً عن ابن سمعان، فقال: «كذابٌ»، ونقل عن أحمد أنَّه قال فيه: «متروك الحديث، وكان إبراهيم بن سعد يرميه بالكذب»، ونقل عن يحيى بن معين أنَّه قال فيه: «ضعيف الحديث ليس بشيء». وعلى حال عبد الله هذا، فإنَّه خالف موسى بن عقبة وهو أوثق منه. فقد أخرجه: الدارمي (٣٤٤٤) و (٣٤٤٩) من طريق موسى بن عقبة، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عمر موقوفاً، قال: مَنْ قَرأ في ليلةٍ بعشرِ آياتٍ لم يُكتبْ منَ الغافلين. إلا أنَّ هذا الإسناد فيه مقال، فإنَّ الراوي عن موسى بن عقبة عبد الله بن عبد الله بن أبي أويس، وقد تكلمَّ فيه، فقد نقل المزي في "تهذيب الكمال" ٤/ ١٨٠ (٣٣٤٨) عن علي بن المديني أنَّه قال فيه: «كان عند أصحابنا ضعيفاً»، ونقل عن عمرو بن علي أنَّه قال فيه: «فيه ضعف وهو عندهم من أهل الصدق»، ونقل عن يحيى بن معين قوله فيه: «ضعيف»، وعن يعقوب ابن شيبة قوله فيه: «صدوق، صالح الحديث، وإلى الضعف ما هو». ظهر الآن أنَّ الحديث لا يصح عن ابن عمر.

стр. 244

وروي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. فقد أخرجه: أبو داود (١٣٩٨)، وابن خزيمة (١) (١١٤٤) بتحقيقي، وابن حبان (٢٥٧٢)، وابن السُّني في "عمل اليوم والليلة" (٧٠٥) من طريق ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث: أنَّ أبا سوية حدَّثه: أنَّه سمع ابن حُجَيرةَ يُخبر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «مَنْ قامَ بعشرِ آياتٍ لم يُكتبْ منَ الغافلينَ، ومَنْ قامَ بمئةٍ كُتبَ منَ القانتينَ، ومَنْ قرأ بألفِ آيةٍ كتبَ منَ المقنطرينَ». قلت: وقد اختلف في كنية أبي سوية، فقال ابن خزيمة قبيل (١١٤٤): «إنْ صح الخبر، فإنِّي لا أعرفُ أبا سوية بعدالة ولا جرح» وكنّاه ابن حبان: «أبا سويد»، فقال عقب (٢٥٧٢): «أبو سويد اسمه حميد بن سويد من أهل مصر، وقد وهم من قال أبو سوية». قلت: أما قول ابن خزيمة: «فإنِّي لا أعرف أبا سوية بعدالةٍ ولا جرح»، فيجاب عنه بما قال ابن ماكولا في "الإكمال" ٤/ ٣٩٤: «كان فاضلاً» وبما قال ابن حجر في "التقريب" (٤٣٧٨): «صدوق». وأما قول ابن حبان: «أبو سويد اسمه حميد بن سويد»، فيجاب عنه بما قاله المزي في "تهذيب الكمال" ٣/ ٣٣١ قبيل (٢٦١٢): «أبو سوية واسمه عبيد بن سوية بن أبي سوية الأنصاري مولاهم»، وقال ابن حجر في "تهذيب التهذيب" ٧/ ٦١ بعدما نقل كلام ابن حبان: «كذا قال وقد أخرجه ابن خزيمة من هذا الوجه فقال: عن سوية (٢)، وكذا أخرجه: حميد بن زنجويه، عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، وهو الصواب». انظر: "تحفة الأشراف "٦/ ١٠٦ (٨٨٧٤)، "وإتحاف المهرة " ٩/ ٥٤٦ (١١٨٩٤)، و " المسند الجامع " ١١/ ٢٤١ (٨٦٥٩).

стр. 245

مثال آخر: قال عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج: أخبرني بعض (١) بني أبي رافع مولى النبي ﷺ عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵄، قال: طَلَّق عبدُ يزيد -أبو رُكانة وإخوته- أمَّ ركانة، ونكح امرأةً من مُزَيْنَةَ (٢)، فجاءت النبيَّ ﷺ ، فقالتْ: ما يغني عني إلا كما تُغني هذه الشعرةُ - لشعرةٍ أخَذَتْها منْ رأسِها- ففَرِّقْ بيني وبينه؛ فأخذتِ النبيَّ ﷺ حميةٌ، فدعا برُكانةَ وإخوتِهِ، ثم قال لجلسائِه: «أترونَ فلاناً يشبه منه كذا وكذا -من عبد يزيد- وفلاناً يشبه منه كذا وكذا؟» قالوا: نعمْ، قال النبي ﷺ لعبد يزيد: «طَلِّقْها» ففعلَ، قال: «رَاجعِ امرأتك أمَّ ركانةَ وإخوتِهِ» فقال: إني طلقتها ثلاثاً يا رسول الله، قال: «قد عَلمتُ، راجِعْها» وتلا: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾. أخرجه: عبد الرزاق (١١٣٣٤)، ومن طريقه أبو داود (٢١٩٦)، ومن طريق أبي داود البيهقي ٧/ ٣٣٩. أقول: هذا الإسناد إسناد تالف، من أجل تدليس ابن جريج وهو مع ثقته وجلالته يدلس تدليساً قبيحاً كما ذكره الدارقطني (٣)، وهذا الإسناد مما دلسه ابن جريج فأبهم الراوي لضعفه، ومعلوم لدى أهل الحديث أنَّ من أسباب التدليس ضعف الراوي، فيدلسه المدلس من أجل تحسين الحديث، وعلى الباحث قبل أن يحكم بقوة الحديث أو

стр. 246

ضعفه في مثل هذا الأمر أن يبحث في مظان (١) هذا الحديث؛ لأنه قد يجد هذا الراوي المدلس قد صرح بالسماع أو ذكر اسم من أبهمه، وبعد البحث وجدنا ابن جريج قد صرح باسم شيخه فقد أخرج: الحاكم ٢/ ٤٩١ من طريق ابن جريج، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، عن عكرمة … فمن خلال هذه الرواية تبين لنا شيخ ابن جريج وهو محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، وهو ضعيف جداً، قال البخاري: «منكر الحديث»، وقال يحيى ابن معين: «ليس حديثه بشيء»، وقال أبو حاتم: «منكر الحديث جداً ذاهب» (٢). وهذا الضرب من التدليس هو تدليس الشيوخ، والراوي يصنعه إما لتكثير شيوخه أو للتفنن بالعبارة، وإما تعمية لحال شيخه؛ لضعفه أو لجهالته (٣)، وإنما صنع ابن جريج هذا لشدة ضعف شيخه محمد بن عبيد الله، ومن هذا نفهم معنى كلام الدارقطني بأن ابن جريج يدلس تدليساً قبيحاً؛ إذ لا يدلس إلا عن مجروح. وللحديث طريق آخر لا يتقوى به، وهو ما أخرجه: أحمد ١/ ٢٦٥، وأبو يعلى (٢٥٠٠)، والبيهقي ٧/ ٣٣٩ من طريق داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس … الحديث. وهذا الإسناد ضعيف لا تقوم به حجة؛ لضعف داود بن الحصين خاصة في عكرمة، قال علي بن المديني: «ما رواه عن عكرمة فمنكر». قال أبو داود: «أحاديثه عن عكرمة مناكير» (٤).

стр. 247

بعد هذا العرض يتبين لنا أنَّ هذا الحديث ضعيف، وصاحب الإسناد الأول: محمد بن عبيد الله شديد الضعف، ليس ممن يصلح للمتابعة، والإسناد الآخر ضعيف؛ لضعف داود بن الحصين خاصة في عكرمة، وقد أبعد النجعة الشيخ الألباني ﵀ فحسن الحديث بهذين الطريقين، فقال في "الإرواء" (٢٠٦٣): «فلا أقل من أن يكون الحديث حسناً بمجموع الطريقين عن عكرمة». وقال في " صحيح سنن أبي داود " ٦/ ٤٠٠: «يتلخص منه أنَّ الحديث حسن على الأقل بمجموع الطريقين». أقول: هذا منهج غريب، فالمنكر لا يقوي منكراً. ونحن إنما سقناها لنبين تدليس ابن جريج فهو قبيح التدليس، كما ذكر الدارقطني؛ لأنه أبهم من حدثه بهذا الحديث، والإبهام من القضايا الدقيقة في علم الحديث؛ ولأن ابن جريج ثقة حافظ من أول من صنّف الحديث في البصرة؛ ولأن بعض الناس يتساهل في عنعنته لا سيما وأنه من رجال الكتب الستة، وللحديث طريق آخر وهو طريق عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده وهي رواية معلولة أيضاً فراجع إعلالها في حاشية ابن القيم على " سنن أبي داود " ٢/ ٢١٧ - ٢١٨ وهي مما تعل رواية ابن جريج التي بحثناها، والله أعلم. وانظر: "تحفة الأشراف" ٤/ ٦٣٧ (٦٢٨١)، و "إرواء الغليل" (٢٠٦٣). مثال آخر: قال ابن أبي حاتم: «وسمعت أبي، وذكر الحديث الذي رواه إسحاق ابن راهويه، عن بقية، قال: حدثني أبو وهب الأسدي، قال: حدثنا نافع، عن ابن عمر قال: لا تَحْمَدوا إسلامَ امرئٍ حَتى تَعرفوا عُقدةَ رأيهِ. قال أبي: هذا الحديث له علة قل من يفهمها. روى هذا الحديث عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ ، وعبيد الله بن عمرو كنيته: أبو وهب، وهو أسدي، فكأنَّ بقية بن الوليد كنى عبيد الله بن عمرو، ونسبه إلى بني أسد، لكيلا يفطن به، حتى إذا

стр. 248

ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يهتدي له، وكان بقية من أفعل الناس لهذا. وأما ما قال إسحاق في روايته عن بقية، عن أبي وهب: حدثنا نافع؛ فهو وهم، غير أنَّ وجهه عندي: أنَّ إسحاق لعله حفظ عن بقية هذا الحديث، ولما يفطن لما عمل بقية من تركه إسحاق من الوسط، وتكنيته عبيد الله بن عمرو، فلم يفتقد لفظة بقية في قوله: حدثنا نافع، أو عن نافع» (١). الثالث: تدليس التسوية: وصورة هذا القسم من التدليس أنْ يجيء المدلس إلى حديث سمعه من شيخ ثقة، وقد سمعه ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف، وذلك الشيخ الضعيف يرويه عن شيخ ثقة فيعمد المدلس الذي سمع الحديث من الثقة الأول فيسقط منه شيخ شيخه الضعيف، ويجعله الثقة عن الثقة الثاني بلفظ محتمل كالعنعنة. وممن اشتهر بهذا النوع: الوليد بن مُسْلِم (٢)، ومبارك بن فضالة (٣)، وبقية بن الوليد (٤)، وصفوان بن صالح بن صفوان (٥). ويشترط فِيْهِ التحديث والإخبار من المدلِّس إلى آخره (٦). وهذا النوع من التدليس قَدْ سماه القدماء تجويداً. أي يذكر فيه الجياد من أهل الإسناد، أو أنَّه جعل ظاهر الإسناد جيداً بهذا الصنع القبيح، أو لأنَّ المدلس يُبقي جيد رواته. وسماه صاحب ظفر الأماني (٧) بـ: " التحسين " أي أنَّ المدلس يحسن ظاهر الإسناد (٨).

стр. 249

وسمي هذا النوع من التدليس تسوية؛ لأنَّ فاعله يسقط المجروح من الإسناد من بعد شيخه ليستوي حال رجاله في الثقة. قال العلائي عن هذا النوع: «وهو مذموم جداً من وجوه كثيرة منها: أنَّه غش وتغطية لحال الحديث الضعيف، وتلبيس على من أراد الاحتجاج به. ومنها: أنَّه يروي عن شيخه ما لم يتحمله عنه؛ لأنَّه لم يسمع منه الحديث إلا بتوسط الضعيف، ولم يروه شيخه بدونه. ومنها: أنَّه يصرف على شيخه بتدليس لم يأذن له فيه وربما ألحق بشيخه وصمة التدليس إذا اطلع عليه أنَّه رواه عن الواسطة الضعيف ثم يوجد ساقط في هذه الرواية فيظن أنَّ شيخه الذي أسقطه ودلس الحديث وليس كذلك» (١). وقد يروي من اشتهر بتدليس التسوية حديثاً، ويحكم الأئمة عليه بالوضع، فيحمل على أنه ربما دلس كذاباً هو آفة ذلك الحديث، مثاله: حَدِيْث هشام بن خالد (٢)، عن بقية بن الوليد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عَبَّاسٍ (٣) قَالَ: قَالَ رَسُوْل الله ﷺ : «إذا جامَعَ أَحَدُكم زَوجَتَهُ أَو جارِيَتَهُ، فلا يَنْظُرْ إلى فَرْجِها، فَإِنّ ذَلِكَ يُوْرِثُ العَمَى». رَوَاهُ من هَذِهِ الطريق ابن أبي حاتم (٤)، وابن حبان (٥)، وابن عدي (٦)،

стр. 250

و البيهقي (١)، وابن عساكر (٢) (٣). والحديث هَذَا أورده ابن الجوزي في " الموضوعات " (٤)، وَقَالَ أبو حاتم - بَعْدَ أنْ أورده مع حديثين آخرين -: «هَذِهِ الثلاثة الأحاديث موضوعة لا أصل لها، وَكَانَ بقية يدلس، فظنوا هؤلاء أنَّه يقول في كُلّ حَدِيْث: «حَدَّثَنَا» ولا يفتقدوا (٥) الخبر مِنْهُ» (٦). وَقَالَ ابن حبان: «يشبه أن يَكُوْن بقية سمعه من إنسان ضعيف عن ابن جريج، فدلس عَنْهُ، فالتزق كُلّ ذَلِكَ بِهِ» (٧). وَقَالَ ابن عدي بَعْدَ روايته: «حدثناه بهذا الإسناد ثلاثة أحاديث أخر مناكير، وهذه الأحاديث يشبه أن تكون بَيْنَ بقية وابن جريج بعض المجهولين أو بعض الضعفاء؛ لأنَّ بقية كثيراً ما يدخل بَيْنَ نفسه وبين ابن جريج بعض الضعفاء أو بعض المجهولين» (٨). فمن هَذَا كله يتضح أنَّ بقية قَدْ دلسه عن بعض الواهين، أو لربما دلّس مشيخة
следующие страницы →