← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1526

الجامع في العلل والفوائد

ماهر الفحل

Полный текст (2 498 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

رَكعةً مِنَ الجمعةِ وَغيرِها، فَقَدْ أَدرَكَ الصلاةَ». فسمعت أبي يقول: هَذَا خطأ إنما هُوَ الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيْرَة، عن النَّبِيّ ﷺ » (١). وَقَالَ الحافظ ابن حجر: «إن سَلِمَ من وهم بقية، ففيه تدليسه التسوية؛ لأنَّه عنعن لشيخه» (٢). وَقَالَ ابن أبي حاتم أَيْضاً: «سألت أبي عن حَدِيْث رَوَاهُ بقية، عن يونس، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكعةً مِن صلاةِ الجمعةِ وَغَيرِها، فَقَدْ أَدْرَكَ». قَالَ أبي: هَذَا خطأ الْمَتْن والإسناد إنما هُوَ: الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيْرَة، عن النَّبِيّ ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ صلاةٍ رَكعةً، فَقَدْ أَدْرَكَها»، وأما قوله: «مِنْ صَلاةِ الجمعةِ» فليس هَذَا في الْحَدِيْث، فوهم في كليهما» (٣). ولعل قائلاً يقول: هذا الطريق لا يُرى فيه تدليس بقية، وقد جعلتموه مثالاً للتدليس؟ فأقول: هذا المثال الذي ذكرته غايتي الكبرى فيه أنْ أنبه طلبة العلم على خطر التسارع في إصدار الأحكام، فقد يأتي متعجل فيحكم بضعف الحديث لعنعنة بقية، ولا يتنبه على علته الكبرى فيه، والمتمثلة بمخالفته لمن هم أكثر منه عدداً، وأتقن حفظاً، وذلك في سند الحديث ومتنه. وأما عن تدليس بقية فقد أشار لذلك الحافظ. فإشارة الحافظ مع ما جاء من بيان في حديث: «لا تَحمدوا إسلامَ امرئٍ» أغنى بذلك عن الاستزادة، ومما يجب التنبه عليه أنَّ الباحث قد يجد علة في حديث ما في مبدأ بحثه في طرق الحديث، فعليه الحذر غاية الحذر من وجود علة أخرى في الحديث، وذلك أنَّ الراوي إذا لم يضبط سند الحديث فقد يجره سوء حفظه إلى الوقوع في مطب الوهم في المتن كما في حديث بقية، والله الموفق.

стр. 282

الرابع: تدليس العطف: وَهُوَ أن يقول الرَّاوِي: حَدَّثَنَا فُلَان وفلان، وَهُوَ لَمْ يَسْمَع من الثاني (١). الخامس: تدليس القطع: وَهُوَ أن يقول الرَّاوِي: (حَدَّثَنَا أَوْ سَمِعْتُ)، ثُمَّ يسكت برهة، ثُمَّ يقول: (هشام بن عروة أو الأعمش) موهماً أنه سَمِعَ منهما، وليس كذلك (٢). السادس: تدليس حذف الصيغ: وَهُوَ أن يحذف الصيغة ويقتصر عَلَى قوله مثلاً: (الزهري عَنْ أنس) (٣). السابع: تدليس صيغ الأداء أو صورة التحمل: وَهُوَ ما يقع من الْمُحَدِّثِيْنَ من التعبير بالتحديث أَو الإخبار عَن الإجازة موهماً للسماع، وَلَمْ يَكُنْ تحمله لِذَلِكَ المروي عَنْ طريق السَّمَاع (٤). ومن العلماء من لم يرض بتسمية هذا الصنيع تدليساً، وفيه نوع آخر وهو: أنْ يقول الراوي أشهد على فلان أنَّه قال كذا، وهي منحطة عن رتبة حدثنا أو أخبرنا لاحتمال الواسطة .. (٥). الثامن: تدليس المتابعة: أضافه شيخنا العلاّمة المحدّث عبد الله السعد، وهو أن يجمع الراوي عدة شيوخ في إسناد واحد، تكون ألفاظهم مختلفة، ولا يبين ذلك، ومثل هذا إنْ كان من غير إمام كبير لا يقبل، بل هو علة، وقد قَبِلَ المحدّثون جمع

стр. 283

الزهري شيوخه في حديث الإفك؛ لإمامته وجلالته، ولم يقبل مثل هذا ممن دونه (١). وهذه الأنواع ليست كلها مشتهرة، إنَّما المشتهر مِنْهَا والشائع الأول والثاني وعند الإطلاق يراد الأول. وهذا القسم هُوَ الَّذِيْ لَهُ أثر في الاختلافات الحديثية متوناً وأسانيد، إِذْ قَدْ يكشف خلال البحث ولا سيما بَعْدَ التنقير والتفتيش عَنْ سقوط رجل من الإسناد، وربما كَانَ هَذَا الساقط ضعيفاً أَوْ في حفظه شيءٌ، أو لَمْ يضبط حديثه هَذَا. ومن بدائه علم الْحَدِيْث أنَّ حَدِيْث الثقة ليس كله صحيحاً، كَمَا أنّ حَدِيْث الضعيف ليس كله ضعيفاً، ومعرفة كلا النوعين من أحاديث الفريقين ليس بالأمر اليسير، إنما يطّلع عَلَى ذَلِكَ الأئمة النقاد الغواصون في أعماق ما يكمن في الروايات من صحة أو خطأ. وما دمت قد مهدت عن التدليس وأنواعه، فلا بد أنْ أذكر أموراً أخرى تتعلق بالتدليس، وهي: أولاً: حكم التدليس، وحكم من عُرف بِهِ: مضى بنا في تعريف التدليس لغة أنّ مجموع معانيه تؤول إلى إخفاء العيب، وليس من معانيه الكذب، ومع ذَلِكَ فَقَد اختلف العلماء في حكمه، وحكم أهله. فَقَدْ ورد عن بعضهم - ومنهم شعبة - التشديد فِيْهِ، فروي عَنْهُ أنَّه قَالَ: «التدليس أخو الكذب» (٢)، وَقَالَ أَيْضاً: «لأنْ أزني أحب إليّ من أن أدلس» (٣) بل روي عن حماد بن زيد أنَّه قال: «التدليس كذب» (٤).

стр. 284

ومنهم من سهّل أمره وتسمّح فِيْهِ كثيراً، قَالَ أبو بكر البزار: «التدليس ليس بكذب، وإنَّما هُوَ تحسين لظاهر الإسناد» (١). وَالصَّحِيْح الَّذِيْ عليه الجمهور أنَّه ليس بكذب يصح به القدح في عدالة الرَّاوِي حَتَّى نرد جميع حديثه، وإنَّما هُوَ ضَرْبٌ من الإيهام، وعلى هَذَا نصّ الشَّافِعِيّ ﵀ فَقَالَ: «ومن عرفناه دلّس مرة فَقَدْ أبان لنا عورته في روايته، وليست تِلْكَ العورة بالكذب فنرد بِهَا حديثه، ولا النصيحة في الصدق، فنقبل مِنْهُ ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق» (٢). ويمكن حمل التشدد الوارد عن شعبة عَلَى «المبالغة في الزجر عَنْهُ والتنفير» (٣). وإذا تقرر هَذَا، فما حكم حَدِيْث من عرف بِهِ؟ للعلماء فِيْهِ خمسة مذاهب: الأول: لا تقبل رِوَايَة المدلِّس، سواء صرّح بالسماع أم لم يصرّح، حكاه ابن الصَّلَاحِ عن فريق من أهل الْحَدِيْث والفقه، وهذا مبنيُّ عَلَى القَوْل بأنَّ التدليس نفسه جرح تسقط بِهِ عدالة من عُرِف بِهِ. وهذا الَّذِي استظهره عَلَى أصول مذهب الإمام مالكٍ القاضي عَبْدُ الوهّاب في " الملخص ". الثاني: قبول رِوَايَة المدلس مطلقاً، وَهُوَ فرع لمذهب من قَبِلَ المرسَل، ونقله الْخَطِيْب البغدادي عن جمهور من قَبِلَ المراسيل، وحكاه الزركشي عن بعض شارحي أصول البزدوي من الحنفية. وبنوا هَذَا عَلَى ما بنوا عَلَيْهِ قبول المرسَل من أنّ إضراب الثقة عن ذكر الرَّاوِي تعديل لَهُ، فإنَّ من مقتضيات ثقته التصريح باسم من روى عَنْهُ إذا كَانَ غَيْر ثقة. الثالث: إذا كَانَ الغالب عَلَى تدليسه أنْ يَكُون عن الثقات، فهو مقبول

стр. 285

كيفما كانت صيغة التحديث (١)، وإن كَانَ عن غَيْر الثقة هُوَ الغالب، رد حديثه حَتَّى يصرح بالسماع، حكاه الْخَطِيْب عن بعض أهل العلم، ونقله الزركشي عن أبي الفتح الأزدي. الرابع: التفصيل بَيْنَ أن يروي بصيغة مبينة للسماع فيقبل حديثه، وبين أن يروي بصيغة محتملة للسماع وغيره فلا يقبل. وهذا الَّذِي عَلَيْهِ جمهور أَهْل الْحَدِيْث وغيرهم وصححه جمع، مِنْهُم: الْخَطِيْب البغدادي وابن الصَّلَاحِ وغيرهما وهو الحق. الخامس: قال أبو الحسن بن القطان: «إذا صرح المدلس قُبِل بلا خلاف، وإذا لم يصرح، فقد قبله قوم ما لم يتبين في حديث بعينه أنَّه لم يسمعه، ورده آخرون ما لم يتبين أنَّه سمعه، قال: فإذا روى المدلس حديثاً بصيغة محتملة ثم رواه بواسطة تبين انقطاع الأول عند الجميع» (٢). ثانياً. حكم الْحَدِيْث المدلَّس: لما كَانَ في حَدِيْث المدلِّس شبهة وجود انقطاع بَيْنَ المدلِّس ومن عنعن عَنْهُ، بحيث قَدْ يَكُوْن الساقط شخصاً أو أكثر، وَقَدْ يَكُوْن ثقة أَوْ ضعيفاً. فلما توفر على هَذِهِ الشبهة اقتضى ذَلِكَ الحكم بضعفه. لكن المدلس إذا صرّح بالسماع قُبل حديثه، وإلا فهو مردود. والمدلس إذا دلس قد يسقط واحداً وقد يسقط أكثر من واحد. وأسباب التدليس متعددة، منها: إحسان الظن بمن أسقطوه، وإن كان مجروحاً عند غيرهم؛ وتمشية لروايته.

стр. 286

ومنهم من دلس لكراهة ذكر المروي عنه؛ لسوء حاله من جهة أمر لا يعود إلى نفس حديثه أو لصغر سن الشيخ أو لضعفه أو لطلب العلو، ومنهم من يصنع ذلك إذا شورك عن ذلك الشيخ من قبل من هم دونه في السن أو لإكثاره عن ذلك الشيخ. المعنى الثالث: الإرسال الخفي: تعريفه: عرفه الحافظ ابن حجر بأنَّه: ما رواه الراوي بصيغة محتملة عمن عاصره ولم يعرف أنَّه لقيه، بل بينهما وساطة (١)، و قال العلائي: «وهو نوع بديع من أهم أنواع علوم الحديث، وأكثرها فائدة، وأعمقها مسلكاً، ولم يتكلم فيه بالبيان إلا حذاق الأئمة الكبار، ويدرك بالاتساع في الرواية، والجمع لطرق الحديث مع المعرفة التامة والإدراك الدقيق» (٢). فالتدليس يختص بمن روى عمن عُرف لقاؤه إياه، فأما إنْ عاصره ولم يُعرف أنَّه لقيه فهو المرسل الخفي (٣). وقد سبق أنْ بينت أنَّ ابن الصلاح ﵀ قد مزج بين المرسل الخفي والتدليس، فأدخله في تدليس الإسناد. وسمي هذا بالخفي لخفائه على كثير من الناس، فهو أشبه بالتدليس؛ لذا اختلف العلماء فيه اختلافاً كبيراً (٤). ورجح السخاوي تعريف الحافظ ابن حجر فقال: «بل هو على المعتمد في تعريفه حسبما أشار إليه شيخنا: الانقطاع في أي موضع كان من السند بين راويين متعاصرين لم يلتقيا، وكذا لو التقيا، ولم يقع بينهما سماع فهو انقطاع مخصوص يندرج في تعريف من لم يتقيد في المرسل بسقط خاص» (٥). وعرّفه الزبيدي بقوله: «والخفي من المرسل ما يرويه عمن عاصره ولم يعرف أنَّه لقيه» (٦).

стр. 287

وتحرير القول في الإرسال الخفي، أنَّه رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه. طرق كشف الإرسال الخفي: عد العلائي ثلاثة طرق لكشف خفي المراسيل إذ قال: «ولمعرفته طرق: إحداها: عدم اللقاء بين الراوي والمروي عنه، أو عدم السماع منه وهذا أكثر ما يكون سبباً للحكم. لكن ذلك يكون تارة بمعرفة التاريخ، وأنَّ هذا الراوي لم يدرك المروي عنه بالسن بحيث يتحمل عنه، وتارة يكون بمعرفة عدم اللقاء. والطريق الثاني: أنْ يذكر الراوي الحديث، عن رجل ثم يقول في رواية أخرى: نُبئت عنه أو أُخبرت عنه ونحو ذلك. والثالث: أن يرويه عنه، ثم يجيء عنه أيضاً بزيادة شخص فأكثر بينهما فيحكم على الأول بالإرسال، إذ لو كان سمعه منه، لما قال: أخبرت عنه ولا رواه بواسطة بينهما. وفائدة جعله مرسلاً في هذا الطريق الثالث أنَّه متى كان الواسطة الذي زيد في الرواية الأخرى ضعيفاً لم يحتج بالحديث بخلاف ما إذا كان ثقة» (١). وذكر الشيخ عبد الله يوسف الجديع طرقاً أخرى: إلا أنها كانت تدور في فلك ما قاله العلائي وهي: ١ - صغر الراوي، فلم يتهيأ له السماع من الشيخ البتة، أو سمع منه أو رأى شيئاً معيناً فبقي يذكره، فرواه. ٢ - أن يتعاصرا لكن لا يثبت اللقاء من أجل اختلاف البلد، ولم يقع دليل على اجتماعهما. ٣ - أن يكون اللقاء ممكناً، ولكن الراوي عن ذلك الشيخ لا يذكر في شيء من حديثه عنه ما يدل على السماع، وثبت أنَّه أحياناً يروي عنه بعض حديثه بالوسائط.

стр. 288

ويُعرف الإرسال الخفي بتنصيص النقاد عليه أو باستقراء طرق الحديث وسبرها (١). ويظهر أنَّ جمهور علماء الحديث المتقدمين والمتأخرين كانوا يفرّقون بين الإرسال الخفي والتدليس، وأنَّ قليلاً منهم كابن حبان والخليلي وابن الصلاح يسمونه تدليساً. والإرسال الخفي لا ينبغي أن يعد تدليساً إلا بشرط تعمد فاعله الإيهام (٢). مثال المرسل الخفي: روى سفيانُ الثوريُّ، عن الأعمش، عن خَيْثمة بن أبي خيثمة، عن الحسنِ، عن عمرانَ بن حُصين ﵁: أنَّه مرَّ على قاصٍّ قرأ ثمَّ سألَ، فاسترجَعَ، وقالَ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ ، يَقولُ: «مَنْ قَرَأ القُرآنَ فلْيَسْألِ الله بهِ، فإنَّه سَيجيءُ قومٌ يَقرؤونَ القرآنَ يَسْألونَ الناسَ به». أخرجه: ابن أبي شيبة (٣٠٥٠٢)، وأحمد ٤/ ٤٣٩، والترمذي (٢٩١٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٦٢٨) ط. العلمية و (٢٣٨٧) ط. الرشد من طريق أبي أحمد الزبيري (٣). وأخرجه: الطبراني في "الكبير" ١٨/ (٣٧٤) من طريق محمد بن يوسف الفريابي (٤)، وقبيصة بن عقبة (٥) (فرقهما). ثلاثتهم: (أبو أحمد الزبيري، والفريابي، وقبيصة) عن سفيان الثوري بهذا الإسناد. قال الترمذي: «هذا حديث حسن، ليس إسناده بذاك».

стр. 289

وخالفهم (١) عبد الرزاق: إذ أخرجه: أحمد ٤/ ٤٣٢ عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة أو عن رجل، عن عمران، به. هكذا بصيغة الشك. وللحديث طريق آخر. إذا أخرجه: البغوي (١١٨٣) وفي "التفسير"، له (٢٠) من طريق أبي حذيفة، عن سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة، عن رجل، عن عمران، به. جزم به ولم يأت بصيغة الشك. وخالفهم مؤمل بن إسماعيل (٢). فأخرجه: أحمد ٤/ ٤٤٥، عن مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة، عن عمران، به بدون ذكر الحسن أو الرجل المبهم. وتوبع الثوري على روايته من طريق أبي أحمد الزبيري ومن وافقه. فأخرجه: الآجري في " أخلاق أهل القرآن" (٤١) من طريق سعد بن الصلت (٣). وأخرجه: البيهقي في "شعب الإيمان" (٢٦٢٧) ط. العلمية و (٢٣٨٦) ط. الرشد من طريق الحسن بن عمارة (٤). كلاهما: (سعد، والحسن) عن الأعمش، عن خيثمة، عن الحسن، عن عمران، به. وهذان الطريقان لا يسمنان ولا يغنيان من جوع؛ لضعف سعد بن الصلت، والحسن بن عمارة، ولكن ما يقوي طريق سفيان الأول أنَّه قد روي من طرق عدة.

стр. 290

فروي الحديث عن خيثمة من غير طريق الأعمش. فأخرجه: سعيد بن منصور (٤٥) (التفسير)، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" ٢/ ٢٩، والطبراني في "الكبير" ١٨/ (٣٧١) من طريق جرير بن عبد الحميد (١). وأخرجه: أحمد ٤/ ٤٣٦ - ٤٣٧، والطبراني في "الكبير" ١٨/ (٣٧٢)، والآجري في "أخلاق أهل القرآن" (٤٢) من طريق شريك بن عبد الله النخعي (٢). وأخرجه: البزار (٣٥٥٣) من طريق عبيدة بن حميد (٣). وأخرجه: البزار (٣٥٥٤) من طريق قبيصة وسفيان (مقرونين). وأخرجه: الطبراني في " الكبير " ١٨/ (٣٧٠) من طريق زياد بن عبد الله (٤)، وعبيدة بن حميد (مقرونين). ستتهم: (جرير، وشريك، وعبيدة، وقبيصة، وسفيان، وزياد) عن منصور بن المعتمر، عن خيثمة بن أبي خيثمة (٥)، عن الحسن، عن عمران بن حصين، به. وخالفهم إدريس الكوفي (٦)، فرواه عند الطبراني في "الكبير" ١٨/ (٣٧٣) وقال: «منصور، عن رجل، عن الحسن» ولم يُسَمِّ خيثمة. وهذا الحديث مع الاختلاف فيه، فيه الحسن وهو من المشهورين

стр. 291

بالإرسال (١)، والحديث معلول بالانقطاع بين الحسن وعمران. فإنَّ عليَّ بن المديني وأبا حاتم، قالا: «الحسن لم يسمع من عمران بن الحصين، وليس يصح ذلك من وجه يثبت»، وقال بهز بن أسد عندما سُئِلَ عن سماع الحسن من عمران: «لم يسمع من عمران شيئاً» انظر: "مراسيل" ابن أبي حاتم (١٢٣) و (١٢٤). إلا أنَّه في رواية شريك، قال الحسن: «كنت أمشي مع عمران بن حصين أحدنا آخذ بيد صاحبه … » فهذا يوحي أنَّه قد سمعه من عمران إلا أنَّ شريكاً سيئ الحفظ وقد خالف سفيانَ وآخرين فلا يحتج به. وللحديث شاهد. أخرجه: أبو عبيد في "فضائل القرآن": ١٠٦ (٢ - ٢٩) من طريق ابن لهيعة، عن موسى بن وردان (٢)، عن أبي الهيثم (٣)، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «تعلموا القرآنَ واسألوا الله به، قبل أنْ يتعلمه قومٌ يسألونَ به الدنيا، فإنَّ القرآنَ يتعلمهُ ثلاثةُ نفرٍ: رجلٌ يباهي به، ورجلٌ يستأكل به، ورجل يقرؤه لله ». وهذا إسناد ضعيف؛ من أجل ابن لهيعة وقد تقدمت ترجمته مراراً. وانظر: "تحفة الأشراف" ٧/ ٣٧٧ (١٠٧٩٥)، و"أطراف المسند" ٥/ ١٠٠ (٦٧٠٩)، و"إتحاف المهرة" ١٢/ ٢٣ (١٥٠١٦). مثال آخر: روى ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قَالتْ أمُّ سَلَمةَ: يا رسول الله، يَغْزو الرِّجالُ ولا نغزو، وإنما لنا نِصفُ الميراثِ؟ فأنزلَ الله : ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٤). قال: ونزلت فيها هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٥) إلى آخر الآية.

стр. 292

زاد الترمذي: وكانت أمُّ سلمة أوَّلَ ظعينةٍ قدِمت المدينة مهاجرةً. أخرجه: سعيد بن منصور (٦٢٤) (التفسير)، وعبد الرزاق في "تفسيره " (٥٦٣)، وأحمد ٦/ ٣٢٢، والترمذي (٣٠٢٢)، وأبو يعلى (٦٩٥٩)، والطبري في " تفسيره " (٧٣١٩) ط. الفكر و ٦/ ٦٦٣ - ٦٦٤ ط. عالم الكتب، وابن أبي حاتم في " تفسيره " ٣/ ٩٣٥ (٥٢٢٤)، والطبراني في "الكبير " ٢٣/ (٦٠٩)، والحاكم ٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦ و ٤١٦، والواحدي في " أسباب النزول " (١٦٩) بتحقيقي من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، به. هذا الحديث رجاله ثقات؛ إلا أنَّ النَّسائيَّ ذكر ابن أبي نجيح فيمن كان يدلس، كما ذكر ذلك أبو زرعة العراقي في كتاب " المدلسين " (٣٥). وقال يحيى بن معين في تاريخه برواية الدوري (٤٢٦): «قال سفيان بن عيينة: تفسير مجاهد لم يسمعه منه إنسان إلا القاسم بن أبي بزة. فقلت - أي الدوري - ليحيى: ابن أبي نجيح لم يسمع من مجاهد؟ قال: هكذا قال سفيان»، وقال فيما نقله عنه العلائي في " جامع التحصيل " (٤٠٦): «كذا قال ابن عيينة، ولا أدري أحق ذلك أم لا؟». قال ابن حبان: «ابن أبي نجيح و ابن جريج نظرا في كتاب القاسم بن أبي بزة عن مجاهد في التفسير فرويا عن مجاهد من غير سماع». إلا أنَّ الذهبي رجّح رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد وصححها إذ قال في "سير أعلام النبلاء " ٦/ ١٢٦: «وعن بعضهم قال: لم يسمع ابن أبي نجيح كل التفسير من مجاهد. قلت: هو من أخص الناس بمجاهد». وقال الحافظ في " العجاب " ١/ ٢٠٤: «مجاهد بن جبر: ويروى التفسير عنه من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، والطريق إلى ابن أبي نجيح قوية». كما أنَّ رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد في الصحيحين بصيغة العنعنة. وقد صَحّح الحاكم هذا الحديث؛ إذ قال: «هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين إن كان سمع مجاهد من أم سلمة»، وقال في الموضع الآخر: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، ثم تعقب

стр. 293

الحافظ ابن حجر ﵀ تصحيح الحاكم وتشككه في سماع مجاهد من أم سلمة (١) بقوله: «وما يمنعه من السماع منها، وقد صحّ سماعه من علي بن أبي طالب، ومات قبلها بعشرين سنة»، وقال العلاّمة أحمد شاكر في تعليقه على " تفسير الطبري " ٨/ ٢٦٢ - ٢٦٣ - فيما نقله عنه محقق " سنن سعيد بن منصور " ٤/ ١٢٣٦ - : «فاختلفت صيغة الرواية عن مجاهد، ففي بعضها: «عن مجاهد قال: قالت أم سلمة»، وفي بعضها: «عن مجاهد، عن أم سلمة: أنها قالت»، فالصيغة الأولى ظاهرها الإرسال؛ لأنَّ معناها: أنَّ مجاهداً يحكي من قبل نفسه ما قالته أم سلمة للنبيِّ ﷺ ، فيكون مرسلاً؛ لأنَّه لم يدرك ذلك. والصيغة الثانية ظاهرها الاتصال؛ لأنَّ معناها أنَّ مجاهداً يذكر هذه الرواية عن أم سلمة، ثمَّ يختلفون أيضاً في وصله دون حجة، فقد قال الترمذي - بعد روايته: «عن مجاهد، عن أم سلمة»: «هذا حديث مرسل، ورواه بعضهم عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مرسلاً: أنَّ أم سلمة، قالت كذا وكذا». وقال الحاكم - بعد روايته: «عن مجاهد، عن أم سلمة»: «هذا حديث على شرط الشيخين، إنْ كان سمع مجاهد من أم سلمة»، ووافقه الذهبي على تصحيحه (٢)، وأعرض عن تعليله فلم يشر إليه. وعندي - بما أرى من السياق والقرائن - أنَّ الروايتين بمعنى واحد، وإنَّما هو اختلاف في اللفظ من تصرّف الرواة، وكلها بمعنى: «مجاهد، عن أم سلمة». فقد ثبت اللفظان في رواية ابن عيينة، وكذا قد ثبتا في رواية الثوري … وأما حكم الترمذي - في روايته من طريق ابن عيينة - بأنه حديث مرسل، فإنه جزم بلا دليل، ومجاهد أدرك أم سلمة يقيناً وعاصرها، فإنه ولد سنة ٢١ هـ، وأم سلمة ماتت بعد سنة ٦٠ هـ على اليقين.

стр. 294

والمعاصرة - من الراوي الثقة - تحمل على الاتصال، إلا أن يكون الراوي مدلساً، ولم يزعم أحد أن مجاهداً مدلس، إلا كلمة قالها القطب الحلبي في "شرح البخاري "، حكاها عنه الحافظ في " التهذيب " ١٠/ ٤٤، ثمَّ عقّب عليها بقوله: «ولم أر من نسبه إلى التدليس»، وقال الحافظ أيضاً في "الفتح " ٦/ ١٩٤ (١) - ردًّا على من زعم أنّ مجاهداً لم يسمع من عبد الله بن عمرو -: «لكن سماع مجاهد من عبد الله بن عمرو ثابت، وليس بمدلس»، فثبت عندنا اتصال الحديث وصحته، والحمد لله» انتهى كلام الشيخ أحمد شاكر وتبع العلاّمةَ أحمدَ شاكر على تصحيحه الحديث، محققُ سنن سعيد بن منصور، ومحققُ مسند أبي يعلى. قلت: الصواب في هذا الحديث أنه مرسلٌ، وهو ما نصَّ عليه الإمام الترمذي ﵀، إذ قال: «هذا حديث غريب (٢)، ورواه بعضهم عن ابن أبي

стр. 295

نجيح، عن مجاهد مرسلاً أنَّ أم سلمة قالت: كذا وكذا»؛ لأن مجاهداً لم يسمع من أم سلمة، وهو وإن ذُكر في الرواة عنها (١)، فهذا لا يعني أنه سمع منها متصلاً، بل قد يكون روى عنها مرسلاً. فإن قلت: مجاهدٌ عَاصَرَ أمَّ سلمة، والمعاصرة تقتضي السماع إن كان الراوي ثقة ولم يكن مدلساً. قلت: هذا صحيح لو لم تكن هناك قرائن تشير إلى خلاف ذلك، وقد وجدت هذه القرائن، منها: أنني لم أجد من صرّح بسماعه من أم سلمة ﵂، زيادة على أنَّ ابن حزم ﵀، قال في " الإحكام " ٣/ ٣٤٠: «ولم يذكر مجاهد سماعاً لهذا الخبر عن أم سلمة، ولا يعلم له منها سماع أصلاً»، وقال البرديجي - فيما نقله عنه العلائي في " جامع التحصيل " (٢٧٤) -: «الذي صحّ لمجاهد من الصحابة ﵃ ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة على خلاف فيه»، ولم يذكر أم سلمة. فبعد هذا لا يمكننا العدول عن أقوال هؤلاء العلماء، والأخذ بقواعد التحديث. فإن قلت: ذكر الحافظ ابن حجر ما يشير إلى سماع مجاهد من أم سلمة قياساً على سماعه من علي. قلت: هذا ليس بمسلم له؛ لأنّ من المتقدمين من أنكر ذلك، فقد نقل ابن حجر في " تهذيب التهذيب " ١٠/ ٣٩ عن أبي زرعة قال: «مجاهد عن علي مرسل» وفي " المراسيل " لابن أبي حاتم (٧٥٣) قيل ليحيى ابن معين: يُروَى عن مجاهد أنَّه قال: خرج علينا عليٌّ ﵁، فقال : «ليس هذا بشيء»، وقال أبو حاتم في "المراسيل" لابنه (٧٦٤): «مجاهدٌ أدرك علياً، لا يذكر رؤية ولا سماعاً»، ونقل الذهبي عن ابن خراش وغيره في " ميزان الاعتدال " ٣/ ٤٤٠ (٧٠٧٢) قال: «أحاديث مجاهد عن علي مراسيل، لم يسمع منه شيئاً» بذلك يتبين صواب ما ذهبنا إليه، والله أعلم. وانظر: "تحفة الأشراف" ١٢/ ١٢١ (١٨٢١٠)، و "إتحاف المهرة" ١٨/ ١٦٠ (٢٣٤٩٠).

стр. 296

المعنى الرابع: الإرسال بالمعنى الخاص: الحديث المرسل: هو ما أضافه التابعي إلى النبي ﷺ (١). وهذا من أجود التعاريف؛ لأنَّه يعمّ ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة؛ فعلى هذا من عرَّفه بأنَّه: ما قال فيه التابعي: «قال النبي ﷺ »، فتعريفه قاصر؛ لأنَّه لا يشمل التقرير، أو الصفة، أو الفعل. وكذا من عرَّفه بأنَّه: ما سقط منه الصحابي، فكذلك تعريفه غير جيد؛ لأنّا لو كنَّا نعلم أنَّ الصحابي وحده هو الساقط لما ضعّفنا الحديث، إذ العلة بالمرسل: خشية أنْ يكون التابعي قد سمعه من تابعي آخر، ولا نعلم لهذا التابعي الآخر عدالةً ولا ضبطاً. وأما التابعي الذي يروي المرسل: فهو الذي لقي بعض الصحابة، وسمع منهم أحاديث، ولا يشترط فيه أن يكون كبيراً كما اشترطه بعضهم (٢). أما التابعي الذي له رؤية لبعض الصحابة، ولم يسمع من أحد منهم، فهذا إذا روى شيئاً مباشرةً عن النبي ﷺ ، فحديثه معضل، وإذا روى شيئاً عن الصحابة فهو منقطع؛ لأنّه ثبت له شرف التابعية، لا أحكامها. ومن هؤلاء: إبراهيم النّخعي، والأعمش. فإبراهيم النّخعي لقي عائشة، ولم يسمع منها شيئاً، والأعمش رأى أنساً، ولم يسمع منه شيئاً. وللفائدة: فإنَّ هذا التعريف للمرسل هو الذي استقر عليه الاصطلاح. أما المتقدمون: فكانوا يطلقون كلمة (مرسَل) على كل منقطع. فعلى هذا تكون طريقة تمييز المرسَل بمجرد أن يعلم أنَّ الذي حدَّث به عن النبي ﷺ تابعي، وتمييز التابعين من غيرهم يعرف من كتب الرجال.

стр. 297

ومما أُعل بالإرسال، وجاء موصولاً ولم يصح ما روى معان بن رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمان العذري، قال: قال رسول الله ﷺ : «يحمل (١) هذا العلم من كل خَلَفٍ (٢) عُدولُه، ينفونَ عنه تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين، وتأويلَ الجاهلين». أخرجه: ابن حبان في " الثقات " ٤/ ١٠، والآجري في " الشريعة " (٢) ط. الوطن، وابن عدي في " الكامل " ١/ ٢٤٩، وابن منده كما في "أسد الغابة " ١/ ١٥٧، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (٧٣٢)، والبيهقي ١٠/ ٢٠٩ وفي " دلائل النبوة "، له ١/ ٤٣ - ٤٤، والخطيب في "شرف أصحاب الحديث " (٥٠)، وابن عبد البر في " التمهيد " ١/ ٧٠، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٧/ ٢٧ من طريق بقية بن الوليد (٣). وأخرجه: وكيع القاضي في " الغرر من الأخبار " كما في " الإصابة " ١/ ١٧٨، والعقيلي في " الضعفاء الكبير " ٤/ ٢٥٦، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل " المقدمة ١/ ٣١٠، وابن عدي في " الكامل " ١/ ٢٤٩، وابن عبد البر في " التمهيد " ١/ ٧٠، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٧/ ٢٧ من طريق إسماعيل بن عياش (٤). وأخرجه: ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " المقدمة ١/ ٣١٠ من طريق مبشر بن إسماعيل (٥).

стр. 298

وأخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٧/ ٢٧ من طريق مثنى بن بكر (١) وبشر (مقرونين) (٢). وأخرجه: الآجري في " الشريعة " (١) ط. الوطن من طريق سعيد بن عبد الجبار الحمصي (٣). ستتهم: (بقية، وإسماعيل، ومبشر، ومثنى، وبشر، وسعيد) عن معان (٤) بن رفاعة، بهذا الإسناد. وهذا حديث ضعيف لكونه مرسلاً؛ لأنَّ إبراهيم بن عبد الرحمان العذري تابعي. قال ابن القطان في " بيان الوهم والإيهام " ٣/ ٤٠ (٦٩١): «فإنَّ إبراهيم بن عبد الرحمان العذري مُرسِل هذا الحديث لا نعرفه البتة في شيء من العلم غير هذا، ولا أعلم أحداً ممن صَنّفَ الرجال ذكره، مع أنَّ كثيراً منهم ذكر مُرسَلَه هذا في مقدمة كتابه كابن أبي حاتم، وأبي أحمد، والعقيلي فإنَّهم ذكروه ثم لم يذكروا إبراهيم بن عبد الرحمان في باب من اسمه إبراهيم فهو عندهم غاية المجهول، فكيف يُعرِض عن مثل هذه العلة التي هو بها في جملة ما لا يحتج به أحد إلى الاقتصار على الإرسال الذي يكون به في جملة ما يختلف فيه فاعلم ذلك، والله الموفق». وقال العراقي في " التقييد والإيضاح " ١/ ٥٥٥ عقب نقله توثيق أهل العلم لمعان: «وكذلك حكي عن أحمد توثيقه والحكم بصحة الحديث فيما ذكره الخلاّل في "العلل": أنَّ أحمد سئل عن هذا الحديث فقيل له: كأنَّه كلام موضوع؟ فقال: لا، هو صحيح، فقيل له: ممن سمعته؟ قال: من غير واحد، قيل له: من هم؟ قال: حدثني به مسكين إلا أنَّه يقول عن معان، عن

стр. 299

القاسم بن عبد الرحمان. قال أحمد: ومعان لا بأس به، قال ابن القطان: وخفي على أحمد من أمره ما علمه غيره، ثم ذكر أقوال المضعّفين له». وقال الذهبي في " الميزان " ١/ ٤٥ (١٣٧): «إبراهيم بن عبد الرحمان العذري تابعي مُقل ما علمته واهياً، أرسل حديث: «يحملُ هذا العلمَ مِنْ كلِّ خلفٍ عدولُهُ» رواه غير واحد عن معان بن رفاعة عنه، ومعان ليس بعمدة، ولا سيما أتى بواحد لا يدرى من هو». وقال ابن حجر في " الإصابة " ١/ ١٧٨ (٥٠٢): «تابعيٌّ أرسل حديثاً … ». وقال أبو نعيم في " معرفة الصحابة " قبل (٧٣٢): «ذكره الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عيّاش، عن معان، عن إبراهيم، وقال: كان من الصحابة فما توبع عليه». وقال ابن منده في " معرفة الصحابة " فيما نقله ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٧/ ٢٨ بإسناده إليه: «إبراهيم بن عبد الرحمان العذري روى عنه معان بن رفاعة ذكر في الصحابة، ولا يصحّ، روى الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عيّاش، عن معان بن رفاعة قال: حدثني إبراهيم بن عبد الرحمان العذري وكان من الصحابة، ولم يتابع عليه» وانظر " الإصابة " (٥٠٢)، وقال ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٧/ ٢٧: «من أهل دمشق روى عن النبي ﷺ مرسلاً». زيادة على إرساله ففي الحديث معان بن رفاعة السلامي مختلف فيه، وهو إلى الضعف أقرب، قال عنه يحيى بن معين: «ضعيف»، وقال علي بن المديني: «ثقة»، وقال أحمد بن حنبل: «لا بأس به» (١)، وقال دحيم: «ثقة»، وقال أبو حاتم: «يكتب حديثه، ولا يحتج به»، وقال ابن حبان: «منكر الحديث، يروي مراسيل كثيرة ويحدث عن أقوام مجاهيل، لا يشبه حديثه حديث الأثبات، فلما صار الغالب على رواياته ما ينكره القلب استحق ترك

стр. 300

الاحتجاج به»، وقال ابن عدي: «عامة ما يرويه لا يتابع عليه»، قال الحافظ: «قرأت بخط الذهبي مات مع الأوزاعي قريباً وهو صاحب حديث ليس بمتقن، وقال أبو الفتح الأزدي: لا يحتج به». انظر: " تهذيب التهذيب" ١٠/ ١٨٣، وهو في "التقريب" (٦٧٤٧): «لين الحديث، كثير الإرسال». وروي الحديث من طريق الوليد بن مسلم، عن إبراهيم بن عبد الرحمان، قال: حدثنا الثقة من أشياخنا، قال: قال رسول الله ﷺ بنحوه - وهذا يدل على أنَّ إبراهيم لم يسمع من الرسول ﷺ . وروي الحديث موصولاً من وجوه عدة لا يصح منها شيء وهي على النحو التالي: فأخرجه: الخطيب في " شرف أصحاب الحديث " (٤٨)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٧/ ٢٨ من طريق محمد بن سليمان - يعني: ابن أبي كريمة - عن معان، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد، به. وهذا حديث ضعيف، زيادة على معان بن رفاعة فإن فيه ابن أبي كريمة، قال عنه أبو حاتم في " الجرح والتعديل " لابنه ٧/ ٣٥٨ (١٤٦٦): «ضعيف الحديث». أقول: والطريق بهذا الإسناد دليل على اضطراب معان فيه أو لكونه شديد النكارة؛ لأن ابن أبي كريمة على ما فيه من كلام خالف أصحاب معان فأغرب عنهم بما ليس يوافقهم بمثل هذه الإفرادات، وبمدى موافقة الثقات ومخالفتهم يعرف مدى حفظ الراوي، والله أعلم. وأخرجه: الخطيب في " شرف أصحاب الحديث " (٤٩) قال: أخبرنا عبيد الله بن عثمان الصيرفي، قال حدثنا محمد بن المظفر، قال: حدثنا أحمد بن يحيى بن زكير، قال: حدثنا محمد بن ميمون بن كامل الحمراوي، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد ابن المسيب، عن عبد الله بن مسعود، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول : «يرثُ هذا العلم منْ كلِ خلفٍ عدولُهُ».

стр. 301

والحديث بهذا الإسناد منكر: أحمد بن يحيى قال عنه الدارقطني في "المؤتلف والمختلف ": ١١٠٥: «ولم يكن أحمد هذا مرضياً في الحديث»، وقال في " الغرائب " كما في "لسان الميزان" (٩٠٥): «ليس بشيء في الحديث». بل قال الدارقطني عقب ذكره أحد أسانيد غرائب مالك: «لا يثبت، ابن كامل وابن زكير ضعيفان». وأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ١/ ٢٤٧ من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب. وهذا إسناد منقطع قال العلائي في " جامع التحصيل " (٧٠٠): «محمد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ أبو جعفر الباقر أرسل عن جديه الحسن والحسين وجده الأعلى علي ﵃ .. ». وأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ١/ ٢٤٨ و ٣/ ٤٥٧، وتمام في "فوائده " كما في " الروض البسام " (٨٠)، والهروي في " ذم الكلام " (٧٠٧)، وأبو طاهر السلفي في " معجم السفر " (١٥٨٥) من طريق حاجب ابن سليمان، قال: حدثنا خالد بن عمرو القرشي، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، به. وهذا الحديث بهذا الإسناد موضوع، فيه خالد بن عمرو منكر الحديث، قال عنه يحيى بن معين في "تاريخه" (٢٥٣٦) برواية الدوري: «ليس حديثه بشيء»، وقال أحمد بن حنبل في "الجامع في العلل" ٢/ ١٨١ (١٦٨٤) : «ليس بثقة .. يروي أحاديث بواطيل»، وقال البخاري في " التاريخ الكبير" ٣/ ١٤٩ (٥٦٣) وفي "الضعفاء الصغير"، له (١٠٣): «منكر الحديث»، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٣/ ٣٤٠ (١٥٥٢) عن أبيه أنَّه قال: «متروك الحديث ضعيف»، ونقل عن أبي زرعة أنَّه قال: «منكر الحديث»، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (١٧٣): «ليس بثقة»، وقال ابن حبان في " المجروحين " ١/ ٢٨٣: «كان ممن ينفرد عن الثقات بالموضوعات، لا يحل الاحتجاج بخبره» (١).

стр. 302

وعلى سوء حال خالد فإنَّه مضطرب في روايته لهذا الحديث. فقد أخرجه: البزار كما في " كشف الأستار " (١٤٣)، والعقيلي في "الضعفاء الكبير " ١/ ٩ - ١٠، وابن عبد البر في " التمهيد " ١/ ٧٠ عنه، عن ليث بن سعد، عن يزيد بن أبي جبلة، عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو، وأبي هريرة، قالا (١): قال رسول الله ﷺ .. فذكره. وأخرجه: الهروي في " ذم الكلام " (٧٠٤) من طريق وهب بن وهب، عن عبد الملك بن عبد العزيز، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، به. وهذا الحديث بهذا السند موضوع، فيه وهب بن وهب - أبو البختري - وكان كذاباً متروك الحديث، قال عنه أحمد بن حنبل فيما نقله ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٩/ ٣٣ (١١٦): «مطروح الحديث»، وقال البخاري في " التاريخ الكبير " ٨/ ٥٦ (٢٥٨١): «سكتوا عنه، كان وكيع يرميه بالكذب»، وقال أبو حاتم في " الجرح والتعديل " لابنه ٩/ ٣٤ (١١٦) : «كان كذاباً»، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٦٠٥) : «متروك الحديث»، وقال الدارقطني في " الضعفاء والمتروكون " (٥٥٧) : «بغدادي كذاب»، وقال ابن الجوزي فيما نقله برهان الدين في " الكشف الحثيث " (٨٢٨): «كان من كبار الوضاعين». وأخرجه: الطبراني في " مسند الشاميين " (٥٩٩) من طريق سليمان بن عبد الرحمان الدمشقي. وأخرجه: الطبراني في " مسند الشاميين " (٥٩٩)، وابن عدي في "الكامل " ١/ ٢٤٨، والخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (١٣٤) ط. العلمية و (١٣٧) ط. الرسالة وفي " شرف أصحاب الحديث "، له (٤٧)،

стр. 303

والهروي في " ذم الكلام " (٧٠٥)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٤٦/ ١٦٥ من طريق مسلمة بن علي (١). كلاهما (سليمان، ومسلمة) عن عبد الرحمان بن يزيد بن تميم (٢)، عن علي بن مسلم البكري، عن أبي صالح الأشعري، عن أبي هريرة، به. وهذا الحديث ضعيف، فيه عبد الرحمان بن يزيد بن تميم، نقل المزي في "تهذيب الكمال " ٤/ ٤٨٩ (٣٩٧٩) عن البخاري قوله فيه: «منكر الحديث» وعن أبي داود والنسائي قولهما: «متروك الحديث». وأخرجه: الهروي في " ذم الكلام " (٧٠٦)، وابن الجوزي في "الموضوعات " ١/ ٣١ ط. الفكر و (٤) ط. أضواء السلف من طريق لاحق بن الحسين المقدسي، قال: حدثنا محمد بن محمد بن حفص القزاز، قال: حدثنا عبد الملك بن عبد ربه الطائي، قال: حدثنا سعيد بن سماك بن حرب، عن أبيه، عن جابر بن سمرة، به. وهذا حديث موضوع فيه لاحق بن الحسين، قال الخطيب في " تاريخ

стр. 304

بغداد " ١٦/ ١٥٢ ط. الغرب: «كان كذاباً أفاكاً يضع الحديث على الثقات (١) ويسند المراسيل، ويحدث عمن لم يسمع منهم» وذكره برهان الدين الحلبي في " الكشف الحثيث " (٨٢٩). وفيه أيضاً سعيد بن سماك، قال عنه أبو حاتم في " الجرح والتعديل " لابنه ٤/ ٣٢ (١٣٣): «متروك الحديث»، وذكره ابن الجوزي في " الضعفاء والمتروكون " (١٤٠٥)، وكذلك الذهبي في " المغني " (٢٤٠٨). وأخرجه: العقيلي في " الضعفاء الكبير " ١/ ٩، وابن عدي في "الكامل" ١/ ٢٤٩ من طريق محمد بن عبد العزيز، عن بقية بن الوليد، عن رُزيق (٢) أبي عبد الله الألهاني، عن القاسم أبي عبد الرحمان، عن أبي أمامة، به. وهذا الحديث فيه محمد بن عبد العزيز - وهو الواسطي -، قال عنه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" لابنه ٨/ ١٢ (٢٩): «كان عنده غرائب، ولم يكن عندهم بالمحمود، هو إلى الضعف ما هو» (٣)، ونقل عن أبي زرعة قوله: «ليس بالقوي»، وقال البزار كما في " كشف الأستار " عقب (١٠١٧): «لم يكن بالحافظ»، وقال ابن حجر في " التقريب " (٦٠٩٣): «صدوق يهم». وفيه رزيق الألهاني، قال عنه ابن حبان في " المجروحين " ١/ ٣٠١: «ينفرد بالأشياء التي لا تشبه حديث الأثبات، [التي] (٤) لا يجوز الاحتجاج به إلا عند الوفاق»، وقال ابن حجر في "التقريب" (١٩٣٨): «صدوق له أوهام». وفيه القاسم بن عبد الرحمان - أبو عبد الرحمان - قال عنه أحمد بن حنبل كما في " سؤالات أبي داود " (٢٧١): «يروى له أحاديث مناكير»، وقال فيما نقله ابن حبان في " المجروحين " ٢/ ٢٠٩: «منكر الحديث»، وقال ابن

стр. 305

حبان في " المجروحين " ٢/ ٢٠٩: «كان ممن يروي عن أصحاب رسول الله ﷺ وعليهم المعضلات، ويأتي عن الثقات بالأشياء المقلوبات حتى يسبق إلى القلب أنَّه كان المتعمد لها»، وقال ابن حجر في "التقريب" (٥٤٧٠): «صدوق، يغرب كثيراً». وأخرجه: الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٣٨٨٤) وفي " تحفة الأخيار " (٤٠٥٩) بإسناد محمد بن عبد العزيز الواسطي إلا أنَّه قال عن أبي الدرداء بدلاً من أبي أمامة، والله أعلم. فيكون الحديث معلولاً بعنعنة بقية وباضطرابه فيه، وقد روي من طريق آخر. فأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ١/ ٢٤٩، والبيهقي ١٠/ ٢٠٩ من طريق إبراهيم - يعني: ابن أيوب الحوراني الدمشقي -، قال: حدثنا الوليد، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمان العذري، قال: حدثنا الثقة من أشياخنا، قال: قال رسول الله ﷺ ، نحوه. وأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ١/ ٢٤٩، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٧/ ٢٧ من طريق أبي عمير، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن إبراهيم بن عبد الرحمان العذري، قال: حدثني الثقة: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: نحوه. وأخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٥٧/ ١٧٥ - ١٧٦ من طريق محمد بن مهدي الواسطي (١)، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا جعفر بن سليمان (٢)، عن مالك بن دينار، عن أنس، به. قال أبو نعيم في " معرفة الصحابة " عقب (٧٣٢): «وكلها مضطربة غير مستقيمة». وقال البلقيني في " محاسن الاصطلاح ": ١٢١: « .. إنَّ الحديث لم يصح، فإنَّه روي مرفوعاً من حديث أسامة بن زيد، وأبي هريرة، وابن مسعود

стр. 306

وغيرهم وفي كلها ضعف، وقال الدارقطني: لا يصح مرفوعاً - يعني: مسنداً - إنَّما هو عن إبراهيم بن عبد الرحمان العذري، عن النَّبيِّ ﷺ ، وقال ابن عبد البر: روي عن أسامة بن زيد وأبي هريرة بأسانيد كلها مضطربة غير مستقيمة، وحينئذ فلا يصح الاحتجاج به». وقال عبد الحق الإشبيلي في " الأحكام الوسطى " ١/ ١٢١: «أحسن ما في هذا - فيما أعلم - مرسل إبراهيم بن عبد الرحمان العذري». وقال العراقي في " التقييد والإيضاح " ٥٥٤ - ٥٥٥: «فالحديث أيضاً غير صحيح لأنَّ أشهر طرق الحديث رواية معان بن رفاعة السلامي، عن إبراهيم بن عبد الرحمان، عن النَّبيِّ ﷺ ، وهكذا رواه ابن أبي حاتم في مقدمة "الجرح والتعديل "، وابن عدي في مقدمة "الكامل"، والعقيلي في " تاريخ الضعفاء " في ترجمة معان بن رفاعة، وقال: إنَّه لا يعرف إلا به، انتهى. وهذا إما مرسل أو معضل - يعني: حديث إبراهيم - … وقد روي هذا الحديث متصلاً من رواية جماعة من الصحابة علي بن أبي طالب، وابن عمر، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر بن سمرة، وأبي أمامة وكلها ضعيفة لا يثبت منها شيء، وليس فيها شيء يقوي المرسل المذكور، والله أعلم». وقال العراقي أيضاً في " شرح التبصرة والتذكرة " ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥ بتحقيقي: «فلا يصح من وجهين: أحدهما: إرساله وضعفه، والثاني: أنَّه إنَّما يصح الاستدلال به، أن لو كان خبراً، ولا يصح حمله على الخبر لوجود من يحمل العلم، وهو غير عدل، وغير ثقة، فلم يبقَ له محمل إلا على الأمر، ومعناه أنَّه أمر الثقات بحمل العلم؛ لأنَّ العلم إنَّما يقبل عن الثقات. والدليل على أنَّه للأمر: أنَّ في بعض طرق أبي حاتم: «ليحملْ هذا العلم» بلامٍ للأمر». وقد يروى الحديث مسنداً بأسانيد واهية لا تصح، وقد يأتي الحديث نفسه بأسانيد مرسلة مع قوة الأسانيد إلى مرسليها، وقد تتعدد تلك المراسيل لكن مع تعددها تبقى واهية ضعيفة لنكارة متنها، مثال ذلك حديث سعيد ابن جبير، عن ابن عباس: أنَّ رسول الله ﷺ قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ

стр. 307

اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ (١) تلك الغرانيقُ (٢) العلى وشفاعتُهنَّ تُرتجى … ففرح المشركون بذلك وقالوا: قد ذكر آلهتنا. فجاءه جبريل فقال: اقرأ عليّ ما جئتك به، قال: فقرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ تلكَ الغرانيقُ العلى وشفاعتُهنَّ تُرتجى، فقال: ما أتيتكَ بهذا. هذا عن الشيطان - أو قال: هذا من الشيطان - لم آتِكَ بها، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٣) إلى آخر الآية. هذا حديثٌ مكذوب على رسول الله ﷺ ورد من طرق عديدة كلها ضعيفة أحسنُها حديث سعيد بن جبير. أخرجه: الضياء المقدسي في " المختارة " ١٠/ ٨٨ (٨٣) و ١٠/ ٨٩ (٨٤) من طريق يوسف بن حماد، عن أمية بن خالد، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: «لا أعلمه إلا عن ابن عباس». وأخرجه: البزار كما في " كشف الأستار " (٢٢٦٣) عن يوسف بن حماد، قال: حدثنا أمية بن خالد، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيما أحسب - أشك في الحديث - قال البزار: «لا نعلمه يروى بإسناد متصل يجوز ذكره إلا بهذا الإسناد، وأمية بن خالد ثقة مشهور، وإنما يعرف هذا من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس (٤)».

стр. 308

وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (١٩١٥٨) ط. الفكر و ١٦/ ٦٠٧ ط. عالم الكتب من طريق محمد بن جعفر. وأخرجه: ابن أبي حاتم كما في " تفسير ابن كثير ": ١٢٨٢ من طريق أبي داود. كلاهما: (محمد، وأبو داود) عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، به مرسلاً. فتكون رواية أمية شاذة، وقد يكون الوهم منه أو من يوسف بن حماد، إلا أنَّ تفرد أمية يجعلنا نحمل الوهم عليه. وروي هذا الحديث من وجه آخر، رواه عثمان بن الأسود، عن سعيد ابن جبير واختلف عليه. فقد أخرجه: الضياء المقدسي في " المختارة " ١٠/ ٢٣٤ - ٢٣٥ (٢٤٧) من طريق أبي عاصم النبيل، عن عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس متصلاً. وخالفه يحيى - أحسبه القطان - فرواه عن عثمان بن الأسود، عن سعيد ابن جبير، مرسلاً. أخرجه: الواحدي في " أسباب النزول " (٣٠٩) بتحقيقي من طريق يحيى، به. وهذا اضطراب واضح يوجب تضعيف الحديث. هذه القصة على ما فيها من نكارة في المتن، فإنها قد جاءت مخالفة لما في صحيح البخاري وغيره فقد رواها عكرمة، عن ابن عباس دون ذكر القصة بلفظ: سجد النَّبيُّ ﷺ بالنجم وسجدَ معهُ المسلمونَ والمشركونَ والجنُّ والإنسُ. وهي الرواية الصحيحة. أخرجها: البخاري ٢/ ٥١ (١٠٧١) و ٦/ ١٧٧ (٤٨٦٢)، والترمذي (٥٧٥)، وابن حبان (٢٧٦٣)، والطبراني في " الكبير " (١١٨٦٦)، والدارقطني ١/ ٤٠٨ ط. العلمية و (١٥٢٤) ط. الرسالة، والحاكم ٢/ ٤٦٨، وابن مردويه كما في " الدر المنثور " ٤/ ٦٦١، والبغوي (٧٦٣).

стр. 309

وقال الترمذي: «حديث ابن عباس حديث حسن صحيح». انظر: "تحفة الأشراف" ٤/ ٥٤١ (٥٩٩٦)، و"جامع المسانيد" ٣١/ ٣١٩ (٢٠٠٢)، و"إتحاف المهرة" ٧/ ٤٨٧ (٨٢٨٣). وقد وردت هذه القصة من طرق أخرى كلها واهية: فأخرجه: ابن مردويه كما في " الدر المنثور " ٤/ ٦٦١ من طريق عباد بن صهيب، عن أبي بكر الهذلي وأيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنَّ رسول الله ﷺ قرأ سورة النجم بمكة، فأتى على هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ فألقى الشيطان على لسانه: إنَّهن الغرانيق العلى. فأنزل الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ … ﴾. عباد هذا قال عنه البخاري في " التاريخ الكبير " ٥/ ٣٢٢ (١٦٤٣): «تركوه»، وقال الذهبي في " ميزان الاعتدال" ٢/ ٣٦٧ (٤١٢٢): «أحد المتروكين، وقال ابن المديني: ذهب حديثه». فأما أبو بكر الهذلي فهو ضعيف، قال ابن حجر في " التقريب " (٨٠٠٢): «أخباريٌّ متروك الحديث». وأما أيوب - فلعله السختياني - وحتى إنْ كان هو فإنَّه لا يصح عنه؛ لأنَّه من رواية عباد بن صهيب عنه، كما قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " ٨/ ٥٥٨ عقيب (٤٧٤٠). ولعل إضافته إلى السند إنما هو من فعل عباد فهو متفرّد به. وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (١٩١٥٩) ط. الفكر و ١٦/ ٦٠٧ ط. عالم الكتب عن محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس. وهذا مسلسل بالضعفاء. محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية، قال عنه ابن حبان في "المجروحين " ٢/ ٢٧٩: «منكر الحديث، يروي أشياء لا يتابع عليها، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، وهو الذي يقال له: محمد بن الحسن بن عطية، إنَّما هو ابن أخيه»، وقال الخطيب في "تاريخ بغداد" ٥/ ٣٢٢ وفي ط. الغرب ٣/ ٢٦٩: «كان ليناً في الحديث».

стр. 310

وعمه حسين بن الحسن بن عطية، قال عنه ابن حبان في " المجروحين " ١/ ٢٤٦: «منكر الحديث، يروي عن الأعمش وغيره أشياء لا يتابع عليها، كأنَّه كان يقلبها وربما رفع المراسيل، وأسند الموقوفات، ولا يجوز الاحتجاج بخبره»، وقال الذهبي في " ميزان الاعتدال" ١/ ٥٣٢ (١٩٩١): «ضعّفه يحيى بن معين وغيره». وأبوه الحسن بن عطية، قال عنه البخاري في " التاريخ الكبير " ٢/ ٢٨٦ (٢٥٤٠): «ليس بذاك»، وقال ابن حبان في " المجروحين " ١/ ٢٣٤ «منكر الحديث، فلا أدري البلية في أحاديثه منه أو من أبيه أو منهما معاً؛ لأنَّ أباه ليس بشيء في الحديث، وأكثر روايته عن أبيه، فمن هنا اشتبه أمره ووجب تركه». وعطية العوفي، قال عنه أحمد بن حنبل في " الجامع في العلل " ١/ ٢٠١ (١٢٢٤): «هو ضعيف الحديث»، وقال ابن حبان في " المجروحين " ٢/ ١٦٦: «يروي عنه - أي: الكلبي - فإذا قيل له: من حدَّثك بهذا؟ فيقول: حدثني أبو سعيد فيتوهمون أنَّه يريد أبا سعيد الخدري، وإنَّما أراد به الكلبيَّ، فلا يحل كتبة حديثه إلا على جهة التعجب». وأخرجه: الطبري وابن مردويه كما في " الدر المنثور " ٤/ ٦٦١ من طريق عطية العوفي، عن ابن عباس. وهذا إسناد معلق ولا يعرف إسناده، وعطية ضعيف كما تقدم. وأخرجه: ابن مردويه كما في " الدر المنثور " ٤/ ٦٦١ من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وهو ضعيف؛ لأنَّ فيه الكلبيَّ، قال يحيى بن معين فيما نقله ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٧/ ٣٦١ (١٣٠٢١): «الكلبي ليس بشيء»، وقال سفيان الثوري كما في المصدر نفسه: «قال لنا الكلبي: ما حدثت عني، عن أبي صالح، عن ابن عباس، فهو كذب فلا تروه». وقال ابن حبان في " المجروحين " ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤: «الكلبيُّ هذا مذهبه

стр. 311

في الدين ووضوح الكذب فيه، أظهر من أنْ يحتاج إلى الإغراق في وصفه، يروي عن أبي صالح، عن ابن عباس في التفسير، وأبو صالح لم ير ابن عباس ولا سمع منه شيئاً، ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف». وأخرجه: ابن مردويه كما في " الدر المنثور " ٤/ ٦٦١ من طريق سليمان التيمي، عمن حدَّثه، عن ابن عباس. وهو ضعيف؛ فيه من لم يُسمَّ. ورويت القصة من طرق أخرى كلها مرسلة. أخرجه: الطبري في " تفسيره " (١٩١٥٥) ط. الفكر و ١٦/ ٦٠٣ ط. عالم الكتب من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس قالا: جلس رسول الله ﷺ في نادٍ من أندية قريش كثير أهله، فتمنى يومئذ أنْ لا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه، فأنزل الله تعالى عليه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فقرأها رسول الله ﷺ حتى بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ ألقى عليه الشيطان كلمتين: تلكَ الغرانيقُ العلى، وإنَّ شفاعتهنَّ لترتجى فتكلم بها … القصة، فهذه الرواية زيادة على إرسالها فيها أبو معشر - وهو نجيح بن عبد الرحمان - قال عنه البخاري في " التاريخ الكبير " ٨/ ١١ (٢٣٩٧): «منكر الحديث»، وقال أبو داود والنَّسائي فيما نقله عنهما الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ٧/ ٤٣٧: «ضعيف»، وقال ابن حجر في " التقريب " (٧١٠٠): «ضعيف». وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (١٩١٥٦) ط. الفكر و ١٦/ ٦٠٤ ط. عالم الكتب من طريق محمد بن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي وحده، قال: لما رأى رسولُ اللهِ ﷺ تولي قومه عنه وشق عليه ما يرى من مباعدتهم … وذكر القصة. فضلاً عن إرسالها فيها محمد بن إسحاق - وهو ابن يسار - قال عنه أحمد ابن حنبل فيما نقله ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٧/ ٢٦٢ (١٠٨٧): «كثير التدليس جداً»، وقال ابن حبان في " الثقات " ٧/ ٣٨٣: «وإنَّما

стр. 312

أتى ما أتى؛ لأنَّه كان يدلس على الضعفاء، فوقع المناكير في روايته من قبل أولئك». وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (١٩١٦١) ط. الفكر و ١٦/ ٦٠٨ - ٦٠٩ ط. عالم الكتب من طريق ابن شهاب قال: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمان بن الحارث: أنَّ رسول الله ﷺ وهو بمكة قرأ عليهم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فلما بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ قال: إنَّ شفاعتهن ترتجى وسها رسول الله ﷺ … . وأبو بكر بن عبد الرحمان تابعيٌّ ثقة (١) وحديثه مرسل. وأخرجه: ابن أبي حاتم كما في " تفسير ابن كثير ": ١٢٨٢ من طريق موسى بن عقبة، عن ابن شهاب - ولم يذكر أبا بكر بن عبد الرحمان - قال: أُنزلتْ سورة النجم، وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه … . وأخرجه: البيهقي في " الدلائل " كما في " الدر المنثور " ٤/ ٦٦٢ من طريق موسى بن عقبة، باللفظ السابق نفسه، ولم يذكر ابن شهاب. فيكون هنا معضلاً ويكون موسى مضطرباً فيه. وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (١٩١٥٧) ط. الفكر و ١٦/ ٦٠٦ ط. عالم الكتب من طريق داود بن أبي هند، عن أبي العالية، قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ : إنَّما جلساؤكَ عبد بني فلان ومولى بني فلان … القصة. وأخرجه: عبد الرزاق في " تفسيره " (١٩٤٥)، والطبري في " تفسيره " (١٩١٦٧) ط. الفكر و ١٦/ ٦١٢ ط. عالم الكتب من طريق معمر، عن قتادة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يتمنى أنْ لا يعيبَ الله آلهةَ المشركين، فألقى الشيطان في أمنيته، فقال: إنَّ الآلهة التي تدعى، وإنَّ شفاعتها لترتجى، و إنَّها الغرانيق العلى فنسخ الله ذلك، وأحكم آياته … . وهذا على إرساله، فإنَّ رواية معمر عن قتادة متكلم فيها.

стр. 313

وأخرجه: ابن سعد في " الطبقات " ١/ ١٦٠ عن محمد بن عمر، عن يونس بن محمد بن فضالة الظفري، عن أبيه. وعن كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، قالا: رأى رسول الله ﷺ من قومه كفّاً عنه، فجلس خالياً فتمنى فقال: «ليته لا ينزل عليَّ شيء ينفرهم عني»، وقاربَ رسول الله ﷺ قومه ودنا منهم ودنوا منه، فجلس … القصة. هذه الرواية على إرسالها فيها محمد بن عمر -وهو ابن واقد الأسلمي-، قال عنه يحيى بن معين فيما نقله ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٨/ ٢٧ (٩٢): «لا يكتب حديث الواقدي، الواقدي ليس بشيء»، وقال البخاري والنسائي فيما نقل عنهما ابن عدي في " الكامل " ٧/ ٤٨١: «متروك الحديث». وعلّقه الطبري في " تفسيره " (١٩١٦٠) ط. الفكر و ١٦/ ٦٠٨ ط. عالم الكتب من طريق عبيد، عن الضحاك يقول في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ الآية: إنَّ نبي الله ﷺ وهو بمكة أنزل الله عليه في آلهة العرب، فجعل يتلو اللات والعزى، ويكثر ترديدها، وسمع أهل مكة نبي الله يذكر آلهتهم ففرحوا بذلك … . علاوة على إرسالها فهي معلّقة، فالانقطاع أصاب الإسناد في أوله وفي آخره. وأخرجه: الطبراني في " الكبير " (٨٣١٦) من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، قال: وتسمية الذين خرجوا إلى أرض الحبشة المرة الأولى … وذكر القصة مطولة. وذكر فيها: فأما المسلمون فعجبوا من سجود المشركين من غير إيمان ولا يقين، ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان على ألسنة المشركين. قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٧/ ٧٢: «رواه الطبراني مرسلاً، وفيه ابن لهيعة ولا يحتمل هذا من ابن لهيعة» (١).

стр. 314

وأخرجه: ابن أبي حاتم كما في " الدر المنثور " ٤/ ٦٦٣ عن السدّي، قال: خرج النَّبيُّ ﷺ إلى المسجد ليصلي فبينما هو يقرأ، إذ قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ ألقى الشيطان على لسانه فقال: تلكَ الغرانيقُ العلى … . وهذا على إرساله فإنَّ السديَّ تكلموا فيه. انظر: " ميزان الاعتدال " ١/ ٢٣٦ (٩٠٧). وأخرجه: عبد بن حميد كما في " الدر المنثور " ٤/ ٦٦٤ عن عكرمة، قال: قرأ رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ فألقى الشيطان على لسان رسول الله ﷺ تلك إذنْ في الغرانيق … . وأخرجه: عبد بن حميد كما في " الدر المنثور " ٤/ ٦٦١ من طريق السدي، عن أبي صالح، قال: قام رسول الله ﷺ فقال المشركون: إنْ ذكر آلهتنا بخير ذكرنا إلهه بخير، فألقى الشيطان في أمنيته: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ إنَّهن لفي الغرانيق العلى، وإنَّ شفاعتهن … . قال ابن حجر في " فتح الباري " ٨/ ٥٥٨ عقب (٤٧٤٠): «فإنَّ ذلك لا يجوز حمله على ظاهره؛ لأنَّه يستحيل عليه ﷺ أنْ يزيد في القرآن عمداً ما ليس منه، وكذا سهواً إذا كان مغايراً لما جاء من التوحيد لمكان عصمته». قلت: هذا إنْ صحت القصة، ولم تصح. وقال الكرماني كما نقله المباركفوري في " تحفة الأحوذي " ٣/ ١٦٧: «وما قيل من أنَّ ذلك بسبب إلقاء الشيطان في أثناء قراءة رسول الله ﷺ لا صحة له عقلاً ولا نقلاً».

стр. 315

وقال القاضي عياض فيما نقله ابن حجر في " فتح الباري " ٨/ ٥٥٨ عقيب (٤٧٤٠): «هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع إسناده .. ومن حملت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية، قال: وقد بَيّنَ البزار أنَّه لا يعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير مع الشك الذي وقع في وصله، وأما الكلبيُّ فلا تجوز الرواية عنه لقوة ضعفه». وقال أيضاً فيما نقله المباركفوري في " تحفة الأحوذي " ٣/ ١٦٧: «وأما ما يرويه الأخباريون والمفسرون أنَّ سبب ذلك ما جرى على لسان رسول الله ﷺ من الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم فباطل لا يصح فيه شيء لا من جهة النقل ولا من جهة العقل؛ لأنَّ مدح إله غير الله تعالى كفر، ولا يصح نسبة ذلك إلى لسان رسول الله ﷺ ولا أنْ يقوله الشيطان على لسانه، ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك». وقال أيضاً فيما نقله القرطبي في " تفسيره " ١٢/ ٨٢: «إنَّ لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما: في توهين أصله، والثاني: على تسليمه. أما المأخذ الأول: فيكفيك أنَّ هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه بسند صحيح سليم متصل ثقة؛ وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، والمتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. وأما المأخذ الثاني: فهو مبنيٌ على تسليم الحديث لو صح. وقد أعاذنا الله من صحته». وقال ابن عطية في " تفسيره " ١٠/ ٣٠٥ ط. الفكر و: ١٣١٨ ط. ابن حزم: «وهذا الحديث الذي فيه هذه الغرانقة وقع في كتب التفسير ونحوها، ولم يدخله البخاري ومسلم ولا ذكره - في علمي - مصنف مشهور». وقال ابن خزيمة فيما نقله الشوكاني في " فتح القدير " ٣/ ٤٦٢: «إنَّ هذه

стр. 316

القصة من وضع الزنادقة»، وقال ابن كثير في " تفسيره ": ١٢٨٢: «ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم». فالكل يؤكد عدم صحة هذه القصة، إلا أنَّ الحافظ ابن حجر قال في "الفتح " عقيب ٨/ ٥٥٨ (٤٧٤٠): «ومعناهم كلهم في ذلك واحد، وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإلا منقطع. لكن كثرة الطرق تدل على أنَّ للقصة أصلاً». وقال: «وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإنَّ الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أنَّ لها أصلاً». وقد تعقّبه العلاّمة الكبير أحمد محمد شاكر ﵀ في تعليقه على جامع الترمذي ٢/ ٤٦٥ بقوله: «وقد أخطأ في ذلك خطأ لا نرضاه له، ولكل عالم زلة عفا الله عنه». زيادة على ما ذكر فمن العلماء الذين حكموا على هذه القصة المكذوبة بالوضع: ابن العربي في " أحكام القرآن " ٢/ ٧٣ - ٧٥، والفخر الرازي في "تفسيره " ٦/ ١٩٣ - ١٩٧، والعيني في " عمدة القاري " ١٩/ ١٦. أقول: تقدم كلام أهل العلم في نقد هذه القصة وبيان بطلانها، وتقدم أيضاً أنَّ الأسانيد الموصولة كلها ضعيفةٌ، وأنَّ هذه الأسانيد من نسج أوهام بعض الرواة، ومقابل ذلك ظهرت لنا ثلاث أسانيد مرسلة إلا أنَّها غاية في القوة إلى مرسليها، وهي طريق سعيد بن جبير، وأبي بكر بن عبد الرحمان بن الحارث، وأبي العالية. فهذه الأسانيد الثلاثة انطلقت منها بعض أنسام القبول باعتبار صحة الإسناد إلى سعيد بن جبير، وأنَّ سعيداً من كبار التابعين، فإذا انضمت إليه الطرق المرسلة الأخرى صار للقصة أصل، وأظن أنَّ هذا المدخل الذي دُخِلَ به على الحافظ فقال: « .. كثرة الطرق يدل على أنَّ للقصة أصلاً». ولكن لو رويت هذه القصة بألف إسناد لما كان لذي لب تصحيحها، فقد عُلِمَ أنَّ شروط الحديث الصحيح خمسة: ثلاثة في السند واثنان مشتركان بين السند والمتن، فإذا استوت الأسانيد صحيحة، درسنا متنها لنعلم ما يجوز منها وما لا يجوز، وما هو مستحيل، ومن المستحيل جزماً أن يمدح رسول الله ﷺ وهو المؤيد بالتأييدات الإلهية - آلهة قريش، وكيف يكون ذلك

стр. 317

وقد عصمه ربه من مجرد الالتفات لتلك الأصنام قبل بعثته ﷺ ، أفيجوز وقوعه في مثل هكذا وهم بعد البعثة؟! وأهل العلم الذين ناقشوا هذه القصة أتموا جانباً، وأنقصوا آخر. فأفرغوا ما في وسعهم لإبطال عبارة: «تلك الغرانيق العلى .. »، ولكن لم يكن لهم نفس النقد لجانب آخر من هذه القصة فقد جاء في طرق كثيرة منها: أنَّ النبي ﷺ تمنى أن لا ينزل عليه شيء في آلهة قريش، فمن أين عرف مرسلو هذه القصة بأمنية النبيِّ ﷺ ؟ خصوصاً مع انعدام نقل الصحابة ﵃ عن النبيِّ ﷺ التصريح بما جاش في صدره، فهذا دليل آخر على بطلان هذه القصة. فهذه الأمور مجتمعة مع تصريح الأئمة ببطلانها تجعلنا نحكم - مطمئنين - ببطلانها، ولا بد في خاتمة هذه المناقشة أنْ نبين الصواب في تفسير هذه الآي. فقد أخرج الطبري في " تفسيره " ١٦/ ٦٠٩ - ٦١٠ ط. عالم الكتب عن ابن عباس قوله: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ يقول: إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه. ثم بين الطبري ﵀ أنَّ هذا الطريق هو الصواب إذ قال في ١٦/ ٦١٠ - ٦١١ - عقب التفسير الأخير -: «وهذا القول أشبه بتأويل الكلام بدلالة قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيطانُ ثُمّ يُحكِمُ اللهُ آياتِهِ﴾ على ذلك؛ لأن الآيات التي أخبر الله جل ثناؤه أنَّه يحكمها، لا شك أنَّها آيات تنزيله، فمعلوم بذلك أنَّ الذي ألقى فيه الشيطان هو ما أخبر الله تعالى ذكره أنَّه نسخ ذلك منه وأبطله، ثم أحكمه بنسخه ذلك منه. فتأويل الكلام إذن: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تلا كتاب الله وقرأ، أو حدّث وتكلم، ألقى الشيطان في كتاب الله الذي تلاه وقرأه أو في حديثه الذي حدّث وتكلم، ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيطانُ﴾ يقول تعالى: فَيُذْهِبُ اللهُ ما يُلْقِي الشيطانُ من ذلك على لسان نبيه ويبطله». وللشيخ محمد ناصر الدين الألباني رسالة قيمة سماها: " نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق" فلتراجع. ومما رُوي مرسلاً ومتنه يشهد ببطلانه، وقد أخطأ بعضهم فرواه موصولاً ما روى إسماعيل بن عيّاش، قال: حدثني الأوزاعيُّ وغيره، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيّب، عن عُمرَ بن الخطاب، قال: وُلد

стр. 318

لأخي أم سلمة زوج النَّبيِّ ﷺ غلامٌ فسمَّوه الوليدَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «سَمَّيتموهُ بأسماءِ فراعنتكم، لَيكوننَّ في هذه الأمَّة رجلٌ يقال له: الوليد، لهو شرٌّ على هذه الأمة مِنْ فِرعونَ لقومِهِ» (١). أخرجه: أحمد ١/ ١٨، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦٦/ ٢٣٧، وابن الجوزي في " الموضوعات " ١/ ١٥٨ و ٢/ ٤٦ ط. الفكر و (٣٣٠) و (٨٦٧) ط. أضواء السلف من طريق أبي المغيرة، عن إسماعيل بن عيّاش، بالإسناد المذكور. وأخرجه: ابن حجر في " القول المسدد ": ٢٢ من طريق سليمان بن عبد الرحمان، عن إسماعيل، به. هذا إسناد ظاهره الصحة، وإسماعيل بن عياش إنَّما انتُقدتْ عليه روايتُه عن غير الشاميين، وروايته هنا عن الأوزاعيِّ وكما هو معروف فإنَّه شاميٌّ. وعلى الرغم مما تقدمَ، فإنَّ الحديث لا يصح، وهو معلول بعدة علل. فإنَّ إسماعيل قد اختلف عليه في هذا الحديث فكما تقدم أنَّه هنا جعله من مسند عمر ﵁. وأخرجه: الحارث في " مسنده " كما في " بغية الباحث " (٨٠٤) من طريق إسماعيل بن أبي إسماعيل، عنه إلا أنَّه جعله عن سعيد بن المسيب مرسلاً. وقد توبع على إرسال هذه الرواية. فقد أخرجه: الفسويُّ في " المعرفة والتاريخ " ٣/ ٣٤٩ - ٣٥٠، ومن طريقه البيهقيُّ في " دلائل النبوة " ٦/ ٥٠٥، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦٦/ ٢٣٦ - ٢٣٧ عن محمد بن خالد بن العباس السكسكي، عن الوليد بن مسلم، قال: حدثنا (٢) أبو عمرو الأوزاعيُّ، عن ابن شهاب الزهريِّ، عن سعيد بن المسيب، قال: ولد لأخي أم سلمة … فذكره. إلا أنَّ هذه المتابعة لا تصح؛ لضعف محمد بن خالد الراوي عن

стр. 319

الوليد بن مسلم، فقد نقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٧/ ٣٢٧ (١٣٤٠) عن أبيه أنَّه قال: «كان يكذب .. ». وتابعه أيضاً هقل بن زياد. فقد أخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦٦/ ٢٣٧ من طريق هقل، عن الأوزاعيِّ، عن الزهريِّ، عن سعيد بن المسيب. وتابعه بشر بن بكر. فأخرجه: البيهقي في " الدلائل " ٦/ ٥٠٥، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦٦/ ٢٣٧ من طريق بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعيُّ، قال: حدثني الزهريُّ، قال: حدثني سعيد بن المسيب. قال البيهقي عقبه: «هذا مرسل حسن». وتابعه أيضاً محمد بن كثير. فقد أخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦٦/ ٢٣٧ من طريق محمد ابن كثير، عن الأوزاعيِّ، عن الزهريِّ، به. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى إعلال هذا الحديث وردّه، فقال ابن حبان في " المجروحين " ١/ ١٢٥: «وهذا خبرٌ باطلٌ، ما قال رسولُ الله ﷺ هذا، ولا عمر رواه، ولا سعيدٌ حدَّث به، ولا الزهريُّ رواه، ولا هو من (١) حديث الأوزاعي بهذا الإسناد»، وقال الدارقطني في " العلل " ٢/ ١٥٩ (١٨٦): «يرويه الأوزاعيُّ واختلف عنه، فرواه إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعيِّ، عن الزهريِّ، عن ابن المسيب، عن عمر، وغيره يرويه عن الأوزاعيِّ، ولا يذكر فيه عن عمر، وهو الصواب»، وقال ابن الجوزي في "الموضوعات" عقب (٣٣٠) عقب نقله كلام ابن حبان: «فلعل هذا الحديث قد أدخل عليه في كبره، وقد رواه وهو مختلط، قال أحمد بن حنبل: كان إسماعيل يروي عن كل ضرب» وقال أيضاً: «وقد رأيت في بعض الروايات عن الأوزاعي أنَّه

стр. 320

قال: سألتُ الزهريَّ عن هذا الحديث، فقال: إن استخلفَ الوليد بن يزيد، وإلا فهو الوليد بن عبد الملك»، وقال أيضاً: «وهذه الرواية بعيدة عن الصحة، ولو صحت دلت على ثبوت الحديث، والوليد بن يزيد أولى بهذا من ابن عبد الملك؛ لأنَّه كان مشهوراً بالإلحاد مبارزاً بالعناد (١)، وقد كان اسمه فرعون الوليد» (٢)، وقال الذهبيُّ في " السير " ٥/ ٣٧١: «رواه الوليد والهقل وجماعة، عن الأوزاعي، فأرسلوه وما ذكروا عمر … ». قلت: وقد تعقّب الحافظ ابنُ حجر ابنَ حبان في " القول المسدد ": ٢٠ في إعلاله لهذا الحديث وقد أصاب الحافظ في بعض ما ذهب إليه وجانبه في بعضه الآخر، فقوله عقب نقله لقول ابن حبان: «إنَّه باطل»: «دعوى لا برهان عليها … » سيأتي بيان الدليل في نهاية الكلام على هذا الطريق. أما ما نسبه إلى ابن حبان قوله: «تغير حفظه واختلط» هذا الكلام فيه ما فيه؛ وذلك أنَّ ابن حبان لم ينسبه إلى الاختلاط، وهذا نص كلامه في "المجروحين " ١/ ١٢٥: « … وما حفظ على الكبر من حديث الغرباء خلط فيه … »، يعني: أنَّه حينما كبر ساء حفظه، لا سيما إذا حدَّث عن الغرباء فإنَّ له أخطاء كما هو مستنبط من كلامه. وأما قوله: «ومع كون إسماعيل بهذا الوصف، وحديثه المتقدم عن شاميٍّ فلم ينفرد به كما قال ابن حبان وابن الجوزي، وإنَّما انفرد بذكر عمر فيه خاصة». قلت: وهذا ألا يعد انفراداً؟ قد يكون الانفراد نسبياً ولكنَّه انفراد. وأيضاً في قوله: «على أنَّ الرواة عنه لم يتفقوا على ذلك … ». هذا أيضاً إعلال للحديث؛ لأنَّ الظاهر أنَّ إسماعيل لم يضبط حفظه حتى عن الأوزاعيِّ الذي هو شاميٌّ، والدليل على ذلك اختلاف الرواة عنه. وقوله: «وأما من تابع إسماعيل عن الأوزاعيِّ فقد رواه عن الأوزاعيِّ
следующие страницы →