← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1526

الجامع في العلل والفوائد

ماهر الفحل

Полный текст (2 498 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

القصة من وضع الزنادقة»، وقال ابن كثير في " تفسيره ": ١٢٨٢: «ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم». فالكل يؤكد عدم صحة هذه القصة، إلا أنَّ الحافظ ابن حجر قال في "الفتح " عقيب ٨/ ٥٥٨ (٤٧٤٠): «ومعناهم كلهم في ذلك واحد، وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإلا منقطع. لكن كثرة الطرق تدل على أنَّ للقصة أصلاً». وقال: «وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإنَّ الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أنَّ لها أصلاً». وقد تعقّبه العلاّمة الكبير أحمد محمد شاكر ﵀ في تعليقه على جامع الترمذي ٢/ ٤٦٥ بقوله: «وقد أخطأ في ذلك خطأ لا نرضاه له، ولكل عالم زلة عفا الله عنه». زيادة على ما ذكر فمن العلماء الذين حكموا على هذه القصة المكذوبة بالوضع: ابن العربي في " أحكام القرآن " ٢/ ٧٣ - ٧٥، والفخر الرازي في "تفسيره " ٦/ ١٩٣ - ١٩٧، والعيني في " عمدة القاري " ١٩/ ١٦. أقول: تقدم كلام أهل العلم في نقد هذه القصة وبيان بطلانها، وتقدم أيضاً أنَّ الأسانيد الموصولة كلها ضعيفةٌ، وأنَّ هذه الأسانيد من نسج أوهام بعض الرواة، ومقابل ذلك ظهرت لنا ثلاث أسانيد مرسلة إلا أنَّها غاية في القوة إلى مرسليها، وهي طريق سعيد بن جبير، وأبي بكر بن عبد الرحمان بن الحارث، وأبي العالية. فهذه الأسانيد الثلاثة انطلقت منها بعض أنسام القبول باعتبار صحة الإسناد إلى سعيد بن جبير، وأنَّ سعيداً من كبار التابعين، فإذا انضمت إليه الطرق المرسلة الأخرى صار للقصة أصل، وأظن أنَّ هذا المدخل الذي دُخِلَ به على الحافظ فقال: « .. كثرة الطرق يدل على أنَّ للقصة أصلاً». ولكن لو رويت هذه القصة بألف إسناد لما كان لذي لب تصحيحها، فقد عُلِمَ أنَّ شروط الحديث الصحيح خمسة: ثلاثة في السند واثنان مشتركان بين السند والمتن، فإذا استوت الأسانيد صحيحة، درسنا متنها لنعلم ما يجوز منها وما لا يجوز، وما هو مستحيل، ومن المستحيل جزماً أن يمدح رسول الله ﷺ وهو المؤيد بالتأييدات الإلهية - آلهة قريش، وكيف يكون ذلك

стр. 317

وقد عصمه ربه من مجرد الالتفات لتلك الأصنام قبل بعثته ﷺ ، أفيجوز وقوعه في مثل هكذا وهم بعد البعثة؟! وأهل العلم الذين ناقشوا هذه القصة أتموا جانباً، وأنقصوا آخر. فأفرغوا ما في وسعهم لإبطال عبارة: «تلك الغرانيق العلى .. »، ولكن لم يكن لهم نفس النقد لجانب آخر من هذه القصة فقد جاء في طرق كثيرة منها: أنَّ النبي ﷺ تمنى أن لا ينزل عليه شيء في آلهة قريش، فمن أين عرف مرسلو هذه القصة بأمنية النبيِّ ﷺ ؟ خصوصاً مع انعدام نقل الصحابة ﵃ عن النبيِّ ﷺ التصريح بما جاش في صدره، فهذا دليل آخر على بطلان هذه القصة. فهذه الأمور مجتمعة مع تصريح الأئمة ببطلانها تجعلنا نحكم - مطمئنين - ببطلانها، ولا بد في خاتمة هذه المناقشة أنْ نبين الصواب في تفسير هذه الآي. فقد أخرج الطبري في " تفسيره " ١٦/ ٦٠٩ - ٦١٠ ط. عالم الكتب عن ابن عباس قوله: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ يقول: إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه. ثم بين الطبري ﵀ أنَّ هذا الطريق هو الصواب إذ قال في ١٦/ ٦١٠ - ٦١١ - عقب التفسير الأخير -: «وهذا القول أشبه بتأويل الكلام بدلالة قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيطانُ ثُمّ يُحكِمُ اللهُ آياتِهِ﴾ على ذلك؛ لأن الآيات التي أخبر الله جل ثناؤه أنَّه يحكمها، لا شك أنَّها آيات تنزيله، فمعلوم بذلك أنَّ الذي ألقى فيه الشيطان هو ما أخبر الله تعالى ذكره أنَّه نسخ ذلك منه وأبطله، ثم أحكمه بنسخه ذلك منه. فتأويل الكلام إذن: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تلا كتاب الله وقرأ، أو حدّث وتكلم، ألقى الشيطان في كتاب الله الذي تلاه وقرأه أو في حديثه الذي حدّث وتكلم، ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيطانُ﴾ يقول تعالى: فَيُذْهِبُ اللهُ ما يُلْقِي الشيطانُ من ذلك على لسان نبيه ويبطله». وللشيخ محمد ناصر الدين الألباني رسالة قيمة سماها: " نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق" فلتراجع. ومما رُوي مرسلاً ومتنه يشهد ببطلانه، وقد أخطأ بعضهم فرواه موصولاً ما روى إسماعيل بن عيّاش، قال: حدثني الأوزاعيُّ وغيره، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيّب، عن عُمرَ بن الخطاب، قال: وُلد

стр. 318

لأخي أم سلمة زوج النَّبيِّ ﷺ غلامٌ فسمَّوه الوليدَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «سَمَّيتموهُ بأسماءِ فراعنتكم، لَيكوننَّ في هذه الأمَّة رجلٌ يقال له: الوليد، لهو شرٌّ على هذه الأمة مِنْ فِرعونَ لقومِهِ» (١). أخرجه: أحمد ١/ ١٨، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦٦/ ٢٣٧، وابن الجوزي في " الموضوعات " ١/ ١٥٨ و ٢/ ٤٦ ط. الفكر و (٣٣٠) و (٨٦٧) ط. أضواء السلف من طريق أبي المغيرة، عن إسماعيل بن عيّاش، بالإسناد المذكور. وأخرجه: ابن حجر في " القول المسدد ": ٢٢ من طريق سليمان بن عبد الرحمان، عن إسماعيل، به. هذا إسناد ظاهره الصحة، وإسماعيل بن عياش إنَّما انتُقدتْ عليه روايتُه عن غير الشاميين، وروايته هنا عن الأوزاعيِّ وكما هو معروف فإنَّه شاميٌّ. وعلى الرغم مما تقدمَ، فإنَّ الحديث لا يصح، وهو معلول بعدة علل. فإنَّ إسماعيل قد اختلف عليه في هذا الحديث فكما تقدم أنَّه هنا جعله من مسند عمر ﵁. وأخرجه: الحارث في " مسنده " كما في " بغية الباحث " (٨٠٤) من طريق إسماعيل بن أبي إسماعيل، عنه إلا أنَّه جعله عن سعيد بن المسيب مرسلاً. وقد توبع على إرسال هذه الرواية. فقد أخرجه: الفسويُّ في " المعرفة والتاريخ " ٣/ ٣٤٩ - ٣٥٠، ومن طريقه البيهقيُّ في " دلائل النبوة " ٦/ ٥٠٥، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦٦/ ٢٣٦ - ٢٣٧ عن محمد بن خالد بن العباس السكسكي، عن الوليد بن مسلم، قال: حدثنا (٢) أبو عمرو الأوزاعيُّ، عن ابن شهاب الزهريِّ، عن سعيد بن المسيب، قال: ولد لأخي أم سلمة … فذكره. إلا أنَّ هذه المتابعة لا تصح؛ لضعف محمد بن خالد الراوي عن

стр. 319

الوليد بن مسلم، فقد نقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٧/ ٣٢٧ (١٣٤٠) عن أبيه أنَّه قال: «كان يكذب .. ». وتابعه أيضاً هقل بن زياد. فقد أخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦٦/ ٢٣٧ من طريق هقل، عن الأوزاعيِّ، عن الزهريِّ، عن سعيد بن المسيب. وتابعه بشر بن بكر. فأخرجه: البيهقي في " الدلائل " ٦/ ٥٠٥، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦٦/ ٢٣٧ من طريق بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعيُّ، قال: حدثني الزهريُّ، قال: حدثني سعيد بن المسيب. قال البيهقي عقبه: «هذا مرسل حسن». وتابعه أيضاً محمد بن كثير. فقد أخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦٦/ ٢٣٧ من طريق محمد ابن كثير، عن الأوزاعيِّ، عن الزهريِّ، به. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى إعلال هذا الحديث وردّه، فقال ابن حبان في " المجروحين " ١/ ١٢٥: «وهذا خبرٌ باطلٌ، ما قال رسولُ الله ﷺ هذا، ولا عمر رواه، ولا سعيدٌ حدَّث به، ولا الزهريُّ رواه، ولا هو من (١) حديث الأوزاعي بهذا الإسناد»، وقال الدارقطني في " العلل " ٢/ ١٥٩ (١٨٦): «يرويه الأوزاعيُّ واختلف عنه، فرواه إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعيِّ، عن الزهريِّ، عن ابن المسيب، عن عمر، وغيره يرويه عن الأوزاعيِّ، ولا يذكر فيه عن عمر، وهو الصواب»، وقال ابن الجوزي في "الموضوعات" عقب (٣٣٠) عقب نقله كلام ابن حبان: «فلعل هذا الحديث قد أدخل عليه في كبره، وقد رواه وهو مختلط، قال أحمد بن حنبل: كان إسماعيل يروي عن كل ضرب» وقال أيضاً: «وقد رأيت في بعض الروايات عن الأوزاعي أنَّه

стр. 320

قال: سألتُ الزهريَّ عن هذا الحديث، فقال: إن استخلفَ الوليد بن يزيد، وإلا فهو الوليد بن عبد الملك»، وقال أيضاً: «وهذه الرواية بعيدة عن الصحة، ولو صحت دلت على ثبوت الحديث، والوليد بن يزيد أولى بهذا من ابن عبد الملك؛ لأنَّه كان مشهوراً بالإلحاد مبارزاً بالعناد (١)، وقد كان اسمه فرعون الوليد» (٢)، وقال الذهبيُّ في " السير " ٥/ ٣٧١: «رواه الوليد والهقل وجماعة، عن الأوزاعي، فأرسلوه وما ذكروا عمر … ». قلت: وقد تعقّب الحافظ ابنُ حجر ابنَ حبان في " القول المسدد ": ٢٠ في إعلاله لهذا الحديث وقد أصاب الحافظ في بعض ما ذهب إليه وجانبه في بعضه الآخر، فقوله عقب نقله لقول ابن حبان: «إنَّه باطل»: «دعوى لا برهان عليها … » سيأتي بيان الدليل في نهاية الكلام على هذا الطريق. أما ما نسبه إلى ابن حبان قوله: «تغير حفظه واختلط» هذا الكلام فيه ما فيه؛ وذلك أنَّ ابن حبان لم ينسبه إلى الاختلاط، وهذا نص كلامه في "المجروحين " ١/ ١٢٥: « … وما حفظ على الكبر من حديث الغرباء خلط فيه … »، يعني: أنَّه حينما كبر ساء حفظه، لا سيما إذا حدَّث عن الغرباء فإنَّ له أخطاء كما هو مستنبط من كلامه. وأما قوله: «ومع كون إسماعيل بهذا الوصف، وحديثه المتقدم عن شاميٍّ فلم ينفرد به كما قال ابن حبان وابن الجوزي، وإنَّما انفرد بذكر عمر فيه خاصة». قلت: وهذا ألا يعد انفراداً؟ قد يكون الانفراد نسبياً ولكنَّه انفراد. وأيضاً في قوله: «على أنَّ الرواة عنه لم يتفقوا على ذلك … ». هذا أيضاً إعلال للحديث؛ لأنَّ الظاهر أنَّ إسماعيل لم يضبط حفظه حتى عن الأوزاعيِّ الذي هو شاميٌّ، والدليل على ذلك اختلاف الرواة عنه. وقوله: «وأما من تابع إسماعيل عن الأوزاعيِّ فقد رواه عن الأوزاعيِّ

стр. 321

أيضاً الوليد بن مسلم الدمشقي، وبشر بن بكر التنيسي، والهقل بن زياد كاتب الأوزاعيِّ، ومحمد بن كثير لكنَّهم أرسلوه فلم يذكروا فيه عمر … ». ولو أنَّه ﵀ ذكرهم على سبيل المخالفة لإسماعيل لكان أولى، فكيف يذكر هؤلاء الرواة الحديث مرسلاً، وينفرد عنه راوٍ بوصله ثُمَّ نحكم بأنَّ أولئك متابع بعضهم لبعض؟ هذا كلام فيه نظر (١). والحديث قد روي من غير هذا الطريق. فأخرجه: الحاكم ٤/ ٤٩٤ قال: أخبرني محمد بن المؤمل بن الحسن، قال: حدثنا الفضل بن محمد بن المسيب، قال: حدثنا نُعيم بن حمّاد، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيِّ، عن الزهريِّ، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، قال: وُلدَ لأخي أمِّ سلمةَ غلامٌ فسَمّوهُ الوليد، فذكر ذلك لرسول الله ﵌، فقال: «سميتموهُ بأسامي فراعنتِكم، ليكونَن في هذهِ الأمةِ رجلٌ يقالُ لهُ: الوليدُ، هو شرٌّ على هذه الأمةِ منْ فرعونَ على قومِهِ». قال الزهريُّ: إنْ استخلف الوليد بن يزيد فهو هو، وإلا فالوليد بن عبد الملك. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» ثم رجح الحاكم كون الوليد هذا ابن يزيد. فالحديث بهذا الإسناد شاذ وزيادة أبي هريرة سببت شذوذه، قال السيوطي في " اللآلئ المصنوعة " ١/ ١١٠: «رواية نعيم بن حماد عن الوليد بذكر أبي هريرة فيه شاذة». والوهم فيه إما أنْ يكون من أحد الشيوخ أو من الحاكم نفسه، والذي يدل على شذوذ رواية الحاكم أنَّ الحديث رواه نعيم بن حماد في كتابه " الفتن " (٣٢٥) قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال فذكره … مرسلاً. قلت: نعيم بن حماد تكلم فيه، فقد قال عنه النَّسائيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (٥٨٩): «ضعيف»، وقال الذهبيُّ في " ميزان الاعتدال " ٤/ ٢٦٧: «أحد الأئمة الأعلام على لين في حديثه»، ونقل ﵀ عن ابن يونس:

стр. 322

« … وكان يفهم الحديث، وروى أحاديث مناكير عن الثقات» (١). غير أنَّ تخريج نعيم بن حماد للحديث في كتابه يبرئ ساحته من الوهم، وقد يكون الوهم في ذلك من تلميذه الفضل بن محمد. فعاد بذلك الحديث إلى الطريق المرسل عن سعيد. ومما تقدم يتبين أنَّ الصواب الطريق المرسل، ولكنَّ الحديث أعل بغير ذلك. وذلك أنَّ الأوزاعيَّ ﵀ خالف من هو أوثق منه في الزهريِّ (٢). فقد أخرجه: عبد الرزاق في " أماليه " (١٧٢) عن معمر، عن الزهري، قال: وُلِد لأخي أم سلمة … فذكره. فإذا نظرنا في حال الراويين (الأوزاعي ومعمر) لم نتوان لحظة في ترجيح رواية معمر؛ لعلو كعبه في حديث الزهري خاصة. لا سيما وقد تكلم في رواية الأوزاعيِّ عن الزهريِّ، فقد نقل ابن رجب في " شرح علل الترمذي " ٢/ ٤٨٤ ط. عتر عن ابن معين أنَّه قال: «الأوزاعيُّ في الزهريِّ ليس بذاك، أخذ كتاب الزهري من الزبيدي»، ونقل في ٢/ ٤٨٢ ط. عتر عن الجوزجاني أنه قال: «فأما الأوزاعي فربما يهم عن الزهري»، ونقل ابن حجر في "تهذيب التهذيب " ٦/ ٢١٧ عن يعقوب أنَّه قال: «والأوزاعيُّ ثقة ثبت، وفي روايته عن الزهريِّ خاصة شيء». وعلى حال الأوزاعي وضعف روايته عن الزهري فإنَّه وكما تقدم اختلف عليه في هذا الحديث فجعله تارة من مسند عمر، وتارة من مسند أبي هريرة، وتارة يجعله من مراسيل سعيد بن المسيب، ولكن علة حديث عمر ﵁ ليست منه، وكذا علة طريق أبي هريرة، لذلك نقول: إنَّ الأوزاعي اختلف عنه ولم يختلف فيه، لكنه وهم في ذكر سعيد بن المسيب في الإسناد، والذي يدل على ذلك أنَّ معمراً رواه فجعله من مراسيل الزهري.

стр. 323

قلت: من خلال هذا البيان لحال الراويين المختلفين يتبين أنَّ الراجح طريق معمر، والله أعلم. وقد روي هذا الحديث متصلاً من غير هذا الوجه. فأخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦٦/ ٢٣٧ - ٢٣٨ قال: أخبرنا أبو عبد الرحمان بن أبي الحسن، قال: أخبرنا سهل بن بشر، قال: أخبرنا علي بن منير بن أحمد، قال: أخبرنا محمد بن أحمد الذهلي، قال: أبو أحمد بن عبدوس، قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن زينب بنت أم سلمة، عن أمها أمِّ سلمة، قالتْ: دخل عليَّ النَّبيُّ ﷺ وعندي غلامٌ منْ آل المغيرة اسمه الوليد، فقال: «مَنْ هذا يا أم سلمة؟» قالت: هذا الوليد، فقال النَّبيُّ ﷺ : «قد اتخذتم الوليدَ حناناً، غيرّوا اسمهُ؛ فإنَّه سيكونُ في هذهِ الأمةِ فرعون يقالُ له: الوليدُ». هذا إسناد ضعيف، محمد الذهلي قال عنه الذهبي: «شيخ» (١)، وسلمة بن الفضل، قال عنه البخاري: «وفي حديثه بعض المناكير» (٢) ولعل هذا من مناكيره؛ لأن أحداً من الرواة لم يجعله من مسند أم سلمة. ومحمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعن. وقد ذكر الذهبي في " تاريخ الإسلام " (٣): ٢٨٨ (حوادث سنة ١٣٠) هذا السند، وقال عقبه: «رواه محمد بن سلام، عن حماد بن سلمة فذكر نحوه منقطعاً». يعني: أنَّ الحديث منصوصاً من قول حماد بن سلمة، والله أعلم. حكم الحديث المرسل: اختلف أهل العلم في الاحتجاج بالمرسل على أقوال كثيرة (٤)، أشهرها ثلاثة أقوال رئيسة:

стр. 324

القول الأول: إنَّ الحديث المرسَل ضعيف، لا تقوم به حجَّة. وهذا ما ذهب إليه جمهور المحدِّثين (١). وفي مقدمة صحيح مسلم _ رحمه الله تعالى _: «والمرسَل من الروايات في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار، ليس بحجَّة» (٢). ونقله عنه ابن الصلاح قال: «وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسَل، والحكم بضعفه، هو الذي استقرَّ عليه آراء جماعة حفاظ الحديث، ونقّاد الأثر، وقد تداولوه في تصانيفهم» (٣). وحجَّتهم: جهالة الوساطة التي روى المرسِل الحديث عنها، إذ قد يكون الساقط صحابياً، وقد يكون تابعياً. وعلى الاحتمال الثاني: قد يكون ثقة، وقد يكون غير ثقة، قال الخطيب البغدادي: «والذي نختاره: سقوط فرض العمل بالمرسَل، وأنَّ المرسَل غير مقبول، والذي يدل على ذلك: أنَّ إرسال الحديث يؤدي إلى الجهل بعين راويه، ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه، وقد بيَّنا من قبل أنَّه لا يجوز قبول الخبر إلاّ ممن عرفت عدالته، فوجب كذلك كونه غير مقبول، وأيضاً فإنَّ العدل لو سئل عمَّن أرسل؟ فلم يعدله، لم يجب العمل بخبره، إذا لم يكن معروف العدالة من جهة غيره، وكذلك حاله إذا ابتدأ الإمساك عن ذكره، وتعديله؛ لأنَّه مع الإمساك عن ذكره غير معدل له، فوجب أنْ لا يقبل الخبر عنه» (٤). وقال الحافظ ابن حجر بعد أنْ ذكر المرسل في نوع المردود: «وإنَّما ذُكرَ في قسم المردود؛ للجهل بحال المحذوف؛ لأنَّه يحتمل أنْ يكون

стр. 325

صحابياً، ويحتمل أن يكون تابعياً، وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفاً، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني يحتمل أن يكون حمل عن صحابي، ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر، وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق، ويتعدد إمَّا بالتجويز العقلي، فإلى ما لا نهاية له، وإمَّا بالاستقراء، فإلى ستة، أو سبعة، وهو أكثر ما وُجدَ من رواية بعض التابعين عن بعض» (١). القول الثاني: يقبل المرسَل من كبار التابعين دون غيرهم، بشرط الاعتبار في الحديث المرسَل، والراوي المرسِل. أمَّا الاعتبار في الحديث: فهو أن يعتضد بواحد من أربعة أُمور: أن يروى مسنداً من وجه آخر، أو يُروى مرسَلاً بمعناه عن راوٍ آخر لم يأخذ عن شيوخ الأول؛ فيدلّ ذلك على تعدد مخرج الحديث، أو يوافقه قول بعض الصحابة، أو يكون قال به أكثر أهل العلم. وأمَّا الاعتبار في الراوي المرسِل: فأن يكون الراوي إذا سمَّى من روى عنه لم يسمِّ مجهولاً، ولا مرغوباً عنه في الرواية. فإذا وجدت هذه الأمور كانت دلالة على صحة مخرج حديثه، فيحتجُّ به. وهو قول الإمام الشافعي (٢). القول الثالث: يقبل المرسل ويحتجّ به إذا كان راويه ثقة. وهو قول أبي حنيفة، ومالك، ورواية عن أحمد (٣). والقول الصحيح هو الأول؛ لأنَّ المرسَل فقد شرط الاتصال، والاتصال شرطٌ رئيسٌ في صحة الحديث، وليس هناك فرق بين القول الأول والثاني؛ لأنَّ أصحاب القول الأول متَّفِقون على أنَّ المرسل ليس من الضعف الشديد، بل يتقوى بالمتابعات والشواهد، فالقول الثاني ليس نافٍ للقول

стр. 326

الأول، إلا أنَّ الفرق أنَّ الشافعي خصه بكبار التابعين، وسبب جعلنا إياه قسيماً للقول الأول؛ أنَّنا لم نجد من فصَّله بهذا التفصيل الرائع، وعُدّ هذا من مآثر الإمام الشافعي، زيادة على أنَّ قضية تقوية الأحاديث تدرك بالمباشرة، وجعل ذلك تحت قاعدة كلِّية، يتورع عنه كثير من الناس، إذ لكل حديث حالته الخاصة لاسيما قضية تقوية الحديث بعمل أهل العلم به يتوقف فيها كثير من الناس. فكبار التابعين: هم الذين أدركوا كبار الصحابة كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل … وأكثر روايتهم إذا سمّوا شيوخهم عن الصحابة، وهؤلاء مثل: قيس بن أبي حازم، وسعيد بن المسيب، ومسروق بن الأجدع، ويندرج في جملتهم المخضرَمون، وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، لكنهم لم يثبت لهم شرف الصحبة، مثل: سويد بن غفلة، وعمرو بن ميمون الأودي، وأبي رجاء العطاردي. فمراسيل هؤلاء الكبار أفضل من غيرهم، واحتمال تقويتها بالمتابعات والشواهد، أقوى وأسرع. أمَّا الطبقة الثانية: فهم طبقة أواسط التابعين، وهم الذين أدركوا علي ابن أبي طالب، ومن بقي حياً إلى عهده، وبُعيده من الصحابة كحذيفة بن اليمان، وأبي موسى الأشعري، وأبي أيوب الأنصاري، وعمران بن حصين، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة أُمّ المؤمنين، وأبي هريرة، والبراء بن عازب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، ووقع سماعهم من بعضهم، ومن هؤلاء التابعين الأواسط الذين أدركوا هؤلاء الصحابة: الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، وطاووس اليماني، وأبو سلمة بن عبد الرحمان، وعامر الشعبي، ومجاهد بن جبر. فمراسيل هذه الطبقة دون مراسيل أصحاب الطبقة الأولى من كبار التابعين، ولكنها تكتب للاعتبار، وتتقوى بالمتابعات والشواهد. أمَّا الطبقة الثالثة: فهم صغار التابعين، وهم من أدرك وسمع ممن تأخر موته من الصحابة، كمن سمع من أنس بن مالك، وسهل بن سعد، وأبي أمامة الباهلي. ومن هؤلاء التابعين الصغار: ابن شهاب الزهري، وقتادة بن دعامة

стр. 327

السدوسي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وحُميد الطويل، فمراسيل هؤلاء من أضعف المراسيل، وهي أشبه أن تكون معضلة؛ لأنَّ غالب روايات هؤلاء عن التابعين، فإذا أرسل أحدهم، يغلب على الظن أنَّه أسقط من الإسناد رجلين فأكثر. ومن أقوى المراسيل: مراسيل سعيد بن المسيب، فقد تُتبعت فوُجد غالبها مسانيد، ومن المراسيل الجيدة: مراسيل عروة بن الزبير؛ لشدَّة تحرِّيه، وكذا مراسيل عامر بن شراحيل الشعبي، ومحمد بن سيرين. أمَّا مراسيل الصحابة: وهو ما وقع لبعض الصحابة، ممّا لم يسمعوه من النبي ﷺ مشافهة، إنما سمعوه من صحابة آخرين، وهذا يحصل لصغار الصحابة، مثل ابن عباس، وأنس بن مالك، فهذا مقبول عند جمهور المحدِّثين؛ لأنَّ ما لم يسمعوه من النبي ﷺ مشافهة، إنَّما سمعوه من صحابة آخرين، والصحابة كلّهم عدول. ٣ - المعضل: في اللغة: اسم مفعول، من أعضله بمعنى أعياه (١). وفي اصطلاح المحدّثين: هو عبارة عما سقط من إسناده اثنان فصاعداً على التوالي (٢). وسمى ابن الصلاح حديث تابع التابعي إذا كان مرفوعاً معضلاً (٣). والمعضل: لقب خاص لنوع من المنقطع، فكل معضل منقطع، وليس كل منقطع معضلاً. ويُعرف الإعضال بما سبق مما يُعرف به المنقطع، ويتأكد ذلك بأحد أمرين:

стр. 328

الأول: التاريخ، وذلك ببعد طبقة التلميذ الراوي عن طبقة شيخه المروي عنه. والآخر: دلالة السبر لطرق الحديث (١). هذا بيان معنى المعضل عند المتأخرين، أما المتقدمون فإنَّهم كانوا قليلاً ما يستعملون لفظة معضل بهذا المعنى الاصطلاحي الذي شاع عند المتأخرين، ولكنها كانت تستعمل عندهم في معان أخرى خارجة عن ذلك .. (٢). والحديث المعضل ضعيف عند المحدّثين؛ لجهالة الساقطين من الإسناد: فهو أسوأ حالاً من المنقطع، والمنقطع أسوأ حالاً من المرسل، والمرسل لا تقوم به حجة (٣). وعلى هذا فبين المعضل والمنقطع عموم وخصوص، فإن كان في السند من لم يسمع من الذي فوقه، فهو منقطع، وإن كان بينهما اثنان فهو معضل، وإنما جاء العموم من حيث إن المسمَّيَين يحكم عليهما بالانقطاع، وخص الإعضال بسقوط راويين. ٤ - الاختلاف في سماع الراوي: سبق أنَّ الاتصال شرط لصحة الحديث النبوي الشريف، و الاتصال: هو تلقي الراوي الحديث من الشيخ الذي يليه، وقد يختلف العلماء في إثبات سماع راو من شيخه أو نص سماعه منه، وهذا الاختلاف يؤدي إلى اختلافهم في إعلال الحديث أو عدم إعلاله، فمن يثبت السماع يعده متصلاً، ومن لا يثبت السماع يعده منقطعاً مما يؤدي إلى رد الحديث أو قبوله؛ ويحصل خلاف للفقهاء بسبب ذلك. هذا في حال إن لم تظهر قرينة ترجح قولاً على قول، فإن ظهرت مثل هذه القرائن اعتمد عليها. ومثال ما حصل فيه الاختلاف في سماع الراوي من شيخه ما

стр. 329

روى يحيى ابن سعيد القطّان، عن شعبة وسفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمان السُّلميِّ، عن عثمان بن عفّان ﵁، قال: قالَ رسول الله ﷺ ، قالَ شُعْبَة: «خيرُكم» وقالَ سُفْيانُ: «أفضلُكُم مَنْ تعلَّم القُرآنَ وعلَّمهُ» (١). أخرجه: أحمد ١/ ٦٩، وابن ماجه (٢١١)، والترمذي (٢٩٠٨) م، والبزار (٣٩٦)، والنَّسائيُّ في "الكبرى" (٨٠٣٧) ط. العلمية و (٧٩٨٣) ط. الرسالة وفي "فضائل القرآن"، له (٦٣)، وأبو نعيم في "الحلية" ٤/ ١٩٤، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٢٤٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٢٠٥) و (٢٢٠٦) ط. العلمية و (٢٠١٦) ط. الرشد، والخطيب في "تاريخ بغداد" ٤/ ٣٠٢ وفي ط. الغرب ٥/ ٤٩٤ من طرق عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد. هذا إسناد ظاهره الصحة رواته ثقات، قال أبو نعيم عقبه: «هذا حديث صحيح متفق عليه» (٢). قلت: إلا أنَّه قد تكلم في سماع أبي عبد الرحمان من عثمان، قال أبو عوانة ٢/ ٤٤٧ عقيب (٣٧٧٦): «اختلفَ أهل العلم من أهل التمييز في سماع أبي عبد الرحمان من عثمان». ونقل ابن الجُنيد في سؤالاته (٣)، عن يحيى أنَّه قال: «لم يسمع من عثمان، ولا من عبد الله»، ونقل أحمد ١/ ٥٨، وابن أبي حاتم في "المراسيل" (٣٨٢)، وأبو عوانة ٢/ ٤٤٥ عقيب (٣٧٦٥) عن شعبة أنَّه قال: «ولم يسمع أبو عبد الرحمان من عثمان، ولا من عبد الله، ولكنَّه قد سمع من عليٍّ ﵃»، ونقل ابن أبي حاتم في " المراسيل " (٣٨٣) عن أبيه أنَّه قال: «ليس تثبت روايته

стр. 330

عن عليٍّ، فقيل له: سمع من عثمان بن عفّان؟ قال: قد روى عنه، ولم يذكر سماعاً». في حين ذهب إلى إثبات سماعه جماعة، فقال البخاريُّ في "التاريخ الكبير" ٤/ ٣٧٨ (١٨٨): «سمع علياً وعثمان، وابن مسعود ﵃ … » وتعقّب العلائي كلام شعبة وأبي حاتم، فقال في "جامع التحصيل" (٣٤٧): «أخرج له البخاريُّ حديثين عن عثمان: «خيرُكم مَنْ تعلَّم القُرآنَ وعلَّمه» والآخر: أنَّ عثمانَ أشرفَ عليهم وهو محصورٌ. وقد عُلم أنَّه لا يكتفي بمجرد إمكان اللقاء». وقال أيضاً: « … وروى حسين الجعفي، عن محمد بن أبان، عن علقمة بن مرثد، قال: تعلم أبو عبد الرحمان القرآن من عثمان، وعرض على عليٍّ ﵄. وقال عاصم بن أبي النجود وهو ممّن قرأ على أبي عبد الرحمان: أنَّه قرأ على عليٍّ ﵁، وقال أبو عمرو الداني: أخذ أبو عبد الرحمان القراءة عرضاً من عثمان وعليٍّ وابن مسعود وأبي بن كعب وزيد ابن ثابت ﵃ وكل هذا ممّا يعارض الأقوال المتقدمة، والله أعلم»، وقال الذهبي في "معرفة القراء الكبار" فيما أفاد به الشيخ مقبل في تعليقه على "التتبع": ٢٧٦ (١٣٠): «وقول حجاج عن شعبة أنَّ أبا عبد الرحمان لم يسمع من عثمان بن عفّان ﵁ ليس بشيء، فقد ثبت لقيه لعثمان، وقال في: ٤٦: لم يتابع شعبة على هذا» (١)، وقال ابن حجر في "فتح الباري" ٩/ ٩٥: «وذكر الحافظ أبو العلاء أنَّ مسلماً سكت عن إخراج هذا الحديث في صحيحه، قلت - القائل ابن حجر -: قد وقع في بعض الطرق التصريح بتحديث عثمان لأبي عبد الرحمان، وذلك فيما أخرجه: ابن عدي في ترجمة عبد الله بن محمد بن أبي مريم (٢)، من طريق ابن جريج، عن عبد الكريم، عن أبي عبد الرحمان، قال: حدثني عثمان، وفي إسناده مقال، لكن ظهر لي أنَّ البخاريَّ اعتمد في وصله وفي ترجيح لقاء أبي عبد الرحمان لعثمان، على ما وقع في رواية شعبة، عن سعد بن عبيدة من الزيادة، وهي أنَّ أبا عبد الرحمان أَقْرَأَ من زمن عثمان إلى

стр. 331

زمن الحجاج (١)، وأنَّ الذي حمله على ذلك هو الحديث المذكور، فدل على أنَّه سمعه في ذلك الزمان، وإذا سمعه في ذلك الزمان، ولم يوصف بالتدليس اقتضى ذلك سماعه ممن عنعنه عنه وهو عثمان ﵁، ولا سيما مع ما اشتهر بين القراء أنَّه قرأ القرآن على عثمان، وأسندوا ذلك عنه من رواية عاصم بن أبي النجود وغيره، فكان هذا أولى من قول من قال: إنَّه لم يسمع منه (٢)» وقال أيضاً: «بين أول خلافة عثمان وآخر ولاية الحجاج اثنتان وسبعون سنة إلا ثلاثة أشهر، وبين آخر خلافة عثمان وأول ولاية الحجاج العراق ثمان وثلاثون سنة، ولم أقف على تعيين ابتداء إقراء أبي عبد الرحمان وآخره، فالله أعلم بمقدار ذلك، ويعرف من الذي ذكرته أقصى المدة وأدناها … ». وقال أيضاً في "هدي الساري": ٥٣٨: «وأما كون أبي عبد الرحمان لم يسمع من عثمان فيما زعم شعبة، فقد أثبت غيره سماعه منه، وقال البخاري في "التاريخ الكبير": سمع من عثمان، والله أعلم». ظهر الآن صحة سماع أبي عبد الرحمان من شيخه، وأنَّ القرائن التي ذكرها من قال بصحة السماع أقوى وأصح. إلا أنَّ حديثنا هذا أعل بالإدراج، والحمل فيه على يحيى بن سعيد، فالناظر في إسناده سيجد أنَّه جعل سفيان وشعبة يرويانه عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، هكذا رواه يحيى بن سعيد، والصواب أنْ يفرق بين الإسنادين؛ لأنَّ طريق سفيان ليس فيه سعد بن عبيدة، وإنَّما إسناده هكذا: «عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمان السُّلميِّ، عن عثمان به» في حين إسناد شعبة هكذا: «علقمة، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمان، عن عثمان» بزيادة ابن عبيدة. فقد روي الحديث عن شعبة وحده.

стр. 332

فقد أخرجه: الطيالسيُّ (٧٣)، ومن طريقه الترمذي (٢٩٠٧). وأخرجه: ابن الجعد (٤٧٥) ط. العلمية و (٤٨٩) ط. الفلاح، وابن سعد في "الطبقات" ٦/ ٢١٢، وابن أبي شيبة (٣٠٥٧٢)، وأحمد ١/ ٥٨، والدارمي (٣٣٣٨)، والبخاري ٦/ ٢٣٦ (٥٠٢٧)، وأبو داود (١٤٥٢)، والنَّسائيُّ في "فضائل القرآن" (٦١) و (٦٢)، وأبو عوانة ٢/ ٤٤٥ (٣٧٦٥) و ٢/ ٤٤٦ (٣٧٦٧)، وابن حبان (١١٨)، والآجري في "أخلاق أهل القرآن" (١٥)، وأبو نعيم في "الحلية" ٤/ ١٩٣ - ١٩٤، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٩٣٢) و (٢٢٠٧) ط. العلمية و (١٧٨٥) و (٢٠١٧) ط. الرشد من طرق عن شعبة وحده، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمان، عن عثمان ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «خَيرُكم مَنْ تعلَّمَ القرآنَ وعَلَّمَهُ» قال: وأَقرأ أبو عبد الرحمان في إمرة عثمان حتى كان الحجاج، قال: وذلك الذي أقعدني المقاعد (١). قال الترمذي عقبه: «هذا حديث حسن صحيح». قلت: ومما يدل على وهم يحيى أنَّه خالف بروايته روايات الثقات الذين رووا الحديث عن سفيان أيضاً، ولم يذكروا سعد بن عبيدة. أخرجه: الترمذي (٢٩٠٨) من طريق بشر بن السري. وأخرجه: أحمد ١/ ٥٧، وابن ماجه (٢١٢) من طريق وكيع. وأخرجه: النَّسائيُّ في "الكبرى" (٨٠٣٨) ط. العلمية و (٧٩٨٤) ط. الرسالة وفي "فضائل القرآن"، له (٦٣) من طريق عبد الله بن المبارك. وأخرجه: أحمد ١/ ٥٧ من طريق عبد الرحمان بن مهدي. وأخرجه: عبد الرزاق (٥٩٩٥). وأخرجه: البخاري ٦/ ٢٣٦ (٥٠٢٨)، وأبو عوانة ٢/ ٤٤٦ (٣٧٧١)

стр. 333

و (٣٧٧٢)، والبيهقي في "السنن الصغرى" (٩٥٧) ط. العلمية و (٩٨١) ط. الرشد من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين. وأخرجه: ابن المقرئ في " معجمه " (١٩٨) من طريق محمد بن بشر. سبعتهم: (بِشرْ، ووكيع، وعبد الله، وعبد الرحمان، وعبد الرزاق، وأبو نعيم، ومحمد) عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمان السُّلميِّ، عن عثمان، قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضلُكم مَنْ تَعلَّم القرآنَ وعلَّمه». قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وقد توبع الثوري على هذا الإسناد. فأخرجه: الخطيب في " الفصل للوصل ": ٢٣٧ و ٢٣٧ - ٢٣٨ و ٢٣٨ و ٢٣٩ - ٢٤٠ ط. العلمية و: ٢٥٥ و ٢٥٦ - ٢٥٧ و ٢٥٧ و ٢٥٨ ط. الهجرة من طريق الجراح بن الضحاك الكندي، عن علقمة، به. وقد ذهب بعض أهلِ العلم إلى حمل الوهم على يحيى بن سعيد، فقد قال الترمذي عقب (٢٩٠٨) م: «قال محمد بن بشار: وأصحاب سفيان لا يذكرون عن سفيان، عن سعد بن عبيدة، قال محمد بن بشار: وهو أصح». وقال الترمذي عقب (٢٩٠٨): «وهكذا روى عبد الرحمان بن مهدي، وغير واحد، عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمان، عن عثمان، عن النَّبيِّ ﷺ ، وسفيان لا يذكر فيه سعد بن عبيدة»، وقال البيهقي في "شعب الإيمان" عقب (٢٠١٦) ط. الرشد: «ويشبه أنْ يكون يحيى بن سعيد حمل إسناد حديث سفيان على حديث شعبة، فإنَّ سفيان لا يذكر فيه سعد بن عبيدة، وإنَّما يذكره شعبة»، وقال المزي في "تحفة الأشراف" ٦/ ٥٤٩ (٩٨١٣): «ورواه يحيى بن سعيد، عن شعبة وسفيان كما تقدم ذكره، ولم يتابعه أحد على هذا القول فيما نعلم، ولعله حمل أحد الحديثين على الآخر، والله أعلم … »، وقال الحافظ ابن حجر في " أطراف المسند " ٤/ ٣٠٨ (٥٩٦٠): «زاد يحيى بين علقمة وأبي عبد الرحمان سعد بن عبيدة، ووَهِم في ذلك»، وقال ابن عدي في "الكامل" ٤/ ٤٥٢: «وإنَّما يذكر هذا - يعني:

стр. 334

سعد بن عبيدة في إسناد الثوري - عن يحيى القطان، جمع بين الثوري وشعبة، فذكر عنهما جميعاً في الإسناد في هذا الحديث سعد بن عبيدة، وسعد إنما يذكره شعبة، والثوري لا يذكره فحمل يحيى حديث شعبة على حديث الثوري، فذكر عنهما جميعاً سعداً (١)، ويقال: لا يعرف ليحيى ابن سعيد خطأ غيره .. ». قلت: إلا أنَّ يحيى قد توبع على زيادة سعد بن عبيدة في إسناد سفيان. فقد أخرجه: ابن عدي في "الكامل" ٤/ ٤٥٢ من طريق سعيد بن سالم - وهو القداح- عن الثوري ومحمد بن أبان، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمان السُّلمي، عن عثمان به. وهذا الإسناد كسابقه معلول بالإدراج، أعني: أنَّ ذكر سعد بن عبيدة إنَّما جاء من طريق محمد بن أبان، وليس من طريق سفيان، وجاء القداح فأدرج الإسنادين على بعضهما فوهم، يدل على ذلك الرواة عن سفيان، وقال ابن عدي في "الكامل" عقبه: «وذكر سعد بن عبيدة في هذا الإسناد عن الثوري غير محفوظ … » (٢). وذكر ابن عدي طريقاً متابعاً آخر، إذ قال: «على أنَّ الحسن بن عليِّ بن عفّان رواه عن يحيى بن آدم وزيد بن حباب، عن الثوري وقيس، عن علقمة، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمان، عن عثمان، كذلك حدثناه عبد الملك بن محمد، عن الحسن بن علي بن عفان». فهذا الإسناد والذي قبله لا يعدان متابعات بعضها لبعض؛ لأنَّها جميعاً عانت نفس علة حديث يحيى بن سعيد القطان، فيجيء فيها سفيان مقروناً مع غيره، فتأتي زيادة السند، إلا أنَّ ما يقطع القول، بأنَّ زيادة سعد بن عبيدة جاءت من طريق قيس بن الربيع لا من طريق سفيان، ما أخرجه: البزار (٣٩٧)، والخطيب في " تاريخ بغداد " ١١/ ٣٤ وفي ط. الغرب ١٢/ ٢٩٨ من

стр. 335

طريق قيس وحده، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمان، عن عثمان، عن النَّبيِّ ﷺ بنحوه. قلت: والملاحظ في عامة طرق سفيان أنَّه حينما يُفْرَدُ بالرواية يجيء إسناده دون ذكر سعد بن عبيدة، وحينما يقرن مع غيره تجيء تلك الزيادة، وعلى هذا يفهم: أنَّ زيادة سعد بن عبيدة في الإسناد إنَّما جاءت من الراوي المقرون مع سفيان، والله أعلم. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى ترجيح رواية سفيان، فقال الترمذي عقب (٢٩٠٨) م: «وقد زاد شعبة في إسناد هذا الحديث سعد بن عبيدة، وكأنَّ حديث سفيان أشبه، قال عليُّ بن عبد الله: قال يحيى بن سعيد: «ما أحد يعدل عندي شعبة، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان»، وقال أيضاً: «سمعت أبا عمّار يذكر عن وكيع، قال: قال شعبة: سفيان أحفظ مني، وما حدثني سفيان عن أحد بشيء فسألته إلا وجدتُهُ كما حدثني»، وقال البزار في "مسنده" عقب (٣٩٦): «وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عثمان إلا من هذا الوجه، ورواه غير واحد عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمان، عن عثمان إلا أنَّ يحيى بن سعيد جمع شعبة والثوري في هذا الحديث فروياه عن علقمة، عن سعد، عن أبي عبد الرحمان، عن عثمان، وأصحاب سفيان يحدّثونه عن علقمة، عن أبي عبد الرحمان، وإنَّما شعبة الذي قال: عن سعد. وسمعت عمرو بن علي، يقول: قلت ليحيى: إنَّ الثوري يرويه عن علقمة، عن أبي عبد الرحمان، فقال: سمعته من شعبة، عن علقمة، عن سعد، ثم سمعته من الثوري، فلم أشك أنَّه قال كما قال شعبة أو فكان عندي كما رواه شعبة … »، وقال الدارقطني في "التتبع" (١٣٠): «وقال سعيد بن سالم، عن الثوري كما قال يحيى القطّان عنه، وخالفهما ابن المبارك، ووكيع، وأبو نعيم، وعبد الرزاق، ومحمد بن بِشر وغيرهم، وقال قيس، وعبد الله بن عيسى، ومحمد بن جحادة، وموسى بن قيس الحضرمي، والنضر بن إسحاق السُّلمي، ومحمد بن جابر وغيرهم، عن علقمة كقول شعبة، - يعني: بذكر سعد بن عبيدة -، إلا أنَّ عبد الله بن عيسى يختلف عنه في رفعه، وقال

стр. 336

عمرو بن قيس (١) ومسعر، وأبو اليسع (٢)، وعمرو (٣) بن النُّعمان، ومحمد بن طلحة، وأبو حماد، وحفص بن سليمان، وأيوب بن جابر، وسلمة الأحمر، وغياث كقول الثوري لم يذكروا فيه سعد بن عبيدة»، وقال فيما نقله ابن حجر في "هدي الساري": ٥٣٨: «فقد اختلف شعبة والثوري في إسناده فأدخل شعبةُ بين علقمة وبين أبي عبد الرحمان سعدَ بن عبيدة، وقد تابع شعبةَ على زيادته من لا يحتج به وتابع الثوريَّ جماعةٌ ثقات. قلت - القائل ابن حجر -: قد قدمنا أنَّ مثل هذا يخرجه البخاري على الاحتمال؛ لأنَّ رواية الثوري عند جماعة من الحفاظ هي المحفوظة، وشعبة زاد رجلاً فأمكن أنْ يكون علقمة سمعه من سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمان، ثم لقي أبا عبد الرحمان فسمعه منه»، وقال المزي في "تحفة الأشراف" ٦/ ٥٤٩ (٩٨١٣): «والمحفوظ رواية الجماعة عن سفيان كما تقدم، وهو مما حكم فيه لسفيان على شعبة، وقد رواه غير واحد عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمان السُّلمي كما قال سفيان، منهم: عمرو بن قيس الملائي (٤)، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت وغيرهما، وكذلك رواه موسى بن قيس الفراء، عن علقمة بن مرثد، من رواية أبي نعيم عنه، ولموسى الفراء فيه إسناد آخر، رواه المحاربي عنه، عن سلمة بن كهيل، عن أبي عبد الرحمان السُّلمي، وكذلك سفيان الثوري عنده فيه إسناد آخر رواه معاوية بن هشام القصّار، عنه، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي عبد الرحمان السُّلمي»، وقال أبو نعيم في "الحلية" ٤/ ١٩٤: «هذا حديث صحيح متفق عليه، رواه عن شعبة يحيى بن سعيد القطّان، ويزيد بن زريع، ويعقوب الحضرمي والناس، ورواه الثوري عن علقمة واختلف فيه فرواه وكيع، وعبد الرحمان بن مهدي، وعبد الرزاق، وأبو نعيم، والفريابي وعامة

стр. 337

أصحابه عن علقمة، عن أبي عبد الرحمان من دون سعد، ورواه يحيى بن سعيد القطّان عنه مقروناً بشعبة بإدخال سعد، بين علقمة وأبي عبد الرحمان (١)، وممن وافق شعبة والثوري عليه قيس بن الربيع ومحمد بن أبان الجعفي، ومِسْعر من رواية خلف بن ياسين، عن أبيه، عنه، وممن رواه عن علقمة من دون سعد: عمرو بن قيس الملائي، والجراح بن الضحاك، ومِسعر بن كدام من رواية محمد بن بشر عنه … ». وقد روي الحديث من طريق آخر مدرجاً. فأخرجه: الخطيب في " تاريخ بغداد " ٤/ ١٠٩ وفي ط. الغرب ٥/ ١٧٥ من طريق كادح بن رحمة الزاهد، قال: حدثنا أبو حنيفة، ومِسْعر، وسفيان، وشعبة، وقيس وغيرهم، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمان، عن عثمان، به. أقول: وقد أسهب الدارقطني في " علله " ٣/ ٥٣ - ٥٧ س (٢٨٣) في جمع طرق هذا الحديث وبيان علة كل طريق، فقال ﵀ مجيباً مَن سأله عن هذا الحديث: «هو حديث يرويه علقمة بن مرثد، وسعد بن عبيدة، وعبد الملك بن عمير، وسلمة بن كهيل، وعاصم بن بهدلة، والحسن بن عبيد الله، وعبد الكريم، وعطاء بن السائب واختلف عنه، عن أبي عبد الرحمان السلمي، واختلف عن علقمة بن مرثد، فرواه موسى بن قيس الفراء من رواية أبي نعيم عنه (٢)، وعمرو بن قيس الملائي، ومِسْعر، وأبو اليسع، والجراح بن الضحاك، وعمرو بن النعمان، ومحمد بن طلحة، وأبو اليمان، وعبد الله بن عيسى إلا أنَّه وقفه عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمان، عن

стр. 338

عثمان. ورواه سفيان الثوري واختلف عنه، فرواه موسى بن أعين، وقبيصة، ووكيع، وابن مهدي، وأبو أسامة، ومؤمل بن إسماعيل، ويحيى بن اليمان، وعبد الله بن وهب وغيرهم عن الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمان، عن عثمان، وكذلك قال سعيد بن سالم القداح، عن الثوري ومحمد بن أبان، عن علقمة، عن سعد بن عبيدة، وكذلك رواه شعبة وقيس بن الربيع وغيرهما عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمان، ورواه الجراح بن الضحاك الكندي، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمان، عن عثمان … ». قلت: إلا أنَّ تخريج البخاري للحديث من الطريقين يدل على صحتهما عنده، والله أعلم. انظر: "تحفة الأشراف " ٦/ ٥٤٨ (٩٨١٣)، "وأطراف المسند " ٤/ ٣٠٨ (٥٩٦٠)، " وإتحاف المهرة " ١١/ ٥٥ (١٣٦٨٣). وكثيراً ما يختلف النقاد في سماع الراوي من شيخه، وقد يتوقف الباحث لعدم وجود مرجح في ذلك، مثاله ما روى سيف بن سليمان، عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قضى باليمينِ معَ الشاهدِ. أخرجه: الشافعي في " مسنده " (١٧٠٩) بتحقيقي وفي " الأم "، له ٦/ ٢٥٤ وفي ط. الوفاء ٧/ ٦٢٥، ومن طريقه البيهقي ١٠/ ١٦٧ وفي " معرفة السنن والآثار "، له (٥٩٠٤) و (٥٩٠٥) و (٥٩٠٦) ط. العلمية و (١٩٩٦٠) و (١٩٩٦٥) ط. الوعي، والبغوي (٢٥٠٢). وأخرجه: ابن أبي شيبة (٢٣٣٣٠) و (٢٩٥٣٩) و (٣٧٣١٣)، وأحمد ١/ ٢٤٨ و ٣١٥ و ٣٢٣، ومسلم ٥/ ١٢٨ (١٧١٢) (٣)، وأبو داود (٣٦٠٨)، وابن ماجه (٢٣٧٠)، والنَّسائي في " الكبرى " (٦٠١١) ط. العلمية و (٥٩٦٧) ط. الرسالة، وأبو يعلى (٢٥١١)، وابن الجارود (١٠٠٦)، وأبو عوانة كما في " إتحاف المهرة " ٧/ ٦٥٦ (٨٦٩٧)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٤/ ١٤٤ وفي ط. العلمية (٥٩٦٤)، وابن عدي في "الكامل" ٤/ ٥١٠ من طريق سيف بن سليمان، عن قيس بن سعد، بهذا الإسناد. قال النَّسائيُّ: «هذا إسناد جيد، وسيف ثقة، وقيس ثقة، وقال يحيى بن سعيد القطّان: سيفٌ ثقة».

стр. 339

قلت: هذا الحديث إسناده صحيح ورواته ثقات وظاهره السلامة من العلل. إلا أنَّ بعض العلماء قد أعل هذا الحديث: قال يحيى بن معين فيما نقله ابن عدي في " الكامل " ٤/ ٥١٠: «حديثُ ابن عباس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قضى بشاهدٍ ويمين، ليس بمحفوظٍ». وقال الطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٤/ ١٤٥ وفي ط. العلمية عقيب (٥٩٧٢): «أما حديث ابن عباس فمنكرٌ؛ لأنَّ قيسَ بن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشيء فكيف يحتجونَ به في مثل هذا؟!». وقال ابن التركماني في " الجوهر النقي " ١٠/ ١٦٨: «ولم يصرحْ أحدٌ من أهل هذا الشأن فيما علمنا بأنَّ قيساً سمع من عمرو». إلا أنَّ قيس بن سعد صرّح بالتحديث من عمرو. قال البيهقي كما في " مختصر الخلافيات " ٥/ ١٥٧: «وليس ما لا يعلمه الطحاوي لا يعلمه غيره … - واستدل بحديث جرير - قال: سمعت قيس بن سعد يحدث عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: أنَّ رجلاً وَقَصَتْهُ ناقته وهو محرمٌ، فقال رسول الله ﷺ : «اغْسلوهُ بماءٍ وسدرٍ، ولا تُخمروا رأسَهُ؛ فإنَّ الله يبعثُهُ يومَ القيامةِ وهو يُلبي» ولا يبعد أنْ يكون له عن عمرو غير هذا .. ». وقال ابن عبد البر في " التمهيد " ١/ ٣٥٩: «وفي اليمين مع الشاهد آثار متواترة حسانٌ ثابتةٌ متصلةٌ، أصحها إسناداً وأحسنها حديث ابن عباس، وهو حديث لا مطعن لأحد في إسناده، ولا خلاف بين أهل المعرفة بالحديث في أنَّ رجاله ثقات». وقال النووي في " شرح صحيح مسلم " ٦/ ٢٠٣: «قال الحفاظ: أصح أحاديث الباب حديث ابن عباس .. ». وقال الحافظ ابن حجر في " الفتح " ٥/ ٣٤٧ عقب (٢٦٧٠): «أما قول الطحاوي: إنَّ قيس بن سعد لا تعرف له رواية عن عمرو بن دينار، لا يقدح في صحة الحديث، لأنَّهما تابعيان ثقتان مكيان، وقد سمع قيس من أقدم من عمرو، وبمثل هذا لا ترد الأخبار الصحيحة».

стр. 340

قلت: ومع ذلك فإنَّ قيس بن سعد قد توبع، تابعه محمد بن مسلم. أخرجه: أبو داود (٣٦٠٩)، والترمذي في " العلل ": ٥٤٥ (٢١٧)، وأبو عوانة كما في " إتحاف المهرة " ٧/ ٦٥٦ (٨٦٩٧)، والبيهقي ١٠/ ١٦٨ وفي " معرفة السنن والآثار "، له (٥٩١٠) ط. العلمية و (١٩٩٧٦) ط. الوعي من طريق عبد الرزاق. وأخرجه: الطبراني في " الكبير " (١١١٨٥)، والبيهقي ١٠/ ١٦٨ وفي "معرفة السنن والآثار "، له (٥٩٠٩) ط. العلمية و (١٩٩٧٥) ط. الوعي من طريق أبي حذيفة. كلاهما: (عبد الرزاق، وأبو حذيفة) عن محمد بن مسلم، عن عمرو ابن دينار، عن ابن عباس، به. وخالفهما عبد الله بن محمد بن ربيعة عند الدارقطني ٤/ ٢١٣ ط. العلمية و (٤٤٩٤) ط. الرسالة فرواه عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس. هذه الرواية منكرة فيها عبد الله بن محمد بن ربيعة قال عنه ابن حبان في "المجروحين " ٢/ ٤١: «لا يحل ذكره بالكتب إلا على سبيل الاعتبار»، وقال ابن عدي في " الكامل" ٥/ ٤٢٤: «عامة حديثه غير محفوظ (١)، وهو ضعيف على ما تبين لي من رواياته واضطرابه فيها، ولم أرَ للمتقدمين فيه كلاماً فأذكره»، وقال الدارقطني فيما نقله الزيلعي في " نصب الراية " ٤/ ٩٨: «متروك»، وقال الخليلي في " الإرشاد " ١/ ٢٨٠: «ضعيف يأتي بالمناكير، وما لا يتابع عليه»، وقال الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٢/ ٤٨٨ (٤٥٤٤): «أحد الضعفاء»، وقال الألباني في " إرواء الغليل " ٨/ ٢٩٧ (٢٦٨٣): «فلا يلتفت إليه أصلاً، فكيف إذا خالف». وقد توبع عبد الله.

стр. 341

قال البيهقي كما في " مختصر الخلافيات " ٥/ ١٥٨: «وخالفهما (أي: عبد الرزاق وأبا حذيفة) خالد بن يزيد العمري، عن محمد بن مسلم فرواه عنه عن عمرو، عن طاووس، عن ابن عباس. وتابعه على ذلك عبد الله بن محمد ابن ربيعة القدامي (١)، وعصام بن يوسف البلخي. وخالد والقدامي (٢) وعصام ليسوا بأقوياء وعبد الرزاق ثقة حجة وتابعه أبو حذيفة (٣) فروياه كما ذكرنا فلا يعلله رواية من لا يبالي به» وفي "السنن الكبرى" ١٠/ ١٦٨ قال: «وخالفهما من لا يحتج بروايتهم عن محمد بن مسلم فزادوا في إسناده طاووساً، ورواه بعضهم من وجه آخر عن عمرو، فزادوا في إسناده جابر بن زيد، ورواية الثقات لا تعلل برواية الضعفاء» (٤). قال البخاري فيما نقله الترمذي في " العلل ": ٥٤٦ (٢١٧) عندما سأله عن هذا الحديث: «عمرو بن دينار لم يسمع عندي من ابن عباس هذا الحديث». فهذا الكلام إما أنْ يكون اعتماداً على رواية عبد الله بن محمد بن ربيعة التي مر ذكرها سلفاً، فإنَّ الإعلال حينئذ غير صحيح، ولا وجه له، وإما أنْ يكون اعتماداً على ما ترجح للإمام البخاري من عدم سماع عمرو بن دينار لهذا الحديث من ابن عباس بمرجح خفي اطلع عليه. فحينئذٍ لا يمكننا أنْ نُعِلَّ حديثاً ونُسقطَهُ من أجل كلامٍ غير مفسر. انظر: "نصب الراية" ٤/ ٩٦، و"تحفة الأشراف" ٤/ ٦٤٤ (٦٢٩٩)، و"جامع المسانيد" ٣٢/ ١٥٢ (٢٩٤٠) و ٣٢/ ١٥٣ (٢٩٤١) و (٢٩٤٢)

стр. 342

و (٢٩٤٣)، و"أطراف المسند" ٣/ ٢٤١ (٣٨٠٦)، و"إتحاف المهرة" ٧/ ٦٥٦ (٨٦٩٧). ٥ - الاختلاف في سماع مخصوص: قد يختلف أهل العلم في سماع مخصوص، كاختلافهم في رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. و هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص. وجده المراد به جد شعيب، و هو عبد الله بن عمرو بن العاص. وحاصل ما أعلت به هذه السلسلة أمران: الأول: أنَّه وجد صحيفة لجده عبد الله بن عمرو بن العاص فحدث بها وهو لم يسمعها، وبهذا أعلها ابن معين، وابن حزم (١). وهذا مردود فقد ثبت سماع شعيب من جده عبد الله كما سيأتي، على أنَّه إذا كان روى بعض الأحاديث بالوجادة فلا بأس؛ لأنَّ الوجادة إحدى صيغ التحمل (٢). والآخر: أنَّ عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، إن أراد بجده محمداً - والد شعيب - فهو مرسل؛ لأنَّ محمداً لم يدرك النبي ﷺ ، وإن أراد بجده عبد الله بن عمرو فهو منقطع؛ لأن شعيبُا لم يلق عبد الله (٣). وأجيب عن هذا: أنَّ المراد بجده جد شعيب -والد عمرو- وهو عبد الله ابن عمرو بن العاص الصحابي الجليل. وقد سمع شعيب منه، وثبت سماع عمرو من أبيه شعيب (٤). فتكون الرواية موصولة. وهذه السلسلة اضطربت فيها أقوال النقاد اضطراباً كثيراً، واختلفت فيها أقوالهم، ما بين قبول ورد وتفصيل، وقلما اختلفوا مثل هذا الاختلاف. وحاصل أقوالهم:

стр. 343

أولاً: مردودة لأنها وجادة، و به قال ابن حزم (١). ثانياً: التفصيل، وذهب إليه الدارقطني، ففرق بين أن يفصح بجده أنَّه عبد الله فيحتج به، أو لا يفصح فلا يحتج به، وكذلك إنْ قال: (عن أبيه، عن جده سمعت رسول الله ﷺ قال)، أو نحو هذا مما يدل على أنَّ المراد الصحابي فيحتج به و إلا فلا (٢). وذهب ابن حبان إلى تفصيل آخر، فإن استوعب ذكر آبائه في الرواية احتج به، وإن اقتصر على قوله: (عن أبيه عن جده) لم يحتج به (٣). ثالثاً: تضعيف عمرو مطلقاً والجمهور على توثيقه وحجة من ضعّفه ما ورد من أحاديث مناكير في رواياته، و قد أجاب عن ذلك أبو زرعة الرازي: بأنَّ المناكير التي وقعت في حديثه إنما هي من الرواة الضعفاء عنه (٤). رابعاً: قبولها وأنها متصلة غير منقطعة، فقد قال الإمام البخاري : «رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن عبد الله، والحميد (٥)، وإسحاق بن إبراهيم يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه» (٦).

стр. 344

وقال إسحاق بن راهويه: «إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ثقة، فهو كأيوب، عن نافع، عن ابن عمر» (١). وقال ابن عبد البر: «وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مقبول عند أكثر أهل العلم بالنقل» (٢). وقال النووي: «وهو الصحيح المختار الذي عليه المحققون من أهل الحديث والأكثرون، وهم أهل الفن وعنهم يؤخذ» (٣). والذي يهمنا هنا هو سماع عمرو من أبيه شعيب، وسماع شعيب من جده عبد الله، فقد صح سماع عمرو من أبيه شعيب، لا خلاف في ذلك، وكذلك قد صح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو؛ لأنَّ عبد الله هو الذي ربى شعيباً لما مات أبوه محمد، كما قرر ذلك الذهبي (٤) والعلائي (٥) وغيرهما (٦). قال البيهقي: «وسماع شعيب بن محمد بن عبد الله صحيح من جده عبد الله، لكن يجب أن يكون الإسناد إلى عمرو صحيحاً» (٧). وقال الزيلعي: «وقد ثبت في الدارقطني وغيره بسند صحيح سماع عمرو من أبيه شعيب، وسماع شعيب من جده عبد الله» (٨). ونقل المزي عن أبي بكر بن زياد النيسابوري قال: «صح سماع عمرو من أبيه شعيب، وصح سماع شعيب من جده عبد الله» (٩). والدليل على ما سبق، ثبوت قصة رواها الدارقطني (١٠)، والحاكم (١١)، والبيهقي (١٢).

стр. 345

خامساً: تدليس عمرو، عن أبيه، قال الحافظ: « .. فأما روايته عن أبيه فربما دلس ما في الصحيفة بلفظ (عن)، فإذا قال: (حدثني أبي) فلا ريب في صحتها كما يقتضيه كلام أبي زرعة .. » (١)، وقال الحافظ أيضاً: « .. وهذه قطعة من جملة أحاديث تصرح بأنَّ الجد هو عبد الله بن عمرو، لكن هل سمع منه جميع ما روي عنه أم سمع بعضها والباقي صحيفة؟ الثاني أظهر عندي، وهو الجامع لاختلاف الأقوال فيه، وعليه ينحط كلام الدارقطني وأبي زرعة. وأما اشتراط بعضهم أن يكون الراوي عنه ثقة، فهذا الشرط معتبر في جميع الرواة لا يختص به عمرو» (٢). أما عن تدليسه فالظاهر من كلام الحافظ أنَّ ما لم يسمعه عمرو من أبيه فهو من صحيفته؛ فيه تقوية لسنده حتى إذا عنعن. وإنما أطنبت الكلام على هذه السلسلة لشهرتها في عموم المصادر الحديثية خلا الصحيحين فإنها ليست على شرطهما، وقد أخرج أصحاب السنن بهذه السلسلة (١٧٠) حديثاً. (٣) ومثال ما اختلف في سماعه ما رواه معاوية بن إسحاق، عن عطاء بن يَسار، عن عبد الله بن مسعود، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّها ستكونُ أُمراءٌ بَعْدي، يقولونَ ما لا يفعلونَ، ويفعلونَ ما لا يؤمرونَ، فمنْ جاهدَهم بيدِهِ فهو مؤمنٌ، ومنْ جاهدَهم بلسانهِ فهو مؤمنٌ، ومنْ جاهَدهم بقلبهِ فهو مؤمنٌ لا إيمانَ بعده». أخرجه: أحمد ١/ ٤٥٦، والبزار (١٨٩٦)، وابن حبان (١٧٧) من طرق عن معاوية بن إسحاق، بهذا الإسناد. هذا الحديث ظاهره أنه حسن، إلا أنَّه معلول لا يصح. وقد اختلف أهل العلم في سماع عطاء بن يسار من ابن مسعود، فقال ابن سعد في " الطبقات " ٥/ ١٣٢: «وسمع عطاء بن يسار من أُبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود»، وقال المزي في " تهذيب الكمال " ٥/ ١٨٠ (٤٥٣٥): «قال محمد بن

стр. 346

سعد والبخاري: سمع من ابن مسعود». وخالفهما أبو حاتم الرازي فإنَّه قال في "المراسيل " لابنه (٥٧٢): «عطاء لم يسمع من عبد الله بن مسعود»، وقال البزار عقب (١٨٩٦): «وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ عن عبد الله إلا بهذا الإسناد، ولا نعلم روى عطاء بن يسار عن عبد الله غير هذا الحديث، ولا نعلمه سمع منه، وإن كان قديماً ولا نعلم أسند الحسن بن عمرو، عن معاوية بن إسحاق إلا هذا الحديث». أقول: فالناظر للوهلة الأولى سيرجح ما ذهب إليه البخاري من إثبات سماع عطاء من ابن مسعود سيما مع ما جاء عند ابن حبان عقب (١٧٧) : «قال عطاء: فحين سمعت الحديث منه انطلقت به إلى عبد الله بن عمر فأخبرته، فقال: أنت سمعت ابن مسعود يقول هذا؟ - كالمدخل عليه في حديثه - قال عطاء: فقلت: هو مريض فما يمنعك أنْ تعوده؟ قال: فانطلق بنا إليه فانطلق وانطلقت معه، فسأله عن شكواه، ثم سأله عن الحديث قال: فخرج ابن عمر وهو يقلب كفه وهو يقول: ما كان ابن أم عبد يكذب على رسول الله ﷺ »، وهذه القصة تبين قيام سماع عطاء من ابن عمر وابن مسعود. أقول: وعلى الرغم من كل ما تقدم فإنَّ صحة الحديث مدخولة بالانقطاع، وأنَّ الراجح ما ذهب إليه أبو حاتم والبزار. فأما ما نقله المزي فعند الرجوع إلى " التاريخ الكبير " ٦/ ٢٤٩ (٢٩٩٢) وجدت النص هكذا : « .. سمع أبا سعيد وأبا هريرة ﵄، ويقال: ابن مسعود وابن عمر ﵄ .. ». هكذا ذكره البخاريُّ بصيغة التمريض مبيِّناً ضعف سماع عطاء من ابن مسعود وابن عمر، ولو كان يرجح سماعه منه، لذكره كما ذكر سماعه من أبي سعيد وأبي هريرة - أقصد: بصيغة الجزم - وهذا واضح جليٌّ لمن وهبه الله نور هذا العلم. ثم إنَّ هذه القصة على فرض صحتها كان أبو حاتم والبخاري والبزار أولى بحفظها من غيرهم، ولو صحت عندهم لجزموا بصحة سماع عطاء. وسيأتي بيان شذوذ هذه الرواية في تخريج الطريق الذي بعد هذا. ومن خلال التخريج الذي قدمناه لطريق معاوية بن صالح، يتبين أنَّ أصحاب الكتب الستة لم يخرجوه في مصنفاتهم، بل إنَّهم لم يخرجوا رواية

стр. 347

معاوية، عن عطاء، وكذا لم يخرجوا رواية عطاء، عن ابن مسعود، من حيث العموم، وهذا الإمام مسلم ﵀ المعروف باستيعابه لطرق الحديث الواحد لم يتعرض لهذا الطريق، بل لم يومئ إليه، وإنَّما ذكر أنه يروى عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، بل الأكثر من ذلك أنَّ شراح الصحيح لم يذكروا هذا الطريق أيضاً. فهذه الأمور التي قدمناها مع شدة غرابة الإسناد تدفعنا بلا أدنى شك إلى وضع الحديث بهذا السند في مصاف الشذوذ. وأنَّ معاوية بن إسحاق - وهو صدوق ربما وهم (١) - انقلب عليه إسناد جعفر بن عبد الله بن الحكم، عن عبد الرحمان بن المسور، عن أبي رافع، عن عبد الله بن مسعود - إلى الإسناد الذي ذكرناه. والذي يدل على ذلك أنَّ القصة التي ذكرها معاوية جاءت بنحوها عند مسلم وفيها: «قال أبو رافع: فحدثت عبد الله بن عمر فأنكره عَلَيَّ، فقدم ابن مسعود فنزل بقناة فاستتبعني إليه عبد الله بن عمر يعوده فانطلقت معه، فلما جلسنا سألت ابن مسعود عن هذا الحديث فحدثنيه كما حدثته ابن عمر - قال مسلم -: وقد تحدث بنحو ذلك عن أبي رافع». وانظر: " إتحاف المهرة " ١٠/ ٣٤٨ (١٢٩١٢). وقد روي الحديث من وجه آخر. أخرجه: أحمد ١/ ٤٥٨ و ٤٦١، ومسلم ١/ ٤٩ (٥٠) (٨٠)، والطبراني في " الكبير " (٩٧٨٤)، وابن منده في " الإيمان " (١٨٣) و (١٨٤)، وأبو نعيم في " المسند المستخرج " (١٧٧)، والبيهقي ١٠/ ٩٠ وفي " شعب الإيمان " (٧٥٦١) ط. العلمية و (٧١٥٤) ط. الرشد وفي "الاعتقاد "، له: ١٩٩ من طرق عن الحارث بن فضيل، عن جعفر بن عبد الله بن الحكم، عن عبد الرحمان بن المسور بن مخرمة، عن أبي رافع، عن عبد الله بن مسعود، عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: «ما منْ نبيٍّ بعثَهُ اللهُ في أمةٍ قبلي، إلا كان له منْ أمتِهِ حواريونَ وأصحابٌ يأخذونَ بسُنتهِ، ويقتدونَ بأمرِهِ، ثمَّ إنَّها تخلفُ منْ بعدِهِم خلوفٌ، يقولونَ ما لا يفعلونَ، ويفعلونَ مالا يؤمرونَ، فمنْ جاهدَهم بيدهِ، فهو مؤمنٌ، ومنْ جاهدَهمْ

стр. 348

بلسانِهِ، فهو مؤمنٌ، ومن جاهدَهمْ بقلبهِ فهو مؤمنٌ، ليسَ وراءَ ذلك منَ الإيمانِ حبَّةُ خردلٍ». وهذه الرواية تبين نكارة عبارة وقعت في رواية معاوية فقوله: «إنها ستكون أمراء بعدي» هذه العبارة قابلتها: « .. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف» والفرق بين العبارتين واسع. هذا الإسناد فيه الحارث بن فضيل وهو من رجال مسلم، وقد قال عنه الإمام أحمد فيما نقله ابن حجر في " تهذيب التهذيب " ٢/ ١٤٢: «ليس بمحفوظ الحديث»، وقال أيضاً: «ليسَ بمحمودِ الحديث»، ولكنَّه لم يذكر سببَ تضعيفِهِ، وقد وثّقهُ الأئمةُ: يحيى بن معين في " تاريخه " (٥٩٠) برواية الدارمي، والنَّسائيُّ فيما نقله المزي في " تهذيب الكمال " ٢/ ٢٤ (١٠٢٢)، وذكره ابن حبان في " الثقات " ٦/ ١٧٥، ووثّقه ابن حجر في " التقريب " (١٠٤٢). وانظر: " تحفة الأشراف" ٦/ ٤٣٦ (٩٦٠٢)، و"إتحاف المهرة" ١٠/ ٥١٣ (١٣٣١٢). وروي من غير هذا الوجه صحيحاً أيضاً لكن بلفظ آخر. أخرجه: أبو يعلى (٥٩٠٢)، والبيهقي ٨/ ١٥٧ - ١٥٨ وفي " الدلائل "، له ٦/ ٥٢١ من طريق عبد القدوس بن الحجاج أبي المغيرة. وأخرجه: ابن حبان (٦٦٥٨) و (٦٦٦٠) من طريق الوليد. كلاهما: (عبد القدوس، والوليد) عن الأوزاعي. وأخرجه: ابن حبان (٦٦٥٩) من طريق الأوزاعي، عن إبراهيم بن مرة. كلاهما: (الأوزاعي، وإبراهيم بن مرة) عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «سيكونُ بَعدي خلفاءُ يعملونَ بما يعلمونَ، ويفعلونَ ما يؤمرونَ، وسيكونُ بعدي خلفاءُ يعملونَ بما لا يعلمونَ، ويفعلونَ بما لايؤمرونَ، فمنْ أنكرَ عليهم بَرئ، ومن أمسكَ يدهُ سَلمَ، ولكن من رضي وتابع».

стр. 349

قال ابن حبان عقب حديث (٦٦٥٩): «سمع هذا الخبر الأوزاعي عن الزهري، وسمعه عن إبراهيم بن مرة، عن الزهري، فالطريقان جميعاً محفوظان». وانظر: " إتحاف المهرة " ١٦/ ١٥٨ (٢٠٥٥٥). مثال آخر: روى أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: قضى محمد ﷺ أنَّ الدَّينَ قبلَ الوصيةِ، وأنتم تقرؤونَ الوصيةَ قبلَ الدَّين، وأنَّ أعيان (١) بني الأمِّ يتوارثون دونَ بني العَلاَّت (٢). أخرجه: الطيالسي (١٧٩) عن قيس بن الربيع. وأخرجه: عبد الرزاق (١٩٠٠٣)، وابن أبي شيبة (٢٩٥٤٠) و (٣٢٠٨٥)، وأحمد ١/ ١٣١، وابن ماجه (٢٧١٥)، والترمذي (٢٠٩٤)، والبزار (٨٣٩)، وأبو يعلى (٦٢٥)، وابن الجارود (٩٥٠)، والطبري في "تفسيره " (٦٩٥١) ط. الفكر و ٦/ ٤٦٩ ط. عالم الكتب، وابن المنذر في "تفسيره " ٢/ ٥٩٠، والدارقطني ٤/ ٨٥ - ٨٦ ط. العلمية و (٤١٢٤) ط. الرسالة، والحاكم ٤/ ٣٣٦، والبيهقي ٦/ ٢٣٢ من طريق سفيان الثوري. وأخرجه: الشافعي في " الأم " ٤/ ١٠١ وفي ط. الوفاء ٥/ ٢١٧ وفي "السنن المأثورة"، له (٥٤١)، والحميدي (٥٥) و (٥٦)، وأحمد (٣) ١/ ٧٩، ومن طريقه ابن حجر في " تغليق التعليق " ٣/ ٤١٩، ويزيد بن هارون عند الترمذي (٢٠٩٤)، وابن أبي عمر عند الترمذي (٢٠٩٥) و (٢١٢٢)، وعند ابن حجر في " تغليق التعليق " ٣/ ٤١٩، وإسحاق عند المروزي في " السنة " (٢٦٤)، وعبيد الله بن عمر عند أبي يعلى (٣٠٠)، وعبد الله بن المبارك في مسنده (١٧٦)، ومن طريقه ابن المنذر في " تفسيره " ٢/ ٥٩٠.

стр. 350

ثمانيتهم: (الشافعي، والحميدي، وأحمد، ويزيد بن هارون، وابن أبي عمر، وإسحاق، وعبيد الله بن عمر، وعبد الله) عن ابن عيينة، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، به. وخالفهم: محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ عند ابن أبي حاتم في "تفسيره " ٣/ ٨٨٣ (٤٩٠٦) فرواه عن ابن عيينة، عن أبي إسحاق، عن الحارث أو عاصم أو غيره، عن علي، به. تفرّد به محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ. والطريق الأول: عن ابن عيينة هو الصواب؛ لأنَّ أصحاب ابن عيينة رووه عنه بهذا الإسناد، ولم يخالفهم إلا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، وهو وإنْ كان ثقة " التقريب " (٦٠٥٤) إلا أنَّه خالف من هو أوثق منه حفظاً وعدداً (١). وأخرجه: أحمد ١/ ١٤٤، والترمذي (٢٠٩٤) (م)، والمروزي في " السنة " (٢٦٥)، والطبري في " تفسيره " (٦٩٥١) ط. الفكر و ٦/ ٤٧٠ ط. عالم الكتب، والبيهقي ٦/ ٢٦٧ من طريق زكريا بن أبي زائدة. وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (٦٩٥١) ط. الفكر و ٦/ ٤٧٠ ط. عالم الكتب من طريق أشعث بن سوار. وأخرجه: ابن حجر في " تغليق التعليق " ٣/ ٤١٩ من طريق ورقاء. وأخرجه: ابن حجر في " تغليق التعليق " ٣/ ٤٢٠ من طريق إبراهيم بن طهمان. سبعتهم: (قيس، والثوري، وابن عيينة، وابن أبي زائدة، وأشعث، وورقاء، وإبراهيم) عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، به (٢).

стр. 351

وللحديث علتان: الأولى: أبو إسحاق مدلس، ذكره النَّسائي في كتاب " المدلسين " (٩)، وأبو زرعة في كتاب " المدلسين " (٤٧)، وابن حجر في "طبقات المدلسين " (٩١). وقد عنعن. والعلة الأخرى: في الحارث الأعور فهو ضعيف. قال عنه الترمذي عقيب حديث (٢٠٩٥): «هذا حديث لا نعرفه إلاَّ من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، وقد تكلم بعض أهل العلم في الحارث»، وقال عنه البيهقي ٦/ ٢٦٧: «امتناع أهل الحديث عن إثبات هذا؛ لتفرد الحارث الأعور بروايته عن علي ﵁، والحارث لا يحتج بخبره؛ لطعن الحفّاظ فيه». وذكره البخاري في " الضعفاء الصغير " (٦٠)، وذكره الدارقطني أيضاً في " الضعفاء والمتروكون " (١٥٣). وقد تكلم أهل العلم في رواية أبي إسحاق، عن الحارث، فقال البخاري فيما نقله المزي في " تهذيب الكمال " ٢/ ١٨ (١٠١٠): «قال شعبة: لم يسمع أبو إسحاق من الحارث إلا أربعة أحاديث»، ونقل المزي عن العجلي أنَّه قال: «لم يسمع أبو إسحاق من الحارث إلا أربعة أحاديث، وسائر ذلك إنَّما هو كتاب أخذه». وخالف يحيى بن أبي أنيسة أصحاب أبي إسحاق فرواه عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : «الدَّين قبل الوصية، وليس لوارث وصية». أخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٩/ ١٠ - ١١، والدارقطني ٤/ ٩٦ ط. العلمية و (٤١٥٢) ط. الرسالة، والبيهقي ٦/ ٢٦٧، والخطيب في "موضح أوهام الجمع والتفريق " ٢/ ١٧١ من طريق يحيى بن أبي أنيسة، به. وهذه رواية منكرة فيحيى ضعيف، وخالف أصحاب أبي إسحاق الثقات، إذ قال فيه البخاري في " الضعفاء الصغير " (٣٩٣): «ليس بذاك»، وقال النَّسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٦٣٩): «متروك الحديث»، وذكره الدارقطني في " الضعفاء والمتروكون " (٥٧٢)، وقال عنه البيهقي ٦/ ٢٦٧ - ٢٦٨: «كذا أتى به يحيى بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق، عن عاصم، ويحيى ضعيف».

стр. 352

وللحديث شاهد من حديث ابن عمر. أخرجه: الحارث كما في " نصب الراية " ٤/ ٤٠٥ من طريق محمد بن جابر، عن عبد الله بن بدر، عن ابن عمر، قال: قضى رسولُ اللهِ ﷺ بالدَّينِ قبلَ الوصية، وأنْ لا وصية لوارث. وهذا الشاهد لا يصح؛ لأنَّ فيه محمد بن جابر - وهو الحنفي - قال عنه يحيى بن معين في " تاريخه " (٢٦٤٧) و (٣٣٠٣) برواية الدوري: «ليس بشيء»، وقال أيضاً فيما نقله عبد الله بن أحمد في " الجامع في العلل " لأبيه ١/ ١٤٦ (٧٠٤)، والعقيلي في " الضعفاء الكبير " ٤/ ٤٢: «لا يحدّث عنه إلا من هو أشر منه»، وقال أحمد بن حَنْبل في " الجامع في العلل " ١/ ٣١ (١٨٣): «كان ابن مهدي يحدّث عنه ثم تركه بعد». وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تضعيف أحاديث الباب، فقال الشافعي في " الأم " ٥/ ٢١٧ ط. الوفاء: «وقد رُوي في تبدئة الدَّين قبل الوصية حديث عن النبيِّ ﷺ لا يثبت أهل الحديث مثله … »، وقال الترمذي عقب (٢٠٩٥): «هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، وقد تكلم بعض أهل العلم في الحارث». وانظر: "نصب الراية " ٤/ ٤٠٥، و " التلخيص الحبير " ٣/ ٢١٠ (١٣٧٩)، و" إرواء الغليل " ٦/ ١٠٧ - ١٠٨ (١٦٦٧).

стр. 353

النوع الثاني من أنواع علل الإسناد: الإعلال بسبب تضعيف الراوي لتحمل (١) الحديث وأدائه (٢) شروط يجب أن تتوفر، و الذي يعنينا هنا أهلية (٣) الأداء، ف يشترط فيمن يؤدي الحديث النبوي الشريف - ذكراً كان أو أنثى- الشرائط الآتية: أولاً: الإسلام (٤): فلا تقبل رواية الكافر أبداً، و لا يعقل أن تقبل روايته؛ لأنَّ في قبولها مخالفة لقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ (٥) وكيف تقبل رواية من يكيد للإسلام؟ وقد أمرنا الإسلام أن نتوقف في خبر الفاسق، فكيف نأخذ برواية الكافر؟! وهذا إذا كان الراوي على ملة غير الإسلام. أما المخالف من أهل القبلة، فقد نقل الشوكاني عن الرازي قال: «والمخالف من أهل القبلة إذا كفّرناه كالمجسم وغيره هل تقبل روايته أم لا؟ الحق أنَّه إن كان مذهبه جواز الكذب لا تقبل روايته، وإلا قبلناه، وهو قول أبي الحسين البصري» (٦). ثانياً: البلوغ (٧): فلا تقبل رواية مَن دون سن التكليف، حيث إنَّ البلوغ

стр. 354

مدار التكليف، وقد قال النبيُّ ﷺ : «رُفِعَ القَلَمُ عَن ثَلاثَةٍ: عَن المجنونِ المغلوبِ على عَقْلِهِ حَتى يَبْرَأَ، وَعَن النائِمِ حَتى يَسْتَيقِظَ، وَعَن الصبيِّ حَتى يَحتلمَ» (١). والبلوغ مظنة إدراك أحكام الشريعة وفهمها؛ لذلك نيط التكليف به، والمراد بالبلوغ: العقل مع إدراك سن الاحتلام، لذا فقد قرنه بها بعضهم. أي - البلوغ والعقل- (٢)، وقد اكتفى الشافعي بذكر العقل (٣)؛ لأنَّه لا يتصور الإدراك والعقل دون البلوغ عند الغالب. فاشتراط العلماء البلوغ، فيه احتراز عن حديث الصغير، إذ إنَّه لا يعرف أثر الكذب ولا عقوبته، فالبلوغ والعقل يزجران المكلف عن الكذب، أما إذا تحمّل صغيراً، وأدى الرواية كبيراً قُبلت روايته، فلم يتردد أحد في قبول رواية عبد الله بن عباس، ويوسف بن عبد الله ابن سلام، وعبد الله بن الزبير، والنعمان بن بشير، والحسن بن علي، والسائب بن يزيد .. والمعروف من سير السلف: أنَّهم كانوا يحضرون الأطفال والصبيان مجالس العلم و الرواية، فإذا كان في كبره جامعاً للشروط الأخرى لا يتردد في قبول روايته (٤). قال الذهبي: «واصطلح المحدّثون على جعلهم سماع ابن خمس سنين سماعاً، وما دونها حضوراً .. » (٥)

стр. 355

ثالثاً: العدالة (١): وهي كما قال ابن الأثير الجزري: «عبارة عن استقامة السيرة والدين، ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس، تحمل على ملازمة التقوى والمروءة (٢) جميعاً، حتى تحصل الثقة للنفوس بصدقه، ولا تشترط العصمة من جميع المعاصي، ولا يكفي اجتناب الكبائر بل من الصغائر ما ترد به الشهادة والرواية، وبالجملة فكل ما يدل على ميل دينه إلى حد يستجيز على الله الكذب بالأغراض الدنيوية، كيف وقد شرط في العدالة التوقي عن بعض المباحات القادحة في المروءة نحو: الأكل والشرب في السوق، والبول في الشوارع و نحو ذلك؟» (٣) فعلى هذا يشترط في الراوي حتى يسمى عدلاً: أن لا يفعل الكبائر، ولا يصر على الصغائر، ولا يفعل ما يخرم مروءته. رابعاً: الضبط (٤): هو إتقان ما يرويه الراوي بأنْ يكون متيقظاً لما يروي غير مغفل، حافظاً لروايته إنْ روى من حفظه، ضابطاً لكتابه إنْ روى من الكتاب، عالماً بمعنى ما يرويه و بما يحيل المعنى عن المراد إنْ روى بالمعنى، حتى يثق المطلع على روايته والمتتبع لأحواله بأنَّه أدى الأمانة كما تحمّلها لم يغير منها شيئاً (٥)، وهذا مناط التفاضل بين الرواة الثقات، فإذا كان الراوي عدلاً ضابطاً سمي ثقة (٦).
следующие страницы →