← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1526

الجامع في العلل والفوائد

ماهر الفحل

Полный текст (2 498 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. «وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه وسفيره بينه وبين عباده، المبعوث بالدين القويم، والمنهج المستقيم، أرسله الله رحمةً للعالمين، وإماماً للمتقين، وحجةً على الخلائق أجمعين» (١). (يا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوْتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُوْنَ) (آل عمران: ١٠٢). (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً واتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُوْنَ بهِ وَالأَرْحَامِ إنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيْباً) (النساء: ١). (يا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُوْلُوا قَوْلاً سَدِيْداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوْبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُوْلَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيْما) (الأحزاب: ٧٠ - ٧١). أما بعد: فإني أحمد الله وأكرر حمدي وثنائي وتمجيدي لله رب العالمين، الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، الحمد لله الذي له ما في السموات والأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير، الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي

стр. 2

أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء؛ إنَّ الله على كل شيءٍ قدير، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، الحمد لله الذي يسر لي إتمام كتاب "الجامع في العلل والفوائد" على الوجه اللائق الذي جهدت فيه كلَّ جهدي؛ لأجل أنْ يكون بالشكل الذي يرضي كل محبٍّ للسنة، الحمد لله الذي وفقني لهذا العمل ويسر لي أموره وسبله حتى خرج بهذه الحلة، الحمد لله الذي قدر لي فهداني إلى علم الأثر، ويسر لي خدمة سنة سيد البشر في تخصصٍ دقيقٍ من أدق علوم السنة. نِعمُ الله عليَّ كثيرةٌ لا تعد ولا تحصى وعطاياه لي عميمةٌ وفيرةٌ؛ فأسألُ الله أنْ يديم عليَّ النعمة، وييسر لي شكرَها وأنْ يجعلني مباركاً أينما كنت، وأنْ يجعلني هادياً مهدياً خادماً لكتاب الله ناشراً لسنة نبيه. إنَّ الله خلق الإنسان من عدم وأمده من عُدْم قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء:) (وقد علم الله الإنسان قال تعالى:) وَعَلَّمَ آَدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا) (البقرة: ٣١) وأسبغ عليه النعم العظيمة قال تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) (لقمان: ٢٠). فالإنسان يجب عليه أنْ ينظر إلى نعمة الله منذ أنْ كان لا شيء، ثم خلقه الله تعالى قال جل ذكره وتقدست أسماؤه: (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) (الإنسان: ١). ولْيتذكرْ الإنسان نعمة الله منذ أنْ كان علقة قال تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَق) (العلق: ١ - ٢). ومن يقرأ القرآن بتدبرٍ ويتتبع النصوص القرآنية حول مراحل خلق الإنسان يجد أنَّ خلق الإنسان مر بمراحلَ مرحلة خلقه من تراب ومرحلة خلقه من طين لازب ومرحلة خلقه من صلصال من حمأٍ مسنون، ومرحلة خلقه من صلصال كالفخار، ومرحلة اشتقاقه من نفسٍ واحدة هي نفس آدم، ومرحلة خلقه من ماء مهين في النطفة، ومرحلة خلقه من علقة، ثم من مضغة مخلقة

стр. 3

وغير مخلقة، مع تتابع أطوار خلقه في بطن أمه خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث (١). وكان من نعم الله على البشرية أنْ أرسل الله لهم الرسل مبشرين ومنذرين لحاجة الناس إلى الرسالات فالنفوس الأرضية تربة، من شأنها أنْ تنبت الأخلاق الذميمة ما لم تُسقَ بماء الإيمان الطاهر، وتشرق عليه شمس العلم الديني الصحيح وتهب عليها رياح التذكير؛ فأيُّ أرض أمحلت من ذلك الماء، وحجب عنها شعاع تلك الشمس، وسدت عنها طرق تلك الرياح، كان نباتها كما قالت الملائكة ﵈: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) (البقرة: ٣٠) (٢). وقد ختم الله رسالات الأنبياء بأعظم نبيٍّ وأعظم رسول وشريعته هي التي تصلح لكل زمان، وهذه الشريعة لها رافدان عظيمان: الرافد الأول: كتاب الله العظيم القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيم حميد، وهو أصل الدين ومنبع الطريق المستقيم، والرافد الثاني: السنة النبوية التي تتضمن أقواله وأفعاله وتقريراته وصفاته صلوات ربي وسلامه عليه. والمستدّلُ بالقرآن لا يحتاج إلى بحث فالقرآن منقولٌ إلينا بالتواتر بالصدور والسطور، وقد تكفل الله بحفظه قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون) (الحجر: ٩). أما السنة النبوية فلم تنقل إلينا كما نقل القرآن لكنَّ الله حفظها بنقد العلماء الفهماء النجباء الذين نقوا السنة مما شابها من أعداء الدين وغلط الغالطين وعبث العابثين، ولما كان الله قيظ لهذه السنة من يقوم بحفظها ورعايتها وتنقيتها منذ الصدر الأول وحتى يومِ الناس هذا، وإلى أن يبعث الناس فيوجد في كل زمان ومكان من ينفي عن السنة تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وزيف الزائفين،

стр. 4

فكانت نعمة من أعظم النعم على هذه الأمة المرحومة أن حفظ الله لها دينها؛ لذلك فنحن حينما نقرأ تاريخ النقد عند علماء المسلمين نجد أن العلم بإعلال الحديث وظهور النقد قد بدأت بواكيره على يدي كبار الصحابة فالتابعين فأتباع التابعين وهلم جرا حتى يومنا هذا، وهذه الأمة مولاد ستلد في كل زمان جهابذة يقومون بهذا النقد يعلمون الناس الوحي والسنة كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: ٢٩) المتأمل في تاريخ النقد يدرك صعوبة الفن وعزة أهله قال الحافظ ابن حجر: «وهو من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله تعالى فهماً ثاقباً، وحفظاً واسعاً، ومعرفة تامة بمراتب الرواة وملكة قوية بالأسانيد والمتون؛ ولهذا لم يتكلم فيه إلا قليل من أهل هذا الشأن، كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني» (١). وهذا النص من أظهر النصوص على صعوبة النقد تصحيحاً وتضعيفاً وتقوية وإعلالاً. ولما كان الأمر على ما ذكرت والحال كما وصفت فقد قدّم المحدثون في كل زمان ببذل أقصى ما يستطيعه البشر من أجل تنقية السنة من الكذب والخطأ، وجاءوا بأشياء أذهلوا فيها العدو قبل الصديق. وكتابي هذا " الجامع في العلل والفوائد " (٢) تخصصٌ في تخصصٍ دقيق فهو يبحث في علم الحديث روايةً ودرايةً ثم في ذلك العلم يبحث في أغمض قضاياه، قال البيهقي: «وهذا النوع من معرفة صحيح الحديث من سقيمه لا يعرف بعدالة الرواة وجرحهم، وإنما يعرف بكثرة السماع، ومجالسة أهل العلم بالحديث، ومذاكرتهم والنظر في كتبهم، والوقوف على رواياتهم، حتى إذا شذ منها حديث عرفه» (٣). وقبل هذا كله فإنَّ هذا العلم من علوم الآخرة؛ لا يصح العمل به إلا بعد النية الصادقة والمراقبة التامة.

стр. 5

وليعلم أن العمل بهذا الفن عموماً وخدمة علم العلل خصوصاً داخل في النصيحة لرسول الله ﷺ قال ابن رجب الحنبلي: «ومن ذلك بيان ما صح من حديث النبي ﷺ ومالم يصح منه بتبين حال رواته ومن تقبل رواياته ومن لا تقبل، وبيان غلط من غلط من ثقاتهم الذين تقبل رواياتهم» (١) وكلام ابن رجب كلام عظيم ومن قرأه متأملاً كلام النبي ﷺ في حديث أبي رقية تميم الداري مرفوعاً «الدين النصيحة» (٢) علم أن واجباً على كل مسلم تجاه أحاديث النبي ﷺ وأن خدمتها واجبة وشرحها وتبليغها للناس أمرٌ مأمور به كما ثبت عنه ﷺ أنَّه قال: «بلغوا عني ولو آية» ومن أدق النصح لحديث رسول الله ﷺ بيان العلل التي تخفى على أغلب الناس بله على كثير من العلماء المختصين؛ إذ إننا في زمن الغربة في هذا الفن العظيم. من هنا شققت لنفسي طريقاً لتكون لي يداً بيضاء ولمسةً طيبةً في خدمة هذا الفن الذي هو من أغمض فنون العلم، وقد مرت عليَّ في هذا الكتاب أيام وساعات عصيبة عانيت ما عانيت فيها في ظل احتلال مقيت وعمالة عمياء، وانفتاح للغرب وسكر للشهوات وحسد حاسد وتسلط كاسد وزمجرة مقلد لكنَّ الله بفضله ومنّه وكرمه قد دفع عني كل شر ونجاني من كل مكر؛ فأحمده حمداً عظيماً مباركاً دائماً أبداً بعدد ما خلق وذرأ وبرأ ونشر وبعدد أنفاس الخلق وحركاتهم، وأسأل الله أنْ يوزعني ويوفقني لأداء شكر نعمته على الوجه الذي يجب. ومعاناة الاحتلال والوضع المحيط لم يضرني بقدر ما ضرني شحة المصادر وتأخر وصول الكتب المحققة الحديثة لبلدنا الجريح؛ لا سيما وأن

стр. 6

كثيراً من كتب السنة التي بين أيدينا فيها من التصحيف والتحريف والسقط ما الله وحده عليم، وهذا أكبر أمر ضرني في هذا الكتاب لسنوات، ولربما حكمت على حديث على ضوء إسناد فلما راجعت المخطوطات والطبعات الحديثة؛ وجدت أنَّ تلك الأسانيد التي تم الاعتماد عليها بالترجيح كانت مصحفةً أو محرفةً، وقد ذكرت من ذلك أمثلة في ثنايا الكتاب، وأنا إذ أذكر هذا فلا أغفل قول الجاحظ: «ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفاً أو كلمة ساقطة فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ وشريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النقص حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام» (١) فالتصحيفات الموجودة والتحريفات الكثيرة في الرواة والأسانيد لكثيرٍ من كتب السنة أخذت مني شطر الوقت، ولما كنت أعد فهارس متنوعة لكل كتاب من كتبي زدت في هذا الكتاب فهرساً للتصحيفات والتحريفات الواردة في الكتب؛ ليكون دليلاً على تصحيح نسخ الآخرين من تلك الكتب، وهو جزء من النصيحة، والله المستعان. وهذا العمل لما كان في نقد أخطاء الرجال فقد نقدنا هذه الأخطاء، وبينا تلكم الهنات، وقد جرنا ذلك بالضرورة إلى بيان أخطاء كثير من الكتب وأخطاء كثير من المؤلفين، وهو أمرٌ أدت الضرورة إليه، ومعلومٌ أنَّ كلمة الحق لا تبقي لصاحب صاحباً وتدخلك مع من لست تعرف في صحبة ودٍّ لذلك قال ابن قتيبة: «ولعل بعض من ينظر فيما سطَّرناه، ويقف على ما لكتابنا هذا ضمَّنَّاه، يلحق سيءَ الظن بنا، ويرى أنَّا عمدنا للطعن على من تقدمنا، وإظهار العيب لكبراء شيوخنا وعلماء سلفنا وأنى يكون ذلك؟! وبهم ذُكرنا وبشُعاع ضيائهم تبصرنا وباقتفاء واضح رسومهم تميزنا، وبسلوك سبيلهم على الهمج تحيزنا، وما مثلهم ومثلنا إلا ما ذكر أبو عمرو بن العلاء. . . قال: ما نحن فيمن مضى إلا كبقلٍ في أصول نخل طوالٍ. ولما جعل الله تعالى في الخلق أعلاماً، ونصب لكل قومٍ إماماً، لزم المهتدين بمبين أنوارهم، والقائمين

стр. 7

بالحق في اقتفاء آثارهم، ممن رزق البحث والفهم وإنعامَ النظر في العلم، بيان ما أهملوا، وتسديد ما أغفلوا، إذ لم يكونوا معصومين من الزلل، ولا آمنين من مقارفة الخطأ والخطل، وذلك حق العالم على المتعلم، وواجبٌ للتالي على المتقدم» (١). وإنَّ هذا الصنيع لأهل العلم في القديم والحديث أمرٌ منبعثٌ من تأصيل العلم وتجريده من الخطأ، قال الإمام الشافعي: «مَنْ تعلم علماً فليدقق فيه لئلا يضيع دقيق العلم» (٢). وهذا المنهج الذي أصله الإمام الشافعي - يرحمه الله - منهجٌ قديمٌ في التدقيق والبحث والنقد منذ عهد الرواية؛ لذا كان لكل قرن من قرون الرواية منهجه وأصوله وضوابطه على حسب المحيط الذي يحيط ذلك العصر والمستجدات التي تحف فن الرواية؛ لذا نجد القرن الأول كان كافياً لبيان صحيح السنة حتى لا تختل في القرن الذي بعدها، والنقد في القرن الثاني كان كافياً، وكذلك الثالث وهلم جراً. ومعلوم لدى النقاد أنَّ القرن الثالث الهجري كان العصر الذهبي في النقد والإعلال والتصنيف، ومن يمعن النظر في ذلك يجد أنَّ للمتقدمين إبداعات تخضع لها العقول، وإجادات تشهد بأنَّ علمهم مؤيدٌ من الباري سبحانه، ومما حصلوه في تلك المدة الزمنية أنَّهم دونوا الأحاديث في الكتب حتى قال البيهقي: «وهو أنَّ الأحاديث التي قد صحت، أو وقفت بين الصحة والسُّقْم قد دُوّنت وكُتبت في الجوامع التي جمعها أئمة أهل العلم بالحديث، ولا يجوز أنْ يذهب منها شيءٌ على جميعهم، وإن جاز أن تذهب على بعضهم، لضمان صاحب الشريعة حفظها، فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم، لم يقبل منه» (٣). ومن ينظر في كيفية تلقي الصحابة، وحرصهم على ذلك يدرك مدى الاهتمام، ومدى حرص الصحابة على حفظ السنة من الخطأ في الحديث فقد دققوا غاية التدقيق، فهم أخذوا عن الرسول ﷺ مشافهةً، وإذا سمعوا

стр. 8

شيئاً مما لم يسمعوه تثبتوا فيه كما حصل لعمر بن الخطاب، وطلبوا البينة أحياناً مبالغة في التثبت وصيانةً للشرع كما فعل عمر بن الخطاب مع أبي موسى الأشعري (١) في الاستئذان ثلاثاً، لذا فإنَّهم لم يكونوا يتهاونون في ذلك مع أحدٍ كائناً من كان إذا رفع حديثاً إلى رسول الله ﷺ ، ولذلك لما قال المستورد بن شداد القرشي عند عمرو بن العاص ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس»، فقال له عمرو: أبصر ما تقول قال: أقول سمعت من رسول ﷺ … » (٢). وقال ابن عباس ﵄: «إنا كنَّا مرةً إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا» (٣). وكانوا يرحلون في سماع الحديث حتى إنَّ جابر بن عبد الله ﵄ رحل شهراً في سماع حديث واحدٍ (٤). ثم سار التابعون على ذلك المنهج ومن بعدهم، حتى قال ابن حبان: «فرسان هذا العلم الذين حفظوا على المسلمين الدين، وهَدَوْهم إلى الصّراط المستقيم، الذين آثروا قَطْع المفاوِز والقِفار على التنعّم في الديار والأوطْان في طلب السنن في الأمصار، وجمعها بالوجل والأسفار والدَّوران في جميع الأقطار، حتى إنَّ أحدهم ليرحَلُ في الحديث الواحد الفراسخ البعيدة، وفي الكلمة الواحدة الأيام الكثيرة، لئلا يُدخلَ مُضِلٌّ في السنن شيئاً يُضلُّ به، وإن فعل فهم الذابّون عن رسول الله ﷺ ذلك الكذب، والقائمون بنُصْرة الدين» (٥). أما تنظيم الكتاب فقد كان الكتاب على ثلاثة أقسام: القسم التنظيري، والقسم التطبيقي، والفوائد والقواعد الحديثية. أما القسم الأول: فقد تضمن الكلام على معنى العلة، وأهمية علم

стр. 9

العلل، وثمرته، وتاريخه، وأئمته، والمصنفات فيه، وأسباب وقوع العلة، وطرائق كشف العلة، ومناهج المحدّثين في معرفة العلة، وما تزول به العلة، ومناهج التأليف في علم العلل، وثقافة المعلل. وأما القسم الثاني: فقد خصصت الكلام فيه على أقسام العلة، ثم الكلام على الأنواع المتفرعة عن تلك الأقسام، والتمثيل لكل نوع من تلك الأنواع بأمثلة عديدة متنوعة، تميزت بدقة التخريج، وتحكيم قواعد أئمة الفن، وتتبع كلامهم على تلك الأحاديث، وخلاصة الحكم، فالإحالة على مصادر التخريج التي تضم جماع الأسانيد والأحكام عند آخر كل حديث. وأما القسم الثالث: وهو الفوائد والقواعد الحديثية؛ فهو حصيلة مسيرة طويلة في خدمة السنة المشرفة، مطالعةً وتحقيقاً وتخريجاً وتدريساً، وقد ضم قواعد محكمة، وفوائد بديعة في العلل، والجرح والتعديل، والمصطلح، ومناهج أئمة الفن. ثم ذيلت الكتاب بفهارس متنوعة، لم تكن مطولة كالتي ختمت بها مسند الإمام الشافعي طلباً للاختصار، وقد كانت الفهارس على النحو التالي: ١ - فهرس الآيات. ٢ - فهرس الأحاديث. ٣ - فهرس الآثار. ٤ - فهرس المراسيل. ٥ - فهرس الرواة المترجمين. ٦ - فهرس أخطاء الرواة. ٧ - فهرس الأشعار. ٨ - فهرس التصحيفات والتحريفات الواقعة في المطبوعات. وتلكم الفهارس تذلل صعوبة الكتاب، وتيسر البحث فيه. وفهرسة أخطاء الرواة، لم أسبق إليها فيما أعلم، وهو نافع جداً للباحثين في البحث عن أوهام الرواة وأخطاءهم، وعد الرواة المخطئين (٣٦١)، وهذا النوع من

стр. 10

الجديد في الكتاب لم يكن لوحده، فهناك كثير من أشباه ذلك الجديد، ومن ذلك أنَّ أهل الحديث فرعوا في مضطرب الإسناد أنواعاً، زدت عليها نوعين مستقلين، تجدهما في موضعهم. أما المراجع والمصادر فلم أضعها في الكتاب تجنباً لتضخيم الكتاب؛ ولأنَّ الأمر يطول ولربما زادت مراجعي على الألف، لكنَّ مما ينبغي أنْ أذكر أنَّي رجعت في عدد من الكتب على عدد من الطبعات من ذلك: ١ - سنن الدارقطني، وقد رجعت فيها إلى مطبوعة دار الكتب العلمية، ومطبوعة مؤسسة الرسالة. ٢ - شرح معاني الآثار، وقد رجعت فيها إلى طبعتي دار الكتب العلمية القديمة والحديثة. ٣ - شرح مشكل الآثار، وقد استخدمت مطبوعة مؤسسة الرسالة، وترتيبه المسمى " تحفة الأخيار " طبعة دار بلنسية، وكذلك رجعت إلى الطبعة الهندية في بعض المواضع المشكلة. ٤ - السنن الكبرى للنسائي، وقد رجعت فيها إلى مطبوعة مؤسسة الرسالة، ومطبوعة دار الكتب العلمية. ٥ - الأم للشافعي، وقد رجعت فيه إلى طبعتين، طبعة دار المعرفة، وطبعة الوفاء. ٦ - معرفة السنن والآثار للبيهقي، واستخدمت فيه طبعة دار الكتب العلمية، وطبعة دار الوعي. ٧ - السنن الصغير للبيهقي، وقد رجعت فيه إلى طبعة دار الكتب العلمية، وإلى طبعة الرشد بعنوان "المنة الكبرى شرح وتخريج السنن الصغرى" للدكتور محمد ضياء الأعظمي. ٨ - الشريعة للآجري، وفيه استخدمت مطبوعة دار الوطن، مع مطبوعة السنة المحمدية. ٩ - المعجم الأوسط للطبراني، وفيه رجعت إلى مطبوعتي دار الحديث ودار الكتب العلمية، وربما رجعت فيه إلى طبعة دار الحرمين بتحقيق طارق عوض الله. ١٠ - التوحيد لابن خزيمة، وقد استخدمت فيه مطبوعة دار الكتب العلمية، ومطبوعة مكتبة الرشد.

стр. 11

١١ - شعب الإيمان للبيهقي، وقد رجعت فيه إلى طبعة دار الكتب العلمية وطبعة مكتبة الرشد. ١٢ - تاريخ بغداد، وفيه رجعت إلى طبعة دار الغرب، وإلى الطبعة القديمة. ١٣ - الاعتبار للحازمي، وفيه استخدمت طبعة دار ابن حزم، وطبعة دار الوعي. ١٤ - شرح علل الترمذي، وفيه رجعت إلى مطبوعة نور الدين عتر، وإلى مطبوعة مكتبة المنار بتحقيق همام عبد الرحيم، وأعرضت عن مطبوعة السيد صبحي السامرائي لأنها طافحة بالتصحيفات. ١٥ - فتح المغيث للسخاوي، وفيه رجعت إلى طبعة دار الكتب العلمية، وإلى طبعة دار المنهاج. ١٦ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، وقد استخدمت فيه طبعة دار السلام مع طبعة دار طيبة، وكان في الغالب الإحالة إلى عقب الحديث لتتسق جميع الطبعات على ذلك. أما الصحيحان فقد جعلت الإحالة على صحيح البخاري بالجزء والصفحة للطبعة الأميرية، ثم أردفته برقم الحديث من فتح الباري ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، ولصحيح مسلم الجزء والصفحة للطبعة الاستانبولية، ثم برقم الحديث من طبعة محمد فؤاد عبد الباقي وذلك؛ لانتشار هذه الطبعات وتداولها بين الناس، وهذا ديدني في كتبي كلها. أما مميزات الكتاب كتاب "الجامع في العلل والفوائد"، فهي على النحو التالي: ١ - جاء رسم الكتاب "الجامع في العلل والفوائد" لأنه يجمع جميع أنواع العلل، سواء ما كان منها في السند، أو في المتن، أو فيهما كليهما من حيث التنظير الوافي مع حشد عدد كبير من الأحاديث التي تدخل ضمن تلك العلة. أما الفوائد فتشير إلى أمرين: أولهما: أن الكتاب أصل في الأحاديث المعلة والغريبة والمنكرة التي نشأت من أوهام الرواة، فهي (فوائد) على اصطلاح أهل العلم. والآخر: أن الكتاب غني بالفوائد العلمية، والنكت الوفية، ودقائق

стр. 12

الجرح والتعديل ومناهج المحدثين، وكذلك الفوائد المتعلقة بالكتب وخصائصها ومناهج مؤلفيها. فضلاً عن ذلك فإن كلمة (الجامع) يستوحى منها من يقوم بجمع أشياء متفرقة سواء أكانت هذه الأشياء متباعدة أم متقاربة. ٢ - اشتمل الكتاب على طريقتي المحدّثين في التصنيف في علل الحديث: التنظير، والتطبيق، وهو شبيه بعمل الإمام مسلم في كتابه "التمييز". ٣ - الكتاب تبسيط لعلم العلل وتذليل له بالأمثلة المتنوعة، وشرح لإعلالات المحدّثين لتلك الأحاديث شرحاً وافياً بطريقة واضحة. ٤ - حريٌّ بهذا الكتاب أن يكون موسوعة في علم علل الحديث؛ فالذي لم يتكلم فيه أشار إليه، وما لم يتناوله بالتفصيل أجمله، وهلم جراً. ٥ - إنه كتاب تعريفات؛ فقد جمع كثيراً من التعريفات والحدود من حيث اللغة والاصطلاح، مهتماً ببيان مدى ارتباط المعنى الاصطلاحي للفظ بالمعنى اللغوي له. ٦ - هو كتاب تأريخ؛ إذ تناول نشوء علم العلل منذ عصر الصحابة ﵃، وجَمَعَ المصطلحات المستعملة للتعبير عن العلة، واضعاً لها في ميزان أهل اللغة والحديث. ٧ - صار هذا الكتاب ثبتاً لأئمة هذا الفن ومؤسسيه منذ نشأته وإلى يوم الناس هذا. ٨ - كان (كشفاً) لأسماء الكتب الموضوعة في هذا العلم القديمة والحديثة. ٩ - جمع الكتاب بين التأليف والتحقيق، فعلى الرغم من أن الكتاب هو مؤلف عصري، أنه حقق كثيراً من المسائل، ولاسيما في باب التصحيف والتحريف، ولو لم يكن له إلا التنبيه لكفاه. ١٠ - الحرص على حشد أقوال الأئمة النقاد، وفي طليعتهم المتقدمون في إعلالهم للأحاديث أو تصحيحها.

стр. 13

١١ - جمع ما يخص علل الحديث من كتب العلم المتنوعة كالأصول والتفسير والفقه وغيرها، وعدم الاقتصار على كتب الحديث فقط؛ ليتجلى علم العلل بوضوح ولتتم مقاصده، وليكون العمل استقرائياً. ١٢ - البحث في إعلال الحديث إعلالاً شمولياً يشمل كل ما يخص الإعلال، سواء كان الإعلال واقعياً أو غير واقعي، فإن كان غير واقعي تتم الإجابة عنه كما هو الحال في كثير من الأحاديث التي أعلها الفقهاء، مع أن الكتاب مؤلف على طريقة أهل الحديث لكنه يشمل إعلالات غيرهم. ١٣ - شرح قواعد العلل التي قعّدها المتقدمون، وسار عليها من بعدهم ممن حذا حذوهم، وكذلك فيما يتعلق بالسلاسل الإسنادية، والتوثيق الضمني. ١٤ - التأكيد على سبب العلة، وكشف سبب خطأ الراوي ووهمه في ذلك الحديث؛ ليكون العمل ميزاناً فيه تنقد الأخبار. ١٥ - استخلاص كثير من أسباب العلل التي لم يتطرق إليها غالب من كتب في هذا الفن، لاسيما أن بحثنا شامل للتنظير والتطبيق، مع محاولة الاستيعاب لكثير من الدقائق. ١٦ - تذليل المصطلحات الصعبة العامة والخاصة التي استخدمها الأئمة النقاد وبيان مرادهم بها، إذ إن المتقدمين ممن تكلم في العلل لهم مصطلحات ومناهج قد يعسر فهمها على كل أحد، ولا يفهمها إلا الحذاق ممن مارس هذا الفن، وكانت له بضاعة في هذه الصناعة، ولعل من أوجب الواجبات على المشتغلين بهذا الفن الشريف تبسيط هذا الفن على الناس. ١٧ - الحكم على المئات من الأحاديث التي توسّع كلام النقد والإعلال فيها، مع حشد أقوال المصححين والمعللين بالنقول والأدلة؛ ليتضح للقراء الحكم الصحيح، وليكون الكتاب خير دليل للباحث عن أحسن طرائق الحكم. ١٨ - كانت خلاصة الحكم على المتن بعد استنفاد الوسع في الكلام على الأسانيد. ١٩ - تناولتُ بعض الأحاديث التي أُعلت لسبب معين، أو اتسع

стр. 14

الخلاف فيها مع رجحان صحتها، فقد بحثتُ عدداً من الأحاديث لبيان صحتها والدفاع عنها كما هو ديدن الذين صنفوا في العلل. ٢٠ - توسعت في التمثيل لكل نوع وفرع وصورة، وكان التمثيل لأنواع العلة الخفية كثيراً، أما غيرها من العلل القادحة الظاهرة فيختلف الحال حسب أهمية ذلك النوع من أنواع علل الحديث. ٢١ - البحث في تخريج الحديث وجمع الطرق على طريقة الاستيعاب، ومتابعة موارد المخرِّجين ومن استقى منهم؛ لمعرفة الصواب وتمييز الخطأ. ٢٢ - العناية بنقل النصوص عن الأئمة العلماء خاصة، مثل نقل أقوال الترمذي النقدية عقب الأحاديث، والموازنة بين طبعات الجامع الكبير له وتحفة الأشراف، ومَن نقل أقوال الترمذي. ٢٣ - بذل الجهد والوسع في تخريج المعلقات التي يذكرها الترمذي والدارقطني والبيهقي وغيرهم عند ذكر المتابعات والمخالفات مع الإشارة إلى عدم العثور على ما لم يُعثر عليه. ٢٤ - أُلف الكتاب وفق أحدث الطرق، وتم اختيار الطريق الأحسن والأسلم في التخريج والترتيب والعزو؛ وكان المنهج رائد العمل من أوله إلى آخره. ٢٥ - إثبات رواية معينة ثم إثبات اختلاف الروايات، وبيان سبب الترجيح وذكر سبب الاختلاف ما وجدنا لذلك سبيلاً. ٢٦ - الحكم على الرواة بالنظر والمقارنة بين أقوال أئمة الجرح والتعديل، وليس لنا في ذلك تقليد محض، بل نجتهد فيمن اختلف فيهم في الأعم الأغلب. ٢٧ - حوى الكتاب كثيراً من الدراسات الجادة في الرجال، وتم تعقب كثير من اجتهادات المحدّثين في الرواة، و قد ضم أكثر من (١٩٣) ترجمة للرواة ناقشتُ في بعضها أسباب الجرح والتعديل مبيناً الصواب وفق القواعد العلمية الرصينة.

стр. 15

٢٨ - التنبيه على أخطاء الرواة، وتم عمل إحصائية دقيقة لكل راو أخطأ في هذا الكتاب، وقد بلغ عدد الرواة الذين أخطئوا (٣٦١). ٢٩ - حفل الكتاب بإحصاء مرويات بعض الرواة في بعض الكتب، وهذا قلما تجده في غيره. ٣٠ - إبراز خصوصيات بعض الرواة في بعض الشيوخ، فبعضهم ثقات في أنفسهم، ضعفاء في بعض الشيوخ. ٣١ - دراسة كثير من الرواة المختلف فيهم مع سبر مروياتهم من أجل الخلوص إلى حكم صحيح شامل، وكذلك صنعت مع الرواة الذين لم يترجم لهم في كتب التراجم. ٣٢ - جاءت بعض التراجم مطولة للضرورة؛ ليعرف من خلالها خلاصة الحكم على الرواة. ٣٣ - العناية بنقل التوثيق والتضعيف من الأسانيد وكتب العلل، من أجل لملمة أقوال ترصد لتوضع في أماكنها في كتب الرجال. ٣٤ - شرح كثير من قواعد الجرح والتعديل، وإيضاح المعاني المختلفة للفظة الواحدة واختلاف النقاد في معانيها، وكنت أحاول جاهداً الوقوف على أقدم شرح للقاعدة أو اللفظة، فإن لم أجد للمتقدمين في شرحها شيئاً اعتمدت على ما دوّنه المحققون من المتأخرين والمعاصرين. ٣٥ - بيان مصطلحات العلماء في مؤلفاتهم عند النقل عنهم، لتكتمل الفائدة؛ على أن ما يذكر من تلك الفوائد لا يذكر على سبيل الإسهاب، بل يؤتى بها بألخص عبارة وأوجز إشارة. ٣٦ - إحالات الكتب غالباً على الطبعات المعتمدة، وقد أرجع إلى طبعات متعددة لعدد من الكتب خاصة عند الاختلاف. ٣٧ - بيان أخطاء الكتب، وتصويب الكلام المخطوء عند نقله، وتصحيح التصحيف وتحرير التحريف والإشارة إلى الزيادة والنقص عند النقل. ٣٨ - إن كان للكتاب طبعتان أو أكثر ووُجد خطأ في إحدى الطبعات

стр. 16

فإنه يُرصد، وتدقق بقية الطبعات؛ ليعلم تقليد المتأخر للمتقدم. ٣٩ - التعريف بكثير من الكتب والأجزاء الحديثية مع بيان خصائصها بعبارات موجزة شاملة لفوائد نادرة. ٤٠ - الاهتمام بذكر أوهام محققي الكتب في نقد الأحاديث أو تعيين الرواة إذا كان في ذلك فائدة أو دفع مفسدة، مع ترك كثير من ذلك حين لا يكون في بيانه كبير فائدة. ٤١ - رصد المخالفين في انتقاص مخالفيهم، وإيضاح ذلك حتى لا يقع النقد في غير موضعه. ٤٢ - تضمن الكتاب الكلام على بعض المصادر وتحقيق صحة نسبتها إلى مؤلفيها. ٤٣ - ومع تخصص الكتاب الدقيق في الحديث والعلل والأسانيد والجرح والتعديل لم يخل من كثير من الفوائد الفقهية والعقدية والشوارد اللغوية وغيرها. ٤٤ - شمل الكتاب مقدمات نافعة، وقواعد ماتعة، وفهارس متنوعة، تيسر صعوبة الكتاب، وتذلل طرائق البحث فيه، وتضمن للباحثين إحصائيات مهمة. ٤٥ - من يطالع الكتاب يجد أبحاثاً حديثية مهمة ودراسات إستقرائية قلَّ نظيرها، ومن يعاود النظر في الكتاب سيجد الفرق بين مناهج المتقدمين والمتأخرين جلياً، ويطلع على أسباب ترجيح المتقدمين. ٤٦ - يُعد أول كتاب رتّب الأحاديث المعلولة على أجناس العلل. ٤٧ - في الكتاب يكون إعلال الحديث بالعلة الرئيسة، ويشار إلى إعلالات الآخرين، مع بيان القادح وغير القادح من تلك الإعلالات. وفي ختام مقدمتي المتواضعة أكرر شكري لله رب العالمين أنْ أمدني بالصحة والتمكين حتى تم هذا العمل، وأتقدم بالشكر لكل من مد إليَّ يد العون في هذا العمل، وأخص منهم أبي الحاج ياسين الفحل ﵀

стр. 17

تعالى - الذي طالما سألني عن الكتاب، وكان دعاؤه لي متواصلاً، لكنه استقبل أجل الله قبل أكثر من عام، فرحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته، وأمي الحنونة الحاجة هدية دحام المرأة المؤمنة القانتة الصابرة التي كانت وما زالت قدوة لي في الصبر والديانة، وأهل بيتي زوجي أم الحارث والحارث ومعاذ وطه وطارق الذين طالما قصرت في حقهم من أجل هذا العمل فأسأل الله أن يستعملني وإياهم في طاعته. ولا أنسى إخواني جميعاً، وأخص منهم أخي الحاج سالم سلّمه الله الذي أمدني بعطاء متواصل، فأسأل الله أن يفتح له من خيري الدنيا والآخرة. ولا أنسى إخواني في دار الحديث العراقية - حرسها الله - الذين عانوا معي تصحيح تجارب الطباعة المضنية، وتدقيق جميع الإحالات، وهم المشايخ: يحيى على المرعي، وسعد شاكر عبد، وحسن عبد الوهاب سحاب، وصفاء حسين خلف، وأحمد مؤيد العاني، وولدي النجيب حارث، أسأل الله أن يبارك في أوقاتهم وأعمارهم، وأن ينفع بهم البلاد والعباد. وبعد: فهذا كتابي " الجامع في العلل والفوائد " قد خدمته الخدمة الَّتِي توازي تعلقي بكتاب الله وسنة الحبيب المصطفى عَلَيْهِ أفضل الصَّلاة والسلام. أقدمه لمحبي كِتَاب الله وعشاق السُّنَّة النبوية، وأسأل الله أَنْ يَكُوْن شافعاً لي يوم لا ينفع مال ولا بنون، وآخر دعوانا أَنِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام عَلَى سيدنا مُحَمَّد وعلى آله وصحبه والتابعين لَهُمْ بإحسان إِلَى يوم الدين. وكتب د. ماهر ياسين الفحل أستاذ الحديث والفقه المقارن/ كلية العلوم الإسلامية - جامعة الأنبار شيخ دار الحديث في العراق

стр. 18

القسم الأول: القسم التنظيري تعريف العلة لغة: عَلَّ - بلام مشددة مفتوحة -: فعل متعدٍ ولازمٌ، نقول فيهما: عَلَّ يَعُِلّ - بضم العين وكسرها - ومصدرهما: عَلاًّ وعَلَلاً. وأَعلَّهُ اللهُ: أي: أصابه بعلة. والعلة: المرض، عَلَّ واعتلّ، أي مرض، وصاحبها مُعتَلّ، فهو عليل، وهي حدث يشغل صاحبه عن وجهه، كأنَّ تلك العلة صارت شُغلاً ثانياً، منعه عن شغله الأول. وعَلَّلَهُ بالشيء تعليلاً، أي: لهّاه به، كما يُعلَّل الصبيُّ بشيء من الطعام عن اللبن، والتعليل: سقيٌ بعد سقي، وجنيُ الثمرة مرة بعد أخرى، والتعليل: تبيين عِلة الشيء، وأيضاً ما يستدل به من العلة على المعلول، وعَلَّلَ الشيءَ: بَيّن علتَهُ وأَثبتَهُ بالدليل، فهو مُعلَّل (١). قال الخطَّابي: «والعُلالة مأخوذة من العَلّ، وهو الشرب الثاني بعد الأول، ومنه سُميت المرأة عَلّة؛ وذلك أنها تَعُلّ بعد صاحبتها، أي ينتقل الزوج إليها بعد الأخرى» (٢). وذكر ابن فارس في علّ: ثلاثة أصول صحيحة: «أحدها: تكرار أو تكرير، والثاني: عائق يعوق، والثالث: ضعف في الشيء.

стр. 19

فالأول: العلل، وهو الشربة الثانية، ويقال: علل بعد نهل، ويقال: أعل القوم، إذا شربت إبلهم عللاً. قال ابن الأعرابي في المثل: ما زيارتك إيانا إلا سوم عالة، أي: مثل الإبل التي تعل. إنَّما قيل هذا؛ لأنها إذا كرر عليها الشرب، كان أقل لشربها الثاني. والثاني: العائق يعوق، قال الخليل: العلة: حدث يشغل صاحبه عن وجهه، ويقال: اعتله كذا، أي اعتاقه، قال: فاعتله الدهر وللدهر علل. والثالث: العلة المرض، وصاحبها معتل، قال ابن الأعرابي: عل المريض يعل، فهو عليل» (١). وزاد صاحب كتاب: " العلة وأجناسها عند المحدّثين " معنى رابعاً، هو التشاغل بالشيء والتلهي به، ويمكن أنْ يضم تحت الأصل الثاني. والمعل: اسم مفعول من أعله: أنزل به علة فهو مُعَلٌّ، يقولون: لا أَعَلَّكَ اللهُ، أي لا أصابك بعلة، والحديث الذي اكْتُشِفَتْ فيه علةٌ قادحة هو مُعَلٌّ؛ لأنَّه ظهر أنَّه مصاب بتلك العلة (٢). وبهذا يتضح أنَّ أقرب المعاني اللغوية لمعنى العلة في اصطلاح المحدّثين هو المرض؛ وذلك لأنَّ الحديث الذي ظاهره الصحة، إذا اكتشف الناقد فيه علة قادحة، فإنَّ ذلك يمنع من الحكم بصحته. تعريف العلة اصطلاحاً: عرفها الحافظ ابن الصلاح بقوله: «هي عبارة عن أسباب خفية، غامضة، قادحة، فيه» (٣). وعرفها النووي بقوله: «عبارة عن سبب غامض، قادح، مع أنَّ الظاهر السلامة منه» (٤).

стр. 20

فللعلة ركنان: ١ - سبب خفي غامض. ٢ - قادح في السند أو المتن أو كليهما. ولا يكون الحديث مُعَلّاً إذا فقد أحد شرطيه. الاصطلاح الذي يطلق على الحديث المصاب بعلة: خاض (١) العلماء - قدامى ومُحْدَثينَ - في الاستعمال الصحيح لاسم المفعول للحديث الذي أصابته علة، والحقيقة أنَّ اسم المفعول يكون اشتقاقه من الأفعال الثلاثية وغيرها. فمن الفعل الثلاثي يكون على زنة (مفعول) ويشتق من الفعل المبني للمجهول أو لما لم يُسمَّ فاعله، نحو: حُمِدَ فهو محمود، وعُلَّ فهو معلول. أما من الفعل غير الثلاثي وهو الرباعي والخماسي وغيرهما، فيكون على وزن مضارعه مع إبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة، وفتح ما قبل الآخر، نحو: أَعَلَّ فعل رباعي، وزن مضارعه يَعِلُّ، واسم المفعول منه مُعَلّ، والفعل عَلّل رباعي أيضاً، وزن مضارعه يعلل، واسم المفعول منه مُعَلَّل، والفعل اعتلّ خماسي، وزن مضارعه يَعْتَلّ، واسم المفعول منه مُعْتَلّ. وتتفاوت نسبة استعمال العلماء لهذه التسميات، فالمعلول تسمية للحديث الذي أصابته علة استعمله المحدّثون واللغويون، فمن المحدّثين: البخاري، والترمذي، وابن عدي، والدارقطني، والحاكم وغيرهم، ومن اللغويين: الزجّاج، وابن القوطية، وقطرب، والجوهري، والمطرزي، وابن هشام وغيرهم .. ومن منكري هذه الصيغة ابن الصلاح فقد أنكرها بقوله:

стр. 21

«مرذول عند أهل العربية واللغة» (١)، وقال النووي: «هو لحن» (٢)، وقال العراقي في " ألفيته ": «وسم ما بعلة مشمول … معللاً ولا تقل معلول» (٣) وأنكره الفيروزأبادي بقوله: «ولا تقل: معلول» (٤). وتابع السيوطيُّ النوويَّ في تلحينه له … (٥)، وحكاية بعض أهل اللغة له، غير مخرج له عن كونه ضعيفاً، ولا سيما قد أنكره غير واحد من اللغويين كابن سيده، والحريري، وغيرهما. ثم اعترض العراقي على التسمية بـ «معلل» فقال: «والأحسن أنْ يقال فيه: «معل» بلام واحدة لا معلل؛ فإنَّ الذي بلامين يستعمله أهل اللغة بمعنى: ألهاه بالشيء و شغله به، من تعليل الصبي بالطعام، وأما بلام واحدة، فهو الأكثر في كلام أهل اللغة، وفي عبارة أهل الحديث أيضاً» (٦). وهاتان الصيغتان: (معلول) و (معلل) هما اللتان كثر الاعتراض عليهما، أما باقي الصيغ فصحيحة أفصحها (مُعَلّ). المعنى العام والمعنى الخاص والفرق بينهما: للعلة معنيان: الأول: معنى خاص: وهو الذي أشار إليه ابن الصلاح بقوله: «هو الحديث الذي اطُّلِعَ فيه على علة، تقدح في صحته مع أنَّ ظاهره السلامة

стр. 22

منها» (١)، والحاكم بقوله: «وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل .. » (٢). «ولعل تخصيص المتأخرين هذا النوع باسم العلل؛ لأنَّ أكثر أحاديث كتب العلل من هذا النوع، كما هو ظاهر وصرّح به السخاوي؛ أو لأنَّه أدقها وأغمضها .. ولعل ما ذهب إليه المتأخرون نوع من الحصر والتقييد، لا تغيير في المنهج بالمعنى العام .. » (٣). وبهذا يتضح لنا أنَّ العلة شيء خارج عن الجروح الموجهة إلى رجال الإسناد؛ وذلك لأنَّ ميدان الإعلال إنَّما هو الأحاديث التي ظاهرها الصحة، يقول ابن الصلاح: «ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر» (٤). وكل من جاء بعد ابن الصلاح و عرّف المعل اشترط فيه خفاء العلة وكونها قادحة: كالطيبي (٥)، والعراقي (٦)، والسيوطي (٧)، وأبي الفيض محمد بن محمد بن علي بن فارس (٨)، وغيرهم. لكننا مع ذلك نجد بعض العلماء يطلق العلة و يريد بها ما هو أعم من ذلك؛ حيث يدخل فيها العلة الظاهرة وغير الظاهرة: «وهذا الاستعمال إنما هو من باب التوسع فقط، واستعمال اللفظ بمعناه العام، وإلا فما حاز علم العلل هذه الشهرة، وحظي بالتقديم والتبجيل دون سائر علوم الحديث، إلا بخفاء العلل التي يبحث فيها ودقتها» (٩) وهو الثاني من معنيي العلة. أي المعنى

стр. 23

العام. فهذا الحافظ ابن الصلاح يقول: «ثم اعلم أنَّه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث، المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل؛ ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح، وسمى الترمذي النسخ علة (١) من علل الحديث، ثم إنَّ بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط» (٢). وعقب الحافظ ابن حجر فقال: «مراده بذلك أنَّ ما حققه من تعريف المعلول، قد يقع في كلامهم ما يخالفه، وطريق التوفيق بين ما حققه المصنف وبين ما يقع في كلامهم أنَّ اسم العلة إذا أُطلق على حديث، لا يلزم منه أنْ يُسمى الحديث معلولاً اصطلاحاً. إذ المعلول ما علته قادحةٌ خفية، والعلة أعم من أنْ تكون قادحة أو غير قادحة، خفية أو واضحة» (٣). وقد ذكر الصنعاني ما يدل على أنَّ تقييد العلة بكونها خفية قادحة هو عنده قيد أغلبي، حيث قال: «وكأنَّ هذا التعريف أغلبي للعلة، وإلا فإنَّه سيأتي أنهم يعللون بأشياء ظاهرة غير خفية و لا غامضة» (٤). والفرق بين المعنيين أنَّ المعنى العام هو علم الأولين، أما المعنى الخاص فهو علم المتأخرين، فالأخير هو الذي صنّف فيه المتأخرون، وشددوا على صعوبته وأهميته ودقته، وقلة من برز فيه على عكس المعنى العام.

стр. 24

والحديث في المعنى العام لا يشترط فيه السلامة، بخلاف الحديث في المعنى الخاص، فيشترط فيه السلامة، ويطّلع بعد التفتيش على قادح، قال ابن حجر: «وفي هذا رد على من زعم، أنَّ المعلول يشمل كلَّ مردود» (١). وأن يكون هذا القادح خفياً في المعنى الخاص، يقول ابن حجر: «المعلول ما علته قادحة خفية» (٢)، على خلاف المعنى العام فلا يشترط أنْ يكون قادحاً أو خفياً، قال ابن الصلاح: «إنَّ بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح» (٣). وتجدر الإشارة إلى أنَّ المعنى الاصطلاحي الخاص للعلة، إنما يشمل العلة القادحة الخفية التي يكون الظاهر السلامة منها. و هذه تختص برواية الثقات. أما العلة بالمعنى الأعم فإنها تتعلق بالرواية عموماً، سواء أكان الراوي ثقة أم ضعيفاً، وسواء كذلك أكان الوهم بالإسناد أم بالمتن، ومن الملاحظ: أنَّ الخطأ في رواية الثقة أشد غموضاً من الخطأ في رواية الضعيف؛ لأنَّ الأصل في رواية الثقة الصواب - والخطأ طارئ - فالقلب من حيث الأساس مطمئن إلى رواية الثقة، وليست كذلك رواية الضعيف، فالقلب غير مطمئن أساساً إليها، فالأصل الحكم عليها بالخطأ - والصواب طارئ - ومع ذلك فإنَّ معرفة الخطأ في رواية الضعيف ليس بالأمر السهل؛ وذلك لأنَّ الحكم عليه بالضعف أساساً يحتاج إلى متابعة روايته ومقارنتها برواية الثقات، فإن كثرت مخالفته لهم، حُكم بضعفه. وأيضاً فإنَّ الضعف درجات؛ و إذا لم يكن شديداً في الراوي، فإنَّ بالإمكان الاستفادة من بعض أحاديثه؛ لأنَّ خطأ الضعيف غير مقطوع به؛ لذلك فإنَّ من أحاديثه ما يصح و ما يضعف، و يُعرف الخطأ و الصواب بالبحث و الموازنة. ومن ينظر في كتب الشروح و التخريج والعلل يجد إطلاق لفظ العلة

стр. 25

والمعلول والمعل على كثير من الأحاديث التي فيها جرح ظاهر، وقد قمت باستقراء كتاب علل ابن أبي حاتم - وهو كتاب عظيم النفع غير أنَّ مصنفه ذكر فيه العلل الخفية والجلية، فهو غير خاص بالعلل الخفية كما يظن (١) -، وأشرت إلى الأحاديث التي أُعلت بالجرح الظاهر، فوجدتها كثيرة العدد، يزيد مجموعها على مئتين و سبعة وأربعين حديثاً، فقد أَعل بالانقطاع سبعة وعشرين حديثاً، منها الأحاديث: (٢٤) و (٧٤) و (١٠٨) و (١٣٢) و (١٦٤) و (٢١٤) و (٥٩٤) و (٦٢٢) و (٧٥٣) و (٩٠٥) و (١٢٥٩) و (١٣٧١). وأَعَلَّ بضعف الراوي مئة وثلاثة وأربعين حديثاً منها: (٥٣) و (١٠٠) و (١٥١) و (١٧٦) و (٢٠٨) و (٢٥٠) و (٣٠٩) و (٤٢١) و (٥٠) و (٥٦٥) و (٦٠٩) و (٦٤١) و (٧٢٧) و (٨٥٤) و (٩٨٨) و (١٠٥٣) و (١١٥٦) و (١٢٤١) و (١٤٧٣). وأَعل بالجهالة ثمانية وستين حديثاً منها: (٨٩) و (١٨٠) و (٣٤٥) و (٤٤١) و (٧٠١) و (١٠٧٠) و (١١٥٢) و (١٣١١) و (١٤٨٤) و (١٥٧٩) و (١٦٨٩) و (١٧٦٠) و (١٨٢٩) و (١٩٦٦) و (٢١٥١). وأَعل بالاختلاط حديثين هما: (٢٧٩) و (٢٢٢٠). وأَعل بالتدليس أربعة أحاديث هي: (٢١١٩) و (٢٢٥٥) و (٢٢٧٥) و (٢٥٧٩). وكذلك نجد في كلام كثير من جهابذة العلم إطلاق العلة على الجرح الظاهر كما في " نصب الراية " للزيلعي ٣/ ٨٥ و ٣/ ٢٣٩ و ٣/ ٢٨٧ و ٣/ ٣٥٨ و ٣/ ٣٧٠ و ٣/ ٤٣١ و ٤/ ٤٧. وفي كلام ابن القيم كما في " زاد المعاد " ١/ ١٧٧ و ٢٤٤. وكذلك وقع في كلام الحافظ ابن حجر إعلال بعض الأحاديث بالعلة

стр. 26

الظاهرة كالإعلال بالانقطاع الظاهر، وبالإرسال الظاهر، وبالجهالة، وبضعف الرواة .. كما في " التلخيص الحبير " ١/ ١١٧ (١) و ١/ ١٢٩ (٣) و ١/ ١٥٩ (١٠) و ١/ ١٦٤ (١٣) و ١/ ١٧٣ (٢٢)، و " فتح الباري " ١/ ٨٣ و ٢/ ٤٤٦، و انظر: " سبل السلام " ١/ ٦٩ و ٧٢ و ٧٥. وقد أشرت - فيما سبق - إلى أنَّ الصنعاني قد عد تقييد العلة في التعريف بكونها خفية قادحة قيداً أغلبياً .. وقد قال الحافظ ابن حجر: « .. لأنَّ الضعف في الراوي علة في الخبر، والانقطاع في الإسناد علة في الخبر، وعنعنة المدلس علة في الخبر، وجهالة حال الراوي علة في الخبر» (١). وفي حوار مع أستاذي العلاّمة الدكتور هاشم جميل قد تنبهت على أمر آخر، وهو: أنَّ المحدّثين إذا تكلموا على العلة بوصفها أنَّ خلو الحديث منها يعد قيداً لا بد منه لتعريف الحديث الصحيح، فإنهم في هذه الحالة يطلقون العلة و يريدون بها المعنى الاصطلاحي الخاص، وهو السبب الخفي القادح، وإذا تكلموا في نقد الحديث بشكل عام، فإنَّهم في هذه الحالة يطلقون العلة و يريدون بها المعنى العام، أي: السبب الذي يعل الحديث به، سواء أكان خفياً أم ظاهراً، قادحاً أم غير قادح. وهذا توجد له نظائر عند المحدّثين، منها: المنقطع (٢)، فهو بالمعنى الخاص: ما حصل في إسناده انقطاع في موضع أو أكثر من موضع لا على التوالي. هذا المصطلح نفسه يستعمله المحدّثون أيضاً استعمالاً عاماً فيريدون: كل ما حصل فيه انقطاع، في أي موضع في السند، فيشمل: المعلّق (٣): وهو الذي حصل فيه انقطاع في أول السند. والمرسل (٤): وهو الذي حصل فيه انقطاع في آخر السند.

стр. 27

والمعضل (١): وهو الذي حصل فيه انقطاع في أثناء السند، باثنين فأكثر على التوالي. ويشمل أيضاً المنقطع بالمعنى الخاص الذي ذكرناه (٢). وهكذا نرى أنَّ مصطلح المنقطع يستعمله المحدّثون استعمالاً خاصاً في المنقطع الاصطلاحي، ويستعملونه استعمالاً عاماً في كل ما حصل فيه انقطاع فيشمل المنقطع الاصطلاحي، والمعلق، والمرسل، والمعضل. و على هذا المنوال جرى استعمالهم لمصطلح العلة؛ فهم يستعملونه بالمعنى الاصطلاحي الخاص، وهو: السبب الخفي القادح، و يستعملونه استعمالاً عاماً، و يريدون به: كل ما يعل الحديث به، فيشمل العلة بالمعنى الاصطلاحي، و العلة الظاهرة، و العلة غير القادحة. تعريف علم العلل: هو عِلم برأسه، وهو أَجَلُّ أنواع علم الحديث وأدَقُّها، وأما أصحابه فهم جهابذة الفن في الحفظ والإتقان، وأما أدواته فهي قواعد تُكشف بها الأسباب الخفية القادحة. وهو صاحب القول الفصل في قبول الحديث ورفضه، حتى إنَّه لا يسلم كبار الحفاظ من نقده، ولا يتكلم فيه إلا المتقنون لسائر علوم الحديث، وأساسه التمرس والتجربة العملية الطويلة. أهمية علم العلل: إذا كان كل علم يشرف بمدى نفعه، فإنَّ علم علل الحديث يعد من أشرف العلوم؛ لأنَّه من أكثرها نفعاً، فهو نوع من أَجَلِّ أنواع علم الحديث، وفن من أهم فنونه، قال الخطيب: «معرفة العلل أَجَلُّ أنواع علم الحديث» (٣)،

стр. 28

ورحم الله الإمام النووي حيث قال: «ومن أهم أنواع العلوم تحقيق معرفة الأحاديث النبويات، أعني: معرفة متونها: صحيحها وحسنها وضعيفها، متصلها ومرسلها ومنقطعها ومعضلها، ومقلوبها، ومشهورها وغريبها وعزيزها، ومتواترها وآحادها وأفرادها، معروفها وشاذها ومنكرها، ومعللها وموضوعها ومدرجها وناسخها ومنسوخها … » (١). فعلماء الحديث قد اهتموا بالحديث النبوي الشريف عموماً؛ لأنَّه المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم، و قد اهتموا ببيان علل الأحاديث النبوية من حيث الخصوص؛ لأنَّ بمعرفة العلل يعرف كلام النبيِّ ﷺ من غيره، وصحيح الحديث من ضعيفه، وصوابه من خطئه، قيل لعبد الله بن المبارك (٢): هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: «تعيش لها الجهابذة» (٣). وقد ذكر الحاكم: «أنَّ معرفة علل الحديث من أجَلِّ هذه العلوم» (٤) وقال: «معرفة علل الحديث، وهو علم برأسه غير الصحيح و السقيم، والجرح والتعديل» (٥). وعلم العلل ممتد من مرحلة النقد الحديثي الذي ابتدأت بواكيره على أيدي كبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، حيث كان أبو بكر الصديق وعمر الفاروق ﵄ يحتاطان (٦) في قبول الأخبار، ويطلبان الشهادة على

стр. 29

الحديث أحياناً؛ من أجل تمييز الخطأ والوهم في الحديث النبوي، ثم اهتم العلماء به من بعد؛ لئلا ينسب إلى السنة المطهرة شيء ليس منها خطأ. فعلم العلل له مزية خاصة، فهو كالميزان لبيان الخطأ من الصواب، والصحيح من المعوج، و قد اعتنى به أهل العلم قديماً وحديثاً، ولا يزال الباحثون يحققون و ينشرون تلكم الثروة العظيمة التي دَوَّنَها لنا أولئك الأئمة العظام كعلي ابن المديني، و أحمد، و البخاري، و الترمذي، و ابن أبي حاتم، والدارقطني، وغيرهم (١). وما ذلك إلا لأهمية هذا الفن فـ «التعليل (٢) أمر خفي، لا يقوم به إلا نقاد أئمة الحديث دون الفقهاء الذين لا اطلاع لهم على طرقه وخفاياها» (٣). ولأهميته أيضاً نجد بعض جهابذة العلماء يصرّح بأنَّ معرفة العلل والبحث عنها، مقدم على مجرد الرواية دون سبر ولا تمحيص، يقول عبد الرحمان بن مهدي: «لأَنْ أعرف علة حديث هو عندي، أحب إليَّ من أنْ أكتب حديثاً ليس عندي» (٤). ويزيد هذا العلم أهمية أنَّه من أشد العلوم غموضاً، فلا يدركه إلا من رُزِقَ سعة الرواية، وكان مع ذلك حاد الذهن، ثاقب الفهم، دقيق النظر، واسع المران، قال الحاكم: «إنَّ الصحيح لا يعرف بروايته فقط، وإنَّما يُعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة، ليظهر ما يخفى من علة الحديث، فإذا وُجد مثل

стр. 30

هذه الأحاديث بالأسانيد الصحيحة غير مخرّجة في كتابي الإمامين البخاري ومسلم ﵄، لزم صاحب الحديث التنقير عن علته، ومذاكرة أهل المعرفة به لتظهر علّته» (١). ونقل ابن أبي حاتم عن محمود بن إبراهيم بن سميع، أنَّه قال: سمعت أحمد ابن صالح (٢) يقول: «معرفة الحديث بمنزلة معرفة الذهب والشَّبَه، فإنَّ الجوهر إنَّما يعرفه أهله، وليس للبصير فيه حجة إذا قيل له: كيف قلت: إنَّ هذا بائن؟! يعني: الجيد أو الرديء» (٣) لذا فإنَّ وجود العارفين في فن العلل بين العلماء عزيز، قال ابن رجب: «وقد ذكرنا … شرف علم العلل و عزته، وأنَّ أهله المتحققين به أفراد يسيرة من بين الحفاظ وأهل الحديث، وقد قال أبو عبد الله بن منده الحافظ: إنما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفراً يسيراً من كثير ممن يدّعي علم الحديث» (٤). وقال الحافظ ابن حجر: «وهو من أغمض أنواع علوم الحديث و أدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله تعالى فهماً ثاقباً، وحفظاً واسعاً، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية بالأسانيد والمتون؛ ولهذا لم يتكلم فيه إلا قليل من أهل هذا الشأن: كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب ابن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني … » (٥). وليس يلزم كشف العلة لأول وهلة ولا لثانيها ولا ولا .. يقول الخطيب: «فمن الأحاديث ما تخفى علته، فلا يوقف عليها إلا بعد النظر الشديد، ومُضِيِّ الزمن البعيد» (٦). وأسند عن علي بن المديني، قال:

стр. 31

«ربما (١) أدركت علة حديث بعد أربعين سنة» (٢). بل ربما يكشف العالم ما خفي على من هو أعلم منه، كالدارقطني، وأبي علي الجياني، وأبي مسعود الدمشقي، وأبي الحسن بن القطان، وابن تيمية، وابن القيم، وابن حجر، وغيرهم من أئمة هذا الشأن، فقد تعقّبوا البخاري ومسلماً - وهما من هما في الحفظ والإتقان، بل وعلو الكعب في علم العلل عينه - في كثير من أحاديث صحيحيهما وبينوا عللها (٣) … أو قد يخالف ما قاله هو نفسه، كما حصل لأبي حاتم الرازي حين سأله ابنه عن حديث ابن صائد أهو عن جابر أم عن ابن مسعود؟ قال: «عبد الله أصح، لو كان عن جابر، كان متصلاً. قلت: كيف كان؟ قال: لأنَّ أبا نضرة قد أدرك جابراً، ولم يدرك ابن مسعود، وابن مسعود قديم الموت. وسألت أبي مرة أخرى عن هذا الحديث. فقال: يحيى القطان ومعتمر وغيرهما، يقولون: عن التيمي، عن أبي نضرة، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ ، وهو أشبه بالصواب» (٤). وقد يتوقف الناقد في حديث ما؛ لخفاء علته، وفي نفسه حجج للقبول والرد ولكن ليس له حجة، قال السخاوي: «يعني: يعبِّر بها غالباً، وإلا ففي نفسه حجج للقبول وللدفع» (٥)، وقال ابن حجر: «وقد تقصر عبارة المعلل

стр. 32

منهم، فلا يفصح بما استقر في نفسه من ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، كما في نقد الصيرفي سواء» (١). من هذا العرض تتبين أهمية هذا العلم " علل الحديث "؛ لارتباطه بالحديث النبوي أولاً؛ ولأنَّه الفيصل بين الصحيح الذي ظاهره وباطنه السلامة وغيره. موضوعه: ليس كل الأحاديث ظاهرها السلامة، ولا كل علة خفية، فمن الأحاديث علتها ظاهرة جلية، وهذه الأوصاف بحديث الضعيف ألصق، وليست من علم العلل في شيء، ومع ذلك وجدنا بعض العلماء قد أطلق العلة على الخفي منها والجلي، واستعمال اللفظ بمعناه العام من باب التوسع. أما الحديث المعل فهو ما اجتمع فيه ركنا العلة، وهذا لا يكون سوى في أحاديث الثقات؛ لأنَّ حديث الضعيف خطؤه بَيّن يتصدى له الناقد على وفق قواعد معلومة، أما أحاديث الثقات فهي موضوع علم العلل وميدانه بمعناه الدقيق، ولا يتصدى لها إلا جهابذة النقاد. وهذا النوع من النقد أوسع من الجرح والتعديل؛ لأنَّه يواكب الثقة في حله وترحاله، وأحاديثه عن كل شيخ من شيوخه، ومتى ضبط؟ ومتى نسي؟ وكيف تحمّل؟ وكيف أدَّى (٢)؟ إذن علم العلل يبحث عن أوهام الرواة الثقات، ويعمل على تمحيص أحاديثهم وتمييزها، وكشف ما يعتريها من خطأ، إذ ليس يسلم من الخطأ أحد. وهنا سؤال يطرح نفسه، هل بنا اليوم حاجة إلى علم العلل؟ لما رأى الناس ضعف المتأخرين بهذا العلم، أدركوا أنَّ الحاجة إليه لا

стр. 33

زالت قائمة، لاسيما أنَّ إعلال الأئمة للأحاديث مبني على الاجتهاد وغلبة الظن، وباب الاجتهاد لا يحل لأحد غلقه (١)، وكذلك فإنَّ من واجب المتأخرين شرح كلام المتقدمين وبيان مرادهم في إعلالات الأحاديث، والترجيح عند الاختلاف. ثمرته: لكل علم إذا استوى على سوقه ثمرة، وثمرة علم علل الحديث الرئيسة حفظ السنة، ففي حفظها صيانة لها، ونصيحة للدين، وتمييز ما قد يدخل على رواتها من الخطأ والوهم وكشف ما يعتريهم، وبيان الدخيل فيها، وبها تقوى الأحاديث السليمة؛ لبراءتها من العلل (٢). تاريخه: يمكن جعل البداية الحقيقية لهذا العلم من مرحلة النقد الحديثي الذي ابتدأت بواكيره على أيدي كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعلي (٣)، فهم أول من فتّش عن الرجال في الرواية، وبحثوا عن النقل في الأخبار. ثم تلقّى التابعون عن الصحابة نقد الأخبار وتمييز الروايات، كسعيد بن جبير، والشعبي، وابن سيرين، وفي هذا العصر ازدادت الحاجة إلى النقد، حيث طرأت أمور دعتهم إلى نقد المرويات وتمييزها، فقد كثرت الفتن، وتعددت الفرق، وظهرت البدع والمحدثات، كبدعة التشيع والخوارج، وكثر المشتغلون بعلم الحديث، واتسعت دائرتهم، وزادت أعداد حملة الآثار، ونشطوا للرحلة والطلب .. فدخل في ذلك من يحسن ومن لا يحسن، واختلفت أغراض الرواة، وتعددت مشاربهم (٤). وفي عصر تابعي التابعين زادت الأمور السالفة خطراً، فانتشرت البدع

стр. 34

بشكل متزايد، وكثر موجودها، وطالت الأسانيد وكثر رجالها، ولم يبق الوهم مقتصراً على الحفظ والضبط، بل دخل في المصنفات والكتب. وذهب بعض الباحثين إلى أنَّ هذا المنهج تسارع ارتقاؤه، وتعاظم ازدهاره في فترة زمنية قصيرة، حصرها بين محمد بن سيرين المتوفى سنة (١١٠ هـ) ويحيى بن معين المتوفى سنة (٢٣٣ هـ) أي في خلال (١٢٠) سنة تقريباً، زاعماً أنَّ هذه الفترة تضاعفت فيها أعداد الأسانيد حتى وصلت إلى المليون. ولما دخل عصر التدوين كان هذا العلم أول ما عني به الأئمة. وهذه المؤلفات تعطي لنا تصوراً مجملاً عن نشأة علم العلل، وأنَّه بدأ في عصر مبكر جداً مقارنة مع بقية علوم الحديث، وعلى الرغم من قدمِ نشأته فقد قوبل بقلة الاهتمام وضعف الجانب (١). مؤسسوه وأئمته: أسهم الصحابة والتابعون من بعدهم في بناء صرح علم العلل، وتوالتِ اللَّبناتُ ترص بعضها بعضاً حتى غدا علماً لا يُستهان بجنابه، وقد مرّ علينا قبلُ أنَّ علم العلل بدأ بمحمد بن سيرين؛ لأنَّه أول من اشتهر بالكلام في نقد الحديث، مروراً بالزهري الذي كان يملي على تلامذته أشياء في نقد الأحاديث وإعلالها. حتى استقر عند شعبة بن الحجاج، وقد جعل أحد الباحثين شعبة هو المؤسس الحقيقي لهذا العلم؛ لأنَّ أحداً قبله لم يتكلم بالدقة والشمول اللذينِ تكلم بهما شعبة؛ ولأنَّ الحديث أصبح صناعة (٢) وفناً على يديه، وهو

стр. 35

أول من فتّش عن أمر المحدّثين (١). وقد شهد له من جاء بعده، قال الشافعي: «لولا شعبة ما عُرف الحديث بالعراق» (٢) وقال ابن رجب: «وهو أول من وسّع الكلام في الجرح والتعديل، واتصال الأسانيد وانقطاعها، ونقّب عن دقائق علم العلل، وأئمة هذا الشأن بعده تبع له في هذا العلم» (٣)، وقال السمعاني: «هو أول من فتّش بالعراق عن أمر المحدّثين» (٤) هذا هو أبو بسطام شعبة بن الحجاج المتوفَّى سنة (١٦٠ هـ) وحُقّ لعلم العلل أنْ يكون إناهُ على يديه. وقد أخذ عن شعبة يحيى بن سعيد القطان، وهو من أوائل من صنّف كتاباً في العلل كما ذكر ابن رجب (٥)، وأخذ عنه أيضاً عبد الرحمان بن مهدي وهو من رجال هذا الفن، وعنهما أخذ يحيى بن معين وإليه تناهى علم العلل، وفيه قال أحمد: «ها هنا رجل خَلَقه الله لهذا الشأن» (٦)، وعلي بن المديني شيخ البخاري الذي قال عنه أبو حاتم: «كان علي بن المديني عَلَماً في الناس في معرفة الحديث والعلل» (٧)، وأحمد بن حنبل، ثم جاء بعدهم البخاري طبيب الحديث في علله، ومسلم الذي أماط اللثام عن علل خفية في أحاديث الثقات في كتابه " التمييز "، وأبو داود الذي قرر قاعدة عظيمة في هذا الباب مغزاها أنَّه قد يخرّج الحديث المعلول، ويسكت عن بيان علته بقوله: «لأنَّه ضرر على العامة أنْ يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب … ؛ لأنَّ علم العامة يقصر عن مثل هذا» (٨)، وأبو زرعة الذي لمّ شتات هذا العلم مع أبي

стр. 36

حاتم، وجمع علمهما عبد الرحمان ابن أبي حاتم في مصنّفه، وتلاهم جماعة منهم النسائي، والعقيلي، وابن عدي، والدارقطني ولم يأتِ بعدهم من برع فيه، وأخال ابن الجوزي قال قولته فيمن جاء بعدهم: «قد قَلَّ من يفهم هذا بل عدم» (١). هذا ما يمكن قوله عن تأسيس هذا العلم وتمامه خلال هذه الحقبة من الزمن، وأما أئمة هذا العلم فقد جعلتهم في مسرد، وأفدت من كتاب " جهود المحدّثين " للدكتور الصياح وزدتُ على ما جاء به (٢)، وهم: ١ - محمد بن سيرين (١١٠ هـ). ٢ - الزهري (١٢٤ هـ). ٣ - أيوب السختياني (١٣١ هـ). ٤ - شعبة بن الحجاج (١٦٠ هـ). ٥ - عبد الرحمان بن مهدي (١٩٨ هـ). ٦ - يحيى بن سعيد القطان (١٩٨ هـ). ٧ - سفيان بن عيينة (١٩٨ هـ). ٨ - الشافعي (٢٠٤ هـ). ٩ - أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي (٢١٠ هـ). ١٠ - أبو عبيد القاسم بن سلاّم (٢٢٤ هـ). ١١ - يحيى بن معين (٢٣٣ هـ). ١٢ - علي بن عبد الله المديني (٢٣٤ هـ). ١٣ - محمد بن عبد الله بن نمير (٢٣٤ هـ). ١٤ - إسحاق بن راهويه (٢٣٨ هـ).

стр. 37

١٥ - أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ). ١٦ - أبو جعفر محمد بن عبد الله بن عمار البغدادي (٢٤٢ هـ). ١٧ - عبد الرحمان بن إبراهيم يعرف بـ (دُحيم) (٢٤٥ هـ). ١٨ - أحمد بن الحسن بن جُنَيدب (سنة بضع وأربعين ومئتين). ١٩ - أبو زرعة أحمد بن حميد الجرجاني (لم أقف على سنة وفاته). ٢٠ - أحمد بن صالح المصري (٢٤٨ هـ). ٢١ - عمرو بن علي الفلاس (٢٤٩ هـ). ٢٢ - أبو جعفر أحمد بن سعيد الدارمي (٢٥٣ هـ). ٢٣ - الدارمي (٢٥٥ هـ). ٢٤ - البخاري (٢٥٦ هـ). ٢٥ - محمد بن يحيى الذهلي (٢٥٨ هـ). ٢٦ - يحيى بن إبراهيم بن مُزيّن (٢٦٠ هـ). ٢٧ - مسلم بن الحجاج (٢٦١ هـ). ٢٨ - أبو علي المروزي (٢٦١ هـ). ٢٩ - يعقوب بن شيبة السدوسي (٢٦٢ هـ). ٣٠ - أبو زرعة الرازي (٢٦٤ هـ). ٣١ - إسماعيل بن عبد الله بن مسعود يعرف بـ (سَمّويه) (٢٦٧ هـ). ٣٢ - أبو بكر الأثرم (٢٧٣ هـ). ٣٣ - أبو داود (٢٧٥ هـ). ٣٤ - بقي بن مخلد (٢٧٦ هـ). ٣٥ - أبو حاتم الرازي (٢٧٧ هـ). ٣٦ - الترمذي (٢٧٩ هـ). ٣٧ - ابن أبي خيثمة (٢٧٩ هـ). ٣٨ - عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ).

стр. 38

٣٩ - أبو العباس البرتي (٢٨٠ هـ). ٤٠ - أبو زرعة الدمشقي (٢٨١ هـ). ٤١ - إبراهيم بن الحسين الهمذاني (٢٨١ هـ). ٤٢ - إسماعيل القاضي (٢٨٢ هـ). ٤٣ - أبو إسحاق الحربي (٢٨٥ هـ). ٤٤ - ابن أبي عاصم (٢٨٧ هـ). ٤٥ - محمد بن وضّاح القرطبي (٢٨٧ هـ). ٤٦ - إبراهيم بن نصر يعرف بـ (ابن أبْرول) (٢٨٧ هـ). ٤٧ - عبد الله بن أحمد بن حنبل (٢٩٠ هـ). ٤٨ - علي بن الحسين بن الجُنيد (٢٩١ هـ). ٤٩ - البزار (٢٩٢ هـ). ٥٠ - أبو عمران موسى بن هارون الحمال (٢٩٤ هـ). ٥١ - أبو علي عبد الله بن محمد البلخي (٢٩٥ هـ). ٥٢ - إبراهيم بن أبي طالب (٢٩٥ هـ). ٥٣ - أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الكناني (لم أقف على سنة وفاته). ٥٤ - أبو بكر البرديجي (١) (٣٠١ هـ). ٥٥ - أبو بكر الفريابي (٣٠١ هـ). ٥٦ - النسائي (٣٠٣ هـ). ٥٧ - سعيد بن عثمان الأندلسي (٣٠٥ هـ). ٥٨ - محمد بن إبراهيم بن حَيّون الأندلسي (٣٠٥ هـ).

стр. 39

٥٩ - زكريا بن يحيى الساجي (٣٠٧ هـ). ٦٠ - الوليد بن أبان بن بونة الأصبهاني (٣١٠ أو ٣٠٨ هـ). ٦١ - الطبري (٣١٠ هـ). ٦٢ - أبو جعفر التستري (٣١٠ هـ). ٦٣ - ابن خزيمة (٣١١ هـ). ٦٤ - أبو بكر الخلاّل (٣١١ هـ). ٦٥ - أبو جعفر الألبيري (٣١٢ هـ). ٦٦ - أبو بكر السجستاني (٣١٦ هـ). ٦٧ - محمد بن أبي الحسين بن عمار الجارودي (٣١٧ هـ). ٦٨ - يحيى بن محمد بن صاعد البغدادي (٣١٨ هـ). ٦٩ - عبد الله بن محمد الكلاعي يعرف بـ (ابن أخي رفيع الصائغ) (٣١٨ هـ). ٧٠ - أحمد بن عمير بن يوسف بن موسى بن جوصا (١) (٣٢٠ هـ). ٧١ - أبو جعفر العقيلي (٣٢٢ هـ). ٧٢ - أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري (٣٢٤ هـ). ٧٣ - أبو حامد أحمد بن محمد الشرقي النيسابوري (٣٢٥ هـ). ٧٤ - ابن أبي حاتم (٣٢٧ هـ). ٧٥ - أبو العباس أحمد بن محمد بن عُقدة الكوفي (٣٣٢ هـ). ٧٦ - محمد بن يعقوب بن الأخرم (٣٤٤ هـ). ٧٧ - وهب بن مسرة (٢) الأندلسي (٣٤٦ هـ). ٧٨ - عبد الرحمان بن أحمد بن يونس الصدفي (٣٤٧ هـ).

стр. 40

٧٩ - أبو علي حسين بن علي النيسابوري (٣٤٩ هـ). ٨٠ - محمد بن أحمد العسّال (٣٤٩ هـ). ٨١ - أبو الوليد حسان بن محمد النيسابوري (٣٤٩ هـ). ٨٢ - أبو القاسم خالد بن سعد الأندلسي (٣٥٢ هـ). ٨٣ - أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمزة الأصبهاني (٣٥٣ هـ). ٨٤ - أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن (٣٥٣ هـ). ٨٥ - ابن حبان (٣٥٤ هـ). ٨٦ - ابن الجِعابي (٣٥٥ هـ). ٨٧ - حمزة بن محمد الكناني (٣٥٧ هـ). ٨٨ - الطبراني (٣٦٠ هـ). ٨٩ - أبو إسحاق إبراهيم بن محمد المزكي (٣٦٢ هـ). ٩٠ - أبو علي الماسَرجِسي (٣٦٥ هـ). ٩١ - ابن عدي (٣٦٥ هـ). ٩٢ - أبو الحسين الحجاجي (٣٦٨ هـ). ٩٣ - أبو الحكم مخارق بن الحكم الأندلسي (٣٧٧ هـ). ٩٤ - أبو أحمد الحاكم الكبير (٣٧٨ هـ). ٩٥ - أبو الحسين محمد بن المظفر البغدادي (٣٧٩ هـ). ٩٦ - أبو القاسم عبد الرحمان بن عبد الله الجوهري (٣٨١ هـ). ٩٧ - الدارقطني (٣٨٥ هـ). ٩٨ - أبو بكر أحمد بن عبدان الشيرازي (٣٨٨ هـ). ٩٩ - أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأندلسي (٣٩٢ هـ). ١٠٠ - أبو علي الحسن بن محمد الزُّجاجي (٤٠٠ هـ). ١٠١ - أبو مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقي (٤٠١ هـ). ١٠٢ - أبو المطرف عبد الرحمان بن محمد بن فُطيس القرطبي (٤٠٢ هـ).
следующие страницы →