Полный текст (1 606 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الانتخاب في شرح أدب الكُتَّاب
تأليف
أبي جعفر أحمد بن داود بن يُوسُف بن هشام الجُذَامِيِّ (المتوفى سنة ٥٩٨ هـ)
المجلد الأول (السفر الأول، من الورقة ١ إلى الورقة ١٢٦ - قسم الدراسة)
دراسة وتحقيق الدكتورة السعدية بوخريط
مركز الإمام الثعالبي للدراسات ونشر التراث - دار ابن حزم
стр. 2
الإهداء
إلى والديَّ الحبيبين الذين ربّياني وعلّماني.
أمي الحنونة وأبي العزيز حفظهما الله ورعاهما اللهم متّعني برضاهما ووفّقني للبرّ بهما.
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
إلى أخي العزيز عبد العزيز.
إلى زوجي الحبيب احماد.
إلى جميع أفراد أسرتي.
إلى صديقاتي: أمينة بالعربي، فاطمة أبيري، فاطمة بلحداوي، جمعة آيات مدان.
إلى جميع الإخوان والأخوات أهدي ثمرة سنين البحث الطويلة.
стр. 3
شكر
أتقدم بالشكر الجزيل إلى كل من ساهم في إنجاز هذا العمل:
إلى أستاذي الكريم: الدكتور علي لغزيوي الذي كان موجّهًا ومرشدًا لخطوات بحثي بصبر وحلم.
إلى جميع الأساتذة الأفاضل الذين أمدوني بالمساعدة.
إلى والديَّ الذي لم يتوانوا في شحذ عزيمتي واستنهاض همتي.
إلى أخي العزيز عبد العزيز الذي واكب جميع مراحل دراستي بالرعاية والتوجيه.
إلى زوجي الحبيب الذي صبر علي، ولم يبخل علي بالبذل والتشجيع.
إلى إخواني وأخواتي: موحى، علي، مبارك، عبد العزيز، فاطمة، خديجة، أمينة، عمر، وأزواجهم وأبنائهم وجميع الأهل والأحباب.
إلى أخي الكريم محمد السليماني وأختي زكية القباج اللذين احتضناني بفاس.
إلى أخي الكريم محمد مرزاق وأختي أمينة بالعربي اللذين فتحا قلبيهما وبيتهما لي وساعداني في كل مراحل البحث.
إلى جميع الإخوان والأخوات وجميع الطلبة الباحثين.
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
لدراسة وتحقيق كتاب "الانتخاب في شرح أدب الكتاب" أبي جعفر الجذامي السرقسطي (٥٩٨ هـ)
بقلم عبد العلي المسئول
أستاذ القرآن الكريم وعلومه بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس
إن الكلمة البانية المبثوثة في صدور الرجال أو المسطورة في مؤلفات تبقى حية أبد الدهر. ولقد طفق الناس يكتبون ما تعلموه وعلموه وجادت به قرائحهم في مصنفات لا تزال تتداولها الأيدي، وتدعو الأجيال لصحابها بالرحمة والمغفرة.
إنه جهاد الكلمة والحجة الذي يرجى فيه الإتقان، ومدار الأمر فيه على البيان والتبين، والفهم والإفهام، ولذا قالوا: "القلم أحد اللسانين".
ولقد كان الكتبة المهرة يتخيرون الألفاظ الجيدة، والعبارة الجزلة للإفصاح عن أغراضهم، وبلوغ مقاصدهم، إذ يكفي من حد البلاغة أن لا يؤتى القارئ من سوء إفهام الكاتب، والمرء مخبوء تحت لسانه ومن وراء قلمه، فإذا تكلم وكتب جلّى عن نفسه وعُرِف. وكانوا يتواصون بالعبارة الظاهرة البينة، المأنوسة الاستعمال والمألوفة عند أهل البيان، الخالية من حوشي الكلام، مما تستكرهه الأسماع وتمجه الأذواق، ويتحامون الرأي الفطير، والكلام القضيب الخشيب، ويركنون إلى البائت المحكك.
ولقد كان أسلافنا الأقدمون يعدون اللحن في الكلام قادحًا في مروءة الإنسان، ويبينون كيفية عصمة اللسان من لحن العوام، ويوجبون على الناظر
стр. 5
في القرآن المفسر له أن يكون آخذًا بعنان العربية، إذ العربية هي السبيل الموصلة إلى فهم معاني القرآن ودرك مبانيه، والمرقاة لفهم السنة المشرفة وكلام العلماء؛ ومن هجم على نصوص الشريعة مستنطقًا لها ومستنبطًا أحكامها دون نظره في العربية وإحكامه أساليبها، كان حكمه في ذلك حكم من أراد الصعود إلى قُلة جبل سامق في غير ما سبيل، وكان نظره وقتئذٍ مدخولًا، وفهمه كليلًا، وبصره عليلًا.
ولقد عقد ابن فارس في كتابه "الصاحبي في فقه اللغة" بابًا للقول في حاجة أهل الفقه والفتيا إلى معرفة اللغة العربية، بل إنهم جعلوا أول آلات المجتهد فهم العربية فهمًا واسعًا. وجماع الكلام أن من لا يحسن اللسان لا يفهم القرآن ولا سنة النبي العدنان ﷺ .
إن مقاومة اللحن وتعلم العربية غير مرتبطين بعلو سن ولا بوهن عظام، ولا باشتعال الرأس شيبًا، إنما ذلك له علاقة بعلو الهمة، والإصرار على التعلم. فهذا سيبويه إمام النحويين بلا خلاف، كان أول أمره يصحب الفقهاء وأهل الحديث، وكان يستملي على حماد بن سلمة فاستملي يومًا حديث: (ليس من أصحابي إلا من لو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء) (١)، فقال سيبويه: (ليس أبو الدرداء) بالرفع ظنًا منه أنه اسم ليس، فقال له حماد: لحنت يا سيبويه، ليس هذا حيث ذهبت، إنما ليس ها هنا استثناء، فقال سيبويه: سأطلب علمًا لا تلحنني فيه، فلزم الخليل وبرع في العلم (٢)؛ وهذا الإمام أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي الأسدي الكوفي المقرئ النحوي، إنما تعلم النحو على الكبر، وكان سبب تعلمه أنه جاء يومًا وقد مشى حتى أعيي فجلس إلى قوم فقال: قد عييت فقالوا له: أتجالسنا وأنت تلحن؟ فقال: كيف لحنت؟ قالوا له: إن كنت أردت من التعب فقل أعييت وإن كنت أردت من انقطاع الحيلة والتحير في الأمر فقل: عييت مخففة، فأنف من هذه الكلمة، ثم قام من
_________
(١) ينظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي: ٢/ ٦٧؛ ومغني اللبيب لابن هشام ص: ٣٨٧؛ وفيض القدير للمناوي: ٦/ ٤٦٣.
(٢) ينظر: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة: ١/ ٥٤٨.
стр. 6
فوره ذلك، فسأل عمن يعلم النحو (١). وإنما ذكرت سيرة هذين الإمامين لتعريف كيف كانت همة الفضلاء في طلب العلم واستكمال النقص.
ولما كثر اللحن وفشا، وضع أهل اللسان ميزانًا يضبط به الكلام، فكتبت مصنفات ترتقي بالكاتب والمتكلم إلى ذرى الإحسان، وإن من أحسن ما صنف في هذا الباب كتاب "أدب الكتاب" لابن قتيبة الدينوري ذي القدم الراسخة في علوم العربية والقرآن. ولقد حظي هذا الكتاب باهتمام كبير من قبل أهل اللغة؛ فعكفوا عليه يدرسونه في حلق العلم بالمساجد والمدارس، وأقبل ناس عليه فشرحوا مقدمته وشواهده وما غمض منه. وممن اهتم بتدريسه وشرحه الأندلسيون، حيث كانت عنايتهم بعلوم العربية كبيرة، ولا يكون العالم عندهم عالمًا بحق حتى تكون قدمه راسخة في دقائق اللغة والنحو، يقول المقري: "والنحو عندهم في نهاية من علو الطبقة، حتى إنهم في هذا العصر فيه كأصحاب عصر الخليل وسيبويه لا يزداد مع هرم الزمان إلا جدة، وهم كثيرو البحث فيه وحفظ مذاهبه كمذاهب الفقه، وكل عالم في أي علم لا يكون متمكنًا من علم النحو بحيث لا تخفى عليه الدقائق، فليس عندهم بمستحق للتمييز، ولا سالم من الازدراء" (٢).
ومن أوسع الشروح الأندلسية لـ"أدب الكتاب" وأحسنها كتاب "الانتخاب في شرح أدب الكتاب" للجذامي السرقسطي (٥٩٨ هـ). ولقد ظل هذا الكتاب مخطوطًا في الخزانات لم توجه عناية الباحثين إلى تحقيقه، حتى قيض الله بفضله ومَنّه الأستاذتين الجليلتين الصاحبتين: الدكتورة أمينة بلعربي والدكتورة السعدية بوخريط، حيث أخرجتا هذه الدرة إلى عالم المطبوعات.
ولقد استفرغت الأستاذتان وسعًا كبيرًا للحصول على المخطوط، ثم تحقيقه على كثرة نصوصه وشواهده ووفره مادته العلمية.
وإنها لعقبات جلى اعترضت الباحثتين وهما تدرسان نص الكتاب وتعلقان عليه، ولكن الله تعالى سلم، فقد استطاعتا بعلو همتهما، وقوة
_________
(١) ينظر: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة: ٢/ ١٦٣.
(٢) نفح الطيب: ١/ ٢٠٦.
стр. 7
عزيمتهما، وصبرهما الجميل، واستفادتهما من توجيهات مشرفهما الأستاذ القدير الدكتور علي لغزيوي أن تتجاوزا الصعاب وتقتحما العقبات، وتقدما هذا العمل النفيس لينضاف إلى تراث الدراسات اللغوية. ولا ريب أن المهتمين بالدرس اللغوي: الصرفي والنحوي والدلالي والصوتي سيستفيدون من أصل الكتاب ومن شرحه ومن هذه الدراسة والتحقيق اللذين وضعا على الشرح.
ومن نظر في عمل المحققتين علم قدر ما سبرتا ونقحتا وصححتا، فجزاهما الله خيرًا على هذا الصنيع، وجعل سبحانه ما خطته أيديهما في ميزان حسناتهما ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾.
والحمد لله رب العالمين
كتبه
عبد العلي المسئول
بعد مغرب يوم الخميس ١٩
محرم الحرام ١٤٢٨/ ٨ فبراير ٢٠٠٦
بفاس
стр. 8
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه إلى يوم الدين آمين
مقدمة
الحمد لله ذي الملك والملكوت، المتفرّد بالعزة والجبروت، نحمده تعالى على ما ألهمنا إليه وفطر أنفسنا عليه من لطيف الفكرة، ودقيق العبرة، ونشكره على ما أولى من جزيل عطائه ومن به علينا من نعمائه.
والصلاة والسلام على سيّدنا محمد المصطفى، ورسول ربّ العالمين المقتفى، خير من في العالم، وسيّد جميع ولد آدم، الحبيب المشفع في الأولين والآخرين، وعلى آله الطاهرين، وعترته الطيبين، وصحابته الكرام السابقين إلى الأفضال ومراتب الصديقين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فإن من النعم التي أوجب الله علينا التحدث بها في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ (١) هو هذا الكم الهائل من المخطوطات القديمة التي حفظ الله بها علم السلف، لينفع به الخلف من أبناء هذه الأمة، إنها ثروة تزخر بها المكتبات الغربية الخاصة والعامة، ولا تنحصر قيمتها في كونها مخطوطات فحسب، بل في كونها إرثًا حضاريًا وثقافيًا لهذه الأمة، وجسرًا يربط حاضرها بماضيها، فالحفاظ عليها حفاظ على هوية الأمة.
ولم تكن الرغبة وحدها كافية للعناية بهذا الإرث، بل كان لزامًا أن يصاحب هذه الإرادة عزم من لدن سواعد قوية تستطيع حمل هذا الهم، وتعمل
_________
(١) سورة الضحى: الآية ١١.
стр. 9
على إنقاذ هذا الإرث وتقريب هذه الثروة من المهتمين بها بكافة الوسائل. ويأتي التحقيق في مقدمة الوسائل لإنجاز ذلك.
وقد انبرى لهذه المهمة الجليلة علماء أفذاذ من خيرة علماء هذه الأمة كانوا سبّاقين لهذا العلم، منهم: الأساتذة محمد شاكر، عبد السلام هارون، وغيرهما كثير ممن أيقنوا بسمو عملهم، ومنهم أساتذة أجلّاء من جامعاتنا المغربية قرروا التوجه نحو ميدان التحقيق، بمساعدة طلبة الجامعات الذين أسهموا في تحمُّل المسؤولية البحث في التراث.
ورغم ما علموه عن التحقيق من أنه أمر جليل، وعمل دؤوب، وأنه يحتاج من الجهد والعناية والبحث أكثر مما يحتاج إليه التأليف، فقد تقدموا ولم تثنهم العوائق في هذا السبيل، ونرجو أن ننال معهم أجر الاجتهاد، وأن يكون علمنا هذا لبنة في إقامة صرح تراثنا الذي كاد يضيع في أتون الحروب المعلنة والمبطنة ضد الحضارة الإسلامية ككل، والتراث المكتوب خاصة، ولا أدلّ على ذلك من حملات الإحراق التي استهدفت المخطوطات في الأندلس وغيرها على يد فئة من النصارى الحاقدين.
وهكذا فقد آمنا بجلالة ما أقدمنا عليه، فكانت الخطوة الأولى التي قمنا بها هي التعرُّف على المخطوطات في المكتبات بغية اختيار نموذج منها يستحق منّا الجهد الذي يبذل فيه، فكان أن يسّر الله لنا الزيارة الأولى لزاوية سيدي حمزة بإقليم الرشيدية أنا وصديقتي ورفيقة طريق البحث "أمينة بالعربي"، وكانت أول مرة أقف فيها بين رفوف المخطوطات وألمسها وأتصفحها.
إذاك أحسست بمسؤوليتي تجاه هذه المخطوطات، وهي وجوب إخراجها من هامش الإهمال والضياع إلى حيّز الطبع والتداول لينتفع بها الناس، فكانت الرحلة الثانية للزاوية، حيث استقبلنا القيم عليها في بيته، وكان لترحيبه بنا ومساعدة موظفي نظارة الأوقاف بمدينة الرشيدية وقع كبير في نفسي.
بعدها جاءت رحلتنا إلى مدينة تطوان، حيث زرنا الخزانة العامة بها، وكذا خزانة محمد داود الخاصة.
وبعدها رحلنا إلى مدينة الرباط حيث زرنا قسم الوثائق بالخزانة العامة
стр. 10
وكذا الخزانة العلمية الصبيحية بسلا، وكذلك خزانة الجامع الكبير بمدينة مكناس، فضلًا عن خزانة القرويين.
وقد وقفنا على عدد هائل من المخطوطات، واخترنا بعضًا منها، فاستشرنا بشأنها بعض القيّمين على المكتبات وبعض الأساتذة ومنهم الأستاذ الفقيه محمد المنوني ﵀ فيما يتعلق بقيمتها العلمية، ولنتأكد من أنه لم تحقق سلفًا.
وفي غمرة هذا البحث، جاء اتصالنا بالأستاذ المرحوم مصطفى ناجي، صاحب مكتبة دار التراث المغربي، الذي أشار علينا بهذا المخطوط، وبعد تفحُّصه والتأكد من قيمته العلمية والتاريخية عرضناه على أستاذنا الفاضل الدكتور علي لغزيوي الذي تكرم بقبول الإشراف على تحقيق المخطوط، إيمانًا منه بقيمة المخطوط، وتشجيعًا لطلبته للتوجه نحو التحقيق.
وقد زادنا ثقة بهذا العمل مباركة الأساتذة الأجلّاء: الدكتور محمد بنشريفة، والدكتور علال الغازي اللذان شجعان بكلمات أذكت فينا عزيمة مواصلة البحث. وكذلك ما أمدّنا به الأستاذ عبد العزيز الساوري من معلومات عن المخطوط إذ كان هو من أدخله إلى المغرب.
وتأكدنا من عدم وجود نسخ أخرى لمخطوط "الانتخاب في شرح أدب الكتاب" في أي من المكتبات المغربية مما قمنا به من جرد لفهارس المخطوطات بها بالوقوف عليها شخصيًا، أو بمراسلات لطلبة مهتمين بالتحقيق في ما لم نصل إليه، كما راسلنا بعض الطلبة المغاربة بإسبانيا وفرنسا وألمانيا.
وقد اطمأننا إلى المخطوط رغم أنه لا توجد منه إلا نسخة وحيدة إلى حدّ الآن، إذ إن عنوانه واضح، وكذلك اسم مؤلفه، مما وجدناه في الصفحة الأولى: كتاب "الانتخاب في شرح أدب الكتاب" مما عني بتأليفه الشيخ الفقيه النحوي أبو جعفر أحمد بن داود بن يوسف بن هشام السرقسطي الجذامي الباغي. . .".
وقد تجلّت أهمية هذه النسخة في كونها منقولة من مبيضّة المؤلف، وقدّمها من حيث تاريخ النسخ كما جاء في الصفحة الأخيرة: كمل "شرح أدب
стр. 11
الكتاب" المتنسخ من مبيضّة المؤلف ﵀. . . وفرغ منه بخط يده: شجاع بن محمد في الثالث والعشرين لرجب سنة ست وثمانين وستمائة، انتهى ما وجد من الأصل المكتوب بخط أندلسي قديم".
وهذه النسخة هي المعتمدة لدينا في التحقيق لتضمنها شروط الكمال كما قال الأستاذ عبد السلام هارون: "أعلى النصوص هي المخطوطات التي وصلت إلينا حاملة عنوان الكتاب واسم مؤلفه وجميع مادة الكتاب على آخر صورة رسمها الكاتب وكتبها بنفسه، أو يكون قد أشار بكتابتها أو أملاها أو أجازها، وتلي نسخة الأم النسخة المأخوذة منها" (١).
وكان ما علمنا من قيمة الشرح في البحث الأولي الذي قمنا به في إطار إنجاز تقرير الرسالة مشجعًا آخر وحافزًا على الإقدام والاستمرار على التحقيق ولو على نسخة وحيدة، فـ"الانتخاب" يستمد قيمته العلمية من "أدب الكتاب" نفسه، فقد قال عنه ابن خلدون في معرض حديثه عن الأدب: "وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين وهي: "أدب الكتاب" لابن قتيبة وكتاب "الكامل" للمبرد وكتاب "البيان والتبيين" للجاحظ وكتاب "النوادر" لأبي علي القالي، وما سوى هذه الأربعة فتوابع لها وفروع عنها" (٢).
فهو يشرح أصلًا من أصول الأدب العربي الذي حظي بعناية المشارقة والمغاربة على السواء. وكان من الكتب المشرقية التي نقلت إلى الأندلس في إطار الرحلات العلمية، وصار عندهم جزءًا مهمًا في المقررات الدراسية للطلاب، وقد اهتم الأندلسيون بشرحه، فألّف سليمان بن محمد زهراوي كتابه "في رسالة أدب الكتاب" وألّف أبو بكر محمد بن عمر بن القوطية (ت ٣٦٧ هـ) شرحًا على صدر أدب الكتاب، وهما من كتاب القرن الرابع الهجري. وألّف ابن السيد البطليوسي (ت ٥٢١ هـ) كتاب "الاقتضاب في شرح أدب الكتاب"، قدم أبو محمد بن يحيى بن عليم شرحًا في أدب الكتاب أخذه الناس، وكذلك أبو علي حسن بن محمد البطليوسي (٥٧٦ هـ).
_________
(١) تحقيق النصوص ونشرها لعبد السلام هارون: ٢٩.
(٢) المقدمة لابن خلدون: ٥٥١.
стр. 12
وألّف أبو حفص عمر بن محمد القضاعي القرطبي (ت ٥٩٦ هـ) كتابًا سمّاه: "الصواب في شرح أدب الكتاب".
ولم يقف "الانتخاب" عند "أدب الكتاب" فحسب، بل ضاهاه وزاد عليه وجاء بما لم يسبق إليه من حيث مادته العلمية والأدبية، فقد حفل بمجموعة من الكتب والمصنفات، وجمع عددًا من الشواهد القرآنية والحديثية، وجاء سجلًا لتراجم الشعراء والأعلام وأخبارهم، ومعجمًا حافلًا بالألفاظ والغريب ومعانيها ومفرداتها، وديوانًا للأشعار متصلة بظروفها وأخبارها، وجاء بديعًا من حيث تنظيمه لهذا الكم الهائل بترتيب الموضوعات، وطريقة تقديم النقول بالإشارة إلى قائلها أو اختصار أسمائهم وبالإشارة إلى مصادرها.
وهكذا تميّز "الانتخاب" عن باقي شروح "أدب الكتاب" بكونه جاء مستقصيًا وشاملًا للكتاب، في حين وجدنا بعض الشرّاح يقتصر على شرح خطبة "أدب الكتاب" كأبي المبارك بن الفاخر (ت ٥٠٠ هـ)، ومنهم من اقتصر على شرح أبياته كأحمد بن محمد الخارزنجي (ت ٣٤٨ هـ)، ومنهم من ألّف في نقد الكتاب كأبي الحسن محمد بن أحمد بن كيسان (ت ٣٥٨ هـ).
أما قيمة الشرح التاريخية من حيث الزمان والبيئة فتتجلى في كونه آخر شروح "أدب الكتاب"، فهو من مؤلفات القرن السادس الهجري الذي عرف فيه الغرب الإسلامي ازدهارًا في جميع العلوم، وكان الفضل يرجع في ذلك إلى حكّام الدولة الموحدية الذين عنوا بالعلم والعلماء في ظل ما اتسمت به هذه الفترة من استقرار وازدهار.
و"الانتخاب" في هذا وثيقة ناطقة عن طول باع الأندلسيين، وتمكّنهم من وسائل التأليف والنقد، فقد استطاع أن يضيء جوانب من شخصية الجذامي الأندلسي الموسوعية التي تعرض لـ"أدب الكتاب" بالشرح والتحليل والنقد على نفس المستوى العلمي على الرغم من اختلاف الزمان والبيئة.
والشرح بعد في نسخة وحيدة واحدة، وهذا أدعى إلى الاحتفاظ عليه، وإنقاذه من الضياع.
واستجابة لهذه الدوافع المادية والمعنوية شرعنا في عملنا واثقين من
стр. 13
أهميته، نظرًا لما سيضيفه إلى الشروح الأندلسية عامة، وشروح "أدب الكتاب" خاصة، وبما سيمكننا منه من التعرُّف على كاتبه الفذّ وإضاءة جوانب من حياته، وبكشف الغمور الذي اكتنفه رغم ما خلفه من آثار قيمة.
وهكذا قمنا، أنا وصديقتي، باقتسام المخطوط قسمين، وهي قسمة إجرائية لتيسير الاشتغال عليه، واتفقنا على خطة للعمل، بحيث قسمنا محاور الدراسة بحيث يتكون متكاملة بين البحثين.
وقد تناولت القسم الأول بالتحقيق مع تقديم دراسة لعصر الجذامي، واسمه ونسبه، وشيوخه، وثقافته وخصائصها، ومؤلفاته، وكذلك دراسة جوانب متعلقة بالقسم الأول منه، منها: خصائص الشرح، والمادة العلمية والأدبية فيه، ومنهج الشارح.
وهكذا انصبّ عملي في التحقيق بالصيغة الآتية:
الانتخاب في شرح أدب الكتاب لأحمد بن داود الجذامي السرقسطي الباغي.
القسم الأول من الصفحة ١ إلى الصفحة ١٢٦ دراسة وتحقيق.
وقد سجّلته في إطار أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في الآداب في إطار وحدة البحث: دراسات في أدبيات أندلسية التي يرأسها الدكتور عبد الملك الشامي، وذلك بإشراف الدكتور علي لغزيوي.
فبعد قراءة المخطوط والاستئناس به عملنا على إعادة كتابته ثم استخراج الشواهد والنقول والأعلام في جذاذات، ثم عملنا على ردّها إلى مصادرها، ثم إعادة نقلها في هامش المتن، بعد ذلك عملنا على إنشاء فهارس تفصيلية، وقمنا بدراسة مستوفية لموضوعات المخطوط.
وقد قسّمنا العمل فيه إلى ثلاثة أقسام:
* القسم الأول وهو القسم الخاص بالدراسة.
* القسم الثاني وهو الخاص بالتحقيق.
* القسم الثالث وهو خاص بالفهارس.
وقسّمت القسم الأول إلى أربعة فصول:
стр. 14
تناولت في الفصل الأول صاحب الشرح بالتعريف به، وقسّمته إلى خمسة مباحث.
ألمحت في المبحث الأول إلى عصر الجذامي، وحاولت أن أقتضب الحديث عن الأوضاع العامة في أواخر القرن السادس الهجري بما فيها الاستقرار السياسي في ظل الدولة الموحدية في الأندلس، والرخاء الاجتماعي، وانعكاسه الإيجابي على الحركة الفكرية والأدبية.
وتطرّقت في المبحث الثاني إلى ذكر اسم الجذامي ونسبه، ونشأته، والخلاف في سنة وفاته في مصادر ترجمته التي وجدناها مقتضبة جدًا.
وفي المبحث الثالث عرّفت بشيوخه الذين تلقى عنهم علمه باعتبار تأثيرهم في شخصيته وتكوينه العلمي.
وأما المبحث الرابع فتحدثت فيه عن ثقافة الجذامي الموسوعية كما تظهر في كتابه، وحاولت أن أجد لها مسوغًا من عصره المزدهر ومن تأثير شيوخه ذوي الباع الطويل فيه.
وأما المبحث الخامس فقد تعرّضت فيه لمؤلفاته، وهي مخطوطان قيد الدراسة والتحقيق وهما: هذا الشرح و"شرح مقامات الحريري".
وأما الفصل الثاني والثالث فقد حاولت التركيز فيهما على الشرح؛ ففي الفصل الذي عنونته بـ: خصائص الشرح، تناولت في المبحث الأول شخصية الجذامي في الشرح، وحاولت تقصي بصماته في هذا العمل، وما انفرد به من مميزات، وأشرت إلى شيء مما سلف عن ثقافته الموسوعية.
وفي المبحث الثاني تناولت القضايا التي أثارها الجذامي في "الانتخاب"، وقسّمته إلى مطالب تحتوي على أنواع هذه القضايا ومنها: القضايا النحوية، واللغوية، والصرفية، والتاريخية والفقهية.
أما المبحث الثالث فقد تناولت فيه منهج الجذامي في الشرح، وتعرّضت في مطلبين إلى منهجه العام والمنهج الخاص الذي رسمه لكل باب على حدة، وقد قسّمته إلى ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: منهجه في شرح الشعر.
стр. 15
والمطلب الثاني: منهجه في شرح المفردات اللغوية.
والمطلب الثالث: منهجه في الإعراب.
أما في المبحث الرابع فتعرضت إلى خصائص الأسلوب الذي تميّز بالسهولة والسلاسة والقوة.
أما في المبحث الخامس فقد تحدثت عن خصائص اللغة التي قاربت لغة القرن الأول والثاني في رصانة الألفاظ وقوة التعابير.
أما الفصل الثالث وعنوانه: المادة العلمية والأدبية في الشرح، ففصّلت في المبحث الأول منه كيفية تناول الجذامي لهذه المادة الغنية.
وأما المبحث الثاني فقد جرّدت فيه المصادر التي اعتمدها الجذامي في جدول توضيحي وذكرت عدد ورود عناوينها، وقد بيّنت كثرتها وتنوُّعها، وأردفته بملاحظات حول المصادر بذكر ما وقفنا عليه منها، وأشرت إلى أن بعضها لا يزال مخطوطًا، وبعضها فقد.
أما في المبحث الثالث فقد بيّنت منهجه المتميز في التوثيق ونسبة الآراء والنقول إلى أصحابها.
أما في المبحث الرابع فقد بيّنت استفادته من المادة العلمية وتوظيفه لمعلوماته وتنظيمه لها من خلال ترتيبها في إطار استثمار الشوهد والنقول، وقد قسّمته إلى مطالب:
المطلب الأول: الشاهد القرآني، وقد بلغت الآيات المستشهد بها ١٤٠ آية، وقد استفاد منها لتأصيل بعض المسائل الفقهية، والنحوية، أو اللغوية، وفي شرح المفردات والمعاني، وفي إثارة أوجه القراءات.
المطلب الثاني: تحدثت فيه عن الشاهد الحديثي، وقد بلغ ٩٢ حديثًا.
المطلب الثالث: تناولت فيه الشاهد الشعري، وقد بلغ ١٠١٥ ما بين أبيات وأنصاف الأبيات وأرجاز.
المطلب الرابع: تناولت فيه الشاهد من الأمثال العربية ومميزاتها، وما أدته في إيضاح الشرح.
المطلب الخامس: تناولت الشواهد العامة من أحداث ووقائع تاريخية،
стр. 16
وما بثّ في الشرح من معلومات عن النبات والحيوان والفلك والنجوم وغيرها.
وفي الفصل الرابع تحدثت عن المنهج الذي اتبعته في تحقيق "الانتخاب" ومنهج الفهارس وذكرت أنواعها وفوائدها العلمية ودورها في خدمة النص وإضاءته في مبحثين صغيرين وأتبعته بنماذج مصورة من القسم الأول من المخطوط.
أما الخاتمة فقد حاولت أن أجمع فيها بعض الاستنتاجات والملاحظات، وذكرت بعض المنافع التي حصلت لي في إطار تحقيق كتاب "الانتخاب".
وقد حاولت أن أستقصي جوانب هذه الدراسة من النص إذ كان هو المنطلق والغاية في الآن نفسه. وذيّلت قسم الدراسة بفهرس عام للموضوعات ليتسنّى الرجوع إلى مظان كل فصوله ومباحثه.
أما القسم الثاني فأفردت فيه المخطوط محققًا.
وأما القسم الثالث فقد خصّصته للفهارس وفصلته بالترتيب الآتي:
* فهرس الآيات.
* فهرس الأحاديث.
* فهرس الأثر.
* فهرس الأمثال والحكم.
* فهرس الأبيات الشعرية.
* فهرس الأرجاز.
* فهرس أنصاف الأبيات.
* فهرس الألفاظ المعربة.
* فهرس الأعلام.
* فهرس الشعراء.
* فهرس القبائل.
* فهرس البلدان.
стр. 17
* فهرس الأيام.
* فهرس المصادر المذكورة في المتن.
* فهرس مصادر الدراسة والتحقيق.
* فهرس موضوعات "الانتخاب".
* فهرس الفهارس.
وقد أبان الشرح عن غنى في مواده، مما جعل إيراد جميع الأمثلة في بعض مواضيع الدراسة أمرًا مستحيلًا وذلك لكثرتها، مما اضطرنا إلى الاقتصار على ذكر البعض منها فقط.
كما أنه تضمن شروحًا أخرى لـ"أدب الكتاب" منها: "الاقتضاب" للبطليوسي، و"تفسير مقدمة أدب الكتاب" للزجاجي. واشتمل على بعض الطرر والتعليقات؛ فمنها ما كان مؤاخذات على ابن قتيبة، أو تصحيحات، أو تعديلات لروايته، وهي تعليقات أبي علي القالي وداود بن يزيد السعدي، وأبي بكر ابن صاحب الأحباس، وأبي نصر هارون الراوي عن أبي علي، وتعتبر مما انفرد به "الانتخاب" وتميز بها عن سائر الشروح.
وقد جعلنا الشرح نتلمس البناء العلمي للجذامي وأصول اتجاهه الغالب، فوجدناه نحويًا ولغويًا ماهرًا، إلا أنه لم يستطع إخفاء شخصيته العلمية الموسوعية في ميادين الفقه والحديث والتفسير، وحسن الدراية بأشعار العرب وأمثالهم وأحوالهم المعيشية والفكرية.
صعوبة البحث عن المخطوط، إذ إن كثرة المخطوطة التي اطلعنا عليها وصعوبة البث في صلاحيتها للتحقيق لقلة زادنا من الدراية بها، وضعنا أمام حيرة في الاختيار، ولم نستطع لتجاوز ذلك سبيلًا إلا باستشارة أستاذنا الكريم وأهل العلم ذوي الاختصاص.
ومنها اعتمادنا على نسخة وحيدة، وهو من المسائل الخطيرة في التحقيق، وقد استعنا على تخطيها بمقابلة الشرح بـ"الاقتضاب" و"تفسير الزجاجي" و"تفسير الجواليقي لأدب الكتاب" وتمثل جزءًا مهمًا من مادة "الانتخاب".
стр. 18
ولقد أحالنا الجذامي على مجموعة كبيرة من المصادر، منها ما لم يصل إلينا: ككتاب "الموعب" لابن التياني، أو وصلنا ولكنه لا يزال مخطوطًا غير متداول، كـ"مختصر العين" للزبيدي، و"شرح غريب الحديث" لقاسم بن ثابت السرقسطي، وقد تطلب منّا توثيق بعض النقول منها رحلات متكررة بين المكتبات.
ومنها الصعوبات الإدارية التي تحول دون تمكن الباحث من الحصول على نسخ المخطوط في عدد من الخزانات.
ومنها عدم استفادة غالبية المكتبات المغربية من التقنيات الحديثة، بما فيها نظام الحاسوب والإنترنيت، مما أدى إلى إهدارنا الوقت والجهد في جميع مراحل البحث.
كما أن عدم استقراري بمدينة فاس جعلني أمام صعوبات من نوع آخر، أهمها ما عانيته من قطع العذاب المتكرر، وما نتج عنه من انعكاسات مادية ومعنوية علي وعلى أسرتي.
إلا أن هذه الصعوبات قد تلاشت بفضل الله وبالصبر وبمؤازرة الأهل والإخوان، وبإرشادات وتوجيهات الأساتذة.
وحسبنا أن يكون الفضل في تقديم ودراسة أثر من التراث الأندلسي لأديب كبير من أدبائه، وهو الجذامي الذي حاولنا أن نرفع عنه بعض الحيف الذي لحق به، ونرجو أن تكون هذه الدراسة فتحا لآفاق علمية واسعة، ولدراسات تتناول الشرح أو صاحبه من جوانب أخرى وهو يعدّ بالكثير.
وإنني في عملي هذا مدينة بالشكر الجزيل إلى أستاذي الجليل الدكتور علي لغزيوي الذي تكرم بقبول الإشراف على هذا العمل وتجشم عناء المتابعة والتصحيح، والإرشاد والتوجيه وصبر علي من الرحمة، ووجّهني بالحكمة، وإلى اللجنة الموقرة التي تتكرم بقراءة وتصحيح هذا البحث ومناقشته.
والشكر الجزيل إلى جميع أفراد أسرتي الذين شجّعوني منذ البداية ولا سيّما والدي وأخي عبد العزيز الذي لم يألُ جهدًا في مؤازرتي ماديًا ومعنويًا، وإلى زوجي الذي كان سندًا وعونًا لي، وإلى أختي وصديقتي
стр. 19
الدكتورة أمينة بالعربي وزوجها الدكتور محمد مرزاق الذين لم يدخرا وسعًا في مساعدتي.
كما أتوجه بالشكر الجزيل إلى كل من علّمني حرفًا منذ طفولتي إلى أن اشتدّ عودي من معلمين وأساتذة، والشكر الجزيل إلى الأساتذة الأجلّاء: الدكتور محمد بن شريفة، المرحوم الأستاذ الفقيه محمد المنوني، والمرحوم الأستاذ مصطفى ناجي، والأستاذ عبد العزيز الساوري، والدكتور عبد المالك الشامي رئيس وحدة البحث في أدبيات أندلسية، والدكتور محمد السليماني، والدكتور عبد العلي مسؤول أستاذ القراءات القرآنية بكلية الآداب سايس، والأستاذ محمد بن إبراهيم محافظ مكتبة السلك الثالث، والسيدة بنكيران محافظة مكتبة ملحقة السلك الثالث، وإلى محافظ مكتبة السلك الثالث، وإلى محافظ خزانة كلية الآداب، وشكري إلى الإخوان والأخوات وجميع الطلبة الذين ساعدوني من قريب أو من بعيد، فالله أسأل أن يجزل لهم الجزاء ويوفيه إنه سميع مجيب.
والحمد لله الذي بفضله تتم الصالحات، اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا وزدنا علمًا يا أرحم الراحمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه.
стр. 20
الفصل الأول: التعريف بصاحب الشرح
المبحث الأول: عصر الجذامي.
المطلب الأول: المجال الديني.
المطلب الثاني: المجال السياسي.
المطلب الثالث: المجال الاقتصادي والمعماري.
المطلب الرابع: المجال الاجتماعي.
المطلب الخامس: المجال الفكري
المبحث الثاني: اسمه ونسبه.
المبحث الثالث: شيوخه.
المبحث الرابع: ثقافته وخصائصها.
المطلب الأول: الثقافة النحوية واللغوية.
المطلب الثاني: الثقافة الأدبية.
المطلب الثالث: الثقافة الفقهية.
المطلب الرابع: الثقافة التاريخية والأخبارية.
المطلب الخامس: الثقافة العامة.
المبحث الخامس: مؤلفاته.
стр. 21
المبحث الأول: عصر الجذامي
لقد أفاضت كتب التاريخ في وصف عصر الدولة الموحدية، وتناولت بالتحليل كل أطوار هذه الدولة منذ قيامها وحتى سقوطها، مرورًا بأوجّ عظمتها، واستغرقت التصانيف في ذكر أمجادها وآثارها، وأهم الشخصيات التي صبغت هذا العصر ببصماتها. ومن هذه الكتب نجد كتاب "المن بالإمامة" لعبد الملك بن صاحب الصلاة المتوفى (سنة ٥٩٤ هـ)، وكتاب "البيان المغرب" لابن عذارى المراكشي، و"تاريخ ابن خلدون".
وقد دأبت على تتبُّع أطوار الحياة الخاصة بأمراء الموحدين، وشؤون الدولة وعامة الناس في عهدهم سواء في المغرب أو في الأندلس، وتتبّعت جميع مآثرها سواء في الميدان السياسي أو الفكري أو الديني أو الاجتماعي، وذكرت الحروب والفتوحات التي خاضتها. وكل ذلك من أجل توضيح الصورة الحقيقية لهذه الدولة، والتي اتسمت بالقوة على عهد الملوك الموحدين جميعًا وبالازدهار الذي نعم به المغرب والأندلس.
فقد تأسست الدولة الموحدية على محمد بن تومرت الهرغي الملقب بالمهدي (١) سنة (٥٠٠ هـ) الذي دعا إلى التوحيد وادعى المهدوية، على إثر التدهور الذي بدأ يتسرّب إلى الدولة المرابطية آنذاك، مما دفعه إلى إنكار أشياء كثيرة على المرابطين، ذهب إلى حدّ تبديعهم في بعضها، وأقام العقيدة الموحدية القائمة على الإصلاح الديني، مما أثار حمية المغاربة، من ثم التفوا حوله وأيدوه.
_________
(١) ينسب إلى آل البيت، من جنفيسة، ولد سنة (٤٧٤ هـ) وتوفي بالمغرب سنة (٥٢٤ هـ)؛ جذوة الاقتباس: ١/ ٢٠٥.
стр. 22
وقد تولى الحكم بعد المهدي عبد المؤمن بن علي الكومي الموحدي (١)، وقد عمل على توطيد نفوذ الدولة بالأندلس، مما جعله في حروب ومناوشات دائمة مع حكام النصارى الإسبان من جهة، والبرتغاليين ومن يواليهم من جهة أخرى، ومنهم ابن مردنيش الذي حاول التفرد بشرق الأندلس، وكذا فرناندو الثاني ملك ليون، وألفونسو هنريكيز ملك البرتغال. وقد تمكن عبد المؤمن من هزيمة ابن مردنيش، "ونشبت بين الفريقين معركة هائلة، قاتل فيها الموحدون والعرب أشد قتال وأروعه، واستمرت حتى مغيب الشمس، ورجحت كفة الموحدين في النهاية؛ ففتكوا بجيش ابن مردنيش، قتلوا منهم مقتلة عظيمة. وكانت هزيمة "فحص الجلاب" من أقسى الضربات التي أصابت ابن مردنيش، وكانت بداية انحلال ثورته وانهيار سلطانه في شرقي الأندلس" (٢).
وكان ذلك أعظم فتح للموحدين في الأندلس على عهد عبد المؤمن سنة (٥٥٧ هـ) فضم ما بقي من شرق الأندلس إلى الدولة الموحدية. وبعد وفاته سنة (٥٥٨ هـ) عهد بالحكم إلى ابنه أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، الذي تولى الخلافة بعد خلع أخيه محمد وذلك لما عرف به من فضائل عظيمة، وسيرة كريمة، وأفعال عظيمة، وصلاح شهد له به جميع أشياخ القبائل. وأتم ما بدأ به أبوه في الأندلس، وتابع الفتوح بها حتى ضم مدينة تطيلة قاصية شرق الأندلس، وكذا بلاد شنترين من غربها.
وقد كان الخليفة أبو يعقوب يوسف من أعظم خلفاء الدولة الموحدية، وامتاز حكمه بالحزم والعدل؛ وذلك لما اتسم به من التقوى والورع والعلم والتبحُّر في العلوم الشرعية. قال فيه ابن صاحب الصلاة: "كان الأمير أبو يعقوب يوسف ﵁ كاملًا فاضلًا، عدلًا ورعًا، جزلًا، مستظهرًا للقرآن حافظًا له، عالمًا بالحديث، متقنًا للعلوم الشرعية والأصولية متقدمًا في علم الإمام المهدي ﵁" (٣).
_________
(١) عبد المؤمن بن علي، الخليفة الثاني للدولة الموحدية.
(٢) المن بالإمامة لابن صاحب الصلاة: ١٤٧؛ عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس لمحمد عبد الله عنان: ١٨.
(٣) المن بالإمامة: ١٦٥.
стр. 23
وقال فيه المراكشي: "كان أعرف الناس كيف تكلم العرب، وأحفظهم بأيامها ومآثرها وجميع أخبارها في الجاهلية والإسلام. كان أحسن الناس بالقرآن، وأسرعهم نفوذ خاطر" (١).
وبعد وفاة أبي يعقوب سنة (٥٧٠ هـ) بويع ابنه أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي (٢) الذي قال فيه ابن الخطيب: "آية الموحدين في الإعطاء والمواساة، وفي أيامه ساد الرخاء، واستغنى الناس، وكثرت في أيديهم الأموال" (٣).
كما أنه كان شغوفًا بالجهاد في سبيل الله. وقد واصل الجهاد في حروب طويلة مع بني غانية بإفريقية، ومع قراقوش التركي في الجزائر الشرقية، ومع أبي زيان زعيم الغز.
وبعد طول معاناة تمّ له النصر، وخضع له قراقوش وأبو زيان، ومن ثم عاد إلى الأندلس ليواصل الجهاد ضد النصارى، حيث وقعت "معركة الأرك" (٤) سنة (٥٩١ هـ) "وسرعان ما رفع انتصار الأرك شهرة الموحدين الحربية في كل مكان، وأمر يعقوب المنصور بإذاعة النبأ من منابر المساجد في جميع أنحاء مملكته الشاسعة، وخصّص خمس الغنائم بعد أن وزع باقيها على الجند لبناء مسجد فخم في إشبيلية، اشتهرت منارته بارتفاعها البالغ، وأمر ببناء حصن كبير في مراكش لتخليد ذكرى الموقعة" (٥).
وقد دام حكم الموحدين في الأندلس زهاء قرن من الزمن حتى حدود سنة (٦٠٩ هـ) بعد معركة "العقاب"، حيث انهزموا أمام النصارى الذين استجمعوا قوتهم، وتوحّدوا تحت راية الكنيسة، وكانت هذه الهزيمة بداية
_________
(١) المعجب: ١٣٢ - ١٣٣.
(٢) يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، مولده بمراكش سنة (٥٥٥ هـ)، بويع سنة (٥٨٠ هـ) وتوفي سنة (٥٩٥ هـ).
(٣) الإحاطة: ٤/ ٣٥٥.
(٤) الأرك: موضع بنواحي بطليوس؛ نفح الطيب: ١/ ٤٤٢؛ جذوة الاقتباس: ٥٥٥.
(٥) تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين، يوسف أشباخ: ٨٧.
стр. 24
لمرحلة الانهيار وتكالب المطامع حول الحكم، ومن ثم القضاء على الدولة نهائيًا.
وعلى الرغم مما آلت إليه الدولة الموحدية فقد اعتبرت إمبراطورية قوية استطاعت فرض سيطرتها على الغرب الإسلامي بحزم وقوة، وعرف خلالها ازدهارًا لم يشهده بعدها، ونرصد هذا الازدهار في المجالات الآتية:
* المطلب الأول *: المجال الديني
لقد قامت دولة الموحدية على أساس ديني، فقد دعا مؤسس الدولة محمد بن تومرت الهرغي الملقب بالمهدي إلى التوحيد، وادعى المهدوية بعد أن رأى تردي عقيدة المرابطين واجتهد في أمور رأى أنهم ابتدعوا فيها، فدعا إلى عقيدة التوحيد، وكتب في ذلك كتاب "الطهارة"، وهو عبارة عن مجموعة أحاديث مختارة، وكتاب "أعز ما يطلب"، وكتاب "العقائد" وهي كتب من تأليفه تشرح العقيدة الموحدية.
وقد سار على نهج المهدي جميع الخلفاء الموحدين، واعتنوا بهذه العقيدة وعلومها أيما عناية، وكانوا قدوة في الاستقامة عليها، فقد اعتنوا بشعائرهم الدينية سواء في سفرهم أو في غزواتهم أو أثناء استقرارهم. وقد اعتنوا بالطلبة والأشياخ وقرّبوهم من مجالسهم، واعتادوا أن يوزّعوا القرآن أجزاء بينهم ليقرؤوا منه يوميًا حصصًا معينة، ودأبوا على الإقبال على القرآن دراسة؛ فدرسوا علم الأصول والناسخ والمنسوخ والقراءات والحديث.
وكان مذهبهم على مذهب الإمام مالك ﵀، ولذلك انكبّوا على دراسة الموطأ وكتب الفقه المالكي، وقد وصف ابن صاحب الصلاة ما كان عليه الأمير أبو يعقوب ملخصًا حال الدولة بقوله: "كان الأمير أبو يعقوب يوسف ﵁ كاملًا فاضلًا، عدلًا ورعًا، جزلًا مستظهرًا للقرآن، عالمًا بناسخه ومنسوخه، قارئًا لنصه، حافظًا له على وقفه وابتدائه، عالمًا بحديث رسول الله ﷺ ، وبصحيحه، ومختلفه، وحسنه، وغريبه، وإسناده، متقنًا للعلوم الشرعية والأصولية، متقدمًا في علم الإمام المهدي ﵁، محكمًا لأفانين
стр. 25
علمه الذي أملاه وأخذ منه، محبًا لأهله، ضابطًا على الأمر العلي" (١).
وقد عظّم الموحدون أمور دينهم كلها، وحافظوا على هيبة المساجد ودورها؛ إذ عملوا على بنائها وتحسينها، وإقامة الصلوات فيها، وخاصة صلاة الجمعة التي كان الخليفة يحضرها، لا يثنيه عنها إلا المرض. وكانت المراسيم التي تصدر عنه تتلى على منابر المساجد، تعظيمًا لشأنها ودافعًا للالتزام بها.
وكان الفقهاء مبجلين، وإن كانوا رجال علم وعمل؛ فقد كانوا يشرفون على صناعات أخرى. والمتتبع لرجال الدولة الموحدية وعلمائها يلاحظ حرصهم على الحفاظ على سنّة رسول الله ﷺ في أمورهم كلها سواء السياسية أو المعاشية.
* المطلب الثاني *: المجال السياسي
لقد كانت المؤسسات السياسية في الدولة الموحدية منظمة بحيث توزع الصلاحيات والمهام عبر نظام المراتب، وتصف كتب التاريخ هذا البناء من أنه "يتكون من السادة، وهم: أعضاء الأسرة الحاكمة، ومنهم الخليفة وإخوانه وأخواته وأقاربه. ويقرب منهم "الأشياخ"، والحفّاظ، وأهل الخمسين، وهم خمسون من الأولين الذين بايعوه من أهل القبائل، وأهل الجماعة، وهم من كان يخصهم الخليفة للتشاور، وطلبة الحضر، وهم العلماء الوافدون، وطلبة الموحدين، ومنهم تتكون أطر المملكة؛ فمنهم القضاة والعمال والأمناء والعشارون والمقدمون، ومنهم المجنّدون في الجيش للجهاد، فجماعة العشرة كانت تشبه في عصرنا اليوم هيئة مجلس الوزراء، وجماعة الخمسين تشبه أعضاء مجلس الشيوخ، وجماعة السبعين تشبه مجلس النواب في الحكومات البرلمانية. وكان هذا النظام هو الأساس الذي قامت عليه الدولة الموحدية" (٢).
وتعتمد الدولة على الزكوات والجبايات والغنائم والمصادرات وغيرها
_________
(١) المن بالإمامة: ١٦٥.
(٢) الدولة الموحدية بالمغرب في عهد عبد المؤمن بن علي: ٦٨.
стр. 26
من الموارد المالية لمدّ هؤلاء وأولئك بأجورهم، وكانت تسمى "بركة"، توزع عليهم رأس كل شهر وعند كل مناسبة.
وكانت تقام مراسيم خاصة لتنصيب العمال الجدد، أو تشريفات المستحقين، أو خروج الخليفة للغزو، أو تلقي البيعة، كما أن الدولة كانت تقوم بإطلاق سراح جلّ المعتقلين والمخالفين، وتغدق على الضعفاء والمحتاجين.
وكان من عادة الخليفة أن يخصص أيامًا لاستعراض سائر القبائل المشاركة في الغزو في حفل يسمى: "التمييز"، وقد يدوم عدة أيام، تقام فيه المآدب للطعام، وتزاد فيه أجور الجيوش. وتخصص أيام لاستقبال الخليفة أو توديعه إظهارًا للولاء، وتعبيرًا عن المحبة، وهو ما يسمى بـ: التبريز.
واتسمت سياسة الدولة الخارجية مع الأفارقة والإسبان بمحالفة من يعرض عليهم صداقته، ومعاداة من يعاديهم أو يحاول الخروج عن طاعتهم أو غدرهم؛ فقد اعتمد الخلفاء على الدهاء السياسي والحيل الحربية مع الأصدقاء والأعداء، واعتمدوا على الجواسيس والمترجمين. وقد ضمنت لهم هذه السياسة عزة ومنعة، وأكسبتهم قوة استطاعوا أن يكونوا بها إمبراطورية واسعة ممتدة الأطراف.
وقد كان لهم نظام للمعارك يصفها ابن صاحب الصلاة وابن عذارى وصفًا دقيقًا يؤكد تمكنهم من خطط الحرب وأطوارها.
ولم يكن الخلفاء ممن يستبدون بالحكم، فقد كانوا يستشيرون أولي العلم فيما يعزمون عليه من الأمور سواء في الغزوات، أو في تشييد المنشآت، أو في الأحكام القضائية، أو المعاشية.
* المطلب الثالث *: المجال الاقتصادي والمعماري
أما في المجال الاقتصادي فقد عمل الموحدون على تنمية مواردهم المالية من زكوات وغنائم؛ فصكت العملة، وكان أساسها الدينار الذهبي والدرهم الفضي، وقد كان أساسَ أجور الجنود وكذا المعاملات التجارية الداخلية والخارجية.
стр. 27
وقد اهتموا بالمصحف الكريم حتى أنهم أنفقوا عليه الكثير لتزيينه: "وقد قام أمامه مصحف صاحب رسول الله ﷺ عثمان بن عفان ﵁ على حمل مرتفع، وقدام هذا المصحف مصحف الإمام المهدي ﵁، وعلى مصحف عثمان حلة حمراء تصونه، والمصحف المكرم منظم حول حفاظه بالجوهر النفيس والياقوت الأحمر والأصفر والأخضر والزمرد الأخضر النفيس العجيب، وقد جلبت أحجار الياقوت والزمرد والجوهر إلى الخليفة الأول الرضى" (١).
وقد اهتم الموحدون بمجال العمارة، وكانوا حريصين على تخليد اسمهم في هذا المجال وكان بناء المدن الهم الأول في ذلك، وقد تظافرت جهود المهندسين المعماريين من المغرب والأندلس لتنفيذ خطة الإعمار، واستنفروا جميع العملة والبنائين والنجارين والعرفاء والاختصاصيين في الغراسة، وتم بناء مدينة جبل طارق: "وأحكم البنّاؤون في بناء القصور المشيدة والديار، واخترعوا في أسسها طيقانًا والحنايا لتعتدل بها الأرض، مبنية بالحجر المنجور والجيار مما هو عجيب في الآثار، وكما قيل: الملوك تبني على قدرها من الأقدار، وبما لو عاينها المتقدمون من آل عاد بن شداد لأقروا بالعجز وفضولهم على الذين بنوا القصر من سندان (٢).
وقد كانت المطحنة الهوائية، وهي عبارة عن رحى تسير بالهواء لطحن الأقوات والتي صنعها المهندس الحاج يعيش في أعلى جبل طارق مظهرًا من مظاهر النهضة الميكانيكية.
كما وقف الموحدون على بناء مدينة المهدية رباط الفتح، وأتقنوا البناء، وجلبوا إليها الماء وزوّدوها بقنطرة ربطت بينها وبين مدينة سلا. وكذلك مدينة مراكش التي كانت إذ ذاك عاصمة الدولة، وقد نالت قسطًا كبيرًا من الاهتمام، لكون الاستقبالات الرسمية كانت تقام بها.
_________
(١) المن بالإمامة: ٣٥٠.
(٢) المن بالإمامة: ٨٦.
стр. 28
كما أعادوا الحياة إلى مدينة قرطبة وإشبيلية من قصور فخمة وجسور، ومنها الجسر العظيم الذي يربط بين إشبيلية وقرية الشرف، وقصبة إشبيلية، وبناء الأسواق. واهتموا ببناء المساجد، ومنها المسجد العظيم بإشبيلية الذي عهد الإشراف على فنونه للطبيب ابن زهر، "وتعطل بناؤها إلى أن وصل أبو بكر بن زهر من حضرة أمير المؤمنين، وقد أمر بإعادة بناء الصومعة المذكورة، وبناء ما اختلّ من الجامع، وأمر ﵁ في مدة إقامته بإشبيلية بعمل التفافيح الغريبة الصنعة، العظيمة الرفعة، الكبيرة الجرم، المذهبة الرسم، الرفيعة الاسم والجسم" (١).
واستقر السيدان والشيخ أبو يعقوب بقرطبة، فأمروا ببنيان قصورها وعمارتها وحماية ثغورها، وجلبوا البنّائين والعرفاء لبناء القصور والدور من خرابها، وإعادتها على ترفيع قبابها وصرف حالتها من مشيبها إلى شبابها (٢).
كما بنوا جامع الكتيبة بمدينة مراكش، وجامع إشبيلية، وقد بنوهما شكرًا لله على انتصاراتهم.
كما اهتم الموحدون بتقوية الأسطول الحربي اهتمامًا كبيرًا؛ وذلك لأنه يضمن القوة البحرية التي ساندتهم في حروبهم، وكان أن صنعت قطائع من مختلف الأشكال والأنواع بالمصانع الخاصة، كما اهتموا بميدان المواصلات، فأقاموا شبكة طرقية تربط مختلف أجزاء الإمبراطورية في ظروف يسيرة.
كما اهتموا بالبريد حيث يعين موظفون لذلك يسمون بالرقاصين، وقد تمّ اختيارهم بتحرِّ شديد؛ لأن وظيفتهم كانت تعتبر من أشرف الوظائف؛ فقد كان يمنع عليهم الإساءة إلى سمعة وظيفتهم، وكان هناك رقاص استثنائي لإيصال الأشياء الهامة.
_________
(١) المن بالإمامة: ٣٩٢.
(٢) المن بالإمامة: ١٤٠.
стр. 29
* المطلب الرابع *: المجال الاجتماعي
لقد عرفت فترة حكم الموحدين نوعًا من الازدهار الاجتماعي، وخاصة في ظل الخلفاء الثلاثة وهم: عبد المؤمن، وأبو يوسف، ويعقوب المنصور، إذ بلغت الدولة أوجّ قوتها وعظمتها وقد تمثل ذلك في مظاهر الغنى الذي ساد قصور الحكام، والغنى الذي عرفه الشعب؛ قال ابن الخطيب عن يوسف بن عبد المؤمن: آية الموحدين في الإعطاء والمواساة، وفي أيامه ساد الرخاء، واستغنى الناس، وكثرت في أيديهم الأموال" (١).
وقد كانت الاحتفالات التي أقامها الخلفاء في مناسبات عديدة مظهرًا من مظاهر الحياة المترفة مثل: استقبال أبو يعقوب يوسف أخاه أبا حفص في مراكش سنة (٥٦١ هـ): "واحتفل الأمير الإمام أبو يعقوب ﵁ بالبروز واللقاء إليه بنفسه بحضرة مراكش، وكسا العبيد بالثياب المصنعة الألوان، وصفف الفرسان الكمل المدرعين من الموحدين وغيرهم، والرجال بالدرق والرماح صفوفًا، والطبالين مع خاصة أصحابه وهو راكب على جواده. . . وكان من البروز الحافل ما أبهت الناظرين لغاية الإجماع. وفي اليوم الثاني من هذا الوصول السعيد صنع للموحدين الواصلين والعرب ولجميع المقيمين من جميع الأصناف الأطعمة الدارة والأشربة الحلال المحارة على المسار السارة مدة خمسة عشر يومًا في نعيم وسرور مقيم. ثم أنعم عليهم بالكسوة التامة. . . وأدرت عليهم البركة الحافلة من الذهب والدراهم، لكل فارس عشرون دينارًا، والأعيان الموحدين وأشياخهم لكل واحد مائة دينار. . . فاجتمع لجميع الناس السرور والمال الحاضر الموفور، وعادت الطبول بالنقر فيه مدة خمسة عشر يومًا. . ." (٢).
وكذلك حفل تولية أبي يعقوب يوسف في جبل الفتح، حيث جاءه الشعراء مهنئين (٣).
_________
(١) الإحاطة: ٤/ ٣٥٥.
(٢) المن بالإمامة: ٢١٥.
(٣) نفسه: ١٧١.
стр. 30
كما جرت عادات الموحدين في إقامة الضيافات الخليفية الفخمة خلال تنصيب العمال الجدد أو استعراض القبائل المسمى بـ: التمييز أو التشريفات في استقبال الضيوف، وكان العوام ينالون من ذلك نصيبًا من الأعطيات. ولكي تعم الفرحة سائر الشعب يتم الإفراج عن جلّ المعتقلين والمخالفين.
وإن أهم ما يعطي فكرة عن الرخاء الذي كان يعم البلاد ما قرأناه من البركة التي نفح بها الجنود من أنها كانت باهظة؛ وذلك لأن العملة كانت الدينار الذهبي والدرهم الفضي العالي القيمة.
وقد أسلفنا ذكر المصحف العثماني وما احتواه من جوهر نفيس، وهذا دليل على هذا الترف.
وقد كانت القواعد الحربية الكبرى كقاعدة المعمورة مثلًا تتوفر على جميع ما يمكن أن تحتاج إليه الأساطيل، بل إن المواد الغذائية المخزونة فيها قد تفي دون الحاجة إليها، فتحقق الأمن من الجوع، وكان ذلك من مظاهر هذا الرخاء.
وضمن الناس المسكن الكريم بما شيّد من مدن، وضمن الطعام بما قامت به الدولة من مجهودات في الغراسة، وتسريب المياه وجلبها من الأماكن البعيدة. وكانت البركة التي يتقاضاها الجنود سببًا مباشرًا في فاعليتهم في نشر الأمن والسلم في البلاد إلى جانب فاعلية القضاء الذي كان عادلًا في الضرب على أيدي المسيئين والمجرمين، فتحقق الأمن من الخوف.
* المطلب الخامس *: المجال الفكري
لقد عني الموحدون بالمجال الفكري عناية شديدة، وكان الخلفاء أسوة في ذلك؛ فقد عملوا على تقريب المفكرين والأدباء والعلماء منهم، فقد اتسم أبو يعقوب يوسف بالعلم والأدب، وأفاضت الروايات في التنويه بمواهبه العلمية والأدبية، وقد اجتمع حوله ثلاثة من أعظم روّاد التفكير الإسلامي
стр. 31
وهم: طبيبه الخاص الفيلسوف العلّامة أبو بكر بن طفيل، وتلميذه أبو الوليد بن رشد، والطبيب العبقري أبو بكر بن زهر.
وقد ازدهرت بذلك المجالس العلمية التي كان فيها الأساتذة الشيوخ يلقنون العلم لطلبتهم بطرق الأخذ المعروفة فانتشرت المدارس والمعاهد في الأندلس، وكان الخليفة يشرف بنفسه على إحضار التلاميذ وامتحانهم (١).
وانتشر الفقه والتصوف وعلم الكلام علاوة على العلوم الشرعية التي أسلفنا الحديث عنها في المجال الديني.
وقد ازدهرت الحركة الأدبية ازدهارًا في كافة فروعها، وخاصة تراث الرسائل التي كان عبد المؤمن وابنه أبو يعقوب يقومان بالإشراف عليها؛ لأنها كانت من صميم العمل السياسي لتضمنها الأوامر والنواهي للعمال، وقد كانت ذات قيمة تاريخية إذ تخلد الأحداث، وذات قيمة أدبية رفيعة لما عرفت به من أسلوب عال ومتين، وألفاظ قوية ومتخيرة يناسب فيها المقال المقام، وقد كلف لهذه المهمة كتاب الخلفاء الذين أحسنوا وأجادوا.
"وقد قامت للأدب نهضة كبرى ظهرت عظمتها في كثير من المقامات منها: الندوة الأدبية التي أقامها عبد المؤمن على جبل الفتح بين الأدباء المغاربة والأندلسيين، واستقبال يعقوب المنصور للشعراء بعد غزوة الأرك" (٢)؛ وذلك حين وفدت الوفود من المغرب والأندلس مهنئة على البيعة السعيدة: "فدخل وفد بعد وفد، وخطبوا وأطنبوا، وأطعموا الطعام، وأنيلوا المنزل الرحب والأنعام، وأنشد الشعراء أشعارهم، وقضوا فيما وفدوا به أوطارهم، وحبا السيد الأعلى جميعهم بالأعطيات والبركات والكسوات على أتم
_________
(١) فاختاروا لها من أبناء الجماعة النبهاء القصاة الفرسان الأنجاد من أهل الأديان الشيخ الحافظ أبي عبد الله ابن الشيخ، واتفقوا على ولايته عليها. . . وعقد له الأمير رايتين من الحفاظ من أبناء أهل الخمسين من الموحدين أعزّهم الله. المن: ٢٧.
(٢) نفح الطيب: ٢/ ٤٣٠؛ العلوم والآداب على عهد الموحدين ١٣٦؛ الأدب الأندلسي في عصر الموحدين: ٢٤.
стр. 32
الخيرات، ودامت الإقامة في الجبل مدة خمسة عشر يومًا في مسرة خاصة ومبرة مشتملة" (١).
وكانت الدولة تغدق على الأدباء والشعراء والمؤرخين من أموالها، وتخصص لهم من الهبات الجزلة ما يذكي حماسهم، ويقوّي نشاطهم، ويحفزهم على الزيادة من إبداعهم. وقد زاد في ارتقاء مكانتهم في المجتمع تقريب الخلفاء لهم، ومشاركتهم في النقد والتوجيه: "وأذن للشعراء في الإنشاد بذلك المجلس العالي الشريف العماد. . . ولما أنشد المنشد هذه القصيدة بين يدي أمير المؤمنين أنكر أمير المؤمنين هذا البدء في قول الشاعر: "غمض عن الشمس"، وقال له على مسمع من الناس: غمض غمض! منكرًا لها؛ لأنه كان يحب الفأل الحسن، لكنه أمر له بعشرة دنانير كما أمر لكل شاعر، وأمر بعشرين مثقالًا لكل من وفد إليه من قاصد لرؤيته أو زائر" (٢).
وقد حفلت هذه الفترة بجانب مهم من الأدب المنثور، وهو قمة مواقف العقيدة المهدوية من الشعر المتين، وأكثره من الشعر الرسمي الذي يوافق أغراض المدح والشعر السياسي وإن كان فيه قليل من التغزل والتشوق والهجاء، وقد تجنّب في كثير منه البدء بالتشبيب؛ وذلك تماشيًا مع عقيدة الموحدين الدينية، وقد أتى متأثرًا بالأسلوب والوزن المعروفين على عهد أبي تمام والمتنبي فجلّه من بحر الكامل والطويل والبسيط. كما نظم أيضًا على أوزان قصيرة من بحر الوافر المتقارب والخفيف. وكَثُرَ الارتجال والإجازة الشعرية حتى أن الأمراء كانوا أنفسهم ممن يرتجل الشعر ويجيز الشعراء (٣).
وقد كَثُر النظم في المسائل اللغوية بما عرف بالشعر التعليمي تسهيلًا على الطلاب، إذ كان النظم أكثر ضبطًا وأيسر حفظًا.
وأما اللغة العربية وعلومها فعرفت ازدهارًا كبيرًا، واعتني بكتب الأدب
_________
(١) المن بالإمامة: ١٨٢.
(٢) نفسه: ١٠٢.
(٣) نفح الطيب: ١/ ١٧٦؛ المطرب: ٢٠٠؛ المغرب: ١/ ٩٨ - ٣٨٧.
стр. 33
العربي وجلبها إلى الأندلس؛ وذلك لأنهم يعتبرون اللغة وعلومها مفتاحًا لمعرفة أسرار كتاب الله تعالى.
وقد عنوا عناية كبيرة بالنحو خاصة، وحرصوا على الإجادة فيه وحفظ مذاهبه، وكان العالم به يعتبر في أعلى الطبقات، "وكل عالم في أي علم لا يكون متمكنًا من علم النحو بحيث لا تخفى عليه الدقائق فليس عندهم بمستحق للتمييز ولا سالم من الازدراء" (١).
وانتشرت الخزانات العلمية، وكَثُر اقتناء الكتب وانتساخها، سواء في خزانات الدولة أو الخزانات خاصة. وقد ارتفع النشاط التعليمي والتدريسي المعتمد على الرواية والتلقين والحفظ الذي دعمه وجود الكتاب المشرقي، وكذا تحفيز الأندلسيين على التأليف.
كما لم يخل المجال الفكري من علوم عملية مما كثرت إليه الحاجة في تسيير دواليب الدولة بما فيها علوم الهندسة والطب وصناعة الدواء، وقد رأينا بلاء المهندسين المعماريين في بناء المدن، والمهندسين في بناء القطع والسفن الحربية، والصناع الذين عملوا على توفير السلاح للجنود والعساكر، وكذلك الأطباء والصيادلة، وقد رأينا كيف نالوا القرب من الخلفاء ومنهم: ابن زهر وابن طفيل.
ونبغ علماء في فروع كثيرة من العلوم كعبد الملك بن زهر الإشبيلي (ت ٥٦٤ هـ) الذي نبغ في الطب، وابن البيطار المالقي (ت ٦٤٦ هـ) الذي نبغ في التاريخ الطبيعي، وابن جبير (ت ٦١٤ هـ) الذي نبغ في التاريخ، وابن طفيل وابن رشد اللذان نبغا في الفلسفة، وغيرهم كثير.
وكانت ثقافة هؤلاء العلماء وغيرهم من أبناء عصرهم ثقافة موسوعية، فقد نجد منهم من اجتمع لديه أكثر من علم؛ فهذا ابن زهر الذي عرف بالطب نجده مهندسًا قد وُكّل إليه الإشراف على بناء جامع إشبيلية (٢).
_________
(١) المغرب: ٢/ ١٢٩؛ نفح الطيب: ٦/ ٣٥؛ تاريخ الفكر الأندلسي: ١٨٦.
(٢) المن: ٣٩٢.
стр. 34
وقد كان الفقهاء رجال دين وعمل؛ إذ منهم من يشرف على الفلاحة والمساحة: "وأمر أمير المؤمنين أبا القاسم أحمد بن محمد القاضي، وأبا بكر محمد بن يحيى بن الحذاء الإمام بمسجد الموثق لأمانتهما ودياتهما ومعرفتهما بالمساحة والتكسير والفلاحة أن يختطا له ما يتصل بهذه القصور والمباني من الأرض البيضاء" (١).
كما كَثُر الاهتمام بالتنجيم وعلم الهيئة والفلك، وقد استعين بها في جميع أحوال الناس وفي معرفة الأزمنة، وأمر الخليفة ببناء أول مرصد بمسجد إشبيلية استجابة للخصاص في هذا المجال.
هكذا كانت العلوم والفنون مزدهرة على عهد الموحدين، قال المقري: "وأما حال الأندلسيين في الفنون والعلوم فتحقيق الإنصاف في شأنهم في هذا الباب أنهم أحرص الناس على التميز" (٢). "ولمع في النحو في هذا العصر نحاة مشهورون منهم: أبو موسى عيسى بن عبد العزيز الجزولي المراكشي صاحب المقدمة الجزولية، وظهرت في هذا العصر مدارس نحوية هنا وهناك تفرّدت بآراء خاصة في بعض مسائل الإعراب وغيره؛ فهذه مدرسة فاس التي سيختلف أهلها مع مدرسة تلمسان في مسألة صرف أبي هريرة، وهذه مدرسة سبتة التي تخالف الجمهور في ضم النكرة المقصودة إذا نوّنت اضطرارًا، وهذه مدرسة طنجة التي توجه أسئلة نحوية إلى مدرسة إشبيلية، وأخيرًا هذه مدرسة المغرب بعامة التي لا تسمي لولا شرطًا ولا لو إلا إذا كانت بمعنى إن" (٣).
_________
(١) نفسه: ٣٧٤.
(٢) نفح الطيب: ٥/ ٣٧.
(٣) النبوغ المغربي: ١/ ١٢٦.
стр. 35
المبحث الثاني: اسمه ونسبه
لقد اتفقت جميع المصادر التي ترجمت لأحمد بن داود الجذامي على تسميته ونسبه، فهو "أحمد بن داود بن يوسف بن هشام الجذامي السرقسطي الباغي، وكنيته أبو جعفر". وقد وقفت في سلسلة نسبه عند جده يوسف، وزادت الترجمة التي وضعت له في الانتخاب جدًا ثانيًا وهو: هشام (١)، وكان هذا آخر ما وصلنا من سلسلة نسبه، ولم يصلنا شيء عمن اشتهر من أهله.
وانتقلت الترجمة إلى ذكر أصله ورجوعه إلى قبيلة جذام، وهم بنو جذام بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، من القحطانية مساكنها بين مدين إلى تبوك بأرض اليمن حوالي أيلة من أول عمل الحجاز بالجزيرة العربية (٢). كانت لهم أصنام يعبدونها، ولما أسلموا أبلوا البلاء الحسن في نشر الإسلام، فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (صلوات الله على جذام يقاتلون الكفار إلى رؤوس الشعف ينصرون الله ورسوله) (٣).
وقد انتشروا في الأندلس على إثر الفتوحات، وكانت دارهم بها شذونة والجزيرة وتدمير وإشبيلية وجزء من قلعة رباح (٤).
وقد لعبت جذام دورًا هامًا في الصراعات القبلية بالأندلس، وكان منهم أعلام كثيرون من ذوي العلم والرياسة (٥).
_________
(١) الانتخاب: ٣.
(٢) معجم القبائل: ١/ ١٧٤؛ جمهرة الأنساب: ٤٢٠.
(٣) الأنساب للسمعاني: ١/ ٣٣.
(٤) جمهرة الأنساب: ٤٢١؛ نفح الطيب: ١/ ٢٩٦.
(٥) انظر: القبائل العربية في الأندلس: ٤٦٢.
стр. 36
أما نسبة الجذامي إلى سرقسطة فلأن أصله منها كما جاء في الذيل والتكملة لابن عبد الملك: "سرقسطي الأصل، انتقل سلفه منها قديمًا" (١). وسرقسطة: مدينة في شرق الأندلس كبيرة القطر، بناها قيصر، آهلة، ممتدة الأطناب، واسعة الشوارع، حسنة الديار والمساكن متصلة الجنات والبساتين، وهي على ضفة نهر كبير يأتي بعضه من بلاد الروم، وتسمى: "المدينة البيضاء" لكثرة جصها وجيارها، ولأن أسوارها من حجر الرخام لا تدخلها حية البتة، وإذا جلبت إليها ماتت، وتعرف بالملح الداراني الذي لا يوجد مثله في أي مكان (٢).
أما نسبته إلى باغة فقد جاء في التكملة لابن الأبار، وفي "الذيل والتكملة" لابن عبد الملك: "من أهل باغة ابن هيثم عمل غرناطة". ولقد وجدنا اختلافًا في اسمها: فتارة نجد اسمها: باغة، وتارة بيغو مترجمًا عن كلمة PRIEGO بالإسبانية، ففي "معجم البلدان": "باغة: مدينة بالأندلس من كورة البيرة بين المغرب والقبلة منها وفي قبلي قرطبة" (٣). وفيه أيضًا: "بيغو" بكسر الباء وسكون الياء، والغين معجمة، بلدة من أعمال جيان" (٤). وفي "الروض المعطار" "بيغو: مدينة بالأندلس من عمل غرناطة" (٥). وفي "الإحاطة": باغة وبالإسبانية PRIEGO هي بلدة حصينة قديمة تقع شمال لوشة في ولاية جيان" (٦).
والملاحظ في هذه التعريفات أنها تقدم ترجمة لمدينتين أو اسمين لمدينة واحدة، وقد استخلصنا أن المدينة التي سكنها الجذامي هي: "مدينة باغة بالأندلس من كورة البيرة بين المغرب والقبلة منها من قبلي قرطبة منحرفة عنها
_________
(١) الذيل والتكلمة، السفر الأول القسم الأول: ١١٥.
(٢) الروض المعطار: ٣١٧.
(٣) معجم البلدان: ١/ ٣٢٦.
(٤) نفسه: ١/ ٥٣٢.
(٥) الروض المعطار: ١٢٢.
(٦) الإحاطة: ١/ ٥٠٩.
стр. 37
يسيرًا، وبينهما حوالي خمسين ميلًا، وهي من عمل غرناطة قريبة من قلعة يحصب، وتسمى باغة ابن هيثم تمييزًا لها عن غيرها كباغة دانية وباغة التغلبيين" (١). ولمائها خاصية عجيبة، فإنه ينعقد حجرًا في حافات جداوله التي يكثر فيها جريه، ويجود فيها الزعفران، ويحمل منها إلى البلدان.
وقد شهدت هذه المدينة أحداثًا عظيم يذكرها ابن الخطيب في معرض ترجمته لرضوان النصري الحاجب يقول: "غزا في السادس والعشرين من محرم عام ثلاث وثلاثين وسبعمائة بجيش مدينة باغة، وهي ما هي من الشهرة وكرم البقعة، فأخذ بمخنقها، وشد حصارها، وعاق الصريخ عنها، فتملكها عنوة، وعمّرها بالحماة، ورتّبها بالمرابطة، فكان الفتح فيها عظيمًا" (٢). أما صاحب "الروض المعطار" فيصف حصارها: "بيغو: مدينة بالأندلس من عمل غرناطة، كان عبد الله صاحب بياسة من بني عبد المؤمن استدعى عدو الدين لما نزل عليه العادل ببياسة. . . ثم ساروا إلى بيغو هذه، فأطال مع الفنش حصارها إلى أن دخل البلد بعد شدة، وصالحه أهل القلعة" (٣).
وتعدّ المقدمة التي جاءت في الصفحة الأولى من الانتخاب أهم ما ساعدنا على الترجمة للجذامي، إذ أورد الناسخ ترجمة مقتضبة عنه قال: "كتاب الانتخاب في شرح أدب الكتاب" مما عني بتأليفه الشيخ الفقيه النحوي الماهر أبو جعفر أحمد بن داود بن يوسف بن هشام السرقسطي الجذامي الباغي، روى عن أبي سليمان بن يزيد السعدي، وكان متقدمًا في المعرفة بالنحو والحفظ للغة، ذا مشاركة جيدة في الطب وغيره، وحظ من قرض الشعر، وصنّف هذا الشرح على أدب الكتاب، وتوفي رحمه الله تعالى بباغة سنة ثمان [. .] ذكره ابن عبد الملك في "التكملة" (٤).
ونشير هنا إلى أن الناسخ قد ذكر كتاب "التكملة" مما قد يوقع في
_________
(١) هامش الذيل والتكملة لابن شريفة، القسم: ١، السفر: ١، ص: ١١٥.
(٢) الإحاطة ١/ ٥٠٩.
(٣) الروض المعطار: ١٢٢.
(٤) الانتخاب: ٣.
стр. 38
الخلط بينه وبين كتاب "التكملة" لابن الأبار، إلا أننا آمنون من هذا الخلط بما قام به من إضافة الكتاب إلى صاحبه ابن عبد الملك، وهي لا تعدو تلخيصًا للعنوان الطويل: "الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة".
وقد كانت ترجمة جامعة إلا أنها لم تذكر أشياء أخرى عن الجذامي كما هو الشأن في "التكملة": "من أهل باغة ابن هيثم من عمل غرناطة، وله في "شرح أدب الكتاب" لابن قتيبة تأليف مفيد، وأخذ في "شرح المقامات" للحريري، وقد أخذ عنه" (١).
وفي "الذيل والتكملة" قال: "سرقسطي الأصل، انتقل سَلَفُهُ منها قديمًا. . . ذا مشاركة جيدة في الطب،. . . وكلاهما مما أجاد به. . توفي بباغة" (٢).
وفي "إشارة التعيين": "توفي عن سبعين سنة أو نيف عليها" (٣).
وبقيت سائر ترجماته مجمعة على أنه كان متقدمًا في المعرفة بالنحو والذكر للآداب، ذا مشاركة في الطب وغيره، وحظ من قرض الشعر.
وقد كانت ولادة الجذامي سنة (٥٢٧ هـ) كما يذكر الزركلي وعمر رضا كحالة وقد أوردا هذا التاريخ اعتمادًا على ما جاء في "إشارة التعيين": "أنه توفي عن سبعين سنة أو نيف عليها" (٤)، أي: إنهما اجتهدا في تقدير سنة الولادة باعتبار هذه الإشارة.
أما مكان الولادة فلم تذكر المصادر شيئًا عنه، إلا أننا نرجح أنه كان باغة، وذلك لأننا قرأنا عنه أنه "كان من أهلها"، وكان يسمى "الباغي"، ونحن نعلم أن الشائع في تسمية الناس هو بمكان ولادتهم بغض النظر عن الأصل، وهذا يفيد أن ولادته ونشأته ووفاته كانت به.
أما وفاته فلم تثبت في المصادر التي ترجمت له قطعًا وإنما قدمت
_________
(١) التكملة: ١/ ٩٢ الترجمة: ٢٤٠.
(٢) الذيل والتكملة: ١١٥.
(٣) إشارة التعيين: ٣١.
(٤) إشارة التعيين: ٣١.
стр. 39
ببعض الشك، إذ وجدنا فيها: توفي سنة سبع، وقيل: ثمان وتسعين وخمسمائة. وكانت بباغة.
المصادر التي ترجمت "للجذامي" مرتبة حسب الترتيب التاريخي هي:
* "التكملة لكتاب الصلة" للإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي البلنسي المعروف بابن الأبار المتوفى (٦٥٩ هـ)، عني بنشره: عزت العطار الحسيني، مكتبة الخانجي بمصر، القاهرة، ١٩٥٦ م، ١/ ٩٢.
* "الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة" لأبي عبد الله محمد بن عبد الملك المراكشي، توفي سنة (٧٠٣ هـ)، تحقيق: محمد بن شريفة، دار الثقافة، بيروت، سفر ١، القسم ١، ص ١١٥.
* "بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة" لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت ٩١١ هـ)، تحقيق: أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت، لبنان، ص ٣٠٦.
* "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" لحاجي خليفة (ت ١٠٦٧ هـ)، مكتبة المثنى، بيروت.
* "هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين" لإسماعيل باشا البغدادي (ت ١٣٣٩ هـ)، طبع أسطنبول سنة ١٩٥٥ م، ١/ ٨٩.
* "الأعلام" للزركلي (ت ١٩٧٦ م)، دار العلم للملايين، ط ٤، ١/ ١٢٣.
* "معجم المؤلفين" لعمر رضا كحالة، مكتبة المثنى، بيروت، ١/ ٢١٩.
стр. 40
المبحث الثالث: شيوخه
أخذ الجذامي العلم عن شيوخ عصره وأبرز من علمنا عن تتلمذه على أيديهم ثلاث علماء اشتهروا في الأندلس وهم:
١ - داود بن يزيد بن عبد الله الغرناطي السعدي، أبو سليمان:
من أهل قلعة يحصب، مولده بعد (٤٨٠ هـ) بيسير، يعدّ بقية النحاة بالأندلس، الفاضل الورع الزاهد، صدر النحويين في عصره، وبقية الزهّاد في دهره، روي عن ابن الباذش، وأخذ عنه ولازمه إلى أن مات، وتصدر للإقراء في حياته، وكان يجلّه ويؤثره بطائفة من طلبته، وكتب له إجازة طنانة وصفه فيها بالتحقيق وجلالة المرتبة في العربية.
ورحل إلى قرطبة فسمع بها من أبي محمد بن عتاب وأبي بحر الأسدي وابن مغيث، وأقرأ العربية والأدب واللغة، وكان مشاركًا في الحديث، يستفتح مجلسه بأمّ القرآن تبرُّكًا، ويسمع الحديث في رمضان بدلًا من كتب الأشعار.
وكان غزير الدمعة، كثير الخشية عند قراءة القرآن والحديث، وكان يأكل الشعير ولم يأكل لحمًا من الفتنة الأولى لأجل المغانم والمكاسب.
انتقل من غرناطة إلى باغة من أجل أن السلطان دعاه لإقراء بنيه فقال: والله لا أهنت العلم ولا مشيت به إلى الديار. ثم انتقل إلى قرطبة، وكان يسأل الله الموت بها، فاستجيبت دعوته فتوفي بها سنة (٥٧٣ هـ).
ومن تلاميذه: ابن خروف النحوي، وأبو القاسم الملاحي، وأبو بكر بن أبي زمنين (١).
_________
(١) ترجمته في: بغية الوعاة: ١/ ٥٦٣؛ البلغة: ٨١؛ التكملة لابن الأبار، السفر: ١، ص: ٦٣ (ت ٢٠٣ هـ).
следующие страницы →