← Адаб

Адаб · id 1529

الانتخاب في شرح أدب الكتاب = الكاتب

أحمد بن داود الجُذَامي

Полный текст (1 606 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أما نسبة الجذامي إلى سرقسطة فلأن أصله منها كما جاء في الذيل والتكملة لابن عبد الملك: "سرقسطي الأصل، انتقل سلفه منها قديمًا" (١). وسرقسطة: مدينة في شرق الأندلس كبيرة القطر، بناها قيصر، آهلة، ممتدة الأطناب، واسعة الشوارع، حسنة الديار والمساكن متصلة الجنات والبساتين، وهي على ضفة نهر كبير يأتي بعضه من بلاد الروم، وتسمى: "المدينة البيضاء" لكثرة جصها وجيارها، ولأن أسوارها من حجر الرخام لا تدخلها حية البتة، وإذا جلبت إليها ماتت، وتعرف بالملح الداراني الذي لا يوجد مثله في أي مكان (٢). أما نسبته إلى باغة فقد جاء في التكملة لابن الأبار، وفي "الذيل والتكملة" لابن عبد الملك: "من أهل باغة ابن هيثم عمل غرناطة". ولقد وجدنا اختلافًا في اسمها: فتارة نجد اسمها: باغة، وتارة بيغو مترجمًا عن كلمة PRIEGO بالإسبانية، ففي "معجم البلدان": "باغة: مدينة بالأندلس من كورة البيرة بين المغرب والقبلة منها وفي قبلي قرطبة" (٣). وفيه أيضًا: "بيغو" بكسر الباء وسكون الياء، والغين معجمة، بلدة من أعمال جيان" (٤). وفي "الروض المعطار" "بيغو: مدينة بالأندلس من عمل غرناطة" (٥). وفي "الإحاطة": باغة وبالإسبانية PRIEGO هي بلدة حصينة قديمة تقع شمال لوشة في ولاية جيان" (٦). والملاحظ في هذه التعريفات أنها تقدم ترجمة لمدينتين أو اسمين لمدينة واحدة، وقد استخلصنا أن المدينة التي سكنها الجذامي هي: "مدينة باغة بالأندلس من كورة البيرة بين المغرب والقبلة منها من قبلي قرطبة منحرفة عنها _________ (١) الذيل والتكلمة، السفر الأول القسم الأول: ١١٥. (٢) الروض المعطار: ٣١٧. (٣) معجم البلدان: ١/ ٣٢٦. (٤) نفسه: ١/ ٥٣٢. (٥) الروض المعطار: ١٢٢. (٦) الإحاطة: ١/ ٥٠٩.

стр. 37

يسيرًا، وبينهما حوالي خمسين ميلًا، وهي من عمل غرناطة قريبة من قلعة يحصب، وتسمى باغة ابن هيثم تمييزًا لها عن غيرها كباغة دانية وباغة التغلبيين" (١). ولمائها خاصية عجيبة، فإنه ينعقد حجرًا في حافات جداوله التي يكثر فيها جريه، ويجود فيها الزعفران، ويحمل منها إلى البلدان. وقد شهدت هذه المدينة أحداثًا عظيم يذكرها ابن الخطيب في معرض ترجمته لرضوان النصري الحاجب يقول: "غزا في السادس والعشرين من محرم عام ثلاث وثلاثين وسبعمائة بجيش مدينة باغة، وهي ما هي من الشهرة وكرم البقعة، فأخذ بمخنقها، وشد حصارها، وعاق الصريخ عنها، فتملكها عنوة، وعمّرها بالحماة، ورتّبها بالمرابطة، فكان الفتح فيها عظيمًا" (٢). أما صاحب "الروض المعطار" فيصف حصارها: "بيغو: مدينة بالأندلس من عمل غرناطة، كان عبد الله صاحب بياسة من بني عبد المؤمن استدعى عدو الدين لما نزل عليه العادل ببياسة. . . ثم ساروا إلى بيغو هذه، فأطال مع الفنش حصارها إلى أن دخل البلد بعد شدة، وصالحه أهل القلعة" (٣). وتعدّ المقدمة التي جاءت في الصفحة الأولى من الانتخاب أهم ما ساعدنا على الترجمة للجذامي، إذ أورد الناسخ ترجمة مقتضبة عنه قال: "كتاب الانتخاب في شرح أدب الكتاب" مما عني بتأليفه الشيخ الفقيه النحوي الماهر أبو جعفر أحمد بن داود بن يوسف بن هشام السرقسطي الجذامي الباغي، روى عن أبي سليمان بن يزيد السعدي، وكان متقدمًا في المعرفة بالنحو والحفظ للغة، ذا مشاركة جيدة في الطب وغيره، وحظ من قرض الشعر، وصنّف هذا الشرح على أدب الكتاب، وتوفي رحمه الله تعالى بباغة سنة ثمان [. .] ذكره ابن عبد الملك في "التكملة" (٤). ونشير هنا إلى أن الناسخ قد ذكر كتاب "التكملة" مما قد يوقع في _________ (١) هامش الذيل والتكملة لابن شريفة، القسم: ١، السفر: ١، ص: ١١٥. (٢) الإحاطة ١/ ٥٠٩. (٣) الروض المعطار: ١٢٢. (٤) الانتخاب: ٣.

стр. 38

الخلط بينه وبين كتاب "التكملة" لابن الأبار، إلا أننا آمنون من هذا الخلط بما قام به من إضافة الكتاب إلى صاحبه ابن عبد الملك، وهي لا تعدو تلخيصًا للعنوان الطويل: "الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة". وقد كانت ترجمة جامعة إلا أنها لم تذكر أشياء أخرى عن الجذامي كما هو الشأن في "التكملة": "من أهل باغة ابن هيثم من عمل غرناطة، وله في "شرح أدب الكتاب" لابن قتيبة تأليف مفيد، وأخذ في "شرح المقامات" للحريري، وقد أخذ عنه" (١). وفي "الذيل والتكملة" قال: "سرقسطي الأصل، انتقل سَلَفُهُ منها قديمًا. . . ذا مشاركة جيدة في الطب،. . . وكلاهما مما أجاد به. . توفي بباغة" (٢). وفي "إشارة التعيين": "توفي عن سبعين سنة أو نيف عليها" (٣). وبقيت سائر ترجماته مجمعة على أنه كان متقدمًا في المعرفة بالنحو والذكر للآداب، ذا مشاركة في الطب وغيره، وحظ من قرض الشعر. وقد كانت ولادة الجذامي سنة (٥٢٧ هـ) كما يذكر الزركلي وعمر رضا كحالة وقد أوردا هذا التاريخ اعتمادًا على ما جاء في "إشارة التعيين": "أنه توفي عن سبعين سنة أو نيف عليها" (٤)، أي: إنهما اجتهدا في تقدير سنة الولادة باعتبار هذه الإشارة. أما مكان الولادة فلم تذكر المصادر شيئًا عنه، إلا أننا نرجح أنه كان باغة، وذلك لأننا قرأنا عنه أنه "كان من أهلها"، وكان يسمى "الباغي"، ونحن نعلم أن الشائع في تسمية الناس هو بمكان ولادتهم بغض النظر عن الأصل، وهذا يفيد أن ولادته ونشأته ووفاته كانت به. أما وفاته فلم تثبت في المصادر التي ترجمت له قطعًا وإنما قدمت _________ (١) التكملة: ١/ ٩٢ الترجمة: ٢٤٠. (٢) الذيل والتكملة: ١١٥. (٣) إشارة التعيين: ٣١. (٤) إشارة التعيين: ٣١.

стр. 39

ببعض الشك، إذ وجدنا فيها: توفي سنة سبع، وقيل: ثمان وتسعين وخمسمائة. وكانت بباغة. المصادر التي ترجمت "للجذامي" مرتبة حسب الترتيب التاريخي هي: * "التكملة لكتاب الصلة" للإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي البلنسي المعروف بابن الأبار المتوفى (٦٥٩ هـ)، عني بنشره: عزت العطار الحسيني، مكتبة الخانجي بمصر، القاهرة، ١٩٥٦ م، ١/ ٩٢. * "الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة" لأبي عبد الله محمد بن عبد الملك المراكشي، توفي سنة (٧٠٣ هـ)، تحقيق: محمد بن شريفة، دار الثقافة، بيروت، سفر ١، القسم ١، ص ١١٥. * "بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة" لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت ٩١١ هـ)، تحقيق: أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت، لبنان، ص ٣٠٦. * "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" لحاجي خليفة (ت ١٠٦٧ هـ)، مكتبة المثنى، بيروت. * "هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين" لإسماعيل باشا البغدادي (ت ١٣٣٩ هـ)، طبع أسطنبول سنة ١٩٥٥ م، ١/ ٨٩. * "الأعلام" للزركلي (ت ١٩٧٦ م)، دار العلم للملايين، ط ٤، ١/ ١٢٣. * "معجم المؤلفين" لعمر رضا كحالة، مكتبة المثنى، بيروت، ١/ ٢١٩.

стр. 40

المبحث الثالث: شيوخه أخذ الجذامي العلم عن شيوخ عصره وأبرز من علمنا عن تتلمذه على أيديهم ثلاث علماء اشتهروا في الأندلس وهم: ١ - داود بن يزيد بن عبد الله الغرناطي السعدي، أبو سليمان: من أهل قلعة يحصب، مولده بعد (٤٨٠ هـ) بيسير، يعدّ بقية النحاة بالأندلس، الفاضل الورع الزاهد، صدر النحويين في عصره، وبقية الزهّاد في دهره، روي عن ابن الباذش، وأخذ عنه ولازمه إلى أن مات، وتصدر للإقراء في حياته، وكان يجلّه ويؤثره بطائفة من طلبته، وكتب له إجازة طنانة وصفه فيها بالتحقيق وجلالة المرتبة في العربية. ورحل إلى قرطبة فسمع بها من أبي محمد بن عتاب وأبي بحر الأسدي وابن مغيث، وأقرأ العربية والأدب واللغة، وكان مشاركًا في الحديث، يستفتح مجلسه بأمّ القرآن تبرُّكًا، ويسمع الحديث في رمضان بدلًا من كتب الأشعار. وكان غزير الدمعة، كثير الخشية عند قراءة القرآن والحديث، وكان يأكل الشعير ولم يأكل لحمًا من الفتنة الأولى لأجل المغانم والمكاسب. انتقل من غرناطة إلى باغة من أجل أن السلطان دعاه لإقراء بنيه فقال: والله لا أهنت العلم ولا مشيت به إلى الديار. ثم انتقل إلى قرطبة، وكان يسأل الله الموت بها، فاستجيبت دعوته فتوفي بها سنة (٥٧٣ هـ). ومن تلاميذه: ابن خروف النحوي، وأبو القاسم الملاحي، وأبو بكر بن أبي زمنين (١). _________ (١) ترجمته في: بغية الوعاة: ١/ ٥٦٣؛ البلغة: ٨١؛ التكملة لابن الأبار، السفر: ١، ص: ٦٣ (ت ٢٠٣ هـ).

стр. 41

٢ - أحمد بن عبد العزيز بن غزوان القرشي الفهري الأندلسي، أبو العباس: كان أستاذًا نحويًا، لغويًا أدبيًا راوية، روى عن أبي علي الغساني، وروى عنه أبو علي بن الزرقالة، وذكر له تأليف نحوية وأدبية وشعرًا كثيرًا (١). ٣ - أبو ذر مصعب بن محمد بن مسعود الخشني الجياني الأندلسي: ينسب إلى خشين قرية بالأندلس وقبيلة من قضاعة، يعرف كأبيه بابن أبي الركب، قاض من العلماء بالحديث والسير والنحو، وله شعر، أصله من مدينة جيان، ولد ونشأ فيها، وتحول في العدوة والأندلس، وولي القضاء في جيان أيام المنصور يعقوب بن يوسف الموحدي، واستقر بفاس، كان من عظماء نحاة الأندلس، وقال شعرًا أورده صاحب "المغرب": كأنما عمران إذ حكني … قد أودعت كفاة أفناكا فقلت يا جسم تنعّم به … فطالما بالهجر أفناكا قال ابن الزبير: كان أحد الأئمة المتقين المعتمدين في الفقه والأدب، ذا سمت ووقار وفضل ودين ومروءة، كثير الحياء، قليل التصرف في العلم، واعتنى وقيَّد. روى عن ابن قوقل وابن بشكوال وعبد الحق الإشبيلي وابن بكر بن طاهر الخدب وأجاز له السلفي، وأقرأ ببلاده وغيرها، وولي قضاء بلده. ولو لم يكن في وقته أتم وقارًا ولا أحسن سمتًا منه. واتفق الشيوخ على أنه لم يكن في وقته أضبط منه ولا أتقن في جميع علومه حفظًا وقلمًا، وكان نقادًا للشعر، مطلق العنان في معرفة أخبار العرب وأيامها وأشعارها ولغاتها، متقدمًا في كل ذلك وفي إقراء الكتاب ومعرفة أغراضه وغوامضه، تكرر في "جمع الجوامع". من تصانيفه: "شرح غريب سيرة ابن هشام"، و"شرح الإيضاح"، _________ (١) بغية الوعاة: ١/ ٣٢٥ (ت ٦١٧ هـ).

стр. 42

و"شرح الجمل"، وله في العروض تأليف، توفي بفاس في ١١ شوال من سنة (٦٠٤ هـ) ودفن بعدوة القرويين (١). هذه ترجمة لأساتذة الجذامي قدّمناها بين يدي هذا البحث لما تتيحه من إضاءة الجوانب العلمية في سيرته، ولم نجد فيما وصلنا عنه أنه عمل لأحدهم ترجمة أو صرح بالأخذ عنه وتبرير ذلك في أن الشرحين الذين وصلانا عنه لم يفتحا مجالًا لذلك، أو أنه قدم لهم ترجم إلا أنها ضاعت مما ضاع من آثاره، فنحن نكاد نجزم أن كاتبًا من هذا المستوى من العلم لم يكن ليكتفي بشرحين فقط، بل لا بدّ وأن له كتابات وتصانيف أخرى، أو تقييدات لم تصل أيدي النجدة إليها إلى الآن. وقد تلقى الجذامي العلم عنهم بطرق الأخذ المعروفة وكيفية التحمل المعهودة ما بين قراءة وسماع وإجازة؛ فقد تلقّى عن أبي سليمان بن يزيد السعدي مباشرة، وذلك أثناء حلول أبي سليمان بباغة، كما أن كثرة النقول التي وجدناها في "الانتخاب" تدل على أنه أقرأ "أدب الكتاب" لطلبته ومنهم الجذامي، وكانت تلك النقول شروحًا وتعليقات قدمها أبو سليمان للطلبة، خاصة وأن "أدب الكتاب" كان مادة أساسية وثابتة في المقررات التعليمية التي كانت تدرس ويعتنى بها رواية وحفظًا. وقد كان الجذامي ملازمًا لأستاذه، فقد كان يقرأ عليه ما كان يستنسخه، وهي طريقة تعتمد المقابلة الشخصية، وقد وجدنا دليلًا على ذلك في خاتمة "شروح سقط الزند" المخطوط بقلم ناسخه: "نقلت هذا الكتاب من أصل الفقيه الأجلّ الأستاذ الأعرف الأكمل أبي جعفر أحمد بن داود الجذامي، وكان عليه بخط يده أنه قابله بأصل الأستاذ أبي سليمان بن يزيد السعدي، وقرأه عليه قراءة تفهُّم لمعانيه وتصحيح لألفاظه" (٢). أما الأستاذ أبو ذر الخشني الجياني فكان ممن أسسوا البنيان العلمي _________ (١) التكملة: ٢/ ٧٠٠ (ت ١٠٩٨)؛ جذوة الاقتباس: ٣٦٦. (٢) شروح سقط الزند، مخطوط بالخزانة العامة بالرباط قسم الوثائق، رقم: ١٦٤، ق: ٤٢.

стр. 43

للجذامي، وكان ممن أكثر الرواية عنهم، فقد وردت في شرح المقامات له أنه أخذ برواية الخشني لمقامات الحريري وذلك في الصفحات الآتية: ٣٤ - ٤٧ - ٤٩ - ٥١. وأما أستاذه أحمد بن عبد العزيز بن غزوان القرشي فلم نعلم عن لقائهما شيئًا، إلا أن التلقي لم يكن مستحيلًا، ولم يكن موقوفًا على الدراسة المباشرة، بل كانت إمكانيات الدراسة متعددة من مكاتبة وسماع وإجازة، ولا تنفي إمكانية رحلة الجذامي إليه، إلا أن ذلك لم يتأكد لنا لحد الآن. وقد استفاد الجذامي من شيوخه في النحو وعلوم العربية والأدب، وتلقى الحديث والسير من الخشني خاصة، وأكثر النقل عن أبي سليمان بن يزيد السعدي خاصة ويدل على هذا مقاطع عديدة من نص الشرح. وكان له شيوخ آخرون تلقى عنهم علومًا أخرى، إلا أن تأثيرهم فيه لم يكن على نفس الدرجة من الشيوخ الثلاثة، ولذلك لم تهتم المصادر بذكرهم. تلاميذه وأصحابه: لم تطلعنا التراجم على أسماء لتلاميذ الجذامي إلا إشارة وجدناها في "التكملة" فيها: "وقد أخذ عنه" (١)، وهي تفيد أن للجذامي قدمًا راسخة في نقل العلم وروايته، وكان له دور هام في الحركة التعليمية في عصره، وقد حلاه المترجمون بألفاظ تدل على أستاذيته منها: ". . الفقيه الأجلّ، الأستاذ الأعرف الأكمل أبي جعفر بن داود. . ." (٢). ومنها: "الشيخ الفقيه النحوي الماهر أبو جعفر أحمد بن داود بن يوسف الجذامي" (٣). وقد أهملت التراجم ذكر تلاميذ الجذامي، مما جعل سلسلة العلم تقف عنده. أما أصحاب الجذامي فلم يذكر منهم أحد، ونحن نرى أن أصحابه هم أولئك الذين اشتركوا معه في الصناعة، أي: صناعة طلب العلم، وهم تلامذة _________ (١) التكملة لابن الأبار: ١/ ٩٢. (٢) شروح سقط الزند، ق: ٩٢. (٣) الانتخاب: ٣.

стр. 44

شيوخه، فهم مشتركون في المعين ذاته، وقد كان أشهرهم: علي بن محمد الحضرمي المشهور بابن خروف النحوي المتوفى سنة (٦٠٩ هـ) (١)، ومحمد بن عبد الواحد الملاحي أبو القاسم المتوفى سنة (٦١٩ هـ) (٢)، ومحمد عبد الله بن أبي زمنين المري الإلبيري المتوفى سنة (٦٠٢ هـ) (٣). وقد كانوا مشتركين في نقل العلوم من نحو، ولغة، وفقه، وحديث، وتاريخ من نفس الشيوخ، كما كانوا مشتركين في الأخلاق العالية؛ فقد بهرنا بما حلوا به من صفات، فهذا أبو القاسم الملاحي بالإضافة إلى كونه محدثّ وراوية وأديبًا ومؤرخًا عارفًا بالأنساب حافظًا للأسانيد فقد كان "من المفاخر الغرناطية، وكان من أفضل الناس، وأحسنهم عشرة، وألينهم كلمة وأكثرهم مروءة، وأحسنهم خُلقًا وخَلقًا، ما رأيت مثله. قدسّ الله تربيته" (٤). وأبو بكر بن أبي زمنين الذي ولي القضاء كان: "عدلا مهيبًا جزلًا، فإذا انفصل من مجلس الحكم صار من ألين الناس جانبًا، وأحسنهم خلقًا، وأكثرهم تواضعًا، وكان محدثًا جليلًا فاضلًا" (٥). ولم يصلنا أن الجذامي كان مقربًا من أحد الحكّام من عصره أو من بلده، وكان ذلك سببًا من أسباب غموره، ويمكن إرجاع هذا إلى أنه كان زاهدًا في ذلك الأمر، خاصة مع ما علم مما كان يتهدد المقرب من الحاكم من كيد حساده، أو نقمة الحاكم عليه، أو بيع ضميره بإباحة المحظور. وهذا الورع مما ورثه عن أستاذه أبي سليمان الذي رفض إقراء أبناء السلطان: انتقل من غرناطة إلى باغة من أجل أن السلطان دعاه لإقراء بنيه فقال: "والله لا أهنت العلم ولا مشيت به إلى الديار. انتقل من غرناطة إلى باغة من أجل أن السلطان دعاه لإقراء بنيه فقال: والله لا أهنت العلم ولا مشيت به إلى الديار". _________ (١) انظر ترجمته في: جذوة الاقتباس: ٣٠٧؛ الوفيات: ١/ ٣٤٣؛ فوات الوفيات: ٢/ ٧٩؛ معجم الأدباء: ٥/ ٤٢٠. (٢) انظر ترجمته في: الإحاطة: ٣/ ١٧٦. (٣) انظر ترجمته في: تاريخ قضاة الأندلس: ١١٠؛ شجرة النور الزكية: ١١٣. (٤) جذوة الاقتباس: ٣٠٧. (٥) تاريخ قضاة الأندلس: ١١٠.

стр. 45

المبحث الرابع ثقافته وخصائصها إن ما أسلفناه أثناء الحديث عن عصر الجذامي وشيوخه من شأنه أن يبرز بيئته الثقافية ويكشف عن مراحل دراسته وأطوار تعلمه، ويظهر جهوده في سبيل الدرس والتحصيل، ويصوّر ما كان عليه من عزم صادق وسعي دائب إلى العلم والمعرفة وبذلهما. فقد كانت السمة الغالبة على عصر الجذامي هي الموسوعية التي عرف بها كتاب وأدباء العصر الموحدي، وقد أجمع كل من ترجم لهم على معرفتهم واطلاعهم؛ فهم علماء الأدب واللغات المتبحرين والمتقدمين فيها، والمبرزين في المعرفة باللغة والنحو، وهم علماء بمعاني الأشعار ومعرفتها وإتقانها وضبطها، وقد شملت الثقافة بالدرجة الأولى القواعد النحوية التي هي الأساس في ضبط التعبير وسلامته عند العرب، ثم حفظ اللغة بما يتفرع عنه من حفظ المذاهب، والإحاطة بالتاريخ الأدبي العربي كله، والتاريخ العام مما يتعلق بأخبار الأمصار والممالك، بالإضافة إلى العلوم الأخرى التي كان على الأديب أن يحيط بها كالطب والفلسفة والعدد والفقه والحديث والتفسير والفرائض. وهذا ما وجدنا عليه أحمد بن داود الجذامي، فقد كان متقدمًا في المعرفة بالنحو والذكر للأدب، والحفظ للغة، ذا مشاركة جيدة في الطب وغيره، وحظ من قرض الشعر (١)، وبذلك مثل عصره أحسن تمثيل، ولم يكن شاذًا عما عرفته جميع تراجم رجال القرن السادس بالأندلس إذ نجد في ترجمة _________ (١) الذيل والتكملة س ١، ق ١، ص: ١١٥؛ صلة الصلة: ٥/ ٣٢٥؛ البلغة: ٥٦؛ بغية الوعاة: ١/ ٣٠٦؛ الأعلام: ١/ ١٢٣.

стр. 46

أبي بكر بن زهر (ت ٥٩٦ هـ) أنه "كان من أهل المعرفة بالطب والحفظ للغة والأدب … مشاركًا في الفقه والحديث والتفسير وكان يحفظ كتاب البخاري بأسانيده" (١). وفي ترجمة محمد بن عبد الرحمن ابن الكاتب (ت ٦٠٧ هـ) (٢) "أنه كان شاعرًا مطبوعًا، ذا معرفة جيدة بالعدد والمساحة" (٣)، وغير هاذين المثالين كثير. ولقد توفرت للجذامي أسباب ووسائل الطلب وأدوات العلم في مجتمع كان يجلّ العلماء وكان الحكام هم أول من يقدم الدليل على ذلك. وقد كان دائم التقييد والكتابة، يقابل ويعارض ما يقع إليه من ذخائر المؤلفات التي جلبها الأندلسيون من المشرق، وما ألفوه وأبدعوا وشرحوا حتى استوت له ملكة علمية فذّة، واستقامت عنده مشاركة واسعة في كثير من أصول العلم وفروعه، فغدا حجة في النحو، خبيرًا باللغة، محيطًا إحاطة نادرة فيما ألّف من شروح، وهكذا جاءت ترجمته محيلة على كل ذلك: "الشيخ الفقيه النحوي الماهر، كان متقدمًا في المعرفة بالنحو والحفظ للغة والذكر للآداب، ذا مشاركة في الطب وغيره، وحظ من قرض الشعر" (٤). أما تأثر الجذامي بشيوخه فهذا أمر طبيعي عهدناه في تأثير العالم في المتعلم، وقد علمنا من سيرة شيوخ الجذامي بعد صيتهم وعلوّ طبقتهم في العلم ومضاهاة الأقران؛ فهم الأساتذة في النحو والعربية والأدب واللغة: فداود بن يزيد السعدي "صدر النحويين، وصف بالتحقيق وجلالة المرتبة في العربية" (٥). ومصعب بن محمد الخشني: "لم يكن في وقته أضبط منه، ولا أتقن في جميع علومه حفظًا وقلمًا، وكان نقّادًا للشعر، مطلق العنان في أخبار العرب وأيامها وأشعارها ولغاتها، متقدمًا في كل ذلك" (٦). _________ (١) الأعلام: ٣/ ١٥٠. (٢) الإحاطة: ٢/ ٥٧. (٣) الانتخاب: ٣. (٤) بغية الوعاة: ١/ ٥٦٤؛ البلغة: ٨٠. (٥) الأعلام: ٢/ ٢٤٩. (٦) الانتخاب: ٣.

стр. 47

وإلى جانب تبحّرهم في العلم فقد وصفوا بالورع والزهد والفضل والتقوى وكثرة الخشية وغزارة الدمعة والوقار، والمروءة وكثرة الحياء .... وهذه صفات لابدّ أن تترك الأثر البالغ في تكوين الجذامي وثقافته، فقد أخذ عنهم العلم والصفات الأخلاقية من ورع وتقوى وجلال وكمال معًا، وهكذا نجد في ترجمته في أول صفحة من "الانتخاب": "مما عني بتأليفه الشيخ الفقيه النحوي اللغوي الماهر" (١). وفي نسخة من "شروح سقط الزند" ما نصه: "نقلت هذا الكتاب من أصل الفقيه الأجلّ، الأستاذ الأعرف الأكمل أبي جعفر أحمد بن داود الجذامي" (٢). وهذه الصفات لم تكن تطلق جزافًا، بل كانت تلخص حالًا عظيمة وجليلة في ألفاظ قليلة تغني عن الإسهاب في الحديث، والمقصود منها الإكبار والإجلال، قال المقري: "وصفة الفقيه عندهم جليلة، حتى أن الملثمين كانوا يسمون الأمير العظيم منهم الذي يريدون تنويهه بالفقيه، وقد يقولون للكاتب والنحوي واللغوي فقيه؛ لأنها عندهم في نهاية من علوّ الطبقة" (٣). وقد انعكست هذه المعرفة والاطلاع على ما ألّفه، حيث تظهر ثقافته الواسعة على الكثير من المؤلفات في مختلف الفروع من نحو ولغة وأدب وتاريخ وجغرافية وحديث وقرآن وحكمة وفلسفة وفقه وفلك، وتصوُّف وعلم الكلام، إذ نعثر في شرحه على كتب في هذه المجالات اعتمدها ونقل منها، وإن اطلاعه على هذا الكمّ الهائل من المصادر يدل على أنه قد أمضى وقتًا ليس بالهين في دراستها، وقد جمع منها ما يتصل بموضوع "أدب الكتاب" من مختلف العلوم، بحيث ألمّ بشتات ما يتطلّبه الشرح، وبهذا جاء الشرح زاخرًا بالمعلومات حتى فاق بها الكتاب المشروح. لقد أتاح كتاب "الانتخاب" إمكانية التعرُّف على ثقافة الجذامي الموسوعية، ونلمس ذلك جليًا في أنه جارى جميع الموضوعات التي طرقها _________ (١) انظر: الانتخاب: ٣٠. (٢) شروط سقط الزند: خ ١٦٤، ص: ٢٤٢. (٣) نفح الطيب: ١/ ٢٢٠.

стр. 48

ابن قتيبة على اختلافها بالشرح والتحليل والإضافة المفيدة، فنجده يشرح القضايا الأدبية بحنكة الأديب، ويتطرّق للإعراب بآليات النحو واللغة المختلفة وآراء المدارس كلها، ويشرح القضايا الفقهية بحكمة الفقيه المطّلع على الأحكام وتعليلاتها وكيفية استنباطها من النصوص الشرعية، ويسهب في تفسير الأحداث التاريخية وإيراد الأخبار المتنوعة بسرد المؤرخ المتتبع للأحداث المطلع عليها والمتقن لتفاصيلها كما لو كان مشاركًا فيها، ويشير إلى أحوال الحيوان والنبات وأحوال الأيام والأوقات وأحوال الجو والفلك بخبرة الطبيعي والفلكي الملتمس، ويناقش المسائل الحسابية والهندسية بخبرة عالم الرياضيات. وإن تناول المعلومات بترتيب المواضيع، وتناول مادة الشرح بالتنظيم البديع لما ينبئ عن مهارة في المنهج، وعن غنى من حيث الرصيد المعرفي. وهكذا فقد كانت الخاصيتين الأساسيتين لثقافة الجذامي كما تجلّت في شرحه هما: التنوُّع والأصالة. ونعني بالتنوُّع: تنوُّع المعارف، وهي متعددة المشارب، فهي تأخذ من كل علوم العصر من تاريخ وأدب وفقه وحديث ونحو وفلك وطب. أما الأصالة: فتتمثل في اعتماده على تأصيل كل ما يورده، سواء كانت آراء أو نقولًا إذ إنه يعتمد على المصادر في كل علم، ومنها: القرآن، والحديث، وكتب النحو ككتاب سيبويه، وكتب الأدب العام كالأغاني، وكتب التاريخ وغيرها، وكان أصيلًا في لغته وأسلوبه وقدم شرحًا متميزًا في كل ذلك، وغنيًا من حيث المعلومات والآراء. ولكي نتلمس التنوُّع في ثقافة الشارح نرصد ما يأتي: * المطلب الأول* الثقافة النحوية واللغوية هي الخاصية الأساسية في ثقافة الجذامي، فقد علمنا أنه برز في النحو، وأنه عرف بمهارته فيه حتى سمي بالنحوي الماهر، ونلمس هذه الثقافة بجلاء في كتاب "الانتخاب" في اعتناء الجذامي بالقضايا النحوية واللغوية، وقد

стр. 49

لاحظنا إثارته لبعض المسائل النحوية وشرحها، وإيراده لمختلف الآراء التي تجاذبت القضية. وقد توسع الجذامي في شرحها، وأورد الآراء المختلفة حولها، واعتمد على آراء المدرستين البصرية والكوفية، وأشار إلى ما بينهما من اختلاف وذكر بعض أقطابهما: كسيبويه وابن جني، والمبرد، والزجاجي، وغيرهم. وقد أوردنا في هذه الدراسة إحصاء عامًا للنقول التي نقلها عنهم، وإحصاء آخر للمصادر النحوية واللغوية الكثيرة. كما أننا لمسنا نزوعه الشديد إلى الإسهاب في الإعراب كلما أتيحت له الفرصة لذلك وقد أبان عن مهارة عالية فيه، ويظهر ذلك في إعراب الشعر والجمل من الشواهد، وكذلك من الآيات، والإعراب من المسائل التي كانت من ثوابت كل أبواب كتاب "الانتخاب". كما تجلّت ثقافته اللغوية من خلال اعتنائه بالألفاظ اللغوية في شرحها وإعرابها، موردًا للمرادفات لها والضد وأساليب استعمالها وأوجه اختلاف لغات القبائل العربية حولها ومعانيها المتعددة، كما يظهر إلمامه بالمعرب والدخيل من الألفاظ، وقد أشار إلى أصله، ومعرفته بما يقع فيها من لحن وخطأ وصحيح جرى عليه لسان العرب، وقد كانت لغته لغة متينة منتقاة من معجم العربية الرصينة، مما جعل لغة كتاب "الانتخاب" تضاهي لغة "أدب الكتاب". * المطلب الثاني* الثقافة الأدبية تجلّت هذه الثقافة في كتاب "الانتخاب" بإلمام الجذامي بالأخبار الأدبية المتعلقة بالأدباء وبأشعار العرب وبمناسباتها وبأسماء الشعراء، وبإتمام الأشعار أو تصحيحها، وإحاطته بالأمثال وقصصها، وأصناف المعاني الأدبية. كما أن إحاطته بمجموعة كبيرة من المصادر الأدبية، والتي عرضناها في إطار دراسة المصادر دليل على أنه وقف عليها، وتكون لديه منها رصيد معرفي مهم، وقد حاول أن يستثمرها في الشرح، وقد نجح إلى حدّ كبير في ذلك. ولأن طبيعة كتاب "أدب الكتاب" الغالبة عليه هي الطبيعة الأدبية، فقد

стр. 50

جاء الشرح مواكبًا لهذه الخاصية، إلا أنه لم يبق محصورًا فيها، بل تعداها لكي يكون كتابًا موسوعة. * المطلب الثالث* الثقافة الفقهية تجلّت في إحاطة الجذامي بالقواعد الفقهية، ومنها التي أثارها في المقدمة مثال: الزعيم غارم، لا طلاق في إغلاق، لا يغلق الرهن، وغيرها (١). وقد فصل فيه القول تفصيلًا جيدًا بحيث أشار إلى أصلها من الكتاب والسنّة وأحاديث رسول الله ﷺ ، وأورد المذاهب التي قالت كلمتها في ذلك بإثارة موطن الخلاف بينها، مثال: تفصيل قضية البيع والشرط في الفقه الإسلامي واختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة (٢) في هذه المسألة. كما أن كتاب "الانتخاب" دليل على نبوغ الجذامي في التفسير، وقد تبين ذلك في إيراد أسباب النزول وأوجه القراءات لبعض الآيات القرآنية التي أوردها شاهدًا على ما ذهب إليه. كما أن الجذامي أبان عن معرفة جيدة بالحديث وروايته، بأسانيده ومتنه، وكثرة الأحاديث التي أوردها دليل على اعتمادها كشاهد في الشرح والإعراب، إيمانًا بأهميتها وحجيتها، وقد عمل على شرح غريب مفردات الحديث، وعمل على إيراد سند بعض الأحاديث بأسانيد مختلفة مثال ما ورد في حديث ابن سيرين في قول رسول الله ﷺ : (لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ حُمَةٍ أَوْ نَفْسٍ) (٣). وأشار إلى كتب الحديث، ومنها: "صحيح مسلم"، و"مسند أحمد بن خالد"، و"غريب الحديث" لابن قتيبة، و"غريب الحديث" لأبي عبيد وغيرها. _________ (١) الانتخاب: ٨٠. (٢) الانتخاب: ٨٩ - ٩١. (٣) الانتخاب: ١٣٦ - ١٣٧.

стр. 51

* المطلب الرابع* الثقافة التاريخية والأخبارية لقد أوضح كتاب "الانتخاب" أن الجذامي كان ملمًا بجميع الأخبار والأحداث وأيام العرب في الجاهلية والإسلام، وأنه متوفر على قدر مهمّ من المعلومات في ميدان التاريخ والأخبار، وقد استفاد من هذه المعلومات لإغناء الشرح بما يفيد وبما ييسر الفهم، وذلك بذكر هذه الأحداث والوقوف طويلًا عندها، لشرح ما أشار إليه ابن قتيبة، أو لإضافة توضيحات أخرى كانت الفرصة سانحة للإطالة فيها، فكتاب "الانتخاب" زاخر بأحداث تاريخية ووقائع تطلبها مقام الشرح مثال: خبر بدء التأريخ على عهد عمر بن الخطاب ﵁ (١). وأخبار خالد بن عبد الله القسري وجزءًا من خبر محنته (٢). وخبر بني أسد مع عمرو بن هند لما سموا عبيد العصا (٣). وخبر خالد بن المضلل وعمرو بن مسعود ندماني المنذر حين قتلهما (٤). وخبر الزباء مع قصير اللخمي. وخبر عمرو بن عدي حين قتل (٥). وخبر حاجب بن زرارة وابنه أسعد بن المنذر وتحريقه لبني دارم (٦). وغيرها من الأمثلة كثير. كما أنه أشار إلى بعض أيام العرب وشرح أسبابها التي عرفت بها، مثل: يوم الفجار، يوم القصيبة يوم أوراة، يوم النسار، ويوم الجفار، وغيرها. وهذا مما يدل على سعة اطلاعه ومعرفته بهذه الأيام. كما أنه أبان عن معرفة بأنساب العرب، منها إيراده لنسب قبيلة قضاعة والشعر الذي قيل فيه، ونسب قبيلة "مراد"، ونسب "جعفر أنف الناقة"، وغيرها. _________ (١) الانتخاب: ٣٩٨. (٢) الانتخاب: ٥٤٨. (٣) الانتخاب: ٩٩. (٤) الانتخاب: ١٠٧. (٥) الانتخاب: ٥٥٧. (٦) الانتخاب: ١٠٠.

стр. 52

كما أن معرفته بأنساب الأعلام وتحقيقها جعلته يدقق في الأسماء ويوردها على النحو الصحيح، كقوله: "كُلُّ فُرَافِصَةَ فِي الْأَسْمَاءِ بِالصَّمِّ، إِلَّا فَرَافِصَةَ أَبَا نَائِلَةَ زَوْجِ عُثْمَانِ بْنِ عَفَّانِ فَإِنَّهُ بِفَتْحِ الْفَاءِ" (١)، وقوله في النمر بن تولب بأنه بسكون الميم لا غير (٢). كذلك معرفته باشتقاق الأسماء كاشتقاق اسم الحوفزان، واسم امرئ القيس، واسم مراد، وغيرهم، وأسباب أسماء الشعراء كلقب ذي الرمة، وجران العود، والأعشى، وغيرهم واشتقاق أسماء القبائل، واشتقاق أسماء البلدان: كذي طوى، وسرو حمير، وواسط، وغيرها. كما أشار إلى بعض الأخبار وصححها مثل: خبر ضرب عيسى بن عمر بأن الضارب له لم يكن إبراهيم بن هبيرة (٣). كما إن أورد أخبار الأمثال التي ذكرها والظروف التي أحاطت بها كمثل: "إن الشقي وافد البراجم" (٤). وخبر مثل: "أهون من قعيس على عمته" (٥)، و"كل الصيد في جوف الفراء"، وغيرها. وهذا كله مما يدل على سعة ثقافة الجذامي التاريخية والأخبارية. * المطلب الخامس* الثقافة العامة تكمن ثقافة الجذامي العامة في الاطلاع على علوم مختلفة: كالطب والهندسة والرياضيات وعلم الفلك، وقد لاحظنا استغراقه في الحديث عن الرياضيات حين تعرض لمسألة النقطة في صناعة الهندسة، وحين تعرض لتعريف الخط المستقيم وآراء أقليدس وقسطا وغيرهما. كما تجلّت معرفته بعلم الفلك من خلال شرحه لباب: "معرفة في النجوم" حيث طالعنا شخصية _________ (١) الانتخاب: ٢٥٦. (٢) الانتخاب: ١٢٩ - ١٥٥. (٣) الانتخاب: ١١١. (٤) الانتخاب: ١٠٠. (٥) الانتخاب: ٧٨.

стр. 53

الجذامي الفلكية من خلال الإطالة في الشرح وإيراد الأسماء المختلفة للنجوم والشهور والأفلاك والليالي والأيام. كما أن الجذامي أحاط بعلم النبات وما يرتبط به، حيث لاحظنا معرفته بأنواعه وبمكان تواجده وأسمائه المختلفة. كما برزت ثقافته حول الحيوان وخاصة الخيل، فقد فصل في ذلك أحوالها وشياتها وأسمائها وأنسابها والطير وأشكاله وأسمائه، وفي الحشرات وأسمائها. كما تجلّت معرفته بأحوال عيش العرب بذكر مساكنهم والآلات التي يستخدمونها وعاداتهم في الأكل والشرب، ومشاربهم وأدواتهم في القياس والذرع. كما أنه أبان عن معرفته بالطب، فقد أورد من ذلك تأثير النجوم في الأجسام في ذكره للاحتجام وارتباطه بليالي الشهر، وأورد حديثًا لرسول الله ﷺ : (يُحْتَجَمُ لِسَبْعَ عَشَرَةَ) (١). هكذا نلمس ثقافة الجذامي الموسوعية من خلال هذه الإشارات، وهي تعكس التنوُّع في مشاربها وتعدد روافدها كما سبق أن أشرنا إلى ذلك. أما الميزة الثانية التي اتسمت بها ثقافة الجذامي وهي الأصالة، فنلمسها في عودة الجذامي إلى أصول كل ما يرويه، فنجد اعتماده على الكتاب والحديث لتأصيل القواعد الفقهية والمسائل النحوية واللغوية، واعتماده على أصول المدرستين النحويتين: البصرة والكوفة، واعتماده على آراء أصحابها أعمدة النحو كسيبويه والمبرد وابن جني. وكذلك اعتماده على العلماء الرواد في كل علم: كأقليدس في الرياضيات، وأرسطاطاليس في الفلسفة، وأبي عبيدة وأبي عبيد والأصمعي في اللغة، وغيرهم، وأورد شواهد للعربية من الأعراب الرواة المؤصلين للسان العربي. وكان أصيلًا في لغته وأسلوبه، ولم يتأثر بلغة الأندلس التي عرفت تسرب الثقافة الإسبانية آنذاك وانتشار العامية، وبقي محافظًا على أسلوب القرن _________ (١) الانتخاب: ٧٢.

стр. 54

الثاني والثالث حتى أنه يخيل لقارئ كتاب "الانتخاب" أن الجذامي عاصر ابن قتيبة، وقد كان ذلك من إيمانه بأن لغة وأسلوب القرون السابقة هي المعتمد في صحة وثبات الأدب وسلامته من الدخيل. وهكذا استطاع الجذامي أن يضع نفسه وشرحه في مكانة خاصة بين الشراح والشروح التي عرفها تاريخ الثقافة العربية، لا يستطيع أحد تجاهلها، بل إنها تفرض التنويه بها وبقيمتها وبصاحبها، قال فيه ابن عبد الملك: "وصنف شرحًا على "أدب الكتاب" للقتبي وآخر على "مقامات الحريري"، وكلاهما مما أجاد به" (١). وقال فيه ابن الأبار: "وله في شرح "أدب الكتاب" لابن قتيبة تأليف مفيد" (٢). _________ (١) الذيل والتكملة، السفر: ١، قسم: ١، ص: ١١٥. (٢) التكملة لابن الأبار القضاعي: ١/ ٩٢.

стр. 55

المبحث الخامس مؤلفاته اشتهر الجذامي بتأليفين هما: ١ - كتاب "الانتخاب في شرح أدب الكتاب"، وهو الشرح الذي بين أيدينا، وهو مخطوط من ٢٢٦ صفحة، مكتوب بخط أندلسي كبير، وهو موجود بالخزانة الصبيحية تحت رقم: ٤٧٧/ ١٠١٠ في نسخة واحدة. ٢ - كتاب "شرح مقامات الحريري"، وصل إلينا السفر الثالث منه، وهو مخطوط مبتور الآخر، توجد نسخة منه في مكتبة جامعة ليدن تحت رقم: ١٢٦٦ د، ويبدأ السفر الثالث بتتمة شرح المقامة ٣١، وينتهي بالمقامة ٤٨، وما بين المقامة ٣٨ و ٤٢ محذوف، وهو يضم حوالي ١٨٠ ورقة، والمخطوط قيد التحقيق من طرف الطالب الباحث: زين العابدين بن الطاهر تحت إشراف الأستاذ: الدكتور محمد مفتاح. وثبتت نسبة التأليفين له في جميع المصادر التي ترجمت له، فقد قال فيه ابن عبد الملك: "وصنف شرحًا على "أدب الكتاب" للقتبي، وآخر على "مقامات الحريري"، وكلاهما مما أجاد به" (١). كما أثنى عليه ابن الأبار في "التكملة" بقوله: "وله في شرح أدب الكتاب لابن قتيبة تأليف مفيد" (٢). والجدير بالذكر هنا أن الجذامي لم تكن له إملاءات، ولم يكن له كتاب أو نساخ، وأن كتبه نسخها بيده، ويعضد ما قلناه قول الناسخ أبي القاسم شجاع بن محمد في آخر صفحة من المخطوط: "كمل شرح "أدب الكتاب" المنتسخ من مبيضة المؤلف ﵀" (٣). ومن ذلك أيضًا ما أشار إليه ناسخ _________ (١) الذيل والتكملة. السفر ١: قسم: ١، ص: ١١٥. (٢) التكملة لابن الأبار القضاعي: ١/ ٩٢. (٣) الانتخاب: ٧٠٣.

стр. 56

"شروح سقط الزند"، يؤكد مقابلة الجذامي لما عنده بالأصل الذي عليه الكتاب: "نقلت هذا من أصل الفقيه الأجلّ الأعرف الأكمل: أبي جعفر أحمد بن داود الجذامي، وكان عليه بخط يده أنه قابله بأصل الأستاذ داود بن يزيد السعدي، وقرأه عليه قراءة تفهم لمعانيه وتصحيح لألفاظه، وعليه أيضًا صححت هذه النسخة من سقط الزند" (١). وقد علمنا من ترجمته أنه أخذ عنه، فإن هناك إملاءات له في مجالس التعليم التي كان يدرس بها، وقد يكشف عن هذه الدروس والإملاءات تعرفنا إلى بعض تلاميذه ممن تلقوا عنه، وهو ما نطرح من مشاريع البحث الذي يفتحها هذا التحقيق. _________ (١) شروح سقط الزند المخطوط: ٢٤٢.

стр. 57

الفصل الثاني خصائص الشرح المبحث الأول: شخصية الجذامي في الشرع. المبحث الثاني: القضايا التي أثارها في الشرح. المطلب الأول: القضايا النحوية. المطلب الثاني: القضايا اللغوية. المطلب الثالث: القضايا الصرفية. المطلب الرابع: القضايا التاريخية. المطلب الخامس: القضايا الفقهية. المبحث الثالث: منهج الجذامي في الشرح. المطلب الأول: المنهج العام. المطلب الثاني: المنهج الخاص. منهج شرح المفردات. منهج شرح الشعر. منهج شرح الأحداث. منهج الإعراب. المبحث الرابع: خصائص الأسلوب. المبحث الخامس: خصائص اللغة.

стр. 58

المبحث الأول شخصية الجذامي في الشرح إن المعرفة الحقيقية للمكانة التي يحتلها الشرح الذي بين أيدينا باعتبار أهميته وامتيازه لا يمكن أن تتضح إلا بتتبُّع الشرح بأكمله، والاطلاع على ما استوعبه الشارح خلاله، ووظفه من كتب ومصادر وتبين المواضع التي تكشف عن هذا الامتياز سواء تعلق الأمر بثقافة الجذامي الواسعة أو بخصائص شرحه وانتقاداته وتدخلاته الشخصية التي تسمو به إلى مرتبة الجودة والإتقان. فعلى الرغم مما قد يبدو على منهج الشرح من أنه لا يعدو جمعًا للمادة من مصادر مختلفة كما يدل على ذلك عنوان الشرح، إلا أنه لم ينف بروز شخصية الجذامي في التدخل المباشر أو غير المباشر بالتصرف أو ترتيب المواد بالتقديم والتأخير أو الإضافة أو التعليق أو التصديق، وهي مهمة صعبة وخاصة في مجال الشرح، فوفرة المادة العلمية قد تربك الناقل، مما قد يؤثر على الشرح سلبًا، إلا أن هذا لم يعترض الجذامي، إذ أنه يأخذ بحكمة كل ما يغني شرحه، ويقصد إلى المفيد منه. وقد لاحظنا من خلال الشرح أنه يتمتع بقدر وافر من الأخلاق العلمية كالضبط والتوثيق مما كان ييسر هذه المهمة، وذلك لأنه يرد النقول إلى أصحابها، ويبين المصدر الذي أخذ منه، ويبين ما أضاف إليها، ويرسم لنفسه خطًا واضحًا للتدخل والمناقشة والتعليق دون خلخلة النظام العام للشرح. ولقد طلع علينا بشخصية المحقق الفذّ، فهو أولًا يشير إلى نسخ الكتاب المشروح وجميع رواياته وهي مما انفرد به عن سائر شرّاح "أدب الكتاب". ولا يكتفي بإيراد الشاهد، بل يحيل إلى مصدره وصاحبه، وربما نقل ذلك حرفيًا. ولم يكن الجذامي ليكتفي بمجرد عرض التفسيرات والأقوال، ولم يكن همه مجرد النقل من الكتب أو من محصوله الثقافي ليؤلف شرحًا كيفما

стр. 59

اتفق، ولكنه عمل على تسخير ثقافته في خدمة الشرح، فعلق واستدرك وانتقد وعارض وأيّد وخطّأ وأثبت الصحيح. وهذا الأخذ والرد من أقوال العلماء واللغويين لدليل على توقفه عند كل قول، وتثبته من كل شيء يرويه، والأمثلة على ذلك كثيرة من كتاب "الانتخاب" منه قوله: " … وَتَفْسِيرُ ابْنِ دُرَيْدٍ عِنْدِي أَصَحُّ. . ." (١). و ". . . وَالَّذِي قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ هُوَ الصَّحِيحُ … " (٢). و " … وَقَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَشْبَهُ بِالاشْتِقَاقِ. . ." (٣). و " … وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الْأَصْمَعِيّ رَاجِعًا إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ الْمَعْنَى … ". و" … وَلَا أَعْرِفُ ذَلِكَ مَرْوِيًا عَنْ أَبِي عَلِيٍّ وليس بممتنع يجعله من قولك: حَمَلْتُ الشَّيْءَ عَنِ الرَّجُلِ، وهو راجع إلى المعنى الأول … ". ". . . وكان الأصمعي مُولَعًا بالطَّعْنِ على ذي الرمة. . ." (٤). وهو يدلي برأيه في أغلبها ومنه قوله: " … واشتقاقها عندي من قولهم: مَرْؤَ الطعام ومَرِئَ" (٥). ويرجح أحد الأقوال كقوله: "و … والقول ما قال سيبويه؛ لأن الكلام جرى كالمثل والأمثال قد تخرج على القياس فَتُحْكَى كما سُمِعَتْ. . ." (٦). وهذا الرد البسيط والموجز لم يلغ حضور الجذامي القوي من خلال تدخله الواضح في شرح مفردات اللغة والإعراب، إذ قد نجده يستغرق الصفحات في ذلك. كما أن شخصيته برزت في أنه لم يكتف بما نقله، بل إنه يتدخل في الشرح، وذلك لإتمام ما جاء ناقصًا من قول ابن قتيبة، أو لينسب ما لم ينسبه، أو لتصحيح خطئه، أو لتعضيد قوله، كما في "باب ما يضعه الناس في _________ (١) الانتخاب: ٣٢. (٢) الانتخاب: ٩١. (٣) الانتخاب: ٩١. (٤) الانتخاب: ٥٦٧. (٥) الانتخاب: ٢٦. (٦) الانتخاب: ١٢.

стр. 60

غير موضعه": "قوله: على ما بيّنت لك في باب تسمية الشيء باسم غيره: ع: هذا الباب في كتاب "المشكل" لا في "الأدب"" (١)، وهذا توجيه للقارئ إلى المصدر الصحيح. وقد يتدخل لإضافة معلومات عما جاء في البطليوسي: مثل "وقال قوم: الْمَحَامِدُ: جمع مَحْمِدَةٍ، وهذا هو الوجه عندي؛ لأن الْمَحْمِدَةَ قد نطقت بها العرب نثرًا ونظمًا، قال الأحنف بن قيس: ألا أدلكم عَلَى الْمَحْمِدَةِ بِلَ مَرْزئَةٍ، الْخُلُقُ السَّجِيحُ والكَفُّ عَنِ الْقَبِيحِ" (٢). وقد ينسب القول الذي لم ينسبه ابن قتيبة أو البطليوسي: "قوله: وكان بعض أصحاب اللغة، ع: هو ابن السكيت في "الإصلاح" (٣). و"قوله: ومازح عجوزًا. ع: العجوز هي صفية بنت عبد المطلب" (٤). وهذا دليل على سعة اطلاعه وإحاطته بالمصادر. وقد استطاع الجذامي أن ينتقد كبار علماء اللغة والمعاني والنحو ومنهم ابن قتيبة نفسه ولم يكتف بالرد عليه، بل علّل وبرر وقدم البديل الصحيح، منها تغليطه ابن قتيبة: "قوله: .. مَرْكَبَ الْعَجْزِ. ع: الجيد أن يقول: مَرْكَبَ الْكَسَلِ؛ لأن العجز عدم القدرة، والكسل مع القدرة" (٥). كما آخذه على ما أنكر في باب وأجاز في آخر: "ع: سؤالك عن الشيء هو الاستفهام .. وهذا التقسيم قد قسمه في الرسالة وجعلها هناك هذيانًا وهنا حاصرة لأصناف الكلام .. وقد نبهت عليها من قبل" (٦). وبيَّن اضطراب ابن قتيبة في "أدب الكتاب": "ولقد اضطرب قول ابن قتيبة في الكاهل والحارك. ." (٧). _________ (١) الانتخاب: ١٣٦. (٢) الانتخاب: ١٢. (٣) الانتخاب: ١٤٣. (٤) الانتخاب: ٩٥. (٥) الانتخاب: ٥٤. (٦) الانتخاب: ٩٧. (٧) الانتخاب: ٣٧٤.

стр. 61

كما صحح للبطليوسي: "ط: هذا هو شجاع بن القاسم كاتب أوتامش التركي. ع: أبو جعفر النحاس: هذا الكاتب هو محمد بن عيسى وتصحيفه: جاء ضرطي" (١). كما قام بتصحيح الروايات كرواية أبي علي في قوله: "كان أبو علي يقول: الصواب نأت به هِمَّتُهُ بالنون أي نهضت، من قولهم: نَاءَ بالحمل يَنُوءُ إذا نهض به مُتَثَاقِلًا. والذي أنكر أبو علي غير منكر" (٢). كما وافق ابن قتيبة في كثير من الأمور: "من النحويين من قال: جَرَمَ بمعنى حُقَّ والصحيح ما قال ابن قتيبة، أي: كَسَّبَتِ الطَّعْنَةُ فَزَارَةَ الْغَضَبَ" (٣). وقد لاحظنا إلمامه بعلوم عصره واستفادته منها في الشرح بحيث بثّ هذه المعارف في كتاب "الانتخاب" بما يفيد الشرح ويغنيه، وهكذا برزت علوم الرياضيات في مجال شرح موقع النقطة في صناعة الهندسة (٤)، وأنواع الخط (٥). كما أنه استفاد من إلمامه بعلم الفلك ليستثمر هذه المعارف في الشرح خاصة في أبواب "معرفة في النجوم" يقول: "أما حال القمر في استهلاله وأفعاله فإن أهل التجربة يقولون: إن نبات الأرض كله وثمارها تزيد بزيادة القمر وتنقص بنقصانه" (٦). وفي شرحه لباب "معرفة في السماء والنجوم" (٧)، وكذا في ذكره للرياح وأسمائها وأوقاتها (٨). وكان يضيف هذه المعلومات في إطار التعليقات التي رمز إليها بـ"ع". _________ (١) الانتخاب: ٥٦. (٢) الانتخاب: ٦١. (٣) الانتخاب: ٢٤٠. (٤) الانتخاب: ٣٨. (٥) الانتخاب: ٤٠ - ٦٩. (٦) الانتخاب: ٧٢. (٧) الانتخاب: ٢٨٤ - ٣٠٠. (٨) الانتخاب: ٣٠١ - ٣٠٧.

стр. 62

أما في مجال الطب فقد أورد معارف كثيرة، منها ما رواه في أوقات الحجامة في حديث رسول الله ﷺ : (يُحْتَجَمُ لِسَبْعِ عَشْرَةَ لَيْلَةً) (١)، وفسر ذلك بأن الدم ينقص في آخر الشهر. وما بثّه من معارف في باب "معرفة في النبات" يقول: "الْعَرَارُ: وَاحِدَتُهُ عَرَارَةٌ" قَالَ الأعشى: بَيْضَاءُ ضَحْوَتِهَا وَصَفْرَاءُ الْعَشِيَّةِ كَالْعَرَارَةْ قيل: هو النَّرْجِسُ الْأَصْفَرُ عِنْدَنَا … وليس الْأُقْحُوَانُ الْبَابُونَجْ إنما يشبهه في الزهر، ويقال: أَقْحَتِ الأرض: إِذَا نَبَتَتِ الْأُقْحُوَانَ" (٢). أما معرفته بالحيوان فتتجلى بإضافاته في أبواب كتاب "الانتخاب" المتعلقة بذلك، ومنها الأبواب المتعلقة بالخيل في أسمائها وصفاتها وشياتها وعللها وما تمدح به وما تذم به، معضدًا ذلك بالشعر والمثل (٣). والأبواب المتعلقة بسائر الحيوانات كالسباع والحيات والهوام والفروق بينها (٤). والأبواب المتعلقة بالطيور (٥). كما نلاحظ إلمامه بجانب الأحوال الاجتماعية للعرب، وذلك لأنه يذكر وسائل عيشهم بما فيها الآلات التي يستخدمونها يقول: "إذا قيل: الْمُحِلَّاتُ، فهي القِدْرُ والرحى والسُّفْرَةُ والدلو والفأس" (٦)، وهي آلات تصحب الرحل في سفرهم. وذكر مساكنهم يقول: "بيوت العرب: بَيْتٌ مِنْ حَجَرٍ، قُبَّةٌ مِنْ أَدَمٍ، خِبَاءٌ مِنْ صُوفٍ. . ." (٧). وذكر ملابسهم يقول: "واللِّفْقُ: مَا جَعَلْتَهُ فِي حُجْزَةِ سَرَاوِيلِكَ. . ." (٨). كما يشير إلى صناعات العرب وأسماء الصناع، يقول: _________ (١) الانتخاب: ٧٢. (٢) الانتخاب: ٣٢٠. (٣) الانتخاب: ٣٥٦ - ٣٩٩ - ٤٠٢ - ٤١٠ - ٤١٣. (٤) الانتخاب: ٤٩٩ - ٥٠٠ - ٥٤٣ - ٥٥٣. (٥) الانتخاب: ٥٣٣. (٦) الانتخاب: ٥١٢. (٧) الانتخاب: ٥٧٢. (٨) الانتخاب: ٥٢١ وما بعدها.

стр. 63

"وَكُلُّ صانع عند العرب قَيْنٌ"، و"وَالْهَالِكِيُّ: الْحَدَّادُ، وَالنِّهَامِيُّ: النَّجَّارُ" (١). وكذلك إحاطته بأنسابهم، يقول: "لأن قضاعة تحولت من معد بن عدنان إلى اليمن وادعت أنها من ولد حمير حتى قال بعض شعرائهم: قُضَاعَةُ بْنُ مَالِكِ بْن حِمْيَرِ … النَّسَبُ الْمَعْرُوفُ غَيْرُ الْمُنْكَرِ قال أبو رياش: فأنشد بعض العلماء بالنسب هذا الشعر فقال: لا بل والله النسب المنكر غير المعروف" (٢). وقد وجدناه ينسب كثيرًا من أعلام كتاب "الانتخاب" وشعرائهم إلى قبيلته بقوله: الفزاري، الفقعسي، النميري، الهذلي، وغير ذلك. كما أحاط بلغة العرب والقبائل مما يسر عليه معرفة تقاليب الكلمات واستعمالاتها المتعددة الشائعة أو النادرة وكذا شرحها. وقد ظلت شخصية الجذامي مسيطرة على الشرح كله بحيث إنه تحكم في ترتيب الموضوعات، محافظًا على نفس ترتيب "أدب الكتاب"، وفي تشكل النص بما يوافق منهجه العام، وفي إيراد الشواهد المناسبة في المواضع المناسبة، وهذا ما حرص على الالتزام به. وقد لاحظنا براعته في استثمار الشاهد القرآني والحديثي والشعري والمثل على امتداد الشرح، والمتبع للشرح يلمس ذلك جليًا، إذ لا يخلو فصل أو باب من شاهد يدعم قوله وسيأتي تفصيل الحديث عن ذلك. كما أن الجذامي غالبًا ما يتصرف في بعض النقول دون أن يمس ذلك جوهر التوثيق الذي نزع إليه وكان سمة تميّز بها، وذلك بردها إلى أصحابها وذكر الكتاب الذي أخذ منه النقل، من ذلك قوله: "ويؤيده أيضًا أن أبا عمرو الشيباني قال في كتاب "الحروف": الْعِرْضُ الْجَسَدُ، حكاه عن العذري" (٣). كما نزع إلى توثيق الشعر بذكر الشاعر ورواية الشعر وتعدد رواياته _________ (١) الانتخاب: ٥٢٦ - ٥٢٧ - ٥٢٨. (٢) الانتخاب: ٥٣٣. (٣) الانتخاب: ١٧١.

стр. 64

وسبب وروده وقد نجده يصحح رواية بيت أو يضيف إليه أبياتًا تفيد إضاءة المعنى، مثال ذلك قوله في بيت أعشى باهلة: لَا يَتَأَرَّى لِمَا فِي الْقِدْرِ يَرْقُبُهُ والبيت مركب من بيتين وصحة إنشاده: لَا يَتَأَرَّى لِمَا فِي الْقِدْر يَرْقُبُهُ … وَلَا تَرَهُ أَمَامَ الْقَوْمِ يَقْتَفِرُ لا يَغْمِرُ السَّاقَ مِنْ أَيْنٍ لَا وَصَبٍ … وَلَا يَعَضُّ عَلَى شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ (١) وقد بذل جهدًا كبيرًا في خدمة النص بحيث قام بمقابلة نص "أدب الكتاب" بنسخه كلها، منها ما نص عليه في قوله: "وقد تأملته في عدة من النسخ المضبوطة الصحاح فوجدته بالباء، والصحيح في هذا أنهما لغتان وإسقاط الباء أفصح وأكثر" (٢). وحاول تقصي الروايات التي روي بها وهي: - روايته من طريق أبي نصر هارون بن موسى الراوي عن أبي البغدادي. - من طريق رواية عيسى بن محمد بن صاحب الأحباس وهو نفسه أصل ابن أبي الحباب. - رواية أبي جعفر بن قتيبة الراوي عن أبيه. وقد أشار إلى ذلك في ذكر كتبهم بقوله: كتاب أبي نصر، كتاب أبي علي، كتاب أبي جعفر، كتاب ص، كتاب س. . . وكذلك قابل "أدب الكتاب" بمصادر أخرى من نفس موضوعاته منها: "أدب الكتاب" للصولي، و"لحن العامة" للزبيدي، و"إصلاح المنطق" لابن السكيت، وبشروحه ومنها "الاقتضاب" للبطليوسي. كما أن الجذامي أخذ بتصويبات البطليوسي لـ"أدب الكتاب"، وهذا التصرف معتبر لديه ووجب أن نأخذه بعين الاعتبار؛ لأن إيراده تلك التصويبات دون التعقيب عليها دليل تأكيد على ما جاء فيها من تصويب ونقد. كما أن كتاب "الانتخاب" لم يخل من آراء الجذامي النقدية مثال قوله: _________ (١) الانتخاب: ١٨٧ - ١٨٨. (٢) الانتخاب: ١٠٨.

стр. 65

"قال أبو الطيب وإن لم يكن حجة في اللغة" (١). وقوله: " … وكان الأصمعي لا يرى الطرماح حجة" (٢). وأنه غالبًا ما يلجأ إلى التدخل لنقد المادة التي يوردها أو لتوجيه بعض الأخطاء، مثال اختياره لرأي المبرد في قوله: "وأحسن الأراء رأي المبرد" (٣). ونجده بعد أن سرد آراء سيبويه والخليل والفراء يصحح التأويلين كلاهما. كما أنه يختار كتابة "تَجْنِيبٌ" بالجيم على الحاء ويقول: "تَجْنِيبٌ فِي الْبَيْتِ بِالْجِيمِ أَجْوَدُ" (٤). وقد يلاحظ أن الجذامي في بعض أبواب كتاب "الانتخاب" يأخذ في الاستطراد في الشرح إلا أنه لا يفتأ أن يتدارك ثم يعود إلى نص "أدب الكتاب" ليتمم الشرح، وهذا مما يحسب له من تمكنه من مادته، ومن حسن امتلاكه لزمام الأمور. كما أنه تفرد بالإحالة على التعليقات، وقد يحيل إلى أصحابها فيكتب: ع: ابن السكيت أو ع: المبرد، وقد يحيل إلى المصادر: ع: الجمهرة، ع: فقه اللغة. وقد جعلها مجاله الخاص للتدخل بالشرح والانتقاد، وقد أخبر في المقدمة أنها تعليقات من كتب شتى، وهي في الحقيقة مادته الخام التي اختمرت في ذاكرته من خلال طول مطالعاته إلا أن تواضعه الشديد منعه من تبنيها وجعلها من بنات أفكاره. كما أنه تفرّد باختصار أسماء المنقول لهم يقول: "ونَسَبْتُ كل قوم إلى قائله بعلامات تدل على أسمائهم طلبًا لترك التطويل بالإفصاح عنهم؛ فجعلت ط: علامة أبي محمد عبد الله بن السيد البطليوسي، و ز: علامة الزجاج، و د: علامة عما نقلته من خط الأستاذ أبي سليمان بن يزيد السعدي. . ." (٥). _________ (١) الانتخاب: ١٧. (٢) الانتخاب: ١٤٥. (٣) الانتخاب: ٣٩٢. (٤) الانتخاب: ٣٩٣. (٥) الانتخاب: ٥.

стр. 66

المبحث الثاني القضايا التي أثارها الجذامي في الشرح أتاح ما تميز به "أدب الكتاب" من موسوعية في تناول المواضيع والقضايا فرصة شرحها، وذلك بأن فسح المجال للجذامي بتوسيع القول فيها، وفرصة مناقشتها وإيراد ما أغفله ابن قتيبة، أو الرد عليه فيما أخطأ فيه، وهكذا فإن كتاب "الانتخاب" أصبح موسوعة غنية بالقضايا النحوية واللغوية والفقهية والتاريخية الأخبارية، وسنعمل في هذا الفصل على التمثيل لبعضها. * المطلب الأول* القضايا النحوية وقد استأثرت بقدر مهم من اهتمام الجذامي وعمل على مناقشتها وإيراد آراء البصريين والكوفيين فيها، وذلك بذكر أقوالهم دون تعصُّب ظاهر إلا ما يأتي من ذكر العديد من حجج البصريين خاصة، ومن هذه القضايا: * قضية الجمل التي تسدّ مسدّ الخبر في إطار إعراب الشعر: "وذلك بأن ذكر رأي الأخفش الذي يقدر كيف تقدير الظروف ورأي سيبويه الذي يقدرها تقدير الأسماء في شرحه لقول الشاعر: (طويل) فَكَيْفَ بِأَطْرَافِي إِذَا مَا شَتَمْتَنِي … وَلَيْسَ بَعْدَ شَتْمِ الْوَالِدَيْنِ صُلُوحُ" (١) * قضية إقامة الصفة مقام الموصوف وفيما تحسن، وكذلك في إطار إعراب قول عبيد: (كامل) عَيُّوا بِأَمْرِهِمْ (٢) _________ (١) الانتخاب: ٢٠١. (٢) الانتخاب: ٢٤٨.

стр. 67

* قضية تقديم الفاعل على الفعل عند الكوفيين والبصريين في قول الزباء (رجز): مَا لِلْجِمَالِ مَشْيُهَا وَئِيدَا (١) * قضية بناء الآن واختلاف البصريين والكوفيين حولها وقد أطال الحديث في هذه القضية، واستوفى فيها آراء البصريين والكوفيين (٢). * قضية أقسام الحال وشروطها (٣). * قضية عمل أما فيما قبلها في إطار شرح "أما بعد" (٤). * قضية إضافة أي إلى المصدر يصيرها مصدرًا (٥). * قضايا التقديم والتأخير، وقد أشار الجذامي إليها في مواضع كثيرة من كتاب "الانتخاب" كحديثه عن التقديم والتأخير في الآية: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ (٦). وقد وقف عند هذه القضايا وغيرها في جلّ أبواب الشرح، مبيّنًا أوجه الإعراب في الألفاظ والجمل وما تحتمله من تأويلات. إلا أن الجذامي لم يثر آراء الأندلسيين في بعض القضايا النحوية رغم أن المدرسة الأندلسية في النحو خاضت في بعض من هذه القضايا وكان لها رأي فيها. * المطلب الثاني* القضايا اللغوية وقد تعددت أيضًا في كتاب "الانتخاب" وخاصة منها: * قضية الأضداد: وقد أشار إليها الجذامي في أبواب متفرقة، وركز _________ (١) الانتخاب: ٥٥٧. (٢) الانتخاب: ٤٢ - ٤٣. (٣) الانتخاب: ٦٣. (٤) الانتخاب: ٧. (٥) الانتخاب: ٢٠٦. (٦) الانتخاب: ٨، سورة الضحى: الآية ٩.

стр. 68

عليها في "باب تسمية المتضادين باسم واحد"، يقول: "ابن القوطية: الأضداد في كلام العرب ليست من لغة قبيلة واحدة، بل هي مفترقة في قبائل شتى، فمن قال: إِنَّ الْجُونَ الأبيضُ فهي لغته، ومن قال: إِن الْجَوْنَ الأَسْوَدُ فهي لغته، وكذلك جميعها، وبهذا يصح وضعها ويطابق الحكمة ويعدم التناقض" (١). وهكذا نجد أمثلة عديدة عن الأضداد في هذا الباب. * قضية الإتباع، وخاصة في شرح الأمثال لأنه يطرد فيها، ومن ذلك قال: "قال ابن السراج: سئل بعض الأعراب عن الإتباع في قولهم: جُوعًا نُوغَا فقال: هُوَ شَيْءٌ نَتِدُ بِهِ كلامنا أي نجعله كَالْوَيَدِ نربط به الكلام" (٢). أورد منها أمثلة كثيرة منها: "فَقِيرٌ وقير"، "الغدايا والعشايا"، و"حياك وبياك"، و"ألِيلٌ أَنِينٌ". * قضية التثنية: شرحها في "باب ما جاء مثنى في مستعمل الكلام" (٣)، و"باب التثنية" و"باب تثنية المبهم وجمعه" (٤). * قضية التذكير والتأنيث: تطرق إليها في أبواب: "ما يذكر ويؤنث"، و"باب ما يكون للمذكر والمؤنث ولا علم فيه"، و"باب الأسماء المؤنثة" (٥). * وقضية المقصور الممدود في أبوابه الخاصة بالمقصور الممدود وأبنيته ومعانيه (٦). * قضية إذا وإذن متى تكتب بالألف ومتى تكتب بالنون (٧). * قضايا الاشتقاق: وقد اعتمد عليها الجذامي في الشرح اعتمادًا كبيرًا، _________ (١) الانتخاب: ٥٨٣. (٢) الانتخاب: ٢١٥. (٣) الانتخاب: ٦٥١. (٤) الانتخاب: ٦٥٣. (٥) الانتخاب: ٦٦٨. (٦) الانتخاب: ٦٨٢ - ٦٩٧ - ٧٠٠ - ٧٠٢. (٧) الانتخاب: ٦١٣.

стр. 69

إذ كانت المفتاح لمعرفة معاني الكلمات المشروحة، ومن ذلك اشتقاق أسماء الناس مثل قوله: "سمي يعقوب ﵇ لأنه خرج في الولادة وجبهته موصولة بعقب أخيه عيصو" (١) وقوله: "في كتاب "الاشتقاق" لقطرب: الزِّبْرِقانُ: الْخَفِيفُ اللِّحْيَةِ" (٢). ومنه اشتقاق أسماء الشعراء وسببه مثل اسم ذي الرمة: "ويكنى أبا نهيس، ولقب ذا الرمة لقوله في الوتد: (رجز) أَشْعَثُ بَاقِي رُمَّةِ التَّقْلِيدِ والرمة: الحبل البالي. وقيل: لقبته بذلك "مية" لأنه مر بخبائها فأعجبته فأحب الكلام معها فخرق دلوه وقال: يا فتاة اخرزي هذه الدلو، فقالت: إني خرقاء، فخجل ووضع دلوه على عنقه وهي مشدودة بحبل بال وولى، فقالت: يا ذا الرمة، إن كنت خرقاء فأمتي صناع" (٣). ذكره اشتقاق اسم امرئ القيس: "امرؤ القيس لقب له ومعناه: رجل الشدة، والقيس في كلام العرب: الشدة كما قال علي بن حمزة وأنشد: (طويل) وَأَنْتَ عَلَى الْأَعْدَاءِ قَيْسٌ وَنَجْدَةٌ … وَلِلطَّارِقِ الْعَافِي هِشَامٌ وَنَوْفَلُ وقيل: قيس اسم صنم، ولهذا كان الأصمعي يكره أن يقول امرأ القيس وكان يروي: (طويل) عَقَرْتَ بَعِيرِي يَا امْرَأَ اللَّهِ فَانْزِلِ" (٤) "قال أبو بكر: لُؤَيُّ، تصغير اللَّأْيِ وهو الثور الوحشي، وقال غيره: تصغير لَأْيٍ وهو الْبُطْءُ" (٥). ومنها اشتقاق المواضع مثل قوله: "وقال سيبويه: إما سمي وَاسِطًا لأنه وَسَطٌ بين الكوفة والبصرة" (٦). _________ (١) الانتخاب: ٢٥٤. (٢) الانتخاب: ٢٦٦. (٣) الانتخاب: ١٥٧. (٤) الانتخاب: ١٥٩. (٥) الانتخاب: ٢٦٧. (٦) الانتخاب: ٣٦٢.

стр. 70

كما اعتمد على اشتقاق الألفاظ؛ لأنه ضروري في إعرابها كما قال في تصريف رمان: "ولذلك قال الخليل وسيبويه رحمهما الله: إذا لم يعرف اشتقاقه لا يصرف في المعرفة ويحمل على الأكثر" (١). وهو كذلك ضروري لمعرفة معانيها. وقوله: "واشتقاق الطيرة من شيئين: أحدهما: أن يكون من الطيران؛ لأن كل من ورد عليه ما يكرهه اشمأز منه وأسرع التباعد عنه، فشبه سرعة إعراضه عنه بالطيران. والآخر: وهو الأصل، أن العرب كانت تزجر الطير والوحش وتتفاءل ببعضها وتتشاءم ببعضها، وقد نهى رسول الله عن الطيرة فقال: "تَفَاءَلُوا وَلَا تَطَّيَّرُوا" (٢). ومنها أيضًا اشتقاق أسماء النجوم في "باب معرفة في السماء والنجوم" (٣). * كما أشار إلى مسألة "التَّدْرِيجِ" قال: وسمي النبات ندى لأنه عن المطر يكون، وهذا يسمى التدريج، ومعناه أن يدرج الشيء من حال إلى حال فيسمى باسم ما هو سبب له، ومما سمي بالسبب الأبعد نحو قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ فبالمطر يكون النبات ومنه يأكل البهائم وهي تنتج الصوف وبه يكون اللباس" (٤). وأشار إلى معنى التَّعْرِيضِ في قوله: "وهذا الكلام الذي جرى بين معاوية والأحنف يسمى "التعريض" لأن كل واحد منهما عَرَّضَ لصاحبه بما تسب به قبيلته من غير تصريح" (٥). * المطلب الثالث* القضايا الصرفية * الأبنية والأوزان الصرفية: وقد اعتمد عليها للزيادة في بيان كتابة الألفاظ خشية الخلط الذي ينتج عن كتابتها بنفس الشكل، قال: "قال أبو علي: أُرْوِيَةٌ أصلها أُفعُولَةٌ واشتقاقها من رَوِيَ يَرْوَى. وقيل: وزنها فعلية، _________ (١) الانتخاب: ٤٧٩. (٢) الانتخاب: ٢٠. (٣) الانتخاب: ٢٨٤. (٤) الانتخاب: ٣١٦. (٥) الانتخاب: ١٠١.

стр. 71

وأصلها وروية من تَوَارَى: إذا استتر؛ لأنها تستتر عن عيون الأناسي، وهمزت الواو لمجيئها أولًا" (١). وقوله: "ويقال في صفة الرجل: غُرْنُوقٌ على وزن: قُرْقُورٍ، وَغِرْنِيقٌ على وزن منديل، وغُرَانِقٌ على وزن غُدَافِرٍ، وَغَرَوْنَقٌ على وزن فَدَوْكَسٍ وغِرْنَاقٌ على وزن سربال" (٢). وقوله: "في الْمِنْخَرِ لغات: مَنْخِرٌ بفتح الميم وكسر الخاء ومِنْخِرٌ بكسرهما وَمَنْخُورٌ على وزن مغفور وَنُخْرَةٌ على وزن ظلمة ونُخَرَةٌ على وزن رطبة" (٣). وقوله: "وزن سَوَاسِيَةَ فَعَافِلَةُ لأنها على غير قياس. قال الشاعر: (طويل) سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ الْحِمَارِ" (٤) * قضية القلب والإبدال: وقد حاول أن يعرض لها كلما تعلق الأمر بالألفاظ التي وقعت عليها تغييرات حتى بلغت ما نعرفه عنها بعد اكتمال الوضع اللغوي: من ذلك قوله: "والْاِزْدِيَادُ: افتعال من الزيادة، وهو أخذ الشيء بعد الشيء، وأصله ازدياد أبدل من التاء دالًا لتوافق الزاي في الجهر لتشاكل اللفظ" (٥). وقوله: "وَشَاكٍ، من شدد الكاف فهو من الشكة وهي السلاح، ومن خففها، فهو من الشوكة، وكان الأصل شاوكًا، فقلبت عينه لامًا، فصار شاكوا، فاعل إعلال قاض، فوزنه على هذا فاعل، ومن قال: شاك، فلم يعله، فإنه جعله فعلًا شوكًا، فانقلبت الواو ألفًا لانفتاح ما قبلها" (٦). * المطلب الرابع* القضايا التاريخية ونجدها متعلقة بالأحداث التاريخية أو الأخبار المتضمنة في كتاب "الانتخاب" والتي استدعت من الشارح الوقوف عندها مثل: قضية عيسى بن _________ (١) الانتخاب: ٣٣٧. (٢) الانتخاب: ٣٤١. (٣) الانتخاب: ٣٦٧. (٤) الانتخاب: ٣٤٤. (٥) الانتخاب: ٢١. (٦) الانتخاب: ٥٢٥.

стр. 72

عمر وابن هبيرة حين ضربه بالسياط، وذكر الاختلاف في الرواية للحدث (١)، وخبر محمد بن الفضل مع المتوكل وكان كاتبه (٢). ومنها أخبار ورود الأمثال: كقصة المثل: "إن الشقي وافد البراجم" (٣)، وخبر المثل: "حال الجريض دون القريض" (٤)، "أَهْوَنُ من قُعَيْسٍ على عمته" (٥). وأخبار الأشخاص في شرح الشعر: كقصة راشد بن عبد ربه في قصة الثعلبان (٦). كما ذكر أخبار تسمية الشعراء مثل: جران العود (٧)، ومهلهل (٨)، وامرئ القيس (٩). * المطلب الخامس* القضايا الفقهية وقد تطرّق إليها الجذامي في مواضع كثيرة وعرض لاختلافات العلماء وآرائهم، وذكر ما يعضدها من القرآن والحديث مثال: * قضية الفقير والمسكين أيهما أسوأ حالا من الآخر (١٠). * قضية بيع وشرط وأورد فيها حديثًا طويلًا يفسّر اختلاف الفقهاء في القضية (١١). * قضايا: الجار أحق بصقبه، والخارج بالضمان، العارية مؤداة، وغيرها وقد فصلها الجذامي في شرح الرسالة (١٢). * قضية الطلاق هل يعتبر بالنساء أو الرجال، وسرد مذهب عثمان بن عفان ومذهب علي ﵄، ومن اعتمده من فقهاء العراق والحجاز. _________ (١) الانتخاب: ١١١. (٢) الانتخاب: ٤٩. (٣) الانتخاب: ١٠٠. (٤) الانتخاب: ٤٨٤. (٥) الانتخاب: ٧٨. (٦) الانتخاب: ١٣٣. (٧) الانتخاب: ٥٣٤. (٨) الانتخاب: ٤٧٢. (٩) الانتخاب: ١٥٩. (١٠) الانتخاب: ١٨٠. (١١) الانتخاب: ٨٩. (١٢) الانتخاب: ٨٤.

стр. 73

المبحث الثالث منهج الجذامي في الشرح لابدّ في هذه الدراسة من الحديث عن المنهج نظرًا لأهميته في إبراز الثقافة الفكرية الأصيلة للمؤلف في توثيق النص وفي إخراجه على النحو الذي يليق به. فالجذامي لم يشد عن منهج الشروح في تتبُّع آثار النص المشروح، إلا أنه تميز بمنهج خاص في ترتيب موضوعات الشرح عامة ومنهج في كل باب من الشرح، كم أنه توخى في ذلك الدقة والموضوعية والتجديد. وأول ما يطالعنا في منهجه هو تصريحه به في المقدمة (١)، وأكد على أنه جمع لما وصل إليه من شروح على "أدب الكتاب" وتفسير لأبياته، وتصحيح للأغلاط التي وقعت فيه، فهو أساسًا جمع واستقصاء، وهي عملية تطرح منهجًا صارمًا في ترتيب الأفكار والآراء بما يفيد الشرح دون أن يخلخل نظام الكتاب المشروح، مع إغناء الشرح وإيراد ما يناسب في مكانه المناسب. ولم يكن سبب تأليف الجذامي لكتاب "الانتخاب" هو طلب تقدم به الحاكم أو أحد أصحابه أو تلاميذه كما جرت العادة في تأليف الكتب، بل إنه لمس في نفسه رغبة في جمع المعلومات التي اجتمعت لديه من الشروح السابقة لأدب الكتاب ولمعلومات اكتسبها من طول دراسة لهذا قال: "وجعلته تذكرة لنفسي، وعدة لدرسي، واختصرته غاية الاختصار، لقصدي به قصد التذكار" (٢). من هنا يمكن الحديث عن منهجين في الشرح: منهج عام ومنهج خاص. _________ (١) الانتخاب: ٥. (٢) الانتخاب: ٥.

стр. 74

* المطلب الأول* المنهج العام لقد حافظ الجذامي على نفس ترتيب موضوعات "أدب الكتاب" وهكذا نجده في أول الكتاب يضع مقدمة يعرف فيها بعمله، ويطرح منهجه العام، ثم يشرع مباشرة في شرح المقدمة، ثم يتبعها بالأبواب مرتبة، إلا أنه قد يشرح بعض الأبواب دون ذكر عناوينها وهي: * باب النخل (١). * باب معرفة في الشراب (٢). * باب معرفة في السلاح (٣). * باب الهمزة إذا كانت عينًا (٤). * باب دخول ألف الاستفهام على الألف واللام اللتين للمعرفة (٥). كما أنه لم يشرح بابًا من "أدب الكتاب" وهو: باب ما يكون للذكور والإناث ولا علم فيه (٦). وأنه قدم أبوابًا على أخرى مثل: باب ما يعرف جمعه ويشكل واحده (٧) قدمه على باب ما يعرف واحده ويشكل جمعه (٨). واختصر بعض عناوين الأبواب، وغير من العنوان بعض ألفاظه دون تغيير المعنى، مثال تلخيصه لعنوان باب الحروف المقصورة (٩). أما منهجه في _________ (١) الانتخاب: ٣٥٦. (٢) الانتخاب: ٤٧٢. (٣) الانتخاب: ٥٢٥. (٤) الانتخاب: ٦٣٦ - ٦٣٩ - ٦٤١. (٥) الانتخاب: ٦٠٢ - ٦٢١. (٦) الانتخاب: ٦٧٤. (٧) الانتخاب: ٣٤٨. (٨) الانتخاب: ٣٤١. (٩) الانتخاب: ٦٨٢.

стр. 75

التعريف بالأعلام والأماكن فكان ينزع فيه إلى الاختصار والإيجاز مكتفيًا بما يخدم النص. * المطلب الثاني* المنهج الخاص نلمس هذا المنهج في أجزاء كل باب على حدة، إلا أنه يتكرر إذا تعلق الأمر بنفس الموضوع المشروح فنجد منهجًا خاصًا بشرح الشعر ومنهجًا خاصًا في شرح الألفاظ اللغوية، ومنهجًا خاصًا في الإعراب. والجذامي في بعض هذه الأبواب يبدأ بالتعليق عليها مثل قوله في باب المتضادين: "قوم من النحويين ينكرون هذا الباب ويقولون: لا يجوز تسمية المتضادين باسم واحد؛ لأن ذلك نقيض الحكمة … ابن القوطية: الأضداد في كلام العرب ليست من لغة قبيلة واحدة، بل هي مفترقة في قبائل شتى. ." (١). وقوله في باب ما يعرف واحده ويشكل جمعه: "هذه جموع على غير قياس، وكذلك الباب قبله، وما كان من هذا الباب فهو عند سيبويه اسم جمع لا جمع، وهو عند أبي الحسن الأخفش جمع" (٢). وفي كل باب نجد أن الجذامي يبتدئ بسرد قول ابن قتيبة بعبارة: "قوله" لتمييزه عن الشرح، ثم يشرع في حشد الأقوال، فيبدأ بقول البطليوسي، ثم قول داود بن يزيد السعدي، وتعليقات أبي علي وهي من ثوابت كل باب من الشرح، ثم يشرع في ذكر الأقوال، وهي في أغلبها منسوبة لأصحابها، ثم يتدخل لتصويب أو تعديل الآراء أو الرد عليها، وقد يقرن الشرح بذكر المصادر التي استقى منها معلوماته. منهج شرح الشعر: ويستمد شرحه للشعر من "الاقتضاب" فيما فسّر به أبيات "أدب الكتاب" _________ (١) الانتخاب: ٥٨٣. (٢) الانتخاب: ٣٤٨.
следующие страницы →