ولكن الحق أن هذا الدليل لا ينطبق على القواعد الشرعية بحال من الأحوال، لأن القروض يجب في الشريعة أن تقضى بأمثالها، وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان، حتى القائلين بجواز ربط القروض بالأسعار، فبقي الآن تعيين معنى المثلية. فالسؤال الأساسي هنا: هل يجب أن تتحقق هذه المثلية في القدر (أي الكيل، والوزن، والعدد) أو في القيمة والمالية؟ والذي يتحقق من النظر في دلائل القرآن والسنة ومشاهدة معاملات الناس، أن المثلية المطلوبة في القرض هي المثلية في القدر والكمية، دون المثلية في القيمة والمالية.
ويدل على ذلك دلائل:
١- لو اقترض الرجل صاعا من الحنطة، قيمتها يومئذ خمس روبيات مثلا، فلم يؤدها إلى المقرض إلا بعد ما صارت قيمتها ربيتين فحسب، فإنه لا يرد إلى المقرض إلا صاعا واحدا، رغم أن مالية الصاع الواحد قد انتقصت من خمس ربيات إلى ربيتين، وهذا بإجماع الفقهاء قديما وحديثا، ولا يقول في ذلك أحد: إن رد الصاع الواحد فقط بعد انتقاص ماليته ظلم على المقرض، فينبغي أن تضاف إلى الصاع زيادة بنسبة نقصان قيمته، وهذا من أوضح الدلائل على أن المثلية المعتبرة في القرض إنما هي المثلية في المقدار، لا في القيمة والمالية.
وربما يقال جوابا عن هذا: إن الحنطة بضاعة لها مالية في حد ذاتها، فلا تقاس عليها النقود الورقية التي ليست لها قيمة أو مالية ذاتية، ولكن هذا الجواب خلط للبحث، لأن السؤال هنا عن تعيين معنى المثلية المطلوبة في القرض، فما دامت المثلية المطلوبة هي المثلية في المقدار دون القيمة والمالية، فليس هناك فرق جوهري بين الحنطة والنقود في هذا المجال، لأن لكل منهما مقدارا، وقيمة، فإن كانت المثلية المقلوبة في الحنطة هي المثلية في المقدار، فلتن المثلية المطلوبة في النقود مثلية المقدار كذلك. ولو اعتبر تفاوت القيمة والمالية هدرا في الخطة فليكن
стр. 177
ذلك هدرا في النقود سواء بسواء.
٢- من المسلم لدى الجميع أن التماثل مطلوب في القروض للاحتراز عن الربا، وقد فسر النبي ﷺ هذا التماثل المطلوب في أحاديث ربا الفضل بكل صراحة ووضوح. أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: كنا نرزق تمر الجمع على عهد رسول الله ﷺ ، وهو الخلط من التمر، فكنا نبيع صاعين بصاع، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: (لا صاعين تمرا بصاع، ولا صاعين حنطة بصاع، ولا درهما بدرهمين) (١) .
ومعلوم أن ما يباع بصاعين كان أكثر قيمة ما يباع بصاع، ولكن رسول الله ﷺ لم يرض إلا بالتماثل في القدر والكيل، وجعل التفاوت في القيمة هدرا.
وكذلك أخرج الشيخان عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما ((: أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال: أكل خيبر هكذا؟ قال: إنا لنأخذ الصاع بالصاعين، والصاعين بالثلاث)) ، قال: ((لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا)) (٢) .
وهذه الرواية من أصرح الأدلة على التماثل المطلوب في الأموال الربوية هو التماثل في القدر، دون التماثل في القيمة، لأن الجنيب كان أغلى من الجمع بكثير، وأكثر قيمة، وأجود نوعا، ولكن رسول الله ﷺ أهدر الجودة والرداءة في مبادلة بعضها ببعض، وأوجب التماثل في الكيل.
стр. 178
وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ ((الذهب بالذهب وزنا بوزن، مثلا بمثل، والفضة بالفضة وزنا بوزن، مثلا بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا)) وأخرجه مالك بلفظ ((الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما)) (١) .
وأخرج مسلم وغيره من عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) .
وأخرج أبو داود عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال ((الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها، والبر بالبر مدين بمدين، والشعير بالشعير مدين بمدين، والتمر بالتمر مدين بمدين، والملح بالملح مدين بمدين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى)) (٢) .
وأخرج مسلم عن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ ((الذهب بالذهب وزنا بوزن)) وفي رواية أخرى: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن)) (٣) .
فهذه الأحاديث كلها ناطقة بأن التماثل المعتبر في الشريعة إنما هو التماثل في القدر، ولا عبرة بالتفاوت في القيمة، ما دامت الأموال ربوية.
стр. 179
وهذا في المبايعة نقدا، فما بالك في القروض التي يجري فيها أصل الربا، والتي يحترز فيها عن كل زيادة وشبهتها.
٣- وهناك حديث أخر يوضح معنى المثلية في الديون خاصة، وهو ما أخرجه أبو داود وغيره عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فأتيت رسول الله ﷺ وهو في بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله: رويدك أسألك، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله ﷺ ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء)) . (١) ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن النبي ﷺ أباح لابن عمر ﵄ إذا وقع البيع على الدنانير أن تأخذ بدلها الدراهم بقيمة الدنانير يوم الأداء لا يوم ثبوتها في الذمة. يعني إذا وقع البيع على دينار مثلا، وقيمته وقت البيع عشرة دراهم، ثم لما أراد المشتري الأداء لم يكن عنده إلا دراهم، وقيمة الدينار الواحد يوم الأداء أحد عشر درهما، فإنه يؤدي إليه أحد عشر درهما.
ولذلك لما سأل بكر بن عبد الله المزني ومسروق العجلي عبد الله بن عمر عن كري لهما، له عليهما دراهم، وليس معهما إلا دنانير، أجاب ابن عمر: (أعطوه بسعر السوق) . فتبين أن القيمة إنما تعتبر يوم الأداء، لا يوم الثبوت في الذمة. ولئن كانت المثلية المعتبرة في الديون المثلية قي القيمة، لوجب قيمة الدنانير يوم الثبوت في الذمة. وهذا واضح جدا.
стр. 180
٤- من المسلم لدى جميع الفقهاء في ضوء القرآن والسنة أن الواجب في عقد القرض اشتراط أداء المثل الحقيقي في القدر، دون المثل المقدر بالجزاف والتخمين. حتى لو أقرض الرجل صاعا من الحنطة، واشترط أن يرد إليه المستقرض صاعا منها بالجزاف لا على أساس الكيل / لم يجز هذا العقد، لأن المجازفة في الأموال الربوية لا تجوز. وهنا حرم رسول الله ﷺ بيع المزابنة وهو بيع التمر على رؤوس النخل بتمر مجذوذ. وليس وجه الحرمة في هذا البيع إلا أن التمر المجذوذ يمكن معرفة قدره بالكيل، وأما التمر القائم على رؤوس النخل فلا يمكن معرفة قدره إلا بالمجازفة والتخمين. فحرمه رسول الله ﷺ إطلاقا، مهما كانت المجازفة دقيقة أو قريبة من الصواب. فالسبيل الوحيد في مبادلة الأموال الربوية بعضها ببعض، أن يقع التبادل على أساس التماثل الحقيقي، دون التماثل المقدر بالمجازفة.
إذا ثبت هذا، فإن التماثل المقترح في ربط الديون بقائمة الأسعار، ليس تماثلا فعليا، وإنما هو تماثل مقدار على أساس المجازفة والتخمين. لأن نسبة الزيادة والنقصان في الأسعار ليست إلا نسبة تقريبية إنما تقدر على أساس حساب مخصوص لا يرجع إلا إلى المجازفة والتخمين.
ويجب لمعرفة هذه النقطة أن نعلم كيفية وضع قائمة الأسعار، وطريق استخدامها لتعين قيمة النقود.
كيفية وضع قائمة الأسعار واستخدامها في تقويم النقود:
ومن أجل الوقوف على الحكم الشرعي في هذا المجال، يجب أن نعرف كيفية وضع هذه القائمة وطريق استخدامها في تعيين قيمة النقود. فإليكم خلاصة ما يقصده الاقتصاديون من ربط الديون بقائمة الأسعار:
من المعلوم أن النقود، سواء كانت نقودا معدنية أو ورقية، لا يقصد
стр. 181
بها ذاتها، فإنها بذاتها لا تسد جوعا، ولا تستر جسما، ولا تدفع شهوة، ولا ترد ضررا. وإنما المقصود من هذه النقود أن يشتري بها المرء ما يحتاج إليه في حياته من بضائع وخدمات. فمن هذه الجهة كل نقد له قيمتان: الأولى قيمتها الاسمية (Price Value) ، وهي المكتوبة عليها، والثانية: قيمتها الحقيقية (Real Value) ، وهي الفائدة العملية الحقيقية التي يحصل عليها المرء بصرفها في حاجاته، وبعبارة أخرى: هي مجموعة من البضائع والخدمات التي يمكن للمرء أن يشتريها بتلك النقود. وإن هذه المجموعة من البضائع يسميها الاقتصاديون اليوم " سلة البضائع " (basket of goods) ، فالقيمة الحقيقية للنقود هي سلة البضائع الممكن شراؤها بها.
فإذا كان زيد راتبه كل شهر عشرة آلاف ربية مثلا، فإن عشرة آلاف ربية هي القيمة الاسمية لدخله الشهري. ثم إنه يصرف هذه العشرة آلاف ربية في شراء ما يأتي مثلا:
الحنطة ٤٠ كيلو
الثوب ٢٠ مترا
اللحم ٢٠ كيلو
الشاي ٥ كيلو
استئجار بيت للسكن يحتوى على غرفتين.
تعليم ابنين في مدرسة.
استئجار خدمات الدكتور مرة في الشهر.
وإن مجموعة هذه البضائع والخدمات تسمى " سلة البضائع " (Basket of goods) وإذا كان راتب زيد يصرف في شراء هذه السلة كل شهر، فإن هذه السلة المخصوصة (بمقاديرها المذكورة في المثال) هي القيمة الحقيقية لراتبه.
стр. 182
وإن هذه القيمة لعشرة آلاف ربية عرضة للتغير بتغير أسعار البضائع والخدمات المندرجة في السلة. وإن أسعار كل واحدة من هذه البضائع تختلف من حين لآخر بنسب مختلفة، ولكن الاقتصاديين إنما يقدرون نسبة التغير في أسعار السلة على أساس معدل وسط (Average) .
ثم إن البضائع والخدمات المندرجة في السلة ليست على مستوى واحد من الأهمية، فبعضها أهم من بعض، فالحنطة مثلا أهم من الثوب، والثوب أهم من الشاي، ولا شك أن تغير السعر في ما هو أهم أكثر تأثيرا على حياة المرء من تغيره فيما هو أقل أهمية، فلو ارتفعت قيمة الحنطة فأنه يحدث مشاكل أكثر مما يحدثه ارتفاع قيمة الشاي فلأجل الوقوف على التغير في قيمة النقود الحقيقية، يأخذ الاقتصاديون أهمية كل بضاعة موضوع اعتبار عند استخراج المعدل الوسط لتغير الأسعار، فيعطون كل بضاعة من هذه البضائع رقما على أساس أهميته، وإن هذا الرقم يسمى"وزن البضاعة " (Weight of comnodity) ، وإن هذا الوزن ربما يحسب على أساس نسبة الراتب المصروفة في شراء تلك البضاعة كل شهر، فإذا كان زيد يصرف الخمسين في المائة من راتبه في شراء الطعام لأسرته، فإن الطعام يكون له وزن صفر فاصل خمسين (٠.٥٠) وإن كان يصرف العشرين في المائة من راتبه في الثياب، فالثياب لها وزن صفر فاصل عشرين وهكذا.
فمعدل تغير قيمة السعر في كل بضاعة يضرب في وزنها، والحاصل هو المعدل الموزون (Weighted Average) لكل بضاعة.
ويتضح هذا بالجدول الآتي الذي فرضنا فيه أن سلة البضائع مشتملة على ثلاثة أشياء فقط، وهي الطعام، والثياب، والسكن:
стр. 183
عمود ٦ ... عمود ٥ ... عمود ٤ ... عمود ٣ ... عمود ٢ ... عمود ١
العمود الخامس مضروبا في وزنه البضاعة ... معدل تغير القيمة فيما بين ... قيمة البضاعة في سنة ... قيمة البضاعة في سنة ... وزن ... البضاعة
١٩٨٠و١٩٨٧م ... ١٩٨٧م ... ١٩٨٠م ... البضاعة
٠‚١ ... ‚٢ ... /١٠٠ ... -/٥٠ربية ... ‚٠ ... الطعام
ربية لثلاثين كيلو ... لثلاثين
٦‚٠ ... ٠‚٣ ... كيلو ... ٢٠‚٠ ... الثياب
-/٣٠ربية
٩‚٠ ... ٠‚٣ ... لكل متر ... -/١٠ ربية ... ٣٠‚٠ ... السكن
لكل متر
-/١٥٠٠ لكل شهر
-/٥٠٠ ربية لكل شهر
٥‚٢
فتقرر بهذا المثال أن سلة البضائع قد ارتفعت قيمتها فيما بين سنة ١٩٨٠ م - و ١٩٨٧ م بنسبة اثنين فاصل خمسة في المائة حسب المعدل الموزون الذي أخذ أهمية كل بضاعة بعين الاعتبار. وبما أن سلة البضائع هي القيمة الحقيقية للنقود، فإن قيمتها الحقيقية قد انتقصت بقدر ٢.٥ % ومعنى ذلك أن السلعة التي يشتريها الرجل في سنة ١٩٨٠ م بمائة ربية، صارت تشترى في سنة ١٩٨٧ م بمائتين وخمسين ربية.
فلو فرضنا أن الرجل كان يأخذ خمسة آلاف ربية كراتب في سنة ١٩٨٠ م وازداد رتبة في سنة ١٩٨٧ م، حتى صار يأخذ عشرة آلاف ربية شهريا، فإن قيمة رواتبه الشهرية تحسب كالآتي:
стр. 184
السنة ... القيمة الإسمية ... نسبة الزيادة في ... القيمة الحقيقية
قائمة الأسعار
١٩٨٠م ... =/٥٠٠٠ربية ... ‚١ ربية ... =/٥٠٠٠ ربية
١٩٨٧م ... =/٠٠٠‚١٠ربية ... ٥‚٢ ... =/٤٠٠٠ ربية
ونرى بهذا المثال أن راتب الرجل وإن ازدادت قيمته الإسمية إلى عشرة آلاف ربية, ولكن قيمته الحقيقية صارت أربعة آلاف ربية نظرا إلى مستوى أسعار سنة ١٩٨٠ م، لأن عشرة آلاف ربية في سنة ١٩٨٧ م صارت تساوي أربعة آلاف ربية في سنة ١٩٨٠م نظرا إلى قيمتها الحقيقية.
فلو ربطنا الديون بقائمة الأسعار، وقررنا أن الديون تقضى على أساس القيمة الحقيقية، دون القيمة الاسمية، فإن ذلك يقتضي أن من اقترض أربعة آلاف ربية في سنة ١٩٨٠ م فإنه يؤدي عشرة آلاف ربية في سنة ١٩٨٧ م، لأن القيمة الحقيقية لكل واحدة.
فلو نظرنا في هذا الطريق الحسابي الذي تعين به القيمة الحقيقية للنقود، اتضح لنا أن هذا الطريق مبني على الخرص والمجازفة في جميع مراحله، ويتبين بتجزئة هذا الطريق أنه يشتمل على الخرص والتخمين في الأمور الآتية:
١- تعيين البضائع التي تدرج في القائمة:
من المعروف أن كل رجل له حاجات تخصه، فالبضائع المحتاج إليها تختلف باختلاف الرجل، فسلة البضائع لكل أحد تختلف عن سلة الآخر، ولكن السلة المندرجة في قائمة الأسعار واحدة، وإنما تدرج فيها البضائع على أساس كثرة من يستعملها، فربما تدرج فيها بضائع لا يحتاج إليها بعض الناس أبدا، فالقائمة غير حقيقية بالنسبة إلى أولئك البعض. فإدراج بعض البضائع في القائمة ليس إلا مجازفة وخرصا.
стр. 185
٢- تعيين وزن البضائع:
ثم المجازفة الثانية تأتي في تعيين وزن البضائع، وأهميتها بالنسبة للمستهلكين، ولا شك أن أهمية البضائع أمر إضافي يختلف باختلاف الأشخاص، فبينما البضاعة الواحدة مهمة جدا لشخص واحد، فإنها لا أهمية لها إطلاقا لشخص آخر. ولكن القائمة تفرض أن أهمية كل بضاعة واحدة بالنسبة إلى كل مستهلك، وذلك على أساس المعدل الوسط، وليس ذلك إلا خرصا ومجازفة.
٣-تعيين قيمة البضائع:
والمجازفة الثالثة في تعيين قيمة البضائع في سنوات مختلفة، لأن من المعلوم أن البضاعة الواحدة تختلف قيمتها باختلاف الأمكنة أيضا، ولا يمكن في القائمة إلا إدراج قيمة موضع واحد، ولو وضعت القائمة لدولة واحدة فلا يمكن ذلك إلا عن طريق معدل وسط، وهو مجازفة أيضا.
فتقرر بهذا أن قائمة الأسعار مبنية على الخرص والمجازفة في جميع مراحلها. ولو كان الحساب من الدقة بمكان، فإن غاية ما يصل إليه في ذلك هو التقريب دون التحقيق. وبما أن اشتراط أداء القروض والديون بالخرص والمجازفة لا يجوز شرعا، فلا يجوز ربط الديون بهذه القائمة بحال.
مذهب الأمام أبي يوسف في أداء قيمة الفلوس:
قد استدل بعض الاقتصاديين على ربط الديون بقائمة الأسعار بما روي من مذهب أبي يوسف رحمه الله تعالى في أداء قيمة الفلوس إذا تغيرت قيمتها عند أداء الديون
يقول العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى:
стр. 186
(في المنتقى: إذا غلت الفلوس قبل القبض أو رخصت، قال أبو يوسف: قولي وقول أبي حنيفة في ذلك سواء وليس له غيرها، ثم رجع أبو يوسف، وقال: عليه قيمتها من الدراهم يوم وقع البيع ويوم وقع القبض)
ثم نقل عن التمرتاشي قوله: (وفي البزازية معزيا إلى المنتقي، غلت الفلوس أو رخصت، فعند الإمام الأول (أي أبي حنيفة) والثاني (أي أبي يوسف) أولا: ليس عليه غيرها، وقال الثاني (أي أبو يوسف) ثانيا: عليه قيمتها من الدراهم يوم البيع والقبض، وعليه الفتوى) .
ثم قال ابن عابدين: " هكذا في الذخيرة والخلاصة بالعزو إلى المنتقى، وقد نقله شيخنا في بحره وأقره. فحيث صرح بأن الفتوى عليه في كثير من المعتبرات فيجب أن يعول
عليه إفتاء وقضاء " (١) .
فاستدل به بعض الاقتصاديين على أنه إذا وجب الدين في صورة الفلوس، فالواجب أداء قيمتها إذا طرأ عليها الغلاء والرخص، وهذا المذهب قريب جدا من فكرة ربط الديون بقائمة الأسعار.
ولكن هذا الاستدلال غير صحيح، والحقيقة أن مذهب أبي يوسف رحمه الله تعالى لا علاقة له بفكرة ربط الديون بقائمة الأسعار، لأن من المعلوم بالبداهة، أن التضخم والانكماش ووضع قائمة الأسعار، وتقويم النقود على أساس تلك القائمة، كل هذه الأمور أمور حادثة لم تكن
стр. 187
متصورة في زمن الإمام أبي يوسف - رحمة الله تعالى - فحينما يقول أبو يوسف بأداء قيمة الفلوس، فإنه لا يمكن أن يريد به قيمتها المقدرة على أساس قائمة الأسعار، أو القيمة الحقيقية (Real Value) بالاصطلاح الاقتصادي المعاصر.
والواقع أن الفلوس في الأزمنة المتقدمة كانت مرتبطة بنقود الذهب والفضة تقوم على أساسها (١) وتعتبر كالفكة للنقود الذهبية والفضية وكانت عشرة فلوس تعادل درهما واحدا من الفضة، فكان الفلس الواحد يعتبر عشر الدرهم الفضي، ولكن قيمة الفلس هذه لم تكن مقدرة على أساس قيمتها الذاتية، وإنما كانت قيمة رمزية اصطلح عليها الناس، فكان من الممكن أن يتغير هذا الاصطلاح، بأن يصطلح الناس على أن الفلس الواحد الآن يعتبر نصف عشر الدرهم بعد ما كان يعتبر عشرة، فهذا هو المراد برخص الفلوس، كما يمكن أن يصطلح الناس على أن الفلس الواحد الآن يعتبر خمس الدرهم، وهذا هو المراد بغلائها.
فإذا وقع غلاء الفلوس أو رخصها بهذه الصورة، فهل يؤدي المديون نفس عدد الفلوس الذي وجب في ذمته يوم العقد؟ أو يؤدي قيمة ذلك العدد يوم الأداء؟ قد وقع فيه خلاف العلماء. فقال أبو حنيفة: يؤدي نفس العدد الذي وجب في ذمته يوم العقد، ولا عبرة بالقيمة، وهو المشهور. من مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٢) فلو اقترض أحد مائة فلس في وقت يعتبر فيه الفلس الواحد عشر درهم واحد فاقترض فلوسا تساوي عشرة دراهم في القيمة، ثم تغير الاصطلاح، حتى صار الفلس الواحد يعتبر نصف عشر درهم واحد.
стр. 188
فذهب جمهور الفقهاء إلى أن المقترض لا يؤدي إلا مائة فلس، وإن كانت هذه المائة لا تساوي اليوم إلا خمسة دراهم.
لكن خالفهم أبو يوسف ﵀، فقال: إنما يجب أداء قيمة الفلوس المقترضة على أساس الدرهم، فمن اقترض مائة فلس في المثال المذكور، إنما يؤدي الآن مائتي فلس، لأن الفلوس فكة للدراهم، فمن اقترض مائة فلس، فكأنه اقترض فكة عشرة دراهم، وإن فكة عشرة دراهم يوم الأداء هي مائتا فلس، فالواجب عليه أداء مائتي فلس.
والذي يظهر لي - والله أعلم - أن أساس الخلاف بين أبي يوسف والجمهور مبني على اختلافهم في تكييف هذه الفلوس، فيبدو أن جمهور الفقهاء اعتبروا الفلوس أثمانا اصطلاحية مستقلة غير مرتبطة بالدراهم والدنانير ارتباطا دائما، فمن اقترض عددا من الفلوس، فإنه يؤدي نفس العدد دون نظر إلى قيمتها بالنسبة للدرهم، وأما أبو يوسف ﵀ فاعتبر الفلوس أجزاء اصطلاحية كالفكة للدرهم، فالمقصود بالاقتراض عنده ليس عدد الفلوس، وإنما المقصود اقتراض أجزاء للدرهم يمثلها ذلك العدد من الفلوس، فلذلك أوجب رد تلك الأجزاء للدراهم في صورة الفلوس، وإن اختلف عددها من العدد المقترض.
ونظير الرخص والغلاء الذي يأتي فيه قول أبي يوسف هذا، أن الربية الباكستانية إلى أوائل الخمسينات كانت مقسمة على أربع وستين بيسة، (والبيسة نوع من الفلس) ثم اختارت الدولة النظام الأعشاري، فأعلنت أن الربية تكون مقسمة على مائة بيسة. فكانت البيسة قبل هذا الإعلان ثمن يساوي ثمن الربية، وصارت بعد هذا الإعلان عشر عشرها، فطرأ عليها الرخص بهذا القدر. فمن اقترض أربعا وستين بيسة قبل الإعلان هل يؤدي بعد الإعلان نفس الأربع والستين بيسة؟ أو يؤدي مائة؟ (١) الظاهر
стр. 189
أنه يؤدي مائة، لأنه اقترض فكة ربية واحدة، فليرد فكة ربية واحدة، وهي الآن مائة بيسة. فالحاصل أن قول الإمام أبي يوسف ﵀ إنما يتأتي في فلوس مرتبطة بثمن آخر ارتباطا دائما يجعلها كالأجزاء والفكة لذلك الثمن. أما النقود الورقية اليوم، ليست مرتبطة بثمن آخر، ولا معتبرة كالأجزاء والفكة له، وإنما هي أثمان اصطلاحية مستقلة.
وبالتالي، إن الوقوف على قيمة الفلوس حسبما يراه الإمام أبو يوسف يمكن تحقيقها، لأنها مرتبطة بعيار مضبوط من الثمن، وهو الدرهم، بخلاف النقود الورقية، فإن الوقوف على قيمتها الحقيقية حسب الاصطلاح الاقتصادي المعاصر، لا يمكن تحقيقا، وإنما تكون هذه القيمة مقدرة على أساس الخرص والمجازفة، كما أوضحنا فيما سبق، فلا يقاس هذا على ذاك.
اعتبار العرف في مثلية النقود:
قد يستدل بعض الاقتصاديين على جواز ربط الدين بقائمة الأسعار، بأن الواجب في القروض أداء المثل، ولكن يجب أن يرجع في تعيين معنى المثلية إلى العرف، فما اعتبره العرف مثلا، ينبغي أن يعتبره الشرع أيضا كذلك. وبما أن قيمة النقد والمقدرة على أساس قائمة الأسعار تعتبر مثلا للمبلغ المقترض في العرف الاقتصادي اليوم، فينبغي أن تعتبرها الشريعة مثلا في أداء القروض. ولكن هذا الاستدلال باطل أيضا. أما أولا: فلأن العرف إنما يصار
стр. 190
إليه عند عدم النص، وقد بينا فيما سبق أن النصوص التي حرمت الربا قد عينت معنى المثلية بكل صراحة ووضوح، وأن المعتبر هو التماثل في القدر، فلا مجال بعد ذلك للعرف في تعيين معنى المثل. وأما ثانيا: فإن كون القيمة الحقيقية (باصطلاح الإقتصاد) مثلا لم يصره عرفا معتبرا إلى الآن، حتى عند الاقتصاديين. فمن المعلوم بالبداهة أن معظم بلاد العالم لم توافق بعد على فكرة ربط الديون بقائمة الأسعار، وإنما طبقت هذه الفكرة في دول معدودة (مثل البرازيل، وأستراليا، وإسرائيل, وما إليها) فنسبتها ضئيلة جدا بالنظر إلى سائر دول العالم.
ثم إن القلة من الدول لم تأخذ بهذه الفكرة بجميع نواحيها، ولا في سائر المداولات المالية، وإنما أخذت بها في شعب مخصوصة من شعبها الاقتصادية، لأن تطبيقها كأصل عام شامل لا يعتبر ممكنا، حتى عند الاقتصاديين، يقول بين هورم، وإيجل ليوى:
" إن استخدام قائمة الأسعار في جميع المعاملات المالية على وجه الشمول أمر لا يمكن حصوله فعلا (١) ومن الأمور الواضحة جدا، أنه لا تعرف على وجه الأرض دولة ربطت الحسابات الجارية في البنوك بقائمة الأسعار مهما كانت نسبة التضخم مرتفعة. وإن البرازيل أبرز دولة استخدمت قائمة الأسعار في كثير من معاملاتها المالية. ولعلها أكثر دول العالم استخداما لهذه القائمة، ولكنها لم تستخدمها في الحسابات الجارية في البنوك، فمن أودع في هذه الحسابات مبلغا لا يستلم إلا ذلك المبلغ بنفس العدد المودع، كانت قائمة الأسعار قد ازدادت للضعف أو أكثر.
стр. 191
وإن هذا واضح الدلائل على أن اعتبار التماثل بالقيمة الحقيقية ليس عرفا سائدا، حتى في الدول التي تمسك بالقيمة الحقيقية كسلاح لمدافعة أضرار التضخم.
وقد رأينا أكثر الاقتصاديين الذي يؤيدون فكرة الأخذ بالقيمة الحقيقية في أداء الديون، يصرخون بأنهم لا يريدون الأخذ بهذه الفكرة في القروض الاستهلاكية، يعني: إن اقترض رجل ألف ربية لدفع حاجاته الشخصية من الطعام والشراب والسكن، فإن هذا القرض لا ينبغي أن يربط بقائمة الأسعار عندهم أيضا، وإنما يقصدون أن يطبقوا فكرة القيمة الحقيقية في القروض الإنتاجية فحسب.
أليس هذا اعتراف من أنفسهم بأن القيمة الحقيقية ليست مثلا في القروض الاستهلاكية؟ فإن لم تكن مثلا في القروض الاستهلاكية، فكيف تكون مثلا في القروض الإنتاجية؟ فإن المثلية حقيقة واحدة لا تختلف باختلاف أقسام القروض؟
وكذلك نرى الاقتصاديين إنما يؤيدون فكرة القيمة الحقيقية في حالة التضخم، ولا يوجد أحد يأخذ بهذه الفكرة في حالة الانكماش. ومعنى ذلك أن القيمة الحقيقية المزعومة إنما تعتبر في حالة ارتفاع الأسعار، أما إذا انخفضت الأسعار بعد القرض، فلا يؤدي إلا المبلغ المقترض يوم العقد لأنه لا يرضي من أقرض ألف ربية أن يقبل بدلها ثمانمائة ربية نظرا إلى انخفاض الأسعار، ولو طبقت فكرة القيمة الحقيقية في حالة انخفاض الأسعار، فإنه لا يوجد من يودع ماله في البنوك خشية النقصان العارض بسبب الانكماش.
وهذا أيضا دليل على أن فكرة القيمة الحقيقية ليست فكرة علمية قائمة على أسس متينة وإنما هي فكرة إنما ظهرت لمواجهة أضرار التضخم كعلاج وقتي دون نظر إلى لوازمها المنطقية وعواقبها الأخرى. وإن مثل هذه
стр. 192
الفكرة لها مجال في النظام المالي الذي يقوم على أساس الربا، وأما في النظام الذي يريد الاحتزار عن الربا، فإن فكرة ربط الديون بالأسعار فكرة زائفة لا تقوم أمام الدلائل الشرعية والعقلية.
وإن هذه المسألة قد عرضت أمام مجلس الفكر الإسلامي في باكستان، فاتفق أعضاء المجلس من العلماء والاقتصاديين جميعا على أن ربط الديون بالأسعار لا مبرر له في الشرعية الإسلامية. وكذلك نوقش هذا الموضوع في ندوة مختصة لمداولته أقامها البنك الإسلامي للتنمية بجدة باشتراك المعهد العالمي للاقتصاد الإسلامي بإسلام آباد وذلك في شعبان سنة ١٤٠٧ هـ، وقد حضر هذه الندوة جماعة من العلماء والاقتصاديين من بلاد مختلفة، والقرار الذي اتفق عليه مشاركو هذه الندوة كما يلي.
توصيات:
١- إن النقود الورقية تقوم مقام النقدين (الدنانير والدراهم) في جريان الربا ووجوب الزكاة فيها وكونها رأس مال سلم ومضاربة وحصة في شركة، وإن قول أبي يوسف بوجوب رد قيمة الفلوس في حالة الغلاء والرخص بالنسبة للنقدين لا يجري في الأوراق النقدية لأن هذه الأوراق النقدية تقوم مقام النقدين المتفق على عدم اعتبار الرخص والغلاء فيهما.
٢- يؤكد العلماء الحاضرون في الندوة على أن المقصود بالمثل في أحاديث الربا والقروض، المثل في الجنس والقدر الشرعيين، أي الوزن والكيل والعدد، لا القيمة. وذلك تباعا لما دلت عليه السنة من إلغاء اعتبار الجودة في تبادل الأصناف الربوية، وما انعقد عليه إجماع الأمة وجرى عليه عملها.
٣- لا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أيا كان مصدرها بمستوى الأسعار، بأن يشترط العاقدان في العقد المنشئ للدين، كالبيع والقرض
стр. 193
وغيرهما، ربط العملة التي وقع بها البيع أو القرض، بسلعة (أو مجموعة من السلع) أو العملة وقت حلول الأجل بالعملة التي وقع بها البيع والقرض.
٤- الأصل في النفقات أن تقدر عينا، ويحكم القضاء بقيمة الأعيان عند التنازع تأسيسا على مستوى الأسعار، ومن ثم فلا حاجة لربطها بمستوى الأسعار على النحو السابق شرحه.
ثم كل ما ذكرناه في هذا البحث الموجز كان يتجه نحو الناحية الشرعية لهذه المسألة، أما الناحية الاقتصادية، فلم أتعرض لها في هذا البحث، لكونها خارجة عن اختصاصي، غير أنه يجدر بالذكر هنا أن فكرة ربط الديون بالأسعار قد واجهت - ولا تزال تواجه - نقدا عنيفا من قبل الاقتصاديين أنفسهم، وإن معظم الاقتصاديين اليوم لا يعتبرونها علاجا للتضخم، وما يعتبرونها إلا كدواء مخدر يستر المرض ولا يزيله، والحق أنها لا تداوي علة التضخم، وإنما تقرها وتسايرها. ولهذا الدواء المخدر أضرار مستقبلية على الحياة الاقتصادية، ومن أجل هذه الأضرار فقد تركته بعض الدول رأسا كفرنسا.
وبما أن هذه الناحية خارجة عن نطاق موضوعنا، فإني أضرب عنها صفحا، ومن شاء راجع الكتب الاقتصادية المؤلفة في هذا الموضوع خاصة.
النقاط التي تحتاج إلى مزيد من البحث:
قد ثبت بما ذكرنا أن ربط الديون بقائمة الأسعار لا مبرر له شرعا. ولكن قد يبدو أصل المسألة يحتاج إلى حل آخر ولا سيما بالنظر إلى الظروف الإقتصادية في بعض الدول التي واجهت إنهيارا ذريعا في قيمة عملتها مثل الليرة اللبنانية التي كانت ثلاثة منها دولارا أميركيا,
стр. 194
فانهار سعرها إلى أنه مئات منها لا تعادل دولارا واحدا وقد حدث مثل ذلك في الليرة التركية والروبيل الروسي وبعض العملات الأخرى, حتى حكى لي بعض الإخوة اللبنانيين أن إمرأة قضي لها بالمهر على زوجها فلما قبضت المرأة المهر صار لا يساوي إلا بمقدار ما تستأجر به سيارة تذهب بها إلى بيتها.
ولمواجهة هذه المشاكل أطرح بعض النقاط التي خطرت بقلبي وليست هذه النقاط للإفتاء وإنما مطروحة لنظر الفقهاء والمعاصرين ولم أبت فيها بشيء بعد:
١ - إن الإنهيار في قيمة العملة إذا وقع بشكل غير عادي , فيمكن أن يكون لها وضع خاص. ويلحق هذا الوضع بكساد الفلوس , والمرجع عند كساد الفلوس القيمة عند كثير من الفقهاء.
٢ - يمكن أن يفرق بين حالتين من انخفاض سعر العملة:
الحالة الأولى: أن يقع الإنخفاض في السوق مبنيا على العرض والطلب وفي مثل هذا الإنخفاض لا يقع أداء الدين إلا بالمقدار الأصلي الذي ترتب به الدين كما أسلفنا في هذا البحث.
والحالة الثانية: أن يقع التخفيض في سعر العملة (devaluation) من قبل الحكومة وفي مثل هذه الحالة يعتبر التخفيض كأن الحكومة قد أصدرت بذلك عملة جديدة يختلف سعرها عن العملة السابقة.
فيقع أداء الدين بقيمة العملة القديمة بإزاء هذه العملة الجديدة.
ولنفرض أن زيدا اقترض مئة ربية في حين أن سعرها الرسمي ثلاثة دولارات ثم خفضت الحكومة ربيتها حتى صارت مئة ربية تعادل دولارين فتعتبر هذا التخفيض إصدارا لعملة جديدة قيمتها ناقصة عن العملة القديمة بقدر ثلث فإذا وقع أداء الدين بهذه العملة الجديدة ,
стр. 195
فينبغي أن يزداد فيه الثلث ليساوي قيمة العملة القديمة التي وقعت الإستدانة فيها لأن الحكومة إن منعت العملة القديمة بتاتا وأصدرت عملة جديدة تنقص قيمتها بقدر الثلث كان المرجع قيمة العملة القديمة من العملة الجديدة قطعا فإن اعتبرنا تخفيض قيمة العملة رسميا في حكم إصدار العملة الجديدة فهناك احتمال لقياس هذه الحالة على إصدار العملة الجديدة.
٣ - إن الديون وإن كان لا يمكن ربطها بقائمة الأسعار كما حققناه ولكن قد يخطر بالبال أنه يمكن ربطها بالذهب وذلك لأن الأوراق النقدية وإن لم تبق الآن مدعومة بالذهب كما مر ولكن الأصل فيها أن مصدر الورق كان ملتزما بأداء مقدار الذهب فمن رفض إعطاء الذهب لحامله لأول مرة فإنه قد تخلف عن أداء ما كان واجبا عليه وبمجرد رفضه لم يسقط ما كان في ذمته من الذهب بل بقي واجبا عليه من الناحية الشرعية ولم يزل هذا الواجب ينتقل إلى كل من تناوله بعد ذلك وإلى كل من أصدر أوراق جديدة على ذلك الأساس فإن كون الأوراق النقدية مدعومة بالذهب وأن لم يكن معترفا به في الجهات القانونية ولكن يمكن أن يكون معتبرا من الناحية الشرعية من جهتين:
الأولى: أن الأوراق النقدية لم ترج في السوق في بداية الأمر إلا على بداية كونها مدعومة بالذهب ومجرد رفض بعض الجهات إعطاء الذهب لحاملها لا ينبغي أن يعتبر مبررا شرعا لفك صلتها بالذهب.
والثانية: أن الشرع قد اعتبر الذهب ثمنا خلقيا فينبغي أن ترجع جميع العملات إلى هذا العيار.
وإن هذه النقاط لا أجزم بكونها مقبولة ولذلك لا أفتي بها حتى الآن ولكن أحببت أن أطرحها أمام الفقهاء المعاصرين لينظروا فيها ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. والله أعلم.
стр. 196
ربط الأجور بقائمة الأسعار:
أما ربط الأجور بقائمة الأسعار فيختلف حكمه عن ربط الديون ما لم تصر الأجرة دينا، فإن صارت دينا فحكمها ربط الديون، وتفصيل ذلك أن ربط الأجور بقائمة الأسعار يمكن بثلاثة طرق:
١- أن يقع تعيين الأجور والمرتبات بالنقود عددا، ويتعاهد العاقدان، أن هذه الأجور تتزايد كل سنة بنسبة الزيادة في قائمة الأسعار. مثاله: أن الحكومة عينت موظفا على راتب ثلاثة آلاف ربية شهريا، وتعاهدت أن هذا المرتب يزداد عند ابتداء السنة الآتية بنسبة الزيادة في قائمة الأسعار، فإن هذا الموظف لا يزال يستلم ثلاثة آلاف ربية كل شهر، إلى أن تنتهي السنة، ولا ينظر إلى قائمة الأسعار أثناء السنة. فإذا جاءت السنة الجديدة وكانت نسبة الزيادة في قائمة الأسعار خمسا في المائة، فإن مرتب الموظف سيزداد بهذه النسبة، فيصير راتبه ثلاثة آلاف ومائة وخمسين.
إن هذا الطريق يعمل به في كثير من البلاد، ومنها باكستان. وإن مثل هذا الربط لا مانع منه شرعا، لأن حاصله اتفاق الفريقين على تزايد الأجور والمرتبات كل سنة أو كل ستة أشهر بنسبة معينة وإن هذه النسبة، وإن لم تكن معلومة عند العقد، غير أن عيارها الذي تتعين النسبة على أساسه معلوم، فانتفت شبهة الجهالة في قدر الزيادة أو يقال: إن عقد الإجارة يتجدد كل سنة بأجرة متزايدة بنسبة الزيادة في الأسعار. وليس في ذلك أي مانع شرعي.
٢- والطريق الثاني لربط الأجور بالأسعار: أن يقع تعيين الأجر على أساس مبلغ معلوم من النقود، ولكن يشترط في العقد أن هذا المبلغ المعلوم ليس هو المرتب الواجب في الذمة، وإنما الواجب في الذمة ما يساوي هذا المبلغ عند انتهاء كل شهر حسب قائمة الأسعار.
ومثاله: أن زيدا استأجر عمرا لشهر، وقرر أنه سيؤديه ما يساوي
стр. 197
قيمة ألف ربية موجودة عند نهاية الشهر نظرا إلى قائمة الأسعار، وقد ازدادت قائمة الأسعار خلال هذا الشهر بقدر اثنين في المائة مثلا، فيؤديه في آخر الشهر ألفا وعشرين ربية، لأنها تعادل قيمة ألف ربية في بداية الشهر، ولكن إذا تقرر في نهاية الشهر أن الراتب ألف وعشرون ربية مثلا، فإنها تبقى ألفا وعشرين إلى الأبد. فلو لم يستطيع المؤجر أداءها عند نهاية الشهر، حتى مضى على ذلك شهر آخر، أو سنة أخرى، فإن الواجب في الذمة ألف وعشرون لا غير، ولا يتغير قدرها بتغير قائمة الأسعار بعد ذلك، فلو ازدادت القائمة في هذه المدة بقدر العشرة في المائة مثلا، فلا يستطيع الأجير أن يطالب المؤجر بزيادة العشرة في المائة على الألف والعشرين. لأن الراتب المتفق عليه عند بداية العقد هو ما يعادل الألف عند نهاية الشهر الأول، وكان الرجوع إلى قائمة الأسعار لمجرد تعيين ذلك، فإذا تعينت الأجرة على أساسها مرة، انتهت وظيفة قائمة الأسعار، وصارت الأجرة المعينة دينا على المؤجر، فلا يزيد هذا الدين ولا ينقص، مهما وقعت التغيرات في القائمة.
وحكمه الشرعي، فيما أرى، أنه يجوز أيضا، بشرط أن تكون قائمة الأسعار وطريق حسابها معلوما لدى الفريقين علما لا يفضي إلى النزاع. لأن الفريقين قد اتفقا منذ بداية العقد على أن الأجرة ليست ألف ربية، وإنما الواجب ما يعادلها من الروبيات عند انتهاء الشهر حسب قائمة الأسعار، وهي معلومة منضبطة بطريق حسابي معلوم لدى الفريقين، فلا تفضي جهالة قدر الأجرة إلى المنازعة، فصارت كما إذا استأجر رجل أجيرا على ربيات تعادل عشرة جرامات من الذهب في اليوم الأخير من الشهر، فإذا تقرر في اليوم الأخير من الشهر أن ألفي ربية تعادل عشرة جرامات من الذهب اليوم ظهر أن الأجرة ألفا ربية، ولا تزيد بعد ذلك ولا تنقص، سواء انتقصت قيمة الذهب بعد ذلك أو ازدادت.
٤ - والطريق الثالث لربط الأجور بالأسعار أن يقع تعيين الأجرة بمبلغ معلوم من النقود، ويشترط العاقدان أن هذا المبلغ هو الواجب في
стр. 198
الذمة، وعليه انعقد الإجارة، ولكن يجب على المؤجر عند أداء الأجرة أن يزيد في هذا المبلغ بنسبة الزيادة في قائمة الأسعار يوم الأداء.
ومثاله: رجل استأجر أجيرا على ألف ربية، وتقرر بينهما أن الأجرة ألف ربية، ولكن يجب على المؤجر كلما أدى هذه الألف ربية أن يضيف إليها نسبة الزيادة في قائمة الأسعار يوم الأداء، فإن أدى آخر الشهر ونسبة الزيادة يومئذ اثنان في مائة، فإنه يضيف إلى الآلف عشرين، وإن أداها بعد سنة ونسبة الزيادة يومئذ عشرة في المائة، فإنه يضيف إلى الألف مائة، وهكذا.
وحكمة الشرعي، فيما أرى، حكم ربط الديون بالأسعار وهو أنه لا يجوز شرعا كما مر تفصيلا ولله الحمد.
والفرق بين هذه الصورة والصورة الثانية أن قائمة الأسعار إنما استخدمت في الصورة الثانية لتعيين الأجرة المتفق عليها، فإذا تعينت الأجرة على أساسها، انتهت وظيفة القائمة، وصارت الأجرة المعينة هي الواجبة في الذمة إلى الأبد.
وأما في هذه الصورة الثالثة، فالأجرة المقررة هي الألف ربية، فصارت الألف ربية دينا على المؤجر، وإن هذا الدين قد ارتبط بقائمة الأسعار، فحكمه حكم ربط الدين بالأسعار.
ولا نستطيع هنا أن نقول: إن قائمة الأسعار، تؤدي دورها في تعيين الأجرة، لأن الأجرة يجب أن تكون معلومة عند العقد، أو في ثاني الحال، بحيث لا تقبل الزيادة والنقصان بعد ذلك.
فإذا تعلقت الأجرة بشيء آخر إلى الأبد، بحيث تزيد بزيادته وتنقص بنقصانه، فإن ذلك أجرة مجهولة متراوحة لا تستقر على قدر معلوم، وإن هذه الجهالة تفسد عقد الإجارة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
* * *
стр. 199
..
стр. 200
(٦)
أجوبة عن استفسارات البنك الإسلامي للتنمية بجدة
بحث عرض على مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره
الثاني بجدة في المملكة العربية السعودية من (١٠) إلى (١٦) ربيع الثاني
(١٤٠٦) الموافق من (٢٢) إلى (٢٨) ديسمبر عام (١٩٨٥) م.
стр. 201
..
стр. 202
أجوبة عن استفسارات البنك الإسلامي للتنمية بجدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يسر البنك الإسلامي للتنمية أن يضع أمام المجمع الفقهي الإسلامي الموقر بعض الاستفسارات برجاء أن تكون موضع عناية أصحاب السماحة والفضيلة أعضاء المجمع، وهي تتعلق بما يلي:
أولا: عمليات القروض التي يقدمها البنك الإسلامي للتنمية لمشروعات البنية الأساسية في الدول الأعضاء بالبنك وبدون فوائد، والمبلغ المقطوع الذي يتقاضاه البنك مقابل خدماته لتغطية مصاريفه الإدارية.
والقروض التي يقدمها البنك الإسلامي للتنمية للدول الأعضاء لتمويل مشروعات البنية الأساسية هي قروض طويلة الأجل إذ تتراوح مدة الوفاء بين خمسة عشر وثلاثين عاما. والتزاما بأحكام الشريعة الإسلامية فإن البنك لا يتقاضي فوائد على تلك القروض، غير أنه بناء على ما نصت عليه اتفاقية تأسيسه يتقاضى البنك رسم خدمة لتغطية نفقاته الإدارية.
وقد رأى البنك أن يتم تحديد رسم الخدمة في ضوء التكلفة الإدارية الفعلية التي سوف يتحملها البنك في تقويم المشروعات التي يمولها، وأيضا تكلفة متابعة تنفيذها، ولما كان من الصعوبة بمكان تحديد وضبط التكلفة الإدارية الفعلية التي يتحملها البنك في كل مشروع من المشروعات التي يمولها على حدة لذا فإن البنك لحد الآن وإلى أن يصبح من الممكن عمليا تحديد التكلفة الإدارية التي يتحملها كل مشروع على
стр. 203
حدة على وجه الدقة يكتفي بإجراء تقدير تقريبي لتكاليف الخدمة الإدارية والتي رأي أنها تتراوح بين ٢.٥ و٣ في المائة حسب حالة المشروع وظروفه، وبناء على ذلك فإن البنك - في حدود النسبة التقريبية المذكورة - يتقاضى مبلغا مقطوعا يلتزم المقترض بالوفاء به لتغطية هذه التكاليف الإدارية.
ثانيا: عمليات الإيجار التي يقوم بها البنك الإسلامي للتنمية لتمويل شراء ثم إيجار وسائط النقل مثل ناقلات البترول، والبواخر، أو لتمويل شراء ثم إيجار معدات وأجهزة لمشروعات صناعية لصالح الدول الأعضاء.
وطبقا للأسلوب المعمول به في البنك يتم الإيجار على الأسس التالية:
(أ) بعد التحقق من الجدوى الفنية والمالية للمشروع الذي ينظر البنك في المساهمة في تمويله عن طريق الإيجار يبرم البنك اتفاقية مع الجهة القائمة على المشروع (المستأجر) ويفوض البنك بموجبها إلى تلك الجهة التعاقد باسمه مع الموردين على شراء المعدات المطلوبة (والتي يتم تعيينها وتحديد تكلفتها التقديرية في الاتفاقية) ويقوم البنك وفقا لما يتم إبرامه من عقود مع الموردين بدفع قيمة المعدات مباشرة للموردين في الآجال التي تحددها تلك العقود.
(ب) تقوم الجهة المستفيدة (المستأجر) نيابة عن البنك باستلام المعدات وفحصها للتأكد من سلامتها ومطابقتها للمواصفات المتعاقد عليها ثم تقوم بالإشراف على تركيبها - متى كان التركيب لازما-للتأكد من أن ذلك يتم بطريقة سليمة حسبما تم التعاقد عليه مع الموردين.
(ج) بناء على المعلومات المتوافرة لدى الجهة القائمة على المشروع وتقديرات الفنيين بها وبالبنك تحدد الاتفاقية الفترة الزمنية
стр. 204
اللازمة لتنفيذ عملية شراء المعدات وتركيبها حتى تصبح صالحة لاستيفاء المنفعة المقصودة منها. وبناء على ذلك تنص الاتفاقية على موعد بدء الإجارة بحيث يقع ذلك بعد انتهاء الفترة المقدرة لكي تصبح المعدات محل الإيجار صالحة لاستيفاء المنفعة المقصودة منها.
(د) أثناء مدة الإجارة يقوم المستأجر بدفع الأقساط المحددة في عقد الإجارة (أي الاتفاقية الخاصة بالإيجار) كما يلتزم بصيانة المعدات والحفاظ عليها والتأمين عليها لصالح البنك.
(هـ) يلتزم البنك بموجب هذه الاتفاقية بأن يبيع المعدات للمستأجر بثمن رمزي متى انتهت المدة ودفع المستأجر كل الأقساط المتفق عليها وتم وفاؤه بجميع التزاماته الأخرى بموجب الاتفاقية.
ثالثا: عمليات البيع لأجل التي يقوم بها البنك لشراء وبيع معدات وأجهزة لمشروعات صناعية لصالح الدول الأعضاء بالإضافة إلى عمليات الإيجار بدأ البنك مؤخرا في استعمال أسلوب البيع لأجل كوسيلة إضافية لتمويل شراء ثم بيع المعدات والأجهزة التي تحتاجها المشروعات الصناعية في الدول الأعضاء حيث يقوم البنك بتوكيل الجهة الراغبة في هذه المعدات والأجهزة بالتعاقد بشرائها باسمه ونيابة عنه ويقوم البنك بدفع ثمنها مباشرة للمورد، ويتم الاتفاق مع المورد بأن يتم شحنها مباشرة للجهة الراغبة في شرائها في الدولة العضو المعنية، وبعد أن تقوم تلك الجهة باستلامها بصفتها وكيلا عن البنك، يقوم البنك ببيع المعدات لها بثمن يزيد عن ثمن شرائها، على أن يتم دفع هذا الثمن على أقساط في مدة تتراوح بين ثلاث وعشر سنوات.
رابعا: عمليات تمويل التجارة الخارجية بين الدول الأعضاء التي يقوم بها البنك الإسلامي للتنمية مستخدما أسلوب بيع المرابحة - مع الأجل والتقسيط - وذلك لتوفير المواد الوسيطة لاحتياجات الدول الأعضاء.
стр. 205
والأصل في عمليات التجارة الخارجية أن تطلب إحدى الدول الأعضاء بالبنك شراء سلعة ذات صبغة تنموية فيقوم البنك الإسلامي للتنمية بشرائها بعد دراسة الطلب والموافقة عليه ثم يبيعها لها، ويقوم البنك لتحقيق ذلك بإبرام اتفاقية يكون أطرافها بالإضافة إلى البنك الجهة المستفيدة في الدولة المعنية وجهة أخرى في تلك الدولة يعينها البنك بموجب الاتفاقية وكيلا عنه في شراء السلعة المطلوبة ثم بيعها بعد استلامها للجهة المستفيدة بالثمن الذي حدده البنك وهو ثمن الشراء الذي دفعه البنك للموردين وفقا للعقود التي أبرمها الوكيل نيابة عنه مع زيادة ربح يقرره البنك، ويغلب في اتفاقيات التجارة الخارجية أن يكون الوكيل الذي يعينه البنك كفيلا أيضا بأداء ثمن إعادة البيع المستحق على المستفيد.
خامسا: النظر في تقرير اجتماع بعض علماء الشريعة والخبراء في المصارف، هذا الاجتماع الذي انعقد في مقر البنك الإسلامي للتنمية بجدة وبدعوة منه في العاشر من ربيع الأول عام ١٣٩٩ هـ، وكان الغرض من الاجتماع النظر في حكم الشرعية في الفوائد المتجمعة من إيداع البنك الإسلامي للتنمية أمواله في المصارف العالمية بالدول الأجنبية (مرفق صورة من التقرير) .
وفي ضوء التوصيات الواردة في تقرير العلماء الأفاضل قرر مجلس محافظي البنك تخصيص خمسين في المائة٥٠ % للاحتياطي الخاص وذلك من مجموع المبالغ المتحصلة من ودائع البنك لدى المصارف العاملة في الأسواق الدولية والاحتياطي الخاص المشار إليه مخصص لمواجهة ما قد يطرأ على انخفاض قيمة أرصدة البنك نتيجة لتذبذب العملات المودعة بها تلك الأرصدة من العملات، كما قرر المجلس أن تخصص الخمسون في المئة الأخرى لأغراض المعونة الخاصة.
стр. 206
وبناء على قرار مجلس المحافظين صارت هذه المعونة تقدم لأغراض هي:
(أ) التدريب والبحوث التي تهدف إلى مساعدة وإرشاد الدول الأعضاء في تعديل مسار نشاطها الاقتصادي والمالي والمصرفي بما يتواءم وأحكام الشريعة الإسلامية، ولتحقيق ذلك تم إنشاء المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بجدة منذ عام ١٤٠١ هـ (١٩٨١ م) وهو الآن يقوم بأداء رسالته في مجالي البحوث والتدريب.
(ب) توفير وسائل الإغاثة في شكل السلع والخدمات المناسبة لتقدم للدول الأعضاء والمجتمعات الإسلامية في حالة التعرض للكوارث الطبيعية أو المحن.
(ج) توفير المساعدات المالية للدول الأعضاء من أجل دعم وتأييد القضايا الإسلامية.
(د) تقديم المساعدة الفنية للدول الأعضاء.
стр. 207
..
стр. 208
الأجوبَة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعد:
فهذه أجوبة عن استفسارات فقهية قدمها البنك الإسلامي للتنمية بجدة, إلى مجمع الفقه الإسلامي.
١- تكليف المستقرضين بأداء رسم الخدمة:
لا مانع من أن يطالب البنك مستقرضية بأداء مبلغ مقابل التكلفات الإدارية التي تحملها في تقويم المشروعات, ومتابعة تنفيذها, ما دام ذاك المبلغ لا يجاوز التكلفات الفعلية الواقعة في ذلك المشروع خاصة.
فإن كان من الممكن تحديد هذه التكلفات بدقة, فهو الأنسب والأوفق بأحكام الشريعة فإنه لا غبار على جوازه.
وإن لم يكن تحديد التكلفات الفعلية بالنسبة إلى كل مشروع خاصة, فمن الجائز أيضا أن يطالبهم البنك لا بالتكاليف الواقعية فحسب، بل بعمولة الإجراءات الإدارية التي يقوم بها البنك قبل دفع القرض أو بعده, ما دامت هذه العمولة لا تجاوز أجر المثل على مثل هذه الأعمال, فإن الذي لا يجوز مطالبة الربح أو الأجر عليه، هو عمل القرض بنفسه, أما الأعمال الإدارية بالنسبة لذلك القرض, فلا يجب شرعا أن تكون مجانية.
وحينئذ يسع للبنك أن يطالب المستقرضين بنسبة مئوية من قيمة القرض تغطي التكاليف وعمولة الإجراءات الإدارية, ما دامت هذه النسبة
стр. 209
المئوية تمثل أجرة المثل على تلك الأعمال الإدارية حقيقة, ولا تتخذ حيلة لكسب الفوائد على القروض نفسها.
ونظير ذلك ما ذكره الفقهاء أن القاضي والمفتي لا يسع لهما مطالبة الأجر من الخصم, أو المستفتي, ولكن يجوز لهما أن يطالباه بأجرة كتابة الفتوى, أوكتابة الوثائق, والمحاضر والسجلات, مادامت هذه الأجرة لا تجاوز أجر المثل على مثل هذه الأعمال, ولا تتخذ حيلة لإكتساب الأجرة على الإفتاء والقضاء نفسهما.
وربما يستشكل تقدير العمولة بالنسبة المئوية, بأن الأعمال الإدارية لا تزيد ولا تنقص بزيادة مبالغ القروض ونقصانها, فينبغي أن تكون عمولتها مساوية لكل مستقرض, سواء كان مبلغ قرضه قليلا, أو كثيرا.
ولكن الجواب عن هذا الإشكال أن أجر المثل لا يبتنى دائما على قدر المشقة التي يتحملها العامل, أو الأجير, بل ربما يلاحظ فيه قيمة العمل المعنوية, والنفع الذي يرجع إلى المستأجر وحينئذ تزداد الأجرة في عمل قليل المشقة, وتنقص في عمل كثير المؤنة.
وجاء في الدر المختار للحصفكي:
(يستحق القاضي الأجر على كتب الوثائق, والمحاضر, والسجلات قدر ما يجوز لغيره كالمفتي ,فإنه يستحق أجر المثل على كتابة الفتوى, لأن الواجب عليه الجواب باللسان دون الكتابة بالبنان, ومع هذا الكف أولى احترازا عن القيل والقال, وصيانة لماء الوجه عن الإبتذال) (١) .
ويقول العلامة ابن عابدين تحته في كتاب جامع الفصولين:
(للقاضي أن يأخذ ما يجوز لغيره، وما قيل في كل ألف خمسة دراهم, لا نقول به, ولا يليق
стр. 210
ذلك بالفقه. وأي مشقة للكاتب في كثرة الثمن؟ وإنما أجر مثله بقدر مشقته أو بقدر عمله في صنعته أيضا ,كحكاك وثقاب يستأجر بأجر كثير في مشقة قليلة اهـ.
قال بعض الفضلاء: أفهم ذلك جواز أخذ الأجرة الزائدة وإن كان العمل مشقته قليلة ونظرهم لمنفعة المكتوب له اهـ.
قلت: ولا يخرج ذلك عن أجرة مثله، فإن من تفرغ لهذا العمل كثقاب اللآلئ مثلا لا يأخذ الأجر على قدر مشقته فإنه لا يقوم بمؤنته، ولو ألزمناه ذلك لزم ضياع هذه الصنعة فكان ذلك أجر مثله) (١) .
ومن المعلوم أن كثيرا من الفقهاء أجازوا تحديد أجرة السمسار بالنسبة المئوية من ثمن المبيع
يقول العلامة بدر الدين العيني ﵀ في شرح صحيح البخاري:
(وهذا الباب فيه اختلاف للعلماء, فقال مالك يجوز أن يستأجره على بيع سلعته, إذا بين لذلك أجلا قال وكذلك إذا قال له بع هذا الثوب ولك درهم أنه جائز وإن لم يوقت له ثمنا وكذلك إن جعل له في كل مائة دينار شيئا وهو جعل وقال أحمد لا بأس أن يعطيه من الألف شيئا معلوما وذكر ابن المنذر عن حماد والثوري أنهما كرها أجره وقال أبو حنيفة إن دفع له ألف درهم يشتري بها بزا بأجر عشر دراهم فهو فاسد وكذلك لو قال اشتر مائة ثوب فهو فاسد فإن اشترى فله أجر مثله ولا يجاوز ما مضى من الأجر) (٢)
стр. 211
ويقول العلامة ابن قدامة ﵀:
(ويجوز أن يستأجر سمسارا يشتري له ثيابا ورخص في ابن سيرين وعطاء والنخعي وكرهه الثوري وحماد.
ولنا أنها منفعة مباحة تجوز النيابة فيها فجاز الاستئجار عليها كالبناء ويجوز على مدة معلومة مثل أن يستأجره عشرة أيام يشتري له فيها لأن المدة معلومة والعمل معلوم أشبه الخياط والقصار فإن عين العمل دون الزمان فجعل له من كل ألف درهم شيئا معلوما صح أيضا) (١)
فتبين أن الإمام مالكا وأحمدا رحمهما الله يجيزان تحديد أجرة السمسار بالنسبة المئوية والذي ذكره العيني ﵀ من مذهب أبي حنيفة قد أفتى المتأخرون من الحنيفة بخلافه يقول ابن عابدين ﵀:
(وفي الدلال والسمسار يجب أجر المثل، وما تواضعوا عليه أن في كل عشرة دنانير كذا فذاك حرام عليهم. وفي الحاوي: سئل محمد بن سلمة عن أجرة السمسار، فقال: أرجو أنه لا بأس به وإن كان في الأصل فاسدا لكثرة التعامل وكثير من هذا غير جائز، فجوزوه حاجة الناس إليه كدخول الحمام) (٢)
وبجواز تحديد أجرة السمسرة بالنسبة المئوية أفتى كثير من متأخري الحنفية مثل مولانا الفقيه الورع الشيخ أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالى الذي كان يعتبر من مقدمة الفقهاء الحنيفة في الهند (٣)
ولا يخفى أن المؤونة والمشقة في السمسرة ربما لا تختلف
стр. 212
بإختلاف الأثمان ومع ذلك جاز بناء أجرة السمسرة على النسبة المئوية عند هؤلاء الفقهاء, فيقاس عليه أجرة الأعمال الإدارية في مسألتنا لعدم الفارق بينهما.
ولكن هذه النسبة المئوية لا بد أن تكون ضئيلة لا يرتاب في كونها رسم الخدمة ولا يجوز أن تتعدى أجرة مثل هذه الأعمال في حال من الأحوال وإلا صارت منفعة مجلوبة بالقرض وحراما دون أي تردد.
وبما أن تحديد هذه النسبة المئوية التي لا تجاوز أجر المثل يخاف فيه التعدي بما يمكن أن يتدرج إلى الاحتيال لأخذ الربا فالمناسب أن يحددها البنك في إطار مجموع التكاليف الفعلية الواقعة على مجموع القروض وذلك بأن تحدد مجموع التكاليف الفعلية التي تحملها البنك على مجموع القروض في سنة واحدة ثم توزعه على مجموع المبالغ التي أقرضها في تلك السنة وتحصل من ذلك نسبة التكاليف على كل مئة من مبالغ القرض وتجعل هذه النسبة المئوية مقابل الخدمات الإدارية يتقاضاها البنك من المستقرضين كرسم الخدمة دون أن تدخل في تفاصيل التكاليف الفعلية التي تحملها بالنسبة لكل مشروع على حده.
والله أعلم.
٢-عمليات الإيجار:
يمكن إحداث عمليات الإيجار بطريقتين
الطريقة الأولى: أن يشتري البنك المعدات والأجهزة بنفسه، ويقبضها كمالك لها ثم يؤجرها عملاءه لمدة معلومة بأجر معلوم وبعد انتهاء مدة الإجارة تعود المعدات والأجهزة إلى قبض البنك ويكون للفريقين الخيار سواء جددوا حينئذ عقد الإجارة مرة أخرى أو يعقدوا بينهما البيع بالثمن الذي سوف يحدد في ذلك الوقت أو يؤجرها البنك عميلا آخر أو يبيعها, إن هذه الطريقة جائزة في الشريعة الإسلامية لا غبار على جوازها.
стр. 213
والطريق الثاني: هو المذكور في السؤال وهو أن يؤجر البنك معدات ليست في ملكه وقت
التعاقد فيشتريها العميل من الموردين باسم البنك ويجعله وكيلا له في قبضها واستلامها والقيام بالإشراف على تركيبها ثم يعتبرها مؤجرة للعميل منذ تاريخ معين يقدر البنك أن عملية التركيب والشراء تتم به ويتقاضى العميل بأجرة معينة منذ ذالك التاريخ إلى نهاية مدة الإجازة المنصوص في التعاقد حتى إذا انتهت مدة الإجارة واستوفى البنك واستوفى البنك كل ما يجب له على العميل (المستأجر) تعتبر المعدات مبيعة بيد نفس المستأجر منذ ذلك التاريخ بثمن رمزي. وإن هذا الطريق فيه عدة ملاحظات من الناحية الفقهية:
أ- أن البنك يؤجر مالا يملكه وقت عقد الإجارة فضلا أن يكون مقبوضا له وإجارة مالا يملكه الإنسان باطلة وكذلك إجارة ما لم يقبضه (١) لأنه من قبيل ربح ما لم يضمن وهو منهى عنه بنص الحديث. وحل هذه المشكلة أن لا تعتبر إجارة منعقدة عند إبرام الإتفاقية وإنما تكون الإتفاقية وعدا محضا لعقد الإجارة ثم تعقد الإجارة عندما يستلم العميل المعدات المطلوبة من الموردين ويركبها فعلا كوكيل من قبل البنك فإذا تمت هذه العملية أنشأ عقد الإجارة مع البنك في ذلك التاريخ عن طريق المراسلة أو المشافهة وقبل أن يتم عقد الإجارة
стр. 214
تعتبر المعدات في ضمان البنك حيث إن هلكت فهلكت من ماله ويكون قبض العميل عليها قبض أمانة بحيث لا يضمنها إلا بالتعدي في حفظها وبالإشراف عليها.
ب-إن الآفات الطارئة على الشيء المؤجر لست مضمونة بالنسبة للمستأجر ما لم يرتكب تعديا في حفظها وصيانتها فالظاهر أن تأمين المعدات ضد الحوادث الطارئة خلال مدة الإجارة لا يجب على المستأجر فالمناسب إذا كان التأمين لا بد منه أن يقوم البنك نفسه يفضل كونه مالكا للمعدات إذا كان التأمين تعاونيا أما إذا كان تأمينا يتضمن الغرر أو الربا أو القمار فإنه لا يجوز شرعا.
ج _ إن العقد المذكور في السؤال يصرح بأن المعدات المؤجرة سوف تباع من المستأجر بعد انتهاء مدة الإجارة بثمن رمزي وإن التخريج الفقهي لهذا الوضع يمكن بطريقتين:
١. أنه بيع للمعدات معلق بانتهاء الإجارة فإن البيع مشروط بانتهاء مدة الإجارة وفراغ ذمة المستأجر من كل ما يجب عليه وإن هذا الوضع لا يصح شرعا لأن البيع من العقود التي لا تقابل التعليق ولا تصح إضافتها إلى زمان مستقبل (١)
٢. أن يعتبر ذلك وعدا للبيع مشروطا في الإجارة وإنه شر ط لا يقتضيه العقد وإن مثل هذه الشروط تفسد الإجارة عند الحنفية والشافعية وأما المالكية والحنابلة فلا يفسد العقد عندهم بكثير من
стр. 215
الشروط التي لا يقتضيها العقد والظاهر أن شرط البيع في الإجارة يجوز عند هم في صفة واحدة, جاء في شرح الخرشي على مختصر خليل: (أن الإجارة إذا وقعت مع الجعل في صفقة واحدة فإنها تكون فاسدة لتنافر الأحكام بينهما؛ لأن الإجارة لا يجوز فيها الغرر وتلزم بالعقد ويجوز فيها الأجل ولا يجوز شيء من ذلك في الجعل؛ إذ لا يلزم بالعقد ولا يجوز فيه ضرب الأجل، وكذلك لا يجوز اجتماع بيع الأعيان مع الجعل في صفقة واحدة للعلة المذكورة بخلاف اجتماع الإجارة مع البيع في صفقة واحدة فيجوز سواء كانت الإجارة في نفس المبيع كما لو باع له جلودا على أن يخرزها البائع للمشتري نعالا أو كانت الإجارة في غير المبيع كما لو باع له ثوبا بدراهم معلومة على أن ينسج له ثوبا آخر) (١)
ولكن هذا إذا كان البيع حالا واشترط معه الإجارة الحالة في نفس المبيع أو في غيره ومسألتنا على العكس من ذلك فإن الحالة فيه الإجارة واشترط معها المبيع الذي سوف ينعقد بعد انتهاء مدة الإجارة ولم أجد حكم ذلك صريحا في كتب المالكية غير أن المفهوم من كتبهم أن الأصل في الشرط عندهم الإباحة ولا يكون الشرط مفسدا إلا في إحدى الحالتين: إما أن يكون الشرط مناقضا للعقد مثل أن يبيع شيئا بشرط أن لا يتصرف فيه أو يؤجر شيئا بشرط أن لا ينتفع به وإما أن يكون الشرط يخل بالثمن بأن يزيده أو ينقصه إلى قدر غير معلوم (٢)
والظاهر أن اشتراط بيع المؤجر في الإجارة عند انتهاء مدتها لا يدخل في شيء من هاتين الحالتين فينبغي أن يكون جائزا عندهم والله سبحانه أعلم.