← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1532

بحوث في قضايا فقهية معاصرة

محمد تقي العثماني

Полный текст (454 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ويقول العلامة ابن قدامة ﵀: (ويجوز أن يستأجر سمسارا يشتري له ثيابا ورخص في ابن سيرين وعطاء والنخعي وكرهه الثوري وحماد. ولنا أنها منفعة مباحة تجوز النيابة فيها فجاز الاستئجار عليها كالبناء ويجوز على مدة معلومة مثل أن يستأجره عشرة أيام يشتري له فيها لأن المدة معلومة والعمل معلوم أشبه الخياط والقصار فإن عين العمل دون الزمان فجعل له من كل ألف درهم شيئا معلوما صح أيضا) (١) فتبين أن الإمام مالكا وأحمدا رحمهما الله يجيزان تحديد أجرة السمسار بالنسبة المئوية والذي ذكره العيني ﵀ من مذهب أبي حنيفة قد أفتى المتأخرون من الحنيفة بخلافه يقول ابن عابدين ﵀: (وفي الدلال والسمسار يجب أجر المثل، وما تواضعوا عليه أن في كل عشرة دنانير كذا فذاك حرام عليهم. وفي الحاوي: سئل محمد بن سلمة عن أجرة السمسار، فقال: أرجو أنه لا بأس به وإن كان في الأصل فاسدا لكثرة التعامل وكثير من هذا غير جائز، فجوزوه حاجة الناس إليه كدخول الحمام) (٢) وبجواز تحديد أجرة السمسرة بالنسبة المئوية أفتى كثير من متأخري الحنفية مثل مولانا الفقيه الورع الشيخ أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالى الذي كان يعتبر من مقدمة الفقهاء الحنيفة في الهند (٣) ولا يخفى أن المؤونة والمشقة في السمسرة ربما لا تختلف

стр. 212

بإختلاف الأثمان ومع ذلك جاز بناء أجرة السمسرة على النسبة المئوية عند هؤلاء الفقهاء, فيقاس عليه أجرة الأعمال الإدارية في مسألتنا لعدم الفارق بينهما. ولكن هذه النسبة المئوية لا بد أن تكون ضئيلة لا يرتاب في كونها رسم الخدمة ولا يجوز أن تتعدى أجرة مثل هذه الأعمال في حال من الأحوال وإلا صارت منفعة مجلوبة بالقرض وحراما دون أي تردد. وبما أن تحديد هذه النسبة المئوية التي لا تجاوز أجر المثل يخاف فيه التعدي بما يمكن أن يتدرج إلى الاحتيال لأخذ الربا فالمناسب أن يحددها البنك في إطار مجموع التكاليف الفعلية الواقعة على مجموع القروض وذلك بأن تحدد مجموع التكاليف الفعلية التي تحملها البنك على مجموع القروض في سنة واحدة ثم توزعه على مجموع المبالغ التي أقرضها في تلك السنة وتحصل من ذلك نسبة التكاليف على كل مئة من مبالغ القرض وتجعل هذه النسبة المئوية مقابل الخدمات الإدارية يتقاضاها البنك من المستقرضين كرسم الخدمة دون أن تدخل في تفاصيل التكاليف الفعلية التي تحملها بالنسبة لكل مشروع على حده. والله أعلم. ٢-عمليات الإيجار: يمكن إحداث عمليات الإيجار بطريقتين الطريقة الأولى: أن يشتري البنك المعدات والأجهزة بنفسه، ويقبضها كمالك لها ثم يؤجرها عملاءه لمدة معلومة بأجر معلوم وبعد انتهاء مدة الإجارة تعود المعدات والأجهزة إلى قبض البنك ويكون للفريقين الخيار سواء جددوا حينئذ عقد الإجارة مرة أخرى أو يعقدوا بينهما البيع بالثمن الذي سوف يحدد في ذلك الوقت أو يؤجرها البنك عميلا آخر أو يبيعها, إن هذه الطريقة جائزة في الشريعة الإسلامية لا غبار على جوازها.

стр. 213

والطريق الثاني: هو المذكور في السؤال وهو أن يؤجر البنك معدات ليست في ملكه وقت التعاقد فيشتريها العميل من الموردين باسم البنك ويجعله وكيلا له في قبضها واستلامها والقيام بالإشراف على تركيبها ثم يعتبرها مؤجرة للعميل منذ تاريخ معين يقدر البنك أن عملية التركيب والشراء تتم به ويتقاضى العميل بأجرة معينة منذ ذالك التاريخ إلى نهاية مدة الإجازة المنصوص في التعاقد حتى إذا انتهت مدة الإجارة واستوفى البنك واستوفى البنك كل ما يجب له على العميل (المستأجر) تعتبر المعدات مبيعة بيد نفس المستأجر منذ ذلك التاريخ بثمن رمزي. وإن هذا الطريق فيه عدة ملاحظات من الناحية الفقهية: أ- أن البنك يؤجر مالا يملكه وقت عقد الإجارة فضلا أن يكون مقبوضا له وإجارة مالا يملكه الإنسان باطلة وكذلك إجارة ما لم يقبضه (١) لأنه من قبيل ربح ما لم يضمن وهو منهى عنه بنص الحديث. وحل هذه المشكلة أن لا تعتبر إجارة منعقدة عند إبرام الإتفاقية وإنما تكون الإتفاقية وعدا محضا لعقد الإجارة ثم تعقد الإجارة عندما يستلم العميل المعدات المطلوبة من الموردين ويركبها فعلا كوكيل من قبل البنك فإذا تمت هذه العملية أنشأ عقد الإجارة مع البنك في ذلك التاريخ عن طريق المراسلة أو المشافهة وقبل أن يتم عقد الإجارة

стр. 214

تعتبر المعدات في ضمان البنك حيث إن هلكت فهلكت من ماله ويكون قبض العميل عليها قبض أمانة بحيث لا يضمنها إلا بالتعدي في حفظها وبالإشراف عليها. ب-إن الآفات الطارئة على الشيء المؤجر لست مضمونة بالنسبة للمستأجر ما لم يرتكب تعديا في حفظها وصيانتها فالظاهر أن تأمين المعدات ضد الحوادث الطارئة خلال مدة الإجارة لا يجب على المستأجر فالمناسب إذا كان التأمين لا بد منه أن يقوم البنك نفسه يفضل كونه مالكا للمعدات إذا كان التأمين تعاونيا أما إذا كان تأمينا يتضمن الغرر أو الربا أو القمار فإنه لا يجوز شرعا. ج _ إن العقد المذكور في السؤال يصرح بأن المعدات المؤجرة سوف تباع من المستأجر بعد انتهاء مدة الإجارة بثمن رمزي وإن التخريج الفقهي لهذا الوضع يمكن بطريقتين: ١. أنه بيع للمعدات معلق بانتهاء الإجارة فإن البيع مشروط بانتهاء مدة الإجارة وفراغ ذمة المستأجر من كل ما يجب عليه وإن هذا الوضع لا يصح شرعا لأن البيع من العقود التي لا تقابل التعليق ولا تصح إضافتها إلى زمان مستقبل (١) ٢. أن يعتبر ذلك وعدا للبيع مشروطا في الإجارة وإنه شر ط لا يقتضيه العقد وإن مثل هذه الشروط تفسد الإجارة عند الحنفية والشافعية وأما المالكية والحنابلة فلا يفسد العقد عندهم بكثير من

стр. 215

الشروط التي لا يقتضيها العقد والظاهر أن شرط البيع في الإجارة يجوز عند هم في صفة واحدة, جاء في شرح الخرشي على مختصر خليل: (أن الإجارة إذا وقعت مع الجعل في صفقة واحدة فإنها تكون فاسدة لتنافر الأحكام بينهما؛ لأن الإجارة لا يجوز فيها الغرر وتلزم بالعقد ويجوز فيها الأجل ولا يجوز شيء من ذلك في الجعل؛ إذ لا يلزم بالعقد ولا يجوز فيه ضرب الأجل، وكذلك لا يجوز اجتماع بيع الأعيان مع الجعل في صفقة واحدة للعلة المذكورة بخلاف اجتماع الإجارة مع البيع في صفقة واحدة فيجوز سواء كانت الإجارة في نفس المبيع كما لو باع له جلودا على أن يخرزها البائع للمشتري نعالا أو كانت الإجارة في غير المبيع كما لو باع له ثوبا بدراهم معلومة على أن ينسج له ثوبا آخر) (١) ولكن هذا إذا كان البيع حالا واشترط معه الإجارة الحالة في نفس المبيع أو في غيره ومسألتنا على العكس من ذلك فإن الحالة فيه الإجارة واشترط معها المبيع الذي سوف ينعقد بعد انتهاء مدة الإجارة ولم أجد حكم ذلك صريحا في كتب المالكية غير أن المفهوم من كتبهم أن الأصل في الشرط عندهم الإباحة ولا يكون الشرط مفسدا إلا في إحدى الحالتين: إما أن يكون الشرط مناقضا للعقد مثل أن يبيع شيئا بشرط أن لا يتصرف فيه أو يؤجر شيئا بشرط أن لا ينتفع به وإما أن يكون الشرط يخل بالثمن بأن يزيده أو ينقصه إلى قدر غير معلوم (٢) والظاهر أن اشتراط بيع المؤجر في الإجارة عند انتهاء مدتها لا يدخل في شيء من هاتين الحالتين فينبغي أن يكون جائزا عندهم والله سبحانه أعلم.

стр. 216

فعلى هذا التفصيل يسع لنا أخذا بقول المالكية أن نجعله وعدا للبيع مشروطا في الإجارة ولكن مقتضى ذلك أن لا ينعقد البيع إلا بعد انتهاء مدة الإجارة فإذا انتهت مدة الإجارة يجب على الفريقين أن يعقدا البيع بإيجاب وقبول مستأنف سواء كان ذلك مشافهة أو مراسلة. وهناك تخريج ثالث أقدر أن يكون صحيحا على مذاهب الأئمة الأربعة جميعا وذلك أن يعتبر الوعد بالبيع وعدا مستقبلا غير مشروط في الإجارة وتعتبر الإتفاقية المبرمة بين الفريقين مواعدة بينهما لإنشاء الإجارة أولا ولإنشاء البيع ثانيا ثم تعقد الإجارة في وقتها من غير أن يذكر فيه شرط البيع ويعقد البيع في وقته من غير أن يشترط فيه شيء آخر فيكون العقدان خالبين عن شرط وتكون الإتفاقية عبارة عن ثلاثة أشياء: ١. توكيل العميل بشراء المعدات. ٢. وعد العميل باستئجارها بعد استلامها وتركيبها. ٣. وعد البنك ببيعها من العميل بعد انتهاء مدة الإجارة. وبعد إبرام هذه الإتفاقية لا يكون العميل إلا وكيلا للبنك في شراء المعدات ثم تعقد الإجارة مستقلة في وقتها ويعقد البيع مستقلا في وقته إيفاء الوعد من كلا الجانبين. ثم إن هذا الوعد يجب إيفاؤه ديانة بالإجماع وأما قضاء فمذهب المالكية أن الواعد إذا أدخل الموعود له في سبب يلزم بوعده وجب عليه الإيفاء قضاء ولو أخلف الواعد بوعده وحصل الموعود له ضرر مالي بخلف وعده ضمن الواعد ذلك الضرر المالي جاء في الفروق للقرافي المالكي: (الذي يلزم من العدة اهدم دارك وأنا أسلفك أو اخرج إلى الحج أو اشتر سلعة

стр. 217

أو تزوج امرأة وأنا أسلفك لأنك أدخلته بوعدك في ذلك أما مجردا لوعد فلا يلزم بل الوفاء به من مكارم الأخلاق) (١) وقال الشيخ محمد عليش المالكي ﵀ في فتاواه بعد ما ذكر ثلاثة أقوال (والرابع يقضى بها إن كانت على سبب ودخل الموعود بسبب العدة في شيء وهذا هو المشهور من الأقوال ... قال أصبغ سمعت أشهب , وسئل عن رجل اشترى من رجل كرما فخاف الوضيعة فأتى ليستوضعه فقال له بع وأنا أرضيك قال إن باع برأس ماله أو بربح فلا شيء عليه , وإن باع بالوضيعة كان عليه أن يرضيه ... وهذا القول الذي شهره ابن رشد في القضاء بالعدة إذا دخل بسببها في شيء , قال الشيخ أبو الحسن في أول كتاب الأول ... أنه مذهب المدونة لقولها في آخر كتاب الغرر , وإن قال اشتر عبد فلان وأنا أعينك بألف درهم فاشتراه لزمه ذلك الوعد اهـ. وهو قول ابن القاسم في سماعه من كتاب العارية وقول سحنون في كتاب العدة) (٢) وأما في أصل مذهب الحنفية فإن الوعد وإن لم يكن ملزما في القضاء ولكن المتأخرين من فقهاء الحنفية قد جعلوا عدة مواعيد لازمة وجاء في شرح رد المحتار في مبحث الشرط الفاسد (لو ذكرا البيع بلا شرط

стр. 218

ثم ذكرا الشرط على وجه الوعد جاز البيع ولزم الوفاء بالوعد، إذ المواعيد قد تكون لازمة فيجعل لازما لحاجة الناس ـ ثم حكى عن الفتاوى الخيرية للرملي ((فقد صرح علماؤنا بأنهما لو ذكرا الشرط البيع بلا شرط ثم ذكرا على وجه العدة جاز البيع ولزم الوفاء بالوعد)) ثم قال في آخر هذا المبحث (وقد سئل الخير الرملي عن رجلين تواضعا على بيع الوفاء قبل عقده وعقد البيع خاليا عن الشرط. فأجاب بأنه صرح في الخلاصة والفيض والتتارخانية وغيرها بأنه يكون على ما تواضعا) (١) فقد صرح علماء الحنفية في هذه العبارات الفقهية أن المواعيد ربما تجعل لازمة لحاجة الناس وكذلك ذكر العلامة خالد الأتاسي في مبحث بيع الوفاء عن الفتاوى الخانية: (وإن ذكرا البيع من غير الشرط ثم ذكرا الشرط على وجه المواعدة فالبيع جائز ويلزم الوفاء بالوعد لأن المواعيد قد تكون لازمة فتجعل لازمة لحالة الناس) (٢) فبالنظر إلى أقوال هؤلاء الفقهاء يمكن أن تجعل مواعيد الإجارة والبيع المنصوصة في الإتفاقية لازمة في القضاء أيضا.

стр. 219

خلاصة الجواب: وخلاصة الجواب في ضوء ما قدمنا من البحث أن البنك ينبغي له أن يباشر عملية الإيجار بالطريق الأول الذي ذكرناه في أول جوابنا عن السؤال الثاني فإنه لا خلاف في جوازه ولا شبهة والخروج عن الخلاف والشبهات إلى أقصى حد ممكن, أولى. وأما إذا لم يمكن ذلك عمليا لسبب من الأسباب فلا بد لجواز هذه العملية شرعا أن يراعى في هذه العملية شروط آتية: ٤- أن كون الإتفاقية لا يبت فيها إلا عقد توكيل العميل بشراء المعدات وإما إجارتها وبيعها فيذكران فيها على سبيل الوعد لا على سبيل العقد البات. ٥- بعد ما يستلم العميل المعدات وينتهي من تركيبها بعقد الإجارة مشافهة أو مراسلة ولا يذكر البيع عند عقد الإجارة. ٦- قبل الشروع في الإجارة تعتبر المعدات في ضمان البنك. ٧- بعد إنتهاء مدة الإجارة يعقد البيع باتا. ٨- إن الوعد بالإجارة والبيع المنصوص في الإتفاقية يكون لازم الإيفاء على الطرفين ديانة وقضاء. ٩- إن أخلف أحد الطرفين بوعده بالإجارة أو البيع فإنه يغرم ما تحمله الطرف الآخر من الضرر المالي فعلا بسبب إخلافه في الوعد. والله أعلم. ٣-البيع بالأجل إن الملاحظة الوحيدة في هذه العملية من الناحية الفقهية أن من

стр. 220

شرط صحة البيع أن يكون المبيع مقبوضا للبائع أو لوكيله ثم يخص الحنابلة هذا الشرط بالطعام فقط فيجوز عندهم بيع غيره من الأشياء قبل القبض ويخصه المالكية بالمكيل والموزون فيجوز عندهم في غيرهما ويعممه الشافعي ومحمد بن الحسن في سائر المبيعات وأبو حنيفة ويوسف رحمهما الله في غير العقار. (١) وإن الأحاديث في النهي عن البيع قبل القبض كثيرة فمنها ما أخرجه الشيخان: عن ابن عباس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه» . قال ابن عباس (وأحسب كل شيء مثله) . ومنها ما أخرجه أبو داوود (٢) في قصة ابن عمر عن زيد ابن ثابت قال فإن رسول الله ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. وأخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه والحاكم مستدركه ٤٠:٢وصححه وأقره عليه الذهبي. ومنها ما أخرجه البيهقي عن عبد الله بن عصمة عن حكيم بن حزام قال قلت: يا رسول الله إني أبتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم على؟ قال: «يا ابن أخي لا تبيعن شيئا حتى تقبضه» . هذا إسناد حسن متصل. (٣) وقال ابن القيم: هذا إسناد على شرطهما (٤) ومنها ما أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن) قال الترمذي هذا حديث صحيح نهى فيه رسول الله ﷺ عن ربح ما لم

стр. 221

يضمن والبيع قبل القبض بتضمنه لأن المبيع لا يأتي في ضمان المشتري حتى يقبضه فإن باعه قبل ذلك بالربح كان ذلك ربحا لما لم يضمنه. فلو لم تكن المعدات مكيلة أو موزونة فإن البيع وإن كان جائزا عند الحنابلة والمالكية غير أن الأحاديث المذكورة عامة في كل مبيع, فنظرا إلى هذه الأحاديث العامة والخروج عن الخلاف ينبغي للبنك أن يهتم بقبض المعدات مباشرة أو بواسطة وكيله قبل أن يعقد فيها البيع ويمكن أن يوكل البنك ممثلا له في بلد المشتري يقوم باستلام المعدات وبيعها من المشتري نيابة عن البنك ويمكن أن يوكل شركة الشحن باستلام المعدات من بائعها وحينئذ يجوز عقد البيع بعد الشحن متصلا قبل أن تصل المعدات إلى الميناء. ولئن جعل البنك نفس العميل الراغب في شرائه وكيلا بتسلمها من ميناء بلده فيجب أن يعقد البيع معه باستلام مشافهة بالهاتف مثلا أو مراسلة وتكون الإتفاقية قبل ذلك وعدا للبيع ويكون وفاءه لازما على العميل قضاء كما أسلفنا في المسألة السابقة وفي كلتا الصورتين-سواء كان الوكيل هو المشتري نفسه أو غيره-تعتبر المعدات قبل انعقاد البيع وبعد استلام الوكيل في ضمان البنك إن هلكت من ماله إذا لم يرتكب الوكيل الراغب في شرائها تعديا في حفظها وصيانتها. ٤- بيع المرابحة بأجل وتقسيط: إن الطريق المذكور في السؤال لبيع المرابحة لا مانع منه شرعا لأنه يكون بيعا بعد القبض بواسطة الوكيل الذي جعله البنك وكيلا له في بلد الجهة المستفيدة ولا مانع عند بعض الفقهاء المعاصرين من كونه كفيلا أيضا بأداء الثمن المستحق على المشتري إن لم تكن الكفالة مشروطة في عقد الوكالة وأما الإتفاقية فتكون قبل انعقاد البيع وعدا للبيع ويكون لازم الإيفاء قضاء على كل واحد من أطراف الإتفاقية في ضوء ما ذكرنا في الجواب عن السؤال الثاني.

стр. 222

وأما زيادة ربح معين على الثمن الذي اشتراه به البنك المعدات وتأجيل الثمن إلى مدة معلومة فلا مانع منه أيضا فإن مثل هذا العقد جائز عند أكثر الفقهاء وقال الإمام أبو عيسى الترمذي ﵀: (وقد فسر بعض أهل العلم، قالوا: بيعتين في بيعة، أن يقول: أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة، وبنسيئة بعشرين، ولا يفارقه على أحد البيعين، فإذا فارقه على أحدهما، فلا بأس إذا كانت العقدة على واحد منهما) (١) . أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الزهري وطاوس وسعيد بن المسيب ﵏ أنهم قالوا (لا بأس بأن يقول أبيعك هذا الثوب بعشرة إلى شهر أو بعشرين إلى شهرين فباعه على أحدهما قبل أن يفارقه فلا بأس به وهكذا عن قتادة) (٢) وقال الإمام محمد بن حسن الشيباني ﵀: (قال أبو حنيفة ﵁ في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار إلى اجل فإذا حلت قال له الذي عليه الدين بعنى سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقدا بمائة وخمسين إلى اجل إن هذا جائز لأنهما لم يشترطا شيئا ولم يذكرا أمرا يفسد به الشراء) (٣)

стр. 223

٥-الفوائد المجتمعة في البنوك الأجنبية نوافق في هذا الصدد توصيات علماء الشريعة التي قررها اجتماعهم في١١-٣-٣٣٩هـ ونؤكد أن الفائدة هي عين الربا والقول الأصح المختار عند جمهور الفقهاء هو أن الربا حرام ولو أخذ من حربي فلا يجوز لمسلم أن يأخذه وينفقه في مصالح نفسه. ونرى أيضا أن ترك هذه الفوائد الضخمة في دول أجنبية غير مسلمة لا يناسب في الظروف الحاضرة فالمخلص ما ذكره اجتماع العلماء أن يسعى البنك في سبيل الخلاص من إيداع أمواله لدى البنوك الربوية في أقرب وق ممكن وإلى أن يم ذلك بتوفيق الله تعالى يحتفظ هذه الفوائد في حساب خاص منفصل عن موارد البنك وينفقها في إعانة هذه الفقراء. وأما تخصيص نصف هذه المبالغ للاحتياطي الخاص فلا نرى أن يجوز شرعا وذلك لأن الاحتياطي الخاص يعتبر من جملة مملوكات البنك وربما ينتفع به عند طوارئ انخفاض أسعار الأرصدة وقد ذكرنا أن الانتفاع بالفوائد المصرفية لا يجوز في الشريعة بحال. فينبغي أن يجعل البنك جميع المبالغ المتحصلة من فوائد البنوك الأجنبية لأغراض المعونة الخاصة وَالله أَعْلَمْ * * *

стр. 224

(٧) سندات المقارضة وسندات الإستثمار بحث عرض في ندوة فقهية اقتصادية أقيمت من قبل معهد البحوث والتدريب للبنك الإسلامي للتنمية بجدة من:١٨ إلى ٢٣ جمادى الأخرى ١٤٠٨هـ الموافق من ٦ إلى ١١ فبراير

стр. 225

..

стр. 226

سندات المقارضة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد النبي الأمي، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد، فإن الموضوع المفوض إلي في هذه الندوة، وإن كان يختص بإطفاء سندات المقارضة فحسب، ولكنه يجب للدخول في هذا الموضوع أن نعرف حقيقة سندات المقارضة، وضرورتها، وتكييفها الفقهي، حتى يتضح لنا معنى إطفاء هذه السندات، وما يجب له من طريق مشروع وفق الشريعة الإسلامية. وإن فكرة سندات المقارضة إنما ظهرت لإيجاد بديل شرعي لسندات القرض الربوية التي تصدرها البنوك أو الشركات التجارية في الاقتصاد المعاصر اليوم، فلنبدأ بمعرفة حقيقتها: سندات القروض: إن سندات القروض صكوك تمثل قروضا تحصل عليها الشركة من عامة الناس على أساس الفائدة الربوية المحددة، وتكون هذه الصكوك في التعامل المعاصر قابلة للتداول، وغير قابلة للتجزئة. وإنما تضطر الشركات في بعض الأحيان إلى إصدار هذه السندات لأنها قد تحتاج في أثناء مزاولة أعمالها إلى مبالغ أكثر مما حصلت عليه

стр. 227

من طريق إصدار الأسهم، لتزيد من قدراتها على إنجاز مشاريعها، والتوسع فيها، أو لتواجه أزمة مالية طرأت عليها. ولا ترغب الشركة في عرض اكتتاب بأسهم جديدة على الجمهور، لئلا تتضاءل أنصبة الشركاء، فتضطر إلى أن تقترض هذه المبالغ ممن يمكن الاقتراض منه. وفي جانب آخر، تكون عند كثير من الناس مبالغ أفرزوها من حاجاتهم اليومية، ورصدوها لحاجاتهم المتوقعة في المستقبل. وأن هذه المبالغ تكون مودعة في بيوت أصحابها، أو في حسابهم الجاري في البنوك، فلا يمكن أن تستغل هذه المبالغ لصالح الإنتاج الوطني، إلا بأن تدفع إلى المنتجين أو التجار قرضا، فيستعملونها في أعمالهم الإنتاجية أو التجارية. ولكن أصحاب الأموال ينفرون من إقراضها خشية أن لا يجدوها عندما تعرض لهم الحاجات التي رصدوا هذه المبالغ من أجلها. فجاءت فكرة إصدار سندات القروض تشجيعا لأصحاب الأموال في القرض، وإزالة لمخاوفهم، وذلك بطريقين: الأول: بإطماع أصحاب الأموال بتحديد فائدة ربوية على هذه القروض. والثاني: يجعل هذه السندات محلا للتداول، بأن حاملها كلما أراد أن يحصل على سيولة، جاز له أن يبيعها في السوق المفتوحة بقيمتها السوقية التي تزيد في الغالب عن قيمتها الاسمية. وبهذا استطاع النظام الاقتصادي المعاصر أن يستخدم أموال الناس المودعة في بيوتهم لعملية الإنتاج والاستثمار. ولكن هذا الطريق مبني على أساس القرض الربوي الذي لا تبيحه الشريعة الإسلامية في حال من الأحوال، وفيه من المفاسد الشرعية والاقتصادية ما ليس هذا محل بسطها. ومن هنا أراد بعض المسلمين في البلاد الإسلامية أن يأتوا

стр. 228

ببديل لهذه السندات في شكل (سندات المقارضة) والمقارضة أو القراض عقد معروف في الفقه الإسلامي يسلم فيه رب المال أمواله إلى عامل يستثمرها بطريق التجارة، ويكون الربح الناتج من هذه التجارة بينهما بالنسبة المتفق عليها. وإن هذا العقد يسمى (مضاربة) أيضا. فالفكرة الأساسية وراء سندات المقارضة أن يحدث عقد المضاربة بين حامل هذه السندات ومصدرها، فلا يستحق صاحب السند فائدة محددة، وإنما يستحق نسبة معينة من الربح إن أثمرت التجارة ربحا. وقد أصدرت عدة بلاد إسلامية قوانين خاصة بالنسبة لهذه السندات، فنريد في هذا البحث أن ندرس هذه القوانين، وما شرعت لها من خطة عملية، ليمكن لنا البت في حكمها الشرعي. ثم نأتي باقتراح خطة عملية في ضوء الشريعة الإسلامية. وبين يدينا في هذا الوقت مشروع للقانون - وهو قانون سندات المقارضة رقم ١٠ لسنة ١٩٨١م الذي أصدرته المملكة الأردنية الهاشمية. القانون الأردني: القانون الأردني، فعلى ما شرحه الدكتور عبد السلام العبادي في دراسته المعروضة على مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثالثة المنعقدة بعمان، يتلخص في نقاط تالية: ١- إن (سندات المقارضة) هي الوثائق المحدودة القيمة التي تصدر

стр. 229

بأسماء مالكيها مقابل الأموال التي قدموها لصاحب المشروع بعينه، بقصد تنفيذ المشروع واستغلاله وتحقيق الربح. ٢- يحصل مالكو السندات على نسبة محدودة من أرباح المشروع، وتحدد هذه النسبة في نشرة إصدار السندات، ولا تنتج سندات المقارضة أي فوائد، كما لا تعطي مالكها الحق في المطالبة بفائدة سنوية محددة. ٣- المعهود في المضاربة المعهودة في الفقه الإسلامي، أن المضاربة إذا أردت أرباحا فإنها توزع عند نهاية كل فترة على كل من رب المال والعامل حسب النسبة المتفق عليها في العقد، ولكن القانون الأردني لسندات المقارضة يصرح بأن عند كل فترة لا توزع إلا النسبة المختصة بصاحب السند، فيجوز له ترك حصته من الربح محفوظة في المشروع، ليمكن لها الإطفاء التدريجي للسندات. ٤- يجب على كل صاحب سند أن يتقدم في المواعيد المحدودة في العقد، فيطالب الجهة المصدرة بإطفائه على أساس قيمته الاسمية، ويسترد ما دفعه من المال مقابل السند الذي تقدم به. وإن الجهة المصدرة ترد عليه قيمة السند من حصتها المحفوظة من الربح، كما مر في النقطة الثالثة. ٥- وهكذا يسترد أصحاب السندات مقدار ما دفعوه أولا بأول، عن طريق الإطفاء التدريجي، إلى أن يتم الإطفاء لجميع السندات. وحينئذ تمتلك الجهة المصدرة المشروع كله بما فيه من أبنية، وآلات، وعروض وما إليها. فيصير المشروع كله ربح الجهة المصدرة الناتج من هذه المقارضة. ٦- أما إذا أصيب المشروع بخسارة، فالأصل أن يتحملها أصحاب السندات لأنهم أرباب الأموال، ولكن صرح القانون الأردني بأن الحكومة

стр. 230

كطرف ثالث تضمن لأصحاب السندات مبلغ قيمتها الاسمية، فإن أصيب المشروع بخسارة استغرقت الأموال كلها، فإن الحكومة تتدارك لأصحاب الأموال هذه الخسارة. ٧- ما تدفعه الحكومة لأصحاب السندات من المال جبرا لخسائرهم، يعتبر قرضا في ذمة الجهة المصدرة، يجب عليها أداؤه إلى الحكومة عندما يتم الإطفاء الكامل لهذه السندات. هذه خلاصة الصيغة التي طرحها القانون الأردني لسندات المقارضة. ولو نظرنا فيها بإمعان. وجدنا أن فيها مؤاخذات من الناحية الشرعية. ١- إن طبيعة المضاربة أو المقارضة تقتضي أن لا يضمن لأحد من الفريقين برأس المال ولا بالربح، فإن ما يحصل لهما ليس فائدة ربوية، وإنما هو ربح تجاري، والربح التجاري إنما يستحق من جهة تحمل الأخطار، فإذا كان رأس المال مضمونا لرب المال، خرج العقد عن طبيعة المضاربة. وبما أن القيمة الاسمية للسندات في الصيغة الأردنية مضمونة لحامليها، فإن هذا الشرط لا يوافق المضاربة المعهودة في الشريعة الإسلامية. وربما يقال: إن الذي ضمن هذه القيمة ليس مصدر السندات أو العامل، وإنما ضمنته الحكومة كطرف ثالث، والممنوع في الشريعة أن يضمن أحد طرفي العقد بالمال للطرف الآخر. فأما إذا جاء شخص ثالث، وضمن لأحدهما ما يخسره في العقد فلا مانع منه شرعا. ولكن هذا العذر غير وارد في الصيغة الأردنية. لأن الحكومة لا تضمن ههنا بالقيمة الاسمية لحامل السند نيابة عن الجهة المصدرة، ولذلك يعتبر المال المدفوع قرضا للحكومة في ذمتها ويجب عليها أداؤه عندما

стр. 231

يتم الإطفاء الكامل للسندات. وما دامت الجهة المصدرة تلتزم بأداء هذا المبلغ إلى الحكومة، أن الضامنة في الحقيقة هي الجهة المصدرة للسند، لا الحكومة. ٢- ولئن تصورنا تعديل القانون بأن تكون الحكومة متبرعة محضة، ولا يعتبر المال المدفوع من قبلها قرضا في ذمة الجهة المصدرة، فحينئذ تدخل هذه الصيغة المعدلة في حكم (ضمان الطرف الثالث) وإن الضابط المعروف في الفقه الإسلامي أن الكفيل إنما تصح كفالته لما هو مضمون على الأصيل، كالقرض، وثمن البيع، وسائر الديون. أما ما لم يكن مضمونا على الأصيل، فلا تصح كفالته، مثل الوديعة ورأس مال الشركة والمضاربة، وما إلى ذلك، وهذا الضابط معروف في كتب الفقه ليس فيه خلاف لأحد من العلماء. وإليكم بعض النصوص الفقهية في هذا المجال, يقول المرغيناني الحنفي رحمه الله تعالى: (والكفالة بالأعيان المضمونة وإن كانت تصح عندنا، خلافا للشافعي، لكن بالأعيان المضمونة بنفسها، كالبيع بيعا فاسدا، والمقبوض على سوم الشراء، والمغصوب، لا بما كان مضمونا بغيره، كالمبيع، والمرهون، ولا بما كان أمانة، كالوديعة والمستعار والمستأجر، ومال المضاربة، والشركة) (١) . ويقول الشربيني الخطيب الشافعي رحمه الله تعالى: يصح ضمان رد كل عين ممن هي في يده مضمونة عليه، كمغصوبة، ومستعارة، ومستامة، ومبيع لم يقبض (إلى قوله) وأما إذا لم تكن العين

стр. 232

مضمونة على من هي بيده، كالوديعة، والمال في يد الشريك، والوكيل، والوصي، فلا يصح ضمانها، لأن الواجب فيها التخلية دون الرد. (١) . ويقول ابن قدامة الحنبلي رحمه الله تعالى: ويصح ضمان الأعيان المضمونة كالمغصوب، والعارية، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد القولين (إلى قوله) فأما الأمانات، كالوديعة، والعين المؤجرة، والشركة، والمضاربة، والعين التي يدفعها إلى القصار والخياط، فهذه إن ضمنها من غير تعد فيها لم يصح ضمانها، لأنها غير مضمونة على من هي في يده، فكذلك على ضامنها؛ وإن ضمنها إن تعدى فيها فظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى يدل على صحة الضمان) (٢) . وجاء في كشاف القناع عن متن الإقناع في فقه الحنبلي وتصح الكفالة بالأعيان المضمونة، كالمغصوب، والعواري، لأنه يصح ضمانها، ولا تصح الكفالة بالأمانات، كالوديعة والشركة والمضاربة، إلا إن كفله بشرط التعدي (٣) . ويقول ابن الهمام الحنفي رحمه الله تعالى: (وضمان الخسران باطل لأن الضمان لا يكون إلا بمضمون، والخسران غير مضمون على أحد، حتى لو قال بائع في السوق على أن كل خسران يلحقك فعلي، أو قال لمشتري العبد إن أبق العبد هذا فعلي لا يصح (٤)) .

стр. 233

ولكن عند صحة الكفالة في هذه الأمور إنما يعني أن المبلغ المكفول به لا يلزم الكفيل قضاء، فلا يجوز للمكفول له أن يطالب به الكفيل في محكمة. ولكن التزام الطرف الثالث بأداء هذا المبلغ يمكن أن يعتبر كوعد محض يلزمه الوفاء به ديانة، لا قضاء. فلو وفى الطرف الثالث بوعده، وتبرع بالمبلغ، جاز لحامل السند أن يأخذه، ولكن لا ينفذ القاضي التزامه ككفالة. وهل نستطيع أن نجعله وعدا ملزما في القضاء أخذا بقول المالكية رحمهم الله تعالى؟ لي فيه تردد. فإننا لو جعلناه وعدا ملزما ضمانا لازما، فلا يبقى هناك معنى عدم صحة الكفالة برأس مال الشركة والمضاربة. ٣- مسألة إطفاء السندات: والملاحظة الثالثة في الصيغة الأردنية: هي في إطفاء السندات بقيمتها الاسمية فإن إطفاءها بالقيمة الاسمية أخرجها عن طبيعة القراض، وجعلها قرضا. ويجب لإيضاح هذه النقطة أن نعرف التكييف الفقهي لهذا الإطفاء. فالواقع أن إطفاء هذه السندات استرداد لمال المضاربة من قبل رب المال. وإن هذا الاسترداد بسيط إذا كان مال المضاربة ناضا. أما إذا تحول مال المضاربة إلى عروض. فإن هذا الاسترداد عبارة عن بيع تلك العروض من المضارب. فالبضائع كلها مملوكة لأصحاب الأموال، ولا يستحق المضارب من عينها شيئا، وإنما يستحق نسبة من الربح إن أدرت ربحا. فمن يتقدم بالسند إلى الجهة المصدرة لإطفائها في حين أن جميع مال المضاربة أو أكثره تحول إلى مشروع صناعي أو تجاري فإنه إنما يريد أن يبيع من الجهة المصدرة حصته الشائعة في المشروع. فهذه الإطفاءات يجري عليها أحكام البيع بأجمعها.

стр. 234

فها هنا مسائل: الأولى: هل يجوز لرب المال أن يسترد مال المضاربة في حين أنه غير ناض؟ والثانية: هل يجوز اشتراط هذا الاسترداد في عقد المضاربة؟ والثالثة: إذا كان الاسترداد جائزا، فهل يكون ذلك بقيمتها الاسمية أو بقيمتها السوقية؟ أما المسألة الأولى: وهي استرداد مال المضاربة في حين أنه غير ناض، فهو بالتعبير الفقهي الدقيق فسخ للمضاربة، أو عزل للمضارب عنها (في حق ذلك السند بعينه) وقد ذكر الفقهاء أن المضارب في هذه الصورة يلزمه بيع العرض. جاء في الدر المختار: وينعزل (أي المضارب) بعزله (أي رب المال) ... فإن علم بالعزل، والمال عروض باعها (١) . وجاء في المغني لابن قدامة: (والمضاربة من العقود الجائزة، تنفسخ بفسخ أحدهما ... وإن انفسخت والمال عرض فاتفقا على بيعه أو قسمه جاز، لأن الحق لهما لا يعدوهما.. وإن طلب رب المال البيع وأبى العامل، ففيه وجهان: أحدهما: يجبر العامل على البيع وهو قول الشافعي لأن عليه رد المال ناضا كما

стр. 235

أخذه، والثاني: إذا لم يكن في المال ربح أو أسقط حقه من الربح) . (١) فتبين بهذا أنه لا مانع شرعا من استرداد مال المضاربة. ويتحتم حينئذ بيع ما كان منه في شكل العروض. ومن الواضح جدا أن هذا البيع كما يمكن أن يعقد مع طرف ثالث، يجوز أن يعقد بين رب المال والمضارب، فيستطيع المضارب أن يشتري العروض لنفسه، ويؤدي قيمته المطلوبة إلى مال المضاربة، فيقبض منها رب المال رأس ماله مع حصته من الربح، والمضارب حصته من الربح فقط. وأما المسألة الثانية: وهي اشتراط هذا الاسترداد بطريق البيع في عقد المضاربة، فلا مانع منه أيضا، لكونه شرطا لا يخالف مقتضى عقد المضاربة، لأن رب المال يملك فسخ المضاربة متى شاء، وحينئذ يجب على المضارب أن يبيع العروض لينض لرب المال ماله، فشرط البيع في المضاربة شرط ملحوظ في طبيعة العقد، غير أن العروض لا تباع في المسألة المبحوث عنها إلا من المضارب، وهذا لا مانع منه شرعا، لأن رب المال والمضارب يجوز أن يجري بينهما البيع والشراء في مال المضاربة عند كثير من الفقهاء. يقول الكاساني رحمه الله تعالى: ويجوز شراء رب المال من المضارب وشراء المضارب من رب المال وإن لم يكن في المضاربة ربح في قول أصحابنا الثلاثة، وقال زفر رحمه الله تعالى: لا يجوز الشراء بينهما في مال المضاربة. وجه قول زفر رحمه الله تعالى: لا يجوز الشراء بينهما في مال المضاربة. وجه قول زفر أن هذا بيع ماله بماله، وشراء ماله بماله، إذ المالان جميعا لرب المال، وهذا لا يجوز،

стр. 236

كالوكيل مع الموكل ولنا أن لرب المال في مال المضاربة رقبة، لا ملك تصرف، وملكه في حق التصرف كملك الأجنبي، وللمضارب فيه ملك التصرف لا الرقبة، فكان في حق ملك الرقبة كملك أجنبي، حتى لا يملك رب المال منعه من التصرف، فكان مال المضاربة في حق كل واحد منهما كمال الأجنبي، لذلك جاز الشراء بينهما) (١) . فاشتراط البيع من المضارب شرط لا ينافي مقتضى العقد، فلا بأس بذلك شرعا. المسألة الثالثة: وهي: هل يقع إطفاء السندات على قيمتها الاسمية، أو على قيمتها السوقية؟ والجواب عندي أنه يجب أن يقع على قيمتها السوقية، ثم إن كانت قيمتها السوقية أكثر من قيمتها الاسمية، فإن الفرق بين القيمتين يعتبر ربحا لمال المضاربة، فيوزع هذا الربح بين رب المال والمضارب بقدر النسبة المتفق عليها في العقد. ومثاله: لو فرضنا أن القيمة الاسمية للسند هي مائة ربية، صارت قيمته السوقية عند الإطفاء مائة وعشرين، فالواجب على المضارب إن أراد شراءه أن يدفع إلى مال المضاربة مائة وعشرين، ثم إن هذا العشرين زيادة ربحتها المضاربة، فإن كانت المضاربة على النصف مثلا، صارت العشرة منها حصة لرب المال، والعشرة الأخرى حصة للمضارب من الربح، فتوزع عليهما بهذا الطريق، وبهذا يقوم على المضارب ما اشتراه من الجزء المقابل لهذا السند من المشروع بمائة وعشرة. والدليل على أن الإطفاء يجب أن يكون على القيمة السوقية: أن مال

стр. 237

المضاربة كله مملوك لرب المال شرعا، وليس للمضارب منه إلا حصته من الربح، فلو ارتفعت قيمة السند في السوق، فليس ذلك إلا لأجل الزيادة في مال المضاربة. وإن مال المضاربة كله مملوك لرب المال بما فيه من الزيادة على رأس المال، سوى حصة المضارب من الربح، فلو شرطنا على رب المال أنه يجب عليه الإطفاء على قيمته الاسمية، فإن هذا الشرط لا يجوز شرعا، لكونه منافيا لمقتضى المضاربة. وقد صرح الفقهاء بهذا، فيقول الكاساني رحمه الله تعالى: (وإذا اشترى المضارب بمال المضاربة متاعا، وفيه فضل، أو لا فضل فيه فأراد رب المال بيع ذلك، فأبى المضارب وأراد إمساكه حتى يجد ربحا، فإن المضارب يجبر على بيعه، إلا أن يشاء أن يدفعه إلى رب المال، لأن منع المالك عن تنفيذ إرادته في ملكه لحق يحتمل الثبوت والعدم، وهو ربح لا سبيل إليه، ولكن يقال له: إن أردت الإمساك فرد عليه ماله، وإن كان فيه ربح، يقال له: ادفع إليه رأس المال وحصته من الربح، ويسلم المتاع إليك) (١) . فتبين بهذا أن صاحب السند لا يستحق القيمة الاسمية (وهي رأس المال) فحسب، وإنما يستحق معها حصته من الربح، فلا سبيل إلى إطفاء السند بقيمته الاسمية. وإنما يجب أن يقع البيع بقيمته السوقية، ثم يوزع الربح بين الفريقين بحسب النسبة المتفق عليها. وفي ضوء ما ذكرنا وفي ضوء ما ذكرنا يتحصل أن هناك أحوالا ثلاثة عند الإطفاء بالنظر إلى نسبة القيمة السوقية من القيمة الإسمية: (١) إذا كانت القيمة السوقية مساوية للقيمة الإسمية انتهى الأمر ويقع الإطفاء عليهما.

стр. 238

(٢) إذا كانت القيمة السوقية أقل من القيمة الإسمية يقع الإطفاء على القيمة للسوقية وإن النقصان يعتبر خسارة لصاحب السند. (٣) إذا كانت القيمة السوقية أكثر من القيمة الإسمية فإنه يجب أن يكون إطفاء السند على قيمة تنقص من قيمته السوقية بقدر النسبة المتفق عليها من ربح الجهة المصدرة للسند. فإن اتفقت الجهة المصدرة مع حاصل السند أن الربح يوزع بينهما أنصافا، وكان السند قيمته الاسمية مائة، فصارت قيمته السوقية عند الإطفاء يساوي مائة وعشرين، فإن الإطفاء يقع على مائة وعشرة، لأن العشرة ربح للجهة المصدرة. السؤال الأخير: والسؤال الأخير في هذه الندوة في هذا الصدد هو: (هل يتم إطفاء السندات باستبعاد عدد معين من الأسهم الكاملة، أم يكون ذلك باستبعاد جزء من كل سهم؟) . وعلى الوجه الأخير هل يعتبر ربح كل سهم متناقصا مع تناقص القيمة؟ أم يظل ربحه كاملا حتى نهاية الإطفاء؟ والجواب على هذا السؤال عندي هو أنه لا مانع شرعا من اختيار واحدة من الطريقتين المذكورتين للإطفاء، لأن الإطفاء كما أوضحنا فيما سبق بيع لمال المضاربة من المضارب، وإن هذا البيع كما يجوز في جميع مال المضاربة، يجوز في بعضه أيضا، غير أنه إذا باع رب المال نصف مال المضاربة من المضارب، وأبقى المضاربة في نصفه الآخر، وبقى هذا المجموع مصروفا في التجارة المشتركة مختلطا بعضه ببعض، فإن هذا البيع يتضمن إحداث شركة عنان في الحصة المبيعة بين المضارب ورب المال، فيكون المضارب شريكا في هذه التجارة بحصته التي اشتراها من رب المال، مع بقية مال المضاربة، فما حصل من الربح على مجموع هذا

стр. 239

المال فإن المضارب يجوز له نصفه كشريك، ويقسم الثاني على رب المال والمضارب بالنسبة المتفق عليها بحكم المضاربة. مثال: لو أعطى زيد مائة ألف ربية إلى خالد مضاربة بالنصف، فاشترى خالد منه بضائع يتجر فيها، فإن جميع هذه البضائع مملوكة لزيد، ثم اشترى خالد النصف المشاع من هذه البضائع ولم يعزلها عن التجارة، بل استمر في استرباحها برضا زيد، فإن ذلك يقتضي أن كلا منهما قد عقد الشركة بهذا النصف المشترى، فصار نصف هذه البضائع مملوكا لخالد وبقي نصفها الآخر مملوكا لزيد، تستمر فيه المضاربة كما كانت وإن خالدا شريك لزيد بنصفها الذي يملكه، ومضاربا له في النصف المملوك لزيد. فلو حصل على هذا المجموع ربح خمسين ألفا مثلا، فإن ٢٥ ألفا منها حصة خالد بفضل كونه شريكا و٢٥ ألفا ربح المضاربة، فيقسم بينهما أنصافا، فيكون لزيد -/١٢٥٠٠ بحكم كونه رب المال، ولخالد -/١٢٥٠٠ بحكم كونه مضاربا، فيكون توزيع الأرباح بينهما كالآتي: حصة خالد بحكم الشركة -/٢٥٠٠٠ حصة خالد بحكم المضاربة -/ ١٢٥٠٠ مجموع حصتي خالد -/٣٧٥٠٠ حصة زيد كرب المال في النصف -/١٢٥٠٠ صافي الربح -/٥٠٠٠ واتضح بهذا أنه كلما يبيع رب المال جزءا من مال المضاربة إلى المضارب، فإن ربح ذلك

стр. 240

الجزء ينتقل إلى المضارب بحكم كونه شريكا في التجارة بذلك الجزء، فيقل ربح رب المال، ويزداد المضارب في مجموع التجارة. وبما أن إطفاء جزء من السند بيع لما يقابله فإن ربح ذلك الجزء ينتقل إلى الجهة المصدرة، فيعتبر ربح ذلك الجزء متناقصا في حق صاحب السند فور إطفائه، ولا ينظر في ذلك إلى أن يتم إطفاء السند بكامله. ومثاله: لو كان السند قيمته الاسمية مائة ربية، فتقدم صاحب السند لإطفاء نصفه، واتفقت الجهة المصدرة على ذلك، فإن حق صاحب السند في الربح ينقص خمسين في المائة فور هذا الإطفاء، ولا يصح شرعا أن يظل ربحه كاملا حتى نهاية الإطفاء. هذا من الناحية الشرعية، ولكننا إذا نظرنا من الناحية العملية، فيبدو أن الاقتصار على الطريق الأول من الإطفاء أولى وأسهل. وذلك أن لا يقع الإطفاء إلا على عدد معين من الأسهم الكاملة، ليسهل حساب الربح عملا، ولعل ذلك يتطلب أن تكون القيمة الاسمية للسندات قصيرة لا تحتاج عند الإطفاء إلى التجزئ. والله أعلم. * * *

стр. 241

..

стр. 242

(٨) الطرق المشروعة للتمويل العقاري بحث عرض على مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من (١٧) إلى (٢٣) شعبان (١٤١٠) الموافق (١٤) إلى (٢٠) آذار مارس عام (١٩٩٠) م.

стр. 243

..

стр. 244

الطرق المشروعة للتمويل العقاري بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وأصحابه الطاهرين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن السكن من الحاجات الأصلية التي لا يمكن المرء أن يعيش بدونها. قال الله : ﴿وَالله جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً﴾ وروي عن عائشة، عن رسول الله ﷺ أنه قال " ((ثلاث من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والمركب الهنيء)) (١) . وإن الحصول على المسكن الواسع المناسب أصبح اليوم في مقدمة المشاكل التي يجابها المرء في حياته، ولا سيما في المدن الكبيرة المزدحمة بالعمران، وذلك لتعقد الحياة وكثرة السكان، وغلاء الأسعار، والذين يستطيعون أن يشتروا أو يبنوا لأنفسهم مسكنا يفي بحاجاتهم قلة قليلة بالنسبة إلى الذين لا يستطيعون ذلك. ونظرا إلى هذا، ظهرت في معظم البلاد مؤسسات تقوم بتمويل الناس لشراء المساكن أو بنائها، ولكن أكثرها إنما تعمل في إطار النظام

стр. 245

الربوي، فتقدم إلى عملائها قروضا، وتطالبهم على ذلك بالفائدة المعينة المتفق عليها في عقد التمويل، وبما أن هذا العقد يقوم على أساس الربا، وهو من أكبر المحرمات التي نهى عنها الله في كتابه المجيد، فأنه لا يجدر بأي مسلم أن يدخل في عقد يقوم على هذا الأساس الفاسد. وحينئذ، يجب على علماء المسلمين أن يقترحوا للناس طرقا للتمويل العقاري لا تعارض أحكام الشريعة الغراء، والتي يمكن أن تتخذ كبديل للتمويل الذي يقوم على أساس الربا المحرم شرعا. ونريد في هذه العجالة أن نذكر طرقا شرعية للتمويل العقاري، مع ذكر أدلة إباحتها، وبيان الثمرات الناتجة عنها، والله سبحانه هو الموفق للصواب. إن الأصل في الدولة الإسلامية أن تقوم بواجبها في توفير الحاجات الأساسية لشعبها، وتهيئ لهم هذه الحاجات، دون أن تطالبهم على ذلك بربح. وبما أن السكن من الحاجات الأساسية لكل إنسان، فمن حقه أن يحصل عليه في حدود إمكانياته المالية، ومن كانت إمكانياته ضيقة لا يستطيع بها أن يشتري مسكنا أو يبنيه من جيبه، فعلى الدولة أن تقوم بقضاء حاجته إما بأن تساعده من صندوق الزكاة، إن كان مستحقا لها، وإما بأن تبيع إليه المسكن على أساس التكلفة الفعلية، دون أن تطالبه على ذلك بربح، وإما بأن توفر له قرضا حسنا لا تتقاضى عليه أية فائدة. وإن هذه الطرق الثلاثة هي الأصل في التمويل العقاري، وهي التي توافق الروح الإسلامية، وطبيعة المجتمع الإسلامي الذي يقوم على أساس المواساة، والمساعدة على الخير، والتعاون على البر، والتألم بألم الآخرين، والارتياح براحتهم، والأخذ بأيدي الضعفاء ليرتفعوا إلى مستوى معيشة مقتصدة هنيئة. ولكن العمل بهذه الطرق الثلاثة، أو بواحدة منها، إنما يمكن لدولة

стр. 246

تكون لديها موارد ضخمة ووسائل جمة، فإن كلا من هذه الطرق يتطلب أموالا غزيرة، ولاسيما في عصرنا هذا الذي تضاعف فيه عدد السكان، وغلت فيه الأسعار، ولا شك أن إمكانيات الدولة يمكن-وينبغي -أن تزداد بالتقليل في مصاريف غير منتجة، والتحرز عن النفقات الباهظة التي لا يقصد منها إلا الرياء أو الترف، ولكن معظم الدول اليوم لا تستطيع أن توفر السكن لجميع سكانها بهذه الطرق، ولو بتخفيف مثل هذه النفقات. فحينئذ، لا بد من اختيار بعض الطرق التي لا تكلف الدول بالتبرع المحض لتوفير المساكن، ولا بتحمل النفقات التي لا تطاق، وتكون في الوقت نفسه سالمة من الربا، أو المحظورات الشرعية الأخرى، وهي كالتالي: ١- البيع المؤجل: فالطريق الأول هو أن يتملك الممول (١) بيتا، ثم يبيعه إلى العميل بربح بيعا مؤجلا ويستلم منه الثمن بأقساط معلومة في عقد البيع، يمكن أن يعفيه هذا البيع المؤجل مطلقا إننا في هذه عن بيان نسبة الربح، وحينئذ يكون تعيين تلك النسبة بيد الممول. ويمكن أيضا أن يعقد البيع عن طريق المرابحة، وذلك بأن يصرح في العقد بنسبة الربح الذي يتقاضاه الممول زائدا على تكاليفه الفعلية. فإن كان البيت موجودا عند التمويل، ولا يحتاج إلى بناء، فللممول أن يشتريه، ويبيعه إلى العميل بالطريق المذكور، وإن لم يكن هناك بيت مبني، ويريد العميل أن يبنيه، فحينئذ يستطيع الممول أن يوكل العميل ببناء البيت، ويكون بناؤه على ملك الممول، وإنما يشرف عليه العميل كوكيل له، وحينما يتم البناء يبيعه الممول إلى العميل بيعا مؤجلا.

стр. 247

هذا إذا كان العميل لا يمكن له أن يستخدم شيئا من ماله نقدا في شراء البيت أو بنائه. أما إذا كان العميل يستطيع أن يقدم حصة من تكاليف البيت نقدا، غير أن السيولة الموجودة عنده لا تفي بجميع النفقات اللازمة للشراء أو البناء، فيريد أن يطلب من الممول الحصة الباقية فقط، كما هو الحال في أكثر التمويلات العقارية اليوم، فيمكن له أن يتملك جزءا من البيت بمال نفسه، بأن يقع شراء البيت مشتركا من الممول والعميل، فيقدم الممول نصف ثمن البيت مثلا، ويقدم العميل نصفا أخر، ويكون البيت بينهما مشاعا بالنصف، ثم يبيع الممول نصفه إلى العميل بيعا مؤجلا بثمن أكثر من الثمن الذي دفعه إلى بائع البيت. أما إذا كان المقصود بناء البيت على أرض خالية، فيمكن استخدام نفس الطريق في شراء الأرض, بأن يقع شراؤها على سبيل الاشتراك من الممول والعميل، ثم يبيع الممول حصته في الأرض إلى العميل مؤجلا بثمن أكثر. فإن كانت الأرض مملوكة للعميل، أو صارت ملكا له بهذا الطريق وأراد العميل التمويل للبناء عليها، فإنه يمكن للممول والعميل أن يبنيا البيت على أساس المشاركة، فيدفع هذا نصف نفقة البناء، ويدفع ذلك النصف الآخر، فيقع البناء مشاعا بينهما بالنصف، وحينما يتم البناء يمكن للممول أن يبيع حصته من البناء إلى شريكة العميل مؤجلا بربح، وبيع الرجل حصته من البناء إلى شريكه مما لا نزاع في جوازه، وإن كان هناك خلاف في بيعها إلى الأجنبي، يقول ابن عابدين في رد المحتار: (ولو باع أحد الشريكين في البناء حصته لأجنبي، لا يجوز، ولشريكه جاز) (١) .

стр. 248

ولضمان أداء الثمن المؤجل يجوز أن يطلب الممول رهنا من العميل، وبالإمكان أن يمسك مستندات ملك البيت كرهن عنده، وإن هذا الطريق لا غبار عليه شرعا، غير أن الممول لا يستطيع أن يقدم مثل هذه التمويلات إلا إذا كان على ثقة كاملة بأن العميل سوف يشتري منه ما سيتملكه الممول من البيت أو البناء، لأنه إن امتنع العميل من الشراء بعدما أنفق عليه الممول نفقات باهظة، فإن ذلك لا يحدث ضررا بالممول فحسب، بل سوف يخيب هذا النظام بأسره، وبما أن البيع لا يجوز أن يضاف إلى زمن مستقبل، فلا بد لنجاح هذا الطريق أن يتعهد العميل مسبقا، بأنه يلتزم بشراء حصة الممول بعدما يمتلكها, وإن هذا التعهد من العميل، وإن كان وعدا محضا، والوعد عند أكثر الفقهاء لا يكون ملزما في القضاء، ولكن هناك عددا من الفقهاء جعلوا الوعد ملزما في الديانة والقضاء جميعا، وهو المذهب المشهور عند مالك ﵀، فإنه يجعل الوعد ملزما، لاسيما إذا دخل الموعود له بسببه في مؤنة، يقول الشيخ محمد عليش المالكي رحمه الله تعالى: (فالوفاء بالعدة مطلوب بلا خلاف. واختلف في وجوب القضاء بها على أربعة أقوال حكاها ابن رشد في كتاب جامع البيوع، وفي كتاب العارية، وفي كتاب العدة، ونقلها عنه غير واحد. فقيل: يقضى بها مطلقا، وقيل: لا يقضى بها مطلقا، وقيل: يقضى بها إن كانت على سبب، وإن لم يدخل الموعود بسبب العدة في شيء كقولك أريد أن أتزوج ... فأسلفني كذا ... والرابع: يقضى بها إن كانت على سبب،

стр. 249

ودخل الموعود بسبب العدة في شيء وهذا هو المشهور من الأقوال) (١) . وقال القرافي رحمه الله تعالى: (قال سحنون: الذي يلزم من الوعد: اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبني به، أو اخرج إلى الحج وأنا أسلفك، أو اشتر سلعة، أو تزوج امرأة وأنا أسلفك، لأنك أدخلته بوعدك في ذلك. أما مجرد الوعد، فلا يلزم الوفاء به، بل الوفاء به من مكارم الأخلاق (٢) . وقال ابن الشاط في حاشيته: " الصحيح عندي القول بلزوم الوفاء بالوعد مطلقا، فيتعين تأويل ما يناقض ذلك. . . إلخ " (٣) . وكذلك اختار المتأخرون من الحنفية لزوم الوعد قضاء في عدة من المسائل، كما في مسألة البيع بالوفاء، قال قاضي خان ﵀ في البيع بالوفاء: " وإن ذكرا البيع من غير شرط، ثم ذكر الشرط على وجه المواعدة جاز البيع ويلزمه الوفاء بالوعد لأن المواعدة قد تكون لازمة فتجعل لازمة لحاجة الناس " (٤) وقال ابن عابدين ﵀: "وفي جامع الفصولين أيضا: لو ذكرا البيع بلا شرط، ثم

стр. 250

ذكر الشرط على وجه العقد جاز البيع ولزم الوفاء بالوعد إذا المواعيد قد تكون لازمة، فيجعل لازما لحاجة الناس (١) . فبناء على هذه النصوص الفقهية، يجوز أن تجعل مثل هذه المواعيد لازمة في القضاء، فإذا تعهد العميل في الاتفاقية الموقع عليها من قبل الفريقين أنه سوف يشتري حصة الممول من البناء أو العقار، فإنه يكون ملزما بوفاء هذا الوعد قضاء وديانة. ولكن يجب أن لا يقع البيع إلا بعدما يمتلك الممول حصته 'فإن البيع لا يضاف إلى المستقبل، وعلى هذا يجب أن يقع عند ذلك عقد البيع بالإيجاب والقبول. ٢- الشركة المتناقصة: والطريق الثاني للتمويل العقاري يبتنى على أساس الشركة المتناقصة. وإن هذا الطريق يتلخص في نقاط تالية: إن الممول والعميل يشتريان البيت على أساس شركة الملك، فيكون البيت مشاعا بينهما بنسبة حصة الثمن التي دفعها كل واحد منهما، فإن دفع كل منهما نصف الثمن، يكون البيت مشاعا بينهما بالنصف، وإن دفع أحدهما الثلث والآخر الثلثين، كان البيت بينهما أثلاثا، وهكذا. ثم يؤجر الممول حصته من البيت إلى العميل بأجرة شهرية أو سنوية معلومة بينهما. ج- وتقسم حصة الممول على سهام متعددة معلومة، كالعشرة مثلا. د- وبعد كل فترة دورية متفق عليها بين الفريقين (كستة أشهر مثلا) يشتري العميل سهما من هذه السهام بحصة من الثمن، فإن كانت حصة الممول مثلا تساوي ستة أشهر يشتري العميل سهما بعشرين ألف ربية.
следующие страницы →