← Тафсир

Тафсир · id 1535

حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي = عناية القاضي وكفاية الراضي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (3 156 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

السبب الموجب ما يكون مؤثراً في حصول شيء سواه كان عن استحقاق أو لا، ألا ترى أنّ الضرب والقتل بظلم سبب للإيلام والموت مع أنه ليس عن استحقاق، فاعتراض! السائل واقع في موقعه، ولا يمكن التقصي عنه إلا بما قرّرنا. من أنّ معنى الآية ذلك العذاب بكسب أيديكم لا لشيء آخر من إرادة التعذيب بلا ذنب فانه تعالى ليس بظلام فالمقام مقام تعيين السببية، وتخصيصها للذنوب وذلك لا يحصل إلا بنفي صدور العذاب بلا ذنب منه تعالى، ومن هنا علم أنّ قوله وبالجملة الخ ليس بسديد فإنّ مبناه كون الاستحقاق شرطا للسببية، وقد مرّ ما فيه لمختار أجلة المفسرين من كون نفي الظلم سبباً آخر للتعذيب لأنّ سببية نفي الظلم موقوفة على إمكان إرادة التعذيب بلا ذنب، وكونها سبباً للعذاب فكيف يكون مآل كون التعذيب بلا ذنب كونه بدون سبب فتأمّل. قوله: (ينتهض الخ) قيل هذا ينافي ما ذكر في آل عمران، وقد علصت جوابه، وقيل إنه قد يتحقق بالعفو إذ ليسا بطرفي نقيض عندنا فلا يتم ما ذكره، وقد عرفت ما فيه، ثم إنه قيل ما في آل عمران ظاهر البطلان فإنّ ترك التعذيب من مستحقه ليس بظلم شرعا ولا عقلاً لينتهض نفي الظلم سببا للتعذيب، ومنشؤه عدم الفرق بين السبب، والعلة الموجبة والفرق واضح، فإن السبب وسيلة غير موجبة لحصول المسبب بخلاف العلة، والعدل اللازم من نفي الظلم سبب العذاب المستحق، وإن لم توجبه فالاستدلال بعدم الإيجاب على عدم المسبب فاسد، ولبعض أهل العصر فيه كلام تركناه خوف الإطالة ثم إن قول المصنف ﵀ ترك التعذيب من مستحقه ليس بظلم لا ينتهض على المعتزلة إلا أن يقال إنه كلام تحقيقي وان لم يسلموه فتأمل. قوله: (وظلام للتكثير الخ) جواب ما قيل إنّ نفي نفس الظلم أبلغ من نفي كثرته ونفي الكثرة لا ينفي أصله بل ربما يشعر بوجوده، ورجوع النفي للقيد بأنه نفي لأصل الظلم، وكثرته باعتبار آحاد من ظلم كأنه قيل ظالم لفلان، ولفلان وهلمّ جزاً فلما%! مع هؤلاء عدل إلى ظلام لذلك أي لكثرة الكمية فيه، وقد أجيب بوجوه منها أنه إذا انتقى الظلم الكثير انتفى الظلم القليل لاًنّ من يظلم يظلم للانتفاع بالظلم، فإذا ترك كثيره مع زيادة نفعه في حق من يجوز عليه النفع، والضر كان لقليله مع قلة نفعه أكثر تركا وبأنّ ظلام للنسب كعطار أي لا ينسب إليه الظلم أصلا وبأنّ كل صفة له تعالى في أكمل المراتب فلو كان تعالى ظالماً كان ظلاما فنفي اللازم لنفي الملزوم، وبأنّ نفي الظلام لنفي الظالم ضرورة أنه إذا انتفى الظلم انتفى كماله فجعل نفي المبالغة كناية عن نفي أصله انتقالأ من اللازم إلى الملزوم، فإن قلت لا يلزم من كون صفاته تعالى في أقصى مراتب الكمال كون المفروض ثبوته كذلك بل الأصل في صفات النقص على تقدير ثبوتها أن تكون ناقصة، قلت إذا فرض! ثبوت صفة له تعالى يفرض! بما يلزمها من الكمال، والقول بأنّ هذا في صفات الكمال إنما يوجب عدم ثبوتها لا ثبوتها ناقصة، وأجيب أيضا بأنّ استحقاقهم العذاب بلغ الغاية بحيث لولاه لكان تعذيبهم غاية الظلم، وهو الذي ارتضاه في الكشاف وأيده في الكشف وأيضاً لو عذب تعالى عبيده بدون استحقاق، وسبب لكان ظلماً عظيما لصدوره عن العدل الرحيم. قوله: (أي دأب هؤلاء الخ) الدأب إدامة السير، والدأب العادة المسمرة، وهو المراد هنا كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى وأشار إلى أنه خبر مبتدأ مقدر وهو دأب هؤلاء وتفسير الكاف بمثل لا يقتضي أنها اسم كما قيل. قوله: (تفسير لدأبهم) أي للدأب المشبه، والمشبه به لأنه لبيان وجه الشبه كما سيأتي فتكون الجملة تفسيرية لا محل لها من الإعراب، وقيل إنها مستأنفة استئنافا نحويا أو بيانياً، وقيل حالية بتقدير قد. قوله:) كما أخذ هؤلاء) المقصود بيان اشتراكهما في الأخذ لا التشبيه حتى يقال إنه تشبيه مقلوب. قوله: (لا يغلبه في دفعه شيء) تفسير للقوى المضموم إليه شديد العقاب أي لا يغلبه غالب فيدفع عقابه عمن أراد معاقبته وما حل بهم هو الانتقام بتعذيبهم، وقوله مبدلاً إشارة إلى أنه تغيير خاص بتبديل إلى ضدّه فإنّ التغيير شامل لغيره، وقوله ما بهم إشارة إلى أنّ المراد بالأنفس الذوات. قوله: (١ لى حال أسوأ كتغيير قريش الخ) في الكشاف في دفع السؤال بأنهم لم يكن لهم حال مرضية غيروها إلى حال مسخوطة إنه كما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة تغير الحال المسخوطة إلى أسخط منها، وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم

стр. 1367

كفرة عبدة أصنام فلما بعث-لمجي! إليهم الآيات البينات فكذبوه وعادوه، وتحزبوا عليه ساعين في إراقة دمه غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت فغير الله ما أنعم به عليهم من الإمهال، وعاجلهم بالعذاب، والمصنف ﵀ اختصر كلامه فورد عليه أن أسوأ لا حاجة إليه فإن صلة الرحم والكف عن تعرض! الآيات والرسل ليست بحال سيئة، وهي التي غيروها إلا أن يقال قوله في صلة الرحم، والكف ليس بياناً للحال بل الحال هي الكفر ولكن لاقترانها بما ذكر لم تكن أسوأ بل سيئة، وقيل إنهم لما كانوا متمكنين من الإيمان، ثم لم يؤمنوا كان ذلك كأنه حاصل لهم فغيروه كما قيل في قوله أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى وهو وجه حسن. قوله: (وليس السبب عدم تنيير الله ما أنعم الخ (لما كان منطوق الآية أنّ سبب ما حل بهم عدم تغيير ما أنعم الله به على قوم حتى يغيروا وانتفاء تغيير الله حتى يغيروا لا يقتضي تحقق تغييره إذا غيروا، والعدم ليس سببا للوجود هنا وأيضا عدم التغيير صارف عما حل بهم لا مر جب له بحسب الظاهر أشار إلى أنّ السبب ليس منطوق الآية بل مفهومها، وهو تغيير نعمة من غير، وإنما آثر التعبير بذلك لأنّ الأصل عدم التغيير من الله لسبق إنعامه ورحمته لأنّ الأصل فيهم الفطرة، وأما جعله عادة جارية فبيان لما استقرّ عليه الحال من ذلك لا أنّ كونه عادة له دخل في السببية فتدبر. قوله: (وأصل يك الخ) شبه النون بحروف العلة أنها من الزوائد وحروف العلة تحذف من آخر المجزوم فلذا حذفت هذه، وهو مختص بهذا الفعل لكثرة استعماله. قوله: (تكرير للتثيد ولما نيط به الخ) أي لم علق بالثاني تعليقا معنو أي ذكر معه، والحاصل أنّ الدأب المشبه والمشبه به هنا فأما الأوّل أو مغاير له فعلى الأوّل يكون تكريراً للتأكيد وليس تكريراً صرفا لما فيه من الزيادة، والتغيير لأنه يدلّ على أنهم كفروا نعمه، وهو مربيهم المنعم عليهم بجميع النعم كما يدل عليه لفظ الرب، ولذا لم يقل كذبوا ولا بآياته وفيه بيان للأخذ بالإهلاك والإغراق وقيل لأنّ الآيات نعم فتكذيبها كفران بها وأيضاً الرب مفيض النعم فتكذيب آياته كفران لنعمه والأوّل أولى فتدبر. قوله: (وقيل الآوّل لتشبيه الكفر والأخذ الخ) فيتغاير التشبيهان ولا يكون تأكيداً، قال في الفرائد هذا ليس بتكرير لأنّ معنى الأوّل حال هؤلاء كحال آل فرعون في الكفر فأخذهم، وآتاهم العذاب ومعنى الثاني حال هؤلاء كحال آل فرعون في تغييرهم النعم، وتغيير الله حالهم بسبب ذلك التغيير، وهو أنه أغرقهم بدليل ما قبله، وقيل إن النظم يأباه لأنّ وجه التشبيه في الأوّل كفرهم المترتب عليه العقاب فينبغي أن يكون وجهه في الثاني قوله كذبوا الخ لأنه مثله إذ كل منهما جملة مبتدأة بعد تشبيه صالحة لأن تكون وجه الشبه فتحمل عليه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٥٩] وأما قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٥٣] الخ فكالتعليل لحلول النكال معترض بين التشبيهين غير مختص بقوم فجعله وجا للتشبيه بعيد عن الفصاحة، وهذا وجه تمريضه فتأمّل. قوله: (وكل من الفرق المكذبة الخ) يعني المراد كل من كفر وكذب بآيات الله أو المراد به آل فرعون وكفار تريش لأنّ ما قبله في تشبيه دأب كفرة قريش بدأب آل فرعون صريحاً وتعييناً، ويكفي مثله قرينة لذلك فلا يرد ما قيل إنه لا وجه للتخصيص مع أنّ السياق يقتضي شموله للمشبه والمشبه به، أو للمشبه به، وهم آل فرعون ومن قبلهم فتأمّل، وقوله أنفسهم إشارة إلى تقدير المفعول، ولو عممه لكان له وجه. قوله: (أصروا على الكفر الخ (فسره به لأنّ مجرّد الكفر لا يخبر عن المتصف به بأنه لا يؤمن. قوله: (ولعله إخبار عن قوم مطبوعين الخ) تبع الزمخشري أوّلا في تفسير لا يؤمنون بلا يتوقع منهم الإيمان، ثم ذكر وجها آخر، وهو أن معنى لا يؤمنون أنهم مطبوعون على الكفر مصرون عليه، ولا يظهر الفرق بينهما، وقوله والفاء للعطف على الوجهين، ووجه التنبيه المذكور جعله مترتباً ترتب المسبب على سببه ولو جعل من تتمة الثاني لترتب عدم الإيمان على الطبع لا على الإصرار لأنه عينه كان أوجه. قوله: (بدل من الذين كفروا الخ) جوّزوا في هذا الموصول الرفع على البدلية من الموصول قبله أو على النعت له فيخص الموصول الأوّل وحينئذ يصح أن يكون بدل كل أيضا ما قيل إنه لا وجه له غير صحيح أو عطف البيان والرفع على الابتداء، والخبر والنصب على الذمّ، ومعنى يمالؤوا يعاونوا

стр. 1368

ويساعدوا وأصل معناه يصيرون من ملئهم وقومهم، وقوله كعب بن الأشرف قيل المعاهد إنما هو كعب بن أسد سيد بني قريظة، وهذا منقول عن البغوي وخطأ ما وقع هنا، وحالفهم بالحاء المهملة أي عاهدهم على حربه ع! ب!. قوله:) ومن لتضمن المعاهدة معنى الأخذ) وفي نسخة لتضمين وهو التضمين المصطلح أي عاهدت آخذاً منهم والا فالمعاهد متعذية بنفسها، وقيل المعنى إنه في ضمنه لاشتهار أخذ عليه عهداً فلكونه من لوازمه جعل متضمنا له ولا حاجة إليه، وقال أبو حيان ﵀ من تبعيضية وقيل زائدة على كون المراد بالمرّة مرة المعاهدة المراد التي بعدها، وعلى كون المراد المحاربة يكون النقض واقعا فيها. قوله: (سبة الغدو) السبة بضم السين المهملة وباء موحد مشددة العار الذي يسب به، والمغبة بالفتح العاقبة من الغب بالإعجام، والغدر نقض العهد وضمير فيه لنقض العهد. قوله: (فإما تصادفنهم وتظفرن بهم) الثقف يفسر الإدراك والمصادفة وبالظفر والظفر إنما يكون بعد الملاقاة فأشار إلى أن المراد به الظفر المترتب على الملاقاة لأنه الذي يترتب عليه التشريد، وفلا يقال حق التعبير أو الفاصلة لتغاير المعنيين كما في كتب اللغة، وقوله عن مناصبتك بالصاد المهملة والباء الموحدة أي معاداتك ومحاربتك، ومنه الناصبة ونكل بالتشديد بمعنى أوقع النكال وبقتلهم تناعه فرق، ونكل وقوله على اضطراب أي مع إزعاج. قوله: (وقرىء شرذ بالذال المعجمة) وهو بمعنى المهملة، واختلف في هذه الماذة فقال ابن جني إنها مهملة لا توجد في كلام العرب فلذا قيل إنه إبدال لتقارب مخرجيهما، وقيل: إنه قلب من شذر ومنه شذر مذر للمتفرق، وذهب بعض أهل اللغة إلى أنها موجودة ومعناها التنكيل ومعنى المهمل التفريق كما قاله قطرب لكنها نادرة، وقوله ومن خلفهم أي قرىء من خلفهم بكسر الميم، وهي من الجارّة. قوله: (والمعنى واحد) أي في قراءتي الكسر والفتح، وهو منزل منزلة اللازم كما أشار إليه بقوله فعل التشريد وجعل الوراء ظرفا فالتقارب معنى من وفي تقول اضرب زيدا من وراء عمرو ووراء عمرو بمعنى في ورائه، وليس هذا من قبيل يجرح في عراقيبها إذ ليس الظرف مفعولاً به في الأصل إلا في مجرّد تنزيله منزلة اللازم والحاصل أنّ التشريد وراءهم كناية عن تشريدهم في الوراء فتوافق القراءتان وقوله لعل المشرّدين بصيغة المفعول وهم من صادفهم أو هم من خلفهم. قوله: (معاهدين الخ) المعاهدة تؤخذ من الخيانة والنبذ الطرج وهو مجاز عن إعلامهم بأن لا عهد بعد اليوم فشبه العهد بالشيء الذي يرمي لعدم الرغبة فيه، وأثبت النبذ له تخييلا ومفعوله محذوف وهو عهدهم. قوله: (على عدل وطريق قصد الخ) على سواء إمّا حال من الفاعل أي أنبذها وأنت على طريق قصد أي مستقيم أي ثابتا على عهدك فلا تبغتهم بالقتال بل أعلمهم به، وإمّا حال من الفاعل أو المفعول بالواسطة أو منهما معاً أي كائنين على استواء أي مساواة في العلم بذلك أو في العداوة، وسواء صفة موصوت محذوف أي على طريق سواء والطريق مجاز عن الحال التي هم عليها، وقوله ولا تناجزهم أي تعاجلهم في المحاربة بأن تحاربهم قبل أن تظهر إليهم نبذ العهد، وقوله على الوجه الأوّل أي كونه بمعنى عدل، وقوله أو منه أي النابذ ولزوم ذلك إذا لم تنقض مدة العهد أو يظهر نقضهم للعهد، ولذلك غز النبيّ ﷺ أهل مكة من غير نبذ ولم يعلمهم لأنهم كانوا انقضوا العهد بمعاونتهم بني كنانة على قتل خزاعة حلفاء النبيّ كيرو كما ذكره الجصاص (قلت) وقوله تخافن صريح فيه أي والسواء ورد في كلامهم بمعنى العدل كقوله: حتى يجيبوك إلى السواء والمراد بالخوف خوف إيقاع الحرب ونقض العهد فلا وجه لما قيل إن الأولى تركه. قوله:) تعليل للأمر بالنبذ الخ) ويحتمل أن يكون طعناً في الخائنين الذين عاهدهم الرسول لمجح وعلى طريقة الاستئناف متعلق بقوله تعليل. قوله: (خطاب للنبئ ﷺ أو لكل سامع والذين كفروا سبقوا مفعولاه على قراءة الخطاب وهي ظاهرة وأمّا القراءة با اسياء للغيبة فضعفها الزمخشرفي، وقال: إنّ القراءة التي تفرد بها حمزة غير نيرة أي واضحة، وقد ردوا عليه ذلك بوجهين الأوّل أنّ حمزة لم ينفرد بها بل ترأها حمزة وحفص وغيرهما، واليه أشار المصشف رحمه الله

стр. 1369

الثاني أنّ قوله إنها غير واضحة ليس كما زعم فإنها أنور من الشمس في وسط النهار لأنّ فاعل يحسبن ضمير أي لا يحسبن هو أي قبيل المؤمنين أو الرسول أو الحاسب أو من خلفهم أو أحد لأنه معلوم من الكلام فلا يرد عليه أنه لم يسبق له ذكر، وأمّا حذف الفاعل فلا يخطر بالبال كما توهم، وعليه فمفعولاه الذين كفروا سبقوا، وقيل الفعل مسند إلى الذين كفروا والمفعول الأوّل محذوف، وسبقوا هو الثاني أي لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سابقين وإلى هذا أشار المصنف ﵀ بقوله أنفسهم أي مفعوله المقدر أو أنّ التقدير لا يحسبنهم لكنه ليس بتقدير مضاف لأنّ أفعال القلوب يجوز أن يتحد فيها الفاعل والمفعول وحذف أحد مفعوليها جوزه الزمخشريّ في غير موضع ولا يضرّ الإضمار قبل الذكر لتأخر رتبته، وقيل تقديره أن سبقوا وأن وما بعدها ساد مسد المفعولين، ويؤيده قراءة أنهم سبقوا ولا يخفى ما فيه، وقيل سبقوا حال وأنهم لا يعجزون ساد مسد المفعولين في قراءة من قرأ بالفتح، ولا على هذا مزيدة وقوله للتكرار أي لكونه عين الفاعل، وقوله: الأنّ أن المصدرية الخ) قد أجيب عن قول المصنف ﵀ أن المصدرية الخ بأن أن قد يقال إنها ليست مصدرية بل مخففة، ومراده بالمصدرية التي تنصب الفعل لأنها المتبادرة عند الإطلاق، فلا يرد عليه أنه لا مانع من أن يريد المصنف بأن المصدرية المخففة لأنها مصدرية كما صرّج به النحاة نعم إطراد حذفها غير مسلم، وقوله فلا تحذف أي حذفا مطرداً فإنه نادر أو شاذ في غير المواضع المعروفة كما في قوله تسمع بالمعيدي ونحوه، وقول النحرير: الوجوه لا تخلو من تمحل لا ينبغي من مثله إلا أن يريد بيان ما في الكشاف. قوله: (بالفتح على قراءة ابن عامر) ردّ على الزمخشري حيث ذكره في توجيه قراءة حمزة وتفرده، ومثله في تفسير الفراء والزجاج والتخصيص بالذكر لا يفيد الحصر،، قوله صلة أي زائدة لأنّ الزائد يسمى صلة في القرآن تأدّباً لأنه صلة لتزيين اللفظ، وتقويته ويؤيده أنه قرىء بحذفها، وقوله مفلتين أي هاربين. قوله: (والأظهر أنه تعليل للنهي الخ) أي على هذه القراءة هو تعليل بتقدير اللام المطرد حذفها في مثله، وأفلت وتفلت خلص، وأعجز. الشيء فإنه، وأعجزت الرجل وجدته عاجزا، واليهما أشار المصنف رحمه الله تعالى وقوله: (أو لا يجدون) بأو ووقع في نسخة بالواو والصحيح هو الأوّل لأنهما معنيان متغايران، وقوله: (استئناف) أي نحوي أو بيانيّ. قوله: (ولعل الآية إزاحة لما يحذر به الخ) أي الآية لإزالة ما يحذر به المؤمنون من أنّ في نبذ العهد إيقاظ الأعداء، وتحريك الشر فمن بيانية أو صلة يحذر، ونبذ مصدر، وفل بفتح الفاء وتشديد اللام المنهزم يقع على الواحد وغيره، وقوله لنا قضي العهد الذي يقتضيه السياق أو للكفار مطلقا كما يقتضيه ما بعده، وقوله ما يتقوى به في الحرب أي فأطلق عليه القوّة مبالغة، وإنما ذكر لأنه لم يكن لهم في بدر استعداد تامّ فنبهوا على أن النصر من غير استعداد لا يتأتى في كل مكان. قوله: (وعن عقبة بن عامر رضي الله عته) أخرجه مسلم أي الرمي بالنشاب والقسيّ فحص بالذكر لأنه أقوى ما يتقوى به كقوله الحج غرفة والمراد خصه الله به على تفسيره به أو خصه النبىّ ﷺ بتسميته قوّة فلا يرد عليه أنه يخالف ما سيذكر في عطف الرباط على القوة مع أنّ الرباط منها لأن فضله على غيره في القوّة، ويحتاج إلى الجواب بأنه أقوى بالنسبة لما عدا الرباط من آلات الحرب وكونه أفضل وأقوى بالنسبة إلى الكل. قوله: (اسم للخيل التي تربط الخ) قيل يلزم عليه إضافة الشيء لنفسه حينئذ، وردّ بأن المراد أنّ الرباط بمعنى المربوط مطلقاً إلا أنه استعمل في الخيل، وخص بها فالإضافة اعتبار عموم المفهوم الأصلي، وقيل إنّ قوله اسم للخيل التي تربط تفسير لمجموع رباط الخيل لا للرباط وحده فلا يحتاج إلى توجيه وهذا بالآخرة يرجع إلى ما ذكره المجيب، وليس غيره كما توهم، وقيل الرباط مشترك بين معان آخر كانتظار الصلاة وغيره فإضافته لأحد معانيه للبيان كعين الشمس، ومنه يعلم أنه يجوز إضافة الشيء لنفسه إذا كان مشتركاً وإذا كان من إضافة المطلق للمقيد فهو على معنى من التبعيضية وفيه ما مرّ وقوله: (مصدر الخ) يعني هو مصدر للثلاثي أو للمفاعل سمي به المفعول، وخصه الزمخشرفي بالثاني لأنه المقيس فيه فعال. قوله: (وعطفها على القوّة الخ) أي على معناها الأصلي

стр. 1370

وتفسيره الأوّل على تفسيره بالرمي وقيل إنه جزم به، والزمخشرفي جوزه لأنه ذكر للقوّة معاني، ما يتقوى به والرمي والحصون، وكونه كذلك على الأوّل فقط والمصنف ﵀ لم يذكر الحصون وأوّل الرمي بكونه الأقوى فلذا جزم به، وقيل المطابق للرمي أن يكون الرباط مصدرأ وعلى تفسير القوّة بالحصون يتم التناسب بينه وبين رباط الخيل لأنّ العرب سمت الخيل حصونا وهي الحصون التي لا تحاصر كما في قوله: ولقد علمت على تجنبي الردى أنّ الحصون الخيل لا مدر القرى وحصني من الأحداث ظهر حصاني ومنه أخذ المتنبي قوله: أعز مكان في الدنيا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب قوله: (تخوفون به الخ) هذه الجملة حال من أعدوا وفيه إشارة إلى عدم تعين القتال لأنه قد يكون لضرب الجزية ونحوه، وقوله من غيرهم فسرها بغير لأنها ليست للظرفية الحقيقية. قوله: (لا تعرفونهم بأعيانهم) جعل العلم بمعنى المعرفة لتعديه لواحد، وقد جوز أن يكون على أصله ومفعوله الثاني محذوف أي لا تعلمونهم محاربين لكم أو معادين وهو تكلف، وقال بأعيانهم لأنّ المعرف تتعلق بالذوات، وقوله يعرفهم أطلق العلم على الله، وهو بمعنى المعرفة والمعرفة لا يجوز إطلاقها على الله على ما عليه الأكثر ولا حاجة إلى أن يقال إنه للمشاكلة لما قبله فلا يرد ما اعترض به عليه وان ذهب إليه في الدر المصون مع أنه وقع إطلاق العارف على الله في نهج البلاغة، ووجهه ابن أبي الحديد في شرحه كما مرّ، وقوله يوف إليكم أي يؤذي بتمامه والمؤذي جزاؤه لا هو فلذا ذكره المصنف ﵀ إشارة إلى التقدير، أو التجوّز في الإسناد وتضييع العمل إحباطه وعدم الثواب به يعني أنّ الظلم عبارة عما ذكره وان كان له ذلك فإنه يفعل ما يشاء فله تعذيب المطيع فضلاً عما ذكر فتدبر، وقوله ومنه الجناح أي سمي به لأنه يتحرك ويميل، والسلم له معان منها الاستسلام للطاعة. قوله: (وتأنيث الضمير لحمل السلم على نقيضها فيه) المراد بالنقيض الضد وهو الحرب لأنها مؤنثة سماعية، وقوله فيه أي في التأنيث. قوله: (السلم تأخذ الخ (لم أر من عزاه، ومعناه أن السلم أمر مرضيّ ينبغي الاستكثار منه، وأمّا المحاربة فتجتنب الإلداع فتدخل على مقدار الحاجة، وشبهها بمشرب غير طيب يكتفي بقليله لدفع العطش، وأنفاس جمع نفس بفتحتين وأصله من التنفس، وهو إخراج الهواء من الجوف، والمراد به مجازا المزة من الشرب كما في قول جرير: تعلل وهي ساغته بفيها بأنفاس من الشبم القراج وجرع بالراء والعين المهملتين جمع جرعة بتثليث أوله، وهي حسوة من ماء وهو من المجاز كما يقال تجرع الغيظ كما ذكره في الأساس فمن ظنه جمع جزعة بكسر الجيم، وضمها والزاي المعجمة وهي القليل من الماء وقال: إنه صحح في النسخ فقد أساء الرواية والدراية، وقراءة فاجنح بضم النون على أنه من جنح يجنح كقعد يقعد، وهي لغة قيس قراءة شاذة قرأها الأشهب العقيلي والفتح لغة تميم وهي الفصحى، وقوله خداعا أي في السلم والصلح. قوله:) والآية مخصوصة بأهل الكتاب الخ (أهل الكتاب هم يهود بني قريظة، وهم المعنيون بقوله الذين عاهدت إلى هنا إن كان قوله وأعدّوا لهم لنا قضي العهد كما مر أحد الوجهين فقوله لاتصالها مبنيّ عليه فان كان للكفار مطلقا تكون هذه الآية عامّة منسوخة بآية السيف لأنّ مشركي العرب ليس لهم إلا الإسلام، أو السيف بخلاف غيرهم فإنه يقبل منهم الجزية فالقولان راجعان للتفسيرين على اللف والنشر المرتب وقيل إنه عليهما واتصال بقصتهم لأن ما بينهما اعتراض! في حكم المتأخر. قوله: (محسبك وكافيك) يعني أنه صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل، وقال الزجاج: إنه اسم فعل بمعنى كفاك فالكاف في محل نصب، وعلى الأوّل في محل جرّ وخطأه فيه أبو حيان لدخول العوامل عليه واعرابه في نحو بحسبك درهم ولا يكون اسم فعل هكذا، ولم يثبت في موضع كونه اسم فعل. قوله: (قال جرير الخ (تبع فيه الكشاف وشراحه فإنهم قالوا إنه من قصيدة لجرير وأنشدوه هكذا: إني وجدت من المكارم حسبكم أن تلبسوا حر الثياب وتشبعوا

стр. 1371

واذا تذكرت المكارم صزة في مجلس أنتم به فتقنعوا لكن المذكور في شرح شواهد الكتاب أن هذين البيتين لعبد الرحمن بن حسان، وقيل لسعد بن عبد الرحمن بن حسان ورواه أني رأيت من المكارم الخ وجعل أن تلبسوا أحد مفعولي رأيت وحسبكم المفعول الثاني، وكانت بنو أمية بن عمرو بن س! د بن العاصي لما زوّجوا أختهم من سليمان بن عبد الملك وحملوها إلى الشأم، وهو معهم وعدوه بالقيام بأمره فقصروا فقال: الشعر يهجوهم، ومعنى الشعر أني نظرت في أحوالكم فوجدتكم اكتفيتم من المكارم باللبس واكل ولا همة لكم تدعوكم إلى الكرم ومعالي الأمور فإن وقع في مجلس المذاكرة في المكارم فغطوا رؤوسكم واستتروا لأنكم لستم من أهلها وليس فيكم رائحة من المكارم التي عدوها، وحرّ بالحاء المهملة المضمومة والراء المهملة بمعنى أحسنها والحز من كل شيء ما يختار منه، ويروى خز بخاء معجمة مفتوحة وزاي معجمة والخز الإبريسم، وقيل إنه يطلق على الصوف أيضاً، والمعروف الأوّل. توله: (مع ما فيهم من العصبية الخ) العصبية بمعنى التعصب والضغينة كالضغن الحقد، وتوله حتى صاروا كنفس واحد متعلق بألف يعني أن العرب ناس لشدة أنفتهم وتعصبهم ولما ركز في طباعهم من الحقد قلما تصفو قلوبهم وتخلص مودّتهم فتأليفه لهم، وجعلهم متصافين لا كدر بينهم من آياته مجقيرو كما في الكشاف، وضعف القول بأنّ المراد بهم الأوس والخزرج لما كان بينهم في الجاهلية لأنه ليس في السياق قرينة عليه. قوله: (لو أنفق منفق الخ) يعني أن الخطاب لغير معين بل لكل واقع عليه لأنه لا مبالغة في انتفائه من منفق معين، وذات البين العداوة وقوله والإصلاج أي إصلاج ذات البين، وقوله المالك للقلوب إشارة إلى حديث قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. قوله: (لا يعصى عليه ما يريده) أي لا يتخلف شيء عن إرادته ولا يقع شيء بدون إرادته وهو استعارة تبعية أو تمثيلية. قوله: (يعلم أنه كيف ينبغي أن يفعل ما يريده الخ (أي يعلم ما يليق بتعلق الإرادة به فيوجده بمفتضى حكمته، واحن بالمهملة بوزن عنب جمع أحنة، وهي الحقد، وقوله: (وصاروا أنصارا) أي طائفة واحدة متناصرين مسمين بذلك متبعين على قلب واحد في نصرة النبىّ ﷺ ودينه. قوله: (إما في محل النصب على المفعول معه اليئ (وقال الفراء إنه يقدر نصبه على موضع الكاف أيضاً واختاره ابن عطية وردّه السفاقسي بأن إضافته حقيقية لا لفظية فلا محل له، اللهم إلا أن يكون من عطف التوهم، وكونه مفعولا معه ذكره الزجاح: فقول أبي حيان ﵀ إنه مخالف لكلام سيبويه ﵀ فإن جعل زيداً في قولهم حسبك وزيداً درهم منصوباً بفعل مقدر أي، وكفى زيداً درهم، وهو من عطف الجمل عنده لا يضرنا وذكره الفراء في تفسيره. قوله: (فحسبك والضحاك سيف مهند) أوله: إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا وفي رواية واشتجر القنا وانشقاق العصا عبارة عن التفرّق والعداوة، واشتجار القنا بمعنى اشتباك الرماج والمراد به التحام الحرب أي إذا كان الحرب والتحم القتال أو وقع الخلاف بينكم فحسبك مع الضحاك سيف هندي، وقال ابن يسعون في شرح شواهد الإيضاح. إن الضحاك يروي بالنصب والرفع والجرّ، فالرفع على أنه مبتدأ خبره سيف، وخبر حسبك محذوف لدلالة الكلام عليه أو لا خبر له لأنه في معنى الأمر اي فلتكتف والضحاك سيفك الأوثق، والنصب على أنه مفعول، وحسبك متبدأ وسيف خبره أي كافيك سيف مع صحبة الضحاك أي حضوره، وحضور هذا السف مغن عما سواه، والجرّ على أن الواو واو القسم أو بالعطف على الكاف والمعنى ليس عليه، والهيجاء الحرب. قوله: (أو الجر عطفاً على المكني الخ) أي محلة الجرّ بالعطف على المكني أي الضمير لأنه مكني به وتسميه النحاة كناية والعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجارّ منعه البصريون، وأجازه الكوفيون وحجة المانعين أنه كجزء الكلمة فلا يعطف عليه. قوله: (أو الرفع الخ) عطفا على فاعل الصفة، وضعف في الهدى النبوي رفعه عطفا على اسم الله، وقال: إنما هو عطف على الكاف فإنّ المعنى عليه، ولا وجه له فإن الفراء والكسائي رجحاه وما قبله وما بعده يؤيده، وقوله: (كفاك الخ) بيان لحاصل المعنى لا أنه بمعنى

стр. 1372

الفعل حتى يكون اسم فعل كما قيل، وقوله نزلت بالبيداء أي في الصحراء في سفره عحلى والقرآن منه سفرقي وحضرفي، وهل هو مكي أو مدنيّ أو واسطة الكلام فيه مشهور، وعلى القول بأنها نزلت في إسلام عمر ﵁ تكون هذه الآية وحدها مكية فإنه قد يكون في السور المدنية آيات مكية ويكون في قوله في أوّل السورة مدنية تغليبا فإن كان المراد بمن اتبعك هو فمن تبعيضية، وعلى غيره هي بيانية، وقد جوّز فيه أن يكون مبتدأ محذوف الخبر أي كذلك أو خبر مبتدأ محذوف. قوله: (بالغ في حثهم عليه الخ) حرض بمعنى حض وحث فهو بمعنى الحث لا المبالغة فيه والمبالغة ذكرها الزجاج إذ قال تأويل التحريض في اللغة أن يحث الإنسان على شيء حتى يعلم منه أنه حارض أي مقارب للهلاك، وفي الدرّ المصون أنه مستبعد منه، وقد تبعه الزمخشري والمصنف ﵀، وقال الراغب الحرض يقال لما أشرف على الهلاك والتحريض الحث على الشيء بكثرة التزيين، وتسهيل الخطب فيه كأنه في الأصل إزالة الحرض نحو قذيته أزلت عنه القذى، وأحرضته أفسدته نحو أقذيته إذا جعلت فيه القذى، ومنه تعلم وجه المبالغة فيه ونهكه المرض بمعنى أضعفه وأضناه، ويشفي مضارع أشفى على كذا إذا أشرف عليه وقاربه، وقرئ حزص من الحرص المهملى وهو ظاهر. قوله تعالى: إلى ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ﴾ [٤ / ٢٩٠ ﴿صابِرُونَ﴾ الخ في البحر انظر إلى فصاحة هذا الكلام حيث أثبت قيداً في الجملة الأولى، وهو صابرون وحذف نظيره من الثانية، وأثبت قيداً في الثانية، وهو من الذين كفروا وحذفه من الأولى، ولما كان الصبر شديد المطلوبية أثبت في جملتي التخفيف، وحذف من الثانية لدلالة السابقة عليه، ثم ختم بقوله: ﴿وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ مبالغة في شدة المطلوبية، ولم يأت في جملتي التخفيف بقيد الكفر اكتفاء بما قبله (قلت) هذا نوع من البديع يسمى الاحتباك، وبقي عليه أنه ذكر في التخفيف بإذن الله وهو قيد لهما، وقوله والله مع الصابرين إشارة إلى تأييدهم وأنهم منصورون حتما لأنّ من كان الله معه لا يغلب، وبقي فيها لطائف فلله درّ التنزيل ما أحلى ماء فصاحته، وأنضر رونق بلاغته. قوله: (شرط في معنى الأمر الخ (أي هذه الجملة الخبرية لفظا إنشائية معنى لأن المراد ليصبرنّ الواحد لعشرة، ولذا وقع النسخ فيه لأن النسخ في الخبر فيه كلام في الأصول، وخالف الزمخشرقي إذ جعلها خبراً ووعدا لهم، فالظاهر أن يقول المصنف ﵀ أو الوعد فإنه على الخبر كما صرّج به الشارح، وقال الإمام: الدليل على كونه بمعنى الأمر أنه لو كان خبر الزم أن لا يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين، وليس كذلك بدليل قوله: والله مع الصابرين، فإنه ترغيب على الثبات في الجهاد، وقيل عليه إنّ التعليق الشرطي يكفي فيه ترتيب الجزاء على الشرط في بعض الزمان لا في كله، ولولا ذلك لزم تحلف وعده بذلك لانتفاء الكلية، وقوله: ﴿وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ لا يقتضي الإنشائية. (وفيه بحث الأن تعليق الغلبة على الصبر وجعله سببا لها يقتضي وجودها كلما وجد، والترغيب في الشيء يقتضي أنه قد يتخلف عنه ولذا ركب فيه وهذا أمر خطابي يكتفي فيه بمثله، ثم أن العلامة قال في الآية إشارة إلى علة غلبة المؤمنين عشرة أمثالهم من الكفار، وهي أمران أحدهما جهلهم بالمعاد حتى يقاتلون من غير احتساب كالبهائم بخلاف المؤمنين فإنهم يؤمنون بالمعاد فيقدمون على الجهاد على بصيرة طلبا للثواب، ويقاتلون بعزم صحيح وقلب قويّ، فلذا كفي القليل منهم الكثير، والثاني جهلهم بالمبدأ فيعولون على شوكتهم وقوّتهم، والمؤمنون يستعينون بالله فيستوجبون نصرته فيغلبونهم لا محالة، فأشار إلى الأوّل بقوله يقاتلون على غير احتساب، والى الثاني بقوله ويعزمون بالله اهـ. وقد أشار المصنف ﵀ إلى جهلهم بالمبدأ بقوله جهلة بالله، وبالمعاد بقوله وباليوم الآخر فلا وجه لما قيل أنّ المصنف ﵀ اكتفى بذكر المعاد لاستلزامه للمبدأ، وترك قوله في الكشاف كالبهائم وهو في غاية الحسن فإنّ الجزار لا يضره كثرة الغنم، وقوله بعون الله وتأييده هو معنى قوله بإذن الله إشارة إلى أنّ الأوّل مقيد به أيضا كما مرّ، وقوله تكن بالتاء في الآيتين اعتبار التأنيث اللفظي والبصريان أبو عمرو ويعقوب قرآ فإن تكن في الآية الثانية بالتأنيث لقوّته بالوصف المؤنث بقوله صابرة، وإما أن يكن منكم عشرون فبالتذكير عند الجميع إلا في قراءة شاذة عن الأعرج، فقول المصنف ﵀ وان تكن سهو في التلاوة لأنّ أبا عمرو قرأها في قوله: ﴿وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ﴾ بالفاء. قوله: (بسبب إنهم جهلة بالله الخ (فقه بمعنى فهم وعلم، والمعنى أنهم لا يعتقدون أمور الآخرة فإنّ من اعتقدها وعلم أنه على الحق هان عليه الموت، كما قال عليّ كرم الله وجهه لا أبالي أوقعت على الموت أم وقع الموت عليّ، وقوله: (رجاء الثواب) مفعول له علة لثبات المؤمنين، وقوله قتلوا أو قتلوا أي إن قتلوا رجوا ثواب الغزو، وان قتلوا رجوا منازل الشهداء وثوابهم، ولأنّ من أنكر الآخرة ولم يعلم إلا هذه الدار شح بنفسه غاية الشح فجبن، ومن علم انتقاله إلى أعلى منها هانت عليه نفسه وأحب لقاء الله، وقوله: (ولا يستحقون) عطف على لا يثبتون أي لجهلهم بالله لا يثبتون، ولا يستحقون إلا الخذلان وعدم النصرة والظفر. قوله: (لما أوجب على الواحد مقاومة العشرة الخ) الجمهور على انّ هذه الآية ناسخة للتي قبلها، وذهب مكيّ إلى أنها مخففة لا ناسخة كتخفيف الفطر للمسافر، وثمرة الخلاف أنه لو قاتل واحد عشرة فقتل هل يأثم أو لا، فعلى الأوّل يأثم، وعلى الثاني لا يأثم، وكلام المصنف ﵀ محتمل لهما، وعلى النسخ نزول هذه الآية متراخ عن نزول الأولى، قال النحرير: تقييد التخفيف بقوله الآن ظاهر، وأما تقييد علم الله ففيه خفاء، وتوضيحه أنّ علم الله متعلق بقوله الآن، أما قبل وقوعه فبأنه سيقع، وحال الوقوع بأنه يقع، وبعد الوقوع بأنه وقع، وقال الطيبي ﵀: معناه الآن خفف الله عنكم لما ظهر متعلق علمه تعالى أي كثرتكم الموجبة لضعفكم بعد ظهور قلتكم وقوّتكم. قوله: (وقيل كان فيهم قلة فأمروا بذلك ثم لما كثروا خفف عنهم) تغاير الوجهين بتغاير سبب التخفيف فإن قلت كيف يستقيم هذا مع قوله: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ فإنّ التحويل من القلة إلى الكثرة يزيد القوّة لا الضعف، قلت لما كان موجب القوّة اعتمادهم على الله وتوكلهم عليه لا على الكثرة كما في بدر أوجب أن يقاوم واحد منهم عشرة، ولذا علل مقابله بقوله بأنهم لا يفقهون كما عرفت، ثم لما كثروا اعتمدوا على كثرتهم بعض اعتماد كما في حنين فخفف الله عنهم بعض ذلك، وقال الإمام الكفار إنما يعوّلون على قوّتهم وشوكتهم، والمسلمون يستعينون بالدعاء والتضرّع، فلذا حق لهم النصر والظفر، وعن النصر أباذي أنّ هذا التخفيف كان للأمّة دون الرسول عشب! ، وهو الذي يقول بك أصول وبك أجول، ومن كان كذا لا يثقل عليه شيء حتى يخفف. قوله: (وتكرير المعنى الواحد الخ) أي وجوب ثبات الواحد للعشرة في الأوّل، وثبات الواحد للاثنين في الثاني، فكفاية عشرين لمائتين تغني عن كفاية مائة لألف، وكفاية مائة لمائتين تغني عن كفاية ألف لألفين، ووجهه بأنه للدلالة على عدم تفاوت القلة والكثرة فإن العشرين قد لا تغلب المائتين، وتغلب المائة الألف وأما الترتيب في المكرر فعلى ذكر الأقل ثم أكثر على الترتيب الطبيعي، فلا يرد عليه أنه لو عكس الترتيب في الآية لما كان لما ذكر وجه كما قيل. قوله: (بذكر الأعداد المتناسبة) الأعداد المتناسبة عند الحساب والمهندسين هي التي يكون الأوّل منها للثاني، والثالث للرابع أضعافاً متساوية أو جزءاً أو أجزاء بعينها وهو المراد هنا. قوله: (والضعف ضعف البدن الخ) يعني الضعف الطارئ عليهم بالكثرة الموجب للتخفيف عدم القوّة البدنية على الحرب لأنّ منهم الشيخ والعاجز ونحوه، فلو أوجب ذلك عليهم جميعا لم يتيسر لهم بخلافهم قبل ذلك، ف! نهم كانوا طائفة منحصرة معلومة قوّتهم وجلادتهم، أو المراد ضعف البصيرة والاستقامة وتفويض النصرة إلى الله فإن فيهم قوما حديث عهدهم بالإسلام ليسوا كذلك، وهذا مبني على أن الضعف بالفتح والضم بمعنى واحد فيكونان في الرأي والبدن، وقيل بينهما فرق فبالفتح في الرأي والعقل، وبالضم في البدن، وهو منقول عن الخليل بن أحمد ﵀ وقد قرئ بهما وهو يؤيد كونهما بمعنى، وقرئ ضعفاء بصيغة الجمع، وقوله: بالنصر والمعونة يعني المراد بصحبته صحبة نصره وتأييده وإلا فهو معكم أينما كنتم. قوله: (ما كان لنبئ الخ) التنكير قراءة الجمهور والتعريف قراءة أبي الدرداء ﵁، وأبي حيوة والمراد على كل حال نبينا ﷺ ، وإنما نكر تلطفاً به ﷺ حتى لا يواجه بالعتاب، ولذا قيل إنه على تقدير مضاف أي أصحاب النبيّءتج! هـ

стр. 1373

صفحة ناقصة

стр. 1374

بدليل قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ﴾ ولو قصد بخصوصه لقيل تريد، ولأنّ الأمور الواقعة في القصة كما سيأتي صدرت منهم لا منه ﷺ ، وكلام المصنف ﵀ صريح في أنه المراد لأنه سيذكر الاستدلال بها على اجتهاد النبيّ لمجر وهو يقتضي ذلك، وتأنيث تكون لتأنيث الجمع، وقرئ أسارى تشبيها لفعيل بفعلان ككسلان وكسالى، أو هو جمع أسرى فيكون جمع الجمع. قوله: (بكثر القتل ويبالغ فيه الخ (أصل معنى الثخانة الغلط والكثافة في الأجسام، ثم استعير للمبالغة في القتل والجراحة لأنها لمنعها من الحركة صيرته كالثخين الذي لا يسيل، والحطام بالضم ما تكسر من يبسه كالهشيم من الحطم وهو الكسر، وهو يستعمل للمحقرات والعرض! ما لا ثبات له ولو جسما، ويقال الدنيا عرض حاضر أي لا ثبات لها ومنه استعار المتكلمون العرض المقابل للجوهر، ويطلق على مقابل النقد من المتاع وليس بمراد هنا، وقوله: في الأرض للتعميم. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ المراد بالإرادة هنا الرضا وعبر به للمشاكلة فلا يرد أنّ الآية تدل على عدم وقوع مراد الله تعالى، وهو خلاف مذهب أهل السنة. قوله:) يريد لكم ثواب الآخرة الخ (زاد لفظ لكم لأنه المراد وجعله مما حذف فيه المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه وأعرب بإعرابه، وسبب نيل الآخرة التقوى والطاعة، وذكر نيل لتوضيحه لا لتقدير مضافين. قوله:) وقرئ بجر الآخرة) قرأها سليمان بن جماز المدني، وخرجت على حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على جره، وقدروه عرض! الآخرة فقيل إنه لا يحسن لأنّ أمور الآخرة دائمة مستمرة، فلا يطلق عليها العرض، فإن جعل مجازاً عن مطلق ما فيها فتكلف، ودفعه الزمخشرقي بأنه قدر كذلك لمشاكلة عرض الدنيا، والمراد ما قدره بعضهم من أعمال أو ثواب وهو أحد التأويلين في البيت وقيل-: إنه من العطف على معمولي عاملين مختلفين. قوله: ) قوله أكل مرئ تحسبين امرأ وشار توقد بالليل نارا) اختلف في قائله فقيل هو أبو داود وقيل حارثة ابن حمران الأيادي من أبيات منها: ودار يقول لها الرائدون ويلمّ دار الحذاقيئ دارا يصف أيام تغذيه بالنعم ئم مصيره إلى حال أنكرت عليه امرأته فأنباً ها بجهلها بمكانه، وأنه لا ينبغي أن تغتر بأمر من غير امتحانه، لكن قال: اين يعيش سيبويه ﵀ يحمل قوله ونار على حذف مضاف تقديره وكل نارأ لا أنه حذف وقدر موجودا، وأبو الحسن يحمله على العطف على معمول عاملين فيخفض ناراً بالعطف على امرئ المخفوض بإضافة كل، وينصب ناراً بالعطف على امرأ المنصوب، وهذا من أوكد شواهده، وروي وناراً الأول بالنصب فلا شاهد فيه، وفي كامل المبرد نسبة هذا البيت إلى عدقي بن زيد، وتحسبين خطاب لامرأته لا لنفسه كما قيل، وأصل توقد تتوقد. قوله:) يغلب أولياءه الخ (من التغليب أو الغلبة لأن القوقي العزيز يكون كذلك من اتبعه فجعله كناية عن هذا المعنى بقرينة المقام، وقوله: ويخصه بها أي ما يليق بالحال اللائقة له. فإنّ للزند حليا ليس للعنق وقوله: (وخير بيته وبين المن (حيث قال ة ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾ [سورة محمد، الآية: ٤] وقوله: (فاستشار فيهم) أي شاور أصحابه، وفيه دليل على جواز الاجتهاد بحضرته عحييه، وقول أبي بكر ﵁ قومك وأهلك بالنصب على الاشتغال، أو بتقدير ارحم، وقول عمر ﵁ أئمة الكفر أي رؤساء الكفر، وقوله: (مكني (أي خلج بيني وبينه، ويقال مكنته من الشيء وأمكنته منه إذا أقدرته عليه فتمكن واستمكن، والمراد الإذن والرخصة، وقوله: (لنسيب) أي قريب النسب منه، وقوله: (فلم يهو ذلك) أي لم يرضه ويحبه، وقوله: (ألين من اللين (تمثيل لطيف وفيه إشارة إلى أنه لين خير ورحمة لألين ضعف، وفي قوله: (أشدّ (دون أقسى لطف لا يخفى، وقوله: (قال الخ (بيان لوجه الشبه على حذ، وقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٥٩] وفي قوله: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [سورة نوح، الآية: ٢٦] دقيقة وهي الإشارة إلى ما وقع في خلافته من تطهير أرض الحجاز من الكفرة، وقوله: (أدنى من هذه الشجرة) أي أقرب منها يراه ويشاهده، قيل والمراد به ما وقع بأحد واستشهد منهم سبعون، كما وقع في الحديث: " إن شئتم فأديتموهم واستشهد منكم بعدّتهم ") ١ (كما في الكشاف

стр. 1375

وهذا الحديث أخرجه) ١ (أحمد وابن جرير وابن مردوية عن ابن مسعود ﵁ ومسلم عن ابن عباس) ٢ ﵄ بنحوه. قوله:) والآية دليل الخ) قيل إنما تدل عليه لو لم يقدر في ما كان لنبيّ لأصحاب نبيّ، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر مع أن الإذن لهم فيما اجتهدوا فيه اجتهاد منه، إذ لا يمكن أن يكون تقليداً، لأنه لا يجوز له التقليد، وأما إنها إنما تدل على اجتهاد النبيئ-لمج! لا اجتهاد غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما قيل، فليس بوارد لأنه إذا جاز له فلغيره بالطريق الأولى، ووجه كونه خطأ وأنه لم يقرّ عليه ظاهر من هذه القصة. قوله: (لولا حكم من الله سبق الخ) يعني المراد بالكتاب الحكم، وأنّ إطلاقه عليه لأنه مكتوب في اللوح، وذلك الحكم هو ما ذكره، وقيل: المراد لولا حكم الله بغلبتكم ونصركم لمسكم عذاب عظيم من أعدائكم بغلبتهم لكم وتسليطهم عليكم يقتلون ويأسرون وينهبون، وفيه نظر. قوله: (أو أن لا يعذب أهل بدر الخ (استشكل هذا الإمام بأنه يقتضي عدم كونهم ممنوعين عن الكفر والمعاصي، وعدم كونهم مهددين بترتب العقاب عليه، وهل هذا إلا قول بسقوط التكليف عنهم ولا يتفوّه به عاقل اص. وهذا غريب منه فإنّ هذا بعينه في حديث البخاري لا إنّ الله اطلع على أهل بدر فقال: يا أهل بدر اصنعوا ما شئتم فقد غفرت لكم ") ٣ (وأما ما ذكره من سقوط التكليف فلا يصدر إلا عمن سقط عنه التيهليف، لأن معناه - ٩٤٠٢ من طرق عن عبيدة السلماني مرسلاَ، وهو أصح من الموصول، لمجيئه من طرق. وله علة أخرى فهناك اضطراب في المتن في ألفاظه فتارة يذكر فيه جبريل، وتارة لا يذكر. وقد قال العلامة التوربشتي كما فيإ شرح المشكاة " ٤ / ٢٥١ هذا الحديث مشكل جدأ لمخالفة ما يدل على ظاهر التنزيل، ولما صح من الأحاديث أن أخذ الفداء يوم بدر كان رأياً رأوه فعوتبوأ عليه، ولو كان هناك تخيير بوحي سماوي لم تتوجه المعاتبة عليه في هذه الآية اهـ باختصار. وانظر مزيد الكلام على ذلك في تفسير ابن كثير بتجريجي عند هذه الآية. ا! من حضرها من المؤمنين يغفر الله له ذنبه ويوفقه لطاعته، لأنها أوّل وقعة أعر الله بها الإسلام، وفاتحة للفتوج، والنصر من الله عليه بأن غفر له ما يصدر عنه من المعاصي لو صدرت، وملأ صدره إيمانا ووهبه ثباته إلى الموافاة، فكيف يتوهم ما ذكره، وأغرب منه ما قيل في دفعه إن هذا معنى الآية مع احتمال المعاني الأخر التي ذكروها فهو غير مقطوع به، ونظيره احتمال المغفرة بدون التوبة فكما أنّ احتمال هذه لا يوجب كونهم غير ممنوعين عن المعاصي، ولا عدم تهديدهم بالوعيد عليها كذلك احتمال هذا، وليت شعري لو كان فيما ارتكبه معنى يساوي عناءه. قوله: (أو أنّ الفدية التي أخذوها ستحل (أي تصير حلالاً لهم، وفي نسخة سيحل لهم ما استحقوا به العذاب، وما استحقوا به العذاب أخذ بالفدية قبل أن يحل لهم ثم عفى لأنه سيحل عن قريب ولم ينهوا عنه قبل ذلك، وإن كانت الفدية تعذ من الغنائم وهي لم قحل لأحد قبل، وإنما كانت توضع في مكان فما قبل منها نزلت نار من السماء أحرفته، وقوله لنا لكم أي وقع بكم. قوله: (روي الخ (أخرجه ابن جرير عن محمد بن إسحق بلفظ: " لو أنزل من السماء عذاب لما نجا منه غير عمر بن الخطاب وسعد بق معاد لقوله: كان الإثخان في القتل أحبّ إيي ") ١ (وأخرجه ابن مردوية عن ابن عمر لكن لم يذكر فيه سعد بن معاذ، وهذا يدذ على أن المراد بالعذاب عذاب في الدنيا غير القتل مما لم يعهد، لقوله: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء﴾ وأما أنهم يستشهد منهم بعدتهم فالشهادة لا تسمى عذإبأ. قوله: (وقيل امسكوا عن الغنائم فنزلت (أي امتنعوا من الأكل والصرف منها تزهداً لا ظنأ لحرمتها، حتى يقال إنه علم حلها مما مرّ في قوله: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾ أسورة الأنفال، الآية: ٤١] الخ ولذا قيل إنه لتأكيد حلها واندراج مال الفداء في عمومها، فما غنمتم هنا إما الفدية لأنها غنيمة أو مطلق الغنائم، والمراد بيان حكم ما اندرج فيها من الفدية، وجعل الفاء عاطفة على سبب مقدر قد يستغنى عنه بعطفه على ما قبله لأنه بمعناه، أي لا أؤاخذكم بما أخذ من الفداء فكلوه هنيئأ مريا. قوله:) وبنحوه تشبث الخ (أي تمسك والتعبير بالتشبث الذي هو بمعنى التعلق يشعر بضعفه لأن الإباحة ثبتت هنا بقرينة أن الأكل إنما أمر به لمنفعتهم، فلا ينبغي أن يثبت على وجه تتقلب المنفعة مضرة، أي يجب عليهم فيشق. قوله: (حال من المغنوم (أي هو حال من ما الموصولة أو من عائدها المحذوف، ولذا قال من المغنوم ليشملهما، ومن قال إنه حال من العائد المحذوف فقد ضيق ما اتسع إذ لا مانع منهما، وقوله:) وفائدته (أي فائدة التقييد بقوله حلالاً، وقوله:) أو حرمتها) عطف على تلك المعاتبة، والأوّلين جمع أوّل والمراد بهم من قبلنا من الأمم هانما كان سبباً لإمساكهم لاحتمال انها حرمت ثانيا، أو أنها مكروهة لهم، فلا يقال بعدط- أحلت صريحا كيف يتوهم شيء آخر حتى يزاج.!! تنبيه: قوله : ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ﴾ اختلف فيه على أقوال: أحدها أنه لا يعذب قوما قبل تقديم ما يبين لهم

стр. 1376

أمرأ أو نهيا، الثاني أنه عهد أن لا يعذبهم ومحمد لمج! فيهم، الثالث أنه سبق في علمه تعالى حل الغنائم لهم، لكنهم استعجلوا قبل بيانه، فإن قلت هذه أؤل غزاة لرسول الله كج، فكيف يقال إنّ الغنائم أحلت لهم، وما في علم الله قبل البيان لا دليل فيه، قلت قال: في كتاب الأحكام أؤل غنيمة في الإسلام حين أرسل رسول الله! لى عبد الفه ابن جحش رضي الله تعالى عنه لبدر الأولى ومعه ثمانية رهط من المهاجرين ﵃، فأخذوا عيراً لقريش وقدموا بها على النبيئ ك! رو، فاقتسموها واً قزهم على ذلك. قوله:) أنها نزلت في العباس ﵁ الخ () ١ (أخرجه الحاكم عن عائشة رضي الله تعالى عنها وصححه وقيل إنها نزلت في جملة الأسارى، وهو أقرب لكونه بصيغة الجمع، وإن قيل سبب نزول الآية العباس ﵁ لكنه عام، فلذا جمع لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقوله: (تركتني) أي صيرتني فقيراً أتكفف أي أسأل الناس وأمذ كفي إليهم، وكان فداء كل أسير عشرين وقية من الذهب كما فصل في الكشاف، وقوله: (ما بقيت (أي إلى آخر عمري، وأمّ الفضل زوجته كنيت بابن لها، وقوله: (في وجهي (أي في توجهي هذا، وعبد الله ومن بعده أولاده، وسواد الليل ظلمته الشديدة المانعة من الرؤية، وقول العباس ﵁: فأبدلني الله خيراً من ذلك إشارة إلى ما في قلبه من الخير وأنّ الله حقق ما وعد، وقوله. اليضرب) أي يتجر من ضرب في الأرض. قوله: (نقض ما عاهدوك الخ) هو إعطاء الفدية أو أن لا يعودوا لمحاربته ع! فه ولا إلى معاضدة المشركين وجعل الزمخشري المعهود هنا هو الإسلام ونقضه الكفر لأنها قسيم لما قبلها، والخير فيها بمعنى الإيمان كما مرّ، فالخيانة الكفر والارتداد بقرينة التقابل، وقوله: (المأخوذ بالعقل (الميثاق المأخوذ بالعقل هو ما سبق في قوله: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٧٢] على أحد الوجهين فيها، وفي نسخة بالعقد بالدال بدل اللام، والأولى أصح وان كان تأويل الثانية ما ذكر. قوله: (فأمكنك منهم (أي أقدرك عليهم، وأشار إلى أنّ مفعوله محذوف تقديره ما ذكر ولا التفات فيه، وقوله: (فإن أعادوا (الخ بيان لحاصل المعنى، واشارة إلى أن قوله فقد خانوا لازم للجزاء، وأقيم مقامه والجواب فيسمكنك منهم في الحقيقة. قوله: (أوطانهم الخ (وهم المهاجرون الأوّلون ومن يعدهم هجروا أوطانهم وتركوها لأعدائهم في الله لله، وفيها مع ذلك بذل المال والضياع والدور والكراع بالضم، الخيل والمحاويج جمع محووج بمعنى محتاج ومفرده مقدر. قوله: (في الميراث الخ (قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: آخى الرسول عشي! بين المهاجرين والأنصار ﵃ فكان المهاجريّ يرثه أخوه الأنصاري إذا لم يكن له بالمدينة ولي مهاجرقي، ولا توارث بينه وبين قريبه المسلم غير المهاجرفي، واستمر أمرهم على ذلك إلى فتح مكة، ثم توارثوا بالنسب بعد إذ لم تكن هجرة، والولي القريب والناصر، لأن أصله في القرب المكاني، ثم جعل للمعنوي كالنسب والدين والنصرة، فقد جعل ﷺ في أوّل الإسلام التناصر الديني أخوّة، وأثبت لها أحكام الأخوّة الحقيقية من التوارث، فلا وجه لما قيل إنّ هذا التفسير لا تساعده اللغة، فالولاية على هذا الوراثة المسببة عن القرابة الحكمية. قوله: (أو بالنصرة والمظاهرة) عطف على قوله في الميراث أي الولاية في الميراث كما مرّ، فتكون منسوخة أو الولاية بالنصرة، والمظاهرة أي المعاونة فتكون محكمة. قوله: (اي من توليتهم في الميراث (لم يجز هنا حمله على النصرة والمظاهرة لأنها لازمة لكل حال لكلا الفريقين، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٧٢] وبهذا ظهر أنّ التفسير في الآية السابقة هو هذا، ولذا قدمه المصنف رحمه الله تعالى. قوله: (وقرأ حمزة ولا يتهم بالكسر الخ (جاء في اللغة الولاية مصدراً بالفتح والكسر فقيل هما لغتان فيه بمعنى واحد، وهو القرب الحسي والمعنوي، وقيل بينهما فرق فالفتح ولاية مولى النسب ونحوه، والكسر ولاية السلطان قاله أبو عبيدة، وقيل: الفتح من النصرة والنسب، والكسر من الإمارة قاله الزجاج، وخطأ الأصمعي قراءة الكسر وهو المخطئ لتواترها، واختلفوا في ترجيح إحدى القراءتين، ولما قال المحققون من أهل اللغة إنّ فعالة بالكسر في الأسماء لما يحيط بشيء ويجعل فيه كاللفافة والعمامة، وفي المصادر يكون

стр. 1377

في الصناعات، وما يزاول بالأعمال كالكتابة والخياطة ذهب الزجاج وتبعه غيره إلى أنّ الولاية لاحتياجها إلى تمرد وتدوب شبهت بالصناعة، فلذا جاء فيها الكسر كالإمارة، وهذا يحتمل أن الواضع حين وضعها شبهها بذلك فتكون حقيقة، ويحتمل كما في بعض شروح الكشاف أن تكون استعارة، كما سموا الطب صناعة لكنها وان كان التصرف فيها في الهيئة لا في المادة استعارة أصلية لوقوعها في المصدر دون المشتق، ومنه يعلم أن الاستعارة الأصلية قسمان ما يكون التجوّز في مادته وما يكون في هيئته، وقوله: كأنه بتوليه الخ، أي كأنّ صاحبه يزاول عملاً بتوليه أي يحاوله ويعالجه، وضمير كأنه للولي أو للشأن. قوله: (فواجب عليكم الخ) فسره به لأنّ على تدل عليه وهو مبتدأ أو خبر، وقوله وهو بمفهومه الخ لدلالة تعليق الحكم بالوصف، على أن موالاة بعض الكفار إنما تليق بالكفار، فعلى المؤمنين أن لا يوالوا إلا المؤمنين. قوله: (ألا تفعلوا ما أمرتم به الخ (وقيل: الضمير المنصوب للميثاق أو حفظه أو النصر أو الإرث، وعوده على جميعها أولى كما ذكره المصنف ﵀، وقيل إنه للاستنصار المفهوم من الفعل، وهو تكلف وتكن تامّة فاعلة فتنة، والفتنة إهمال المؤمنين المستنصرين بنا حتى يسلط عليهم الكفار وفيه وهن للدين، وقراءة كثير بالمثلثة مروية عن الكسائي. قوله: (لما قسم المؤمنين الخ) أي إلى من آمن وهاجر، ومن لم يهاجر وأنصار، والذين حققوا الخ هم المهاجرون، والذين وقع منهم بذل المال ونصرة الحق هم الأنصار، وقوله ووعد لهم عطف على بين، وضمنه معنى ذكر فلذا عداه باللام. قوله: (لا تبعة له الخ) بيان لكرمه بأنه لا يطالب فيه ولا يمن، والإلحاق يشعر بأنهم دونهم رتبة، وهو كذلك، واختلف في قوله: (من بعد) فقيل بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية، وقيل بعد نزول هذه الآية، وقيل بعد بدر، والأصح أنّ المراد والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى، وقوله: (من الأجانب (متعلق بقوله بأولى، وهي من التفضيلية. قوله: (في حكمه أو في اللوح الخ) لأنّ كتاب الله يطلق على كل منها، وليس المراد بالقرآن آية المواريث، لأنه لا يناسب ما بعده، بل المراد هذه الاية وفيه تأمل. قوله: (واستدل به على توريث ذوي الأرحام) لأنّ هذه الآية نسخ بها التوارث بالهجرة، ولم يفرق بين العصبات وغيرهم، فهو حجة في إثبات ميراث ذوي الأرحام الذين لا قسمة لهم ولا تعصيب، وبها أيضا احتج ابن مسعود ﵁ على أنّ ذوي الأرحام أولى من مولى العتاقة، وخالفه سائر الصحابة رضوان الله عليهم، وإنما يصح الاستدلال إذا لم يكن المراد بكتاب الله تعالى آيات المواريث السابقة في سورة النساء، ولذا أشار المصنف ﵀ إلى ضعف الاستدلال المذكور. قوله: (من الموارث والحكمة في إناطتها بنسبة الإسلام) المراد أخوة المهاجرة التي كان بها التوارث، واعتبار القرابة ثانياً، أي نسخ ذلك ثم حصر التوارث في اننسب الحقيقي. قوله: (من قرأ سورة الأنفال الخ) (١) هذا الحديث موضوع من جملة الحديث المشهور الذي ثبت وضعه، (تتم) تعليقنا على سورة الأنفال، اللهم اجعلنا ببركتها ممن غنم رضاك، وفاز بجزيل عطاياك، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. سورة براءة قوله: (مدنية) أي الاتفاق إلا الآيتين المذكورتين وفي كتاب العدد للداني ما يخالفه. قوله: (وهي آخر ما نزل الخ) كما اختلف في أوّل نازل اختلف في آخره أيضا، فقيل هو هذه السورة، وقيل سورة المائدة، وآخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٧٦] وفي كونها آخراً مع تعلقها بالموت اتفاق عجيب، وقوله: أسماء أخر أي غير سورة براءة، وأسماؤها كلها بصيغة الفاعل إلا البحوث بفتح الباء، فإنه صيغة مبالغة بمعنى اسم الفاعل، وقد ذكر المصنف ﵀ معناها، ووجه التسمية بها على اللف والنشر بقوله- لما فيها الخ، وسكت عن التصريح بتعليل التسمية بالمبعثرة كما قيل وليس كذلك لأنها بمعنى المثيرة كما يشير إليه كلامه من تدبر، وعن المنقرة والتسمية بسورة العذاب لفهم الأؤل من تعليل التسمية بالبحوث والمثيرة، والثاني من تعليلها بالمدمدمة. قوله: (لما فيها من التوبة الخ) بيان لوجه التسمية بما ذكر، وأشار بما فيها من التوبة إلى

стр. 1378

قوله تعالى: ﴿لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ [سورة التوبة، الآية: ١١٨] والقشقشة معناها التبرئة وهي مبرئة من النفاق، وهو وجه تسميتها بالمقشقشة، ولو قال التبرئة وأطلقها لكان أظهر وأولى، والبحث التفتيش وهو وجه تسميتها بالبحوث، والمنقرة أيضاً لأنّ التنقير في اللغة البحث والتفتيش، واثارتها أي إخراج تلك الحال من الخفاء إلى الظهور وهو وجه تسميتها مبعثرة ومثيرة، وقوله: (والحفر عنها) بمغنى البحث عنها إنجازاً وهو وجه تسميتها الحافرة، وما يخزيهم بالخاء المعجمة والزاي، وما يفضحهم وجه تسميتها المخزية والفاضحة، وينكلهم أي يعاقبهم ويشرد بهم، أي يطردهم ويفرقهم وجه المنكلة والمشردة ويدمدم عليهم أي يهلكهم وجه المدمدمة، وعلم منه أو من التنكيل وجه تسميتها سورة العذاب، وليس في السور أكثر أسماء منها، ومن الفاتحة. قوله: (وإنما تركت التسمية فيها لأنها نزلت لرفع الأمان الخ) أشار إلى وجه ترك كتابة البسملة في هذه السورة والتلفظ بها دون غيرها، وللسلف فيه أقوال ثلاثة: أصحها هذا، ولذا قدمه ولم يصدره بقيل، وقيل: لأنها مع الأنفال سورة واحدة، والبسملة لا تكتب في خلال السور، وقيل: لأنه لم يعين محلها ولم يبين أنها سورة مستقلة، واختلفت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في ذلك، كما سيأتي ووجه ما اختاره أمّا رواية فلأنه مرويّ عن عليّ ﵁، وأما دراية فلأنّ تسميتها بما مرّ يقتضي أنها سورة مستقلة، وتعليل التسمية لا ينافي ا! التسمية توقيفية لأنه بيان لوجه التوقيف، ولأنّ ترتيب السور والآيات ثابت بالوحي. قوله: (وقيل كان النبتي ﷺ (١ (هكذا رواه أبو داود وحسنه والنسائيّ وابن حبان، وصححه عن ابن عباس ﵄، وفي الكشاف سأل عن ذلك ابن عباس ﵄ عثمان بن عفان ﵁ فقال: إنّ رسول الله ﷺ كان إذا نزلت عليه السورة أو الآية، قال: " اجعلوها في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا) (٢ (وتوفي رسول اللهءلجيييه ولم يبين لنا أين نضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فلذلك قرنت بينهما وكانتا تدعيان القرينتين يعني أنه ﷺ كان يبين موضع السورة ولم يبين ههنا، وكانت القصتان متشابهتين فلم يعلم أنّ هذه كالآيات من الأنفال فتوصل بها، كالآية بالآية أو سورة مغايرة لها ليفصل بينهما بالتسمية، فقرن بينهما بلا تسمية، كما تقرن الآية بالآية وهذا يقتضي أنّ ترتيب السور توقيفي كما قيل. قوله: (وقيل لما اختلقت الصحابة ﵃ الخ) فترتيبها على هذا القول معلوم بتوقيف منه تج! ييه، ولكن التردّد في كونها سورة أو بعض سورة فروعي الجانبان بالفصل بينهما وترك إثبات البسملة، وهذا هو الفرق بينه وبين ما قبله، ولم يذكر القول بأنها سورة واحدة جزما كما في الكشاف، إذ يلزم ترك الفرجة بينهما والطول بالضم كصرد وهي من البقرة إلى الأعراف، والسابعة سورة يونس أو الأنفال وبراءة على القول بأنهما سورة واحدة كذا في القاموس، ووقع في نسخة الطوال والمصحح هو الأوّل. (أقول (هذا زبدة ما في الحواشي، وقال السخاوي ﵀ في جمال القراء: إنه اشتهر تركها في أوّل براءة، وروي عن عاصم ﵀ التسمية في أوّلها وهو القياس لأنّ إسقاطها إما لأنها نزلت بالسيف أو لأنهم لم يقطعوا بأنها سورة مستقلة، بل من الأنفال ولا يتم الأوّل لأنه مخصوص بمن نزلت فيه، ونحن إنما نسمي للتبرك ألا ترى أنه يجوز بالاتفاق بسم الله الرحمن الرحيم وقاتلوا المشركين الآية ونحوها، فإن كان الترك لأنها ليست مستقلة فالتسمية في أوّل الأجزاء جائزة، وروي ثبوتها في مصحف ابن مسعود ﵁ فليس مخالفاً للمصاحف، وذهب ابن منادر إلى قراءتها وفي الإقناع جوازها، فقول الجعبري ﵀: إن كان ما قال السخاوي نقلا فمسلم والا فلا الخ لا وجه له، والمعول عليه الأوّل إلا أنه لم يفهم المراد منه لأنّ المراد أن النبيّ ﷺ أمر أن ينادي بها فهي كالأوامر الشرعية، ومثله لا يبدأ بها، وأما حكمها شرعا فهو استحباب تركها، وأما القول بحرمتها ووجوب تركها كما قاله بعض مشايخ الشافعية فالظاهر خلافه. قوله: (ابتدائية متعلقة بمحذوف الخ) أما كونها ابتدائية فلمقابلتها بإلى، وأما تعلقها بمحذوف وكونها غير صلة لبراءة فلفساد المعنى فيه والتبري من الله ورسوله! هـ، ومن جوّزه هنا فقد وهم وقدّروا صلة

стр. 1379

دون حاصله لتقليل التقدير لأنه يتعلق به إلى هنا أيضاً، ومن غفل عنه قال: يجوز أن يكؤفى ظرفاً مستقزاً بتقدير حاصلة، وعلى كون إلى الذين خبرا يقدر له متعلق آخر، وقراءة النصب قرأ بها عيسى بن عمر وهي منصوبة باسمعوا أو بالزموا على الإغراء، وقوله برئا الخ إشارة إلى أن فيه معنى التجدّد والحدوث، وفي الكشاف وقرأ أهل نجران من الله بكسر النون، والوجه الفتح مع لام التعريف لكثرته اهـ وقوله والوجه الفتح حقه أن يقول والقراءة لأنّ اله! مر لالتقاء الساكنين أو لاتباع الميم قراءة شاذة. قوله: (وإنما علقت البراءة الخ (لما كان حق البراءة أن تنسب إلى المعاهد قال في الكشاف: فإن قلت لم علقت بالبراءة بالله ورسوله، والمعاهدة بالمسلمين، قلت قد أذن الله في معاهدة المشركين أوّلاً، فاتفق المسلمون مع رسول الله ﷺ وعاهدوهم، فلما نقضوا العهد أوجب الله تعالى النبذ إليهم، فخوطب المسلمون بما تجدّد من ذلك، فقيل لهم اعلموا أن الله ورسوله لمجر قد برئا مما عاهدتم به المشركين. اهـ وحاصله كمافي الكشف إن عاهدتم إخبار عن سابق صدر من الرسول ىلمج! والجماعة، فنسب إلى الكل كما هو الواقع، وان كان بإذن من الله أيضاً لقوله ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٦١] والثاني إخبار عن حادث فكيف ينسب إليهم وهم لم يحدثوه بعد وإنما يسند إلى من أحدثه، وفي الانتصاف أن سر ذلك أنّ نسبة العهد إلى الله ورسوله جميد في مقام نسب فيه النبذ إلى المشركين لا يحسن أدبا ألا ترى إلى وصية رسول الله عشحر لأمراء السرايا إذا قال لهم: " إذا نزلتم بحصن فطلبوا النزول على حكم الله فانزلوهم على حكمكم فاثكم لا تدرون أصادفتم حكم الله فيهم أو لا، وإن طلبوا ذمة الله، فأنزلوهم على دينكم فلأن تخفر ذمتكم خير من أن تخفروا ذمة الله " (١ (فانظر إلى أمره ﷺ بتوقير ذمة الله مخافة أن تخفر وإن كان لم يحصل بعد ذلك الأمر المتوقع، فتوقير عهد الله وقد تحقق من المشركين النكث، وقد تبرأ منه الله ورسوله بأن لا ينسب العهد المنبوذ إلى الله أحرى وأجدر، وفلذلك نسب العهد إلى المسلمين دون البراءة منه هذا وجه التخصيص الذي في الكشاف وشروحه، وأما ما ذكره المصنف ﵀ فقيل عليه إنه لم يعلم منه وجه تعليق المعاهدة بالمسلمين، ويجوز أن يجاب بأنّ تعليقها بهم لا يحتاج إلى ذكر وجه لظهور صدورها منهم، وإنما المحتاج إليه تعليق البراءة بالله ورسوله، وان كانت الواو في قوله والمعاهدة بالمسلمين للحال دون العطف فلا غبار عليه، ويجوز أن يقال يستفاد وجهه أيضا من قوله وان كانت صادرة بإذن الله حيث دذ على أنّ المعاهدة لم تكن واجبة بل مباحة مأذونة فنسبت إليهم بخلاف البراءة فإنها واجبة لإيهابه تعالى، فلذا نسبت للشارع وكلام المصنف ﵀ ظاهر في هذا فتدبر. وقيل: ذكر الله للتمهيد كقوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [سورة الحجرات، الآية: ا] تعظيما لشأنه ﷺ ولولا قصد التمهيد لأعيدت من كما في قوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللهِ وَعِندَ رَسُولِهِ﴾ وإنما نسبت البراءة إلى الرسولءكييه والمعاهدة لهم لشركتهم في الثانية دون الأولى، ولا يخفى ما فيه فإنّ من برىء منه الرسول ﷺ تبرأ منه المؤمنون، وما ذكره من إعادة الجار ليس بلازم، وما ذكره من التمهيد لا يناسب المقام، ولك أن تقول أنه إنما أضاف العهد إلى المسلمين لأنّ الله علم أن لا عهد لهم، وأعلم به رسوله مجفلذا لم يضف العهد إليه لبراءته منهم ومن عهدهم في الأزل، وهذا نكتة الإتيان بالجملة اسمية خبرية وان قيل إنها إنشائية للبراءة منهم، ولذا دلت على التجدد فتأمّل. قوله. (وذلك أنهم عاهدوا الخ (فالمعاهدة عامة وقيل إنها خاصة ببعض القبائل، وقوله: (وأمهل المشركين) عدل عن الإضمار الواقع في الكشاف، لأن تلك المهلة كانت عامة للناكثين وغيرهم كما قيل، وقوله: (ليسيروا أين شاؤوا (التعميم مأخوذ من السياحة، وأصلها جريان الماء وانبساطه ثم استعملت للسير كما قال طرفة: لوخفت هذامنك ماتنثني حتى ترى خيلا أهامي تسيح قوله: (شوّال) جره على البدلية من أشهر، وقيل على المجاورة الأولى نصبه بيان لأربعة أشهر وفيه اختلاف، فقيل إن براءة نزلت في شوّال فتكون تلك الأربعة من شوّال إلى المحرّم، وقيل إنها وان نزلت

стр. 1380

في شوّال إلا أنّ تبليغها في زمن الحج فتكون الأربعة من عشر ذي القعدة، وقوله: (فسيحوا) بتقدير القول أي فقل لهم سيحوا أو بدونه وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب، والمقصود أمنهم من القتل في تلك المدّة وتفكرهم واحتياطهم، ليعلموا أنهم ليس لهم بعدها إلا السيف، وليعلموا قوّة المسلمين إذ لم يخشوا استعدادهم لهم، وقوله: (لما روي الخ) قال الحفاظ: إنه ملفق من عدة أحاديث، بعضها في مسند أحمد عن علي ﵁ (١ (، وبعضها في الصحيحين عن أبي هريرة (٢ ﵁، وبعضها في دلائل البيهقي عن ابن عباس (٣ ﵄، وبعضها في تفسير ابن مردوية عن أبي سعيد الخدري) ٤ ﵁، والعضباء بعين مهملة وضاد معجمة وباء موحدة ممدود من النوق المشقوفة الأذن، ومن الشيا. المشقوقة الأذن أو المكسورة القرن، وهو لقب ناقة للنبيّ ﷺ ولم تكن عضباء كما في شروح الكشاف. وإنما أرسله ﷺ على ناقته ليحقق أن رسالته منه، والموسم زمان الحج وأمير الموسم أمير الحاج المنصوب من قبل الأمام، وقوله: (رجل مني (أي قريب مني نسباً، وذلك بوحي كما في حديث في الدر جرياً على عادة العرب، وقوله: فلما دنا أي قرب من أبي بكر ﵁، والرغاء بالمد صوت الإبل، وقوله: (أمير أو مأمور) رأى أرسلك النبيئ كير لتكون أميراً مكاني أو لأنك مأمور بأمر آخر، والتروية سقي الماء بقدر ما يزيل العطش، ويكون بمعنى التفكر، ولذا قيل: إنه سمي به اليوم الثامن من ذي الحجة لأنهم كانوا يسقون إبلهم قيه، ولأنّ إبراهيم كي! تروّى وتفكر فيه في ذبح إسماعيل ﵊، والآيات التي قرأها عليّ ﵁ من أوّل هذه السورة. قوله ة (أمرت بأربع الخ) أي بأن أخبر بها منادياً، وكأن العلم بأنه لا يدخل الجنة كافر لم يكن حاصلاً للمشركين قبل ذلك، أو المراد أنه لا يقبل منهم بعد ذلك إلا الإيمان أو السيف، قال الطيبي ﵀: فهو من باب لا أرينك ههنا، أي أمرت بأن أنادي بأن يتصفوا بما يستعدوا به أن يكونوا أهلا للجنة إذ لا يقبل منهم سوى هذا أو إخبارهم بأنّ عداوة المؤمنين للكفرة ومفارقتهم لهم ثابتة في الدنيا والآخرة وأن يتم مجهول، وتمام العهد تكميل زمانه كما في قوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ . قوله: (ولعل قوله ﷺ لا يؤذي عني إلا رجل مني (أي لا يبلغ عني نبذ العهد إلا رجل من أقربائي جواب عن استدلال الرافضة بهذا على إمامة عليئ كرّم الله وجهه وتقديمه على أبي بكر ﵁ بأنه جار على عادة العرب في ذلك لئلا يحتجوا وهل كان ذلك بوحي جاء به جبريل ﵊، أولاً فيه قولان وتقدم ما فيه، وقوله: (ويدل الخ الأنه خصه بالعهد المشار إليه بهذا وعشيرة الرجل نسله ورهطه الأدنون، وأخرج هذه الرواية أحمد والترمذي عن أنس (١ ﵁ وحسنه، وقوله: (لا تفوتونه) مر بيانه، وقوله: (بمعنى الأفعال (أي الإيذان، وقوله:) على الوجهين) أي خبر مبتدأ أو مبتدأ ومتعلق من كما مرّ أيضاً. قوله:) يوم الحج اكبر) منصوب بما تعلق به إلى الناس لا بأذان لأنّ المصدر الموصوف لا يعمل. قوله: (يوم العيد الخ) بيان لوجه التسمية ووصفه بأنه أكبر، ومعظم أفعاله الحلق والرمي والطواف، وهذا وجه المعقول والمنقول أنّ الأعلام كان فيه، وأنّ النبيّ ﷺ صرّج بتسميته به كما سيأتي، وهو حديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والدارقطني والبيهقي عن عبد الرحمن بن يعمر) ١ (ولكونه أقوى رواية ودراية قدمه وهذا أكثر باعتبار الكمية، ووقوف عرفة باعتبار الكيفية لأنه أعظم أركانه التي لا تتم بدونه فلا منافاة بينه وبين ما سيأتي، وقوله: (الحج عرفة) (٢ (حديث صحيح أي معظمه وقوف عرفة. قوله: (ووصف الحج باكبر الخ (أي اتصافه بالأكبرية إمّا بالنسبة لغير أعماله كما مما مرّ أو بالنسبة إلى العمرة لأنها الحج الأصغر وهما على الوجهين، وقوله: (أو لآنّ ذلك الحج الخ) فيكون التفضيل مخصوصاً بتلك السنة، وعلى ما قبله شاملى لكل عامّ، وكذا في الوجه الذي بعده مختص بذلك العامّ، وأمّا تسمية الحج الموافق يوم عرفة فيه ليوم الجمعة باكبر فلم يذكروه، وان كان ثوابه زيادة على غير. كما نقله السيوطي في بعض رسائله، وقال بعض علماء العصر في الحج الأكبر أقوال أحدها أنه كان يوم عرفة يوم جمعة، والثاني أنه القرآن، والثالث أنه الحج مطلقا، والأصغر العمرة،

стр. 1381

ولا تعارض! بين الأقوال لأنهما أمران نسبيان فلا وجه لإنكاره. توله: (أي بأنّ الخ) هذا على قراءة الفتح يكون بتقدير حرف جرّ لاطراد حذفه مع أنّ وأن والجارّ والمجرور متعلق بمحذوف هو صفة المصدر أو به نفسه لأنه المعلم به، ورسوله بالرفع عطف على الضمير المستتر في برىء للفصل بينهما أو مبتدأ محذوف الخبر أي ورسوله كذلك. قوله: (في قراءة من كسرها الخ) لأنّ المكسورة لما لم تغير المعنى جاز أن تهقدر، كالعدم فيعطف على محل ما عملت فيه أي على محل كان له قبل دخولها لأنه كان مبتدأ هذا في القراءة الشاذة بالكسر، وأما على فتحها في قراءة العامّة فغير جائز لأن المفتوحة لها موضع غير الابتداء بخلاف المكسورة، وقال ابن الحاجب: إن المفتوحة على قسمين ما يجوز فيه العطف على محلها، وما لا يجوز فالذي يجوز أن تكون في معنى المكسورة كالتي بعد أفعال القلوب نحو علصت أن زيداً قائم وعمرو لأنها لاختصاصها بالدخول على الجمل في معنى إنّ زيداً قائم وعمر، وفي علمي، ولذا وجب الكسر في نحو علصت أنّ زيداً لقائم، والأذان بمعنى العلم فيدخل على الجمل أيضاً كعلم، وفي غير ذلك لا يجوز نحو أعجبني أنّ زيداً كريم وعمرو فلا يجوز فيه إلا النصب لأنها ليست مكسورة ولا في حكمها، والنحويون لم يتنبهوا لهذا الفرق، والمصنف ﵀ بنى كلامه على المشهور، فلذا قيد العطف على المحل بقراءة الكسر وهي قراءة الحسن والأعراح، والمحل قد يجعل لاسم إنّ لأنها في حكم العدم ولأنّ المعرب هو الاسم، وقد يجعل المحل لها مع اسمها وكلاهما واقع في كلام النحاة ولكل وجهة. قوله: (إجراء للأذان مجرى القول الأنه في معناه فيحكي به الجمل، وهو أحد مذهبين مشهورين، والآخر يقدر القول فيه، وفي أمثاله لاختصاص الحكاية به وقراءة النصب بالعطف على اسم أنّ وهو الظاهر أو جعله مفعولا له والواو بمعنى مع. قوله: (ولا تكرير فيه) أي لا تكرير في ذكر براءة الله ورسوله مع ذكرها أوّلاً لأنّ تلك إخبار بثبوت البراءة، بمعنى هذه براءة ثابتة من الله ورسوله في علمه تعالى، فأخبرهم بثبوت ذلك في علمه، وقوله: (وأذان الخ) إخبار منه تعالى لأولئك المخاطبين واجب التبليغ لقوله: ﴿فَانبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٥٨] فوجب تبليغه لكافة الناس في ذلك اليوم المخصوص بما ثبت في حكمه تعالى من تلك البراءة، ولذا خص الأوّل المعاهدين وعم هذا سائر الناس، وقوله من الكفر والغدر بنقض العهد، وقوله:) فالتوب (أي الضمير للمصدر المفهوم من تبتم كاعدلوا هو، وفوله عن التوبة أي إن كان متعلق التولي التوبة فظاهر، وان كان الإسلام ووفاء العهد والتولي عنه كان منهم قبل ذلك، فالمراد بتوليتم ثبتم على التولي. قوله: (لا يفوتونه طلباً الخ (طلباً وهربا منصوب بنزع الخافض أي في طلبه، وفي هربكم أو حال بمعنى طالبين وهاربين، وأعجزه كما مرّ في الأنفال بمعنى فاته وسبقه، وبمعنى وجده عاجزاً وإلى المعنيين أشار المصنف ﵀، فإلى الأوّل أشار بقوله لا يفوتونه طلبا، هالى الثاني بقوله ولا تعجزونه هرباً أي لا تجدونه عاجزاً عن ادراككم إذا هربتم، وقيده بقوله في الدنيا لمقابلته بعذاب الآخرة المذكور بعده وقوله: وبشر الخ تهكم، وترك المصنف ﵀ قراءة الجرّ في ورسوله المنسوبة إلى الحسن فإنها لم تصح، وأن وجهت بأنّ الجرّ لثجوار أو الواو والقسم وقصة الأعرابي ورفعها إلى عمر ﵁ تقتضي عدم صحتها. قوله: (استئناء من المشركين الخ) اختلفوا في هذا الاستثناء هل هو منقطع أو متصل من المشركين الأوّل أو الثاني، أو من مقدّر تقديره اقتلوا المشركين إلا المعاهدين منهم، أو من قوله: (فسيحوا (وهو الذي اختاره الزمخشريّ لما سيأتي، وقول المصنف ﵀ استثناء من المشركين إشارة إلى الأوّل لكنه مبهم، وقوله أو استدرك أي استثناء منقطع إشارة إلى الوجه الآخر، وسما. استدراكا لأنه يقدر بلكن، قيل: إذا جعل في محل نصب على أنه استثناء من المشركين لزم أن لا يكون الله ورسوله بريآن من هؤلاء المشركين الذين لم ينقضوا عهودهم حتى أمر المسلمون أن يتموا عهودهم، وهو على ظاهره غير مستقيم لأن الله ورسوله بريآن من المشركين نقضوا عهودهم أو لم ينقضوا، فالوجه أن يكون استثناء من قوله فسيحوا لأنّ المعنى براءة من الله ورسوله إلى المشركين المعاهدين، فقولوا لهم سيحوا في الأرض أربعة أشهر فقط، إلا الذين عاهدتموهم ولم ينقضوا عهدهم فاتموا إليهم عهدهم، والحاصل أنّ هنا جملتين يمكن أن يعلق بهما

стр. 1382

الاستثناء جملة البراءة، وجملة الإمهال، لكن تعليق الاستثناء بجملة البراءة يستلزم البراءة عن بعض المشركين، فتعين تعلقه بجملة الإمهال أربعة أشهر لأنهم يمهلون وان زادت مدّتهم على أربعة أشهر، والذي يفهم من كلام الزمخشري أن الاستثناء منقطع بمعنى لكن حملا للذين عاهدتم على المشركين ولا ضرورة فيه، بل اللفظ عام والاستثناء مخصص له بهم اهـ. وهذا وارد على ما اختاره المصنف ﵀ مع ما فيه من تخلل الأجنبي بين المستثنى والمستثنى منه أيضا، وأجيب عنه بأنّ مراده أنه استثناء من المشركين، الثاني دون الأوّل ولا يلزم تخلل الفاصل الأجنبيّ وهو ظاهر، وحديث المنافاة لا وجه له، لأنّ المراد بالبراءة البراءة عن عهودهم كما صرّح به المصنف ﵀ لا عن أنفسهم، ولا كلام في أنّ المعاهدين الغير الناكثين ليس الله ورسوله بريئين من عهودهم، وان برئا عن أنفسهم، وليس هنا ما ينافي هذا فيكون هذا قرينة على أن البراءة الأولى عن العهود مقيدة لا مطلقة فتأثل. قوله: (أو استدراك وكأنه قيل لهم الخ) أي استثناء منقطع قيل فيكون قوله من المشركين في الموضعين عمل عمومه ثم يخص بالاستدراك، وبكون الذين مبتدأ، وقوله فأتموا خبره والفاء لتضمنه معنى الشرط لا جواب شرط مقدّر، وأورد على المصنف ﵀ أمران، الأوّل أن المراد بالذين عاهدتم الناكثون كما صرّح به المصنف ﵀، فكيف يجوز أن يكون الاستثناء متصلاَ من المشركين وهو السرّ في جعله استثناء من قوله: ﴿فَسِيحُواْ﴾ وتخصيصه في الأوّل دون الثاني خلاف الظاهر، الثاني أنّ المراد به ناس بأعيانهم فلا يكون عاماً حتى يشبه الشرط، وتدخل الفاء في خبره وأجيب بأنا لا نسلم أنه خاص وكلام المصنف ﵀ غير صريح فيه، لقوله: وأمهل المشركين فإنه صريح في العموم كما مرّ، وبأنّ زيادة الفاء في خبره على مذهب الأخفش فإنه لا يشترط ما ذكر. قوله:) من شروط العهد الخ (الجمهور على قراءة ينقصوكم بالصاد المهملة وهو متعدّ لواحد فشيئا مصدر أي شيئا من النقصان لا قليلاً ولا كثيراً، وقرأها عطاء وغيره بالضاد المعجمة على تقدير مضاف أي ينقضوا عهدكم، قال الكرماني ﵀: وهي مناسبة للعهد إلا أنّ قراءة العامّة أوقع لمقابلة التمام، ومن تبعيضية ويجوز أن تكون بيانية، وقوله: ولم ينكثوه يناسب قراءة الأعجام، ويظاهروا بمعنى يعاونوا، وقوله قط إشارة إلى عموم شيئاً. قوله: (تعليل وتنبيه الخ) يعني أن قوله إنّ الله يحب المتقين وارد على سبيل التعليل لأن التقوى وصف مرتب على الحكمين، أعني قوله: ﴿فَسِيحُواْ﴾ وقوله: ﴿فَأَتِمُّواْ﴾ ومضمونها عدم التسوية بين الغادر والوافي. وقوله: إلى تمام مدتهم إشارة إلى تقدير مضات لأنّ مدتهم لا يصح أن تكون غاية، بل الغاية آخرها وهو المراد بالتمام، لأنه ما يتم به الشيء وهو جزؤه الأخير، وقيل المدة بمعنى آخرها وهو تكلف، وأتموا بمعنى أدّوا ولذا عدى بإلى. قوله: (١ نقضى وأصل الانسلاخ الخ) قال أبو الهيثم: يقال أهللنا شهر كذا أي دخلنا فيه فنحن نزداد كل ليلة منه لباسا إلى نصفه، ثم نسلخه عن أنفسنا جزءاً جزءاً حتى ينقضي فينسلخ وهي استعارة حسنة وأنشد: إذا ما سلخت الشهرأهللت مثله كفى قاتلاً سلخ الشهور واهلالي ومثل انسلخ انجرد وسنة جرداء تامّة، والسلخ يستعمل تارة بمعنى الكشط كسلخت الإهاب عن الشاة أي نزعته عنها، وأخرى بمعنى الإخراج كسلخت الشاة عن الإهاب أي أخرجتها منه واطلاق الانسلاخ على الأشهر استعارة من المعنى الأوّل، فإن الزمان ظرف محيط بالأشياء كالإهاب، والمصنف ﵀ جعله من الثاني كأنه لما انقضى أخرج من الأشياء الموجودة كذا قيل. قوله:) التي أبيح للناكثين أن يسيحوا فيها الخ (في الدر المصون يجوز أن تكون الألف واللام للعهد، فالمراد بهذه الأشهر الأربعة المتقدمة، والعرب إذا ذكرت نكرة ثم أرادت ذكرها ثانيا أتت بالضمير أو باللفظ معرفا بأل، ولا يجوز أن تصفه حينئذ بصفة تشعر بالمغايرة، فلو قيل رأيت رجلا فأكرمت الرجل الطويل لم ترد بألثاني الأوّل، وان وصفته بما لا يقتضي المغايرة جاز، كقولك فأكرمت الرجل المذكور، ومنه هذه الآية فإنّ الأشهر قد وصفت بالحرم، وهو صفة مفهومة من فحوى الكلام فلا تقتضي المغايرة، ويجوز أن يراد بها غير الأشهر الحرم المتقدّمة

стр. 1383

فلا تكون أل للعهد والوجهان منقولان في التفسير اهـ والمصنف ﵀ اختار القول الأوّل، ويكون ذكر فيه حكم الناكثين بعد التنبيه على إتمام مدة من لم ينكث، فلا يرد عليه ما قيل إنها تسعة أشهر لبني كنانة وأربعة أشهر لسائر المعاهدين المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَسِيحُواْ﴾ الخ ومن قال هي التي أبيح للناكثين الخ، فقد غفل لعموم الحكم لبني كنانة. قوله: (وهذا مخل بالنظم مخالف للأجماع الخ (لأنه يأباه ترتبه عليه بالفاء فهو مخالف للسياق الذي يقتضي توالي هذه الأشهر، ومخالفته للإجماع لأنه قام على أنّ الأشهر الحرم يحل فيها إلقتال، وأن حرمتها نسخت، وعلى تفسير بها يقتضي بقاء حرمتها، ولم ينزل بعدما ينسخها ورد بأنه لا يلزم أن ينسخ الكتاب بالكتاب بل قد ينسخ بالسنة كما تقرّر في الأصول، وعلى تقدير لزومه كما هو مذهب الشافعيّ ﵁ يحتمل أن يكون ناسخة من الكتاب منسوخ التلاوة، ولا يخفى أن هذا الاحتمال لا يفيد ولا يسمع لأنه لو كان كذلك لنقل والنسخ لا يكفي فيه الاحتمال، وقيل إنّ الإجماع إذا قام على أنها منسوخة كفى ذلك من غير حاجة إلى نقل سنده إلينا، وقد صح أنه-لمجييه حاصر الطائف لعشر بقين من المحرم، وكما أنّ ذلك كاف في نسخها يكفي لنسخ ما وقع في الحديث الصحيح، وهو: " إنّ الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والآرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ") ١ (، فلا يقال إنه يشكل علينا لعدم علم ما ينسخه كما توهم، فإن قلت هل نسخ القرآن بالإجماع قلت نعم، قال: في النهاية شرح الهداية تجوز الزيادد على الكتاب بالإجماع صزج به الإمام السرخسيّ. وقال فخر الإسلام إن النسخ بالإجماع جوّزه بعض أصحابنا بطريق أن الإجماع يوجب علم اليقين كالنص فيجوز أن يثبت به النسخ والإجماع في كونه حجة أقوى من الخبر المشهور، ويجوز النسخ بالخبر المشهور فبالإجماع أولى، وأمّا اشتراط حياة النبىّ ﷺ في جواز النسخ فغير مشروط على قول ذلك البعض اهـ وأنت تعلم أن فيه اختلافاً عندنا فلا يصح جوابا عن كلام الشافعية كما قيل، إلا إذا نقل عنهم القول به مع أن في الإجماع كلاما ولم يعتد بمن خالف في بقاء حرمتها هنا فلا يخالف ما سيذكره من أن نسخ حرمتها مذهب الجمهور، ولك أن تقول مغ القتال في الأشهر الحرم في تلك السنة لا يقتض ي منعه في كل ما شابهها بل هو مسكوت عنه فلا يخالف الإجماع، ويكون حله معلوما من دليل آخر. قوله: (وأسروهم الخ) قيل المراد بالأسر الربط لا الاسترقاق فإن مشركي العرب لا يسترقون، ولذا لم يفسر الحصر بالتقييد كما في الكشاف لئلا يتكرّر، وقيل المراد إمهالهم للتخيير بين القتل والإسلام، وقيل: هو عبارة عن أذيتهم بكل طريق ممكن، وقوله: يتبسطوا في البلاد أي ينتشروا في البلاد ويخلصوا منكم. قوله: (وانتصابه على الظرف الخ (قيل ذكر هذا الزجاج وتبعه غيره، وتد رذه أبو عليّ ﵀ بأنّ المرصد المكان الذي يرصد فيه العدوّ فهو مكان مخصوص لا يجوز حذف في منه، ونصبه على الظرفية إلا سماعا، وردّه أبو حيان ﵀ بأنه يصح انتصابه على الظرفية لأن اقعدوا ليس المراد به حقيقة القعود بل المراد به ترقبهم وترصدهم، فالمعنى ارصدوهم كل مرصد يرصد فيه، والظرف مطلقاً ينصبه بإسقاط في فعل من لفظه أو معناه نحو جلست وقعدت مجلس الأمير، والمقصور على السماع ما لم يكن كذلك وكل، وان لم تكن ظرفاً لكن لها حكم ما تضاف إليه لأنها عبارة عنه، وجوّز في الانتصاف أن يكون مرصداً مصدراً ميميا فهو مفعول مطلق وهو بعيد، وقيل إنه منصوب على نزع الخافض، وأصله على كل مرصد أو بكل مرصد فلما حذف على أو الباء انتصب، وهو غير مقيس خصوصا على فإنه يقل حذفها حتى قيل إنه مخصوص بالشعر كما قاله أبو حيان. قوله: (فدعوهم ولا تتعرّضوا لهم بشيء (أي القتل وما معه، وهذا على جميع ما مرّ من تفسيره، وجعله في الكشاف كناية عن الإطلاق على تفسير الحصر بالتقييد أو عدم التعرّض إن فسر بالحيلولة بينهم وبين المسجد الحرام، وتخلية السبيل في كلام العرب كناية عن الترك كما في قول جرير: خل السبيل لمن يبني المنار به ثم يراد منه في كل مقام ما يليق به. قوله: (وفيه دليل على أنّ تارك الصلاة الخ) قد أجاد المصنف ﵀ هنا كل الإجادة إذ ساق كلامه

стр. 1384

على وجه يشمل مذهب الشافعيّ ﵁ في قتل تارك الصلاة، ومذهب أبي حنيفة ﵁ في حبسه، وان كان جعله قرين الزكاة يقرب مذهب أبي حنيفة، ولعل المصنف ﵀ إنما سلك هذا المسلك لأن في قتله كلاماً في مذهبهم، وقال الشافعيئ ﵁ إنه تعالى أباج دماء الكفار بجميع الطرق والأحوال، ثم حرّمها عند التوبة عن الكفر وإقام الصلاة وايتاء الزكاة فما لم يوجد هذا المجموع يبقى إباحة الدم على الأصل فتارك الصلاة يقتل، ولعل أبا بكر ﵁ استدل بهذه الآية على قتال مانعي الزكاة، وإنما خصا من بين الفرائض لأن إظهارهما لازم، وما عداهما بعسر الاطلاع عليه، وقد أورد المزني ﵀ من الشافعية على قتل تارك الصلاة تشكيكا تحيروا في دفعه كما قاله السبكي في طبقاته فقال إنه لا يتصوّر لأنه إما أن يكون على ترك صلاة قد مضت أو لم تأت، والأوّل باطل لأن المقضية لا يقتل بتركها، والثاني كذلك لأنه ما لم يخرج الوقت فله التأخير فعلام يقتل، وسلكوا في الجواب عنه مسالك الأوّل إنه وارد على القول بالتعزير والضرب والحبس فالجواب الجواب، وهو جدليّ، الثاني أنه على الماضية لأنه تركها بلا عذر ورذ بأن القضاء لا يجب على الفور، وبانّ الشافعي ﵁ قد نص على أنه لا يقتل بالمقضية مطلقا، ومذهب أصحابه أنه لا يقتل بالامتناع عن القضاء والثالث أنه يقتل للمؤداة في آخر وقتها، ويلزمه أنّ المبادرة إلى قتل تارك الصلاة تكون أحق منها إلى المرتد إذ هو يستتاب، وهذا لا يستتاب ولا يمهل إذ لو أمهل صارت مقضية، وهو محل كلام فلا حاجة إلى أن يجاب من طرف أبي حنيفة ﵀، كما قيل بأنّ استدلال الشافعيّ ﵀ مبنيّ على القول بمفهوم الشرط ونحن لا نقول به ولو سلم، والتخلية الإطلاق عن جميع ما مز فلا يخلي، ويكفي له أن يحبس على أنه منقوض بمانع الزكاة عنده، وأيضاً يجوز أن يرد بإقامتها التزامهما وإذا لم يلتزمهما كان كافراً ولذا فسره النسفي به فتأمل. قوله: (استأمنك وطلب منك جوارك) أي مجاورتك وكسر جيمه أفصح من ضمها والاستئمان طلب الأمان والاستجارة بمعناه كما يقال أنا جار لك وقد موّ تحقيقه، وقوله ويتدبره إشارة إلى أنه ليس المراد منه ومجرّد السماع ولا حجة للمعتزلة في الآية على نفي الكلام النفسي كما في شرح الكشاف للعلامة، وحتى يصح أن تكون للغاية أي إلى أن يسمعه ويصح أن تكون للتعليل، وهي متعلقة في الحالتين بأجره وليس من التنازع في شيء. قوله: (موضع أمنه) يعني أنه اسم مكان لا مصدر ميمي بتقدير مضاف وهو موضع، وان احتمله كلامه إذ الأصل عدم التقدير. قوله: (لأنّ إن من عوامل الفعل) تعمل فيه الجزم لفظا أو محلاً فلذا اختصت به لأنها تعمل دائما عملاً يختص به فلا يصح دخولها على الأسماء، فلا وجه لما قيل الأولى أن يقول من دواخل الفعل لأنّ عملها يختص بالمضارع دون الماضي، وهي تدخل عليه. قوله: (ريثما يسمعون ويتدبرون) أي بمقدار زمان يسع السماع والتدبر، والريث في الأصل مصدر راث بمعنى أبطأ إلا أنهم أجروه ظرفا كما أجروا مقدم الحاج، وخفوق النجم كذلك قال أبو علي ﵀ في الشيرازيات هذا المصدر خاصة لما أضيف إلى الفعل في كلامهم في نحو قول السلولي: لا يمسك الخير إلا ريث يرسله صار مثل الحين والساعة ونحوهما من أسماء الزمان، وما زائدة فيه بدليل صحة المعنى بدونها ألا ترى أنّ قولهم ما وقفت عنده إلا ريث قال كذا وريثما قال كذا سواء وقد جاء الاستعمالان في كلامهم قال الراعي: وما ثوائي إلا ريث ارتحل وقال معن: قلبت له ظهر المجن فلم أدم على ذاك إلاريثما أتحول وكثر ما يستعمل مستثنى في كلام منفي، وحق ما أن تكتب موصولة بريث لضعفها من حيث الزيادة وكونها غير مستقلة بنفسها، ويجوز كون ما مصدربة. قوله: (بمعنى الإنكار والاستبعاد الخ الما كان عهدهم واقعا لا يتصوّر إنكاره أشار إلى أن المنكر عهد ثابت لا ينكث، أو عهد ثان لا مطلق العهد والوغرة شدة توقد الحرّ، ومنه قيل في صدره عليّ وغر بالتسكين أي ضغن وعداوة وتوقد من الغيظ فوغرة بفتح فسكون أو بفتح فكسر والأوّل أولى، وقوله: (ولا ينكثوه) وقع في نسخة ولأن يثبتوه، وقوله: أو لاًن يفي الخ

стр. 1385

فيكون العهد عهد الله ورسوله وهو معنى كونه عندهما ومعنى كونه للمشركين إنه معهم ومتعلق بهم فسقط ما قيل إنّ هذا معنى فولنا كيف يكون لله ورسوله عهد عند المشركين لا معنى ما وقع في النظم. قوله: (وخبر يكون كيف الخ) وهو واجب التقديم لأنّ الاستفهام له صدر الكلام، وللمشركين على هذا متعلق بيكون إن قلنا به أو هي صفة لعهد قدمت فصارت حالاً وعند إما متعلقه بيكون أو بعهد لأنه مصدر أو صفة له متعلق بمقدر أو الخبر للمشركين، وعند فيها إلا وجه المتقدّمة، ويجوز أيضا تعلقه بالاستقرار الذي تعلق به للمشركين أو الخبر عند الله وللمشركين إمّا تبيين كما في سقيا لك فيتعلق بمقدر مثل أقول هذا الاستبعاد لهم، أو متعلق بيكون، واما حال من عهد أو متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر ويغتفر تقدم معمول الخبر لكونه جاراً ومجروراً، وكيف على الوجهين الأخيرين شبهة بالظرف أو بالحال ويجوز أن تكون تامّة، والاستفهام هنا بمعنى النفي، ولذا وقع بعده الاستثناء. قوله: (ومحله النصب على الاستثناء الخ) أي هو استثناء متصل لدخولهم في المشركين، ومحله النصب على الاستثناء أو الجرّ على البدل لأن الاستفهام في معنى النفي، وهذا على التفسيرين السابقين، وأما إذا كان منقطعاً فهو مبتدأ خبره مقدّراً وجملة فما استقاموا خبره، وهو ظاهر كلام المصنف ﵀. قوله: (أي فتربصوا أمرهم الخ) أي انتظروا أمرهم، وهو بيان لحاصل المعنى لا تقدير، وقو! هـ غير أنه مطلق أي قوله فأتموا مطلق، وهذا مقيد بالاستقامة والدوام على العهد فيحمل المطلق عليه، فإن قلت تفريعه على قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ ولم يظاهروا عليكم أحداً يفيد تقييده بعدم النكث فهما سواء فيه، قلت قد دفع هذا بأنّ عدم النقض المستفاد منه مغيي بوقت التبليغ أو بتمام الأربعة الأشهر، وأمّا بعد تمامها فالآية ساكتة عنه وإن كان لا بد منه في وجوب إتمام المدّة ولا يخفى ما فيه. قوله: (وما ثحتمل الشرطية والمصدرية (على المصدرية هي ظرف في محل نصب على ذلك أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم على الشرطية يجوز فيها أن تكون في محل نصب على الظرفية أيضاً أي في أيّ زمان استقاموا لكم استقيموا لهم، أو في محل رفع على الابتداء وفي خبرها الخلاف المشهور، وقوله فاستقيموا جواب الشرط والفاء واقعة في الجواب وعلى المصدرية مزيدة للتأكيد. قوله: (تكرار لاستبعاد ثباتهم على العهد الخ) يعني أنّ الفعل المحذوف بعدها إن كان ما تقدّم فهو تكرار للتأكيد والتقدير كيف يكون لهم عهد، أي يثبتون عليه كما مرّ أنه المراد منه وهذا على التفسير الأوّل، أو المراد استبعاد بقاء الحكم وهو وفاء الله والرسول لهم به وترك قتالهم ونحوه وهو على التفسير الثاني، والتنبيه على العلة مأخوذ من قوله وإن يظهروا الخ أي علة استبعاد ذلك وانكاره، وهي إنّ الله علم وقد دلت الإمارات على ذلك أنّ عهودهم إنما هي لعدم ظفرهم بكم ولو ظفروا لم يبقوا ولم يذروا فمن كان أسير الفرصة مترقبا لها كيف يرجى منه دوام عهد فتدبر. قوله: (وحذف الفعل للعلم به) أي المستفهم عنه يحذف مع كيف كثيراً ويدل عليه بجملة خالية بعده، وتقديره كيف يكون لهم عهداً وكيف لا تقاتلونهم ونحوه. قوله: (وخبرثماني الخ) هو من مرثية لكعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار وقبله: لعمركما أن البعيد الذي مضى وإن الذي يأتي غدا لقريب وخبرتماني إنما الموت بالقرى فكيف وهاتا هضبة وقليب ومنها: وداع دعايا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب ففلت اح أخرى وارفع الصوت جهرة لعل أبي المغوار منك قريب ومعنى البيت قلتما لي إنّ من سكن القرى لحقه الموت لكثرة الوباء بها فكيف مات أخي في برية هي هذه وذكر الهضبة وهي الجبل المنبسط على الأرض، والقليب أي البئر شارة إلى أنها مفازة فيها ذلك، وقيل هما جبل وبئر معينان عند قبر أخيه وهاتا اسم إشارة للمؤنث يقال تا وني وليس مثنى حذفت نونه كما توهم. قوله: (١ لا حلفا وقيل قرابة الخ (الحلف كتكتف القسم قيل، وقد صحح هنا كذلك والحلف بكسر

стр. 1386

فسكون العهد والعبارة محتملة له، ولا يضر تفسير الذمّة به لأنه غير متعين وكونه مؤكداً أو تفسيراً يأباه إعادة إلا ظاهراً، وقد اختلف في معنى الألّ بكسر الهمزة وقد تفتح على أقوال منها ما ذكره المصنف ﵀، وأشار إلى أنّ منها ما يحتمل أن يكون مجازاً وهذا كله منقول عن أئمة اللغة، والمفسرين فالمناقشة فيه ليست من دأب المحصلين. قوله: (لعمرك الخ) من شعر لحسان ﵁ يهجو به أبا سفيان ﵁ يقول له: إن عذك من قريش مع ما فيك كما يعذ بعض الناس النعام من الإبل كما قيل في المثل إنه قيل للنعامة طيري فقالت أنا جمل فقيل لها احملي فقالت: أنا طائر، ولذا تضاف إلى الإبل في غير لغة العرب، والسقب ولد الناقة، والرأل بالهمزة ولد النعام، والجؤار بضم الجيم وفتح الهمزة والراء المهملة الصراخ وصوت البقر، وقوله: ثم استعير أي من العهد للقرابة لأن بين النسبتين عقد أشد من عقد التحالف، وكونه أشد لا ينافي كونه مشبهاً لأنّ الحلف يصرح به ويلفظ فهو أقوى من وجه آخر، وليس التشبيه من المقلوب كما توهم، وقوله: (من ألل الشيء إذا حدّده) وفي تلك الأمور حذة ونفاذ، وكونه من أل البرق لظهور ذلك، وعلى كونه بمعنى الإله فالمعنى لا تخافون الله ولا تراقبونه في نقض عهدكم، وقد ضعف هذا بأنه لم يسمع في كلام العرب الّ بمعنى إله، ولذا ذكر المصنف ﵀ أنه عبرفي، وأيده بأنه قرئ أيلا وهو بمعنى الإله عندهم. قوله: (عهدا أو حقاً بعاب على إغفاله ( أي تركه وسمي به العهد أيضاً لأنّ نقضه يوجب الذم وقولهم في ذمتي كذا سمي بها محل الالتزام، ومن الفقهاء من قال هو معنى يصير به الآدميّ على الخصوص أهلاً لوجوب الحقوق عليه، وقد يفسر بالأمان والضمان وهي متقاربة. قوله: (ولا يجوز جعله حالاً من فاعل لا يرقبوا الخ الأن الحال تقتضي المقارنة، وهم في حال عدم المراعاة فإن حملت على ما يشمل مراعاتها ظاهرا وباطناً صح مقارنتها لإرضائهم في الجملة لكن عدم المراعاة الواقع جزاء لظهورهم وظفرهم متأخر عنه لتسببه وترتبه عليه، والإرضاء المذكور مقدم على الظهور فيلزم تقدّمه على المراعاة التي هي جزاء له، وهو المانع في هذا الوجه، وهذا رد على جعلها حالأ منه كما ذهب إليه بعض المفسرين، ونقله أبو البقاء ﵀ وأشار إلى رذه وأما احتمال نفي القيد فتكلف لا داعي له. قوله: (ولأن المراد إثبات إرضائهم الخ (فالاستبطان الإخفاء في الباطن، وهو من قوله وتأتي قلوبهم يعني أنّ بين الحالتين منافاة ظاهرة لأنّ حال الإرضاء بالأفواه فقط حالة إخفاء للكفر، والبغض مداراة لهم، وهذه حالة مجاهرة بالعداوة مناقضة لهذه الحال فلا وجه لتقييد إحداهما بالأخرى، والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن المانع في الأوّل التقدم اللازم من الشرط، والحالية تقتضي المقارنة والمانع في هذا أنّ بين الحالتين تضاذاً يأبى اجتماعهما وتقييد إحداهما بالأخرى لأنّ المراد بعدم المراعاة أنهم لا يبقون عليهم أي لا يرحمونهم ولا يرقون لهم في إيقاع المكروه بهم وهذه مجاهرة تنافي معنى تلك الحال فالمانع في نفس ما جعل الحال منه لا من خارج وهو الشرط فاعرفه فإن الفرق بين الوجهين خفيّ، وقد وقع للمحشي هنا كلام معقد لم ينتج شيئا فتركته لقلة جدواه. قوله: (متمرّدون لا عقيدة تزعهم الخ (إشارة إلى دفع ما يقال أنّ الكفر أقبح من الفسق فما معنى وصف الكفار في مقام الذم به، وان الكفر فسق فما وجه إخراج البعض بقوله أكثرهم، با! المراد بالفسق التمزد وارتكاب ما لا يليق بالمروءة مما يقبح حتى عند الكفرة ويجرّ المذمة ويجعل صاحبه أحدوثة كالغر والكذب ونحوه مما يتجنبه بعض الكفرة أيضا فلذا وصف به أكثرهم بعد تقرر كفرهم، وتزعهم بالزاي المعجمة والعين المهملة بمعنى تكفهم وتمنعهم والرح قريب منه، والتفادي التحامي والتباعد والأحدوثة ما يتحذث به من القبائح مما اشتهر. قوله: (استبدلوا بالقرآن الخ) يعني أنه استعارة تبعية تصريحية، ويتبعها مكنية وهي تشبيه الآيات بالمبتاع، أو مجاز مرسل باستعمال المقيد وهو الاشتراء في المطلق وهو الاستبدال كالمرسن، ولذا تعذى إلى الثمنية بنفسه وأدخلت الباء على ما وقع في مقابلته وقد مرّ الكلام فيه مفصلاً، وقوله: (بالقرآن) قيل أو التوراة إن أراد بالذين كفروا اليهود وكان ينبغي له ذكره لما سيأتي قريبا. قوله: (بحصر الحجاج) أي بحبسهم ومنعهم

стр. 1387

والحجاج جمع حاج والعمار جمع عامر، وهو الذي يأتي بالعمرة ويصح أن يريد به المجاورين بالحرم، والذين يعمرونه مطلقاً دمان أريد بالسبيل الدين فهو مجاز وإن أريد به سبيل البيت فهو حقيقة، وفي الكلام مضاف مقدر أو النسبة الإضافية متجوّز فيها، وفي قوله الحجاج والعمار إشارة إلى أن صذ بمعنى مغ متعذ يقال صذه عن كذا إذا صرفه وقد يكون لازمأ بمعنى أعرض. قوله: (ساء ما كانوا يعملون عملهم هذا الخ) يجوز في ساء أن تكون على بابها من التعدي، ومفعولها محذوف أي ساءهم عملهم الذي كانوا يعملونه وأن تكون جارية مجرى بض فتحوّل إلى فعل بالضم ويمتنع تصرفها وتصير للذم، ويكون المخصوص بالذم محذوفاً وكلام المصنف ﵀ ظاهر في الثاني فالمخصوص محذوف أي ساء العمل ما كانوا يعملون واليه الإشارة بقوله عملهم، أو هو تفسير لقوله ما كانوا يعملون والمراد بيان محصل المعنى لا إن ما مصدرية فإنها تحتمل الموصولية والمصدرية، وعليهما فالمراد به ما مضى من صدهم عن سبيل الله وما معه واليه الإشارة بقوله هذا أو المراد به ما تضمنته الجملة المذكورة بعده فتكون لأجل التفسير فلا تكون مكرّرة. قوله: (قهو تفسير لا تكرير الخ (بخلافه على الأوّل فإنه تكرير للتأكيد أو ليس بتكرير لما سيذكره بقوله، وقيل الخ ولما في التفسير إلا آخر من خلاف الظاهر وتفكيك الضمائر لكون السوابق واللواحق للمشركين الناقضين آخره، وفي المدارك ولا تكرار لأن الأوّل على الخصوص لقوله فيكم، والثاني على العموم لقوله في مؤمن لشموله لمن سيؤمن من بعد نزول الآية، وقوله:) في الناقضين) أي الناكثين للعهد والإعراب الذين جمعهم أبو سفيان ﵁ للاستعانة بهم على حرب النبيّء! ييه فالثمن القليل لمقام أبي سفيان ﵁، وقوله عن الكفر لم يقل ونقض العهد لاستلزامه له. قوله: (اعتراض للحث الخ) أي جملة معترضة بين فإن تابوا وان نكثوا للتأكيد لما اعترضت فيه، ويعلمون منزل منزلة اللازم، أو مفعوله مقدر أي يعلمون ما فصلناه، وفي قوله (على تأمل الخ (إشارة لأنّ العلم كناية عن التفكر والتدبر أو بجاز بعلاقة السببية لأنّ المقصمود حثهم على التفكر في تأمل آيات الله وتدبرها، وقوله وخصال التائبين وقع في بعض النسخ أو بد! الواو والأولى أولى. قوله: (وإن نكثوا ما بايعوا عليه الخ (يعني أن النكث شامل للرذة ونقض العهد فيجوز أن يفسر بكل منهما كما ذهب إليه بعض المفسرين وصاحب الكشاف جمع بينهما، وله وجه ورجح ما فعله المصنف ﵀ بأن كلأ منهما سبب للقتل ولا حاجة إلى ضمهما. قوله:) وطعنوا في دينكم بصريح التكذيب الخ (إنما اشترط صريح التكذيب والتقبيح لأنّ كل كافر أصليّ أو مرتد لا يخلو من تكذيب له وتقبيح، لكن الذي يوجب قتله إكلانه بذلك لأنّ ابن المنير ﵀ قال في تفسيره لو طعن الذمي في ديننا مع أهل دينه وتستر فإذا بلغنا ذلك كان نقضا للعهد، وهذا أحسن من قولهم يقتل للطعن لأنه نقض العهد وجاهر به وهو مخالف لما قاله المصنف ﵀ إلا أن يعمم التصريح بما يشمل تصريحه لأهل دينه، فإن قلت كان الظاهر أو طعنوا لأنّ ما قبله على التفسيرين كاف للقتل والقتال، قلت: النقض بالقول ولا بد منه حتى يباج القتل وتخصيص الإظهار ربما كان قوليا ليعلم منه ما كان بالفعل بالطريق الأولى، ولما كان السياق لبيان نقض العهد قولاً وفعلاً لم يكن في الآية دلالة على أنّ الذمي إذا طعن في الدين، ومن الطعن في الدين سب النبيّ ىلمج! رو ينتقض عهده ويباج قتله، وأيضا صريح الآية أنه إذا وجد منه نقض العهد أو الرذة مع الطعن قتل، فكيف تدل على القتل بمجرّد الطعن، وقال الجصاص في أحكام القرآن إنّ الآية تدل على أن أهل الذمة ممنوعون من إظهار الطعن في دين الإسلام وهو يشهد لقول من قال من الفقهاء إنّ من أظهر شتم النبيئ! ي! من أهل الذمة فقد نقض عهده ووجب قتله، وقال أصحابنا يعزر ولا يقتل، وهو قول الثوري والمنقول عن مالك والشافعيّ، وهو قول الليث قتله وأفتى به ابن الهمام ﵁ كما في شرح الهداية وفيه كلام مفصل في الفروع، والحاصل أنه كان الظاهر أن يقول أو طعنوا لأن كلاً منهما كاف في استحقاق القتل والقتال، وكون الواو بمعنى أو يفيد أنّ الطعن نقض العهد فهو من عطف الخاص

стр. 1388

على العامّ، ولا يكون إلا بالواو واعلم أنّ للطعن موقعا لطيفاً مع القتال وبه اقتديت بقولي من قصيدة: ولطعن ذبا موقع لم يصل له سواعد مدتها الوغى بيد السمر قوله: (فوضع أئمة الكفر الخ) يعني المراد بأئمة الكفر مطلق المشركين، ووضع فيه الظاهر موضع الضمير وسموا أئمة الكفر لأنهم صاروا بكفرهم رؤساء متقدميين على غيرهم في زعمهم، والتقدم بالجر معطوف على الرياسة، وأحقاء منصوب خبر بعد خبر لصار، أو المراد رؤساء الكفر وتخصيصهم لأنهم أهئم لا لأنه لا يقتل غيرهم. قوله: (أو للمنع من مراقبتهم (فيه نظر وقيل المراد مراقبة الآذ والذمة، وأنّ قوله للمنع عطف بحسب المعنى على المفهوم من الكلام أي لرياستهم أو للمنع الخ، أو على قوله: لأن قتلهم أهمّ، والأوّل أولى معنى، والثاني أنسب لفظاً، وتخصيص القتل بالرؤساء لا ينافي وجوب قتل غيرهم كما أشار إليه المصنف ﵀. والظاهر أنه يشير إلى ما في الكشاف، يعني أن تخصيص المقاتلة بهم لأنّ قتلهم أهم أو ليمتنعوا عما هم عليه ويرجعوا إلى الحق. قال في تفسيره: أي ليكن غرضكم في مقاتلتهم بعدما وجد منهم ما وجد من اإحظائم أن تكون المقاتلة سب جما في انتهائهم عما هم عليه وهذا من غاية كرمه وفضله وعوده على المسيء بالرحمة كلما عاد اهـ فهو معطوف على قوله لأن من غير احتمال لغيره، أو هو راجع إلى تفسير النكث بالردّة، والمراد أنه لا يقبل توبتهم فتدبر. قوله:) بتحقيق الهمزتين على الأصل والتصريح بالياء لحن (تبع فيه الزمخشري وقد قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بهمزتين ثانيهما بين بين ولا ألف بينهما، والكوفيون وابن ذكوان عن ابن عارم بتحقيقهما من غير إدخال ألف، وهشام كذلك إلا أنه أدخل بينهما ألفاً هذا هو المشهور بين القراء السبعة، ونقل أبو حيان عن نافع المد بين الهمزة والياء فأما قراءة التحقيق وبين بين فضعفها جماعة من النحويين الفارسي، ومنهم من أنكر التسهيل بين بين وقرأ بياء خفيفة الكسرة، وأما القراءة بالياء فارتضاها الفارسي وجماعة، والزمخشرقي جعلها الحنا، وخطأه أبو حيان ﵀ فيه لأنها قراءة رأس النحاة والقراء أبي عمرو وقراءة ابن كثير ونافع، وأما الاعتذار عنه بأن مراده أنها غير ما عند البصريين ولا حرج على الناقل، فلا وجه له لأنه مع القراءة بها من يكون البصري أو الكوفي فإنها صحيحة رواية ودراية، وأما الاعتذار بأن مراده بكونها لحنا أنه لم يقرأ بها في السبعة كما ذكره في التيسير، فلا يناقض كلامه في الكشاف قوله: في المفصل إذا اجتمعت همزتان في كلمة، فالوجه قلب الثانية حرف لين كما في آدم وأيمة، لأنه حكاية قول النحويين لا القراء فخطأ أيضاً، لما عرفت أنه مذهب صحيح للقراء ولا يضر كونه لم يثبت من طريق التيسير. ووزن أئمة أفعلة كحمار وأحمرة وأصله أئممة فنقلت حركة الميم إلى الهمزة وأدغمت، ولما ثقل اجتماع الهمزتين فرّوا منه بإبدالها أو تخفيفها، أو إدخال ألف للفصل بينهما ففيها خمس قرا آت اتفق عليها الأربعة عشر تحقيق الهمزتين، وجعل الثانية بين بين بلا إدخال ألف وبه، والخامسة بياء صريحة وكلها صحيحة لا وجه لإنكارها وتفصيلها في النشر. قوله: (على الحقيقة الخ أليس المراد بالحقيقة ما يقابل بل المجاز بل المراد معناه اللغوي، وهو ما تحقق وثبت أي ليست جبلتهم وما خلقوا عليه أمراً ثابتا لأنهم نقضوها ولم يفوا بها، وان كانت يمينا في الشرع عند الشافعية، وعند أبي حنيفة يمين الكافر ليست يمينا معتداً بها شرعا، فالنفي عنده على الحقيقة بمعناه المتبادر منها، وثمرة الخلاف إنه لو أسلم بعد يمين انعقدت في كفره ثم حنث هل تلزمه ا. رة فعند أبي حنيفة لا تلزمه الكفارة، وعند الشافعيّ رضي الله تعالى عنه تلزمه، واستدلّ بأنه تعالى وصفها بالنكث بقوله: ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم﴾ والنكث لا يكون حيث لا يمين، والجواب بأنّ ذلك باعتبار اعتقادهم أنه يمين ليس بشيء لأنّ الإخبار من الله والخطاب للمؤمنين، فإن قيل الاستدلال بالنكث على اليمين إشارة أو اقتضاء، ولا أيمان لهم عبارة فتترجح قيل: بل يؤوّل جمعأ بين الأدلة وفيه نظر لأنه إذا كان لا بذ من التأويل في أحد الجانبين فتأويل غير الصريح أولى، وبما قرّرنا به كلامه سقط ما قيل في تقريره إنه أراد ففي الاعتداد بها لا نفي أصلها، وان كان هو المتبادر بخلاف كلام الزمخشري فإنه لنفي أصلها فكان

стр. 1389

الأولى أن يعبر بما هو صريح في مراده ليوافق استدلاله الآتي. توله: (وفيه دليل على أن الذمي إذا طعن في الإسلام فقد نكث عهده) قد مرّ الكلام فيه، وقد قيل عليه إنه ليس في محله، ومحله بعد قوله: ﴿وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ وفي الدلالة على كل حال بحث (قلت) هنا ناشئ من عدم تدبر كلامه فإنه لا يتم الاستدلال إلا بعد بيان أن أيمانهم لا يعتد بها من جهة عدم الوفاء إذ لو وفوا بها لم يكن منهم طعن ولا نقض للعهد، وهو يفيد تلازمهما بحيث يكون الطعن نقضاً للعهد فيصير سببا مستقلا، ولولاه لم تدل على ذلك لأنها تدلّ على أنها بمجموعها سبب لا كل واحد منهما وبه سقط بحثه من حيث لا يدري فتدبر. وفي قوله: والا لما طعنوا دخل لأنه أدخل اللام في جواب إن الشرطية وهو خطأ لكنه مشهور في عبارات المصنفين كما في شرح المغني (وعندي) أنه ليس بخطأ لأنّ المراد والا فلو كان لهم أيمان لما طعنوا الخ كما هو المعروف في تمهيد الاستدلال فاللام واقعة في جواب لو المحذوفة للاختصار ولا ضير فيه، وقوله: واستشهد به الحنفية الخ مرّ تحقيقه، وقوله: الوثوق عليها ضمته معنى الاعتماد ولذا عداه بعلى. قوله:) وقرأ ابن عامر لا إيمان الخ (أي قرأه بكسر الهمزة فإما أن يكون بمعنى الإيمان المرادف للإسلام، أو بمعنى الأمان على أنه مصدر آمنه إيمانا بمعنى أعطاه الأمان، فاستعمل المصدر بمعنى الحاصل بالمصدر وهو الأمان، ولو أبقى على أصل معناه صح أيضا، وإنما نفى عنهم لأن مشركي العرب ليس لهم إلا الإسلام أو السيف. قوله: (وتشبث به الخ) أي تمسك به ووجه التمسك إنه نفي إيمان من نكث والمرتد ناكث، ونفيه مع أنه يقع منه نفي للاعتداد به وصحته، ووجه ضعفه أنه ليس نصا فيما ذكر لاحتمال معان أخر، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال لأنه يحتمل نفي الأمان عن المشركين حتى يسلموا أو نفي قوم معينين في المستقبل، وأنه طبع على قلوبهم فلا يصدر منهم إيمان أصلا، أو يكون المراد أن المشركين لا إيمان لهم حتى يراقبوا ويمهلوا لأجله، يعني أنّ المانع من قتلهم أحد أمرين إما العهد وقد نقضوه، أو الإيمان وقد حرموه، وبهذا سقط ما قيل أن وصف أئمة الكفر بأنهم لا إسلام لهم أو لا إيمان تكرار مستغنى عنه. وقوله: اليكن الخ (مز تقريره وإيصال الأذية افتعال أو إفعال مضمن معنى إلصاق ٠ وقوله: ليكن غرضكم الخ إشارة إلى أن الترجي من المخاطبين لا من الله. قوله: (تحريض على القتال لأنّ الهمزة دخلت على النفي للأنكار الخ) في نسخة المبالغة في الفعل، وفي نسخة في القتال، وهما بمعنى لأنّ مقصوده أن الاستفهام فيه للإنكار، والاستفهام الإنكاري في معنى النفي، ونفي النفي إثبات على أبلغ وجه، وآكده لأنه إذا كان الترك مستقبحا منكراً أفاد بطريق برهاني إنّ إيجاده أمر مطلوب مرغوب فيه فيفيد الحث والتحريض عليه، وعدل عن قوله في الكشاف دخلت الهمزة على لا تقاتلون تقريراً بانتفاء المقاتلة، ومعناه الحض عليها على سبيل المبالغة لأنه قيل عليه إنّ التقرير له معنيان الحمل على الإقرار ويتعدى بالباء كما في الصحاح، والتثبيت بمعنى جعله قاراً ثابتأ في قراره، ويتعدى باللام، والظاهر هنا الثاني لكن تعديته بالباء تقتضي خلافه، ودفع بأنا لا نسلم أنّ المعنى على الثاني لأنّ المراد الحمل على الإقرار بأنهم لا يقاتلون قصداً إلى التحريض على القتال، ومنهم من قال أنّ الباء لتقرير معنى التصديق ولا يخفى سماجته، ومنهم من قال: أنّ التقرير بمعنى التثبيت يتعذى بالباء أيضا يقال: فز بالمكان ورد بأنه لا نزاع في أنه يستعمل بالباء وهي بمعنى في لكنها تدخل على موضعه، ومحل الاستقرار لا على المستقرّ كما هنا فتأمّل. وبكر حلفاء قريش، وخزاعة حلفاء النبيئ ع! ييه. قوله:) حين تشاوروا في أمره بدار الندوة الخ) قد مرّت القصة مفصلة، والواقع فيها الهتم بالإخراج لا الإخراج، وإنما خرج بنفسه! اذن الله له، فإن قيل: إن أريد ما وقع في دار الندوة من الهم فهو بالإخراج أو الحبس أو القتل فليس الهئم فيها بالإخراج فقط، والذي استقز رأيهم عليه هو القتل لا الإخراج فما وجه التخصيص، قلت تخصيصه لأنه هو الذي وقع في الخارج ما يضاهيه مما يترتب على همهم وان لم يكن بفعل منهم، بل من الله لحكمة ومن عداه لغو، فخص بالذكر لأنه هو المقتضي للتحريض لا غيره مما لم يظهر له أثر، وقيل: إنه اقتصر على الأدنى ليعلم غيره بطريق أولى ولا يرد عليه إنه ليس بأدنى من الحبس كما توهم لأن بقاءه

стр. 1390

موثقا في يد عدوّه المقتضي للتبريح بالجوع والتهديد أشد منه بلا شبهة، وكونهم اليهود يأباه السياق وعدم القرينة عليه، ولذا مرضه. قوله: (بالمعاداة والمقاتلة) قال الإمام: يعني بالقتال يوم بدر لأنهم حين سمع العرب بالخروج للعير، قالوا: لا نرجع حتى نستأصل محمدأ أو ندمغه، أو قتال حلفاء خزاعة وهذا قول الأكثرين، وتركه المصنف ﵀ لما فيه من التكرار. قوله: (أتتركون قتالهم خشية أن ينالكم الخ) يعني أنه أقيم فيه السبب مقام المسبب والعلة مقام المعلول لأن المنكر في الحقيقة ترك القتال لخوف العدوّ، والله أحق أن تخشوه، في إعرابه وجوه فقيل الله أحق مبتدأ وخبر، وأن تخشوه بدل من الجلالة، أو بتقدير حرف جر أي بأن تخشوه، وقيل: أن تخشوه مبتدأ خبره أحق والجملة خبر الله. قوله: (فإن قضية الإيمان أن لا يخشى إلا منه (القضية هنا بمعنى المقتضي أي مقتضي إيمان المؤمن الذي يتحقق أنه لا ضاز ولا نافع إلا الله، ولا يقدر أحد على مضرّة ونفع إلا بمشيئة الله أن لا يخاف إلا من الله، ومن خاف الله خاف منه كل شيء، والحصر من حذف متعلق أحق المقتضي للعموم، أي أحق من كل شيء بالخشية فلا ينبغي أن يخشى سواء. قوله: (أمر بالقتال بعد بيان موجبه) وهو كل واحد من الأمور الثلاثة فكيف بها إذا اجتمعت، والتوبيخ من قوله: ألا تقاتلون وأتخشونهم، والتوعيد من قوله: ﴿فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ﴾ لأنّ معناه لا تتركوا أمره كما مرّ، وقدم النصر وان تأخر لفظا لتوقفهما عليه. قوله: (والتمكن من قتلهم وإذلالهم) إشارة إلى أنّ اللازم للمقاتلة ذلك، ويحتمل أنه إشارة إلى أنّ إسناده إلى الله مجاز لأنه الذي مكنهم منه وأقدرهم عليه، وقيل إنّ قوله: بأيديكم كالتصريح بأنّ مثل هذه الأفعال التي تصلح للباري فعل له، وإنما للعبد الكسب بصرف القوى والآلات وليس الحمل على الإسناد المجازي بمرضيّ عند العارف بأساليب الكلام، ولا الإلزام بالاتفاق على امتناع كتب الله بأيديكم، وكذب الله بألسنة الكفار بوارد لما مرّ مراراً أن مجرّد خلق الفعل لا يصحح إسناده إلى الخالق ما لم يصلح محلاً له، وامتناع ما ذكر احتراز عن شناعة العبارة إذ لا يقال يا خالق ألفاذورات ولا المقدر للزنا والممكن منه، ولا يخفى ما فيه فإنه تعالى لا يصلح محلاً للقتل ولا للضرب ونحوه مما قصد بالإذلال، وإنما هو خالق له، والفعل لا يسند حقيقة إلى خالقه وان كان هو الفاعل الحقيقي للفرق بينه وبين الفاعل اللغوي: إذ لا يقال كتب الله بيد زيد على أنه حقيقة بلا شبهة مع أنه لا شناعة فيه، لقوله: كتب الله فما ذكره غير مسلم. قوله: (يعني بني خزاعة الخ (هم حلف رسول الله لمجب! الذين عاهدوا قريثاً عام الحديبية على أن لا يعيثوا عليهم بني بكر، وكان فيهم قوم مؤمنون، وقوله: وقيل بطوناً هو منصوب بيعني مقدّراً، والبطن فرقة من القبيلة كما مرّ، وسبأ مهموز كجبل يصرف، ولا يصرف اسم بلدة بلقيس، ولقب عبد شمس بن يعرب مجمع قبائل اليمن، وهذا بناء على أن المراد بقوم مؤمنين قوم بأعيانهم، ولو حمل على العموم صح لأنّ كل مؤمن يسرّ بقتل الكفار. وقوله: أبشروا من الإبشار بمعنى التبشير والفرج القريب فتح مكة، ويدل عليه قول ابن عباس ﵄ إنّ قوله تعالى ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ﴾ الخ ترغيب في فتح مكة وأورد عليه أن هذه السورة نزلت بعد الفتح فكيف يكون هذا تركيباً في فتحها. وأجيب بأنّ أوّلها نزل بعد الفتح وهذا قبله، وفائدة عرض البراءة مت عهدهم مع أنه معلوم من قتال الفتح، وما وقع فيه الدلالة على عمومه لكل المشركين ومنعهم من البيت وقوله: (والآية من المعجزات (أي لما فيها من الأخبار عن الغيب فهي من إعجاز القرآن الدال على تصديق النبيّ عش! ر، ولو قال فالآية لكان أولى. قوله: (ابتداء إخبار الخ) أي بعض المشركين يتوب الله عليه فيترك كفره كما وقع ذلك، وقراءة النصب بإضمار أن ونصبه في جواب الأمر وهذه قراءة أبي عمرو في رواية عنه ويعقوب، قال الزجاج: وتوبة الله على من يشاء واقعة قاتلوا أو لم يقاتلوا، والمنصوب في جواب الأمر مسبب عنه فلا وجه لإدخال التوبة في جوابه، فلذا قال بعضهم: إنه تعالى لما أمرهم بالمقاتلة شق ذلك على بعضهم فإذا قاتلوا جرى قتالهم مجرى التوبة من تلك الكراهية، فيصير المعنى إن تقاتلوهم يعذبهم الله ويتب عليكم

стр. 1391

من كراهة قتالهم، والذي يظهر أنّ التوبة للكفار والمعنى أن قتالهم كان سبباً لإسلام كثير منهم لما رأوا من نصر المؤمنين وعز الإسلام من غير تكلف واليه أشار المصنف ﵀ فلا حاجة إلى ما قاله ابن جني من أنه كقولك إن تزرني أحسن إليك وأعط زيداً كذا، على أن المسبب عن ذلك جمع الأمرين لا أن كل واحد مسبب باستقلاله فإنه تعسف، والمعنى الذي ذكره المصنف رحمه الله تعالى هو الذي في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ﴾ [سورة الفتح، الآية: أ- ٢، وقوله من جملة ما أجيب به الأمر، أي بإجراء المنصوب مجرى المجزوم على عكس فأصدق وأكن، لأن جواب الأمر كما يجزم ينصب بعد الفاء فيعطف منصوب على مجزوم، وعكسه على الفرض! والتقدير وهو المسمى بعطف التوهم، وما قيل إنّ قراءة الرفع على مراعاة المعنى حيث ذكر مضارع مرفوع بعد مجزوم هو جواب الأمر، ففهعم منه أنّ المعنى ﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَاء﴾ على تقدير المقاتلة لما يرون من ثباتكم وضعف حالهم، وعلى قراءة النصب فمراعاة للفظ إذ عطف على المجزوم منصوب بتقدير نصبه فهو مما لا وجه له، ولا ينبغي أن يصدر عنه فإنه على الرفع مستأنف لا تعلق له بما قبله. قوله: (خطاب للمؤمنين الخ (الشاملين لهلمخلصمين والمنافقين لكراهة بعض منهم ذلك المنافقين وإنما عممه ليناسب ما بعده، وأم المنقطعة بمعنى بل والهمزة والإضراب فيها للانتقال من أمر إلى آخر، وجعل الأوّل كأنه لم يذكر، والحسبان بكسر الحاء مصدر حسبه بمعنى ظنه، وبضمها مصدر حسب بمعنى عد، والإضراب هنا عن أمرهم بالقتال إلى توبيخهم على الجبن، وقوله ومعنى الهمزة أي المقدّرة مع بل. قوله: (ولم يتبين الخلص منكم (إشارة إلى أنّ لما كلم نافية، وبينهما فرق مذكور في النحو، وهذا بيان لمعنى النظم كما في الكشاف بعينه، وفي الكشف إنه يخالف بظاهره أوّله آخره لدلالة أوّله، على أن العلم مجاز عن التمييز، والتبيين يعني مجازا مرسلا باستعماله في لازم معناه، وآخره على أنه كناية عن نفي المعلوم، أي لم يوجد ذلك إذ لو وجد كان معلوماً له تعالى فهو نفي له بطريق برهاني بليغ، وأجاب بأنه إشارة إلى أنه استعمل لنفي الوجود مبالغة في نفي التبيين، وما ذكره أوّلاً حاصل المعنى وذلك لأنه خطاب للمؤمنين إلهابا لهم وحثا على ما حضهم عليه، بقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ فإذا وبخوا على حسبان أن يتركوا، ولم يوجد فيما بينهم مجاهد مخلص دذ على أنهم إن لم يقاتلوا لم يكونوا مخلصين، وأن الإخلاص إذا لم يظهر أثره بالجهاد في سبيل الله ومضاذة الكفار كلا أخلاص، ولو فسر العلم بالتبيين مجازاً لم يفد هذه المبالغة، اهـ ولذا قيل: لم يرد به تفسير الآية على أن يكون الخلص منصوبا مفعولاً ليتبين، فإنه يتعذى كبين تقول: بينت الأمر فتبين أي عرفته لمنافاته ما سيجيء، ومن غيرهم متعلق به لتضمنه معنى الامتياز. قوله: (من حيث أن تعلق العلم به مستلزم لوقوعه) قيل: قوله في الكشاف المعنى أنكم لا تتركون على ما أنتم عليه حتى يتبين المخلص منكم، يقتضي أن تصرف المبالغة إلى الثبوت، يعني أن المعنى على التوبيخ والإنكار، فنفى العلم في التحقيق إثبات له على وجه الإنكار، وإذا أريد بالعلم المعلوم يكون مبالغة في ثبوت المعلوم لأنّ العلم كالبرهان على المعلوم من حيث أن قوله مستلزم على صيغة الفاعل، وأما إذا حمل المبالغة على المبالغة في النفي، فظاهره غير مستقيم لأنّ انتفاء الملزوم لا يستلزم انتفاء اللازم إلا بعد المساواة وحينئذ هو لازم فلا وجه للتعبير بالملزوم إلا أن يقرأ مستلزم بفتح الزاي، لكنه خلات الظاهو، والمعروف في الاستعمال وقد تابعه من بعده وقد قيل أيضاً: إنّ مراد المصنف ﵀ تعايى إن نفي العلم دليل على عدمه، والمذكور هو الأوّل وعلى هذا فالوجه أن يقال: من حيث أن نفي علم الله مستلزم لعدمه، إذ لو لم يكن معدوماً وجب علم الله به لإحاطة علمه بجميع الأشياء اهـ (وعندي (أن هذا كله تعسف غير محتاج إديه، أنّ قول صاحب الكشاف ليس إشارة إلى أنّ المبالغة في الإثبات، بل إشارة إلى أن منفي لما متوقع على شرف الوقوع كما صزج به، وأمّا ما استصعبوه فأمر هين لأنّ معنى كلامه أنه نفي العلم في الآية، وأريد نفي المعلوم فمعناه لم يجاهدوا على أبلغ وجه، لأنه برهاني إذ لو وقع جهادهم علمه الله إذ تعلق علم الله بشيء يقتضي وقوعه ويستلزمه، والا لم يطابق علمه الواقع وهو محال كما

стр. 1392

أنّ عدم علمه به واقعاً يقتضي عدم وقوعه إذ لو وقع وقع في الكون ما لا يعلمه وهو محال أيضاً، وهو من باب الكناية واللزوم فيها معلوم فما الداعي إلى تحريف العبارة وتغييرها فتدبر. قوله:) عطف على جاهدوا (وجوّز فيه الحالة أيضاً وفسر الوليجة بالبطانة لأنها من الولوج وهو الدخول، وكل شيء أدخلته في شيء وليس منه فهو وليجة، ويكون للمفرد وغيره بلفظ واحد وقد يجمع على ولائج، وما موصولة مبتدأ وفي لما صلته ومن بيان له وشبه خبره، وافادة لما توتع الوقوع معروف في العربية. قوله: (يعلم غرضكم منه الخ) ضمير منه إمّا للجهاد أو لما ذكر وكونه يعلم الغرض منه يعلم من صيغة المبالغة، ومقام التوعد والا فليس في النظم ما يدلّ عليه، وما يتوهم من الآية هو أنه لا يعلم الأشياء قبل وقوعها كما ذهب إليه هشام، واستدل بقوله: (ولما يعلا الله (ووجه الأزاحة أنّ تعملون مستقبل فيدل على خلاف ما ذكره وما كان نفيه يستعمل لنفي الصحة، والجواز ونفي اللياقة كلا ينبغي، وفسره به ليطابق الواقع فإنهم عمروها ولذا قدره بعضهم بأن يعمروا بحق، وهو مشهور بهذا المعنى حتى صار حقيقة فيه فلا وجه لحمله على ظاهره كما قيل. قوله: (شيئاً من المساجد الخ) يعني أنه جمع مضاف فيعم في سياق النفي ويدخل فيه المسجد الحرام دخولاً أوّليا إذا نفى الجمع يدل على النفي عن كل فرد فيلزم نفيه عن الفرد المعين بطريق الكناية، وما مرّ في البقرة من أنّ الكتاب أكثر من الكتب مبنيّ على أنّ استغراق المفرد أشمل وقد مز ما فيه. قوله: (وقيل هو المراد الخ (يعني المراد من مساجد الله المسجد الحرام، وعبر عنه بالجمع لما ذكر أو لأنّ كل موضع منه مسجد، ولم يحمل على العموم والجنس لأنّ الكلام فيه. وقوله: (وإمامها (بكسر الهمزة جعل المسجد الحرام كالإمام للمساجد لتوجه محاريبها إليه توجه المقتدي لجهة إمامه فيكون التعبير عنه بالجمع مجازأ علاقته ما ذكر، وأما فتح همزة أمامها فركيك مفوّت للمبالغة، والمعنى الذي قصده المصنف ﵀ فلا تغتر بمن قال: إن معناهما واحد. قوله: (بإظهار الشرك وتكذيب الرسول لمجرو (يعني أنّ شهادتهم على أنفسهم مجاز عن الإظهار، لأنّ من أظهر فعلآ فكأنه شهد به على نفسه وأثبته لها، وقوله:) حال من الواو) أي في يعمروا، وقوله: بين أمرين متنافيين لأن عمارة المتعبدين تصديق للمعبود بعبادته فينافيه الكفر بذلك. وقيل: إن الشهادة على ظاهرها والمراد قولهم كفرنا بما جاء به ونحوه، والمصنف ﵀ لما رأى أن حقيقة الشهادة بما تكون على الغير وهذا الوجه أبلغ وأدق اقتصر عليه. وقوله: (روي أنه لما أسر الخ () ١ (أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم نحوه عن ابن عباس ﵄، وقوله:) نحجب الكعبة (أي نخدمها ونكون بوابين لها وليس المراد نكسوها كما قيل، لا! الحاجب اشتهر بمعنى البوّاب وجمعه حجبة. والحجيج جمع أو اسم جمع للحاج وفك العاني بمعنى إطلاق الأسير وفك الرقبة اعتاقها وقوله فنزلت أي الآية ما كان للمشركين الخ. وهذا يقتضي أنّ العباس ﵁ لم يكن حينئذ مسلما وفيه كلام. وقوله: بما قارنها متعلق بحبطت، وجملة ﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ عطف على جملة (حبطت) على أنه خبر آخر لأولئك وهم فصل يفيد الحصر فيهم دون عصاة المؤمنين. وقوله: لأجله أي لأجل الشرك لأنه سبب الخلود فيها وفيه رذ على الزمخشري في جعله الأعمال بمعنى الكبائر على الاعتزال. قوله: (إنما تستقيم عمارتها الخ (تستقيم بمعنى تصح فإن الذي تصح منه ويمكن من العمارة سواء كانت بالمكث فيه للعبادة أو بالبناء، والفرش رنحوه من حاز الكمال العلمي والعملي وهو كناية عن الإيمان الظاهر، فإنه يكون بالتصديق بما ذكر واظهاره وتحققه شرعا بإقامة واجباته، فلا يقال إن توقفه على الإيمان بالله واليوم الآخر ظاهر، وأما توقفه على ما بعده خصوصاً الزكاة فغير ظاهر، ويتكلف له بأنّ مقيم الصلاة يحضرها فتحصل به العمارة، ومن لا يبذل المال للزكاة الواجبة لا يبذله لعمارتها، وأنّ الفقراء يحضرون المساجد للزكاة فتعمر بهم فإنه تكلف نحن في غنية عنه: والصيانة ترك ما لا يليق بها كالحديث في المسجد فإنه مكروه، ولا يرد عليه أن التصذق في المسجد مكروه لأنه لا يلزم من حضورهم فيه لأخذها أداؤها فيه. - قوله: (وعن النبئ ﷺ قال الله تعالى الخ () ١ (هو حديث قدسيّ روي بمعناه من طرق، لكن قال: ابن حجر ﵀: إنه لم يجده

стр. 1393

هكذا في كتب الحديث وفي الطبرانيّ عن سلمان ﵁ عن النبيءسفه " من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم أتى إلى المسجد فهو زائر الله وحق على المزور أن يكرم زائره،) ٢ (وكان أصحاب النبيئ ىيخ! هـ يقولون إنّ بيوت الله في الأرض المساجد وان حقا على الله أن يكرم من زاره فيها وله شواهد أخر. قوله: (وإنما لم يذكر الإيمان بالرسول ﷺ الخ (يعني كان الظاهر أن يقال: من آمن بالئه ورسوله-يخييه لكنه ترك للمبالغة في ذكر الإيمان بالرسالة دلالة على أنهما كشيء واحد إذا ذكر أحدهما فهم الآخر على أنه أشير بذكر المبدأ والمعاد إلى الإيمان بكل ما يجب الإيمان به، ومن جملته رسالته ع! ز كما في فوله تعالى: ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ فليس رأى من ظن أن في الكلام دلالة على ذكره وليس فيه بيان الفائد في طيئ ذكره كما ظن في أنه لم يذكر فائدة الطي، وقرينه مبتدأ خبره الإيمان ودلالته على ما ذكر بطريق الكناية. قوله: (ولدلالة قوله وأقام الصلاة الخ (فإن المفهوم المقصود منهما ليس إلا الأعمال التي أتى بها رسول الله ع! هـ والإتيان بتلك الأعمال يستلزم الإيمان به إذ هي لا تتلقى إلا منه، كما أن الإيمان بالمبدأ والمعاد كذلك فلا غبار عليه. قوله: (أي في أبواب الدين الخ (الخشية كالخوف وقد يفرق بينهما. والمحاذ يرجع محذور، وقوله: فإن الخشية تعليل للتخصيص بأبواب الدين وجواب للسؤال الذي أورده في الكشاف فقال: فإن قلت كيف قيل ولم يخش إلا الله والمؤمن يخشى المحاذير ولا يتمالك أن لا يخشاها، قلت: هي الخشية، والتقوى في أبواب الدين وأن لا يختار على رضا الله تعالى رضا غيره لتوقع مخوف، ف! ذا اعترضه أمران أحدهما حق الله، والآخر حق نفسه، فحقه أن يخاف الله فيؤثر حق الله على حق نفسه، وقيل: كانوا يخشون الأصنام ويرجونها فأريد نفي تلك الخشية عنهم، يعني الششية المقصورة على الله هي الخشية في أمر الدين، وعدم اختيار رضا الغير على رضا الله، وقوله: بتمالك عنها أي يقدر على الامتناع عنها. قوله: (ذكره بصيغة التوقع الخ) قال النحرير: يعني أنّ المؤمنين وان ذكروا باسم الإشارة بعد التهذيب بأوصاف مرضية ترجب أن يكونوا من المهتدين إلا أنّ توسط كلمة عسى في هذا المقام يناسب أن تكون لحسم اً طماع الكافرين وعدم اتكال المؤمنين لا للأطماع وسلوك سنن الملوك مع كون القصد إلى الوجوب، وقيل عليه الأوصاف المذكورة وان أوجبت الإهتداء، ولكن الثبات عليه مما لا يعلمه غير الله والعبرة للعاقبة، فإن وإن عد في الشرع اهتداء لكن قد يطرأ عليه العدم، فكلمة التوقع يجوز أن تكون لهذا، وما ذكره في فائدتها من قطع أطماع المشركين في حيز المنع وبيانه بأن هؤلاء مع كمالهم الخ. غير مسلم عندهم لزعمهم أنهم على الحق وغيره على الباطل. (قلت (ما ارتضاه وجهاً هو معنى قول المصنف ﵀ ومنعا للمؤمنين الخ، والنظر إلى العاقبة هنا لا يناسب المقام الذين يقتضي تفضيل المؤمنين عليهم في الحال، ولذا لم يجعله المصنف ﵀ وجهاً مستقلا بل ضميمة، وأما زعم الكفرة أنهم محقون فلا التفات إليه بعد ظهور الحق، فجعل إنكارهم بمنزلة العدم وبنى الكلام على الحقيقة كما في قوله: (لا ريب فيه) فتدبر. قوله: (مصدر أسقي وعمر) بالتخفيف لأن عمر المشدد إنما يقال في عمر الإنسان لا في العمارة وتشبيه المعنى بالجثة لا يحسن هنا فلذا احتيج إلى تقدير في الأوّل أو في الثاني، وقوله ويؤيد الأوّل قراءة من قرأ سقاة بضم السين جمع ساق وعمرة بفتحتين جمع عامر فإنّ فيها تشبيه ذات بذات كما في الوجه الأوّل، ويؤيده أيضا ضمير يستوون إذ على غيره يحتاج إلى تقدير لا يستوون في أعمالهم فيرجع إلى نفي المساواة بين الأعمال نفسها. قوله:) والمعنى إنكار أن يشبه المشركون وأعمالهم المحبطة الخ) أشار إلى وجهي التقدير بالجمع بينهما، وأنّ كلاً منهما مستلزم للأخر فلذا لم يعطف بأو، وإن قيل إنها أولى وما ذكره بناء على الصحيح المختار من أنّ المفاضلة بين المسلمين والكفار كما يشهد له ظاهر النظم، ومنهم من جعل المفاضلة بين المسلمين كما وقع في صحيح مسلم إنّ الآية نزلت في الصحابة ﵃ إذ قال بكلضهم لا أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أسقي الحاج وآخر لا أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أعمر المسجد الحرام، وقال: آخر بعد الجهاد إلا أنه قيل إن قوله أعظم درجة

стр. 1394

يؤيده لكن سيأتي ما يدفعه. قوله: (أي الكفرة ظلمة الخ) في قوله هداهم الله ووفقهم للحق إشارة إلى أنّ الهداية ليست مطلقة الدلالة لأنه لا يناسب المقام، وقوله وقيل: المراد الخ لا يخفى ضعفه فإن من يسوّي إن لم يكن مسلماً فهو عين التفسير الأوّل، وان كان مسلماً فلا معنى لصدور ذللث منه. قوله: (اعلى رتبة وأكثر كرامة الخ (يعني أنه إما استطراد لتفضيل من اتصف بهذه الصفات على غيره من المسلمين، أو لضفضيلهم على أهل السقاية والعمارة، وهم وان لم يكن لهم درجة عند الله جاء على زعمهم ومدعاهم، وقوله:) دونكم جار (على الوجهين. قوله:) نعيم مؤجمم دائم (يعني أنّ المقيم استعارة للدائم قال أبو حيان ﵀: لما وصف الله المؤمنين بثلاث صفات الإيمان والهجرة والجهاد بالنفس والمال قابلهم على ذلك بالتبشير بثلاثة الرحمة والرضوان والجنة وبدأ بالرحمة في مقابلة الإيمان لتوقفها عليه ولأنها أعم النعم وأسبقها، كما أن الإيمان هو السابق، وثنى بالرضوان الذي هو نهاية الإحسان في مقابلة الجهاد الذي فيه بذل الأنفس والأموال، ثم ثلث بالجنات في مقابلة الهجرة، وترك الأوطان إشارة إلى أنهم لما آثروا تركها بدلهم بدار الكفر الجنان والدار التي هي في جواره، وفي الحديث الصحيح: " يقول الله سبحانه: يا أهل الجنة هل رضيتم فيقولون: كيف لا نرضى، وقد باعدتنا عن نارك وأدخلتنا ج! ك فيقول: لكم عندي أفضل من ذلك فيقولون، وما أفضل من ذلك فيقو! أحل لكم رضاي فلا أمخط عليكم بعدها " (١ (وقرأ حمزة يبثر بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين وا! فيف من الثلاثي وقوله وراء التعيين والتعريف يعني أنه للتعظيم ووجه دلالة التنكير على التعظيم ما ذكره ولا يخفى حسن تعبيره بأنه وراء ذلك، وجعل المبشر هو الله فيه من اللطف بهم ما لا يخفى. قوله:) أكد الخلود الخ (يعني أنّ التأكيد هنا لدفع التجوّز لأن الخلود حقيقة طول المكث كما قيل، وقوله يستحقر دونه أي بالنسبة إليه عملهم الذي استحقوه به أو يستحقر عنده ما في الدنيا من النعيم. قوله: (نزلت في المهاجرين فإنهم لما أمروا بالهجرة الخ) كذا أخرجه الثعلبيّ عن ابن عباص ﵄ أنه كان قبل فتح مكة لا يتم الإيمان إلا بالهجرة، ومصارمة الأقارب الكفرة، وقطع موالاتهم فشق ذلك عليهم فلما نزلت هذه الآية هاجروأ وجعل الرجل يأتيه أبوه أو أخوه أو ابنه فلا ينزله ولا يلتفت إليه، ثم رخص لهم بعد ذلك، وهذا يقتضي أنّ هذه الآية نزلت قبل الفتح ولا ينافي كون السورة نزلت بعد الفتح لأنّ المراد معظمها وصدرها فلا يرد قول الإمام الصحيح أن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة فكيف يمكن حمل هذه الآية على ما ذكر، وقال أبو حيان: لم يذكر الأبناء هنا لأنّ الأولياء أهل الرأي والمشورة والأبناء تبع ليسوا كذلك، وذكروا في الآية الآتية لأنها في ذكر المحبة وهم أحب إلى كل أحد، وقوله نزلت نهيا عن موالاة التسعة هذا مرويّ عن مقاتل، وذكرهم في السير فإن قلت سبيل الله الجهاد فيصير المعنى جاهدوا في الجهاد قلت وجه بأنه ليس حقيقة فيه، وقد يراد به غير ذلك كمخلصين وهو المراد. قوله: (يمنعونكم عن الإيمان الخ) تعليل للنهي، وقوله لقوله: ﴿إَنِ اسْتَحَبُّواْ﴾ الخ بيان لوجه التفسير الثاني لأنه يشعر بالرذة بحسب الظاهر، وقوله: (اختاروه) إشارة إلى أن تعدى استحب بعلى لتضمنه معنى ما ذكر مما يتعدّى بها وحرضوا بالضاد المعجمة من التحريض، وهو الحت وبالصاد المهملة من الحرص وقع كل منهما في النسخ وهما متقاربان معنى والأولى أولى. قوله: (بوضعهم الموالاة في غير موضعها) هذا هو معنى الظلم لغة وهو صادق على المعنى الشرعي، فإن كان المراد ومن يتولهم بعد النهي، والتنبيه على قبحه فالظلم بمعنى التعدي والتجاوز عما أمر الله به وإن كان قبل ذلك أو مطلقا فهو بمعناه اللغوي، ووجه وضعه في غير موضمعه تركه أخوانه في الدين إلى أعدائه، وان كانوا أقرباء. قوله:) أقرباؤكم الخ) فذكره للتعميم والشمول وكون العشيرة من العشرة لأنها من شأنهم، وأما كونها من العشرة فلكمالهم والعشرة عدد كامل أو لأن بينهم عقد نسب كعقد العشرة، فإنه عقد من العقود، وهو معنى بعيد لكن المصنف ﵀ مسبوق إليه، ونفاقها بفتح النون بمعنى رواجها والرواج ضد الكساد. قوله: (الحب الاختياري دون الطبيعي الخ) المراد بالحب الاختياري هو إيثارهم وتقديم طاعتهم لا ميل الطبع فإنه أمر جبلي لا يمكن تركه ولا يؤاخذ عليه، ولا يكلف

стр. 1395

لإنسان بالتحفظ عنه أي بالامتناع عنه، وفي هذه الآية وعيد وتشديد لأنّ كل أحد قلما يخلص منها فلذا فيل إنها أشد آية نعت على الناس كما فصله في الكشاف. قوله: (مواقعها) بقاف بعدها عين مهملة أي موضع المحاربة التي تقع فيه، وفي نسخة مواقفها بقاف بعدها فاء أي محل مصاف الحروب والوقوف لها وهما متقاربان. قوله: (وموطن يوم حتين الخ (تبع في هذا ما وقع في الكشاف من أنّ ظرف الزمان لا يعطف على المكان ولا عكسه لأنّ كلا منهما يتعلق بالفعل بلا واسطة، وظاهر كلامه منعه مطلقاً، وظاهر كلام أبي على الفارسي ومن تبعه جوازه مطلقا كما في قوله: ﴿وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة هود، الآية: ٩٩] وقيل لا منع من نسق زمان على مكان وبالعكس إلا أنّ الأحسن أن يترك العاطف في مثله فقد علّمت أنّ للنحاة فيه ثلاثة مذاهب، وقال ابن المنير في البحر إنّ النحاة لم يعللوه وعلته أنّ الواو تقتضي الاشتراك في العامل، وفي جهة البعدي لأن جهة بعدي الزمان غير جهة بعدي المكان ونسبتهما مختلفة، وما قيل إنّ مراد الزمخشري إنه لا يجوز عطفه هنا لأنّ مواطن مجرورة بفي، ويوم منصوب على الظرفية فلو كان معطوفاً عليه لجر مدفوع بأنّ العطف هنا على المحل لا على اللفظ فوجود في لا يضرّ، وكذا كون ظرف الزمان ينتصب على الظرفية مطلقا، وظرف المكان يشترط فيه الإبهام لا دخل له في منع العطف وان توهمه بعضهم، فإن قلت كيف يقال زرتك في الدار- في يوم الخميس، ولا يجوز تعلق حر في جرّ بعامل واحد بمعنى واحد بدون تبعية فضلا عن أن يحسن قلت إذا اعتبر التغاير الاعتباري في العامل بالاطلاق والتقييد كما مرّ في كلما رزقوا منها من ثمرة فاعتبار التغاير الحقيقي في الطرفين أولى بالجواز، وهذه فائدة لم يذكروها في تلك المسألة، وقال النحرير: ليس المراد أنه ليس بينهما مناسبة مصححة للعطف فإنه ظاهر الفساد بل إن كلا منهما يتعلق بالفعل بلا توسط عاطف كسائر المتعلقات لا يعطف بعضها على بعض، وإنما يعطف على البعض ما هو من جنسه، ولا يتعلق به استقلالاً نحو ضربت زيداً وعمرا وصمت يوم الجمعة ويوم الخميس ونحوه، فلذا جعل من عطف المكان على المكان أو الزمان على الزمان بتقدير مضاف، أو بجعل المواطن اسم زمان قياسا وان بعد عن الفهم، ثم إنه في الكشاف أوجب انتصاب يوم حنين بمضمر، وهو نصركم وأنه من عطف الجمل لا! إذ بدل من يوم حنين فيلزم كون زمان الإعجاب بالكثرة ظرف النصرة الواقعة في المواطن الكثيرة لإيجاد الفعل، وليقيد المعطوف بما يقيد به المعطوف عليه، وبالعكس بحسب الظاهر كاعجبني قيام زيد يوم الجمعة وقيام عمرو وعكسه، ويوم حنين متقيد بزمان الإعجاب بالكثرة لأنّ العامل ينسحب على البدل، والمبدل منه جميعا فكذا المواطن، واللازم باطل إذ لا إعجاب بالكثرة في المواطن فاندفع ما قيل إنما يلزم لو كان المبدل منه في حكم النتيجة مع العاطف ليؤول إلى نصركم في مواطن كثيرة إذ أعجبتكم، وليس كذلك إذ ما-له نصركم في مواطن واذ أعجبتكم، ثم إنه على ما في الكشاف منع ظاهر مرجعه إلى أن الفعل في المتعاطفين لا يلزم أن يكون واحدا بحيث لا يكون له تعدد أفراد كضربت زيد اليوم، وعمرا قبله وأضربه حين يقوم وحين يقعد إلى غير ذلك فلا يلزم من تقييده في حق المعطوف بقيد تقييده في حق المعطوف عليه بذلك، ولا نسلم إنّ هذا هو الأصل حتى يفتقر غيره إلى دليل، وأما ما يقال إنّ هذه النكتة تدفع أصل السؤال أيضا لأنّ الزمان إنما لم يعطف على المكان لو كان ذلك الفعل واحدا وليس بلازم لجواز تغاير الفعلين ففيه نظر اهـ وكله كلام منقح، وهو زبدة ما في شرح الكشاف إلا دفعه الإيراد المذكور بجعل البدل قيدا للمبدل منه فإنه لا وجه له، وهو تحامل على السائل غير مسموع. قوله: (ويجوز أن يقدّر في أيام مواطن (هكذا هو في صحيح النسخ، ووقع في كثير منها، ويجوز أن يقدر مواطن أيام وهو سهو من الناسخ فيكون عطف يوم حنين على منوال ملائكته وجبريل كأنه قيل نصركم الله في أوقات كثيرة وفي وقت إعجابكم بكثرتكم الخ، ولا يرد عليه ما قيل إن المقام لا يساعد عليه لأنه غير وارد لتفضيل بعض الوقائع على بعض، ولم يذكر المواطن توطئة ليوم حنين كالملائكة إذ ليس يوم حنين بأفضل من يوم بدر وهو فتح الفتوح وسيد

стр. 1396

الواقعات وبه نالوا القدج المعلى، والدرجات العلى لأنّ القصد في مثله إلى أن ذلك الفرد فيه من المزية ما صيره مغايرا لجنسه لأن المزية ليس المراد بها الشرف، وكثرة الثواب فقط حتى يتوهم هذا بل ما يشمل كون شأنه عجيباً، وما وقع فيه غريبا للظفر بعد اليأس والفرج بعد الشدة إلى غير ذلك من المزايا فإن قلت لم منعه هنا، ولم يمنعه في سورة هود في قوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة هود، الآية: ٩٩] قلت فسرهما هناك بالدارين إشارة إلى أنهما ظرفا مكان تاويلا وهذا لا يتأتى هنا فتدبر. قوله: (ولا يمنع إبدال قوله إذا أعجبتكاً الخ) هذا رذ على ما ذهب إليه في الكشاف من أنه مانع على تقدير جواز عطف أحد الظرفين على الآخر إلا أن يقدر منصوبا باذكر مقدراً، وقد علمت أنه لا وجه له وما أراد المنصف ﵀، وتحقيقه ويعلم مما قدمناه وقوله: (فيما أضيف إليه) المعطوف يعني الإعجاب بالكثرة، والمضاف إليه إذ ولكونه بدلاً مقصوداً بالنسبة جعله معصوفا أو المراد بالإضافة التقييد. قوله: (وحنين واد بين مكة والطائف) على ثلاثة أميال من مكة والطلقاء جمع طليق، وهو المطلق من أسر ونحوه وغلب على الذين من عليهم النبيّ لمجلى بالإطلاق يوم الفتح، وقوله: (هوازن وثقيف (قبيلتان معروفتان والظاهر أنه مفعول حارب والفاعل رسول الله ﷺ لقوله والمسلمون بالرفع لكن كان الظاهر وثقيفا بالنصب لأنه منصرف فقيل إنه منعه من الصرف لمشاكلة هوازن، ولا يخفى أنه اسم لقبيلة فيصرف لأنه بمعنى حيّ ويمتنع لأنه بمعنى قبيلة فلا وجه للتردد فيه. قوله: (قال النبئ ﷺ أو أبو بكر رضي الله تعالى عنه أو غيره من المسلمين)) ١ (وهو سلمة بن سلامة قال الإمام إسناده إلى النبيئ لمجر بعيد لقطع نظره ﷺ عن كل شيء سوى الله، وكونه غيرهـ منصوص عليه رواية كما في الدر، وقوله: (لن نغلب) مجهول،) ومن قلة) أي غلبة بسبب القلة ناشئة عنها، والمراد إثبات الغلبة بالكثرة كناية واعجابا بكثرتهم أي فالوا لما أعجبتهم كثرتهم فأدركهم غرور بذلك، وان كان من بعضهم لأن القوم يؤخذون بفعل بعضهم قيل، والحكمة أنّ الله أراد أن يظهر أن غلبتهم بتأييد الهيّ لا بقلة وكثرة، وقوله: (فأدرك المسلمين إعجابهم) أي شآمته ووخامته، والفل بفتح وتشديد المنهزم يقع على الواحد وغيره، وقوله: (في مركزه (أي مقره ومحله الأوّل. قوله: (ليس معه إلا عمه العباس ﵁ آخذا بلجامه الخ (هذه رواية لكنه قيل الصحيح ما في رواية أخرى من أن طلقاء أهل مكة فرّوا قصد الإلقاء الهزيمة في المسلمين والنبيّ مجش! هـ على دلدل، وهي بغلته الشهباء لا يتخلخل، ومعه العباس ﵁ آخذاً بلجامه وابن عمه أبو سفيان بن الحرث وابنه جعفر وعليّ بن أبي طالب وربيعة بن الحرث والفضل بن العباس، وأسامة بن زيد وأيمن بن عبيد وهو قتل بين يدي النبيّءش! هـ وهؤلاء من أهل بيته، وثبت معه أبو بكر وعمر ﵄ فكانوا عشرة رجال، ولذا قال العباس رضي الله تعالى عنه: نصرنارسول الله في الحرب تسعة وقد فرّمن قد فر منهم واقشعوا وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه بما مسه في الله لايتوجع ولذا قيل إنّ المصنف ﵀ لم يصب فيما ذكره. قوله:) وناهيك بهذا شهادة الخ) فانّ الصحابة ﵃ اتفقوا على أنه مج! ن! كان أشجع الناس، وكانوا إذا اشتذ الحرب اتقوا برسول الله لمج! ، وشزف وكرّم وناهيك بمعنى يكفيك وحسبك به دليلا عليه تقول هذا جل ناهيك من رجل، ونهيك من رجل ونهاك من رجل يستوي فيه المفرد المذكر وغيره، والمراد به المدح كأنه ينهاك عن تطلب غيره، وهو مبتدأ أو الباء زائدة وركوبه مج! ييه البغلة أيضا إظهارأ لثباته، وأنه لم يخطر بباله مفارقة القتال، وقوله: (صيتا) بالتشديد أي جهوريّ الصوت شديده، وهو بيان لسبب تخصيصه بالأمر، وقوله: (يا أصحاب الشجرة) أي يا أصحاب بيعة الرضوان المذكورين في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [سررة الفتح، الآية: ٨] وتوله: (يا أصحاب سورة البقرة) قيل: هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٨٥] وقيل: الذين أنزل عليهم سورة البقرة، وقيل: المراد الذين حفظوها

стр. 1397

فإنهم عظماء الصحابة ﵃. قوله: (فكروا عنقاً واحداً) أي رجعوا جماعة واحدة أو دفعة واحدة من قوله: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ٤] أي رؤساؤهم وجماعاتهم فهو بضم العين والنون، وتسكن ويجوز فتحهما بمعنى مسرعين. قوله: (حمى الوطيس) أصل معنى الوطيس التنور وهذه استعارة بليغة ومعناها اشتدّ الحرب، وفيه نكتة أخرى قل من تنبه لها وهي ما قاله ياقوت في معجم البلدان إنّ أوطاس واد في ديار هوازن وبه كانت وقعة حنين، وفيها قال النبيّ ﷺ : " حمى الوطيس " وذلك حين استعرت الحرب وهو أوّل من قالها، واسم الوادي أوطاس وهو منقول من جمع وطيس كيمين وأيمان ففيه تورية فانظر لفصاحته ﷺ ، ومقاصده في البلاغة ورميه بسهام البراعة إلى أغراضها، وهو التنور وقيل نقرة في حجر يوقد فيها النار ويطبخ اللحم، ويقال وطست الشيء وطساً إذا كدرته وأثرت فيه، وأخذه التراب ورميه تقدم الكلام عليه، ورب الكعبة قسم، وقوله: (انهزموا (خبر وتبشير للمؤمنين. قوله:) شيئاً من الإغناء) يعني شيئا نصبه إما على أنه مفعول مطلق إن أريد الإغناء أو مفعول به على تضمنه معنى الإعطاء أي لم تعط شيئاً يدفع حاجتكم أو لم تكفكم شيثا من أمر العدوّ. قوله: (برحبها أي سعتها الخ) أي ما مصدرية، والباء للملابسة والمصاحبة أي ضاقت مع سعتها عليكم، وهو استعارة تبعية إما لعدم وجدان مكان يقرون به آمنين مطمئنين، أو أنهم لا يجلسون في مكان كما لا يجلس في المكان الضيق. قوله: (وليتم الكفار ظهوركم (قال الراغب في مفرداته: وليت سمعي كذا ووليت عيني كذا أقبلت به عليه قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وإذا عدى بعن لفظاً أو تقديراً اقتضى معنى الإعراض، وترك قربه اهـ فجعله في الأصل متعدياً إلى مفعولين، وتعديته بعن لتضمنه معنى الإعراض! ، وهو غير مراد هنا وأما الإقبال فإنما جاء من كون الوجه مفعولاً فقد عرفت وجه ما ذكره فإنه إنما يعتمد في اللغة عليه، ومن لم يقف على مراده اعترض! عليه، وقال: ولي تولية أدبر كما في القاموس فلا حاجة إلى تقدير مفعولين، وتبعه من قال: إن ما ذكره المصنف ﵀ لا وجه له، والتضمين خلاف الأصل، وكيف يتوهم ما ذكروه مع قوله: ﴿فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [سورة الأنفال، الآية: ١٥] وغير. من الآيات التي وقع فيها متعد بالمفعولين وإنما غرهم كلام القاموس، وليس بعمدة في مثله. قوله: (إلى خلف (إشارة إلى اشتقاق الأدبار. قوله:) رحمته التي سكنوا بها وأمنوا) وهي النصر وانهزام الكفار، واطمئنان قلوبهم للكرّ بعد الفرّ ونحوه ولا حاجة إلى تخصيص الرحمة مع شمولها لكل رحمة في ذلك الموطن. قوله: (على رسوله وعلى المؤمنين الذين انهزموا الخ الما كان الأصل عدم إعادة الجارّ في مثله إشارة إلى نكتة، وهي بيان التفاوت بينهما فإنهم قلقوا واضطربوا حتى فروا فكانت سكينتهم اطمئنان قلوبهم، وهو لمجج، ومن معه ثبتوا من غير اضطراب فسكينتهم بمعاينة الرسول ع! فه الملائكة، وظهور علامات ذلك لمن معه، وقوله: وقيل الخ يعني المراد بالمؤمنين قيل ولو أخر نكتة إعادة الجا ار عن هذا لكان أولى لجريها فيهما، وفيه نظر، ثم إنه على الوجه الأوّل كلمة، ثم في محلها فلذا اختاروه، وعلى الوجه الآخر يكون التراخي في الإخبار أو باعتبار المجموع لأنّ إنزال الملائكة بعد الانهزام لا التراخي الرتبي لبعده. قوله: (بأعينكم (يعني أنّ الرؤية بصرية، وا! المراد نفي الرؤية حقيقة لا أنهم رأوها هم أو المشركون وأنّ المراد لم يروا مثلها قبل ذلك، وكما اختلف في عددهم اختلف أيضا هل قاتلوا أم لا. قوله: (وكانوا خمسة الخ (قيل ونجه الاختلاف في العدد أنه تعالى قال: ﴿أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٢٤، ثم قال: ﴿وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ﴾ [سررة آل عمران، الآية: ١٢٥] فأضاف الخمسة للثلاثة فصارت ثمانية، ومن أدخل الثلاثة فيها قال إنها خمسة فجعلهم نهاية ما وعد به الصابرين ومن قال: ستة عشر جعلهم بعدد العسكرين اثني عشر وأربعة وهو كلام حسن، وقوله في الدنيا تنازع فيه كفر وجزاء ودلّ عليه قوله، ثم يتوب الخ وفسر التوبة بالتوفيق للإسلام منهم وهي من ، الله قبوله ذلك ولا ينفك عنه أما التوفيق المذكور فقد يكون، وقد لا يكون فهو المعلق بالمشيئة لا قبوله كما يتبادر من النظم فأشار المصنف ﵀ إلى دفعه، وقوله: (ويتفضل عليهم) إشارة إلى أنه ليس بطريق الوجوب كما تقول

стр. 1398

المعتزلة. قوله: (روي أنّ ناساً منهم الخ) (١ (هذا الحديث في رواية للبخاري عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم بنحوه، وقوله:) ما كنا نعدل بالأحساب (أي لا نسوي بها شيئاً بل نختارها ونقدمها على غيرها والحسب ما يعذ من المفاخر وأرادوا أن اختيارهم ذلك مفخرة ومنقبة لهم، وقوله: (وقد سبى الخ) جملة حالية معترضة بين أثناء صلامهم، وسبايا جمع سبية بمعنى مسبية أي مأسورة والذراري جمع ذرية، وقوله: (فشأنه) أي فليلزم شأنه وهو ما اختاره، وقوله:) ومن لا) أي من لم تطب نفسه، وقرله: (وليكن قرضاً (أي بمنزلته ولا مانع من حمله على حقيقته، والعرفاء جمع عريف وهو من يؤمر على فرقة من العسكر ليعرف أحوالهم كالنقيب وقوله فليرفعوا إلينا أي يعلمونا به من قولهم رفعت القصة للأمير، وقوله فرفعوا أنهم قد رضوا أي رفعوه إلى النبىّ ﷺ وأعلموه به. قوله: (لخبث باطنهم الخ) نجس بالفتح مصدر فيحتاج إلى تقدير مضاف أو تجوّز وان كان صفة كما ذكره الجوهري فلا بذ من تقدير موصوف مفرد لفظا مجموع معنى ليصح الإخبار به عن لجمع أي جن! نجس ونحوه، وقوله لخبث باطنهم أي هو مجاز عن خبث الباطن، وفساد العقيدة فهو استعارة لذلك أو لأنهم يجتنبون كما يجتنب النجس فلا وجه لما قيل إن المناسب تقديم الوجه الثالث على الثاني لاشتراكه مع الأوّل في عدم كون الكلام على التشبيه للمبالغة، والوجوب أمّا للمبالغة في اجتنابهم أو المراد وجوبه في الجملة كما في الحرم فلا يرد ما قيل كان عليه ترك الوجوب، وعلى كون المراد ملابستهم النجاسة كالخمر والخنزير ونحوه فهو حقيقة حينئذ أو تغليب. قوله:) وفيه دليل على أنّ ما الغالب نجاستة نجس (أي متنجس كالبط والدجاج المخلى إذا جعل رأسه في ماء نجسه حملاً على غالب أحواله. قوله: (عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) فالنجاسة عنده حقيقة ذاتية لكن الذي ذهبوا إليه خلافه، وقوله وأكثر ما جاء تابعا لرجس لأنّ هذه القراءة وهي قراءة أبي حيوة دلت على أنه أكثرقي لا أنه لا يجوز بغير اتباع كما نقل عن الفراء، وتبعه الحريري في درّته وعلى قول الفراء هو اتباع كحسن بسن، ثم إنّ المنقول عن ابن عباس ﵄ مال إليه الرازي وعليه فلا يحل الشرب من أوانيهم ومؤاكلتهم ونحوه، لكنه قد صح عن النبيئ لمجن! والسلف خلافه، واحتمال كونه قبل نزول الآية فهو منسوخ بعيد لأنّ الأصل الطهارة، والحل ما لم يقم دليل على خلافه، وقوله: وأكثر ما جاء تابعا كقولهم اً كثر شربي السويق ملتوتا. قوله: (لنجاستهم وإنما نهى عن الاقنراب للمبالغة الخ) وكون العلة نجاستهم إن لم نقل بأنها ذاتية لا تقتضي جواز دخول من اغتسل، ولب! ثيابا طاهرة لأن خصوص العلة لا يخصص الحكم كما في الاستبراء، ووجه المبالغة أن المراد دخوله فالمنع عن قربه أبلغ، وإذا كان للمنع عن الحرم يكون المنع من قرب نفس المسجد الحرام على ظاهره، وبالظاهر أخذ أبو حنيفة ﵀ إذ صرف المنع عن دخول الحرم للحج والعمرة بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ فإنه إنما يكون إذا منعوا من دخول الحرم، وهو ظاهر ونداء عليئ كرم الله وجهه بقوله: ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك بأمر النبيّ ىشي! يعينه فلا يقال إنّ منطوق الآية يخالفه. قوله: (وفيه دليل على أنّ الكفار الخ) وجه الدلالة نهيهم والنهي من الأحكام وكونهم لا ينزجرون به لا يضرّ بعد معرفته معنى مخاطبتهم بها والمخالف فيه يقول النهي بحسب الظاهر لهم، ولكنه كناية عن نهي المؤمنين عن تمكينهم من ذلك كما في نحو لا أرينك هاهنا بدليل أن ما قبله وما بعده خطاب للمؤمنين لا للكفار، وسنة براءة سنة نزولها وقراءتها عليهم وسنة حجة الوداع هي العاشرة من الهجرة. قوله: (فقراً بسبب منعهم الخ (لأنهما لما منعوا شق ذلك عليهم لأنهم كانوا يأتون في الموسم بالميرة والمتاجر لهم والإرفاق جمع رفق وهو المنفعة، وفي نسخة الإرزاق وهما بمعنى، والعيلة من عال بمعنى افتقر. قوله: (من عطائه أو بتفضله بوجه آخر الخ) يعني الفضل بمعنى العطاء أو التفضل فعلى الأوّل من ابتدائية أو تبعيضية وعلى الثاني سببية ولذا عبر عنها بالباء، وقيل إنها نزلت على الوجهين للأصل وهو خلاف الظاهر وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٦] كثير الأمطار، وتبالة بفتح التاء المثناة الفوقية والباء الموحدة بلدة من

стр. 1399

بلاد اليمن ولما تولى عملها الحجاج استحقرها ورجع فقيل في المثل أهون من تبالة على الحجاج، وجرس بضم الجيم وفتح الراء المهملة، والشين المعجمة مخلاف من مخاليف اليمن أي ناحية منه، والمخلاف في إليمن كالرستاق بالعراق، وامتاروا أي جلبوا له الميرة بالكسر وهي الطعام أو جلبه. قوله: (وقرئ عائلة على أنها مصدر الخ) يعني إنه إما مصدر بوزن فاعلة كالعافية أو اسم فاعل صفة لموصوف مؤنث مقدر أي حالاً عائلة أي مفقرة، فقوله أو حال يعني أو صفة حال، وفي نسخة أو حالاً بالنصب أي أو تقديره خفتم حالاً عائلة ففي كلامه تعقيد وايجاز مخل لكته اختصر كلام ابن جني رحمه الله تعالى وهو هذه من المصادر التي جاءت على فاعلة كالعاقبة، والعافية ومنه قوله تعالى: ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [سورة الغاشية، الآية: ١١، أي لغوا ومنه قولهم مررت به خاصة أي خصوصا، وأمّ قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾ [سورة المائدة، الآية: ١٣] فيجوز أن يكون مصدرا أي خيانة وأن يكون على تقدير نية أو عقيدة خائنة، وكذا هاهنا يقدر إن خفتم حالاً عائلة، اهـ وما قيل إنه إلغاز لأنه أراد بالحال معنى الصفة فإنه مفعول به سواء أكان مصدرا أو اسم فاعل فأطلق الحال وأراد به الصفة فإنّ المعنى، وان خفتم حالاً عائلة على الإسناد المجازي فحذف الحال، وأقيمت الصفة مقامه لا يخفى حاله. قوله: (قيده بالمشيئة الخ) يعني أنّ التعليق بالمشيئة قد يتوهم أنه لا يناسب المقام وسبب النزول، وهو خوفهم الفقر فإنّ دفعه بالوعد بإغنائهم من غير تردد أولى والشرط يقتضي التردد فأشار إلى أنه لم يذكر للتردد بل لبيان إنه بإرادته لا سبب له غيرها فانقطعوا إليه، وقطعوا النظر عن غيره، ولينبه على أنه متفضل به لا واجب عليه لأنه لو كان بالإيجاب لم يوكل إلى الإرادة فلا يقال إنّ هذا لا حاجة إلى أخذه من الشرط مع قوله من فضله لأن من فضله يفيد أنه عطاء واحسان، وهذا يفيد أنه بغير إيجاب وشتان بينهما، وكونه غير عامّ لكل إنسان وعام يفهم من التعليق، وقيل إنه للتنبيه على أنه بإرادته لا يسعى المرء وحيلته: لوكان بالحيل الغني لوجدتني بنجوم أقطار السماء تعلقي قوله: (أي لا يؤمنون بهما على ما ينبغي الخ (لما كانت الآية في حق أهل الكتاب، وهم يؤمنون بالله واليوم الآخر نبه على أن إيمانهم لما كان على ما لا ينبغي نزل منزلة العدم فإنه كلا إيمان لأنهم يقولون لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، وانّ النار لم تمسهم إلا أياما معدودات واعتقادهم في نعيم الجنة أنه ليس كما تقول كما مر في تفسير قوله: ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أسورة البقرة، الآية: ٤] في البقرة وقوله فإيمانهم الخ في نسخة فإنّ إيمانهم، وعليهما فلا غبار على كلامه كما توهم لقلة التدبر. قوله: (ما ثبت تحريمه بالكتاب والسنة الخ الما كان كل ما حرّمه الله حرمه رسوله ﷺ وبالعكس فسره بالكتاب والسنة ليسلم من التكرير. قوله: (هو الذي يزعمون الخ) يعني المراد نبيهم كموسى ع! ي! ف! نهم بدلوا شريعته وأحلوا وحرّموا من عند أنفسهم اتباعا لأهوائهم فيكون المراد لا يتبعون شريعتنا، ولا شريعتهم ومجموع الأمرين سبب لقتالهم وان كان التحريف بعد النسخ ليس علة مستقلة، وقوله اعتقاداً وعملا تمييز قيد ليخالفون لا للنسخ. قوله: (الذي هو ناسخ سائر الأديان (في نسخة ناسخ الأديان وهما بمعنى لأنّ أل فيه للاستغراق وهذا مأخوذ من توله الحق لأنه يفهم إنّ غيره ليس بحق، وكون الشرائع حقا مما لا شبهة فيه فيصرف إلى نسخها وابطال العمل بها فيكون بمنطوقه مفيدا لأنه ثابت لا ينسخ، وبمفهومه أنه ناسخ لما عداه فلا حاجة إلى ما قيل إنّ ثبات الدين يتوقف على عدم المنسوخية لا على ثبوت الناسخية لغيره فيجاب بأنّ المراد ناسخيته لغيره، وهي تستلزم ثبوته ودين الحق من إضافة الموصوف للصفة أو المراد بالحق الله تعالى. قوله: (مشتق من جرى دينه إذا قضاه) معنى الجزية معروف لكنه اختلف في مأخذها فقيل من الجزاء بمعنى القضاء يقال جزيته بما فعل أي جازيته، أو أصلها الهمز من الجزء والتجزئة لأنها طائفة من المال يعطي، وقيل إنها معرب كزيت وهو الجزية بالفارسية، وفي الهداية أنها جزاء الكفر فهي من المجازاة. قوله: (حال من الضمير) وهو فاعل يعطوا ومؤاتية بالمثناة الفوقية من المؤاتاة، وهي الموافقة وعدم الامتناع والطاعة واليد هنا إما يد المعطي أو يد الآخذ، وفي الكشاف معناه على إرادة يد المعطي

стр. 1400

حتى يعطوها عن يد أي عن يد مؤاتية غير ممتنعة لأنّ من أبى وامتنع لم يعط يده بخلاف المطيع المنقاد ولذلك قالوا أعطى يده إذا انقاد وأصحب، ألا ترى إلى قولهم نزع يده عن الطاعة كما يقال خلع ربقة الطاعة عن عنقه، أو حتى يعطوها عن يد إلى يد نقداً غير نسيئة لا مبعوثا على يد أحد ولكن عن يد المعطي إلى يد الآخذ، وأما على إرادة يد الأخذ فمعناه حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية، وعن إنعام عليهم لأنّ قبولها منهم، وترك أرواحهم لهم نعمة عظيمة عليهم، وقيل عليه إنه لا تقريب فيه ولا يصلح بياناً لعلاقة المجاز لأنّ أعطى يده وبيده بزيادة الباء، أو تعدية الإعطاء بالباء وبنفسه كما في الأساس ظاهر الدلالة على معنى الإطاعة والانقياد بخلاف أعطى عن يد فإنه مبعد لجعل عن مزيدة أو بمعنى الباء، ورذ با! القصد إلى معنى السببية أي صادرا عن يد لإفادة من وعن والباء ذلك كما صرح به في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ في قراءة عكرمة، وأما على كونها يد الآخذ فاستعمال اليد في القدرة أو النعمة شائع فاعتراضه في التقريب بأنه لا دلالة على هذه الإضمارات ليس بشيء، والعجب ممن قال: بعد سماع ما ذكر من بيان مراد ا! زمخشري، وردّ ما أورد عليه عندي أنّ معنى عن يد صادرا عن انقياد بسببه فاليد بمعنى الانقياد والاستسلام كما صرّح به صاحب القاموس بعده في معانيها، وعن للسببية لأنّ صاحب المغني والزمخشري جعلاه ص معانيها فتبين أنه لا حاجة إلى ما تكلفه الزمخشري فإنه مع كونه مستغنى عنه بما قرّرناه يرد عليه اعتراض! صاحب التقريب فلم يدر أن ما قاله بعينه كلام الزمخشري فقد أتعب نفسه من غير فائدة. قوله: (أو عن يدهم بمعنى مسلمين) يعني المراد به تسليمها بنفسه، من غير أن يبعث بها على يد وكيل أو رسول لأنّ القصد فيها التحقير وهذا ينافيه فلذا منع من التوكيل شرعا، وخالف الزمخشريّ في جعله مع أنه نقد غير نسيئة، وجهاً واحدا لما فيه من الجمع بين المعنى الحقيقيّ، وغيره فسلم مما يرد عليه. قوله: (أو عن غنى (لأنّ اليد تكون مجازا عن القدرة المستلزمة للغنى، وهذا لم يذكره الزمخشري صريحا. قوله:) أو عن يد قاهرة (على أن يكون المراد باليد يد الآخذ يعني أنّ المراد باليد القهر والقوّة فلو صرّج به لكان أظهر وأخصر، والمراد بالذلة في قوله إذلاء الذلة الظاهرة كوجء العنق والأخذ باللبب، ونحوه فلا يرد عليه إنه تكرار مع قوله وهم صاغرون كما قيل، وقوله:) عاجزين أذلاء (توضيح للحالية من الفاعل. قوله: (أو عن إنعام عليهم الخ (فاليد بمعنى الإنعام وتكون بمعنى النعمة أيضاً وابقاؤهم بالجزية أي عدم قتلهم والاكتفاء بالجزية نعمة عظيمة فاليد الآخذ، وهي عبارة عن إنعامه لا عن قدرته واستيلائه لما مرّ في قوله أو عن يد قاهرة، وفي بعض النسخ قوله أو عن إنعام مقدم على قوله أو من الجزية وهو أولى من تأخيره الواقع في بعضها فإنّ قوله أو عن إنعام الخ، مبني على أن يكون المراد باليد يد الآخذ كما في قوله أو عن يد قاهرة قيل ويجوز في الوجوه الأول كونه حالاً عن الجزية أي مقرونة بالانقياد، ومسلمة بأيديهم وصادرة عن غنى ومقرونة بالذلة وكائنة عن إنعام عليهم وبجوز في الأخير الحالية عن الضمير أي مسلمين نقداً، وقوله من الجزية معطوف على قوله من الضمير وجعله الزمخشري مع الثاني وجها واحدا وقد مرّ تحقيقه. قوله: (أذلاء الخ) وجأه بالجيم والهمزة ضربه، ومجوس هجر مجوس توطنوا هجر بالتحريك وهي بلدة باليمن يجوز صرفها، وعدمه وهذا من الزيادة على الكتاب والسنة وشبههم بأهل الكتاب لزعمهم أنّ لهم نبياً اسمه زرادشت، وقوله: (ويؤيده أنّ عمر رضي الله تعالى عنه الخ) أخرجه البخاري) ١ (، وقوله: (فلا تؤاخذ منهم الجزية) هو مذهب الشافعي لأنّ قتال الكفرة واجب، وقد عرفنا تركه في أهل الكتاب بالكتاب، وفي المجوس بالخبر فبقي غيرهم على الأصل ولأبي حنيفة ﵀ ما رواه الزهرقي ولأنه لما جاز استرقاقهم جاز ضرب الجزية عليهم، وتتمته في كتب الفقه، وقوله: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " (٢ (أي اسلكوا بهم طريقتهم، واجعلوهم مثلهم، وهو حديث أخرجه مالك في الموطأ والشافعي في الأم وما روي عن الزهري أخرجه عبد الرزاق عن معمر. قوله: (وأقلها في كل سنة دينار) هو مذهب الشافعيّ ﵀، ومذهب أبي حنيفة ما ذكره والغنى هو الذي يملك أكثر من عشرة آلاف درهم

стр. 1401

والفقير الذي لا يملك مائتي درهم، والكسوب بفتح الكاف القادر على الكسب وان لم يكن له حرفة والفقير الغير المكسوب كالأعمى والمقعد والشيخ الكبير، وهذا إذا ابتدأ الإمام وضعها أمّا إذا وضعت بالتراضي والصلح فبحسب ما يتفق عليه وعليه حمل ما استدل به الشافعي رحمه الله تعالى. فائدة: يجب التنبيه لها قال الإمام الجصاص في أحكام القرآن: اقتضى وجوب قتلهم إلى أن تؤخذ منهم الجزية على وجه الصغار والذلة أنه لا يكون لهم ذمّة إذا تسلطوا على المسلمين بالولاية ونفاذ الأمر والنهي، إذ كان الله إنما جعل لهم الذمّة بإعطاء الجزية وكونهم صاغرين فواجب على هذا قتل من تسلط على المسلمين بالغصب وأخذ الضرائب بالظلم، وان كان السلطان ولاه ذلك هان فعله بغير إذنه وأمره فهو أولى وهذا يدل على أنّ هؤلاء النصارى، واليهود الذين يتولون أعمال السلطان، ويظهر منهم الظلم والاستعلاء على المسلمين وأخذ الضرائب لا ذمة لهم، وأن دماءهم مباحة ولو قصد مسلم مسلما لأخذ ماله فقد أبيح له قتله في بعض الوجوه فما بالك بهؤلاء، وقد أفتى فقهاؤنا بحرمة تواليهم الأعمال لثبوته بالنص كما في البحر الرائق، وقد ابتلى السلاطين بهذا حتى احتاج الناس إلى مراجعتهم وتقببل أياديهم كما كان في زمن السلطان مرأد حتى وقع بسبب ذلك فتنة عظيمة لا يفي البيان بها، وقد قلت في ذلك: ويح ناس قوما يهودا تولوا وتولوا عن قول رب تعالى حسبوا الطب والأمانة فيهم فاستباحوا الأرواج والأموالا يقتلون البغاة من غير حرب وكفى الله المؤمنين القتالا وبسط الكلام فيه ابن القيم ﵀. قوله: (إنما قاله بعضهم من متقدّميهم الخ (من بيانية أو تبعيضية وهو الظاهر ونسبة الشيء القبيح إذا صدر من بعض القوم إلى الكل مما شاع كما مرّ تحقيقه، وقوله والدليل الخ قيل ما الحاجة إلى دليل، وقد صرّج به في النظم فهذا كإيقاد الشمعة وسط النهار المشمس، وأجيب بأنّ مدلوله صدوره منهم، ولا خفاء فيه والذي أثبت بما ذكر أنه معروف بينهم غير منكر منهم ولذا أسند إلى جميعهم، وقيل ضمير فيهم ليهود المدينة، وهو استدلال على القول الثاني ولا دلالة في الآية عليه بخصوصه فتأمّل، وتهالكهم حرصهم عليه حتى يكادوا أن يهلكهم الحرص. قوله: (عزير بالتنوين الخ) قرأ عاصم والكسائي بتنوين عزيز والباتون بترك التنوين، فالأوّل على أنه اسم عرب وابن خبره، وقال أبو عبيد أنه أعجمي لكنه صرف لخفته بالتصغير كنوج، ولو طورد بأنه ليس بمصغر درانما هو أعجمي جاء على هيئة المصغر كسليمان، وفيه نظر، وأما حذف التنوين فقيل حذف لالتقاء الساكنين على غير القياس، وهو مبتدأ وخبر أيضاً، ولذا رسم في جميع المصاحف بالاً لف، وقيل لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وقيل لأنه موصوف بابن وسيأتي ما فيه، وقوله: (تشبيهاً للنون بحروف اللين) فإنّ حروف اللين تحذف عند التقاء الساكنين والنون تحرّك لدفعه. قوله: (أو لأنّ الابن وصف والخبر محذوف الخ) من ذهب إلى هذا قطع بالانصراف لكونه عربيا كما ذكره الجوهري، وقال الزمخشري: أنّ هذا القول تمحل عته مندوحة وذكر الشيخ في دلائل الإعجاز هذا القول وردّه حيث قال الإثم إذا وصف بصفة، ثم أخبر عنه فمن كذبه انصرف تكذيبه إلى الخبر وصار ذلك الوصف مسلما فلو كان المقصود بالإنكار قولهم عزير ابن الله معبودنا لتوجه الإنكار إلى كونه معبوداً لهم، وحصل تسليم كونه ابناً دلّه، وذلك كفر وقال الإمام إنه ضعيف أمّا قوله إنّ من أخبر الخ فمسلم، وأمّا قوله ويكون ذلك تسليماً للوصف فممنوع لأنه لا يلزم من كونه مكذبا لذلك الخبر كونه مصدقا لذلك الوصف إلا أن يقال تخصيص ذلك بالخبرية يدل على أنّ سواء لا يكذب، وهو مبنيّ على دليل خطابي ضعيف، وقيل هذا الكلام يحتمل أمراً آخر، وهو أن يقال المراد من إجراء تلك الصفة على الموصوف بناء الخبر عليه فحينئذ يرجع التكذيب إلى جعل ذلك الوصف علة للخبر فبطل ذلك التمحل يعني الوصف للعلية فإنكار الحكم يتضمن إنكار علته، ولو سلم فلا يستلزم تسليمها، وقيل عليه إن إنكار الحكم قد يحتمل أن يكون بواسطة عدم الاقتضاء لا لأنّ الوصف كالأبنية مثلاً منتف، وفي الإيضاج أن القول

стр. 1402

بمعنى الوصف، وارد أنه لا يحتاج إلى تقدير الخبر كما أنّ أحداً إذا قال مقالة ينكر منها البعض فحكيت منها المنكر فقط قال في الكشف، وهو وجه آخر حسن في دفع التمحل لكنه خلاف الظاهر أيضا لا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٣٠] وما قيل إنه لا يدفع التمحل غير مسلم وأمّا ما قيل إن ما ذكره الشيخ ليس بمطرد لا في توجه الإنكار إلى الخبر ولا في كون الوصف مسلما كما إذا كان الخبر مسلماً للكل، أو للحاكي والوصف غير مسلم فانه إذا قدّر الخبر في الآية نبينا أو حافظ التوراة لا يتوجه الإنكار إلى الخبر بل إلى الوصف، ولا يبعد أن يكون حذف الخبر للإشارة إليه فيندفع المحذور إلا أنّ حمل كلام رب العزة عليه مخل ببلاغته فحبط، وخلط غريب مع أنه مع إخلاله بالفصاحة والبلاغة كيف ينبغي ذكره، وهل إخلاله إلا لما ذكروه بعينه مع أنه لم يزد على ما قاله الإمام إلا علاوة من الصخور في البراري. قوله: (مثل معبودنا أو صاحبنا وهو مزيف لآنه يؤدي إلى تسليم النسب وإنكار الخبر المقدّر) قد تقدّم بيانه على أتم وجه، قيل: كيف ينكر قولهم صاحبنا فالوجه الاقتصار على معبودنا كما في الكشاف، أقول مقصوده أنّ قانون الاستعمال على إنكاره سواء كان منكراً في نفسه أو لا لأنه قد يتوهم في التقدير الأوّل إنّ الإنكار إنما استفيد من قيام الدليل على أنه لا معبود إلا الله، وفيه ردّ على توهم بعض الأذهان القاصرة كما مرّ قبيلة إن الخبر إذا لم يكن منكراً توجه الانكار إلى الوصف المذكور فتنبه، وههنا وجه آخر لا يرد عليه شيء مما ذكروه، ولم يظهر لي وجه تركه مع ظهوره وأظنه من خبايا الزوايا، وهو أن يكون عزير ابن الله والمسيح ابن الله خبرين عن مبتدأ محذوف أي صاحبنا عزير ابن الله، والخبر إذا وصف توجه الانكار إلى وصفه نحو أهذا الرجل العاقل، وهذا موافق لقانون البلاغة، وجار على وفق العربية من غير تكلف ولا غبار عليه. قوله: (استحاله لأن الخ) من لم يكن إلها تنازعه ما قبله واذما لم يقل من لم يكن ابن الله مع أنه المدعي، ولذا قيل إنّ هذا لا يدل على كونه ابنا لأن ابن الإله لا يكون إلا إلها لاتحاد الماهية كذا قيل، وقيل لما لم يكن عندهم مستقلا بالألوهية لزم كونه ابنا، وفيه تأمل. قوله: (تثيد لنسبة هذا القول إليهم الخ الم يرتض شراح الكشاف كونه تأكيد الدفع التجوّز عن الكتابة والإشارة أو كون القائل بعض أتباعهم ونحوها مثل كتبته بيدي، وأبصرته بعيني لأنه غير مناسب، ولذا حمله الزمخشري على وجهين الأوّل أنه مجزد لفظ لا معنى له معقول كالمهملات، أو أنه رأى ومذهب لا أثر له في قلوبهم وإنما يتكلمون به جهلا أو عناداً، ولكن إرادة المذهب من الفول مستدركة لأنّ كون القول بأفواههم لا بقلوبهم كاف في ذلك ترك المصنف رحمه الله تعالى الاحتمال الثاني، ولما رأى المصنف أنّ كون المراد به التأكيد مع التعجيب من تصريحهم بتلك المقالة الفاسدة لا ينافيه المقام كما صرح به العلامة في شرح الكشاف لأنّ التأكيد لا ينافي اعتبار نكتة أخرى لم يلتفت إلى ما ذكر لأنه الشائع في أمثاله ولأنه لا تجوّز فيه، وأما ما قيل إنّ المناسب حينئذ أن يقال، وقالت الخ بأفواههم من غير تخلل قوله: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم﴾ ولذا حمله بعضهم على دفع التجوّز في المسند دون الإسناد، والقول قد ينسب إلى الأفواه والى الألسنة والأوّل أبلغ ولذا أسند إليها هنا فغير ظاهر، والمراد بقوله في الأعيان في نفس الأمر فلا يرد عليه ما قيل المفهومات أمور معنوية لا وجود لها في الخارج لشيوع مثله في كلامهم من غير مبالاة به. قوله:) فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه) فانقلب مرفوعا أو هو تجوّز، كقوله: ﴿وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ أسورة يوسف، الآية: ٥٢] أي لا يهديهم في كيدهم فالمراد يضاهون في أقوالهم. قوله: (والمراد قدماؤهم الخ (فالمضاهي من كان في زمنه منهم لقدمائهم، ومعناه عراقتهم في الكفر على الوجه الذي بعده هو شامل لهم كلهم وأما كون المضاهي النصارى، ومن قبلهم اليهود فخلاف الظاهر مع أنّ مضاهاتهم علصت من صدر الآية، ولذا أخره المصنف ﵀ لكنه منقول عن قتادة. قوله: (والمضاهاة المشابهة الخ) فيقال ضاهيت وضاهأت كما قاله الجوهري: وقراءة العامة يضاهون بهاء مضمومة بعدها واو وقرأ عاصم بهاء مكسورة بعدها همزة مضمومة وهما بمعنى من المضاهاة وهي المشابهة وهما لغتان، وقيل الياء فرع

стр. 1403

عن الهمزة كما قالوا قربت وتوضيت وأخطيت، وقيل الهمزة بدل من الياء لضمها، ورذ بأنّ الياء لا نثبت في مثله حتى تقلب بل تحذف كيرامون من الرمي، وقيل: إنه مأخود من قولهم إمرأة ضهيا بالقصر وهي التي لا ثدي ٥٥٩ لها أو لا تحيض أو لا تحمل لمشابهتها الرجال ويقال امرأة ضهياء بالمذ كحمراء وضهياءة بالمد وتاء التأنيث وشذ فيه الجمع بين علامتي التأنيث، قيل وهو خطأ لاختلاف الماذتين فإنّ الهمزة في ضهياء على لغاتها الثلاث زائدة، وفي المضاهأة أصلية ولم يقولوا إنّ همزة ضهيأ أصلية وياؤها زائدة لأن فعيل لم يثبت في أبنيتهم، ولم يقولوا وزنها فعلل كجعفر لأنه ثبت زيادة الهمز في ضهياء بالمذ فتتعين في اللغة الأخرى، وفيه رذ على الزمخشري إذ جعل الهمزة مزيدة، وقال: إنّ وزنه فعيل ولا محيص عنه سوى أن تجعل الواو بمعنى أو في كلامه ليكون إشارة إلى القول الآخر في همزتها، وما يقال إنه يجوز أن يراد بكونه فعيلا مجرّد تعداد الحروف، والا فوزنه فعلأ كما صرّح به الزجاج لا يناسب ما قصده من الاشتقاق، وفيه كلام مفصل في سرّ الصناعة لابن جني. قوله: (على فعيل) يعارض ما قاله في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [سورة البقرة، الاية: ٨٧] من أنّ وزن مريم مفعل إذ لم يثبت فعيل. قوله:) دعاء عليهم بالإهلاك الخ (قال الراغب: المقاتلة المحاربة وقولهم قاتلهم الله تيل معناه لعنهم، وقيل معناه قتلهم والصحيح أنه على المفاعلة والمعنى صار بحيث يتصذى لمحاربة الله فإنّ من قاتل الله فمقتول ومن غالبه فمغلوب، انتهى. فعلى الأوّل هو دعاء عليهم بالإهلاك كما ذكره الرأغب، وعلى الثاني المراد منه التعجب من شناعة قولهم فانها شاعت في ذلك حتى صارت تستعمل في المدح فيقال قاتله الله ما أفصحه فظهر الفرق بينهما وأنه لا وجه لما قيل إنه دعاء عليهم بالإهلاك، ويفهم التعجب من السياق لأنها كلمة لا تقال إلا في موضع التعجب من شناعة فعل قوم، أو قولهم مع أن تخصيصه بالشناعة شناعة أخرى، ومما يتعجب منه ما قيل لا يظهر وجه الدعاء من الله فهو بتقدير قولوا قاتلهم الله والجمل الدعائية في القرآن كثيرة لكنها في كل مقام يراد منها ما يناسبه. قوله:) بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل الله الخ (هذا هو تفسير النبىّ ﷺ فينبغي الاقتصار عليه لأنه لما أتاه عديّ بن حاتم وهو يقرؤها قال له: إنا لم نعبدهم فقال: ألم تتبعوهم في التحليل والتحريم فهذه هي العبادة، والناس يقولون فلأن يعبد فلأنا إذا أفرط في طاعته فهو استعارة بتشبيه الإطاعة بالعبادة أو مجاز مرسل بإطلاق العبادة، وهي طاعة مخصوصة على مطلقها والأوّل أبلغ وعلى كونه بمعنى السجود يكون حقيقة. قوله: (بأن جعلوه ابنا (فسره به لأنّ سياق الآية يقتضيه فلا يرد ما قيل الأولى بأن عبدوه ليعمّ كل النصارى، والمتخذون الأوّل بالكسر والثاني بالفخ على زنة الفاعل والمفعول. قوله: (فبكون كالدليل على بطلان الاتخاذ الخ الأن من عبدوه إذا لم يؤمر بغير عبادة ألله فهم بالطريق الأولى، وإنما قال كالدليل لأنه ليس بدليل لاحتمال أنّ المعبودين اختصوا بذلك لكمالهم وعدم احتياجهم إلى الواسطة بخلاف من دونهم وان كان احتمالاً فاسدا، وهذا على الثاني إذ هو على الأوّل إبطال لاتخاذهم لا دليل علي! ، ولذا خصه المصنف ﵀ والزمششرفي به كما يشهد له التفريع فمن قال: إنه لا وجه له لا وجه له. قوله: (ليطيعوا الخ) فسر العبادة بمطلق الطاعة التي تندرج فيها العبادة لأنه أبلغ وأدل على إبطال فعلهم إذ المراد باتخاذهم أربابا إطاعتهم كما مرّ، وهذا إذا كان المتخذ على زنة الفاعل ظاهر فإن كان وزن المفعول فلما مر أن غيرهم يعلم بالطريق الأولى، وبهذا سقط ما قيل إنه لا حاجة إلى صرف العبادة عن معناها الظاهر إلى معنى الإطاعة حتى يحتاج إلى أن يقال طاعة الرسول لمج، وكل من أمر الله بطاعته كطاعة الله في الحقيقة. قوله: (مقزرة للتوحيد) هو على الوجهين، وفيه فائدة زائدة هو أنّ ما سبق يحتمل غير التوحيد بأن يؤمروا بعباد إله واحد من بين الآلهة فأذن وصف الماً مور بعبادته بأنه هو المنفرد بالألوهية، وهو المراد ويجوز كونها مفسرة لواحد. قوله: (حجته الدالة على وحدانيته وتقدسه الخ) فنور الله استعارة أصلية تصريحية لحجته أو القرآن أو للنبوّة لتشبيهها بالنور في الظهور والسطوع والإطفاء بأفواههم ترشيح،

стр. 1404

وقيل استعارة أخرى، واضافته إلى الله قرينة أو تجريد، وقوله بشركهم أو تكذيبهم متعلق بيطفئوا لا تفسير للأفواه، وقوله إلا أن يتم نوره إن كان المراد به النور السابق فهو من إقامة الظاهر مقام المضمر دهان أريد كل نور له أعم من الأوّل فهو تتميم له وقوله: (، علاء التوحيد) ناظر إلى الوجه الأوّل، وما بعده لما بعده، وقوله: (عن أن يكون له شريك) إشارة إلى أنّ ما مصدرية. قوله: (وقيل إنه قمثيل لحالهم في طلبهم الخ) هو معطوف بحسب المعنى على قوله حجته الخ أي هو استعارة تمثيلية والمستعار جملة الكلام لأنّ حالهم في محاولة إبطال نبوّته ﷺ بالتكذيب هو المشبه المطوي، والمشبه به حال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق أي منتشر المعنى بقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ ترشيح لأنّ إتمام النور زيادة في استنارته، وفشوّ ضوئه فهو تفريع على الأصل المشبه به، وقوله هو الذي أرسل وسوله بالهدى الخ تجريد وتفريع على الفرع وروعي في كل من المشبه، والمشبه به الإفراط والتفريط حيث شبه الإبطال بالإطفاء بالفم، ونسب النور إلى الله ومن شأن النور المضاف إليه أن يكون عظيماً فكيف يطفأ بنفخ الفم فلذا قال: عظيم منبث في الآفاق مع ما بين الكفر الذي هو ستر وازالة للظهور والاطفاء من المناسبة، وقوله بنفخه متعلق بإطفاء، والضمير المضاف إليه راجع لمن. قوله: (وإنما صح الاستثناء المفرغ الخ (يعني إن إلا أن يتمّ استثناء مفرغ وهو في محل نصب مفعول! به، والاستثناء المفرغ في الأغلب يكون في النفي إلا أن يستقيم المعنى، وهذا نفي في المعنى لأنه وقع في مقابلة يريدون ليطفؤوا نور الله فدل التقابل على أن معناه كما قال الزمخشرفي: لا يريد إلا تمام نوره، وقال الزجاج: المستثنى منه محذوف تقديره ويكره الله كل شيء إلا إتمام نوره فالمعنى على العموم المصحح للتفريع عنده فللناس في توجيه التفريع هنا مسلكان، والحاصل إنه أن أريد كل شيء يتعلق بنوره بقرينة السياق صح إرادة العموم ووقوع التفريع في الثابتات كما ذهب إليه الزجاج إذ ما من عام إلا وقد خص فكل عموم نسبي لكنه يكتفي به، ويسمى عموماً ألا ترى أن مثالهم قرأت إلا يوم كذا قد قدروه كل يوم، والمراد من أيام عمر. لا من أيام الدهر فإن نظر إلى الظاهر في أمثاله كان عاما، واستغنى عن النفي وان نظر إلى نفس الأمر فهو ليس بعام فيؤوّل بالنفي، والمعنى فيهما واحد وإنما أوّل به هنا عند من ذهب إلى تأويله لاقتضاء المقابلة له إذ ما من إثبات إلا ويمكن تأويله بالنفي، فيلزمه جريان التفريغ في كل شيء، وليس كذلك كما صرّج به الرضي، ولذا قيل الاستثناء المفرغ وإن اختص بالنفي إلا أنه قد يمال مع المعنى بمعونة القرائن، ومناسبة المقامات فيجري بعض ا! إيجابات مجرى النفي في صحة التفريغ معها، كم! قيل في قوله تعالى: ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٤٩] وهذا ما يقال لا يجري في الإثبات إلا أن يستقيم المعنى ولو اكتفى بمجرّد جعل المثبت بمعنى نفي مقابله الجري في كل مثبت ككرهت بمعنى ما أردت وأبغضت بمعنى ما أحببت وهكذا، وإنما قدره المصنف ﵀ لا يرضى، ولم يقدر لا يريد كما قدره الزمخشرفي لأنّ المراد بإرادة إتمام نوره إرادة خاصة، وهي الإرادة على وجه الرضا بقرينة قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الصف، الآية: ٨] لا الإرادة المجامعة لعدم الرضا كما هو مذهبنا بخلاف من يسوّي بينهما فمن فسر كلام المصنف ﵀ بكلام الزمخشرقي غفل عن إرادته، ومن الناس من أورد هنا بحثاً وهو أنّ الغرض من إرجاع الإثبات إلى النفي بالتأويل تصحيح المعنى، ولا يخفى أنه لا فرق هنا بين أن يؤولط بلا يرضى، وعدمه في عدم صحة المعنى فإن عدم رضاه تعالى إتمام كل شيء غير نوره لا يصح فالآية مشكلة على كل حال! ، فإن قيل المعنى يأبى كل شيء يتعلق بنوره إلا إتمامه فالمعنى صحيح من غير تأويل بالنفي، والحاصل أنه إن عم الأباء كل شيء فالنفي، وعدمه سيان في بمدم صحة المعنى، وان خص فلا حاجة إلى التأويل، وقد علمت مما قرّرناه لك أنّ هذا البحث من عدم الوقوف على المراد، وربما استصعبه من لم يعرف حقيقة الحال. قوله: (محذوف الجواب) وتقديره يتمّ نوره، وقوله كالبيان لأنّ المراد من إتمام نوره إظهاره، ولكونه بحسب المآل بمعناه ذيله بما ذيله به بعينه لكنه عبر عن الكافرين بالمشركين تفاديا عن صورة التكرار، وظاهر كلامه أنه فسر

стр. 1405

الكفر بالكفر بالرسول مجت! ر، وتكذيبه والشرك تالبهفر بالله بقرينة التقابل ولا مانع منه فسقط ما قيل إنه ليس لهذا التكرير تسبب عن كونه كالبيان فالأولى أن يقال كرر للتأكيد وكيف يكون تأكيداً مع أنه بين تغايرهما، وتفسير الجنس بسائر الأديان إشارة إلى أنّ المراد به الاستغراق لما عداه، وهو على إرجاع الضمير للدين، وقوله أو على أهلها على إرجاعه للرسول ﷺ ففي الكلام حينئذ مضاف مقدر أي أهل الدين، وخذلانهم عدم نصرهم ويصدون من الصد أو الصدود كما مرّ. قوله: (يأخذونها بالرشا) هي جمع رشوة، والباء للملابسة أي يأخذونها ملتبسة بها، ولو قال: الارتشاء كان أوضح والباء للسببية وقوله سمي أخذ المال أكلا الخ في الكشاف أنه على وجهين إمّا أن يستعار ا! ل للأخذ ألا ترى إلى قولهم أخذ الطعام وتناوله، واما على أنّ الأموال يؤكل بها فهي سبب ل! ل ومنه قوله: إنّ لنا أحمرة عجافا يأكلن كل ليلة اكافا وقيل عليه لا طائل تحت هذه الاستعارة والاستشهاد بقولهم أخذ الطعام وتناوله سمج، والوجه هو الثاني، وما قاله القاضي سمي أخذ المال أكلا لأنه الغرض الأعظم منه، وردّ بأنه استشهد بقولهم على أنّ بينهما شبها والا فهذا عكس المقصود، وفائدة الاستعارة المبالغة في أنه أخذ بالباطل لأنّ اكل هو غاية الاستيلاء على الشيء ويصير قوله بالباطل على هذا زيادة مبالغة، ولا كذلك لو قيل: يأخذون، وعلى الوجه الآخر التجوّز كما قيل إما في ا! ل لأنه مجاز عن الأخذ لأنّ الأكل ملزوم للأخذ كما أنّ أخذ الطعام مجاز عن أكله لأنه لازم له، وأما في الأموال فهي مجاز عن الأطعمة التي تؤكل بها للتعلق بين الأموال، والأطعمة المختصة بها كما أنّ الاكاف مجاز عن العلف للتعلق بينهما بسبب اشترائه والمصنف ﵀ اختار أنّ اكل مجاز مرسل عن الأخذ بعلاقة العلية، والمعلولية وكونه مجازاً في الإسناد لا وجه له، فلذا لم يلتفتوا إليه وفسر سبيل الله بدينه وقريب منه تفسيره بحكمه. قوله: (ويجوز أن يراد به الكثير من الأحبار الخ) يريد أن التعريف في الذين يكنزون للعهد، والمعهود إما الأحبار والرهبان، وأمّا المسلمون لجري ذكر الفريقين، والأولى حمله كما قال الطيبي ﵀ على العموم فيدخل فيه الأحبار والرهبان دخولاً أولياء، وقوله الكثير لبيان الواقع في أصدق الكلام لأنهم ليسوا كذلك جميعا، والضن بكسر الضاد كالضنة شدة البخل، والمبالغة من التعبير عن المنع بالكنر الذي أصل معناه الدفن في الأرض، ويقتنون افتعال من القنية وهي معروفة. قوله: (وأن يراد المسلمون الخ) وجه الأول ذكره عقب ذمهم ووجه هذا أنّ قوله لا ينفقونها بشعر بأنهم ممن ينفق في سبيل الله لأنه المتبادر من النفي عرفا، ووجه دلالة حديث عمر ﵁ (١ (عليه أنّ الصحابة ﵃ فهموا منها ذلك، وهم أهل لسان فدل على ذلك والاستدلال بالنور إلى إرادة المشركين فقط لأنه المذكور في كلامه لا بالنسبة إلى تعميمه، فإنه لا دلالة له على عدم العموم لدخولهم فيه، ولذا قيل إن حديث عمر ﵁ لا يدل على التخصيص بالمسلمين، وقيل لو أريد بهم أهل الكتاب خاصة لقيل، ويكنزون فلما قيل والذين يكنزون استئنافا علم أن المراد التعميم، والتخصيص بالمسلمين، وقد قيل المراد المسلمون ويدخل الأحبار والرهبان بطريق الأولى، وفي التعميم غنيمة عن هذا كله، وحديث عمر ﵁ أخرجه أبو داود: " وما أذى زكاته فليس بكنز ") ٢ (أخرجه الطبراني والبيهقي في سننه وغيرهما، عن ابن عمر ﵄ وتفسيره الكنز بالكنز المتوعد عليه في الآية بيان لمراده ﷺ . قوله: (وأمّا قوله يكوو الخ)) ٣ (جواب عن السؤال بمعارضة ما ذكر لما مرّ من الحديث، وقيل إنه كان قبل أن تفرض الزكاة والشيخان حيث أطلقا عند المحدثين ص البخاري ومسلم، وهو المراد الحديث: رواه الطبراني والبخاري في تاريخه، وقوله: (١ لا إذا (المستئنى فيه الجملة من الشرط وجوابه، وتصفيحها بسطها ومدّها حتى تصير صفيحة وفسر العذاب بالكيّ بهما لأن يوم الخ تفسير له. قوله: (أي يوم توقد النار ذات حمى الخ) يعني أنّ أصله ما ذكر لكنه عدل عنه للمبالغة لأنّ النار في نفسها ذات حمى فإذا وصفت بأنها تحمي دلّ على شدة
следующие страницы →