Полный текст (3 156 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
أنه بولغ في إيجاب إيجاده حتى كأنه وقع وأخبر عنه، وأيده بأنّ قوله فذروه يناسب كون الأوّل أمراً مثله قيل يعني
أنّ الفاء جوابية فينبعي أن يكون تزرعونلأ في! معنى الأمر حتى يكون خما، حصدتم جواباً له، وه! ووهم منه لأنّ عبارة الكشاف، والدليل على كونه في معنى الأمر قوله فذروه، وما حصدتم جمله شرطية لا يصح أن تكون جوابا للأمر، وكون الأمر الغير الصريح يكون له جوإب مصدر بالفاء لا وجه له، ووجه تمريضه أنه لا يناسب المقام، وكونه تعبيرا للرّؤيا الدالة على وقوع الخصب بالزراعة، والأمر بتركه في سنبله لا يدل على أنّ تزرعون بمعنى ازرعوا ابل تزرعون إخبار بالغيب عما يكون منهم من توالي الزرع سبع ستين، وأمّا ذروه فأمر لهم بما ينبغي أدط يفعلوه، وهم يزرعون على عادتهم من غير حاجة إلى الأمر بخلاف تركه في سنبله فإنه غير معتاد. قوله: (وهو على الأوّل نصيحة خارجة عن العباوة) أي على كونه خبرا هو زائد على تأويله للرّؤيا لنصحهم، وبيان ما يليق بهم، وفيه إشارة إلى دخع ما تمسك به الزمخشريّ من. أنه لو لم يؤوّل بالأمر لزم عطف الإنشاء على الخبر لأنّ ما إمّا شرطية أو موصولة متضمنة لمعنى الشرط، وعلى كل حال فلكون الجزاء أمراً تكون الجملة إنثائية معطوفة على الخبرية بأنها ليست من جملة التعبير بل جملة مستانفة لنصحهم أو هي جواب شرط مقدر أي إن زرعتم فما حصدتم الخ. مع احتماله للعكس بأن يكون ذروه بمعنى تذرونه، وأبرز في صورة الأمر لأنه بإرشاده فكأنه أمرهم به مع أنه يعارضه قوله، ثم يأتي فإنه يقتضي عدم تأويله، وفيه نظر لأنه يقتضي أنّ الشرطية التي جوابها إنشائيّ إنشائية، وهو غير مسلم. قوله: (خارجة الخ) قيل، وعلى الثاني؟ غير خارجة عنها فإنّ أكل السبع العجاف السبع السمان، وغلبة السنبلات اليابسات الخضر دال على أنهم يأكلون في السنين المجدية ما حصل في السنين المخصبة، وطريق بقائه تعلموه من يوسف ﵊ فبقي لهم في تلك المدّة، وقيل إنه على التقدير الثاني قوله تزرعون بمعنى ازرعوا خارج عن العبارة أيضا، والتحقيق ما في الكشف من أن تزرعون على ظاهره لأنه تاويل للمنام بدليل قوله يأتي، وقوله فما حصدتم فذروه اعترإض اهتماما منه بشأنهم قبل تتميم التأويل وفيه ما يؤكد السابق، واللاحق فهو يامرهم بما فيه صلاحهم، وهذا هو الذي يلائم النظم المعجز اهـ. قوله: (فأسند إليهق على المجاز تطبيقا الخ) يعني لما عبر البقرات بالسنين نسب اكل إلى السنين كما رأى في الواقعة البقرات ياكلن حتى يحصل التطابق بين المعبر، وهو المرئيّ في المنام، والمعبر به، وهو تأويله ولا يتعين المجاز لأنه يؤكل فيها فيكون كقوله: ﴿النَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧] الجواز أن يكون مشاكلة حينئذ، وقوله سبع شداد أي سبع سنين حذف التمييز لدلالة الأوّل عليه. قوله: (تحرزون لبذور الزراعة (البزر بالزاي، والبذر بالذال بمعنى كما في العين، وهو الحب الذي يجعل في الأرض لينبت وفرق ابن دريد
بينهما على ما في المجمل فقال البذر في البقول والبزر خلافه وجمعه بزور. قوله: (يمطرون (بصيغة المجهول من الثلاثي أو المزيد وكون المزيد في العذاب ليس بكليّ، وقوله من الغيث فهو ثلاثيّ يائيّ، ومنه قول الإعرابية غثنا ما شئنا وقول بعضهم أذى البراغيث إذا البراغيث، وإذا كان من الغوث فهو واويّ ربافي. قوله: (ما يعصر كالعنب والزيتون الخ) يعني أنه من العصر بمعناه المعروف فهو إمّا عصر الثمار التي من شأنها أن تعصر وترك مفعوله يدلط على شموله، وعمومه، ولذا قدّر المصنف ﵀ مفعوله بقوله ما يعصر أو هو بمعنى الحلب لأنّ فيه عصر الضرع ليخرج الدز، وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على تغليب المستفتي لأنه الذي خاطبه وما عداه غيب وكذا ما قبله من قوله يغاث الناس فكان الظاهر تعصر، ولم يذكر الالتفات في قوله تزرعون مع أنّ الظاهر أنه التفات أيضا لكنه جرى على أنه ليس التفاتا لأنه لما أشركهم معه في التكلم في قوله أفتنا جعلهم حاضرين فجرى الخطاب على ظاهره من غير التفات، وهو المناسب. قوله: (وقرئ على بناء المفعول من عصره إذا أنجاه (أي ينجيهم الله والعصر يرد بمعنى النجاة ومنه قوله:
لوبغيرالماءحلقي شرق كنت كالغصان بالماء اعتصاري
واذا كان المبنيّ للفاعل منه فهو بمعنى ينجي بعضهم بعضاً، ومنه خبريكون لا المبني
على أنّ اسمها ضمير راجع
стр. 1647
إلى يعصرون لما فيه من التكلف، وقوله يغيثهم الله معنى يغاث الناس، ويغيث بعضهم بعضاً معنى، وفيه يعصرون على البناء للفاعل فيكون كل منهما للإغاثة، والتغاير بينهما بما ذكر، ويحتمل أن يكون الأوّل من الغيث بفتح ياء يغيثهم في عبارته، وقيل يغيثهم الله تفسير للمبنيّ للمفعول، وما بعده تفسير للمبنيّ للفاعل.
قوله:) أو من أعصرت السحابة عليهم) أي حان وقت عصر الرياج لها لتمطر فعلى صلتها كما في عصرت الليمون على الطعام فحذفت على، وأوصل الفعل بنفسه أو تضمن معنى مطر فيتعدّى، وقد ذكره الجوهرقي في معنى عصر، وظاهره أنه موضوع له فلا يحتاج إلى التضمين عليه، وقوله معنى المطر بسكون الطاء مصدر مطره. قوله: (ولعله علم ذلك بالوحي (
إنما ذكر هذا لأنّ الرؤياً تدل على سبع مخصبة، وسبع مجدبة ولا دلالة فيها على العام الثامن، وإنما قدم كونه بالوحي لرجحانه لأنّ تفصيل ما فيه يقتضي ذلك، ولو كان جاريا على العادة أو السنة الإلهية أجمله، وحصر الجدب يقتضي تغيره بعدها بخصب ما لا على ما ذكره خصوصا إغاثة بعضهم لبعض لأنها لا تعلم إلا بالوحي، ولذلك اقتصر عليه في الكشاف. قوله: (تأنى في الخروج) أي توقف، وهو تفعل من أنى الشيء إذا جاء أوانه وزمانه، وحقيقته انتظار حينه، وأوانه وقوله لتظهر براءة ساحتة أي قبل اتصاله بالملك الداعي للحسد فلذلك اهتم بتقديمه فلا يقال هو يحصل بتأخيره أيضا. قوله: (وفيه دليل على أنه ينبغي الخ) الأوّل من صريح النظم لأنّ المبادرة إليه وتقديمه على خلاصه اجتهاد فيه، والثاني لازم له، وقال ينبغي لأنه دلالة على الوجوب فيها، ومواقعها بالعين أو الفاء. قوله: (وعن النبئ ﷺ الخ) هذا الحديث أخرجه الطبراني، وابن راهويه وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ وابن مسعود ﵁، ووقع في الصحيحين مختصرا، وأوّله لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره، والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف، والسمان، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى اشترطت أن يخرجوني، ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك، ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة، وبادرتهم الباب، ولما ابتغيت العذر إن كان حليماً ذا أناة قال البغوفي وصفه بالأناة، والصبر حيث لم يبادر إلى الخروج حين جاءه الرسول بالعفو عنه مع طول سجنه بل قال ارجع الخ إقامة للحجة على ظلمه، وإنما قال النبيّ ﷺ ذلك تواضعا منه لا أنه لو كان مكانه بادر، وعجل، والا فحلمه ﷺ ، وتحمله معلوم، وقوله والله يغفر له لتوقيره، وتوقير حرمته كما يقال عفا الله عنك ما جوابك في كذا، وقيل إنه إشارة إلى ترك العزيمة بالرخصة، وهو تقديم حق نفسه على تبليغ التوحيد، وقيل إنّ ما فعل يوسف ﵊ صبر عظيم، وما رآه النبي ﷺ رأى آخر، وهو الأخذ بالحزم، وانتهاز الفرصة فإنه ربما عن أمر منع من إخراجه فهذا تعليم للناس. قوله: (وإنما قال فاسأله ما بال النسوة الخ) يعني أنّ السؤال عن
شيء ما يهج الإنسان، ويحرّكه لاليحث عنه لأنه يأنف من جهله، وعدم علمه به، ولو قال سله ب! ن ايقتش لكان تهييجا عن الفحص عنه، وفيه جراءة عليه فربما امتنع منه، ولم يلعخت إليه، وقوله وتحقيق الحال إشارة إلى أنّ البال بمعنى الأقى، والحال، وترك ذكر امرأة العزيز تأدّباً، وتكرّماً، ولتا حملها ذلك على الاعتراف بتزامته، وبراءة ساحته، وضمّ نون النسوة تقدّم بيانه، واعلم أنّ من جرّ إليه هذا شبع الخمس النسوة، والعزيز، وامرأته، وأنّ المرتي في الوافعة سبعة أشياء، وحبسه في: السجن سبع سنين على الصحيح فكانت سنو الجدب سبعاً جزاء على سني مكثه في السجن فتنبه لذلك. قوله: (وفيه تعظيم كيدمن) قال الزمخشريّ أراد أنه كيد عظيم لا يعلمه إلا الله لبعد غوره أو استشهد بعلبم-يمثه عالى أنهن كدنه، وأنه بريء مما قرف به أو أراد الوعيد لهن أي هو عليم بكيدهن فيجازيهن عليه فذكر وجوهاً ثلانة، والحصر من تخصيصه بالذكر لصلوحه لإفادت عند بعضهم أو من اقتضاء المقام لأنه حمله على المسمؤال، ثم أضاف علمه إلى أالله فدلّ علي عظمه، هأنّ كنهه غير مأمول الوصو! إليه لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، وهذا هو الوجه، وفيه تشويق وبعث على معرفته فهو تتميم لقوله اسأله الخ. والكيد علي هذا ما كدنه به، وعلى االماني محو الاستشهاد بالله على أنهن كدنه، وأنه بريء
стр. 1648
فيكون تذييلاً لمما حمله على التعرف ل! ميين نله ألبراءة فإنّ الله يعلم ذلك وأنه كيد منهت فيكون بريئا لا محالة و! يد يمعنى الجدل فكأنه كأنه قال الله شاهد، وعلى الثالث يحتملهما، والمراد حث الملك على ألغضب والانتقام له لي! لاعم االكلام لكنه لا يطابق كرمه فالوجه هو الأوّل، ثم الثاني كذا حقق في الكشف، وهذا مراد المصنف رحمه الله تعالى لكن الواو فيه بمعنى أو أو على ظاهرها. قوله: (قال الملك الخ) الخطب الأمر العظيم لأنه مخاطب به أو يخطب له كما في الدرّ المصون، والمراودة وحلاص لله تقدّم تحقيقهحا، وقوله تنزيه له ويلزمه تنزبه يوسف ﵊ كما مرّ قحقيقه مما نقلناه عن شرح التسهيل. قوله: (ثبت واستقر الخ) الآدط صتعلق بحصحص، وحصحص معناه ظهر بعد خفاء كما قاله الخليل، وهو من الحصة أي لجانت حصة الحق من حصة الباطل، والمراد تميز، وقيل معناه ثبت من حصحص البعير إذا برك، وحص وحصحص ككف، وكفكف وحصه قطعه، ومنه الحصة، والقطع إمّا بالمباشرة أو الحكم، والمبارك بفتح الميم جمع مبرك، وهو ما يبرك به، ويلصق بالأرض، وقوله ليناخ من قولهم
أنخت الجمل أبركته، ويقال أيضا أناخ الجمل نفسه أي برك، وقال ابن الأعرابي يقال أناخ، ولا يقال ناخ، وكذا قال في الأفعال. قوله:
(فحصحص في صتم الصفاثفناته وناءبسلمى نوأة ثم صمما)
هو من قصيدة لحميد بن ثور الهلالي، والضمير المستتر في حصحص للبعير، وثفناته مباركة الخمس المعروفة وصمّ الصفا جمع أصمّ، وهو الصلب من الحجارة، والصفا الحجارة لا اسم موضع كما توهم، وقد وقع في نسخة الحصا، وناء بمعنى أثقل ونهض، والتصميم المضي في الأمر يعني أنها ركبت عليه، وقام بها ومضى في سبيله، وألف صمم للإطلاق، والإشباع والمراد تحزنه على فراق محبوبته. قوله تعالى: ( ﴿أَنَاْ رَاوَدتُّهُ﴾ الخ (قالته بعد اعترافها تأكيدا لنزاهته، وقولها إنه لمن الصادقين اعترفت به قبل السؤال توخيا لمقابلة الاعتراف بالعفو، وقيل إنها لما تناهت في حبه لم تنال بانتهاك سترها وظهور سرّها، وقوله في قوله متعلق بمقدر أي صادق في قوله بعد جعله من الصادقين فهو إثبات له بطريق برهانيئ، ولا يتعلق بالصادقين لفساده. قوله: (قاله يوسف ﵊ لما عاد إليه الرسول الخ) أي أنه من قول يوسف ﵊ لا من قول امرأة العزيز، وذلك إشارة إلى التثبت، وما تلاه من القصة أجمع، ولذلك جمع الخائنين أي ذلك التثبت لظهور البراءة فتعين أنه من كلامه، وأنه فذلكة لما مرّ من طهارة ذيله، وبراءة ساحته، وفيه إيجاز أي فرجع فأنهى مقاله ﵊ فأحضرهن سائلاً ما خطبكن، ورجع إليه الرسول قائلا فتش الملك عن كنه الأمر فبان له جلية الحال من عصمتك فقال ﵊ " ذلك ليعلم " الخ. أي لم يكن مني خيانة، وفيه من كثرة التقدير ما يبعده، وقوله لما عاد ردّ لأنه من كلامه متصل بقوله فاسأله، وقيل إنه من قول امرأة العزيز داخل تحت قوله قالت بدليل الاتصال الصوري لا قوله إذ لم يكن حاضرا وقت سؤال الملك النسوة، وهو الذي وجهه الزمخشري. قوله: اليعلم العزيز) أي ليظهر علمه بذلك إذ كان علمه حين شهد شاهد من أهله وقيل الضمير للملك أي ليعلم الملك أني لم أخن العزيز أو لم أخن الملك لأن خيانة وزيره خيانة له. قوله:) بظهر الغيب الخ (هذا تفسير له على الوجوه، وظهر الغيب استعارة، والباء إمّا للملابسة أو للظرفية، وعلى الأوّل هو إمّا حال من الفاعل أي وأنا غائب عنه أو من المفعول أي، وهو غائب عني، وهما متلازمان،
وجوّز ابن المنير كونه حالاً منهما وفيه نظر وعلى الظرفية فهو ظرف لغو ويحتمل الحالية أيضاً. قوله: (لا ينفذه ولا يسدّده الخ) فهداية الكيد مجاز عن تنفيذه، وعلى الوجه الثاني المراد لا يهدي الخائنين بسبب كيدهم فأوقع الهداية المنفية على الكيد، وهي واقعة عليهم تجوّزاً للمبالغة لأنه إذا لم يهد السبب علم منه عدم هداية مسببه بالطريق الأولى، والمراد بالفعل الهداية لأنها وان كانت منفية لكن النفي يقتضي تصوّر الإثبات، وتقديره فلا يرد أنه ليس فيه إيقاع بل نفي، وقوله بكيدهم متعلق بيهدي، وتعليل لنفي الهداية، وجوّز تعلقه بالخائنين وأنّ فيه تنبيهاً على أنه يهدي كيد من لم يقصد به الخيانة ككيد يوسف بإخوته عليهم الصلاة والسلام. قوله: (وفيه تعريض براعيل في خيانتها (أي لو كنت خائنا ما نفذ كيدي، وسدده، وأراد بكيده فحصه
стр. 1649
عن الحال، وسماه كيداً مشاكلة كما في الكشف، وفيه نظر، وقوله وتوكيد لأمانته الخ بالواو دون أو إذ لا مانع من اجتماع التعريض، والتوكيد، وقوله تنبيها على أنه الخ وقيل فيه إشارة إلى أن عدم التعرّض لم يكن لعدم الميل الطبيعي بل لخوف الله. قوله: ( ﴿وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي﴾ ) أي أزكيها فمعنى لم أخنه أي بفعل قبيح. قوله: (وعن ابن عباس ﵄ (ذكر هذا في كثير من التفاسير فإمّا أن يراد الميل الطبيعي كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى بعده أو أنه صغيرة تجوز على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل النبوّة، وقوله قال له جبريل ﵊ أو ملك آخر. قوله: (من حيث إنها بالطبع مائلة الخ (يعني الأمر مجاز عن الهمّ أي القصد، والعزم الذي يتبعه استعمال القوى، والجوارج غالبا، وهو إشارة لوجه الشبه فإنّ في الأمر استعمالاً لها بالقول، وفي الهمّ استعمال لها بالحمل عليه، وكونه في كل الأوقات مأخوذ من صيغة المبالغة. قوله: (كل الأوقات) إشارة إلى أنه استثناء من أعنم الأوقات، وما ظرفية مصدرية زمانية فهو منصوب على الظرفية لا على الاستثناء كما توهم لكن فيه التفريغ في الإثبات أي هي أمّارة بالسوء في كل الأوقات إلا في وقت مخصوص، وهو وقت رحمة الله. قوله: (أو إلا ما ﵀ فالاستثناء من النفس أو من الضمير المستتر في إمارة أو من مفعوله المحذوف أي أمّ رة صاحبها إلا ما ﵀، وفيه وقوع ما على ما يعقل، وهو خلاف الظاهر، ولذا أخره وقوله من النفوس ظاهر في الأوّل، وأورد على الوجه الأوّل أن المعنى حينئذ كل نفس أمّارة بالسوء في كل الأوقات إلا وقت رحمته، والمقصود إخراج نفس
يوسف، وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعلى هذا يلزم دخولها في أكثر الأوقات إلا أن يحمل على ما قبل النبوّة بناء على جوازه قبلها أو المراد جنس النفس لا كل واحدة (قلث (أمّا الأخير فغير ظاهر لأنّ الاستثناء معيار العموم، ولا يرد ما ذكر رأساً لأنّ المراد هضم النوع البشري اعترافاً بالعجز لولا العصمة على أن وقت الرحمة قد يعم العمر كله لبعضهم فتأقله. قوله:) ولكن رحمة ربي الخ) فكل نفس آمرة بالسوء أي تهمّ به سواء كان مع العزم والتصميم كما في أكثر الناس أو بدونه كما في المعصومين، وقد أشرنا لتحقيق ذلك قبيله. قوله: (والمستثنى نفس يوسف ﵊ (هذا من جملة المحكي، وهو على المعنى الثاني، وأمّا على الأوّل فنفس راعيل، والمراد الوقت الذي تابت فيه، وقوله عن ابن كثير في رواية البزي، ونافع في رواية قالون. قوله: (يغفر هنم النفس (أي إن كان ذنبا وهو ناظر إلى كونه من كلام يوسف ﵊، وكذا قوله يرحم من يشاء بالعصمة، وفيه إشارة إلى أنها محض لطف من الله تعالى، وقوله أو يغفر للمستغفر ناظر لكونه من قول راعيل أو عام للأقوال. قوله:) وقال الملك ائتوني الخ) قال أوّلاً ائتوني به لأجل الرؤيا فلما تبين حاله طلب أن يجعله خالصا لنفسه مختصاً به فلما كلمه أكرمه بقوله إنك اليوم لدينا مكين أمين، وفاعل كلمه ضمير الملك أو يوسف ﵊، وقوله فلما أتوا الخ يشير إلى أن في الكلام إيجازاً لاقتضائه ما ذكر، والدهاء بفتح الدال المهملة، والمد كثرة العقل وجودة سرعة الرأي، وجددا بضمتين جمع جديد كسرير، وسرور وقوله من خيره أي خير الملك، وقوله سلم عليه قيل إنه سلم عليه بالعبرية فقال له ما ذكر، وقوله فكلمه بها أي بالسبعين، وقوله فأجلسه أي بعد قص الرؤيا، وتأويلها وقيل كان قبله، وأمّا جعله على خزائن الأرض فقيل كان بعد سنة إذ لم يعلقه بمشيئة الله، وقوله وقيل توفي الخ، وعلى الأوّل ظاهره أنه جعله ملكاً مكانه وقيل عزل قطفير، وجعله مكانه، ولما كان من أذى جاره أورثه الله داره أورثه الله منصبه، وزوجته،
وتزوّج راعيل على الفور بناء على أنه لم تكن العدة من دينهم، وقال القرطبي: إنه بعد مدة طويلة. قوله: (وقيل توفي قطفير الخ) قال ابن المنير في تفسيره وكان قطفير عنيناً وجمالها فاتنا فكان يصانعها على عنته مع جمالها الفاتن، ومن العجب ما رواه القصاص أنها كانت عذراء، وكذا وجدها يوسف ﵊ عندما أعيد إليها شبابها وتزوّجها بسابقة الكتاب انتهى، وفيه إشارة إلى رد قول إنها عادت شابة بكرأ إكراما له بعدما كانت ثيباً. قوله:) ولني أمرها) إشارة إلى أن على متعلقة بمسؤول مقدر قيل إنه لما كلمه، وعبر رؤياه قال له ما ترى أيها الصديق قال تزرع في سني الخصب زرعا كثيرأ فإنك لو زرعت فيها على حجر نبت
стр. 1650
وتبنى الخزائن، وتجمع فيها الطعام فإذا جاءت السنون بعتها فيحصل مال عظيم فقال له من لي بهذا قال اجعلني على خزائن الأرض، وتحل بكسر الجيم بمعنى تعظم، وقوله إذا علم قيد لطلب التولية، والتولي من الكافر، ومثله السلطان الجائر جائز، وهو المذكور في كتب الفقه، وقوله وعن مجاهد فلا يكون فيه دليل على ذلك. قوله: (وكذلك مكنا الخ (التمكين إمّا من المكنة بمعنى القدرة أو من المكان يقال مكنه ومكن له، والمعنى مثل ذلك التمكين، والأقدار في نفس الملك أو السلطنة أعطيناه القدرة في أرض! مصر أو كما جعلنا لمحبته مكاناً في طلب الملك جعلنا له مقرّآ فيها أو ومثل ذلك الأنعام بتقريبه، وانجائه وجملة يتبوّأ حال من يوسف ﵊، ومنها متعلق بيتبوّأ وحيث ظرف له، وقيل مفعول به، وقيل حال وضمير يشاء ليوسف ﵊، ويجوز أن يكون لله ففيه التفات، وعلى قراءة ابن كثير لله. قوله: (في الدنيا والآخرة) عممه، وهو الظاهر لقول سفيان المؤمن يثاب على حسناته في
الدنيا، والآخرة والكافر يعجل له الخير في الدنيا، وتلا هذه الآية كذا قيل، ولا دلالة في كلام سفيان ﵀ عليه لأنه مأخوذ من مجموع الآية، ولذا ذكره الزمخشريّ أيضا، وكذا عمم في الدّي بعده بقوله عاجلا، وآجلا والزمخشريّ خصه بالدنيا ليكون ما بعده مصرحا فيه بأجر الآخرة فيكون تأسيساً، وأمّا ذكر المتقين فتخصيصهم بالخيرية لا بالأجر مطلقا، وقيل التخصيص بالذكر لا يقتضي الاختصاص فما قيل إنه لا داعي له لا داعي له، وقوله لعظمه، ودوامه متعلق بقوله خير، وقوله برقابهم بأن يملكهم، وهو مما كان يصح في شرعهم وقوله فأعتقهم، والحكمة إظهار قدرته وكرمه، وانقيادهم بعد ذلك لأمره حتى يخلص إيمانهم، ويتبعوه فيما يأمرهم به فلا يقال ما الفائدة في تحصيل ذلك المال العظيم، ثم إضاعته، والميرة بكسر الميم، وسكون الياء التحتية، والراء المهملة طعام يمتاره الإنسان أي يجلبه من بلد إلى بلد أخرى، وكنعان بلاد معروفة سميت باسم بانيها، وهو من أولاد نوح ﵊ كما مرّ في سورة هود وذكره توطئة لما بعده من تفسير الآية. قوله: (أي عرفهم يوسف ﵊ ولم يعرفوه لطول العهد) أي إنّ يوسف يرو عرفهم من غير تعرف لعدم المانع منه كما كان لهم لأنهم لم يعرفوه لهذه الأمور، وقال الحسن ﵀ ما عرفهم يوسف حتى تعرّفوا له، وقد كان كثير الفحص عنهم، وهم لم يعرفوه لأنه ﵊ أوقفهم موقف ذي الحاجات بعيداً منه، وكلمهم بالواسطة، ولم يكتف بطول العهد لاشتراكه معهم فيه، وقوله ونسيانهم إياه قيل الأظهر أن يقول، ولم يعرفوه لنسيانهم إياه بطول العهد، ويجعل النسيان معللاً بطول العهد وما عطف عليه، والأمر فيه سهل. قوله: (أصلحهم بعدتهم وأوقر ركائبهم بما جاؤوا لآجله (قال الراغب: الجهاز ما يعد من متاع وغيره والتجهيز حمل ذلك وبعثه، وضرب البعير بجهازه إذ ألقاه في رحله، والركائب جمع ركاب أو ركوبة، وهي الإبل المعذة للحمل، والركوب، والوقر بالكسر الحمل الثقيل، والجهاز الذي جاؤوا له الطعام والميرة، والجهاز بالفتح، والكسر للميت، والعروس، والمشافر ما يحتاج إليه. قوله: (ائتوني بأخ لكم (لم يقل بأخيكم تنكراً منهم فكأنه لا يعرفه، ولو أضافه اقتضى معرفته لإشعار الإضافة به، وقوله روي الخ. قيل يضعفه بهت إخوته بجعلهم جواسيس فلعله بوحي، والعيون جمع
عين وهو الجاسوس، وقوله فاقترعوا أي فعلوا القرعة ليتعين من خرجت له لكونه رهينة، ولم يقل في شمعون، وكان أحسنهم رأيا كما في الكشاف لأنه ينافي قوله سابقا إن يهوذا أحسنهم رأيا، وان وفق بينهما، ومراده من ذكر الرواية بيان سبب طلبه لأخيه منهم، وما فسر به ائتوني بأخ الآية تغ فيه الزمخشري وغيره، وقال ابن المنير رحمه الله تعالى إنه غير صحيح لأنه إذا ظنهم جواسيس كيف يطلب منهم واحداً من إخوتهم، وما في النظم يخالفه، وأطال فيه، وليس بشيء لأنهم لما قالوا له أنهم أولاد يعقوب ﵊ طلب أخاهم، وبه يتضح الحال. قوله:) ألا ترون الخ) تحريض لهم على الإتيان به وقوله فلا كيل أي في المرة الأخرى إيعاد لهم على عدم الإتيان به، وللضيف متعلق بالمنزلين والنزل الضيافة، وقوله ولا تقربوني إشارة إلى أن الياء محذوفة، والنون نون الوقاية، وأنّ المراد منه عدم
стр. 1651
دخول دياره، وقوله معطوف على الجزاء يحتمل عوده إلى الثاني فعلى الأوّل يكون مستأنفا لئلا يلزم عطف الإنشاء على الخبر، ويحتمل عوده إليهما، والعطف مغتفر فيه لأنّ النهي يقع جزاء، وأمّا كونه نفيا بمعنى النهي فخلاف الظاهر، ولا داعي حينئذ لحذف نونه فلذا لم يذكره المصنف رحمه الله تعالى، وان ذكره في الكشاف وقوله سنجتهد الخ لما مرّ بيانه. قوله:) ذلك لا نتوانى قيه) يعني مفعوله ذلك، وهو إشارة إلى المراودة المفهومة من الفعلى أو الإتيان به فيكون ترقيا إلى الوعد بتحصيله بعد المراودة، وعبروا بالفاعل الدالّ على تحققه لأنه كما في الكشاف فسر بأنا لقادرون عليه لا نتعايا به أو إنا لفاعلون ذلك لا محالة لا نفزط فيه ولا نتوانى يعني أنه إفا للحال فيكون بمعنى القدرة لأنهم ليسوا بمراودين في الحال، ولا نتعايا بمعنى لا نعجز، وامّا بمعنى الاستفبال فيكون تأكيدأ للوعد، وكلام المصنف رحمه الله تعالى يحتملهما، ومنهم من خصه بالثاني، وقيل إن قوله وقال لفتيته قبل تجهيزهم ففيه تقديم، وتأخير ولا حاجة إليه، وقوله جمع فتى أي جمع قلة، وقد مرّ أنه قيل إنه اسم جمع. قوله: اليوافق قوله اجعلوا الخ)
لأنّ الرحال جمع كثرة، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد فينبغي أن يكون مقابله صيغة جمع الكثرة، وهم كانوا أحد عشر أو اثني عشر وعلى القراءة الأولى يستعار أحد الجمعين للاخر، وأدما بضم الهمزة، وفتحها جمع أدم، وهو الجلد المدبوغ. قوله: (وإنما فعل ذلك ثوسيعاً الخ) أي جعل بضاعتهم في رحالهم لما ذكر، وقيل لأنّ ديانتهم تحملهم على العود ليعطوا ثمن ما أخذوه أوّلاً لاحتمال أنه لم يقع قصداً أو قصدا للتجربة، ويؤيده ما بعده. قوله: (لعلهم يعرفون حق ردّها) يعني إن أبقى لعل على ظاهرها ففي الكلام مضاف مقدر، وهو حق ردّها بخلاف ما إذا جعل بمعنى لكي فإنه حينئذ لا يحتاج إلى تقدير فإنّ المقصود من وضعها في الرحال أن يعرفوها ويعودوا لردّها. قوله: (لعل معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرجوع) إشارة إلى أنّ هذا مسبب عما قبله وأنّ رجوعهم بسبب معرفتها أو معرفة حق رذها، وأنه وكل ذلك إلى فهم السامع، وقيل رجع هنا متعد والمعنى يرجعونها أي يردّونها. قوله: (حكم بمنعه بعد هذا الخ الما رجعوا إلى أبيهم بادروا إلى الشروع في طلب إرسال أخيهم معهم، وأوّل منع بحكم مجازا لا كناية لأنه لم يقع، والحكم بقوله لا كيل لكم، وقيل إنه على حقيقته، وأنّ المراد منع من أن يكال لأخيهم الغائب حمل آخر ورد بعيره غير محمل بناء على رواية أنه لم يعط له، وسقا بدليل قراءة يكتل بالتحتية. قوله: (نرفع المانع من الكيل ونكتل الخ) قيل إنه يريد أنه جاء بآخر الجزاءين مرتبا دلالة على أوّلهما مبالغة، وقيل إن هذا جواب الأمر فوضع موضع نكتل لأنه لما علق المنع على الكيل بعدم إتيان أخيهم كان إرساله رفعا لذلك المانع فوضعه موضع نكتل لأنه المقصود، ووزن نكتل نفتل، وأصله نكتيل بوزن نفتعل، ولذا خطئ المازني ﵀ لما سئل عنه فقال وزنه نفعل. قوله: (على إسناده إلى الأخ الني) في الكشاف قرئ يكتل بمعنى يكتل أخونا فينضم اكتياله إلى اكتيالنا أو يكن سببا للاكتيال فإن امتناعه بسببه يعني أنه يحتمل أن يراد اكتيال الأخ فيكون حقيقة، وأن يراد مطلق الاكتيال فيكون إسناده إلى الأخ مجازاً لأنه سببه كذا قال الشارح العلامة رحمه الله تعالى وتبعه من أرجع عبارة المصنف رحمه الله تعالى إلى الوجهين، وكأنّ نسخته أو يكتل بعطفه بأو
الفاصلة لا بأي التفسيرية، وعلى النسخة الثانية قيل إن كلام المصنف رحمه الله تعالى إشارة إلى الردّ على من قال المراد على هذه القراءة اكتيال الأخ فقط لأنّ اكتيالهم ملحوظ أيضاً كيف لا وقد قال يوسف ﵊ فلا كيل لكم، وقالوا لأييهم ﵊ منع منا الكيل ولم يذكر ما في الكشاف من المجاز لأت- يلزمه ترك ذكر اكتياله لنفسه، وأمّا على قراءة النون فيدخل ذلك فيه، وليس بشيء لأنه سبب لتمام الكيل أو لمجموعه فيدخل فيه على كل حال، وقد عرفت من أين نثأ كلامه فتأمّل. قوله: (هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم) حال اً ونعت مصدر محذوف شبه ائتمانه على هذا بائتمانه على ذاك، وآمنكم بالمد، وفتح الميم ورنجع النون مضارع من باب علم وآمنه، وأتمنه بمعنى
стр. 1652
والاستفهام إنكاري في معنى النفي، ولذا وقع بعده الاستثناء المفرغ، ولم يصرّح بالمنع لما فيه من المصلحة بل فوّض! أمره إلى الله، ولذا روي أنّ الله تعالى قال: وعزتي وجلالي لآرذهما عليك إذ توكلت علئ وقوله: وقد قلتم يحتمل دخوله في التشبيه لأنهم قالوا ذلك له في حقهما.
قوله:) وانتصاب حفظا على التمييز الخ) حافظا مبتدأ، ونصبه على الحكاية، ويحتمله أي التمييز خبره، والحال بالنصب معطوف على مفعول يحتمل وقوله كقوله مثال للتمييز، واعترض على الحالية بأنّ فيه تقييد الخبرية بهذه الحال ورد بأنها حال لازمة مؤكدة لا مبينة، ومثلها كثير مع أنه قول بالمفهوم، وهو غير معتبر، ولو اعتبر ورد على التمييز، وفيه نظر وقراءة خير حافظ بالإضافة قراءة الأعمش، وقراءة رذت بكسر الراء بنقل حركة الدال إليها كما في قيل ونحوه من المعتل وقوله ماذا نطلب فما استفهامية مفعول مقدم لنبغي وقوله هل من مزيد إشارة إلى أن الاستفهام في معنى النفي أي لا مزيد على ما فعل لأنه أكرمنا، وأحسن مثوانا بإنزالنا عنده ورذ الثمن علينا والقصد إلى استنزاله عن رأيه. قوله: (أو لا نطلب وراء ذلك الخ) يعني ما إما استفهامية، ونبغي بمعنى نريد ونطلب أو نافية، ونبغي بهذا المعنى أيضاً ومفعوله محذوف، وقوله وراء بمعنى غير مجازاً أو هو من البغي بمعنى مجاوزة الحدّ، وبقال بغى عليه إذا كذب، والمراد لا نكذب، وقيل المعنى ما نطلب بضاعة أخرى. قوله: (ولا نتزيد فيما حكينا لك)
مضارع من التزيد على وزن التفعل، وفي نسخة لا نزيد على أنه مصدر منه مبنيّ مع لا، والمعنى لا نكذب قال أبو علي يقال تزيد في الحديث إذا كذب فما قيل إنه لا احتمال لكذبهم رأسا، ولذا نفي الزيادة لا وجه له، وقوله أي شيء فما استفهامية، وجوّز فيها أن تكون تامّة على هذه القراءة أيضا. قوله:) استئناف موضح لقوله ما نبغي) أي على جميع المعاني السابقة في قوله ما نبغي، وإنما الكلام فيما بعده. قوله: (معطوف على محذوف الخ (أي هو، وما بعده لا على جملة ما نبغي لاختلافهما خبرية، وانشائية مع عدم الجامع، والمعطوف عليه تقديره هذه بضاعتنا نستظهر بها أي نستعين، ونتقوّى بها على معاشنا، وقيل عليه أنّ الاستفهام هنا راجع إلى النفي، واجتماع هذين القولين في الوجود واتحاد القائل، والغرض، وهو استنزال يعقوب ﵊ عن رأيه يكفي للجامعية، ووسق بفتح فسكون بمعنى ما يحمله، وعن الخليل ﵀ الوسق حمل البعير والوقر حمل البغل والحمار، ولعله أغلبيّ، وقوله باستصحاب أخينا لأنه كان يعطي لكل واحد وسقاً كما مرّ. قوله: (هـ! ذا إذا كانت) أي ما استفهامية، وهذا إشارة إلى تعين العطف على محذوف، وقوله احتمل ذلك أي العطف على محذوف وهو جار فيما إذا كان البغي بمعنى الطلب أو الكذب، وقوله لا نبغي فيما نقول الخ يعني اجتمع أسباب الأذن في الإرسال، وما ينبغي كالتمهيد والمقدمة للبواقي، والتناسب من حيث تشارك الكل في توقف المطلوب عليها بوجه ما مصحح للعطف مع أن الاجتماع في القولية كاف، واعترض على المصنف رحمه الله تعالى بأن كلامه يشعر باختصاص العطف على ما نبغي بكونه بمعنى الكذب، ولا وجه له، وعلى كونه بمعنى الكذب جملة، وغير تذييلية اعتراضية كقوله فلان ينطق بالحق، والحق أبلج هذا محصل ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وقرّره من كتب عليه، والذي في الكشاف فإن قلت هذا إذا فسرت البغي بالطلب، وأما إذا فسرته بالكذب، والتزيد في القول كانت الجملة الأولى، وهي قوله هذه بضاعتنا الخ بيانا لصدقهم، وانتفاء التزيد عن قيلهم فما تصنع بالجمل البواقي قلت أعطفها على قوله ما نبغي على معنى لا نبغي فيما نقول،. وغير أهلنا، ونفعل كيت وكيت، ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ كقولك وينبغي أن نمير أهلنا كما تقول سعيت في حاجة فلان، واجتهدت في تحصيل غرضه، ويجب أن أسعى، وينبغي لي أن لا أقصر، ويجوز أن يراد ما نبغي وما ننطق إلا بالصواب فيما نشير به عليك من تجهيرنا مع أخينا، ثم قالوا هذه بضاعتنا نستظهر بها، وغير أهلنا ونفعل، ونصنع بيانا لأنهم لا يبغون في رأيهم، وأنهم مصيبون فيه، وهو وجه حسن واضح اهـ وهو دائر
على جعله بمعنى الطلب والكذب، وكون هذه الجمل بيانا أو غير بيان، ولا تعلق له بالنفي والاستفهام الذي ذكر. المصنف، ولذا قال العلامة في شرحه: تقدير السؤال إن قوله ما نبغي إذا فسر بلا نطلب شيئا زائداً
стр. 1653
على ما حصل لنا فمن الظاهر أنّ الجمل المذكورة بعده بيان له، وأفا قوله: ﴿نَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ الخ. فما موقعها فأجاب بثلاثة أجوبة، وتحرير الجواب الأخير أنهم كما تكلموا في فضل الملك، واحسانة تكلموا في تجهيزهم مع أخيهم وتلك الجمل إنما لا تصلح أن تكون بيانا لقولهم ما نبغي بمعنى لا نكذب لو كان المراد به الصدق في فضل الملك أمّا إذا أريد به الصدق في التجهيز صحت لبيانه، وهو ظاهر اهـ فبين الكلامين بون بعيد، والشراح لم يوضحوه وهو محل نظر، وتأمّل فتدبره. قوله: (استقلوا ما كيل لهم فأرادوا أن يضاعفوه بالرجوع إلى الملك الخ) يعني أنه من كلام الأخوة لاتصاله بما حكي عنهم، والكيل مصدر بمعنى المكيل، والمراد به ما كيل لهم أوّلاً أي أنه غير كاف لنا فلا بد لنا من الرجوع مرة أخرى، وأخذ مثل ذلك مع زيادة، ولا يكون ذلك بدون استصحاب أخينا أو الإشارة إلى كيل البعير الزائد على مكيلهم، وأنّ يوسف ﵊ لا يأباه أو هو من كلام يعقوب ﵊، وذلك إشارة إلى الكيل الزائد كما مرّ نظيره في قوله ذلك ليعلم لكن على هذا كان الظاهر تقديمه، وذكره مع مقوله أو تأخيره عن قوله قال ولكونه خلاف الظاهر أخره المصنف رحمه الله تعالى قيل، ولو قال ويزدادوا بالواو ليكون مع ما قبله وجها واحداً كان أحسن واستقلال عشرة أحمال، وتكثيرها بحمل واحد بعيد، وليس بشيء، وقوله جواب القسم أي الذي تضمنه الكلام ولداً قرن باللام قوله: (حتى تعطوني ما أتوثق به من عند الله) يعني أنّ الموثق مصدر ميمي بمعنى المفعول، وقوله عهداً الخ يعني الحلف بالله بدليل قوله لتأتنني به فإنه جواب قسم مضمر أي تحلفون به وتقولون، والله لنأتينك به. قوله: (١ لا أن تغلبوا فلا تطيقوا ذلك الخ (يعني أنه استعارة كقولهم أحيط بفلان إذا قرب هلاكه، وأصله من أحاط به العدوّ إذا سذ عليه مسالك النجاة، ودنا هلاكه فقيل كل من هلك أو غلب أحيط به، وأوفى كلام المصنف للتقسيم، والتنويع أي إلا أن لا تقدروا على الدفع، وذلك إمّا بالغلبة التامّة أو الهلاك، والأوّل تفسير قتادة، والثاني تفسير مجاهد، والمصنف رحمه الله تعالى جمع بينهما لأنّ المراد منهما عدم القدرة على الدفع فلا يرد عليه أنه يلزم على الثاني كونهم خائنين إذ لم يأتوا به من غير أن يهلكوا جميعاً، وأنه لا وجه للقسم بهذا مع احتمال أن يغلبوا فلا يأتوا به،
وان لم يهلكوا فالوجه هو الأول. قوله: (وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال الخ (قال أبو البقاء وردّ بأنّ المصدر من أن والفعل لا يقع موقع الحال كالمصدر الصريح فيجوز جئتك ركضاً أي راكضا ولا يجوز جئتك أن أركض وان كان في تأويله لأنّ الحال يلزمها التنكير، وأن مع ما في حيزها معرفة في رتبة المضمر ورد بأنه ليس مراده بالحال الحال المصطلح يعني أنه أراد في كل حال إلا في حال الإتيان وهذا أيضا مبنيئ على جواز نصب المصدر المؤوّل على الظرفية كالصريح في نحو أتيتك خفوق النجم، وصياج الديك، وللنحاة فيه خلاف فهو أهون الشرّين، وفيه تأمّل. قوله: (أو من أعم العلل على أن قوله لتأتنني به في تأويل النفي الخ (أورد عليه أن ظاهره أنّ الاستثناء إذا كان من أعمّ الأحوال لا يحتاج إلى تأويله بالنفي مع أنه استثناء مفرغ، وهو لا يكون في الإثبات أيضا إلا إذا صح، وظهر إرادة العموم في الإثبات نحو قرأت إلا يوم الجمعة لا مكان القراءة في كل يوم غير الجمعة، وهو هنا غير صحيح لأنه لا يمكن لإخوة يوسف ﵊ أن يأتوا ببنيامين في كل وقت وعلى كل حال سوى وقت الإحاطة بهم لظهور أنهم لا يأتون به له، وهو في الطريق أو في مصر وقد دفع بما لا يجدي، وقد يقال إنه من هذا القبيل، وأن العموم والاستغراق فيه عرفيئ أي في كل حال يتصوّر الإتيان فيها أو يقال إنّ قوله في تأويل النفي قيد لما قبله من الوجهين، وتصويره في الوجه الأخير لقربه لا لاختصاصه به فذكر أحدهما ليقاس عليه الآخر. قوله:) كقولهم أقسمت بالله إلا فعلت) قال ابن هشام إذا وقع بعد الأفعل تصيد من لفظه اسم يكون هو المستثنى في المعنى فقال سيبويه مصدر، وقال المبرد اسم مشتق والأوّل أولى لقوّة دلالة الفعل على مصدره بالاشتقاق فإن كان قبل إلا نفي ظاهر فالكلام على ظاهره، وإن كان إثباتا أوّل بالنفي لأنه استثناء مفرغ من متعلق الفعل العامّ إمّا من مفعوله العائم أو من أحواله المقدّرة، والمفرغ لا يكون إلا بعد النفي ليفيد مثال الأوّل ما يقوم
стр. 1654
زيد إلا ضحك، وما يقوم إلا بكى تقديره عند سيبويه ﵀ ما يقوم على حال إلا الضحك، وعند المبرد ما يقوم إلا ضاحكا والمعنى عليهما واحد، ومثال الثاني نشدتك الله إلا فعلت، وأقسمت عليك إلا فعلت أي ما أطلب إلا فعلك، وما أسألك إلا فعلك لأن نشد بمعنى سأل وطلب، ومثله في تأويله بالنفي لتأتنني به إلا أن يحاط بكم أي لا تمتنعن من الإتيان به لعلة من العلل إلا لعلة الإحاطة أو في كل زمان إلا زمان الإحاطة فهو استثناء من عام إمّ عام في العلل أو الأزمان أو الأحوال، والاستثناء الذي هو كذلك لا يكون إلا في النفي لفظاً أو حكما، وقال ابن يعيش إنما جاز وتوع فعلت في قولك أنشدك الله إلا فعلت من حيث كان دالاً على مصدره كأنهم قالوا ما أسألك إلا فعلك، ونظيره قوله:
وقالوا ما تشاء فقلت ألهو
إذ أوقع الفعل موقع المصدر لدلالته عليه، وعلل الأخفش وقوع الفعل بعدا لا بأنه كلام
في معنى الشرط فأشبه الشرط فلذا وقع بعده الفعل ألا ترى أنّ معنى لا يصيبهم ظمأ إلا كتب لهم إن أصابهم ذلك كتب لهم. قوله: (رقيب مطلع) فسره به لأنّ الموكل بالأمر يراقبه، ويحفظ، والمراد مجاز عليه، وقوله لأنهم الخ تعليل للنهي وبيان لحكمته، والأبهة بضم الهمزة، وتشديد الباء المفتوحة بمعنى المهابة، والرواء ولا يناسب تفسيرها بالكبر هنا، وإنما ضم اشتهارهم لذلك توطئة لما سيأتي من تخصيص التوصية بالمرّة الثانية، وكوكبة بمعنى جماعة أي مجتمعين، ويعانوا مجهول من عانه إذا أصابه بالعين كركبه إذا أصاب ركبته. قوله: (ولعله لم يوصهم في الكرّة الأولى لأنهم كانوا مجهولين الخ) قيل عليه إن تعبيره بلعل يقتضي أنه من بنات أفكاره مع أنه مسبوق بالوجه الأوّل، وكونه بالنظر إلى الوجه الثاني بعيد، ومن تتبع كلامه وجده يعبر بلعل كثيرا فيما سبق إليه، وإنما يعبر به فيما يكون تأويلا غير منقول عن السلف تأدبا لئلا يجزم بأنه مراد الله. قوله: (وللنفس آثار منها العين الخ الو استدل بقوله ﷺ : " العين حق " فإنه حديث متفق عليه لكان أولى، وفيه أيضاً العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا وأخذ الجمهور بظاهره، وأنكره بعض المبتدعة وزعم بعض أهل الطبائع أنه تنبعث من عينه قوّة سمية تؤثر فيما نظره، وهل هو مجرّد تلك القوّة حتى يرد بأنّ العرض! لا يؤثر أو بأجزاء سمية لطيفة تنفصل من عينه لكنها لا ترى أو بخلق الله تعالى ذلك عند نظره من غير انفصال، واختلف هل يجب على العائن أن يغتسل بماء، ثم يعطي الماء للمعيون ليغتسل به كما فصله في نهاية الحديث فقال المأزري يجب، ويجير عليه لظاهر الحديث، ولأنه جرّب وعلم أنّ البرأ به ففيه تخليص من الهلاك كإطعام المضطر، وفي شرح مسلم عن القاضي أنه ينبغي للإمام منعه من مخالطة الناس، ولزوم بيته فإن كان فقيراً رزقه من بيت المال ما يكفيه، وله تفصيل في كتاب الروح، وقوله منها العين الخ العين هنا بالمعنى المصدري، وهو مصدر عانه يعينه عيناً إذا أصابه بنظره، وقال الإمام تأثير النفس مبنيّ على قواعد الفلسفة فإنهم قالوا ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات
المحسوسة من الحرارة، والرطوبة، وضدهما بل قد يكون التأثير نفسانيا محضا ألا ترى الإنسان يمشي على خشبة غير عريضة فإذا ارتفعت لا يقدر على ذلك، وأنه إذا غضب أو خاف سخن بدنه فإذا جاز أن يتأثر بدنه لم يبعد تعدي أثره للغير، وقال الجاحظ: إنّ العين بانفصال أجزاء سمية من عينه تتصل بما استحسنه لأنه يطلب إزالة ما يستحسن به كما قاله البلخي: قيل وهو منظور فيه، والحق عند أهل السنة أنه لا تأثير للعين حقيقة بل المؤثر إنما هو الله عند رؤية ذلك المستحسن، ولا مانع من كون فعل الله مبنياً على أسباب خلقها في العين فقوله إنّ المصنف رحمه الله تعالى تبع الفلاسفة غير مسلم. قوله:) في عوذته الخ) العوذة بضم العين، وبالذال المعجمة كالرقية لفظاً، ومعنى وهذا الحديث رواه البخاري وأصحاب السنن الأربعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي رسول الله ﷺ كان يعوّذ الحسن والحسين فيقول: " أعيذكما بكلمات الله التامّة من كل شيطان وهامّة ومن كل عين لائة، ويقول إن أباكما إبراهيم كان يعوذ بهما إسماعيل، واسحق عليهم الصلاة والسلام " قال ابن الأثير: الهافة واحدة الهوامّ وهي الحيات، وكل ذي سمّ يقتل، وما لا يقتل، وشممّ هو السوامّ جمع سامة كالزنبور، وتطلق الهوامّ على كل
стр. 1655
ما يدب من الحيوان، واللامة ذات اللمم وهو الضرر من ألم، ولم يقل ملمة للازدواج، والمشاكلة بهامة ويجوز أن يكون على ظاهره من لمه بمعنى جمعه أي جامعة للشرّ على المعيون. قوله: (مما قضى عليكم الخ) تفسير لقوله من الله ففيه مضاف مقدر أي قضاء الله، وقوله بما أشرت يعني قوله: ادخلوا من أبواب الخ وهو متعلق بأغنى، وقوله فإنّ الحذر هو من حديث رواه أحمد والحاكم والبزار " لا يغني حذر من قدر ". قوله:) يصيبكم لا محالة إن قضى عليكم سوءا (فاعل يصيبكم ضميريعود إلى قوله ما قضى عليكم، ويصلح أن يعود على سوءأ على التنازع فيه، وقوله ولا ينفعكم ذلك أي ما وصيتكم به فحينئذ فائدة التوصية احتمال أنه قضاء غير مبرم بل معلق بشرط ولهذا يسعى العبد، ويجتهد مع العلم بأن المقدر كائن، ويحتمل أن الأوّل جار على هذا، وقوله إن الحكم إلا لله إشارة إلى مرتبة الخواص في التفويض التام. قوله:) جمع بين الحرفين (يعني الواو والفاء، وقوله لتقدم الصلة
بيان لمصحح الجمع، وقوله للاختصاص علة للتقدّم يعني إنّ قصد الاختصاص أوجب تقديم الصلة عليه، وقد دخل عليها العاطف فلما قصد تسبب توكلهم على توكله لأنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مقتدى بهم وجب دخول الفاء لبيان التسبب لا للعطف ولو قيل فعليه لتتوكلوا أفاد تسبب الاختصاص لا أصل التوكل، وهو المقصود وفيه نظر، وقوله كأنّ الواو الخ. اعتذار عنه بعدم توالي عاطفين في جملة، وبيان لفائدة اجتماع الحرفين، ولم يجزم به لاحتمال أن يعطف على مقدر أو أن يكون جواب شرط مقدر أو متوهم، ولا بد من القول بزيادة الفاء وافادتها السببية، ويلتزم أنّ الزائد قد يدل على معنى غير التوكيد، وفيه ما فيه. قوله: (أي من أبواب متفرّقة) فحيث للمكان، ويلزمه كونهم متفرّقين فلذا فسره الزمخشري به لا أنه جعله بمعنى الجهة كما قيل وقوله، واتباعهم له هو دخولهم متفرّقين المذكور قبله، ولذا زاده هنا ولم يذكره أوّلاً، وقد قيل إنّ العين دفعت عنهم، وهو المراد من رأيه لدفع عين الكمال فكيف قيل إنه لم يغن عنهم شيئاً، وأجيب بأنه أراد بدفع العين أنه لا يمسهم سوء ما وإنما خصت إصابة العين لظهورها، وأما ادعاء أنّ هذا من العين أيضا فقد تخلف ما أراده عن تدبيره فتكلف، والظاهر أنّ المراد أنه خشي عليهم شر العين فأصابهم شز آخر لم يخطر بباله فلم يفد دفع ما خافه شيئاً كما في المثل قد أخاف عليه لآخر، واستدل بهذه الآية على أنّ لما حرف جواب إذ لو كانت ظرفاً عمل فيها جوابها، وهو ما كان، وما النافية لا يتقدم معمول ما في حيزها عليها، ولذا قيل إنّ جوابها محذوف كامتثلوا وقضوا حاجة أبيهم، وقيل آوى جواب للما الأولى، والثانية ومن في من شيء زائدة في الفاعل أو المفعول، وسرّقوا مجهول مشذد بمعنى نسبوا للسرقة. قوله: (اسثشاء منقطع الخ) وذكر الطيبي أنه يجوز أن يكون متصلاً على حد قوله:
ولا عيب فيهم غيرأنّ سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
أي ما أغنى عنهم ما وصاهم به يعقوب ﵊ شيئا إلا شفقته التي في نفسه عليهم، والشفقة لا تغني شيئا مع ما قدره الله، وجملة قضاها صفة حاجة على هذا وعلى كونه منقطعاً، ويجوز أن يكون خبر إلا لأنها بمعنى لكن وهي يكون لها اسم، وخبر فإذا أوّلت بها
قد يقدر خبرها، وقد يصرح به كما نقله الطيبي ﵀ عن ابن الحاجب وفيه إنّ عمل الا بمعنى لكن عملها لم يقله أهل العربية، والشفقة الترحم ورقة القلب ولذا صرح باسم يعقوب ﵊ لاشتهاره بالحزن، والحرازة بفتح الحاء، والراء المهملة والزاي المعجمة بمعنى الاحتراز وفسر قضاها بالإظهار والتوصية لأنه الواقع فقط. قوله: (على الطعام أو في المنزل (هما روايتان عن السلف، ولذا عطف بأو مع عدم المانع عن الجمع بينهما كما صرح به في الرواية المذكورة، وقوله أتحب الخ لم يذكر أنه صرّح به بأنه أخوه حقيقة كما روي لاختلافهم فيه فاقتصر على المتفق هنا، وقوله مثنى مثنى كما وقع في الحديث صلاة الليلى مثنى مثنى، وقد قيل فيه إنّ مثنى بمعنى اثنين وقيل بمعنى اثنين اثنين فيكون الثاني تأكيدا، وكون بنيامين وحيد الأجل أن يضمه إليه، وقوله أن أكون أخاك أراد الأخوة الحقيقية، وبنيامين حملها على غيرها لعدم علمه به، وقوله افتعال من البؤس قال
стр. 1656
الراغب البؤس والبأس، والبأساء الثدة، والمكروه لكن البؤس كثر في الفقر والحزن، والمراد الثاني كما ذكره المصنف ﵀. قوله:) في حقنا الخ (أي من الحسد، وصرف وجه أبينا وتفسير تبتئس بتخف الحسد بإقبالي عليك يأباه كان ظاهراً، والمشربة بكسر الميم ما يشرب به الماء، وأما المشربة بفتح الميم فهو بمعنى الغرفة كما في شرح الكشاف، وهو القياس، وقد نقل في الأوّل الفتح لكونه محلا للماء المشروب، وقوله صاعاً أي مكيالاً والصاع يطلق عليه وعلى ما فيه، وقوله على حذف جواب فلما وقيل الواو زائدة. قوله: (ثم اذن مؤذن نادى مناد) تبع فيه الزمخشري، وأورد عليه أنّ النحاة قالوا لا يقال قام قائم لأنه لا فائدة فيه، وأجيب بأنهم أرادوا أن ذلك المنادي من شأنه الأعلام بهذا بمعنى أنه موصوف بصفة مقدرة تتم بها الفائدة أي أذن رجل معين للأذان فتأمل. قوله: (لعله لم يقله بأمر يوسف ﵊ (يعني نسبة السرقة إليهم غير واقعة فهي كذب لا تليق بيوسف ﵊، ولا بالنبوة والملك، والتعبية
جعل شيء في أثقاله وأحماله، وكونه برضا بنيامين قيل عليه أنه لا يدفع ارتكاب الكذب، وإنما يدفع تأذي أخيه منه إلا أن يقال إذا تضمن لكذب مصلحة رخص فيه وأمّا سرقة يوسف ﵊ لخى التأويل أي أخذتم يوسف ﵊ من أبيه على وجه الخيانة كالسرّاق، واختير هذا على وجه التورية، وقيل المعنى على الاستفهام أي أئنكم لسارقون، ولا يخفى بعده فهو في عبارة المصنف ﵀ أئنكم بهمزتين، ومن لم يعرفه اعترض بأنه مكرر لعلمه مما قبله. قوله:) والعير القافلة وهو اسم الإبل التي عليها الأحمال (وأصل معنى قافلة راجعة أي طائفة راجعة من السفر فأطلقت على الذاهبة تفاؤلاً، والعير من عار بمعنى تردد اًي جاء وذهب، وهو اسم جمع للإبل لا واحد له فأطلق على أصحابها. قوله:) كقوله ﵊: " يا خيل الله اركبي " (وهو من أحسن المجاز وألطقه كما في الآية، والخيل في الأصل الإفراس، وششعمل للفرسان، والحديث الصحيح مروقي عن سعيد بن جبير وضي الله عنه وروي في سيرة ابن عائذ عن قتادة ﵁ أن النبيّ رسول الله ﷺ بعث مناديا ينادي يوم الأحزاب يا خيلى الله اركبي، وأخرجه العسكركما في الأمثال عن أن! بن حارثة بن النعمان أنه قال للنبيّ رسول الله ﷺ ادع الله لي بالشهادة فدعا له فنودي يا خيل الله اركبي فكان أوّل راكب وأؤل فارس استشهد ﵁، وفي الآية، والحديث مجاز أو تقدير لكن في الآية نظر إلى المعنى المراد بقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ ولم ينظر إليه في الحديث إذ قيل اركبي دون اركبوا. قوله: (وقيل جمع عير (بفتح العين وسكون الياء، وهو الحمار، وعلى هذا أصله عير بضم العين، والياء فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، ثم كسرت العين لثقل الياء بعد الضمة كما فعل في بيض جمع أبيض، وقوله تجوّز به لقافلة الحمير مخالف لما في الكشاف حيث قال وقيل هي قافلة الحمير، ثم كثر حتى قيل لكل قافلة عير فتأمله. قوله: (أيّ شيء ضاع منكم والفقد غيبة الشيء الخ) إشارة إلى أنّ ماذا في محل نصب بتفقدون قال الراغب: الفقد عدم الشيء بعد وجوده فهو أخص من العدم فإنه يقال له، ولما لم يوجد أصلا، والتفقد والتعهد بمعنى لكن حقيقة التفقد تعزف فقدان الشيء، والتعهد تعرف العهد المقدم، وما ذكره حاصل المعتى، وماذا تقدم الكلام فيها، وقوله والفقد غيبة الشيء مخالف لما ذكرناه لكنه فسره به لأنه المناسب للحال، وجعله بمعنى الغيبة على أنه مصدر المجهول أو أريد به الحاصل بالمصدر
فلا يرد عليه أنّ الفقد العدم أو طلب ما غاب، وما ذكره المصنف ﵀ ليس بشيء منهما، وقوله إذا وجدته فقيداً فالأفعال للوجدان، وهو أحد معانيه، وجملة أقبلوا حالية بتقدير قد. قوله: (وفرئ صاع وصوع بالفتح والضم الخ) والعين يذكر ويؤنث، وقراءة العامة، وهي التي بنى عليها المصنف رحمه ألله كلاه أوّلاً صواع بوزن غراب والعين المهملة، وقراءة ابن جبير والحسن كذلك إلا أنهما أعجماه، وقرئ صواع بكسر الصاد، وقرئ صاع ففيه ثمان قرا آت، والمتواتر منها واحدة، وهي الأولى، وقوله وصواغ من الصياغة أي قرئ بالألف والضم، والإعجام، وكذا القرا آت على الأعجام كلها من الصياغة، وعلى قراءة صوغ بالفتح فهو مصدر أريد به
стр. 1657
المصوغ. قوله:) جعلا له (الجعل بالضم ما يعطى للشخص في مقابلة عمله، والجعالة بتثليث الجيم الشيء الذي يعطى، ومعنى لمن جاء به من دل على سارقه، وفضحه أو من أتى به مطلقا، ولو كان السارق نفسه، ويناسبه قول المصنف ﵀ أؤذيه إلى من رذه، وهو بمهمزتين بمعنى أعطيه من الأداء، وليس فيه أنّ الرّاد له هو من علم أنه سرقة حتى يقال إنه دفع لما قيل إنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئاً على رذ السرقة فلعله جائز في ديتهم.
قوله:) وفيه دليل على جوارّ الجعالة وضمان الجعل قبل تمام العمل (استدل بهذه الآية
عاقة مشايخنا ﵏ على جواز تعليق الكفالة بالشروط كما في الهداية، وشروحها لأنّ مناديه علق الالتزام بالكفالة بسبب وجوب المال، وهو المجيء بصواع الملك، ونداؤه بأمر يوسف، وشريعة من قبلنا شريعة لنا إذا مضت من غير إنكار، وأورد عليه أمران أحدهما ما قاله بعض الشافعية من أن هذه الآية محمولة على الجعالة لمن يأتي به لا لبيان الكفالة قهو كقول من أبق عبده من جاء به فله عشرة دراهم فلا يكون كفالة لأن الكفالة إنما تكون إذا التزم عن غيره، وهنا قد التزم عن نفسه الثاني أنّ الآية متروكة الظاهر لأنّ فيها جهالة المكفول له، وهي تبطل الكفالة، وأجيب عن الأؤل بأنّ الزعم حقيقة في الكفالة، العمل بها مهما أمكن واجب فكان معناه قول المنادي للغير أنّ الملك قال لمن جاء به حمل بعير، وأنا به زعيم فيكون ضامنا عن الملك لا عن نفسه فتتحقق حقيقة الكفالة، وعن الثاني بأنّ في الآية ذكر أمرين الكفالة مع الجهالة للمكفول له، واضافتها إلى سبب الوجوب، وعدم جواز أحدهما بدليل لا يستلزم عدم جواز الآخر، وقال السكاكي إنه كان مستأجراً والمستأجر ضامن الأجرة سواء كان أصلا أم كفيلاً، وإذا كان ضامنا عن نفسه بحكم عقد الإجارة لا يكون كفيلا إذ الكفيل معناه من يكون ضامنا عن الغير فمعنى قوله أنا به زعيم أنا ضامن الأجر بحكم الإجارة لا بحكم الكفالة، وكذا قال الجصاص في كتاب الأحكام روي عن عطاء الخراساني زعيم بمعنى كفيل فظن بعض
الناس أنّ ذلك كفالة إنسان، وليس كذلك، وذلك لأنّ قائله جعل حمل بعير أجرة لمن جاء بالصاع وأكده بقوله، وأنا به زعيم أي ضامن فألزم نفسه ضمان الأجرة لرذ الصاع، وهذا أصل في جواز قول القائل من حمل هذا المتاع لموضع كذا فله درهم، وإنه إجارة جائزة وان لم يشارط رجلا بعينه، وكذا قال محمد بن الحسن في السير الكبير وفيه دلالة على صحة هذه الإجارة وان لم يقاوله باللسان، وكان حمل البعير قدراً معلوما فلا يقال إن الإجارة لا تصح إلا بأجر معلوم فإن قلت هذا يدل على الالتزام دون اللزوم، والنزاع إنما هو فيه قلت لم يذكر المصنف رحمه الله تعالى اللزوم في الجعالة بل الجواز فيها، وفي الضمان أيضاً فإن دل الضمان على لزوم ما ضمنه فهو مصرّح به في النظم لأنّ زعيم بمعنى كفيل، والكفالة ضمان فتأمّل، وفيه رذ على من قال الكفالة قبل لزوم الحق غير صحيحة. قوله: (قسم فيه معنى التعجب) أي تعجبوا من رميهم بما ذكر مع ما شاهدوه من حالهم، والتاء بدل من الباء والمشهور أنها بدل من الواو وقيل إنها أصلية، وقال الزمخشري: في غير هذا المحل الواو بدل من الباء، والتاء بدل من الواو، ويكثر استعمالها في التعجب نحو تالله تفتؤ، واختصاصها بالجلالة غير مسلم لدخولها على رلت مطلقا أو مضافا للكعبة وعلى الرحمن، وقالوا تحياتك فلعله باعتبار المقيس، واكثر. قوله: (اسش! هدوا بعلمهم على براءة أنفسهم الخ) يعني أن الكلام ليس على ظاهره باًن يحلفوا على علمهم بذلك لأنه غير معلوم لهم بل المراد بذكر علمهم الاستشهاد، وتأكيد الكلام، ولذا أجرته العرب مجرى القسم كقوله:
ولقدعلمت لتأتين منيتي إنّ المنايالاتطيش سهامها
وأنّ قوله ما كنا سارقين هو الجواب للقسم في الحقيقة لأنّ الظاهر أن حلفهم على فعلهم
لا على علم الغير وفعله فيكونون أقسموا على شيئين نفي الفساد ونفي السرقة، وقوله ما جئنا يجوز أن يكون متعلق العلم وأن يكون جواب القسم أو جواب العلم لتضمته معناه كما ذكرنا، وكعم بفتح الكاف، وسكون العين المهملة ربط فمها لئلا تعض أو تأكل وقريب منه العكم للشد، ومنه العكام وكانوا يفعلون ذلك إذا دخلوا المدينة والسرق بفتح السين المهملة، وفتح الراء وكسرها، وسكونها مصدر بمعنى السرقة. قوله:) فما جزاء السارق)
стр. 1658
جوّز في مرجع الضمير ثلاثة أوجه، وأشار إلى أنه إذا رجع للصواع، وهو الظاهر لاتحاد الضمير يحتاج إلى تقدير مضاف كسرقه، وأخذه، وإذا رجع إلى السارق لا يحتاج إلى تقدير لأنّ جزاء السارق بمعنى جزاء سرقته لأنّ الجزاء يضاف إلى الجناية، والى صاحبها مجازاً فلا وجه لما قيل إن
التخصيص بالأخير لا يظهر له وجه فتأمّل. قوله: (أي جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله (تفسير له على الوجو. السابقة، وقوله أخذ الخ إشارة إلى أنه لا بد من تقدير مضاف قبل من لأنّ المصدر لا يكون خبراً عن الذات، ولأنّ نفس ذاته ليست جزاء في الحقيقة، والمضاف المقدر إمّا أخذه أو استرقاقه أي جعله رقيقا، والمصنف رحمه الله تعالى جمع بينهما، وجعل الثاني تفسيراً للأوّل لأنه المراد بالأخذ إذ الأخذ بمجرّده ليس جزاء. قوله: (واسترقاقه) وفي نسخة سبيه كما في الكشاف هكذا كان شرع يعقوب ﵊، وكان دين الملك أن يأخذ ضعف ما سرقه بعد ضربه، وقوله أو خبر من عطف على قوله تقرير للحكم، وقوله هكذا بمعنى أنه استمرّ شرعه على هذا كما في قوله:
هكذايذهب الزمان ويفنى الى صلم فيه ويدرس الأثر
وتيل إنه كقولهم مثلك لا يبخل، وهو مبتدأ واسم كان ضميره، وشرع خبرها أو هو مرفوع اسمها، وهكذا خبرها، ولذا سألوهم ليلزموهم بشريعتهم. قوله: (خبر من والفاء لتضمنها معنى الشرط أو جواب لها الخ (يعني جزاؤه الأوّل مبتدأ، ومن إن كانت موصولة فهي مع صلتها خبره وقوله فهو جزاؤه لتقرير ذلك الحكم والزامه أي هو جزاؤه لا غيره كقولك حق زيد أن يكسى، وينعم عليه فذلك حقه أو فهو حقه لتقرّر ما ذكر من حقه، وذكر الفاء فيه لتفرّعه على ما قبله ادعاء، وإلا فكان الظاهر تركها لأنه تأكيد، ومنه يعلم أنّ الجملة المؤكدة قد تعطف لنكتة، وان لم يذكره أهل المعاني أو جملة هو جزاؤه خبرها، ودخلته الفاء لتضمه معنى الشرط، والجملة خبر جزاؤه أو من شرطية، والجملة المقترنة بالفاء جزاؤها، والشرط وجزاؤه خبره أيضاً وذكر في الكشاف وجها آخر هو أنّ جزاءه خبر مبتدأ محذوف تقديره المسؤول عنه جزاؤه ثم أفتوا بقوله من وجد في رحله فهو جزاؤه، ولخفائه تركه المصنف رحمه الله تعالى. قوله: (كما هي) أي كما كانت في الموصولية وقوله على إقامة الظاهر، وهو جزاء الثاني مقام الضمير العائد إلى جزاء الأوّل الواقع مبتدأ، وهو دفع لما أورد عليه من أنه يلزم عليه خلوّ الجملة الخبرية عن عائد إلى المبتدأ لأنّ الضمير المذكور لمن لا له فلذا جعل الاسم الظاهر، وهو الجزاء الثاني قائما مقام الضمير لأن الربط كما يكون بالضمير يكون بالاسم الظاهر وقد قال الزجاج: إنّ الإظهار هنا أحسن من الإضمار لئلا يقع اللبس، ويتوهم أنه تأكيد أو عائد إلى غيره والعرب إذا فخمت شيئاً أعادت لفظه بعينه، وهذا المقام مقام التفخيم، والتهويل فلا يرد عليه ما في البحر من أنه لا يناسب لأنه إنما يفصح إذا كان المقام مقام تعظيم كما قاله سيبويه
﵀، وقوله كأنه قيل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو كما تقول لصاحبك من أخو زيد فتقول أخوه من يقعد إلى جنبه فهو هو يرجع الضمير الأوّل إلى من، والثاني إلى الأخ، وهكذا ما نحن فيه، وقوله بالسرقة متعلق بالظالمين لا بنجزي. قوله: (فبدأ المؤذن الخ) بأوعيتهم متعلق ببدأ أي بتفتيشها ففيه تقدير مضاف، وكون الضمير للمؤذن ظاهر، وعليه فالتفتيش حيث وجدوا قبل الرذ إلى مصر، وعلى الثاني الضمير المستتر ليوسف ﵊، ولكن الظاهر أن إسناد التفتيش له مجازي، ويرجح رجوعه للمؤذن قرب سبق ذكره، ويدل على الثاني مقاولة يوسف فإنها تقتضي وقوع ذلك بعد رذه ظاهراً، وقوله وبقلبها همزة أي على الكسر فإن إبدال الوأو المكسورة همزة مطرد في لغة هذيل كوشاح وأشاج، وهذه قراءة ابن جبير وقوله مثل ذلك للإشارة إلى أنّ الإشارة لما بعده، وقد مر تحقيقه، وأنه ليس القصد فيه إلى التشبيه، وقوله نفياً للتهمة أي لتهمة أنهم دسوه فيه إذ لو بدؤوا به ربما ظن، ولا ينافي ذلك كون تأخيره عن البعض كافيا فيه، والصواع يذكر، ويؤنث، وفي الكشاف وجه آخر تركه المصنف رحمه الله تعالى لابتنائه على تعين ضمير بدأ، واستخرج ليوسف ﵊، وفيه نظر. قوله: (بان علمناه إياه وأوحينا به إليه) يعني أنّ
стр. 1659
المكر، والكيد، والخديعة إن توهم غيرك خلاف ما تخفيه، وتريده، وهو على الله تعالى محال فهو محمول على التمثيل كان صورة صنع الله في تعليمه يوسف ﵊ أن لا يحكم بحكم الملك، ويجري على سنتهم في استعباد السارق صورة الكيد إذ المقصود ليس ٤ظاهره بل إيواء أخيه إليه، وهو لا يتم إلا بهذا ولما كان قوله ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك هو عين ذلك الكيد جعله تفسيراً له مع ما بعده، وقيل إنّ في الكيد إسنادين بالفحوى إلى يوسف ﵊، وبالتصريح إلى الله تعالى، والأوّل حقيقيّ والثاني مجازيّ، والمعنى فعلنا كيد يوسف أو يحتمل أن يكون مجازا لغويا، والمعنى علمناه الكيد أو دبرناه أو صنعناه له. قوله: (أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك (بأن تدين بدين يعقوب ﵊، والمراد ما كانوا يتدينون به بكون الله أذن له فيما ذكر لا بجعله من دين الملك كما توهم، ولعله كان يوحى إليه ما يطابق دينهم وإلا فالنبيّ ﷺ لا يجوز له العمل بما يدين به الكافر، ولذا قيل إلا أن يشاء الله المراد به التأبيد أي ما كان ليأخذه في دين الملك أبداً لأنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجل من الاتصاف بالحكم بدين الكفار فهذا كقوله: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٨٩] . قوله: (فالاستثناء من أعئم الآحوال) أي ما كان ليأخذه في حال من الأحوال إلا في حال مشيئة الله وقد
تقدم الكلام فيه قريبا، وتحقيقه فتذكره. قوله: (ويجوز أن يكون منقطعا) أي لكن أخذه له بمشيئة الله وإذنه، وان لم يكن على دين الملك إذ لم يخالفه فيه أحد لتخييره لهم، وعلى الأوّل فهو متصل، ومن قال يمكن اتصاله على هذا فقد وهم فتدبر، وقوله كما رفعنا درجته أي درجة يوسف ﵊، ومرتبته على إخوته، وقوله أرفع درجة منه أي أعلم مأخوذ من قوله فوق وصيغة عليم. قوله:) واحتج به من زعم أنه تعالى عالم بذاته) أي لا بصفة علم زائدة على الذات، وهم المعتزلة ومن حذا حذوهم في أنّ الصفات عين الذات كما بين في الأصول، وحاصل استدلالهم أنه لو كان له صفة علم زائدة على ذاته كان ذا علم أي صاحب علم لاتصافه به، وكل ذي علم فوقه عليم فيلزم أن يكون فوقه، واعلم منه عليم آخر، وهو باطل والجواب عنه بمنع الملازمة وأنّ المراد بكل ذي علم المخلوقات ذوي العلم العقلاء لأن الكلام في الخلق لا في الله وهذا إثبات لسند المنع وقوله ولأنّ العليم هو الله يعني أنه صيغة مبالغة معناها أعلم من كل ذي علم فتعين أنّ المراد به الله تعالى فما يقابله يلزم كونه من الخلائق لئلا يدخل فيما يقابله. قوله: (ولأنه لا فرق بينه وبين قولنا فوق كل العلماء عليم وهو مخصوص (وجه آخر للتخصيص، وفيه جواب بطريق النقض بأنه لو صح ما ذكره المستدل لم يكن الله عالما لاتفاقهم معنا في صحة هذا المثال فيلزم على تسليم دليله إذا كان الله عالما أن يكون نرقه من هو أعلم منه فإن أجابوا بتخصيصه فالاية مثله، وهذا إنما يتم إذا كان هذا المثال مسلما عندهم كذا قيل، ويدفعه أنّ الزمخشري فسره بهذا، وذهب إلى ما ذكر فألزمه بهذا. قوله:) أن يسرق فقد سرق أخ له (أتوا بكلمة أن لعدم تحققهم له بمجرّد خروج السقاية من رحله، وقد وجدوا بضاعتهم قبل في رحالهم، ولم يكونوا سارقين، وأمّا قولهم إن ابنك سرق فبناء على الظاهر، ومدعي القوم، ويسرق لحكاية الحال الماضية، والمعنى إن كان سرق فليس ببدع
لسبق مثله من أخيه، والعرق نزاع، وقيل إنهم جزموا بذلك، وان لمجرّد الشرط، وقوله من أبيها يعني إسحق ﵊، والمنطقة بكسر الميم ما يتنطق به أي يشذ في الوسط، وتحضن بمعنى أنه في حضانتها عندها، ومحزومة بالحاء المهملة، والزاي المعجمة أي مشدودة، وشب بمعنى كبر وصار شاباً مستغنياً عن الحضانة، والعناق بفتح العين المهملة أنثى المعز وألقاه في الجيف أي على المزبلة، وقيل إنّ ما أعطاه السائل بيضة، وقوله فأعطى السائل أي أعطاها له، واعلم أن ما ذكر في تفسير أن يسرق تبع فيه غيره، وفي البحر لابن المنير ﵀ أنه تكلف لا يسوغ نسبة مثله إلى بيت النبوّة بل ولا إلى أحد من الأشراف فالواجب تركه، واليه ذهب مكيّ، وفسره بعضهم بأن يسرق فقد سرق مثله من بني آدم، وذكر له نظائر في الحديث، وهو كلام حقيق بالقبول. قوله:) والضمير للإجابة أو المقالة الخ (يعني الضمير المنصوب المؤنث إمّا للمقالة أو للإجابة أي أضمر إجابتهم أو مقالتهم
стр. 1660
في نفسه فلم يجبهم عنها، والوجهان متقاربان، والمقالة بمعنى القول أي المقول، وقيل إنه للحزازة التي حصلت له وكونه لنسبة السرقة ظاهر، والحاصل أنه راجع لما فهم من الكلام والمقام أو لما بعده، وقوله أنها أنثه باعتبار الخبر والكناية بمعنى الضمير لأنها تطلق عليه، ولو قيل المقصود أن لفظها صح لكنه رسم متصلا في النسخ، وقوله يفسرها قوله قال أنتم شرّ مكانا في الكشاف أنتم شرّ مكانا بدون قال، وبينهما فرق مع أنه على كلام الزمخشري لا يصح فيه البدلية إذ هو مقول القول، وتأنيثه باعتبار أنه كلمة وجملة، وكذا على كلام المصنف رحمه الله تعالى أيضا لأن قال ليس المراد به لفظه قطعاً فيكون جملة، دمابدال الجملة من الضمير غير صحيح، وإن كان في الإبدال من الضمير المنصوب خلاف فكلام الشيخين فلا يخلو من الخلل فكان الصواب الاقتصار على أنه ضمير مفسر بما بعده، ولولا قوله على شريطة التفسير حمل كلامه على أن جملة قال بدل من أسرّها، وقد سبق إلى هذا الزجاج وهو كلام مشوش، ولذا حكاه المصنف رحمه الله تعالى بقيل وقوله منزلة في السرقة يشير إلى أن المكان بمعنى المنزلة أي أثبت في الاتصاف بهذا الوصف، وأقوى فيه. قوله: (والمعنى قال في نفسه (فلا يكون هذا القول خطابا لهم بخلافه على الأوّل، وهو الأظهر، وقوله لسرقتكم أخاكم أي لخيانتكم في حقه المشبهة بالسرقة أي لا سرقة ثمة، وسوء الصنيع عقوق الوالد والكذب. قوله:) وفيه نظر (إذ المفسر بالجملة لا يكون إلا ضميراً لشأن قيل ليس هذا من التفسر بالجمل في شيء حتى يعترض بأنه من خواص ضمير الشأن الواجب التصدير،! انما هو نظير: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٣٢] قيل وفي جعل المصنف رحمه الله تعالى قال بدلاً من أسرّ إثبات للكلام
النفسيّ وليس بذاك، وهذا أيضا غير صحيح لأنه ليس وزانه وزان هذه الآية لأنّ في تلك تفسير جملة بجملة، وهذه فيها تفسير ضمير بجملة لكن ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من اختصاصه بضمير الشأن ليس بمسلم. قوله:) وهو يعلأ أنّ الآمر ليس كما تصفون (فيه إشارة إلى أنّ أعلم ليس المراد به التفضيل، وقال أبو حيان ﵀ معناه أعلم بما تصفون به منكم لأنه عالم بحقائق الأمور، وكيف كانت سرقة أخيه الذي أحلتم سرقته عليه فهو على ظاهره فإن قيل لم يكن فيهم علم، والتفضيل يقتضي الشركة قيل تكفي الشركة بحسب زعمهم فإنهم كانوا يدعون العلم لأنفسهم ألا ترى قولهم فقد سرق أخ له من قبل جزما. قوله:) في السن أو القدر ذكروا له حاله استعطافا (أي لأجل استعطافه وهو علة لهما لا للثاني وعطفهما بأو لأنهما معنيان متغايران وقوله ثكلان على أخيه أي حزين لفقده والثكلان بالمثلثة الحزين لفقد ولده مؤنثه ثكلى وتسميته هالكا بناء على ظنهم ذلك. قوله:) من المحسنين إلينا فأتمم إحسانك أو من المتعؤدين بالإحسان فلا تغير عادتك (قيل الفرق بين الوجهين بتخصيص الإحسان أو توجيهه إلى أصل الفعل وعلى الأوّل كأنهم قالوا أنت من المحسنين إلينا وما الأنعام إلا بالإتمام، وعلى الثاني كأنهم قالوا قد عم إحسانك الورى فلن يعدونا، ونحن إخوته ولكل ترجيح من وجه وهما حسنان، والحمل على أن الأوّل استئناف لبيان الموجب، والثاني اعتراض! لإثبات إحسانه على لعموم لا يلائم تقديرهم فتفوت المبالغة المشار إليها، وتوله فأتمم في الأوّل، وأجر في الثاني صريح في أنهما من أسلوب واحد، والتفاوت ما هديت إليه فهو اعتراض! عليهما، وهذا! ان تلقوه بالقبول فالظاهر خلافه لأن مقتضى الظاهر أنه إذا أريد بالإحسان الإحسان إليهم يكون مستأنفا لبيان ما قبله إذ أخذ البدل إحسان إليهم، وأمّا إذا أريد أن عموم ذلك من دأبك، وعادتك يكون مؤكداً لما قبله فذكر أمر عائم على سبيل التذييل، والاعتراض أنسب به فما ذكروه غير متجه. قوله:) فإن أخذ غيره ظلم الخ (لأنه على ما أفتوا به من شريعتهم يؤخذ السارق فأخذ غيره ولو برضاه ظلم، وقوله فلو أخذت الخ قدره لاقتضاء السياق له، ولأن إذا حرف جواب، وجزاء وإنما قيد الظلم بمذهبهم وشرعهم لأنه لكونه برضا منه لا ظلم فيه. قوله:) أو أنّ مراده إنّ الله أذن الخ) يعني كونه ظلما لأنّ الله أذن في خلافه لمصلحته، ورضا الله عليه فيكون ظلما في نفس الأمر وظن بعضهم أنّ هذا ابتداء كلام لا إشارة إلى المذهب لوقوع الواو في نسخته بدل أو فحرف لفظا، وتكلف ما لا معنى له، وقوله
стр. 1661
كنت ظالما أي لنفسي،
وعلى الأؤل الظلم للغير فتأمّل. قوله: (يئسوا من يوسف الخ (أي استفعل بمعنى فعل وزيدت السين، والتاء للمبالغة أي يئسوا يأسا كاملا لأنّ المطلوب المرغوب يبالغ في تحصيله، والضمير المجرور ليوسف ﵊، وقوله واجابته إشارة إلى أن المراد باليأس منه اليأس من إجابته ويحتمل أنه إشارة إلى تقدير مضاف في الكلام، ولم يجعل الضمير لبنيامين كما قيل لأنهم لم ييأسوا منه بدليل تخلف كبيرهم لأجله، وقوله انفردوا إشارة إلى أنّ الخلوص من الناس عبارة عن الانفراد عنهم، وقول الزجاج انفرد بعضهم عن بعض فيه نظر. قوله:) متناجين (وإنما وحده لأنه مصدر كالتناجي بمعنى المشاورة، والتدبير فيما يقولون لأبيهم ﵊، وكان الظاهر جمعه لأنه حال من ضمير الجمع فوجهه بأنه مصدر بحسب الأصل أطلق على المتناجين مبالغة أو لتأويله بالمشتق، والمصدر، ولو بحسب الأصل يشمل القليل، والكثير أو لكونه على زنة المصدر لأنّ فعيلا من أبنية المصادر، وهو فعيل بمعنى مفاعل كجليس بمعنى مجال! أي مناج بعضهم لبعض فيكونون متناجين، وقوله وجمعه أنجية ذكره لأنه على خلاف القياس إذ قياسه في الوصف أفعلاء كغنيئ، وأغنياء لكنهم جمعوه على ذلك كقوله:
إني إذا ما القوم كانوا أنجيه
وهو يقوي كونه جامداً كرغيف وأرغفة وقوله وهو شمعون وقيل يهوذا، والثاني هو
الذي صرّح به في أوّل السورة ففيه اختلاف أشار إليه هنا، وقوله جعل حلفهم إشارة إلى أن المراد بالموثق اليمين لأنه يوثق به، وكونه من الله إمّا لأنه بإذنه فكأنه صدر منه أو هو من جهته فمن ابتدائية، ومن قيل هذا إشارة إلى أن قبل من الغايات المبنية على الضم لحذف المضاف إليه وهو هذا، وقوله قصرتم بمعنى فرطتم وفيه إشارة إلى المعنى المراد من التقصير فيه، وهو التقصير في أمره وشأنه أو أن فيه مضافاً مقدراً، وإذا كانت ما مزيدة فمن قبل متعلق بالفعل بعده، والجملة حالية، وقدمه لأنه أحسن الوجوه، وأسلمها. قوله: (ويجوز أن
تكون مصدرية) أي ما مصدرية، والمصدر في محل نصب لعطفه على مفعول تعلموا، وهو أنّ أباكم، وأورد عليه أمران الفصل بين حرف العطف، والمعطوف بالظرف وتقديم معمول صلة الموصول الحرفي عليه، وفي جوازهما خلاف للنحاة، والصحيح الجواز خصوصا بالظرف المتوسع فيه كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى في الأول، ولم يتعرّض للثاني، وقوله أو على اسم أن فيحشاج حينئذ إلى خبر لأن الخبر الأوّل لا يصح أن يكون خبراً له فلذا ذكره، ولا يخفى أنّ المقصود الإخبار بوقوع التفريط في يوسف ﵊ من قبل لا كونه واقعا فيه أو من قبل، وفيه أيضا المحذوران المسابقان. قوله:) وفيه نظر لأنّ قبل الخ (هذا الرذ ذكره أبو البقاء ﵀، وتبعه أبو حيان فاعترض به على الزمخشريّ، وابن عطية فقال إنّ الهغايات لا تقع صلة، ولا صفة، ولا حالاً، ولا خبرا، وهذا متفق عليه وقد صرّج به سيبويه سواء جرت أو لم تجر فتقول ي! وسم السبست يوم مبارك، والسفر بعده-، ولا تقول والسفر بعد وأجاب عنه في الدرّ المصون بأنه إنما امتنع ذلك لعدم الفائدة، وعدم الفائدة لعدم العلم بالمضاف إليه المحذوف فينبغي إذا كان المضاف إليه معلوماً مدلولاً عليه أن يقع ذلك الظرف المضاف إلى ذلك المحذوف خبرا وصلة، وصفة وحالاً، والآية الكريمة من هذا القبيل، وردّ بأنّ جواز حذف المضاف إليه في الغايات مشروط بقيام القرينة على تعيين ذلمك المحذوف على ما صرّج به! الرضي فدل ذلك على أنّ الامتناع ليس معللا بهذا (قلت) ما ذكروه لميس متفقا عليه، وقد قال الإمام المرزوقي في شرح الحماسة: إنها تقع أخباراً وصفات وصلات، وأحوالاً، وضل هذا الإعراب المذكور هنا عن الرمانيّ، وغيره واستشهد له بما يثبته من كلام العرب، وفي تعريفها بالإضافة باعتار تقدير المضاف إليه ععرفة يعينه الكلام السابق عليها اختلاف فالمشهور انها معارف، وقال بعضهم أنها! كرات، وأنّ التقدير من قبل شيء كما في شرح التسهيل، والفاضل سلك مسلكا حسناً،. وهو أن المضاف إليه إذا كان معلوما مدلولاً عليه بأن يكعون مخصوصا معيناً صح الإخبار لحصول الفائدة فإن لم يتعين بأن قامت قرينة العموم دون الخصوص، وقدر ومن قبل شيء لم يصح الإخبار، ونحوه إذ ما من شيء إلا، وهوس قبل شيء ما فلا. فائدة في الأخبار فحينئذ يكون
стр. 1662
معرفة، ونكرة، ولا مخالفة بين كلامه، وكلام الرضي مع أنّ كلام الرضي غير متفق عليه فتأقله فإنه تحقيق حقيق بأن يرسم في دفاتر الأذهان، ويعلق في حقائب الحفظ والجنان، وقوله وفيه نظر أي في كون من قبل خيراً سواء هذا الوجه، وما سبق، وبه اندفع الإشكال بأنه قبل ليس خبرا بل من قبل، وهو الجارّ والمجرور، وقوله حتى لا ينقص أي يكون ناقصاً غير صالح للخبرية، وقد أورد على أنها لا تكون صلة قوله تعالى: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ [سورة الروم، الآية: ٤٢] ودفع بأنّ الصلة قوله كان أكثرهم مشركين، ومن قبل ظرف لغو متعلق بخبر كان لامستقرّصلة.
قوله: (وأن تكون موصولة) معطوف على أن تكون مصدرية وعلى هذا الوجه التفريط
بمعنى التقديم من الفرط، وعلى الوجوه الأول بمعنى التقصير، وأورد عليه أنه يكون قوله من قبل تكراراً فان جعل خبراً يكون الكلام غير مفيد، وإن جعل متعلقا بالصلة يلزم مع التكرار تقديم مثعلق الصلة على الموصول، وهو غير جائز كما مرّ، وقوله ومحله ما تقدم أي في الإعراب من الرفع، والنصب وعائد الموصول محذوف، وأعلم أن السيرافي ﵀ قال في شرح الكتاب قبل، وبعد مبنيان على الضمّ وفي حال الإضافة يجرّان، وينصبان فأعطيا حركة لم تسكن لهما حال التمكن، وهي الضمة فحرّكتا بأقوى الحركات لما حذف المضاف إليه، وتضمنا معنى الإضافة، وحرفها لتكون عوضا عما ذهب، وعلة أخرى، وهو أنه أشبه المنادي المفرد الذي إذا نكر أو أضيف أعرب، وإذا أفرد أو كان معرفة بني، وكذا قبل، وبعد إذا حذف المضاف إليه، وكان معرفة فإن نكرا أعربا كقوله:
فساغ لي الشراب وكنت قبلا
وأنما بنيا لأنهما صارا كبعض اسم آخره الجزء الثاني، ولذا سميتا غاية لأنهما صارتا
آخراً، ومثلهما غيرهما من الظروف، وما أشبهها كقوله:
ولم يكن لقاؤك إلا من وراء وراء
اص. وإنما نقلناه لما فيه من الفوائد منها أنّ الغايات معارف لا يقدر ما حذف إلا معرفة
فلا يقدر نكرة كما تقدم عن بعض الحواشي فإنه ناشئ من عدم المعرفة. قوله: (فلن أفارق أرض مصر) يعني أنّ أبرح تامّة ضمنت معنى فارق، والأرض مفعوله لا ناقصة لأنّ الأرض لا يصح أن تكون خبراً عن المتكلم هنا، وليس منصوباً على الظرفية، ولا بنزع الخافض وقوله في الرجوع لأنه المستحيي منه، وقوله بخلاص أخي أي بسبب من الأسباب فذكر ثلاثة أوجه أحدها خاص، وهو إذن أبيه في الانصراف، والآخر عام، وهو حكم الله فكأنه رجع عن الأسباب وفوض! الأمر إلى الله، وقوله قفت بتشديد الفاء من قف شعره يقف إذا قام من غضب أو فزع، وفي نسخة ووقفت بواوين من الوقوف، والمراد بهما متحد، وقوله فمسه أمر في
الأوّل ماض في الثاني، وقوله لنوراً من نور يعقوب يريد أحداً من نسله ﷺ بدليل أنه وقع في نسخة لبذرا من بذر يعقوب ﵊، وهو استعارة تصريحية فيهما، وقوله لأنّ حكمه لا يكون إلا بالحق بخلاف حكم غيره قد تقدم تحقيق معنى هذه الآية. قوله: (على ما شاهدناه من ظاهر الآمر) وهو خروج الصواع من رحله وكذا علمهم أيضاً مبني عليه لأنه يحتمل أن يدس عليه، ويدل على هذا قراءة سرق بالتشديد المنسوبة إلى الكسائيّ فإنها بمعنى نسب للسرقة فتتحد القراءتان، وقد استحسنت قراءة التشديد لما فيها من تنزيه بيت النبؤة عن السرقة، وقوله بأن رأينا متعلق بعلمنا أو بدل تفسيري من قوله بما، والوعاء هنا بمعنى الغرارة ونحوها، وقوله ودس عطف على سرق بالتشديد، وهو عطف تفسيري، وحافظين على الوجهين بمعنى عالمين لأنّ العلم حفظ للشيء في الذهن، ولأنه سبب للعلم أو منشؤه فصح التجوّز به عنه، ولام للغيب للتقوية، وقوله وما كنا للعواقب اعتذار لأبيهم بأنّ ما أصاب بنيامين لم يكن داخلا في الميثاق وما حلفنا عليه. قوله: (يعنون مصر) بناء على ما مر من أن المفتش لهم يوسف ﵊ أو المؤذن، وقوله يعنون أي الأخوة، وفي نسخة يعني أي كبيرهم القائل له ذلك، وقوله أرسل الخ يعني أنّ فيه طيا للإيجاز، وسؤال القرية عبارة عن سؤال أهلها إمّا مجازا في القرية لإطلاقها على أهلها بعلاقة أو في النسبة أو يقدر فيه مضاف، وأمّا جواز أن يسأل القرية نفسها فتنطق على خرق العادة لأنه نبيّ جمفه، فليس مراداً ولا يقتضيه المقام لأنه ليس بصدد إظهار المعجزة، وقوله عن القصة إشارة إلى
стр. 1663
حذف متعلقه للعلم به. قوله: (وأصحاب العير (بيان لمحصل المعنى فيحتمل تقدير المضاف، وجعله مجازأ كما مرّ في " يا خيل الله اركبي " وقيل إنه رجح المجاز هناك لاقتضاء النداء له، ورجح هنا التقدير، وقوله التي توجهنا فيهم إشارة إلى كثرتهم وأنهم كانوا مغمورين بينهم، وقوله وكنا كالتعليل له. قوله:) تثيد في محل القسم (يعني ليس المراد إثبات صدقهم بما ذكر حتى يكون مصادرة لإثبات الشيء بنفسه بل تأكيد صدقهم بما يفيد ذلك من الاسمية وأن واللام، ويحتمل أن يريد أن هنا قسما مقدراً. قوله:) فلما رجعوا إلى أبيهم الخ (بيان لاتصال الكلام بما قبله وار- تباطه بما طوى
لأن اسأل القرية قول بعض بنيه وبل سوّلت قول أبيهم ﵊ ردّاً لعذرهم فلا بد من تقدير لمحصل المعنى، وبيان لأنّ فيه إيجازاً والتسويل تقدم بيانه، وقوله والا فما أدري الملك الخ يعني أنّ منشأ ظنه بهم في هذه القصة أخذه بسرقته فإنه ليس دينهم فقام ذلك عنده مقام القرينة، وأورثه شبهة لاتهامهم بقصد السوء لأخيهم فما قيل كون هذا من التسويل محل نظر من قلة التدبر، وقوله فأمري الخ يعني هو إمّا خبر أو مبتدأ كما مرّ تحقيقه، وقوله عسى الله الخ لأنه كان عرف اًنّ يوسف ﵊ لم يمت لما سأل عنه ملك الموت ﵊ هل قبضت روحه فقال لا ولأنه علم من تناهي الشدة أنّ بعدها فرجا عظيماً وقوله لما صادف أي لقي منهم في أمر يوسف وأخيه. قوله: (أي يا أسفي ثعال الخ) إشارة إلى ما مرّ من نداء ما لا يعقل أي ما حل به من الأسف وتوطين نفسه له حتى كأنه يطلب إقباله والأسف أشد الحزن أي على ما فات لا مطلقاً، وقوله والألف بدل من ياء المتكلم للتخفيف، وقيل هي ألف الندبة، والهاء محذوفة، وقوله رزؤهما بضم الراء المهملة، وسكون الزاي المعجمة والهمزة وهي المصيبة، وقوله لأن رزأه أي مصيبة يوصف كانت قاعدة ومبني لجميع مصيباته فكلما عرضت له مصيبة ذكرته بمصيبة يوسف ﵊ لأنها في كل زمان غضة أي طرية لم تزل عن فكره أبداً، وكل جديد يذكر بالقديم، وقوله دون حياته قيل إنه ينافي ما سيأتي في تفسير قوله، وأعلم من الله ما لا تعلمون، ويحتمل أنّ علمه بعد هذا، وفي أسفا ويوسف تجنيس نفيس وقع من غير تكلف. قوله: (وفي الحديث " لم تعط أمّة من الأمم! الخ (رواه الطبرانيّ وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن جبير ﵁ أي أنهم لم يعلموه، ولم يوفقوا له عند نزول المصيبة بهم. قوله: (لكثرة بكائه) يعني أنه
جعل الحزن في الآية سبب ابيضاض عينه لأنه سبب للبكاء الذي بيضها فأقيم سبب السبب مقامه لظهوره، وقوله كأق العبرة بفتح العين أي الدموع محقت سوادهما يعني أن ظاهره أنه نزلت عينه غشاوة بيضتها، والقول الثاني إنه كناية عن العمى لأنه لازم لذهاب سوادها فلا وجه لما قيل إنه كان حق التعبير فقيل بالفاء لأنه ليس مقابلا لما قبله بل تفصيل له والقول الأخير قيل هو الظاهر لقوله فارتذ بصيراً، وقد مز الكلام في جواز العمى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقوله الحزن أي بفتحتين. قوله: (وفيه دليل على جواز التأسف) أي الحزن عند التفجع أي المصيبة، وهو كذلك وإنما المنهيّ عنه النياحة واللطم، وقوله: " بكى رسول الله ﷺ ، حديث صحيح أخرجه الشيخان عن أن! ﵁، وقوله مملوء من الغيظ، وقيل من الحزن فهو فعيل بمعنى مفعول فكأنه مملوء بالغيظ ففيه استعارة مكنية وتخييلية، وقوله على ملئه أي ملآنا أو هو بمعنى فاعل أي شديد التجرّع للغيظ أو الحزن لأنه لم يشكه إلى أحد قط والجرّة بكسر الجيم، وتشديد الراء ما يجتره البعير أي يخرجه من جوفه مما أكله أوّلاً ليلوكه فكأنه يرده لجوفه مرّة بعد أخرى من غير أن يطلع أحدا عليه وهو استعارة بليغة. قوله: (لا تفتأ ولا تزال تذكره تفجعا عليه (القائلون إخوة يوسف ﵊، وقيل غيرهم من أتباعه واستدل به على جواز الحلف بغلبة الظن، وقيل إنهم علموه منه لكنهم نزلوه منزلة المنكر فلذا أكدوه، وقوله ولا تزال تذكره عطف تفسيرقي مع الإشارة إلى حذف لا وقيل إنه فسره بلا تزال دون لا تفتر كما روي عن مجاهد، وأوّله الزمخشري بأنه جعل الفتوء، والفتور أخوين
стр. 1664
أي متلازمين لا أنه بمعناه يعني أن فثأ بمعنى فتر وسكن ليس بالمثناة بل هو فثأ بالمثلثة كما في الصحاح من فثأت القدر إذا سكنت غليانها، والرجل إذا سكنت غضبه، وهو كما قال أبو حيان تصحيف، وخطأ ابن مالك فيه وليس كما قال فإن ابن مالك نقله عن الفزاء، وقد صرح به السرقسطي في أفعاله، ولا يمتنع اتفاق مادتين في معنى، وهو كثير وقد جمعه ابن مالك رحمه
الله تعالى في كتاب سماه ما اختلف إعجامه، واتفق إفهامه، ونقله عنه صاحب القاموس. قوله:) فقلت الخ) شاهد على حذف لا في جواب القسم، وهو من قصيدة مشهورة لامرئ القيس أوّلها:
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي
ومنها:
فقلت يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
ويمين الله يروى بالرفع والنصب على أنه مبتدأ خبره محذوف، والأوصال جمع وصل
بكسر الواو وسكون الصاد المهملة وهي الأعضاء، وقيل المفاصل، وقيل ملتقى كل عظمين في الجسد. قوله: (لأنه لا يلتبس بالإثبات) أي لأن القسم إذا لم يكن معه علامة الإثبات كان على النفي وعلامة الإثبات هي اللام ونون التأكيد، وهما يلزمان جواب القسم المثبت فإذا لم يذكرا دلّ على أنه منفي لأن المنفيّ لا يقارنهما فلو كان مثبتاً قيل لتفتأنّ، وقوله كان على النفي أي كان المعنى على النفي أو كان الكلام مبنيا على النفي. توله ٠ (مريضا مشفيا على الهلاك) أي مشرفا عليه وقريبا منه، وقيل الحرض معطوت على ما قبله بحسب المعنى ومعنى أذابه جعله مهزولاً نحيفا، وهو مصدر فلذا لا يؤنث، ولا يجمع ولا يثنى وجه ذلك أنّ المصدر يطلق على القليل، والكثير والنعت أي الصفة حرض بكسر الراء كدنف لفظأ، ومعنى وبضمتين صفة مشبهة أيضا. قوله:) أو تكون من الهالكين) أو يحتمل أن تكون بمعنى بل أو بمعنى إلى أن فلا يرد عليه أنّ حقه التقديم على قوله حتى تكون حرضا فإن كانت للترديد فهي بمعنى الخلوّ، وقدم على ترتيب الوجود كما قيل في قوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ [سورة البقرة، الآية.
أو لأنه أكثر وقوعاً، وما قيل إنه مقيد بعدم بلوغه إلى الهلاك سهو لأنه يتكرّر مع ما قبله. قوله:) همي الذي لا أقدر الصبر عليه (ضمن أقدر معنى أطيق فعداه بنفسه كأنّ همه ثقل يحمله فلا يطيق حمله وحده فيفرقه على من بعينه كقوله:
إذا الحمل الثقيل توزعته أكف القوم هان على الرقاب
فالبث استعارة تصريحية، وهو مصدر بمعنى الفاعل أو المفعول والظاهر الثاني. قوله:
(من صنعه ورحمتة الخ (ففيه حذف مضاف، ومن بيانية قدمت على المبين، وهو ما وقد جوّزه النحاة، وعلى الثاني هي ابتدائية، وقوله وأنه لا يخيب داعيه تفسير للصخ، وقوله رأى ملك الموت الخ بيان للإلهام، وقوله علم من رؤيا يوسف وجه آخر، ويحتمل أنه أيضاً من الإلهام، واعترض! على قوله في المنام بأنه باطل رواية ودراية لأنّ النبيّ ﷺ يرى الملائكة يقظة فلا حاجة إلى جعله مناما، وقد أخرج ابن أبي حاتم من النضر ﵁ أنه قال بلغني أنّ يعقوب ﵊ مكث أربعة وعشرين عاماً لا يدري أيوسف ﵊ حيئ أم ميت حتى تمثل له ملك الموت ﵊ فقال له: من أنت قال: أنا ملك الموت فقال: أنشدك بإله يعقوب هل قبضت روج يوسف قال لا فعند ذلك قال ﵊ يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه، وفيه نظر لأنّ مثله إنما يكون برواية. قوله: (فتعرفوا منهما وتفحصوا عن حالهما الخ) الشحسس تفعل من الحس، وهو الإدراك بالحاسة وقريب منه المجسس بالجيم، وقيل إنه بالحاء في الخير وبالجيم في الشر وردّ بأنه قرئ بهما هنا، وقوله التحسس طلب الإحساس هو أصل معناه والمراد لازمه، وهو التعرّف، وذكر التفحص أي التفتيش لأنه طريقه وقيل التحسس طلب الإدراك بالحس مرّة بعد أخرى، وإنما أمرهم يعقوب ﵊ بالتحسس لما رأى في منامه أو أخبره به الملك أو لما تفرس من ذكر إكرامه لهم، وما هو عليه من أنه ليس من الفراعنة. قوله:) ولا تقنطوا من فرجه وتنفيسه (الروح بالفتح أصل معناه النفس كما قاله الراغب
стр. 1665
ثم استعير للفرج كما قيل له تنفيس من النفس، وقرئ روج الله بالضم، وفسر بالرحمة على أنه استعارة من معناها المعروف لأنّ الرحمة سبب الحياة كالروح واضافتها إلى الله تعالى لأنها منه، وقال ابن عطية رحمه الله تعالى معناه لا تياسوا من حيّ معه روح الله الذي وهبه فإنّ كل من بقيت روحه يرجى وفي غير من قد وارت الأرض مطمع. قوله: (بالله وصفاته) لأنّ سبب اليأس عدم التصديق بالصانع وصفاته الكمالية، وليس فيه دليل على أنّ اليأس كفر بل هو ثابت بدليل آخر، وقوله بعدما رجعوا إلى مصر رجعة ثانية بيان له بحسب الواقع، وقوله شدة الجوع هذا أحسن من تفسير الزمخشري له بالهزال، وهذا إشارة إلى مسالة أصولية وهي إلا من مكر الله، والياس من رحمته كبيرة أو كفر قولان
مشهوران، وفي جمع الجوامع وشروحه كلام مفصل فيها. قوله: (رديئة أو قليلة) يعني أصل معنى التزجية الدفع والرمي فكني بها عن القليل والرديء لأنه لعدم الاعتناء به يرمي ويطرج، والمراد أنّ ما أتوا به غير صالح لأن يكون ثمنا بدون محاباة وتزجية الزمان دفعه بالأمر القليل والصبر عليه حتى ينقضي كما قيل:
درّج الأيام تندرج وبيوت الهمّ لاتلج
وقد فسر الآية بهذا الزجاج فقال أي إنا جئنا ببضاعة الأيام مزجاة بها، والمصنف رحمه
الله سكت عنه، ولم يفسر به ثم إنه شرع في بيان كونها رديئة أو قليلة بقوله قيل الخ والصنوبر معروف والحبة الخضراء أيضا معروفة وليست الفستق كما قاله أبو حيان رحمه الله تعالى، والمقل هو الذي يسمونه دوماً، وهو بضم الميم وسكون القاف. قوله:) فأتم لنا الكيل) أي لا تنقصه لقلة بضاعتنا أو رداءتها، واختلف في حرمة أخذ الصدقه هل هي خاصة بالنبي ﷺ أو تعم جميع الأنبياء عليهم الصلاة والس! لام فذهب سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى إلى اختصاص ذلك بنبينا تخرر استدلالاً بظاهر هذه الآية، ومن ذهب إلى العموم، وأنّ هؤلاء أنبياء أو آل نبيّ والصدقة لا تحل لهم فسر الآية بردّ الأخ، ونحوه مما ليس بصدقة حقيقة أو يقول المحرم إنما هو الصدقة المفروضة مع أنّ الصدقة تكون بمعنى التفضل، ومنه تصدق الله على فلان بكذا، وأمّا قول الحسن رحمه الله تعالى لمن سمعه يقول اللهثم تصدّق عليّ إنّ الله لا يتصدق إنما يتصدق من يبغي الثواب قل اللهئم أعطني أو تفضل عليّ فقد ردّ بقوله رسول الله ﷺ : " صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " وأجيب عنه بأنه مجاز أو مشاكلة، وإنما رذ الحسن رحمه الله تعالى على القائل لأنه لم يكن بليغا كما في قصة المتوفى، وقوله أحسن الجزاء إشارة إلى أنه حث على الإحسان فإنه يجزي أحسن جزاء من الله وان لم يجزه المحسن إليه، وقوله في القصر أي في شأن القصر أي قصر صلاة المسافر والحديث في صحيح البخارقي ﵀
تعالى. قوله: (أي هل علمتم قبحه فثبتم) إشارة إلى المراد منه كناية أو بتقدير مضاف لأن الفعل الصادر بالاختيار لا ينفك عن العلم به والشعور، ولذا قيل إنهم عالمون بقبحه أيضاً لأنه لا يخفى على مثلهم، وإنما ذكره حثالهم على التوبة لأنّ العاقل إذا اتضح له قبح فعله لا يتوقف في الرجوع عنه، ولذا رتب عليه قوله فتبتم، وقوله إذ أنتم جاهلون قبحه متعلق بفعلتم على هذا التقدير لأنه لا يصح هل علمتم قبحه إذ جهلتموه بل المعنى هل علمتم قبحه بعدما فعلتموه جاهلين به، وهو تلقين للعذر كما في قوله تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ! سورة ألانفطار، الآية: ٦] وتخفيف للأمر عليهم، والمراد بعاقبته ما آل إليه أمر يوسف عليه الصحلاة والسلام والتنصيح بذل النصح تديناً لهم، وقوله لا معاتبة وتثريبا كما قيل إنه استعفام لما ارتكبوه لمخالفته لقوله لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم. قوله: (وقيل أعطوه كتاب يعقوب ﵊ وصورته كما في الكشاف من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أمّا بعد فإئا أهل بيت موكل بنا البلاء أمّا جدي فشذت يداه ورجلاه، ورمى به في النار ليحرق فنجاه الله وجعلت النار عليه برداً وسلاما، وأمّا أبيئ فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله، وأمّا أنا فكان لي ابن، وكان أحبّ أولادي إليّ فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخاً بالدم، وقالوا قد أكله الذئب فذهبت عيناي من بكائي عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمّه وكنت أتسلى به فذهبوا به، ثم رجعوا
стр. 1666
وقالوا: إنه سرق وإنك حبسته لذلك، وأنا أهل بيت لا نسرق، ولا نلد سارقا فإن رددته عليّ وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام. قوله: (أو لأنهم كانوا حينئذ صبياناً طياشين (الطيش) الخفة ورد هذا بأنه غير مطابق للواقع ولقوله، ونحن عصبة، ولذا مرّضه المصنف رحمه الله تعالى. قوله: (استفهام تقرير الخ) ولذلك أكد لأنّ التأكيد يقتضي التحقق المنافي للاستفهام، وقوله ﷺ أنا يوسف تصديق لهم، وقراءة ابن كثير بحذف الهمزة والمراد بالإيجاب ما يقابل
الاستفهام كما يقال له إثبات، وقيل إنّ الهمزة محذوفة على هذه القراءة، وقوله بروائه أي برؤية منظره لأنه لم يدنهم قبل ذلك وقيل إنه كان يكلمهم من وراء حجاب وكان الظاهر أن يقول وبكلامه بلسان العبرية لقوله كلمهم به، وقوله ثناياه أي مقدم أسنانه لحسنها وانتظامها كالدر، وقوله بقرنه أي جانب رأسه، وقوله وكانت أي العلامة ولسارة ويعقوب مثلها جملة خبر كان أو اسم كان مثل وأنث لإضافته إلى المؤنث، ويجوز نصب مثلها، وقوله ذكره تعريفا لنفسه جواب سؤال وهو أنّ السؤال عنه فلم ذكر أخاه. قوله: (أي يتق الله) أبقى التقوى على ظاهرها، وعدل عن تفسير الزمخشري له بيخف الله وعقابه لأنه اعترض عليه بأنه مجاز من غير داع ولا قرينة فالوجه تفسير التقوى بالاحتراز عن ترك المأمورات، وارتكاب المنهيات، والصبر بالصبر على المحن والبلايا، وقد أجيب عنه بأنّ هذه الجملة تعليل لقوله قد من الله علينا، وتعريض لإخوته بأنهم لم يخافوا عقابه، ولم يصبروا على طاعة الله وطاعة أبيهم، وعن المعصية إذ فعلوا ما فعلوا فيكون المراد بالاتقاء الخوف وبالصبر الصبر على الطاعة، وعن المعصية ورد بأنّ التعريض حاصل في التفسير الآخر أيضا فكأنه فسره به لئلا يتكرّر مع الصبر، وفيه نظر وقرئ بإثبات ياء يتقي فقيل إنه على لغة من يجزمه بحذف الحركة المقدرة وقيل شبهت من الشرطية بالموصولة، وقوله من جمع الخ فيكون الإحسان مجموعهما. قوله: (اختارك الخ) الإيثار الاختيار، ويكون بمعنى التفضيل أيضاً، وقوله بحسن الصورة قيل المناسب للمقام ما في الكشاف بالتقوى، والصبر وسيرة المحسنين بخلاف ما نحن عليه فإنا لم نصبر على تفضيل أبينا لك، ولم نحسن حالنا وسيرتنا معك، ومع أخيك وقيل آثرك بالملك أو بالعلم. قوله: (والحال إن شأننا إنا كنا مذنبين الخ) يشير إلى أنّ الواو حالية، وان مخففة واسمها ضمير شأن وأنّ الخاطئ من تعمد الذنب، وأنّ اللام مزحلقة عن محلها. قوله: (لا تأنيب الخ) التأنيب، والتقريع اللوم بعنف، ولما لم يستعمل من هذه المادّة غير الثرب، وهو الشحم الرقيق في الجوف، وعلى الكرس جعلوه منه، وجعلوا التفعيل للسلب كالتجليد بمعنى إزالة الجلد فاستعير للوم لأنّ بإزالة الشحم يبدو الهزال، وما لا يرضى كما أنه باللوم تظهر العيوب فالجامع بينهما طريان النقص بعد الكمال أو إزالة ما به الكمال والجمال، وكذا التقريع أصله إزالة القرع، وهي البثور، وقوله يمزق العرض ويذهب ماء الوجه تفسير له بما يناسب معناه أي
التثريب الذي أصله إزالة الثرب استعير لتمزيق العرض، واذهاب ماء الوجه الدّي هو إزالة الخير والوجاهة. قوله: (متعلق بالتثريب الخ) تغ فيه الكشاف، وأورد عليه أنه يكون حينئذ شبيهاً بالمضاف نحو لا ضاوبا زيدا فيتعين نصبه بل هو خبر كقوله:
لا نسب اليوم ولا خلة
أي لا تثريب كائن في اليوم، ولذا قال أبو البقاء خبر لا عليكم أو اليوم وعليكم متعلق بالظرف أو بمتعلقه، وهو الاستقرار، ولا يجوز أن يتعلق بتثريب، وإلا لنصب لأنّ اسم لا كالمنادى إذا عمل نوّن وقال أبو حيان ﵀ لا يجوز تعلق اليوم بتثريب لأنه مصدر فصل بينه وبين معموله بعليكم، وهو لا يجوز سواء كان خبراً أو صفة لأنّ معمول المصدر من تمامه وأيضا لو تعلق به لم يجز بناؤه لشبهه بالمضاف، ولو قيل الخبر محذوف وعليكم واليوم متعلق به أي لا تثريب كائن عليكم اليوم لكان قوياً (أقول) اتفق على هذا كلمتهم هنا وهو غريب منهم فإنه صرّح في متون النحو بأن شبيه المضاف سمع فيه عدم التنوين نحو لا طالع جبلاً ووقع في الحديث: " لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت " باتفاق الرواة فيه، وإنما الخلاف فيه هل هو مبنيّ أو معرب ترك تنوينه، وأمّا الفصل بين المصدر ومعموله فقد ردّه المعترض على نفسه من حيث لا يشعر لأنه إذا سلم جعل معمولاً لمقدر، والجملة معترضة، وبالاعتراض
стр. 1667
سقط الاعتراض، وأمّا ما قيل إنه متعلق الظرف لا شبيه المضاف فمخالف لتصريح أهل العربية، وكذا كون الظرف متعلقا بالنفي لا بالمنفيّ، وا! المراد بتعلقه به تعلقه بالخبرية، وأنه لما فصل بينه، وبين متعلقه جاز البناء وكل هذا مما لا حاجة إليم ٤، وإنما هو ضغث على إبالة لأنه كلام ناشئ من قلة الاطلاع، ولبعض الناس هنا كلمات مضطمة تركناها لافتضاح المصباح بطلوع الصباح. قوله: (والمعنى) يعني على كلا التقديرين لا أثزبكم اليوم يعني أنّ تعبيره باليوم ليس لوقوع التثريب في غيره لأنه إذا لم يثرب أول لقائه، واست حال ناره فبعده بطريق الأولى وقال الشريف المرتضى في الدرر والغرر أن اليوم موضوع موضع الزمان كله كقوله:
اليوم يرحمنا من كان يغبطنا واليوم نتبع من كانوالنا تبعا
أي بعد اليوم. قوله: (أو بقوله يففر الله) قال الشريف في الدرر ضعف قوم هذا الجواب
من جهة أنّ الدعاء لا ينصب ما قبله، ولم أر من صرّج به غيره قيل، وفي كلام المصنف إشارة
إلى دفعه بجعله خبر الادعاء وقال ابن المنير رحمه الله تعالى الصحيح تعلقه بتثريب أو بالمقدر في عليكم فإنه لو كان متعلقاً بيغفر لقطعوا بالمغفرة بإخبار الصديق ولم يكن كذلك لقولهم يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا فأجيب بأنّ ستر الذنب، وعدم المؤاخذة به إنما يكون في القيامة، والحاصل قبله هو الأعلام به، وطلب ما يعلم حصوله غير ممتنع بل الممتنع طلب الحاصل على أنه يجوز أن يكون هضما للنفس كما في استغفار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا فرق بين الدعاء والاً خبار هنا. قوله: (لآنه صفح عن جريمتهم حينئذ الخ) قيل إنه إشارة إلى أنه أخبار لادعاء وتعليل لفظه بغفران الله بأنه عفا عنهم، وتابوا كما أشار إلى الأوّل بقوله صفح عن جريمتهم والى الثاني بقوله واعترفوا بها فلا محالة غفروا مما يتعلق به، وبالله بمقتضى، وعد الله بقبول توبة العباد لا مما يتعلق بأبيهم إذ هو المطلوب بقولهم يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا حتى يرد أنه قطع بمغفرتهم لإخبار الصادق فيجاب بما مرّ في القولة قبل هذا، وقيل قطع بالمغفرة فيما يرجع إلى حقه دون أخيه، وفيه بحث، وقوله وهو أرحم الراحمين تحقيق لحصول المغفرة لأنه عفا عنهم فالله أولى بالعفو والرحمة لهم فإن كانت الجملة دعائية فهو بيان للوثوق بإجابة الدعاء، وقد مرّ تحقيق التفصيل فيه، وقوله فإنه يغفر الصغائر والكبائر أو لا! رحمة البشر برحمته أيضا وهي جزء من مائة جزء من رحمته قيل، ولو علله بهذا كان أولى، وقوله والكبائر أي التي لا يغفرها غيره، وتفضله على التائب بمقتضى وعده بخلاف رخماء الناس قد يقبلون التوبة، وقد لا يقبلونها ودلالة ما ذكره على الكرم إذ جعل مجيئهم إليه ليس لأجل إكرامهم بل لإكرامه هو فالمنة لهم في ذلك وحفدة جمع حفيد أو حافد، وهو ولد الولد. قوله: (القميص الذي كان عليه الخ) يجوز رفع القميص بتقدير هو، ونصبه بتقدير أعني، وضعف القول الثاني لأنّ قوله أجد ريح يوسف يدل على أنه كان لابسا له لا في تعويذته كما تشهد به الإضافة إلى ضميره، وقيل إنه القميص الذي قدمن دبر أرسله ليعلم براءته من الزنا ولا يخفى بعده، وباء بقميصي للملابسة أو للمصاحبة أو للتعدية، والتعويذ التميمة التي تعلق للحفظ من لعين ونحوها. قوله: (يرجع بصيرا أي ذا بصر (أصل معنى الإتيان المجيء فإن كان على حقيقته يكون بصيراً حالاً وان تجوّز به عن معنى الصيرورة يكون خبرها وترك الوجه الأوّل لأنه المناسب لقوله ارتد بصيراً وهو يدل على أنه ذهب بصره وفي نسخة يصر بصيراً، ومجيئه له
يدل عليه قوله، وائتوني بأهلكم كما صرّح به المصنف ولو حمل على ظاهره احتاج إلى تكلف. قوله: (أنتم وأبي) إشارة إلى ما فيه من التغليب وما قيل إنه لا حاجة إليه لأنه كان شيخا كبيراً عاجزاً فهو داخل في الأهل غير حسن لأنه متبوع لا تابع وما ذكر. وا. جدا، وقوله فصلت العير أي خرجت من قولهم فصل القوم عن المكان، وانفصلوا بمعنى فارقو.، وقوله لمن حضره أي من ولد ولده. قوله: (أوجده الله ريح ما عبق بقميصه) أي جعله الله واجدا لريحه أي رائحته وعبق يعبق كفرح يفرح بمعنى التصق، وتسامحوا فيه فجعلوه بمعنى فاح منه الرائحة، ويخص بالرائحة الطيبة والرائحة لعرقه لا للبدن نفسه ففيه تجوز واضافته لأدنى ملابسة. قوله: (تنسبوني إلى الفند) بفتحتين
стр. 1668
وهو ضعف الرأي، والعقل من الهرم، وكبر السن وفنده نسبه إلى الفند وهو مأخوذ من الفند، وهو الحجر والصخرة كأنه جعل حجر القلة فهمه كماقال:
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ~ فكن حجرا من يابس الصخر جلدا
ثم اتسع فيه فقيل فندد إذا ضعف رأيه ولامه على ما فعله، ولذا لم يقل للمرأة مفندة لأنها
لا رأي لها حتى تضعف كذا في الكشاف والأساس، وقال الشمني إنه غريب ولا وجه لاستغرابه فإنه منقول عن أهل اللغة كما في القاموس، ولعل وجهه أنّ لها عقلاً وان كان ناقصا يسدّ نقصه بكسر السين فتأمّل، وقوله ذاني أي غير عارض لهرم ونحو.، وقوله لصدقتموني أو لأخبرتكم خبره لأنه مصذق، ولكن ظنوا ما قاله من وساوس الشيخوخة، وقوله أو لقلت أنه أي يوسف قريب مكانه أو لقاؤه. قوله: الفي ذهابك عن الصواب الخ) يعني أنّ الضلال بمعنى عدم الصواب، وجعله فيه لتمكنه، ودوامه عليه، ولا يليق تفسيره بجنونك القديم وإنما قالوا هذا لظنهم أنه مات، وقوله قدما بكسر القاف وسكون الدال المهملة بمعنى قديماً كما في قوله: ثنى عطفه عن قرنه حين لم يجد مكراً وقدماكان ذلك من فعلي
كذا في النبراس وهذا مما أهمله بعض أهل اللغة كصاحب القاموس، وأمّا القدم بالضم فبمعنى التقدم كما في مثلثات البطليوسي. قوله: (روي أنه قال كما أحزنته الخ الأنه الذي
حمل إليه ذلك القميص قيل الظاهر أن تطرح الفاء أو كما من العبارة، وقوله طرج البشير ففاعله ضمير البشير وهو الظاهر من قوله فألقوه على وجه أبي أو فاعله ضمير يعقوب ﵊ قيل وهو الأنسب للأدب. قوله: (عاد بصيرا) فبصيرا خبرها، ومن أنكر مجيئها بمعنى صار جعله حالاً، وانتعش بمعنى تحرّك وقوي حتى قوي قلبه، وحرارته الغريزية فأوصل نوره إلى الدماغ وأذاه إلى البصر فأبصر فلا يرد عليه أنّ الصواب أن يقال إنه معجزة ليعقوب ﵊ لأن قؤة البدن لا تفيد قوّة البصر، وقوله والمقول لا تيأسوا أي إن كان الخطاب لأولاده أو أني لأجد إن كان مع من حضر، وقوله ومن حق المعترف الخ لأن قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ تعليل لما قبله فلا وجه لما قيل إنّ المناسب لقوله يا أبانا إذ نادوه بما يقتضي العطف والشفقة أن يقال، ومن حق شفقتك علينا أن تستغفر لنا فإنه لولا ذلك لكنا هالكين لتعمد الإثم فمن ذا يرحمنا إذا لم ترحمنا، وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى هو المناسب للسياق والسباق. قوله: (أخره إلى السحر أو إلى صلاة الليل أو إلى ليلة الجمعة (قيل يأبى هذه الاحتمالات الثلاثة سوف لأنها أبلغ من السين في التنفيس فكان حقه على ما ذكر السين ورد بما في المغني من أنّ ما ذكره مذهب البصريين، وغيرهم يسوي بينهما، وهذا غير وارد حتى يحتاج إلى الدفع لأنّ التنفيس التأخير مطلقا، ولو أقل من ساعة فتأخيره إلى السحر، ومضى ذلك اليوم محل للتنفيس بسوف وإنما أخر لما ذكر لأنها أوقات الإجابة كما وردت به الأحاديث، وفي الكشاف وجه آخر، وهو أن يراد الدوام على الاستغفار قيل وهو مبنيّ على أن السين، وسوف تدل على الاستمرار في المستقبل، وفيه كلام في مغني اللبيب، وقد مرّ تحقيقه في قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء﴾ [سورة البقرة، الآبة: ١٤٢] . قوله:) أو إلى أن يستحل لهم من يوسف ﵊ أن يجعلهم في حل منه بالعفو عنهم الأوّل مبنيّ على ظن أنه لم يعف عنهم، والثاني على أنه عفا، ولكن أراد تيقنه بسماعه مته، وهذا على أن ما طلبوه عفو يوسف ﵊ عما فعلوه به وعفو المظلوم شرط المغفرة فيجب على الظالم أن
يتحلل منه، وهل يجب تعيين المظلمة له وقدرها لأنها إذا علمت قد لا تطيب نفسه بالعفو أو يكفي ذكرها إجمالاً فيه اختلاف للفقهاء، وقوله ولدك بضمّ فسكون جمع ولد، وقوله وعقد مواثيقهم أي عهد على نفسه أن يعطيهم النبوّة من قولهم عقاد الألوية، وفي النهاية هلك أهل العقد يعني أصحاب الولاية على الأمصار ثم تجوز بالعقد، والحل عن فصل الأمور إثباتا ونفياً وأصله في اللواء كما عرفت، وقوله إن صح إشارة إلى الاختلاف في نبوّتهم فعلى القول بها يكون ما صدر عنهم قبل النبوّة بدليل هذه الرواية. قوله: (وجه إليه) أي إلى يعقوب ﵊ وقوله واستقبله
стр. 1669
يوسف والملك يقتضي أنه لم يكن ملكاً، وإنما كان على خزائنه كالعزيز، وكأنّ الرواية مختلفة فيه فإنه قيل إنه تسلطن، وهو المشهور، والتجهيز حمله، وما معه، وفي قوله فلما دخلوا على يوسف إيجاز تقديره فرحل يعقوب ﵊ بأهله أجمعين، وساروا حتى أتوا يوسف ﵊ فلما دخلوا الخ. قيل وكان دخولهم يوم عاشوراء. قوله: (بضعة وسبعين رجلاَ) في الصحاح إذا جاوز العدد العشرة ذهب البضع فلا يقال بضع وعشرون لكن في المغرب ما يخالفه، وقد وقع في الحديث الصحيح في البخاريّ، وغيره: " الإيمان بضع وسبعون شعبة " ورأيت بضعة وثلاثين ملكاً، ولهذا قال الكرماني رحمه الله تعالى بعدما نقل كلام الجوهرفي أنه خطأ منه لأنّ أفصح الفصحاء تكلم به وكأنّ منشأ الغلط أنهم قالوا إنه لا يطلق على العشرة، وإنما يطلق على كسورها سواء كانت قبل العشرة أو بعدها فظن أنها لا تستعمل فيما بعدها فتأمّل، والهرمى جمع هرم. قوله: (ضم إليه أباه وخالته واعتنقهما نزلها منزلة الأمّ الخ) تنزيل منصوب على أنه مصدر تشبيهي أي نزل الخالة منزلة الأمّ كما نزل العم منزلة الأب بقطع النظر عن كونها زوجة يعقوب ﵊، وعلى الوجه الثاني أنه لما تزوّجها بعد أمّه صارت راية له فنزلت منزلة الأم لكونها مثلها في زوجية الأب، وقيامها مقامها، والرابة امرأة الأب غير الأم كما أنّ الولد من غيرها يسمى ربيبا واسم الخالة ليا، وقيل راحيل وقيل إنّ أمة كانت في الحياة، وما قيل إنّ الله أحياها لم يثبت،
ولو ثبت مثله لاشتهر. قوله: (والمشيئة متعلقة بالدخول المكيف بالأمن (قال صاحب التيسير الاستثناء داخل في الأمن لا في الأمر بالدخول لأنه أمر بالدخول، ووعد بالأمن والاستثناء يدخل في الوعد لا في الأمر وقال في الكشاف، إنّ المشيئة تعلقت بالدخول مكيفا بالأمن لأنّ القصد إلى اتصافهم بالأمن في دخولهم فكأنه قيل أسلموا وآمنوا في دخولكم إن شاء الله، ونظيره قولك للغازي ارجع سالما فإنما إن شاء الله فلا تعلق المشيئة بالرجوع مطلقاً، ولكن مقيداً بالسلامة والغنيمة مكيفاً بهما فقيل إنه إشارة إلى أنّ الكيفية مقصودة بالأمر كما إذا قلت ادخل ساجداً كنت آمراً بهما وليس إشارة إلى أنّ التركيب فيه معنى الدعاء إذ ليس المعنى على ذلك، وفيه نظر. قوله: (والدخول الآوّل كان في موضع خارج البلد حين استقبلهم) توفيق لما يترا أى من منافاة الأمر بالدخول للبلد بعد ذكر أنهم دخلوا عليه إذ الدخول عليه المتبادر منه أنه فيها بانّ الدخول الأوّل كان عليه في موضع الاستقبال خارج مصر فهو متقدّم على الثاني، وفي الكشاف يجوز أن يكون قد خرج في قبة من قباب الملوك التي تحمل على البغال فأمر أن يرفع إليه أبواه فدخل عليه القبة فآواهما إليه بالضمّ، والاعتناق، وقرّبهما منه، وقال بعد ذلك ادخلوا مصر، وليس فيه مخالفة للنظم كما توهم لأن قوله رفع أبويه المراد به رفعهما على سريره في مجلسه وهو شيء آخر. قوله: (تحية وتكرمة له) فإنّ السجود كان عندهم يجري مجراها دفع به السؤال بأنّ السجود لا يجوز لغير الله بأنه في غير شريعتنا، وقد كان جائزاً للتكرمة فنسخ وامّ أنه كان الأليق حينئذ سجود يوسف ليعقوب عليهما الصلاة والسلام فدفع بأنه تحقيق لرؤياه لحكمة خفية، وبأنّ يعقوب ﵊ إنما فعله لتتبعه الأخوة فيه لأنّ الأنفة ربما حملتهم على الأنفة منه فيجر إلى ظهور الأحقاد الكامنة، وعدم عفو يوسف ﵊. قوله: (وقيل معناه خرّوا لآجله سجدا) قال الإمام إنه قول ابن عباس ﵄، وهو الأقرب، وفي الكشاف إن في الكلام نبوة عنه فقيل لأنه جعله تأويل رؤياه من قبل، وقد ذكر فيها رأيتهم لي ساجدين، ودفع بأنّ القائل به يجعل اللام للتعليل فيهما كما صرحوا به أو بمعنى إلى ما في صلى للكعبة أي اتخذوني قبلة وسجدوا إليّ أي إلى جهتي وكون ضمير له لله مثله في المغني وإنما المخالفة بينهما في مرجع الضمير هل هو ليوسف ﵊ والمعنى خرّوا ليوسف سجداً لله أو خرّوا لله سجدا شكرا على ما لقوا من يوسف ﵊، وقوله والواو أي ضمير خروا للأبوين، والأخوة وقيل إنه للأخوة فقط أولهم، ولمن هنأه بهم، والقائل فرّ من سجود يعقوب ليوسف عليهما الصلاة والسلام إذ اللائق العكس، وقد مر توجيهه، وهذا لا يناسب تأويل
стр. 1670
الرؤيا. قوله: (والرفع مؤخر عن
الخرور إن قدم لفظاً (لأن الواو لا تدلّ على الترتيب، وهذا دفع لقول الإمام تقوية للوجه الثاني بأنّ قوله رفع أبويه وخرّوا يدل على أنهم صعدوا ثم سجدوا ولو كان السجود ليوسف ﵊ كان قبل الصعود يعني لأنه يكون تحية والمعتاد فعلها حين الدخول لا بعد الصعود والجلوس بخلاف سجدة الشكر، ومخالفة لفظه ظاهر الترتيب ظاهر المخالفة للظاهر فما قيل إن الملازمة غير بينة ولا مبينة ساقط. قوله:) رأيتها أيام الصبا) إشارة إلى أن من قبل متعلق برؤياي، وجوّز تعلقه بتأويل لأنها أوّلت بهذا قبل وقوعها، وجوّز أبو البقاء كون من قبل حالاً من رؤياي، وكون الغايات لا تكون حالاً تقدم ردّه، وقوله صدقا إشارة إلى أنّ الحق بمعنى الصدق، والرؤيا توصف به ولو مجازاً وليس في كلامه إشارة إلى أنّ جعل يتعدّى لاثنين إذ يجوز في حقاً أن يكون مصدراً لفعل محذوف كما يجوز أن يكون بمعنى ثابتاً أي حق ذلك المرئي حقاً وثبت ئبوتا. قوله تعالى:) ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بَي﴾ (أحسن أصله أن يتعدى بإلى أو باللام كقوله: وأحسن كما أحسن الله إليك فقيل ضمن معنى لطف فتعدى بالباء كقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ وقول كثير عزة:
أسيئي بنا أوأحسني لاملومة لدينا ولامقلية إن تقلت
وقيل بل تتعدى بها أيضا وقيل هي بمعتى إلى، وقيل المفعول محذوف أي أحسن صنعه
بي فالباء متعلقة بالمفعول المحذوف، وفيه حذف المصدر دمابقاء معموله، وهو ممنوع عند البصريين، وإذ منصوب بأحسن أو بالمصدر المحذوف وفيه النظر المتقدّم، وإذا كانت تعليلية فالإحسان هو الإخراج، والإتيان أو ظرفية فهو غيرهما، وقيل إن تعدية لطف بالباء غير مسلمة بل تعديته باللام يقال لطف الله له أي أوصل إليه مراده بلطف، وهذا ما في القاموس لكن المعروف في الاستعمال تعديه بالباء وبه صرح في الأساس وعليه المعوّل، وسترى تحقيقه عن قريب. قوله:) ولم يذكر الجب لئلا يكون تثريباً عليهم) ولأنّ الإحسان إنما تم بعد خروجه من السجن لوصوله للملك وخلوصه من الرق والتهمة والبادية والبدو والبداء بمعنى قيل سميت به لأنّ ما فيها يبدو للناظر لعدم ما يواريه، وقوله أهل البدو قيل إنّ يعقوب ﵊ تحوّل إلى البادية بعد النبوّة لأن الله لم يبعث نبيأ من البادية. قوله: (أفسد بيننا وحرّض الخ) الإفساد فعل الفساد، وأسنده إلى الشيطان مجازاً لأنه بوسوسته والقائه، وفيه تفاد عن تثريبهم أيضا والنزع كالنخس وهو معروف ثم استعمل مجازاً في الدخول للإفساد، وذكره لأنّ النعمة بعد البلاء أحسن موقعاً، وقوله الرابض بالراء المهملة، والباء الموحدة، والضاد المعجمة من ربض الدابة إذا رتع بها وكونه بالهمزة من الرياضة، وان صح غير مناسب. قوله: (لطيف
التدبير له) يعني اللطيف هنا بمعنى العالم بخفايا الأمور المدبر لها، والمسهل لصعابها، ولنفوذ مشيئته فإذا أراد شيئا سهل أسبابه أطلق عليه اللطيف لأنّ ما يلطف يسهل نفوذه قال الراغب اللطيف ضد الكثيف، ويعبر اللطف عن الحركة الخفيفة، وتعاطي الأمور الدقيقة فوصف الله به لعلمه بدقائق الأمور ورفقه بالعباد فقوله لما يشاء متعلق بلطيف لأنّ المراد مدبر لما يشاء لا أنه يتعدى باللام كما صرّح به في الدر المصون وقال الطيبي رحمه الله تعالى أنّ المعنى لأجل ما يشاء فليس متعديا باللام كما قيل يعني إن هذا الاجتماع ثم طيب العيش، وفراغ البال بتسهيل الله له بعد صعوبته، وقوله إنه هو العليم الحكيم أي كونه المدبر في أفعاله لكونه عليما بجميع الاعتبارات الممكنة فيسهل صعابها، ويحكم بمقتضى الحكمة، وعن قتادة رحمه الله تعالى لطف بيوسف ﵊ إذ أخرجه من السجن، وأتى بأهله من البدو ونزع نزغ الشيطان مما بينهم، وما أعقك بمعنى ما أعظم عقوقك وقيل المعنى ما جعلك عاقالي بترك الصلة بالمكتوب، وعندك هذه القراطيس، وقوله أنت أبسط مني إليه أي أقرب مني وأدلّ عليه من التبسط في الملاقاة، وقوله فهلا خفتني كان الظاهر فهلا خافني لكنه خاطبه تنزيلاً له منزلة الحاضمر، وهكذا المعتاد في ذكر جناية الجاني أن يؤتى فيها بالخطاب. قوله: (بعض الملك وهو ملك مصر) الضمير إما للمضاف أو للمضاف إليه، والاحتمال الثاني لا ينافي
стр. 1671
قوله مكنا ليوسف في الأرض يتبوّأ منها حيث يشاء لأنه لم يكن مستقلاً فيه، وان كان ممكنا في جميع أرضها فتأمل. قوله: (الكتب أو الرؤي) جمع رؤيا، وقوله أيضا أي كالتي قبلها، وقوله لأنه لم يؤت كل التأويل أي تأويل الكتب أو الرؤي لأنه لا يمكن أن يؤتى جميعها وإن كانت له ملكة ما لم يؤت، وقوله فاطر السماوات نعت لقوله رب أو بدل أو بيان أو نداء ثان أو منصوب بأعني، وقوله برأسه أي مستقل. قوله: (ناصري أو متولي أمري الخ) يعني الوليئ إما من الموالاة فهو بمعنى الناصر أو من الولاية فمعناه متكفل بأمره أو بمعنى المولى كالمعطى لفظاً
ومعنى أي معطي نعم الدنيا والآخرة، وقوله أقبضني لأنّ التوفي استيفاء الشيء بقبضه وأخذه فلذا أطلق على الموت قيل، وفي تفسيره بهذا ذهاب إلى أنه تمنى الموت ولذا قيل إنه لم يتمن الموت نبيّ قبله ولا بعده وقيل إنه لم يتمن الموت وإنما عدد نعم الله عليه ثم دعا بأن تدوم تلك النعم في باقي عمره حتى إذا حان أجله قبضه على الإسلام وألحقه بالصالحين والحاصل أنه بمعنى الموافاة على الإسلام لا الموت ولا يرد عليه أنّ من المعلوم أنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يموتون إلا مسلمين إما لأنّ الإسلام هنا بمعنى الاستسلام لكل ما قضاه الله أو بيان لأنه، وان لم يتخلف ليس إلا بإرادة الله، ومشيئته وهو ظاهر، والحاصل أنهم اختلفوا في قوله توفني مسلما هل هو تمني الموت أو لا فكثير من المفسرين على أنه طلب الموت وبعضهم قالوا إنه طلب الوفاة في حال الإسلام وليس فيه دلالة على طلب الوفاة كقوله: ﴿وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٣٢] طلب موتهم في حال الإسلام لا موتهم. قوله: (في الرتبة والكرامة) قيل يوسف ﵊ من كبار الأنبياء والصلاح أوّل درجات المؤمنين فكيف يليق به أن يطلب اللحاق بمن هو في البداية وأجيب بأنه طلبه هضما لنفسه فسبيله سبيل استغفار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذ قوله في الرتبة والكرامة راجع إلى قوله آبائي وفيه بعد ودفع بأن عامة الصالحين داخل فيهم أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهو يريد من الله أن ينال كرامتهم فلا يرد السؤال حتى يحتاج إلى ما ذكر من الجواب، ولا يخفى ما فيه فإن عامة الصالحين إن أريد به الأنبياء منهم فلا دلالة للفظ عليه، وان أبقى على ظاهره عاد السؤال فالحق هو الجواب الأوّل فتأمل. قوله: (ثم تاقت نفسه إلى الملك المخلد (أي اشتاقت نفسه إلى الملك المخلد وهو الآخرة رغبة وزهادة في ملك الدنيا وقوله فتمنى الموت أي بقوله توفني، وهو على أحد القولين، وقوله فتخاصم أهل مصر أي طلب كل أن يدفن في محلته والمدفن محل الدفن والصندوق بضم الصاد على الأفصح. قوله: (شرعا فيه) بفتحات بمعنى سواء كقوله:
مجدي أخير أو مجدي أوّلاً شرع
وفي شرح الفصيح قال ابن درستويه قولهم أنتم فيه شرع أي سواء كأنه جمع شارع كخدم
في جمع خادم أي كلكم يشرع فيه شروعاً ويستوي فيه المذكر والمفرد وغيره، وأجاز كراع والقزاز تسكين رائه، وأنكر. يعقوب في الإصلاح، وقال إنما شرع بالسكون بمعنى حسب اهـ، وقوله ثم نقله موسى ﵊ إلى مدفن آباً ئه ببيت المقدس بعد أربعمائة سنة قيل، وأخرجه من صندوق المرمر لثقله، وجعله في تابوت من خشب، وعمره مائة وعشرون سنة نقله في اللباب عن التوراة، وقيل مائة وسبع سنين ففيه اختلاف، وقوله وهو جد يوشع ﵊ الضمير لا فراثيم فكان ينبغي ذكره بجنبه ورحمة عطف عى إفراثيم وقوله ذلك إشارة وجوز فيه أن يكون اسما موصولاً، وهو مذهب مرجوج في كل اسم إشارة كما بينه النحاة. قوله: (خبران له) أي لذلك ويجوز في جملة نوحيه أن تكون حالاً، وقوله كالدليل عليهما أي على الخبرين، وهو خبر مبتدأ محذوف، وقوله حين عزموا عزمهم همهم بإلقائه في الجب أو مكرهم بيوسف إذ حثوه على الخروج معهم وبأبيهم في استئذانه. قوله: (فتعلمتة منه) وفي نسخة فتعلمه وأصله فتتعلمه، وقوله وإنما حذف هذا الشق الخ يعني أن الدال على أنه إخبار بالغيب مجموع أمرين عدم مشاهدته للقصة، وأصحابه وعدم ملاقاة من يعلمه ذلك فحذف الثاني لعلمه من ذكره في آية أخرى، وفي الكشاف وجه آخر، وهو أنه تهكم بهم إذ جعل المشكوك فيه كونه حاضرا معهم مشاهدأ لمكرهم فنفاه بقوله: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾ الخ فلما جعل
стр. 1672
المشكوك فيه ما لا ريب فيه دل على أنّ كونه لم يتعلم كفلق الصبح فجاء التهكم البالغ إذ حاصله أنكم أيها المكابرون علمتم أنه لم يشاهد من مضى من القرون الخالية وانكاركم لما أخبر به يفضي إلى أن تكابروا في عدم مشاهدته لهم وهذا كقوله: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٤٤، بهذا، ومنه ظهر وجه العدول عن أسلوب قوله ما كنت تعلمها أنت ولا قومك في سورة هود إلى هذا الأسلوب، وهذا أبلغ مما ذكره المصنف ﵀، وذكر لتركه نكتة أخرى، وهي أن المذكور مكرهم، وما دبروه، وهو مما أخفو. حتى لا يعلمه غيرهم فلا يمكن تعلمه من الغير، ولذا ترك الثاني، وهو وجه حسن. قوله: (وأما كثر الناس ولو حرصت الخ (حرص من باب علم، وضرب وكلاهما لغة فصيحة،
وجملة ولو حرصت معترضة بين المبتدأ والخبر وقوله على الأنبياء بكسر الهمزة مصدر وتعريفه للعهد أي هذا الأنباء أو للجنس، والضمير عليه عائد على ما يفهم مما قبله، وكذا إذا عاد على القرآن ومعنى عليه على تبليغه والجعل الأجرة وحملة جمع حامل وحامل الخبر من يقصه ويحكيه مجاز مشهور.
قوله: (إن هو إلا ذكر عظة) إن نافية، والذكر بمعنى التذكير والموعظة، وهو كالتعليل
لما قبله لأن الوعظ العام ينافي أخذ الأجر من البعض لأنه لا يختص بهم وقوله وكم يشير إلى أن كأين بمعنى كم التكثيرية الخبرية هنا وان وردت للاستفهام، والكلام عليها مفصل في النحو، وقوله وكأيّ عدد شئته وفي نسخة شئت إشارة إلى أنّ تمييزها مجرور بمن دائما أو أكثرياً وهي زائدة أو مبينة للتمييز المقدر، والآية هنا بمعنى الدليل الدال على ما ذكر وهي وإن كانت مفردة بمعنى الآيات لدلالة كأين على كثرتها ولذا فسرها بالجمع وقوله في السماوات والأرض صفة آية وجملة يمرّون خبر كأين وجوز العكس فيه، وعلى رفع الأرض! يكون في السماوات خبر كأين، وقوله ويشاهدونها لأنه ليس القصد إلى مجزد المرور بل مع المشاهدة وعدم الاعتبار بها، وقوله فيكون لها الضمير في عليها الأولى أن يقول فيكون الضمير في عليها لها أي للأرض! لا للآيات كما في القراءة الأخرى. قوله:) وبالنصب على ويطؤون (أي قرئ الأرض! بالنصب بفعل محذوف تقديره ويطؤون الأرض، وقوله يمرّون عليها تفسير لها فهو من الاشتغال المفسر بما يوافقه في المعنى، وجوز فيه كون يمزون حالاً من ضمير يطؤون أو من الأرض، وقوله يتردّدون أي يذهبون ويجيئون، وهذا تفسير له على القرا آت الثلاث لا على القراءة الأخيرة أو هو لها ويعلم منه حال القراءتين بالقياس، ولا مانع منه، وقوله فيرون الآثار الأمم الهالكة وقريب منه ما قيل فيشاهدون ما فيها من الآيات وليس بينهما فرق كبير كما قيل. قوله: (في إقرارهم) قيل لا يظهر لإقحام لفظ الإقرار فائدة، وقيل فائدته أنها نزلت في المشركين، والمعلوم إقرارهم لا مواطأة قلوبهم، وفيه نظر وكأنه إشارة إلى أنه إيمان لساني إذ
لا اعتداد به مع الشرك، وقوله بعبادة غيره بناء على أنها في مطلق المشركين، واتخاذ الأحبار أربابا لأهل الكتاب لأنهم اتخذوا أحبارهم أربابا من دون الله، والتبني أي اتخاذ الابن لله بقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله، والقول بالنور الخالق للخير، والظلمة الخالقة للشرّ الذاهب إليه المانوية، والمجوس من الثنوية، وقوله النظر إلى الأسباب كالمال، والكسب، ونحو ذلك كالاعتماد على الخلق، وهو بيان للشرك الخفي المعنوي،، كذا نسبه الآثار إلى الكواكب، وقولهم: " مطرنا بنوء كذا " كما وقع في الحديث، وقلما ينجو من النظر إلى الأسباب أحد، ولذا قال في الحكم كلك شرك خفيّ. قوله: (وقيل الآية في مشركي مكة) أي على الاحتمال الأوّل، ولو قال فقيل كان أظهر، وكذا على الثاني يرجع إليه أيضاً، وقوله وقيل في أهل الكتاب على الاحتمال الثاني، وعلى الاحتمال الثالث فهو في الثنوية وعلى الرابع عام. قوله: (عقوبة تفشاهم وتشملهم) فسر الغاشية بالعقوبة ليظهر تأنيثها، وبالمضارع إشارة إلى دلالة اسم الفاعل محلى الاستقبال، وقوله تشملهم تفسير لتغشاهم، وأنه من الغشاوة الدالة على الشمول والإحاطة لا من الغشيان بمعنى الإتيان لتكرره، وقلة جدواه، والعقوبة نعم الدنيوية والأخروية، وفجاة بضم الفاء والمد أو بالفتح، والقصر بمعنى المفاجأة والبغتة، وقوله من غير سابقة علامة من إضافة الصفة للموصوف أو سابقة مصدر بمعنى سبق، وهو قليل وقوله غير مستعدين بالنصب إشارة إلى أنّ عدم الشعور
стр. 1673
عبارة عن عدم الاستعداد بتوبة، ونحوها فيفيد مع قوله بغتة، ولا حاجة إلى جعله تأكيداً لها كما قيل والجملة حالية كما أشار إليه بتأويلها بغير مستعدين. قوله: (يعني الدعوة إلى التوحيد الخ (فهذه إشارة إلى الدعوة ولذا أنث، وان صح تأنيثه باعتبار السبيل أيضا لأنها مؤنثة في الأكثر كالطريق ودعوته إلى التوحيد معلومة من قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ﴾ لدلالته على أنّ كونه ذكراً لهم لاشتماله على التوحيد لكنهم لا يرفعون له رأسا ودعوتهم للإيمان معلومة من حرصه على إيمانهم فإنه بدعوتهم له، والإعداد للمعاد من التخويف من مفاجأته من غير استعداد وجعل أدعو إلى الله مفسر الماء ذكر أما
بالنسبة إلى التوحيد واما بالنسبة للإعداد فكأنه من قوله على بصيرة لأن من كان على بصيرة استعد، وحمل غيره على الاستعداد أو هو تفسير للأهم المقصود بالذات منه، ومعنى أدعو إلى الله إلى معرفته بصفات كماله ونعوت جلاله ومن جملتها التوحيد والبعث. قوله: (وقيل هو حال من الياء (وعلى الأوّل الجملة تفسيرية لا محل لها من الإعراب وتمريضه لأن الحال من المضاف إليه في مثله مخالفة للقواعد ظاهراً، ولذا تكلف بعضهم فقال إنه حينئذ مفعول مصدر مقدّر أي سلوك سبيلي لا لأنها تقييد للشيء نفسه لأن تقييدها بكونها على بصيرة يدفعه. قوله: (واضحة غير عمياء) قد مرّ تحقيقه فتذكره، وقوله أو في على بصيرة أي أو للضمير المستتر في على بصيرة لأنه حال فيستتر فيه ضمير المتكلم وكذا إذا كان خبراً، وقوله عطف عليه أي على أنا في الوجه الأخير ولم يذكر عطفه على المستتر في الوجه الآخر لظهوره، وإذا عطف على المستتر ففيه تغليب كما مرّ تحقيقه في قوله: ﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٣٥] ومنهم من قدر في مثله فعلا عاملا في المعطوف، وقيل معنى قوله عطف عليه على المستتر لتأكده بالمنفصل، ولا يصح عطفه على أنا لكونه تأكيداً، ولا يصح في المعطوف كونه تأكيداً كالمعطوف عليه فتأمّل، وقوله أو مبتدأ عطف على قوله تأكيد، وقوله وأنزهه تنزيهاً إشارة إلى أنه منصوب. على المصدرية بفعل محذوف هو المعطوف، وقوله من الشركاء خصه به لدلالة السياق والسباق عليه. قوله:) رذ لقولهم لو شاء ربنا لأنزل ملانكة الخ) أي نفي له كما مز في سورة الأنعام، وقيل معناه نفى استنباء النساء، وفيه اختلاف أيضاً كما مرّ وهذا التفسير منقول عن ابن عباس ﵄ وأمّا كونه نزل في سجاج بنت المنذر المتنبئة فلا صحة له، وإنما هو غلط من عبارة الزمخشري لأنّ ادّعاءها النبوّة كان بعد النبيّ ﷺ وكونه إخباراً بالغيب لا قرينة عليه وهي التي قيل فيها:
أضحت نبيتنا أنثى نطوف بها ولم تزل أنبياء الله ذكرانا
وتزوّجها مسيلمة لعنه الله ثم أسلمت بعده، وحسن إسلامها وقصتها معروفة في التواريخ. قوله: (وقرأ حفص! نوحي) بالنون وهو مناسب لقوله أرسلنا، وقوله في كل القرآن يعني هنا، وفي النحل والأوّل من الأنبياء كما في النشر وكون أهل القرى أعلم من أهل البادية وأحلم مما لا شبهة فيه، ولذا يقال لأهل البادية أهل الجفاء، ونقل عن الحسن ﵀ أنه
قال ل! يبعث رسول من أهل البادية، ولا من النساء ولا من الجن، وأما قوله تعالى: ﴿وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ﴾ فقد مر أنهم ليسوا أهله، وإنما كانوا يخرجون إليه بمواشيهم، وكان مجيئهم إذ ذاك منه. قوله:) من المكذبين بالرسل والآيات الخ (المشغوفين بالغين المعجمة ويجوز إهمالها، وقوله فيقلعوا أي يكفوا يقال أقلع عن الأمر إذا كف عنه، وفي نسخة ينقلعوا والصحيح الأولى. قوله:) ولدار الحال أو الساعة أو الحياة الآخرة) إشارة إلى المذهب المختار في مثله فإن فيه مذهبين أحدهما أنه من إضافة الموصوف للصفة، والآخر أنه يقدر للصفة موصوف كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وهو خلاف مشهور بين الكوفيين، والبصريين في مثل بقلة الحمقاء، ومسجد الجامع. قوله:) يستعملون عقولهم ليعرفوا) وفي نسخة فيستعملون عقولهم بالفاء التفسيرية، وأما في النظم فسببية مزحلقة. قوله: (حملاَ على قوله قل هذه سبيلي أي قل لهم أفلا تعقلون (أي أنه من مقول قل أي قل لهم مخاطبا أفلا تعقلون فالخطاب على ظاهره، وقوله وما أرسلنا إلى من قبلهم أو اتقوا اعتراض بين مقول القول، ولا ينافي الثاني كون تفسيره لقوله أفلا تعقلون على القراءتين كما توهم ولو جعل هذا التفاتا كان
стр. 1674
أظهر. قوله: (غاية محذوف دل عليه الكلام الخ (لما لم يكن في الكلام شيء تكون حتى غاية له اقتضى ذلك تقدير أمر يكون مغيي بها، واختلفوا في تقديره، وما قدره المصنف رحمه الله تعالى مأخوذ من محصل الكلام الذي قبله، وقوله أيس إشارة إلى أنّ الاستفعال بمعنى المجرد هتا، وقوله من غير وازع بزاي معجمة وعين مهملة أي مانع وكاف. قوله: (وظنوا أنهم قد كذبوا) في هذه الآية قراآت فقرأ الكوفيون كذبوا بالتخفيف، والباقون بالتثقيل فعلى التخفيف ضطرب الناس فيها فمنهم من أنكرها، وهو مروقي عن عائشة ﵂ قالوا، والظاهر أنه غير صحيح عنها فإنها قراءة متواترة، وقد وجهت بوجوه منها أنّ ضمير ظنوا عائد على المرسل إليهم لعلمهم مما قبله ولأنّ ذكر الرسل يستلزم ذكر المرسل إليهم، وضمير أنهم، وكذبوا للرّسل أي ظن المرسل إليهم أنّ الرسل قد كذبوا أي كذبوا فيما أرسلوا إليه بالوحي في نصرهم عليهم، ومنها أنّ الضمائر الثلاثة عائدة على الرسل عليهم الصلاة والسلام، والتقدير كما في الكشاف حتى إذا استيأسوا من النصر، وظنوا أنهم قد كذبوا أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم أنهم ينصرون أو رجاؤهم لأنه يقال للرّجاء صادق وكاذب والمعنى إنّ مدة التكذيب والعداوة
من الكفار، وانتظار النصر من الله وتأميله تطاولت حتى استشعروا القنوط، وتوهموا أنه لا نصر لهم في الدنيا فجاءهم نصرنا قال الحلبيّ ﵀ فجعل الفاعل المقدر إمّا أنفسهم أو رجاءهم، وجعل الظن بمعنى التوهم لا بمعناه الأصلي، ولا بالمعنى المجازي وهو اليقين، ومنها أنّ الضمائر كلها للرّسل عليهم الصلاة والسلام والظن بمعناه واليه نحا ابن عباس ﵄، وابن مسعود وابن جبير قالوا الرسل ضعفوا وساء ظنهم، قيل ولا ينبغي أن يصح هذا عنهم فإنه لا يليق بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولذا نقل عن عائشة ﵂ إنكار هذا التأويل، وقال الزمخشري، وتبعه المصنف رحمه الله تعالى إن صح هذا عن ابن عباس ﵄ فقد أراد بالظن ما يخطر بالبال، ويهجس في القلب من شبه الوسوسة، وحديث النفس على ما عليه البشرية، وأما الظن فلا يليق بآحاد المسلمين فضلاً عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قال السمين ولا يجوز أيضاً أن يقال خطر بب لهم شبه الوسوسة فإنها من الشيطان، وهم معصومون عنها فإن ذهب ذاهب إلى أن المعنى ظن الرسل الذين وعد الله أممهم على لسانهم أنهم قد كذبوا فقد أتى بأمر عظيم لا يجوز نسبته إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بل إلى صالحي الأمّة، وكذا ما أسند إلى ابن عباس فإن الله لا يخلف الميعاد، ولا مبذل لكلماته، ومنها أنّ الضمائر كلها للمرسل إليهم أي ظن المرسل إليهم أنّ الرسل قد كذبوهم فيما ادعوه من النبوّة وفيما وعدوا به من لم يؤمن من العقاب، وهو المشهور عن ابن عباس وغيره من الصحابة ﵃ قالوا لا يجوز عود الضمير على الرسل عليهم الصلاة والسلام لأنهم معصومون، وحكي أنّ ابن جبير سئل عن معناها فقال معناها إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم وظن المرسل إليهم أنّ الرسل قد كذبوهم فقال الضحاك وكان حاضراً لو رحلت في هذا لليمن كان قليلا، وأمّا قراءة التشديد فالضمائر فيها للزسل عليهم الصلاة والسلام أي ظن الرسل أنهم قد كذبهم أممهم فيما جاؤوا به لطول البلاء عليهم فجاءهم نصر الله عند ذلك " وهو تفسير عائشة ﵂ المتقول عنها في البخاري " فيتحد معنى القراءتين، والظن على هذا بمعناه أو بمعنى اليقين أو التوهم، وقرأ ابن عباس ﵄ والضحاك، ومجاهد كذبوا مخففاً مبنيا للفاعل فضمير ظنوا للأمم، وأنهم قد كذبوا للزسل أي ظن المرسل إليهم أنّ الرسل قد كذبوهم فيما وعدوهم به من النصر أو العقاب، ويجوز عود ضمير ظنوا للرسل، وأنهم وكذبوا للمرسل إليهم أي ظن الرسل عليهم الصلاة والسلام أن الأمم كذبتهم فيما وعدوهم به من أنهم يؤمنون بهم والظن الظاهر أنه بمعنى اليقين وقال أبو البقاء أنه قرئ مشدّدا مبنياً للفاعل، وأوّله بأن الرسل عليهم الصلاة والسلام ظنوا أن الأمم قد كذبوهم في وعدهم، ولم يقف الزمخشري على أنها قراءة فقال لو قرئ بها صح هذا خلاصة
ما قالوه في هذه الآية فلنرجع إلى كلام المصنف رحمه الله تعالى. قوله: (أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون) الضمائر في هذا الوجه وفي الثاني للرسل، ولذا قابلهما الثالث، وجعله شراج الكشاف
стр. 1675
على هذا من باب التجريد وفيه نظر، وقوله بأنهم ينصرون ناظر إلى قوله فيما قبيله من النصر عليهم، وقوله في الثاني بوعد الإيمان ناظر إلى قوله أو عن إيمانهم، وقيل عليه إنّ تحديث أنفسهم بالنصر بوعد من الله كما سيأتي عن ابن عباس ﵄ فظن كذب أنفسهم ظن بكذب وعده تعالى، وليس بلازم أن يكون بوعد من الله إذ يجوز تحديثها لهم بأمر لم يوعدوا به كما أشار إليه في الكشف، وأمّا تحديثها ب! يمانهم فظاهر، ولا حاجة فيه إلى جعل الظن بمعنى اليقين حتى يرد عليه ما قيل إن الظن لا يستعمل بمعنى اليقين والعلم فيما يكون محسوساً فلا يقال أظنني إنسانا، ولا أظنني حيا. قوله: (وقيل الضمير للمرسل إليهم) أي الضمائر الثلاثة، وتقدم توجيه عوده إلى المرسل، والدعوة قوله إني مبعوث إليكم وأمرهم بالتوحيد. قوله: (وقيل الأول للمرسل إليهم والثاني للرّسل عليهم الصلاة والسلام الخ) المراد بالثاني ضمير أنهم ولم يذكر الثالث لعلمه من كون الثاني للرسل، والا لزم خلو جملة الخبر من العائد، وقوله وما روي عن ابن عباس ﵄ الخ إن صح كذا في الكشاف، ولا وجه لقوله إن صح مع أنه مروفي في البخاري والجواب بأنّ روايته فيه لا تقتضي تواتره ليس بشيء، وقوله على طريق الوسوسة اعترض! عليه بأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منزهون عن وسوسة الشيطان كما مرّ، وأجيب بأنه لم يقل إنه وسوسة بل على طريق الوسوسة، ومثالها من حديث النفس، وهو غير الوسوسة. قوله:) هذا وانّ المراد الخ) أي الأمر هدّا أو مضى هذا وهو توجيه آخر لكلام ابن عباس ﵄ بأنّ المراد بظنهم كذب النفس في حديثها المبالغة في التراخي، وطول المدة على طريق التمثيل أي الاسنعارة التمثيلية بأن شبه المبالغة في التراخي بظن الكذب باعتبار استلزام كل منهما لعدم ترتب المطلوب فاستعمل ما لأحدهما للآخر. قوله: (وقرأ غير الكوفيين بالشديد (في هذا الوجه الضمائر للرسل، وما في ما أو عدوهم مصدرية أي في إيعاد الرسل المرسل إليهم، وقوله عند قومهم متعلق بحدثوا، وقيل تنازع فيه كذبوا وحدثوا، وقد ذكر الزمخشريّ في هذه القراءة ثلاثة أوجه اختار المصنف ﵀ ثانيها
لاستبعاد أوّلها ورجع الثالث إلى الثاني في المبني للمفعول. قوله:) النبي والمؤمنين) بالنصب على أنه عطف بيان لمن أو بتقدير يعني وننجي قرأها ابن عامر، وعاصم بنون واحدة، وجيم مشذدة وياء مفتوحة على أنه ماض مبني للمفعول ومن نائب الفاعل، والباقون بنونين ثانيهما ساكنة والجيم خفيفة، والياء ساكنة مضارع أنجى، ومن مفعوله، والفاعل ضمير المتكلم المعظم نفسه، وقرأها الحسن، ومجاهد في آخرين كعاصم إلا أنهم سكنوا الياء والأجود تحريكها وتسكينها للتخفيف، ومثله كثير، وقيل الأصل ننجي بنونين فأدغم النون في الجيم ورذ بأنها لا تدغم فيها، وقد ذهب بعضهم إلى جواز إدغامها وقرأها جماعة كالباقين إلا أنهم فتحوا الياء ورويت عن عاصم، وليست بغلط كما توهم لأنه مضارع منصوب، وقرأ الحسن ننجي بنونين وجيم مشذدة وياء ساكنة مضارع نجى المشذد، وقرأ نصر وأبو حيوة نجا ماضياً مخففا، ومن فاعله وقرأها ابن محيصن كذلك إلا أنه شدد الجيم، والفاعل ضمير النصر ومن مفعوله، وقد رجحت قراءة عاصم بأن المصاحف اتفقت على رسمها بنون واحدة وقال مكيّ أكثر المصاحف عليه فأشعر بوقوع خلاف في الرسم، وأما على الأخرى فلا خفاء بها ورسمت بنون واحدة تشبيها للإخفاء بالإدغام فكما حذف في الإدغام حذف فيه بل هو أولى، وقوله وإنما لم يعينهم الخ أي أنه ظاهر غير محتاج إلى التعيين لأنهم هم المستحقون للنجاة وقيل للإشارة إلى أنه بمجزد مشيئة الله من غير استحقاق له لأحد وقوله وفيه بيان المشيئين أي من شاء الله نجاتهم لأنه يعلم من المقابلة أنهم من ليسوا بمجرمين وهم المؤمنون، ومشيئين جمع مشيء كمريء اسم مفعول من شاء فهو شاء، والآخر مشيء كراء فهو راء وذاك مريء، وقيد عدم رذ البأس بالنزول لأنه قبل النزول قد يدفع ويردّ وهو ظاهر. قوله:) في قصص الآنبياء الخ) القصة ما يجري بين الناس بعضهم مع بعض كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع الأمم ويوسف مع إخوته ورجح الزمخشري التفسير الأوّل بقراءة قصصهم بكسر القاف جمع قصة، والمفتوج مصدر بمعنى المفعول وردّ بأنّ قصة
стр. 1676
يوسف ﵊ وأبيه واخوته مشتملة على قصص، وأخبار مختلفة، وقد يطلق الجمع على الواحد كما مز في أضغاث أحلام، وهو كما قيل إلا أنه خلاف المتبادر المعتاد فإنه يقال في مثله قصة لا قصص. قوله: الذوي العقول المبرأة عن شوائب الألف والركون إلى الحس (فسره به لأن اللب وان كان بمعنى العقل لكن أصله للخالص من الشيء فلذا يقال لكل شيء خالص إنه لب كذا فاعتبر خلوص العقل عن الأوهام الناشئة عن الألف والحس، ولم يقف عليه قال إن المصنف رحمه الله تعالى حمله على العقل
بالفعل فلذا قيده به، ولا حاجة إليه. قوله: (ما كان القرآن حديثاً مفتري) يعني اسم كان ضمير راجع للقرآن المفهوم من القصص إذا قرئ بالكسر ولا يعود لها لأنه كان يلزم تأنيث ضميره وإذا قرئ بفتح القاف يجوز أن يعود إلى القصص والى القرآن لكنه فسره بما يجري على القراءتين، وعوده إلى القصص بالفتح في القراءة به، واليه في ضمن المكسور، وتذكيره باعتبار الخبر، وان جوز لا حاجة إليه. قوله تعالى: ( ﴿وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ) العامة على نصب تصديق على عطفه على خبر كان، وقرأ غيرهم تصديق بالرفع وقد سمع من العرب فيه الرفع والنصب والمراد بما بين يديه ما تقدمه من الكتب الإلهية. قوله: (وتفصيل كل شيء يحتاج إليه في الدين الخ) قيل عبارة كل للتكثير، والتفخيم لا للإحاطة والتعميم كما في قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النمل، الآية: ٢٣] ومن لم يتنبه لهذا احتاج إلى تخصيص الشيء بالذي يتعلق بالدين، ثم تكلف في بيانه فقال إذ ما من أمر ديني إلا وله سند من القرآن بوسط أو بغير وسط، ولم يدر أن عبارة التفصيل لا تتحمل هذا التأويل ورد بأنه متى أمكن حمل كلمة كل على الاستغراق الحقيقي لا تحمل على غيره، والعجب أن هذا القائل قال في تفسير قوله تعالى، وتفصيلا لكل شيء يحتاج إليه في الدين ففيه دلالة على أنه لا اجتهاد في شريعة موسى ﵊ لأنه فرع الإجمال في بعض الأمور الدينية فبين كلاميه مناقضة ظاهرة والمنصوص عليه في التوراة ستمائة حكم، وشيء والوقائع غير متناهية فكيف لا يكون في شرعه اجتهاد والتفصيل هنا بمعنى التبيين كما صرح به في اللغة فلا ينافي الإجمال، والفرع الذي ذكر. من كونه لا اجتهاد في الشرائع السابقة مما لم يتعرّضوا له في الأصول لأنه لا يترتب عليه حكم الآن، والظاهر أنه غير صحيح لما ذكره المجيب. قوله: (يصدّقونه) قيل حمل الإيمان على معناه اللغوي فقدر له مفعولاً، والأولى أن يحمل على المصطلح عليه كي لا يدخل فيه من يصدق بقلبه، ويجحد به عناداً، ولا يخفى أن من هذا حالاً لا يعتد بتصديقه، ولا يسمى مؤمناً فالمراد تصديقه تصديقا متعارفا، وهو ما طابق فيه اللسان الجنان. قوله: (وعن النبي ﷺ " علموا أرقاءكم سورة يوسف " (الأرقاء بالمد جمع رقيق، ولعل تهوين سكرات الموت لدعائه ﷺ بقوله توفني مسلما وألحقني بالصالحين، وأما عدم الحسد فلاعتباره بما وقع بسبب حسد يوسف ﵊ لإخوته وان كان سبباً
لرفعته في الدنيا والآخرة كما قال:
عداي لهم فضل عليّ ومنة فلا قطع الرحمن عني إلاعاديا
وهذا الحديث رواه الثعلبي والواحدي وابن مردويه عن أبيّ ﵁، وهو موضوع، وقال ابن كثير أنه منكر من جميع طرقه وهو من الحديث المشهور الذي ذكر فيه فضائل جميع السور، وقد اتفقوا على أنه موضوع تمت السورة والحمد لله على جميع آلائه، والصلاة والسلام على أشرف مخلوقاته وخاتم أنبيائه، وعلى آله وأصحابه ما دعى الله بأسمائه اللهم يسر لنا خدمة كلامك ووفقنا لفهم معانيه بإلهامك إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.
سورة الرعد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله:) سورة الرعد (خبر مبتدأ محذوف ومدنية خبر آخر أو هو مبتدأ وخبر. قوله:
(مدنية وتيل مكية) قال الداني في كتاب العدد وكونها مكية قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وقال قتادة هي مدنية إلا قوله
стр. 1677
ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة، وروي من أوّلها إلى آخر ولو أن قرأنا الآية نإنه مدنيّ وباقيها مكي، وهي ثلاث وأربعون في الكوفي، وأربع في المدني، والمكي وخمس في البصري، وسبع في الشامي. قوله: (قيل معناه أنا الله أعلم وأرى) هذا بناء على أنها حروف مقتطعة من كلمات، وهو أحد الأقوال السابقة، وتخصيصه هنا هذا الوجه لأنه مأثور روي عن مجاهد كما في الدرّ المنثور فما قيل من أنه لا وجه له لا وجه له. قوله: (يعني بالكتاب السورة الخ (ليس من باب إطلاق اسم الكل على البعض لأنّ الكتاب بمعنى المكتوب صادق على السورة فلا داعي إلى التجوّز من غير قرينة، والحامل على ذلك ما ستراه في تصحيح الحمل، وقوله وتلك إشارة إلى آياتها باعتبار أنها التلاوة بعضها والبعض الآخر في معرض! التلاوة صارت كالحاضرة أو لثبوتها في اللوج أو مع الملك، وهذا على جعل تلك مبتدأ، وآيات الكتاب خبره، وقيل إشارة إلى أنباء الرسل عليهم الصلاة والسلام المذكورة في آخر السورة المتقدمة، وأمّا إعراب المر فكما مز في البقرة. قوله:) اي تلك الآيات آيات السورة الكاملة (قيل في بيانه إن خبر المبتدأ إذا عرف بلام الجنس أفاد المبالغة وأنّ هذا المحكوم عليه اكتسب من الفضيلة ما يوجب جعله نفس الجنس، وإنه ليس نوعاً من أنواعه وهو في الظاهر كالممتنع، ولذا قال الزمخشري: الكاملة العجيبة في بابها فيحمل على الاستغراق لمقتضى المقام مبالغة في الكمال إذا أريد بكل كتاب السورة أو على الحقيقة فيدعي اتحاد مفهوم الكتاب بالسورة، ولذا قيل الكتاب دون السورة، وقيل الكمال مستفاد من إطلاق الكتاب الذي هو مجموع المنزل على بعضه فكأنه الكل في الكمال كأنه المستأهل لأن يسمى كتاباً دون غيره، وليس هذا من قبيل قوله تعالى ذلك الكتاب المفيد لحصر جن! الكتاب في المشار إليه فيفيد أنه الكامل دون ما عداه من الكتب إذ المسند هنا ليس معرّفا باللام حتى يفيد حصره في المسند إليه بل المضاف إلى المعرف، وقيل إنّ الكمال مستفاد من حمل اللام على الاستغراق أو الحقيقة للمبالغة في الكمال لا لأنّ مدخول اللام ليس بمسند فإن مدار الإفادة هو
كون اللام لأحد المعنيين المذكورين ليس إلا وليس بمخصوص بالمسند ومن ادعى ذلك فعليه البيان قيل لأنّ ذلك إنما ينتظم أن لو كانت السورة من أفراد الكتاب كما أنّ زيداً في قولك زيد هو الرجل من أفراد الرجال، وما قالوه في ذلك الكتاب لأمر غير ما نحن فيه، ثم إنه إنما اعتبر هذا المعنى هاهنا ليفيد الحكم ولم يعتبر في سورة يوسف لوصفه بالمبين، ولا يخفى عليك أنه إذا أريد بالكتاب السورة فالآيات إتا أن يراد بها جميع آياتها أولاً، والمراد الأوّل وجميع الايات هو السورة فتكون الإضافة بيانية، ويؤول المعنى إلى أنّ تلك آيات هي الكتاب، ومعناه معنى ذلك الكتاب، والمآل أنها سورة كاملة عجيبة ولا بد للقائل من الاعتراف بهذا أيضا، وما أورده من الشبهة قد عرفت دفعه، وقد علم من هذا فائدة، وهي أن الخبر إذا كان مضافا إضافة بيانية إلى المعرف باللام الجنسية يفيد الحصر، وما ذكره شراح الكشاف خال من التكلف والمجاز. قوله: (أو القرآن (بالنصب عطف على السورة فالمعنى آيات هذه السورة آيات القرآن، ولا يلزم منه كون آيات السورة جميع آيات القرآن لعدم الفائدة فيه، وإنما جوّزه في سورة يونس لوصفه بالحكيم. قوله: (هو القرآن كله) تفسير للذي أنزل، ولم يفسره أحد ببعض القرآن هنا، وإذا كان في محل جرّ عطفاً على الكتاب فالحق خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق أو ذلك الحق. قوله: (عطف العام على الخاص) قيل عليه أن الكتاب إمّا بمعنى السورة أو القرآن كما مر وليس أعمّ لأنه إمّا من عطف الكل على الجزء أو من عطف أحد المترادفين على الآخر، وكذا ما قيل إنّ هذا الوجه على إرادة السورة من الكتاب وليس هذا بوارد لأنّ التفسير المذكور للمراد منه في النظم والعموم، والخصوص باعتبار مفهوم الكتاب بمعنى المكتوب من القرآن المتلو الصادق على الكل، والجزء والمراد منه أحد ما صدقاته، والذي أنزل ما أنزل على النبيّ ﷺ ، وهو أعم من ذلك بل من القرآن فتدبر. قوله:) أو إحدى الصفتين على الأخرى) قيل هذا إذا أريد بالكتاب القرآن قيل، وفيه رذ على أبي البقاء ﵀ إذ جعله نعتا للكتاب بزيادة الواو في الصفة كقوله أتاني كتاب أبي حفص والفاروق، ويرد عليه أنّ الذي ذكره في زيادة الواو
стр. 1678
للإلصاق خصه صاحب المغني بما إذا كان النعت جملة، ولم نر من ذكره في المفرد في غير هذا المحل، وعلى ما ذكره المصنف هو كقوله:
هو الملك القرم وابن الهمام
قوله: (والجملة كالحجة على الجملة الأولى (يعني على هذا الوجه، وهو ما إذا كان مبتدأ وخبراً، وعلى ما قبله الحق خبر مبتدأ محذوف، وفي الكشاف بعد ما فسر الكتاب بالسورة هو الحق الذي لا مزيد عليه لا هذه السورة وحدها وفي أسلوب هذا الكلام قول الإنمار؟ لآ هم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها تريد الكملة، والإنمارية هي فاطمة بنت
الخرشب ولدت لزياد العبسي ربيعا الكامل، وعمارة الوهاب وقي! الحفاظ، وأن! الفوارس، وكاتت العرب تسميهم الكملة قال في الكشف، وهو تغليب كالعمرين إن جعل الكامل لقبا وإن جعل وصفا غالباً فأظهر، وفيه نظر لأنه لا يكون تغليبا إلا إذا كان لقباً، وجعل الجمع له أمّا إذا كان وصفا فلا تغليب فيه إلا باذعاء الاختصاص فكيف يكون أظهر مع أنه لقب بلا شبهة، وفيه كلام في حواشي المطوّل، وكانت قيل لها أفي بنيك أفضل فقالت ربيع بل عمارة بل قيس بل أنس ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، والله أنهم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها، ووجه الشبه عقلي مركب في حكم الواحد، وهو امتناع تعين أحد المتقابلين فيهما أعني الفاضل والمفضول في المشبه والطرف، والوسط في المشبه به فكما أنها نفت التفاضل آخراً بإثبات الكمال لكل واحد وأتت بالإجمال بعد التفصيل للدلالة على أن كمال كل واحد منهم لا يحيط به الوصف كذلك هنا لما أثبت لهذه السورة بخصوصها الكمال استدرك عليه بأنّ كل المنز! كذلك فلا تختص سورة دون أخرى بالكمال للدلالة المذكورة، وهذا وجه بليغ ومعنى بديع، وما ذكره المصنف وحمه تعالى شيء آخر وهو أن هذه الجملة لتقرير ما قبلها والاستدلال عليه لأنه إذا كان كل منزل عليه حقا كان الكتاب النازل عليه كلاً وبعضاً حقا فهو كامل لأنه لا أكمل من الحق والصدق، وإنما قال كالحجة، ولم يقل إنه حجة لأنه لا يلزم من الحقية الكمال ولأنه فيه شائبة إثبات الشيء بنفسه فتأقله. قوله: (وتعريف الخبر وإن دل على اختصاص المنزل بكوئه حقاً (إشارة إلى رذ دليل النافين للقياس فإنهم قالوا الحكم المستنبط بالقياس غير منزل من عند الله وإلا لكان من لم يحكم به كافرآ لقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٤٤] وكل ما ليس منزلاً من عند الله ليس بحق لهذه الآية لدلالتها على أن لا حق إلا ما أنزله فأشار إلى إبطال المقدمة الثانية بأن المراد بالمنزل من عند الله ما يشمل الصريح، وغيره فيدخل فيه القياس لاندراجه في حكم المقيس عليه المنزل من عنده وأمرنا بالقياس في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ الدال على حسن اتباعه كما بين في الأصول وسكت عن إبطال المقدمة الأخرى لأنّ إبطال إحدى مقدمتي الدليل كاف في عدم صحته، واستقامة الاستدلال به مع أنه علم مما مرّ في المائدة أن المراد بعدم الحكم ليس هو الحكيم بغيره مما ذكر بل الاستهانة به وإنكاره، وقد قيل إنّ المراد من لم يحكم بشيء أصلا مما أنزله، ولا شك أنه من شأن الكفرة أو أن المراد بما أنزله الله هنا التوراة بقرينة ما قبله ونحن غير متعبدين بها فتختص باليهود، ويكون المراد الحكم بكفرهم، إذ لم يحكموا بكتابهم، ونحن نقول بموجبه كما بين في شرح المواقف، ولا قصور في كلام المصنف وحمه الله تعالى كما قيل ثم إنه قيل لمانع أن يمنع دلالة هذه الآية على القصر بل هي دالة على كمال
الحقية في المنزل لعدم الاعتداد بحقية غيره لقصوره عن مرتبة الكمال كما أشار إليه الزمخشري، وبه يندفع ما يتوهم من أنّ الحكم بكمال السورة يشعر بأنّ غيرها ليس كذلك، ولو سلم أنه حقيقيّ فهو بالإضافة إلى غيره من الكتب المنزلة لتحريفها ونسخا فقوله وغيره أي السنة والإجماع، وفيه إشارة إلى انتقاض دليلهم بهما والجواب الجواب وما نطق المنزل الخ إشارة إلى ما مر وقوله وما آتاكم الرسول فخذوه وكنتم خير أفة ونحوه مما يثبت حقية ذلك، ثم إنّ ما ذكروه من كونه إشارة إلى الدليل المذكور في شرح المواقف حتى يعتذر عن عدم تعرضه للمقدمة الأخرى بما مر غير لازم لجواز أن يريد أن حصر الحقية في المنزل من الله يقتضي عدم حقية القياس لأنه من تصزف المجتهدين فيدفع بما ذكر من غير حاجة إلى تكلف ما ذكر
стр. 1679
الداعي إلى ما مرّ من القصور فتأمل. قوله: (مبتدأ وخبر الخ) رجح هذا في الكشف بأن قوله، وهو الذي مد الأرض عطف عليه على سبيل التقابل بين العلويات، والسفليات، وفي المقابل الخبرية متعينة فكذا هذا ليتوأفقا، ولدلالته على أن كونه كذلك مقصود بالحكم لا أنه ذريعة إلى تحقيق الخبر، وتعظيمه كما هو مقتضى الوجه الآتي، وهو على هذا جملة مقزرة لقوله، والذي أنزل إليك من ربك الحق، وعدل عن ضمير الرب إلى الجلالة الكريمة لترشيح التقرير كأنه قيل كيف لا يكون المنزل ممن هذه أفعاله هو الحق، وتعريف الطرفين لإفادة أنه لا مشارك له فيها لا سيما، وقد جعل صلة للموصول، وهذا أشدّ مناسبة للمقام من جعله وصفا مفيداً لتحقيق كونه مدبراً مفصلاً مع التعظيم لشأنهما كما في قول الفرزدق:
إنّ الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً دعائمه أعز وأطول
ولا تنافي بين الوجهين باعتبار أن الوصفية تقتضي معلوميتها، والخبرية تقتضي خلافها
لأنها معلومة عليهما، والمقصود بالإفادة قوله لعلكم بلقاء ربكم توقنون فالمعنى أنه فعلها كلها لذلك، وعلى الثاني فعل الأخيرين لذلك مع أن الكل لذلك، وهذا مما يرجح الوجه الأوّل أيضا كما يرجحه أن ذكر تدبير الآيات، وهي الرفع والاستواء، والتسخير فإنه ذكرها ليستدلّ بها على قدرته، وعلمه ولا يستدل بها إلا إذا كانت معلومة فيقتضي كونها صفة فإن قلت لا بد في الصلة أن تكون معلومة سواء كان الموصول صفة أو خبرا قلت إذا كان صفة دل على انتساب الآيات إلى الله تعالى وإذا كان خبراً دلّ على انتسابها إلى موجود مبهم وهو غير كاف في الاستدلال. قوله: (والخبر يدبر الآمر) ويفصل خبر بعد خبر وعلى الأوّل هما مستأنفان أو يدبر حال من فاعل سخر ويفصل حال من فاعل يدبر أو هما حالان من ضمير استوى وسخر من تتمته لأنه تقرير لمعنى الاستواء، وتبيين له أو جملة مفسرة. قوله: (أساطين) جمع أسطوانة، وهي السارية معربة أستون ووزنها أفعوالة أو فعلوانة كما في القاموس ووقع في بعض نسخة أفعوانة من غلط الكاتب والصحيح ما قاله في المصباح من أنه بضم الهمزة، والطاء السارية، والنون عند الخليل أصل فوزنها أفعوالة وعند بعضهم زائدة والواو أصل فوزنها أفعلانة، وجمعه
أساطين وأسطوانات اهـ. قوله: (جمع عماد كإهاب وأهب او عمود) بالجرّ عطف على عماد وقال ابن مالك في التسهيل إنه جمع لفاعل، وذكروا له أمثلة في كلامهم بلغت اثني عشر مثالاً كما في شرح التسهيل، والمزهر وما قيل إنه جمع العماد كأديم، وأدم واهاب وأهب وأفيق وأفق ولا خامس لها مردود، وكونه جمع عمود لأنّ فعيلاً وفعولاً يشتركان في كثير من الأحكام، وهو مخالف لما في التسهيل من وجهين لأنهم جعلوه جمعا، وهو اسم جمع ولأنه ذكر أنه اسم جمع لفاعل، وهم جعلوه لفعيل أو فعول أو فعال والأمر فيه سهل ورجح كونه اسم جمع برجوع ضمير ترونه في قراءة أبيئ إليه، وقيل إنه راجع لرفع السماوات بغير عمد. قوله: (صفة لعمد أو استئناف (على كونها صفة يصح توجه النفي للصفة فيكون لها عمد لكونها غير مرئية، والمراد بها قدرة الله فيكون العمد على هذا استعارة، ويصح أن يكون لنفي الصفة والموصوف على منوال قوله:
ولا ترى الضب بها ينحجر
لأنها لو كان لها عمد كانت مرئية، وهذا في المعنى كالاستئناف لأنها حينئذ تكون جملة مستأنفة لبيان موجب أنّ السماوات رفعت بغير عمد كأنه لما قيل رفعها بغير عمد قيل ما الدليل عليه فقيل رؤية الناس لها بغير عمد واليه أشار بقوله للاستشهاد فهو كقول القائل:
أنا بلا سيف ولا رمح تراني
ويحتمل أن يكون استئنافاً بدون تقدير سؤال وجواب، وما قيل إنّ المراد بالعمد الغير المرئية جبل قاف غير مناسب رواية ودراية. قوله: (وهو دليل على وجود الصانع الحكيم الخ (كونها متساوية في الجرمية أمر مقزر مثبت في الكلام فما قيل إنه لا دليل عليه عقلا ونقلاً ناشئ عن عدم الاطلاع، وكذا احتمال كونها مركبة من أجزاء مختلفة الحقائق بعضها يقتضي الارتفاع وبعضها يقتضي التسفل، وانّ هذا دليل ظني فتدبر، وقوله ليس بجسم، ولا جسماني أي فيه خواص الأجسام كالتحيز إذ لو لم يكن كذلك لزم التسلسل، وقوله ما ذكر من الآيات أي من تسخير الشمس واخواته، وقوله بالحفظ، والتدبير إشارة إلى أنه ليس المراد بالاستواء ظاهره بل هو استعارة تمثيلية
стр. 1680
لما ذكر كما مرّ تقريره، وقوله كالحركة المستمرّة أي في هذه النشأة، وقوله ينفع أي يجري العادة على ما أراده الله فليس ذهابا إلى تأثير العلويات. قوله: المدّة معينة يتم
فيها) وفي نسخة بها أدواره أو لغاية الخ إشارة إلى أنّ الأجل كما يطلق على مدّة الشيء يطلق على غايتها كما مرّ، وأنّ التسخير لمنافع العباد في هذه الدار وعن ابن عباس ﵄ كل منهما يجري إلى وقت معين فإنّ الشمس تقطع الفلك في سنة، والقمر في شهر لا يختلف جري واحد منهما كما في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [سورة ي! ، الآية: ٣٨، قيل وهذا هو الحق في تفسير الآية، وأمّا قول المصنف رحمه الله تعالى أو لغاية مضروبة الخ فلا يناسب الفصل به بين التسخير والتدبير، ثم إنّ غايتهما المذكورة متحدة، والتعبير بكل يجري صريح في التعذد، وما للغاية إلى دون اللام وما رذ به من أنه إن أراد أنّ التعبير به صريح في تعذد ذوي الغاية فمسلم لكن لا يجديه نفعاً وان أراد صراحته في تعدد الغاية فغير مسلم واللام تجيء بمعنى إلى كما في المغني وغيره، وهو إنما يقتضي صحته لا مناسبته للظاهر ولما بعده وهو الذي ذكره المرجح لتفسير ابن عباس ﵄ على ما اختاره المصنف رحمه الله تعالى فتأمّل، ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [سورة التكوير، الآية؟ أ] عبارة عن فناء العالم، وقيام الساعة كما سيأتي، وقوله أمر ملكوته أي ما يجري في ملكه. قوله: (ينزلها ويبينها مفصلة الخ) فالمراد بالآيات آيات الكتاب المنزلة وهو المناسب لما قبله أو المراد بالآيات الدلائل لأنه المناسب لما بعده، والمراد بالدلائل رفع السماوات بغير عمد الخ، وتفصيلها بمعنى إحداثها وقال غيره بمعنى تبيينها، والمراد بالدلائل ما يدل على وجود الصانع وصفاته وألوهيته، وحكمته وقدرته، ويلزم من معرفة ذلك العلم بصحة القول بالحشر والنشر والجزاء كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى بقوله أنّ من قدر الخ. قوله: (بسطها طولاً وعرضاً (استدل به بعضهم على تسطيح الأرض وأنها غير كرية بالفعل، وأن من أثبته أراد به أنه مقتضى طبعها كما بين في محله ورد بأنه ثبت كريتها بأدلة عقلية لكنه لعظم جرمها يشاهد كل قطعة، وقطر منها كأنه مسطح، وهكذا كل دائرة عظيمة، ولا يعلم كريتها إلا الله. قوله: (جمع راسية الخ (اعترض عليه بأنّ أئمة العربية كابن مالك وابن الحاجب، وأبي حيان صرّحوا بأن فواعل يجمع عليه فاعلة مطلقا، وفاعل إذا كان صفة مؤنث كحائض أو صفة ما لا يعقل مذكراً كجمل بازل وبوازل أو اسما جامداً أو ما جرى مجراه كحائط وحوائط، وأمّا صفة المذكر العاقل فلا تجمع عليه إلا شذوذاً كهالك وهوالك، ومن ظن أن فاعلاً المذكر لا يجمع عليه مطلقاً فقد غلط كما صرّج به ابن مالك في كافيته وشرحها، وهو مما لا شبهة فيه، وقد تبع المصنف
رحمه الله تعالى المشهور بينهم فأورد عليه ما أورد عليهم ثم إنّ ما ذكره لا يخلو من شيء لأنّ تاء المبالغة في فاعله غير مطردة، ولأن رواسي إذا كان صفة فموصوفه إمّا جبال أو أجبل والثاني غير مراد، ولأنه جمع جبل فيلزم كون مفرد رواسي راسيا والأوّل مفرده أيضا جبل لا أجبل لأنه ليس بجمع الجمع كما صرح به أهل اللغة، وأمّا قول أبي حيان رحمه الله تعالى بأنه غلب على الجبال وصفها بالرواسي، ولما استغنوا بالصفة عن الموصوف جمع جمع الاسم كحائط، وحوائط فلا حاجة إليه، وما أورد من أن الغلبة تكون بكثرة الاستعمال، والكلام في صحته من أوّل الأمر ففيما ذكره دور فيه نظر لأنّ كثرة استعمال الرواسي غير جار على موصوف تكفي لمدّعاه فتأمّل، وكذا ما قيل إنه جمع راسية صفة جبل مؤنث باعتبار البقعة. قوله: (على أنها صفة جبل الخ (لما كانت صيغة جمع الكثرة للفظ تنتظم أضعاف عدد جمع القلة لذلك اللفظ، وان أريد بجمع القلة غاية ما يصح أن يطلق عليه فلذا قيل أجبل راسية، وجبال رواس ورد عليه ما قيل من أنه إما أن يرأد بالجبال إلا جبلات جمع الجمع فلا يخطر ببال أحد، ولا يتوقف تحقيق مراد المصنف عليه فمن أورد على المصنف أنه لا حاجة إلى جعل مفردها صفة لجمع القلة، وهو أجبل بأن يعتبر في جمع الكثرة انتظامه لطوائف من جموع القلة ينزل كل منها منزلة مفرده فقد ألزمه ما لم يلزمه وإذا صح إطلاق أجبل راسية على جبال قطر مثلأ صح إطلاق الجبال على جبال جميع الأقطار من غير إرادة جعل الجبال جمع أجبلات، وبما ذكرنا تبين أيضا فساد ما قيل إنه لا مجال
стр. 1681
لما ذكر فإن جمعية كل من صيغتي الجمعين إنما هي لشمول الأفراد لا باعتبار شمول جمع القلة للأفراد وجمع الكثرة لجموع القلة فكل منهما جمع جبل لا أنّ جبالاً جمع أجبل فتدبر. قوله:) وعلق بهما فعلاَ واحدأ (من حيث إن الجبال أسباب لتولدها هذا بناء على ما ذهب إليه بعض الحكماء من أن الجبال لتركبها من أحجار صلبة إذا تصاعدت إليها الأبخرة احتبست فيها، وتكاملت فتنقلب مياها، وربما خرقتها فخرجت منها والذي تدل عليه الآثار أنها تنزل من السماء، ولما كان نزولها عليها أكثر كانت كثيرا ما يخرج منها، ويكفي هذا لتشريكهما في عامل، وجعلهما جملة واحدة. قوله: (أي وجعل فيها من جميع أنواع الثمرات الخ) يعني أنّ معنى كون الثمرات زوجين زوجين أنّ كل ثمر مختلف بما ذكر وترك تفسيره بأن حين مدّ الأرض جعل كل صنف منها زوجين لأنه كما في الكشف دعوى بلا دليل، والزوج يطلق على الشيئين المزدوجين، وعلى كل واحد منهما فإن أريد الأول فاثنين مؤكد وإن أريد الثاني فمبين. قوله: (يلبسه مكانه فيصير الجوّ مظلماً بعدما كان مضيئا) غشيه بمعنى ستره، وغشاه بكذا جعله ساترأ له، ومنه غاشية السرج، والنهار
زمان ظهور الشمس، وانتشار الضوء، والليل زمان غيبوبتها فليس أحدهما مسئوراً بالآخر فلذا جعلوه بمعنى غشيان مكان النهار واظلاله له، وذلك بمنزلة غشيانه نفسه، فالتجوّز في الإسناد بإسناد ما لمكان الشيء إليه، ويجوز فيه أن يكون استعارة كقوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٥] يجعله مغشيا للنهار ملفوفا عليه كاللباس على الملبوس والأوّل أوجه وأبلغ ومكانه هو الجوّ وفي جعله مكاناً له تجوز لأنّ الزمان لا مكان له، والمكان للضوء الذي هو لازمه، واكتفى بذكر تغشية الليل النهار مع تحقق عكسه للعلم به منه مع أنّ اللفظ يحتملهما لأنّ التغشية بمعنى الستر، وهي أنسب بالليل من النهار. قوله: (فإنّ تكوّنها وتخصصها بوجه دون وجه الخ) قال الإمام الأكثر في الآيات إذا ذكر فيها الدلائل الموجودة في العالم السفلي أن يجعل مقطعها إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وما يقرب منه وسببه أنّ الفلاسفة يسندون حوادث العالم السفلي إلى الاختلافات الواقعة في الأشكال الكوكبية فردّه الله تعالى بقوله لقوم يتفكرون لأنّ من تفكر فيها علم أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث من الاتصالات الفلكية ولذا عقبه بقوله: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ﴾ الخ ومن تأمّل هذه اللطائف علم اشتمال القرآن على علوم الأوّلين والآخرين ثم بين كيفية الاستدلال بما لخصه منه المصنف في قوله بعضها طيبة وبعضها سبخة الخ. قوله: (لاشتراك تلك القطع الخ) ، وأمّا اشتراكها في الطبيعة الأرضية فظاهر لأنها بسيطة متحدة المادّة، وما يعرض لها بالعين المهملة على الصحيح، وفي بعض النسخ يفرض بالفاء أي ما يقدر لها وبينه بالأسباب السماوية، وقوله من حيث إنها متضامّة تعليل للاشتراك، وقوله متشاركة في النسب أي في نسب العلويات، وأوضاعها في الاقترانات ونحوها. قوله: (وبساتين فيها أنواع الأشجار والزروع) بساتين جمع بستان وهو الحديقة معرب بوستان، وفي الكشاف وفي بعض المصاحف قطعا متجاورات على معنى وجعل، وقرئ وجنات بالنصب للعطف على زوجين أو بالجرّ على كل الثمرات، وقرئ وزرع ونخيل بالجز عطفاً على أعناب أو جنات اهـ وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى الظاهر أنه على رفع جنات عطفا على قطع، وقرئ بنصبه عطفا على زوجين مفعول جعل، ومن كل الثمرات حالاً مقدّما لا صلة جعل لفساد المعنى عليه أي جعلنا فيها زوجين حال كونهما من كل الثمرات، وجنات من أعناب، ولا يجب تقييد المعطوف بقيد المعطوف عليه فإن قلت إنهم قالوا في قوله:
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٢٥] إنه لازم قلت قال في الكشف مرادهم ثمة إنه الظاهر الذي لا يخالف إلا لقرينة وهاهنا القرينة قائمة وقرئ بجرّه عطفا على كل الثمرات على أن يكون هو مفعولاً بزيادة من في الإثبات وزوجين اثنين حالاً منه، والتقدير وجعل فيها من كل الثمرأت حالة كونها صنفين صنفين، وقوله وتوحيد الزرع يعني لم يقل زروعاً لأنه مصدر في أصله وفي نسخة في الأصل مصدر زرع يزرع زرعا فالمصدر شامل للقليل والكثير. قوله: (وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص وزرع ونخيل صنوان بالرفع عطفاً على وجنات) فيه تسمح بذكر صنوان كما في نسخة وفي نسخة إسقاطها، وهي ظاهرة لأنه ليس معطوفا بل تابع للمعطوف، وكذا في قوله وجنات بالواو كما
стр. 1682
في النسخ، فإنّ المعطوف عليه جنات، ثم إنه إذا عطف على جنات فهو واضح، وأئا إذا عطف على أعناب والزروع لا تعد حدائق فجعله في الكشف نحو متقلداً سيفا ورمحا أو المراد إنّ في الجنات فرجا مزروعة بين الأشجار، وهو أحسن منظراً وأنزه.
قوله: (وقرأ حفص! بالضتم وهو لغة بني تميم كقنوان في جمع قنو) على قراءة الجمهور بالكسر هو مما اتحد فيه مثناه، وجمعه قال ابن خالويه في كتابه ليس، ولم يأت منه إلا ثلاثة أسماء صنو، وصنوان، وقنو وقنوان وزيد بمعنى مثل وزيدان، وحكى سيبويه شقد وشقدان وحش وحشان للبستان، وكون هذه مروية عن حفص نقله الجعيرقي رحمه الله تعالى في شرح الشاطبية فقال روى اللؤلؤي عن أبي عمرو القواس عن حفص ضمّ صاد صنوان فسقط ما قيل إنّ المصنف رحمه الله تعالى تبع فيه الإمام، ولكن لم تقع هذه القراءة منسوبة إلى حفص في كتب القرا آت المشهورة بل عزوها إلى ابن مصرف والسلمي، وزيد بن عليّ، وسبب اختلافهم أن القرا آت السبع لها طرق متواترة، وقد ينقل عنهم من طرق أخر قراءة فتكون شاذة، وقارئها أحد السبعة فأعرفه فإنه ينبني عليه أمور يعترض بها على الناقل كما هنا. قوله: (في الثمر (الأكل بضم الهمزة، والكاف وتسكن ما يؤكل، وهو هنا الثمر، والحب ففي كلام المصنف رحمه الله تعالى تغليب، والأصول هي العناصر، والأسباب ما ينمو به كالسقي، وحز الشمس، ونحوه مما جعله الله سببا لذلك، وقوله ليطابق قوله يدبر الأمر ليس المراد أنّ القراءة بالرأي لأجل هذا كما توهم بل كان وجه نزولها كذلك في تلك، وهذا هو الظاهر، وقوله يستعملون
عقولهم إشارة إلى أنه نزل منزلة اللازم. قوله: (وإن تعجب يا محمد من إنكارهم الخ) هكذا قرّره الزمخشريّ، واعترض عليه بأنّ هذا ليس مدلول اللفظ لأنه جعل متعلق عجبه ىسييه هو قولهم في إنكار البعث وجواب الشرط هو ذلك القول فيتحد الشرط، والجزاء إذ تقديره إن تعجب من إنكارهم البعث فأعجب من قولهم في إنكار البعث وهو غير صحيح، وإنما المعنى أن يقع منك عجب فليكن من قولهم أئذا متنا الخ. وما ذكره وجه حسن بجعل تعجب منزلاً منزلة اللازم، والخطاب للنبيّ ﷺ ، وأمّا اعتراضه فغير صحيح لأنّ مرادهم بعد جعل الخطاب للنبيّ رسول الله ﷺ أنّ الشرط، والجزاء متحدان صورة ومتغايران حقيقة كقوله: " من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرقه إلى الله ورسوله " وقوله من أدرك الصمان فقد أدرك المرعى وهو أبلغ في الكلام لأن معناه أنه أمر لا يكتنه كنهه ولا تدرك حقيقته وأنه أمر عظيم كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى بقوله حقيق بأن يتعجب منه، وقيل الخطاب عام أي وإن تعجب يا من نظر في هذه الايات، وعلم قدرة من هذه أفعاله فازدد تعجباً ممن ينكر مع هذا قدرته على البعث، وهو أهون شيء عليه، وقيل المعنى إن تجدد منك التعجب لإنكارهم البعث فاستمرّ عليه فإن إنكارهم ذلك من الأعاجيب كما تدل عليه الاسمية. قوله:) فإنّ من قدر على إنشاء ما قصى عليك الخ (يعني ما ذكر سابقاً من الأمور العجيبة التي تدلّ على قدرة يصغر عندها كل عظيم، ودلالة ما ذكر على المبدأ ظاهرة، وكذا قبول موادها التصرّفات بنموها، واخراجها الثمر، وغير ذلك. قوله: (بدل من قولهم (قال أبو حيان رحمه الله تعالى هذا إعراب متكلف، والوجه هو الثاني من أنه مقول القول، والقرا آت في أئذا وأئنا مسطورة في فنها، وقوله والعامل في إذا محذوف دل عليه أئنا لفي خلق جديد، وهو نبعث قال أبو البقاء رحمه الله تعالى، ولا يجوز أن يعمل فيه ما بعد أن، والاستفهام لأنّ معمول ما بعدهما لا يجوز تقدمه عليهما، ولا كنا لأنّ إذا مضافة إليه وردّ الثاني في المغني بأنّ إذا عند من يقول بأنّ العامل فيها شرطها، وهو المشهور غير مضافة كما يقوله الجميع إذا جزمت كقوله:
واذا تصبك خصاصة فتحمل
قيل فالوجه في ردّه أنّ عمله فيها موقوف على تعيين مدلولها، وتعيينه ليس إلا بشرطها فيدور، وفيه نظر لأنها عندهم بمنزلة متى، وايان غير معينة بل مبهمة كما في ذكره القائلون به،
وصرّج به في المغني. قوله: (لآنهم كفروا بقدوته على البعث) كما يدل عليه ما قبله من إنكارهم له، وهو كفر بالله لأنّ من أنكر قدرته فقد أنكره لأنّ الإله لا يكون عاجزاً، ولأنه تكذيب لله، ولرسله عليهم الصلاة والسلام المتفقون عليه. قوله: (مقيدون بالضلالة لا يرجى
стр. 1683
خلاصهم الخ) يعني هذه الجملة إن نظر إلى ما قبلها، وجعلت وصفا لهم بامتناعهم من الإيمان، واصرارهم على الكفر فهي تشبيه، وتمثيل لحالهم في الدنيا في الإصرار، وعدم الالتفات إلى الحق بحال طائفة في أعناقهم أغلال لا يمكنهم الالتفات كقوله:
كيف الرشاد وقد خلفت في نفر لهم عن الرشد أغلال وأقياد
وان نظر إلى ما بعدها تكون لوصف حالهم في الآخرة إمّا حقيقة، وهو ظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى وامّا تشبيهاً لحالهم بحال من يقدم للسياسة. قوله: (وتوسيط الفصل لتخصيص! الخلود بالكفار) يعني أنّ الخلود هنا على ظاهره لا بمعنى المكث الطويل فالمراد بأصحاب النار الكفار، والخلود مقصور عليهم ولذا وسط الضمير، وأورد عليه أنه ليس ضمير فصل لأنّ شرطه أن يقع بين مبتدأ، وخبر ويكون اسما معرفة أو مثل المعرفة في أنه لا يقبل حرف التعريف كأفعل التفضيل، وهذا ليس كذلك، وقيل في جوابه مراد. بضمير الفصل الضمير المنفصل، وأنه أتى به وجعل الخبر جملة مع أنّ الأصل فيه الإفراد لقصد التخصيص، والحصر كما في هو عارف، ولا يخفى أنه من عناية القاضي، ولو قيل إنّ الزمخشريّ لا يتبع النحاة في اشتراط ما ذكر كما أنّ الجرجاني والسهيلي جوّزاه إذا كان الخبر فعلاً مضارعا واسم الفاعل مثله وقد تبعه المصنف رحمه الله تعالى لكان أقرب. قوله: (بالعقوبة قبل العافية) يعني أنّ المراد بالسيئة العقوبة التي هدّدوا بها والمراد بالحسنة السلامة منها، والخلاص منها، والمراد بكونها قبل العافية أنّ سؤالها قبل سؤالها أو أنّ سؤالها قبل انقضاء الزمان المقدر لها. قوله تعالى: ( ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ﴾ الخ) الجملة حالية، ويجوز أن تكون مستأنفة، والمثلات قراءة العامّة فيها فتح الميم وضمّ الثاء جمع مثلة كسمرة وسمرات، وهي العقوبة
الفاضحة، وفسرها ابن عباس ﵄ بالعقوبة المستأصلة للعضو كقطع الأذن، ونحوه سميت بها لما بين العقاب، والمعاقب عليه من المماثلة كقوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [سورة الثررى، الآية: ٤٠] أو هي مأخوذة من المثال بمعنى القصاص يقال أمثلته وأقصصته بمعنى واحد أو هي من المثل المضروب لعظمها، وقرأ ابن مصرف بفتح الميم وسكون الثاء، وهي لغة أهل الحجاز، وقرأ ابن وثاب بضم الميم وسكون الثاء، وهي لغة تميم، وقرأ الأعمش ومجاهد بفتحهما، وعيسى بن عمر وأبو بكر بضمهما إفا الضم، والإسكان فهي لغة أصلية أو مخففة من مضموم العين، وأفا ضمهما فلغة أصلية، ويحتمل أنه اتبع فيه العين للفاء، وقوله عقوبات أمثالهم العقوبات تفسير للمثلات كما مرّ، وأمثالهم مأخوذ من قوله، وقد خلت من قبلهم، وقوله المثلة بفتح الثاء، وضمها يعني كلاهما لغة فيها، وقوله لأنها مثل المعاقب عليه أي الذنب، وقوله إذا قصصته أي اقتصصت منه، وقوله وقرئ المثلات بالتخفيف أي تسكين الثاء بعد فتح الميم، وهو في الأصل مضموم العين أو مفتوحها أو هي لغة كما مز، وقوله والمثلات أي بضمتين، والثانية أصلية أو حركة اتباع، وقوله اتباع الفاء العين مصدو مضاف لفاعله أو مفعوله، وقوله والمثلات بالتخفيف بعد الاتباع أي بضم الميم، وسكون الثاء تخفيف المثلات بضمتين، ولم يجعله أصليا لأنّ قياسه بالفتح كحجرة، وحجرات، وقوله والمثلات أي بضم الميم وفتح الثاء كركبة وركبات. قوله: (مع ظلمهم أنفسهم ومحله النصب الخ) أي الجارّ والمجرور حال من الناس والعامل فيها هو العامل في صاحبه وهو المغفرة وهذه الآية ظاهرة في مذهب أهل السنة وهو جواز مغقرة الكبائر، والصغائر بدون توبة لأنه ذكر المغفرة مع الظلم أي الذنب، ولا يكون معه إلا قبل التوبة لأنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وهم يؤولونها بأنّ المراد مغفرة الصغائر لمجتنب الكبائر أو مغفرتها لمن تاب أو المراد بالمغفرة معناها اللغوي، وهو الستر بالإمهال، وتأخير عقابها إلى الآخرة، ولا يرد عليه أنه تخصيص للعام من غير دليل لأنّ الكفر خص منها بالإجماع فيسري التخصيص إلى ذلك لأنه لو حمل على ظاهره لكان حثا على ارتكابها، وفيه نظر نعم التأويل الأخير في غاية البعد لأنه كما قال الإمام! لا يسمى مثله مغفرة، هالا لصح أن يقال إنّ الكفار مغفورون يعني أنه مخالف للظاهر، ولاستعمال القرآن فلا يتوجه عليه أنّ المغفرة حقيقتها في اللغة الستر، وكونهم مغفورين بمعنى مؤخر عذابهم إلى الآخرة لا محذور فيه
стр. 1684
وهو المناسب لاستعجالهم العذاب. قوله: (لشديد العقاب للكفار (التخصيص لأنّ ما قبله في شأنهم، والتعميم هو المتاسب لقوأ، للناس قبله، والحديث المذكور أحض جه ابن أبي حاتم والثعلبي، والواحدي من حديث سعي! ٣بئ
المسيب مرسلا، وقوله: " لما هنأ " بالهمزة أي ما التذ وتهنأ به، وقوله: " لا تكل كل أحد " أي اعتمد على عفو الله وكرمه فترك العمل. قوله: (لعدم اعتدادهم بالآيات المنزلة الخ (يعني قولهم هذا يقتضي عدم النزول، وهو مخالف للواقع فإمّا أن يكون لعدم الاعتداد بما أنزل علي! أو المراد آية مما كان للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قبله كالعصا واحياء الموتى وتنوين آية للتعظيم، ويجوز أن يكون للوحدة، والفرق بين الوجهين في كلام المصنف رحمه الله تعالى ظاهر. قوله: (مرسل للإنذار كغيرك من الرسل عليهم الصلاة والسلام الخ) يعني لما لم يعتدوا بالآيات المنزلة، ولم يجعلوها من دلائل النبوّة بل ما اقترحوه تعنت قيل إنما أنت منذر لا منصوب لإجابتهم في مقترحاتهم، ولك أسوة بسائر الرسل المنذرين الذين لم ينتصبوا لإجابة المقترحين، وجملة الله يعلم على هذا استئنافية جواب سؤال، وهو لماذا لم يجابوا لمقترحهم فتنقطع حجتهم فلعلهم يهتدن بأنه آمر مدبر عليم نافذ القدرة فعال لما تقتضيه حكمته البالغة دون آرائهم السخيفة فهاد عبارة عن الداعي إلى الحق المرشد بالآية التي تناسب كل نبيئ، والتنكير للإبهام، والحصر إضافيّ أي إنما عليك البلاغ لا إجابة المقترحات، والوجه الثاني أنهم لما أنكروا الآيات عناداً لكفرهم الناشئ عن التقليد، ولم يتدبروا الآيات قيل إنما أنت منذر لا هاد مثبت للإيمان في صدورهم صاذ لهم عن جحودهم فإنه إلى الله وحده فالهادي هو الله والتنكير للتعظيم، وقوله الله أعلم تفسير لقوله هاد أو جملة مقرّرة مؤكدة لذلك والحصر إضافيّ أي عليك الإنذار لا هدايتهم، وأيصالهم إلى الإيمان، وقوله نبيّ مخصوص بمعجزات تليق به وبرماته كما أن موسى ﵊ لما كان في عصره السحر جعلت آياته قلب العصا، وخوها، وعيسى ﵊ لما غلب على قومه الطب أبرأ ا! مه، وأتى بما أتى، ونبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، لما بعث بين أظهر قوم بلغاء جعل أشهر آياته، وأعظمها القرآن مع ما ضمّ إلى ذلك مما فإن معجزة كل نبيّ، وهذه جملة مستأنفة، ويجوز عطف هاد على منذور جعل المتعلق مقدّما عليه للفاصلة لكن الأولى خلافه لما فيه من الفصل بين العطف، والمعطوف بالجارّ، والمجرور المختلف فيه عند النحاة إلا أنّ هذا يدل على عموم رسالته وشمول دعوته وقد يجعل خبر مبتدأ مقدر أي وهو هاد أو وأنت هاد وعلى الأوّل فيه
التفات. قوله: (أو قادر على هدايتهم) عطف على قوله نبيّ وتنوينه للتعظيم والتفخيم كما مز، وفي الكشاف إنّ هذا ناظر إلى الوجه الآخر في تفسير قوله لولا أنزل عليه، وقوله تنبيها على أنه تعالى قادر الخ ناظر إلى قوله على كمال علمه وقدرته وجار على تفسير الهادي وقيل إنه مخصوص بتفسيره بالنبيّ رسول الله ﷺ فقط وفيه نظر. قوله: (وإنما لم ينزل لعلمه الخ) إشارة إلى أنّ قوله الله يعلم الخ جواب سؤال مقدّر كما بيناه وقوله لعلمه بأنّ اتتراحهم للعناد فلا يفيد أو يستوجب الاستئصال، وقوله وأنه قادر على هدايتهم عطف على أنه تعالى قادر وناظر إلى قوله، وشمول قضائه، وقدره، وإلى الثاني من معنى الهادي. قوله: (وإنما لم يهدهم لسبق قضائه عليهم بالكفر (قيل إنه لا يقطع السؤال فالأولى أن يقال لحكمة لا يعلمها إلا الله ورد بأنّ المراد أنه سبق قضاؤه به لعلمه بأنهم يختارون الكفر فلا يلزم الجبر وينقطع السؤال على هذا الوجه الآية جواب سؤال أي لم لم يهدهم وأقيم الظاهر فيها مقام المضمر. قوله: (أي حملها أو ما تحمله) يعني ما إمّا مصدرية أو موصولة، والعائد محذوف ويجوز أن تكون موصوفة وعلى الأوّل الحمل بمعنى المحمول، وعلم قيل إنها متعدية إلى واحط هنا فهي عرفانية ونظر فيه بأنّ المعرفة لا يصح استعمالها في علم الله، وقد مرّ الكلام فيه مفصلا، وقوله وأنه عطف تفسير وفي أكثر النسخ إنه بدون عاطف فهو بدل اشتمال لا مفعول ثان لعلم لأنه لا يجوز الاقتصار على أحد مفعولي باب علم، وفيه كلام في العربية، وجوّز في ما أن تكون استفهامية معلقة لعلم، والجملة سادة مسذ المفعولين، وما مبتدأ أو مفعول مقدم، وهو خلاف الظاهر المتبادر ففيها ثلاثة وجوه تجري فيما بعدها.
стр. 1685
قوله:) وما تنقصه وما تزداده (يقال غاض الشيء وغاضه غيره كنقص، ونقصه غيره فيكون متعديا ولازما كذا ازداد، وفسر الزيادة، والنقص بأن تكون في الجثة أو في مدة الحمل أو في عدده لإطلاقه واحتماله لما ذكر، والخلاف في أكثر مدة الحمل، وأقلها مفصل في كتب الفروع، وهرم بوزن كتف وحيان بالمثناة التحتية بالصرف وعدمه وما نقله عن الشافعي رضي الله تعالى عنه من وضع خمسة أولاد في بطن واحد من
النوادر وقد وقع مثله في هذا العصر لكن ما زاد على اثنين لضعفه لا يعيش إلا نادراً. قوله:) وقيل المراد نقصان دم الحيض الخ (فيجعل الدم في الرحم كالماء في الأرض يظهر تارة، ويغيض أخرى وتعدى هذين ولزومهما متفق عليه بين أهل اللغة، وقوله تعين ما أن تكون مصدرية، وفي نسخة تعين أن تكون ما مصدرية، وهي أحسن، وتعين المصدرية لعدم العائد، وعلى التعذي يحتمل الوجهين، وقوله واسنادهما إلى الأرحام يعني على وجهي التعدي، واللزوم، وقوله فإنهما لله يعني على التعذي أو لما فيها على اللزوم ففيه لف، ونشر تقديري. قوله:) بقدر لا يجاوزه ولا ينقص عنه الخ) أي مما كان وما هو كائن موجوداً أو معدوما إن شملهما الشيء، والا فهو معلوم بالدلالة، وعنده صفة كل أو شيء، وقوله وهيأ له أسباباً أي لوجوده وبقائه حسبما جرت به العادة الإلهية، وقوله وقرأ ابن كثير هاد ووال الخ أي كل منقوص غير منصوب اختلف فيه القراء في إثبات الياء وحذفها وصلا ووقفاً كما فصل في علم القرا آت. قوله:) الغائب عن الحس (مرّ تحقيقه في البقرة، والشهادة الحاضر له أي للحس، وقوله الكبير العظيم الشأن يعني أن الكبر في حقه تعالى لتنزهه عن صفات الأجسام عبارة عن عظم الشأن، وقال الطيبي أن معنى الكبير المتعال بالنظر لما وقع بعده، وهو عالم الغيب والشهادة هو العظيم الشأن الذي يكبر عن صفات المخلوقين ليضمّ مع العلم العظمة، والقدرة بالنظر إلى ما سبق من قوله ما تحماى كل أنثى الخ مع إفادته التنزيه عما يزعم النصارى، وألمشركون وعالم الغيب خبر مبتف أمحدوف أو هو مبتدأ والكبير خبره أو خبر بعد خبر، وقوله الذي لا يرج أي لا يزول، وفي نسخة لا يخرج وصفه به بقرينة ما سبقه من قوله عالم الغيب، والشها إة. قوله: (أو الذي كبر عن نعت المخلوقين وتعالى عنه (معطوف على قوله العظيم الشآن لا على قوله الذي لاب-ء لأنه تفمص جر آخر للكبير المتعال فمعناه على الأوّل العظيم الشأن المستعلب على كل شيء في ث اته، ويهلما / وسائر صفاته، وعلى هذا معناه الكبير الذي يجل عما نعته به الخلق، ويتعالى عن! ذالأوّل-خزب؟ ء له في ذاته وصفاته عن مداناة شيء منه، وعلى هذا معناه-:! يهه عما وصفه الىءصفرد به فهـ، رذ لهم كقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة
المؤمنون، الآية: ٩١] . قوله: (سواء منكم من اسرّ القولي ومن جهر به الخ) فيه وجهان أحدهما أنّ سواء خبر مقدم، ومن مبتدأه مؤخر، ولم يثن الخبر لأنه مصدر في الأصل، وهو الآن بمعنى مستو منكم حال من الضمير المستتر فيه لا في أسرّ، وجهر لأنّ ما في حيز الصلة، والصفة لا يتقدم على الموصول والموصوف، وقيل سواء مبتدأ لوصفه بمنكم، ونقل عن سيبويه، وفيه الأخبار عن النكرة بالمعرفة، ومعنى أسرّ القول أخفاه في نفسه، ولم يتلفظ به، وهو ظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى، وهو أبلغ، وقيل تلفظ به بحيث يسمع نفسه دون غيره، والجهر ما يقابل السرّ بالمعنيين لكن على هذا ينبغي تفسير الجهر بما لم يضمر في النفس والمصنف رحمه الله تعالى فسره بمعناه المتبادر لأنه أبلغ لدلالته على استواء الكلام النفسي والكلام الذي يسمعه الغير عنده فتنبه. قوله: (طالب للخفاء في مختبا بالليل (أي محل الاختباء، وهو الاختفاء، وينبغي أن يكون قوله في مختبأ صفة طالب ليفيد الاختفاء إذ مجرّد الطلب له غير كاف هنا والسارب اسم فاعل من سرب إذا ذهب في سربه أي طريقه، ويكون بمعنى تصرّف كيف شاء، وأريد به هنا لازم معناه، وهو بارز وظاهر لوقوعه في مقابلة مستخف والمصنف رحمه الله تعالى ذهب إلى أنّ سرب حقيقة بمعنى برز، وهو ظاهر. قوله: (وهو عطف على من أو مستخف) أي سارب يعني إن سواء بمعنى الاستواء يقتضي ذكر شيئين، وهنا إذا كان سارب معطوفا على جزء الصلة أو الصفة يكون شيئا واحداً فدفع بوجهين أحدهما أن سارب معطوف على من هو الخ لا على ما في حيزه كأنه قيل سواء منكم إنسان هو مستخف وآخر هو سارب قال في الكشف، والنكتة في زيادة هو في الأوّل أنه الدال على كمال العلم فناسب زيادة
следующие страницы →